أدعياء التجديد الديني، على أطراف أصابعهم!

Silhouette With Clipping Path of Man Taking Step 

د.أحمد خيري العمري

اسم الكتاب : مستقبل الإسلام في الغرب والشرق- سلسلة حوارات لقرن جديد

المؤلف: مراد هوفمان- عبد المجيد الشرفي

دار النشر: دار الفكر – دمشق

الطبعة الاولى 2008م

تمثل حوارية “مستقبل الإسلام في الغرب والشرق” فرصة نادرة للقاء بين رؤيتين مختلفتين للإسلام ولمستقبله، واحدة منهما رؤية مفعمة بالأمل دون أن تنفي وجود المخاطر المحدقة، رؤية ترى إمكانات كامنة – وإن كانت غير مستغلة – للنظم الإسلامية في شتى الميادين، أما الرؤية الأخرى، فهي تقول بالحرف الواحد: إن البحث عن “نظم كهذه بمثابة جري وراء السراب!..”ص 108

ولأننا نعيش في عالم لا يجب أن نستغرب فيه من أي شيء.. فإنه ليس من المستغرب هنا أن تكون الرؤية الأولى، المفعمة بالأمل، هي لمسلم غربي ولد كاثوليكياً، واهتدى إلى الإسلام عندما كان على مشارف الخمسين من العمر، إنه الدبلوماسي الألماني المعروف “مراد هوفمان”.

أما الرؤية الثانية فهي للدكتور عبد المجيد الشرفي الذي ولد مسلماً وأتمَّ دراسة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية، وقد كان – إلى تقاعده-  أستاذ الحضارة الإسلامية في الجامعة التونسية، وكل مؤلفاته، تدور حول الفكر الإسلامي، و”تحديثه“.

هذه المفارقة بالذات هي أهم ما في الكتاب – على كثرة ما طرحه المتحاوران من أشياء مهمة- لكنها تلخص في رأيي مأزق الاستلاب الحضاري الذي يعاني منه كثير من الدارسين والمشتغلين في الفكر الإسلامي، وكثير من المسلمين بطبيعة الحال.

نحن هنا أمام نموذجين؛ يمثل كل منهما حالة حضارية تناقض الأخرى: هوفمان الخارج من عمق الحضارة الغربية، خابراً تناقضاتها وأزماتها الدفينة، متطلعاً إلى الإسلام كمادة أساسية لبناء حضارة أخرى. والشرفي الخارج من كل واقعنا السلبي وتناقضاته وأزماته، متطلعاً إلى الحضارة الغربية وبريقها باعتبارها طوق الإنقاذ الوحيد الممكن..

جغرافياً سيبدو أن كل منهما ينظر باتجاه الآخر، لكن الأمر أعقد من ذلك، ذلك أن القيم الحضارية لا تسكن خطوط الطول والعرض بالضبط، وإن كانت الأوعية التي تحملها تتمثل فيها أحياناً..

سيبدو لنا هوفمان هنا، كما لو كان حبيساً في بطن الحوت، مثل يونس، لكن الحوت هنا هو حوت الحضارة الغربية ببريقها وقوتها وكل ما لا يمكن إنكاره من انتصاراتها،  تلك الحضارة التي التقمته جعلته يدخل فيها، لكنها لم تدخل فيه، لم تدخل في ثنايا قلبه أو تلافيف دماغه، لذلك فهو فيها، لكنه يرنو إلى الخروج نحو أرض جديدة – وتسبيحته في بطن الحوت، هي الرؤية الجديدة التي تنطلق من حقيقة أن الظلم، ليس فقط بظلم الجلاد للضحية، ولكن باستسلام الضحية للجلاد أيضاً، بالاستسلام للمكوث في بطن الحوت لمجرد جبروته وسطوته وانتصاره..

الدكتور الشرفي على الجانب الآخر ليس في “بطن الحوت”، لكن الحوت في داخله بطريقة أو بأخرى، أو ربما ليس الحوت، ربما ذلك العجل الذي أشرب في قلوب بني إسرائيل، لكنه عجل الحضارة الغربية هذه المرة، الحضارة المنتصرة التي صارت تمثل المرجع والمعيار وصار كل ما هو “صواب” أو “خطأ” يعود لشروطها وتقييمها..

وهذه هي المشكلة تحديداً مع صاحبنا هذا في جانبه من الحوار.. فهناك مقدمات لحواره لا يمكن أن نختلف معه فيها، مثل” ضرورة وجود قراءات جديدة للنص القرآني” لكن المشكلة هي خط السير بعد هذه المقدمة، ذلك أن المسار سيحدد باتجاه تلك الحضارة ومعطياتها وشروطها كما لو أن أي طريق آخر، وشروط أخرى لا تقع إلا في نطاق الاستحالة.

سنلاحظ إن الدكتور الشرفي، بذكاء شديد، يتجنب قدر الإمكان استخدام لفظ “التجديد”، ويستخدم بدلاً عنها “التحديث”، ليس ذلك دون سبب وجيه.. ذلك أن التجديد هو “إضافة جديد على القديم” – كما يقول في لقاء صحفي معه نشر في موقع الحوار المتمدن- أما التحديث فهو يدخل في عملية الانسجام بين متطلبات الحداثة والتدين الذي هو موروث عن قبل فترة ما قبل الحداثة..

هذا هو التحديث المطلوب إذن: انسجام بين متطلبات الحداثة (أو شروطها) وبين التدين، وهذه العبارة هي وجه آخر للقول: إن التحديث هو “إخضاع الدين لشروط الحداثة“، فشروط الحداثة ومتطلباتها هي المرجع الأساسي الذي يجب “قراءة النص الديني” من خلاله، ويجب لَيّ عنق هذا النص هنا، أو قطعه أحياناً، لا بأس – من أجل “انسجام التدين مع متطلبات الحداثة”. وهذا هو بالضبط التشرب بعجل الحضارة الغربية في قلب من يقرأ النص، بل ويقرأ الدين كله، وجل همه هو وضعه في قالب مسبق لمعطيات الحضارة الغربية.

 (ماذا لو كان التناقض حادّاً وكان النص قطعي الدلالة؟.. لا بأس في ذلك، سنستخدم تاريخية النص عندها ونقول: كان زمان! وتعددت الأساليب والهدف واحد).

يتحدث الدكتور الشرفي في لقاء آخر عن “التحديث من داخل المنظومة الدينية” دون أن يخبرنا كيف.. لكن مشاركته في هذه الحوارية نموذج لما يقصده: إدخال شروط الحداثة الغربية على المنظومة الدينية بطريقة لا تبدو فيها أنها مفروضة عليها من خارجها..

يقول الشرفي، بصراحة، أن “لا قراءة للنص بريئة تماماً” ص 27، وهو يقصد أن كل قراءة – على مر العصور – كانت تحمل، ضمناً، جزءاً من قارئها وتوجهاته ومعطيات عصره  وظروفه التاريخية. وهذا صحيح ولا شك فيه. لكن هذا لا يساوي قط بين كل القراءات – لا يجعلها جميعاً في سلة واحدة بدعوى أن لا قراءة بريئة – فهناك قراءة تتفاعل مع معطيات عصرها لتصل إلى المقاصد القرآنية – وتلتحم بها – وهناك قراءة أخرى، تعد المعطيات نفسها مرجعاً تحاول أن تخضع النص له مهما كان الثمن.. وهكذا فإن قوله: لا “قراءة بريئة للنص” ينسحب – أيضاً – على قراءته أيضاً بفارق أنه يحدد – بوضوح – هدفه: الانسجام مع معطيات الحداثة “الغربية”.

وهكذا فإن مقدمته التي تتفق معها، حول ضرورة وجود “قراءات جديدة” للنص، تنتهي بقراءة “انسلاخية” من النص ومن مقاصده: قراءة “إلغائية” للنص لا تكاد تسمى قراءة..

ما الذي سيبقى مما نعرفه من الفقه جراء هذا التحديث الذي يتحدث عنه الشرفي؟

سيسأل الشرفي نفس السؤال وسيجيب بنفسه: “جوابنا، من دون أدنى مواربة، هو: لا شيء!” ص71..

هذا “اللا شيء” الناتج عن “تحديث” قراءة النص سيطبقه الدكتور الشرفي ليصل في قراءته الإلغائية إلى إلغاء “الشعائر والعبادات”. وهو مجال أشهد أن زملاءه كانوا يتجنبونه على الأقل، إن لم يكونوا يؤكدون دوماً أن لا مساس به: كانت قراءتهم الإلغائية قد ألغت الحجاب والمواريث والحدود ومفهوم السنة النبوية لكنها وقفت عند العبادات وقالت، لأسباب مختلفة : لا مساس!..

لكن يبدو أن الشرفي يرى أن التحديث يجب ألا يقف عند حدّ معين، فهو يرى أن العبادات من “الثوابت الزائفة” و”المسلمات المغلوطة” (ص50) وأن جعلها من الأركان وتسويتها بالشهادة أمر لا دليل عليه قرآنياً (كما لو أن جعل الشهادة ركناً قد تم تسميته قرآنياً!) (ص47)، وهوَ يأخذ –مثلاً- من بعض الآثار التي تتحدث عن وجود البسملة في الصلاة والأخرى التي لا تتحدث عن وجودها دليلاً على المرونة، التي تميزت بها صلاة النبي r والصحابة، والمرونة التي يقصدها ليست الاختيار من بين هذه الهيئات التي ذكرها، بل هي مرونة تتعدى ذلك بكثيرٍ وصولاً إلى  كيفية الصلاة  وعدد ركعاتها، (ص50)  ذلك أن “توحيد الطقوس هو مما اقتضته سيرورة المؤسسة التي خضع لها الدين الإسلامي حين انخرط في التاريخ” (ص 48) وهو أمر صار تاريخاً وانقضى بحسب متطلبات التحديث والحداثة التي ينادي بها.

فلنشاهد كيف يتعامل مع حديث النبي r: “صلوا كما رأيتموني أصلي” إنه يقول: ” فهذا الحديث – إن صح، وعلى فرض أنه ملزم للمسلمين في غير عصره وبيئته – لا يعني بالضرورة حصر أشكال الصلاة في شكل وحيد، وليس فيه تحريم لغير الطريقة التي صلى بها ولا إقصاء للمصلين بغيرها” (انتهى! ص53).

 أي إن هناك ثلاث خطط يتعامل بها مع نص الحديث، أولاً التشكيك بصحة الحديث بشكل ضبابي(إن صح!)، وهو لا يخبرنا عن معايير للتصحيح أو التضعيف، والحديث صحيح بكل الأحوال(رواه البخاري). ثم ثانياً يقول: “على فرض أنه ملزم في غير عصره وبيئته“. أي إن “تاريخية النص” جاهزة دوماً للإجهاز على النص. ثم ثالثاً “ليس فيه تحريم لغير الطريقة التي صلى بها” أي إن هذا يساوي في النهاية بين أنواع الصلوات وهيئاتها كلها.. ويسجل الشرفي “أن عدم تنصيص القرآن على عدد الصلوات وعلى كيفيات أدائها مقصود، ولم يترك بيانه عبثاً” (ص50) من أجل الدخول إلى المرونة المزعومة التي تنسف الكيفيات والعدد والهيئات.. لكن ماذا لو كان هناك تنصيص قرآني على ذلك؟.. هل كان ذلك سيجعله يرضخ له؟.. أم أنه كان سيلقي الأمر على كاهل تاريخية النص واختلاف الإيقاع الزمني الذي “لا علاقة له بإيقاع زمن القروي والراعي والفلاح والتاجر البسيط أو الحرفي التقليدي” (ص 49).

 لا نفترض ذلك افتراضاً، بل لأن هذا هو ما فعله بالذات مع عبادة أخرى هي الصيام التي توفر فيها “التنصيص القرآني” – على الكيفية والوقت – وعلى الرغم من ذلك نراه يقرر “الصوم يبقى أفضل من الإفطار ولكن الإفطار مع الفدية من الرخص التي من المفروض أن يتمتع المسلم بها من غير شعور بالذنب أو بالتفريط في القيام بواجبه” (ص51) أي إنه يتوسع في موضوع “الرخصة” لتشمل كل من لا يريد الصيام دون ضابط واضح، مع تقريره أن الصيام “أفضل من الإفطار!”.

لماذا أصلاً يطالب بالتمتع برخصة الإفطار؟ “لأن الصوم يعطل الآلة الإنتاجية في وقت تعاني فيه أغلب المجتمعات الإسلامية من التخلف الاقتصادي” (ص55) لماذا إذن يكون الصيام أفضل من الإفطار حسب هذا المنطق؟!

وهكذا فإن الشرفي يقرر “أن الثبات المزعوم للعبادات في الإسلام إنما هو تكريس للانحراف عن معانيها” (ص57) وإذا كان هذا سارياً على الصلاة والصيام، فإنه يطبقه أيضاً – وبشهية لا مثيل لها – على الزكاة والحج، من باب أولى، مما لا داعي للدخول فيه..

وصل أدعياء التجديد إلى إلغاء العبادات والشعائر إذن، خطوة خطوة وصلوا إلى هناك، تسللوا على رؤوس أصابعهم، رويداً رويداً، إلى أن وصلوا إلى تفكيك الشعائر..

لكن هل يجب أن يثير هذا استغراب أي أحد؟.. ألم يكن هذا متوقعاً منهم منذ البداية، على الرغم من تطميناتهم وتأكيداتهم أن الأمر لن يصل إلى العبادات؟..

لم يكن أدعياء التجديد الديني أكثر صدقاً وانسجاماً مع أنفسهم ومع منطلقاتهم، كما كان الدكتور الشرفي في هذه الحوارية.. لقد قال بصراحة، ما كان الآخرون يتجنبونه.. وهذا على الأقل، إنجاز!..

 

لكن “إعمال العقل”لا بواكي له..

..و لكن ” إعمال العقل ” لا بواكي له !

قراءة : د.أحمد خيري العمري

اسم الكتاب : إعمال العقل – من النظرة التجزيئية الى الرؤية التكاملية

المؤلف : لؤي صافي

الناشر : دار الفكر –دمشق

الطبعة الاولى سنة 1998 ،الطبعة الثانية 2005

عدد الصفحات :336

 

كتاب لؤي صافي هذا، الصادر قبل عشر سنوات مقابل صمت هو أسوء من أسوء نقد  يمثل – برأيي – إضافة جديدة ومميزة لكل ما كتب عن العقل المسلم، لدينا  في الغالب ثلاث مواقف من العقل في أدبياتنا؛ الأول تمجيدي إنشائي يبتدئ بإحصاء مشتقات الفعل عقل في القرآن الكريم وينتهي بذكر فضل علماء المسلمين على العالم، ولا يذكر من قريب أو بعيد لم توقف الاستمرار بهذا الفضل، والثاني موقف متوجس من العقل يضعه في موضع المشتبه به الدائم كنوع من إرث لذلك النزاع حول أولوية العقل والنقل، والثالث موقف يتجه إلى إقامة مجلس عزاء للعقل المسلم باعتباره قد مات وانتهى أمره، ويجب أن نستورد العقل الغربي الوضعي بدلاً منه..

لؤي صافي يتجه إلى تأسيس مختلف عن كل هذا، بعيداً عن الثناء والتوجس والندب، يضع بيده على عمق التناقض الموجود في الخطاب التقليدي والذي يجعل من الإمام الغزالي-مثلاً- في كتابه “المستصفى من علم الأصول” يؤكد على أهمية العقل لكنه مع ذلك يقول لاحقاً عندما يقسم العلوم ، في نفس الكتاب: (ومنها عقلي محض لا يحث الشرع عليه ولا يندب إليه كالحساب والهندسة والنجوم وأمثاله من العلوم فهي بين ظنون كاذبة لائقة، وإن بعض الظن إثم، وبين علوم صادقة لا منفعة لها ونعوذ بالله من علم لا ينفع )-ص85-  وبين هذا وذاك يبرز نقض الضرورة السببية، ونفي وجود خواص للمادة–على يد الغزالي أيضاً (سواء اعتبرنا الغزالي رائداً في رفض الضرورة السببية أو ناقلاً لموقف المتكلمين في هذه المسألة، فقد ساهم هذا الموقف في تراجع العلوم الطبيعية عند المسلمين ص 220)…

ولكن لؤي صافي يمضي أعمق من الوقوف المجرد عند التشخيص، إلى وضع أسس جديدة لنظرية جديدة في (عقل) يستمد منطلقاته وضوابطه ومحدداته من القرآن الكريم. فالعقل (ليس سوى نسق من المبادئ المنطقية، مثل مبدأ الاتساق والسببية، والعمليات الإجرائية، مثل التحليل والتركيب والتجريد والتجسيد، وهو لذلك يستمد مضامين المعيارية ومحتواه المعرفي من خلال تمثله الثقافي والتربوي وخبرته المعرفية والميدانية ص 96 – 97).. ولذلك فالعقل الذي يستند على معايير قرآنية، و(يستند على التصور الكلي للقرآن ص 93) في آلياته ونسقه سيتكامل مع الوحي –  أو النقل – بدلاً من أسطورة التناقض المزعوم، وحتى (سؤال أيهما يأتي أولاً، العقل أم النقل؟) سيكون سؤالاً افتراضياً لا محل له من الإعراب، لأن العقل هنا سيتشكل حسب محددات الوحي وضوابطه، ولن يكون عقلاً افتراضياً (قد تشكله مثلاً محددات الحداثة الغربية) لذا فإن إمكانية التعارض، أو أمر الأولوية برمته، غير وارد في هذه النظرية ، ولؤي هنا واضح، فهو يعتمد على ما يسميه “الرؤية القرآنية” في تشكيل العقل (التي تتحدد في القواعد العامة والمقاصد الكلية المستمدة من الكتاب، والمنتظمة وفق أنساق تحقق ترابطها الداخلي وترتبها ضمن هرم قيمي يميز أوليها من ثانويها ص 127..)

ورؤية لؤي صافي القرآنية هذه لا تهدف أبداً إلى عزل السنة أو إقصائها، كما يستهدف أدعياء التجديد الديني ممن يسمون أنفسهم، بل تهدف إلى تفعيل السنة عبر وضعها في موضعها الذي يجب أن تكون فيه (تبعاً للقرآن).

 يقول المؤلف: (على الرغم من إصرار منهجيات الفقه الأصولية على إعطاء الكتاب اليد العليا [جعل السنة تبعاً له]، إلا أن الممارسة العملية خلال القرون المتأخرة قد قلبت سلم الأولويات رأساً على عقب، فجعلت الرأي السائد المقبول عند الجمهور حَكَماً على اختيار نصوص السنة وتحديد دلالاتها والسنة المخيرة حَكَماً على عملية اختيار نصوص الكتاب وتحديد حكمها، حتى إننا نجد من الفقهاء من يقول صراحة: الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب، والسنة قاضية على الكتاب ص 127)

يوضح لؤي صافي (أن البدايات الأولى لهذا كانت في الجهد الذي بذله الإمام الشافعي في التصدي لأصحاب الرأي الذين رفضوا تخصيص آيات الكتاب وتقييدها بأحاديث الآحاد ص 132..).

 ويعتبر الكاتب أن منهجية الشافعي استندت على أركان ثلاثة:

1- التأكيد على أن الحديث المرفوع إلى رسول الله r هو “الحكمة” التي ذكرها القرآن الكريم.

2- منع نسخ السنة بالقرآن.

3- التسوية بين حجية الكتاب وحجية السنة..(ص 132)، وهي الأركان التي مهدت لما يسميه المؤلف المنهجية النصوصية التي أعادت تعريف العلاقة بين الكتاب والسنة.. (ص 133)..

في قراءته لهذه الأركان، يقدم الكتاب تعريفاً جديداً للحكمة (هي مجموعة المبادئ المحددة للرؤية القرآنية التي تجلت في ممارسات رسول الله r ومواقفه العملية، ص 133) (ونرى لذلك امتناع تحديد الحكمة بآحاد النصوص المروية عن الرسول الكريم، ص 133) أي إنه لا يلغي ربط الحكمة بالسنة النبوية، ولكنه يلغي ارتباطها بآحاد النصوص المتفرقة المجتزأة من سياقها الذي لم ينقل مع النص، ويقوي – من جهة أخرى – ارتباطها بالرؤية القرآنية.

أما بالنسبة لمنع نسخ السنة بالقرآن (…وإن منع نسخ النص النبوي  بالقرآن إنكار لهيمنة الكتاب عليه وتجاهل لأولوية مرجعية الكتاب ص 136 ). كما أنه يقدم نقداً متميزاً لرؤية ابن حزم الظاهري التي تساوي بين الكتاب والسنة اعتماداً على آية {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} (النجم 3 – 4). فالقرآن الكريم وحده يحتمل الوصف بأنه وحي يوحى لأنه كلام الله تنزل به جبريل الأمين لفظاً ومعنى، وهو هنا لا يقدم على محاولة نسف السنة كما يفعل الهراطقة نفسهم (أما حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام فيحتمل أوصافاً ثلاثة:1-وحي معنوي ألقي في روعه فأداه كما وعاه.2-إلهام من الله إلى الحق والصواب.3-اجتهاد في النوازل والأحداث تأويلاً لكتاب الله، وتطبيقاً لأحكامه ص 137..)

أي إن لؤي صافي ليس بصدد التشكيك بحجية السنة وإمكان اعتماد الحديث لتقييد مطلق القرآن وتخصيص عامه.. (فأهمية السنة لتوضح معاني الكتاب وبيان تطبيقاته وتقييد مطلقه أمر نقره ولا نشكك فيه، بل نعتقد ضلال من أراد فصل الكتاب عن السنة ص 142) ولكن (جهدنا يتعلق بوضع العلاقة بين الكتاب والسنة موضعها الطبيعي، بحيث يكون الكتاب هو الأصل الثابت وتكون السنة تابعة في مقاصدها وأحكامها لمقاصد القرآن وأحكامه ص 142). ويقدم الكتاب، مثالاً على ما يمكن أن ينتج عن تخصيص آية قرآنية كريمة (آية القصاص) بحديث آحاد مما قد يتعارض مع المبادئ القرآنية.

الأهم من كل ما سبق، أن لؤي صافي يتجاوز توجيه الانتقادات إلى المنهجية النصوصية التقليدية، إلى تقديم بديل حيوي وفاعل قادر على إنتاج منهجية علمية ترمي إلى (الانتقال من النظر الجزئي إلى النصوص المنفردة، إلى النظر الكلي من خلال اعتبار كافة النصوص المتعلقة بالموضوع المدروس. ص 195)، وهذه المنهجية هي ما سماها المؤلف (منهجية القواعد القياسية) تنطلق من مقدمة تعتمد على أن (النتيجة المتحصلة من مقدمات جزئية محتملة (= من نصوص منفردة) هي نتيجة ظنية محتملة لا محالة، والنصوص المفردة، سواء أكانت آيات من كتاب الله تعالى أم أحاديث من سنة رسول الله تفيد الظن، وبالتالي فإن الاستدلال الذي ينبني على نظر في نص منفرد أو استدلال ضعيف ص 192).

منهجية القواعد القياسية هذه، التي تعتمد على رؤية النصوص القرآنية مجموعة وإيجاد قواعد مستخرجة منها، ومن ثم عرض هذه القواعد على نصوص الحديث النبوية (.. فإذا توافقت دلالات الحديث ومعانيه مع دلالات الكتاب وأمكن حمله على البيان أو التقييد أو  التخصيص، قبل الحديث بنصه. أما إذا تعارض نص الحديث ونص الكتاب وتناقضت دلالاتهما، وجب تأويل الحديث أو تخصيصه وتقييد دلالته بنص الكتاب، وأمكن في كلا الحالين القطع بأن المعنى المستنبط من نصوص الكتاب والسنة متوافقة مع مقاصد الوحي وتوجيهات الشارع ص 204) أي إن “منهجية القواعد القياسية” لا تعمد إلى رفض حديثٍ ما، كما يستسهل أدعياء التجديد لغرض نسف السنة كلها، ولكنها تضعها ضمن ضوابط تزيد من فاعليتها.

الكتاب لا يكتفي بالتنظير لذلك، بل يقدم أمثلة عملية في موضوع في غاية الأهمية والحساسية، وهو موضوع القتال، يجمع كل آيات القتال، وكل أحاديث القتال (التي ستبدو متعارضة للوهلة الأولى)، ثم يطبق منهجية القواعد الأساسية، ليصل إلى مجموعة من القواعد والأحكام القرآنية التي يمكن من خلالها إعادة قراءة التعارض الظاهر مع بعض الأحاديث، والوصول إلى حكم متوازن ومتكامل لا يتعارض مع مجموع النصوص، بعيداً عن الانتقائية التي يمارسها كل من شاء أن يستدل بدليل منفرد (سواء كان هؤلاء دعاة العنف الذين لا يرون غير آية القتال، أو دعاة اللاعنف الذين لا يرون غير آية اللاإكراه)..

والحق أن (منهجية القواعد القياسية) هي بذرة جديدة لعلم أصول فقه معاصر وهي تحتاج حتماً إلى المزيد من  التمحيص والمقاربات والأمثلة والمقارنات لكي تنمو وتتأصل وتبرهن على مصداقيتها وتكاملها مع الرؤية القرآنية التي تشكل البنية الأساسية للعقل المسلم.

في الوقت نفسه، فإن وجود هذه الضوابط في (منهجية القواعد القياسية) هي بمثابة  الفيصل الحاد بين هذه الرؤية التجديدية، ورؤية أدعياء التجديد الديني الذي يمررون رؤيتهم الليبرالية تارة تحت ستار (المقاصد) المطاطة..، وتارة تحت شعار (تاريخية النص)، وتارة أخرى تحت (قراءة ألسنية) تعيد نسف كل شيء من أجل تركيبه من جديد على حسب النموذج الغربي.

.. لو أن كتاب “ إعمال العقل”  كان يندرج ضمن هذه المحاولات لتنادى هؤلاء من كل مكان لإسناده والترويج له، ولجاءه الدعم من تلك المؤسسات الغربية التي لم تعد تخفي دعمها لهذه التيارات ولم تعد تكترث أصلاً لإخفاء الأمر أو تحديد الأشخاص الذين تدعمهم “بالاسم”..

لكن هذا التجديد الحقيقي، المنضبط، الملتزم برؤية قرآنية، لا يجد من يروج له، ولا يبكي عليه.. ولذا تجده بعد عشر سنوات من صدوره، شبه مهمل، شبه منسي..

لكن هذا كله يجب ألا يستمر… وعسى أن يكون هذه المقال قرعاً على جدار الصمت..  الصمت الأسوأ من أسوأ نقد..

أدعياء التجديد الديني

confusion 

أدعياء التجديد الديني – العرب القطرية

د.أحمد خيري العمري

عندما تقرأ لبعض أدعياء التجديد الديني، تشعر بحنين جارف للشيخ التقليدي، بسحنته الغاضبة والمتجهمة، وصراخه العالي على المنبر حتى لو كنت أحيانا تضيق ذرعاً به..

يحدث هذا –على الأقل- معي، إني أشعر بالتعاطف مع التقليديين والتقليديين جداً، على الرغم من كثرة مؤاخذتي على بعض طروحاتهم عندما أقارنه بما يطرحه أدعياء التجديد هؤلاء.. وإذا كان هذا يحدث معي، فإنه ولا بد يحدث، ومن باب أولى، مع من لا يمتلك مثل موقفي هذا..

وهذا هو، المنجز الأهم، لمدّعي التجديد وأدعيائه حتى الآن، لقد نجحوا نجاحاً باهراً في شيء واحد على الأقل حتى الآن: في زيادة رصيد أعداء التجديد من التقليديين، وإعطائهم مزيداً من دعم الجماهير لهم ولطروحاتهم..

ولست واثقاً من أن هذا سيهم أدعياء التجديد، فقد حصلوا في خضم ذلك (على الأقل بعضهم حصل) على الشهرة، بعضهم حصل على الشهرة والمال معها، وبعضهم حصل على سفرات غامضة إلى جامعة غربية هنا وهناك، وحاضر عن “إسلام آخر”.. غير الذي نعرفه وغير الذي يعرفه الغربيون أيضاً، لكنه إسلام يتوافق مع ما يريد الغربيون أن يسمعوه، ويصب هذا كله لصالح “نظرية المؤامرة” العتيدة، التي يرد بها التقليديون أصلاً على كل من يجرؤ على مخالفتهم، وبشكل آلي..

وفي أسوأ الأحوال، وحتى إن لم يحصل هؤلاء على شيء من هذا كله، فإن بإمكانهم التباكي على كونهم قد سبقوا زمانهم، وبأن الواحد منهم هو “فولتير العرب” الذي تحاربه “كنيسة” المسلمين.. (كما تصرح بالفعل “كويتبة” لم يصدر لها كتاب واحد حتى الآن!!)

والنتيجة النهائية لكل هذا ومحصلته، هو أن الجمهور، الذي ربما لديه ملاحظات وانتقادات “خافتة وسرية ولكنها موجودة” ضد مشايخه ووعاظه التقليديين، سيفضل حتماً المشايخ على هؤلاء. لقد ألف مشايخه وأسلوبهم، وعرف خيرهم من شرّهم، نشأ وكبر على مواعظهم وصراخهم وتناقضاتهم وبكائهم، وهو يعرف أين سيذهب معهم (إلى لا مكان، طبعاً). لكن مع هؤلاء الذين يلقبون بالتجديديين، الأمر يبدو أسوأ، إذ إنهم يقودونه إلى مكان مجهول، مكان قد يكون أسوأ مما هو فيه، بعبارة أخرى: قد يتصور أنهم سيخرجونه من دينه.

لا يحمل هؤلاء التجديديون سمت رجل الدين التقليدي الذي يفرض الاحترام والهيبة على العامة، وهذا ليس سيئاً جداً بحد ذاته، إلا أن الأمر أسوأ بكثير عندما يرى المتلقي العادي أن كل ما أنتجوه من تجديد لا يخرج عن كونه قراءة للنص تنتج إلغاءً للنص.. هذا كل شيء!.

في كل موضوع خاض فيه هؤلاء التجديديون – وكلها مواضع حساسة – قاموا بإلغاء النص، وتعطيل الحكم الوارد فيه، بحجة تاريخية النص التي صارت معها النصوص الدينية بمثابة “شواهد تاريخية” خلف واجهة زجاجية – فترينة – نتفرج عليها من خلال الزجاج، ونقول: كان زمان..

تاريخية النص هذه شملت أموراً متعددة، من لباس المرأة، إلى المواريث مروراً بالجهاد وبأحكام الزواج، وغيره. وهكذا، لم يبق “شيء على شيء” مما ألفناه وتعودنا عليه. فلباس المرأة المسلمة اختزل إلى تغطية الرقبة عند البعض، وتغطية الصدر عند البعض الآخر، وتغطية ما هو أقل من ذلك عند بعض آخر..

الزواج، ذلك الميثاق الغليظ، لم يعد ميثاقاً ولا غليظاً، بل صار يمكن له أن يكون تجريبياً في مرحلة ما، ولا يشترط إلا شيئين: أن يعرف به الأهل! – أهل البنت! – طبعاً، أما أهل الشاب فلا داعي لذلك على ما يبدو، الشرط الثاني هو أن تكون البنت على دراية بوسائل منع الحمل! انتهى!.

أحكام الإرث طبعاً، ومن باب أولى، اقرأ عليها الفاتحة بضمير حاول أن يكون مرتاحاً. ومعه كل ما يتعلق بالمرأة من أحكام، العدّة مثلاً، لم يعد لها داع ما دامت الأجهزة الطبية قد تطورت وصار بإمكاننا معرفة وجود الجنين منذ أسبوعه الأول. ولذلك تستطيع الأرملة أن تكون طروباً منذ اليوم الأول لترملها، والبركة في تقنيات الأمواج فوق الصوتية، والقراءة التاريخية للنصوص.

تعتمد آلية القراءة “الإلغائية” هذه، بعد تجريدها من تفاصيل متشعبة، على انتقائية واضحة في التعامل مع النصوص، فهناك نصوص تنتقى بوضوح لكي تصير نصوصاً مطلقة لكل زمان ومكان لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها – ونصوص أخرى، تنتقى، لكي تصير “تاريخية”، زاعمين انتهاء صلاحيتهما، وكونها محصورة بزمان ومكان..

الطريف أن آلية الانتقاء هذه، التي تجعل نصاً ما نصاً مطلقاً، وآخرَ نصاً تاريخياً، لا تعتمد على شروط علمية واضحة (أو حتى غير واضحة) – إلا بقدر ما ينسجم هذا النص مع طروحات معينة يود أدعياء التجديد الوصول إليها بكل وسيلة.. – وهكذا، يمكن أن يكون النص المنتقى ليصير نصاً مطلقاً مجرد حديث آحاد، والنص المنتقى ليصير تاريخاً “فات ومات” هو نص قرآني واضح الدلالة والاستدلال.

ومن الأمثلة المفضلة لدى هؤلاء على النص الذي يتحول مع قراءتهم ليصير مطلقاً وصالحاً لكل زمان ومكان، حديث “أنتم أدرى بأمر دنياكم” وهو حديث آحاد مرتبط بواقعة شديدة الخصوص، هي واقعة تأبير النخل، ويمكن قراءتها في الوقت نفسه على أنها دعوة للتجريب في التقنيات وليس لإلغاء النصوص! يتعامل مدعي التجديد مع حديث الآحاد هذا، ليلغوا نصوصاً قرآنية بتفاصيل واضحة بدعوى أنها “تتدخل في أمور الدنيا” وبما أن الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام قال – في حديث آحاد! وواقعة مخصصة! -: أننا أعلم بأمور دنيانا، إذن لا بد لنا أن نلغي الحكم الوارد في القرآن، لأنه مجرد نص تاريخي، وذلك امتثالاً لأمره عليه الصلاة والسلام!

ولأن القراءة التاريخية عندما تبدأ فإنها لا تنتهي، باعتبار أن النص القرآني نزل فعلاً في مرحلة تاريخية ما، واقسار  “تاريخية النص” هذه على قراءتِه، سيكون بمثابة “مفرمة” لا تبقي ولا تذر من الأحكام القرآنية ومن فاعليتها.. وهكذا فإن كل ما يتعلق بالمرأة في القرآن الكريم مرتبط ولا بد – حسب نظر هؤلاء – بسياق تاريخي كان المجتمع فيه يعج بالرق وبملك اليمين (!) – ابحثوا عن الربط – وبما أن الرق قد انتهى، والحمد لله، فإن أحكام النساء قد انتهت أيضاً، والمزيد من الحمد لمستحق الحمد!!.

نسألهم، جادين لكن وغير مصدقين: إن كانت أحكام المرأة قد انتهت بانتهاء مرحلة العبودية التاريخية، ألا يجري ذلك، ومن باب أولى، وبربط أشد وضوحاً، بالعبودية باعتبارها العلاقة الإسلامية بين الإنسان وخالقه؟  و يقولون: نعم بالتأكيد! العبودية انتهت بوصفها علاقة أيضاً. صارت الآن “العبادية”. ويقولونها بمنتهى الجدية!..

هكذا، مع أدعياء التجديد هؤلاء لا خط أحمر من أي نوع، لا عقائدي ولا فقهي ولا نص قرآني ولا حديث متواتر.. وهو الأمر الذي يجعل الناس عموماً، يسيئون الظن بالتجديد برمته، وعندما لا يكون هناك خطوطاً حمراء في ما تقول إنه (تجديد)، ويكون تجديداً بلا ضابط ولا رابط، فإنك تضع خطاً أحمرَ وعلامة (X) عليك وعلى كل نتاجك.. في الوقت نفسه، فإن الشيخ التقليدي، سيكون أكثر انسجاماً مع طروحاته ومع مجتمعه.. وستزيد مصداقيته بالمقارنة مع تهريج يلقب بالتجديد كهذا.. وسيواجه أي تجديد “حقيقي“، بنفس سوء الظن من باب التعميم المعتاد..

ومن أجل ذلك قلت: إنك قد تشعر بالحنين إلى الشيخ التقليدي عندما تقرأ ما ينتجه هؤلاء، بل إنك قد تشعر بالحنين ليس إلى الشيخ التقليدي فحسب، بل إلى ملا الكتاتيب القديمة، الذي كان يقوم بتحفيظ القرآن بواسطة الفلقة.. بالذات ستشتاق إلى الفلقة.. وإلى استعمالها مع أولئك المجددين الجدد..

 

 

..

أبي اسمه إبراهيم

 

هذه الرواية الاستثنائية هي عمل أدبي مختلف عن كل ما كتب في قصص الانبياء ، صحيح إنها تتحدث عن قصة سيدنا إبراهيم ، لكنها تتحدث عن ذلك بأسلوب مختلف جدا .. و تتحدث عنه  بالذات عندما كان طفلا..كيف تشكل عقله  و تفكيره المختلف عن تفكير قومه و مسلماتهم..و كيف تمكن من الافلات من ذلك و حرر عقله من خرافاتهم ليكون رأسه مهيئا  و مؤهلا بعد ذلك للوحي الالهي ..

لشراء الرواية عبر الرابط
http://www.furat.com/index.php?page=bookinfo&b_id=17835

 


 

من اجواء الرواية…

 ((… وجدها تنادي تلك الآلهة المزيفة بأعلى صوت ….

ووجد نفسه يُنادي ذلك الإله الواحد ، بلا صوت ، لم يعرف كيف يُناديه ، لكنه عرف أنه لا يحتاج أن يرفع صوته كما تفعل تلك الكاهنة وآلهتها المزيفة ، إلهٌ حقيقي مثل إلهه سيعرف ما يُفكر به ، ولن يحتاج إلى أن يتواصل معه بصوت مسموع ….

….. قال في نفسه : ” أيها الإله الواحد ، الإله الحق ، ساعدني ” .. شعر براحةٍ عجيبة وهو يقول هذا النداء . ” الإله الواحد .. الإله الحق ” .. شعر أن الكاهنة ومعها حاشيتها وآلهتها وكهنة المعبد وتراث الأجداد والأعمدة الفخمة في الهيكل ، كلها كانت تبدو ضعيفةً أمامه ..

كان يقف أمامهم وحده، لكن لأنه معه الإله الواحد، الإله الحق، فقد كان أقوى !! ))

 

(( قال والد إبراهيم بغضب : ” الأمر ليس بهذه البساطة التي تتخيلها ، الآلهة موجودة فينا وفي عاداتنا وفي رؤوسنا .. لقد تربينا على عبادتها، لن يكون الأمر أن يأتي ولدٌ في سنك ويسأل بعض الأسئلة ثم نترك آلهتنا ونطيعه .. عندما تهدم هذه الآلهة وتنسفها، فإن عليك أن تجد بديلاً .. أفهمت ؟!! .. أين هو بديلك الواحد الذي تتحدث عنه .. لا بد أن يكون موجوداً وواضحاً .. لكي تقنع الناس به .. ” …

ظل سؤاله يتردد في رأس إبراهيم .. وظل يفكر ..

كان والده على حق …

ليس الأمر في أن يهدم الآلهة فقط ..

كان عليه أن يعرف المزيد عن الإله الواحد .. الحق )) …

 

(( ظل إبراهيم يتلفت .. بين الاتجاهات ، يبحث عن إشارة ، عن رسالة ، عن طريقٍ يدلُّه إلى الإله الحق ..

….. وفجأة .. التمع ضوءٌ في رأس إبراهيم، حدث معه بالضبط كما سيحدث معكم عندما تبحثون عن زر الضوء الكهربائي وسط الظلام ، تتلمسون الزر في الظلمة ، تتعثرون قليلاً ، ثم تعثرون عليه ، وتضغطونه .. فإذا بالضوء يطرد الظلمة كلها ، دفعةً واحدة .. )) …

 

(( قرر إبراهيم أنه إذا رحل فعليه أن يترك بذرةً ما .. بذرة لرفض الأصنام .. بذرة تكشف ضلال الأجداد وأخطاءهم .. بذرة تكشف للناس أن لديهم في رؤوسهم (عقول) عليهم استخدامها …

فكر أن ليس عليه أن ينتظر البذرة ويراها وهي تنمو وتكبر وتنضج وتُثمر … قد يأتي غيره ليسقيها ، وقد يأتي آخر ليحميها ، قد تكون كل الظروف مواتية لنموها كما كانت الظروف مواتية للبذور التي تركها في الحديقة ..

سيرحل .. نعم سيرحل ..

لكنه قبل أن يرحل عليه أن يترك بذرة في رؤوس أهل مدينته ..

بذرة كبيرة …

بذرة قويــــة ..

بذرةً لا تُنسى …

وربما ستتكفل قوانين الإله الحق بنموها ونضجها .. ))

 

(( اكتشف إبراهيم أن الهدم خطوة مهمة من أجل البناء ..

لا تستطيع أن تبني ، إن لم تهدم .. لا بد أن تهدم ، بذرة (الهدم) هي التي تُمهِّد للبناء ..

ومن أجل أن يمهد للفكرة الجديدة ، للإيمان بالإله الحق ، كان لا بد من أن يهدم الإيمان بالآلهة المزيفة ..

من أجل بذرة الإيمان الجديد ، كان لا بد أن يوجه ضربة للإيمان العتيق … )) 


سلسلة “كيمياء الصلاة “

و هي سلسلة مكونة من خمس عناوين

1- المهمة غير المستحيلة الصلاة بوصفها أداة لأعادة بناء العالم


2- ملكوت الواقع : ممهدات و حوافز قبل الانطلاق


3- عالم جديد  ممكن : الفاتحة كعدسة لاصقة على العين المسلمة


4- فيزياء  المعاني : الهيئات نمط عمارة لبناء الانسان


5- سدرة المنتهى : حجر النهضة منصة الانطلاق


لشراء السلسة عبر هذا الرابط

http://www.furat.com/index.php?page=monthbook

و السلسلة بمجملها تتحدث عن الصلاة كوسيلة لتغيير الذات من اجل تغيير المجتمع ككل.. انها الصلاة من اجل النهضة ..ليس النهضة بمعناها الاجتماعي الشامل فحسب ، بل النهضة بمعناها الفردي الشخصي التي لا يمكن فصلها حقا عن النهضة الشاملة…

من اجواء الجزء الاول..”المهمة غير المستحيلة”

(هناك  أربعة أسباب “شائعة” لتأدية الصلاة.. وربما كانت هناك أسباب أخرى أقل شيوعاً تندرج بدرجة أو بأخرى تحت واحدة من هذه الأسباب..

كل سبب من هذه الأسباب، يخفي وراءه “فكرة” مضمرة، عن الصلاة، وفهماً معيناً للصلاة، ولدورها في المجتمع (أو لعدم وجود هذا الدور على الإطلاق!).. ويؤدي هذا الفهم، إلى أداء هذه الصلاة.. بهذا الشكل، وهي تحمل معها هذا السبب..

فكرة “الصلاة ككفارة ..”

أولها، فكرة أن الصلاة تكفر الذنوب التي تحصل بين أوقات الصلاة، وهي الفكرة التي تستمد من حديث (والصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن من الخطايا ما لم تغش الكبائر ) ·و لا جدال طبعا في صحة الحديث.  و في ارتباطه الموضوعي  ايضا بآية “الحسنات يذهبن السيئات”

لكن هناك طبعاً نقطتان:

أولهما أن لفظة الكبيرة المستثناة من التكفير قد رسخت في أذهان الناس بطريقة معينة ترتكز حول عدد محصور من الكبائر (معروفة طبعاً وتدور حول الزنى والخمر وربما الربا..).. لكن هذا الفهم على الرغم من رواجه ليس صحيحاً تماماً، فالصلاة إلى الصلاة لن تكفر عنك أن حياتك كلها تضيع عبثاً، سدىً، دونما هدف.. حتى دونما محاولة إيجاد هدف.. دوماً نعتقد أن الكبائر هي بالضرورة “فعل” فاحش.. بينما هي أحياناً “لا فعل” على الإطلاق.. ربما أكبر الكبائر (أكبر حتى من الزنى!!) أن لا تفعل شيئاً على الإطلاق في حياتك.. أن تأتي إلى هذه الأرض وتمضي دون أن تترك أثراً إيجابياً واحداً يدل على أنك مررت من هنا.. دون أن تجعل العالم أفضل مما كان يوم جئت إليه.. أو على الأقل حاولت ذلك.. شيء كهذا، لا يمكن مسحها بمجرد أداء الصلاة.. لأنه لا يندرج ضمن صغائر الذنوب..

ثانيها – أن الصلاة إلتى تكفر ما يحدث بين الصلاتين، تكفر ما يحدث سهواً، أي كأي حدث عابر لا تخلو منه تجربة إنسانية، إما أن يكون هذا نمطاً معتاداً للسلوك، وإن نتوقع أن الصلاة نمطاً معتاداً للسلوك، وإن نتوقع أن الصلاة ستقوم بهذا الدور، فهذا يعني نخدع أنفسنا قبل أي أحد آخر.

و الشئ ذاته يخص مفهوم الحسنات و السيئات:من قال ان الاية الكريمة تتحدث عن الاستمرار في اداء السيئات من اجل ان حسنات الصلاة ستمحيها؟ من حدد هذه السيئات و حجمها – من التي يمكن ان تمحوها الصلاة؟

وللأسف، فإن هذا الفهم، الذي يستخدم الصلاة من أجل الاستمرار في الذنوب، هو فهم سائد جداً.. وينتشر للأسف، عن غير قصد، عن طريق بعض الوعاظ على المنابر، عندما يريدون ، عن حسن نية ، أن يروجوا لأداء الصلاة. فيقومون بالترويج دون شعور منهم، للذنوب  التي من المفروض ان الصلاة ستكفر عنها.. و هكذا فأن الحديث عندما يوظف من  أجل عدم التوقف كثيراً عند أخطاء السهو، يختلف تماماً عندما يتحول إلى عكازة للاستمرار في الذنوب..

فكرة “اسقاط الفرض

ثاني هذه الاحتمالات هي فكرة “إسقاط الفرض” الرائجة جداً دونما سند من نص شرعي.. وهي الفكرة التي يقوم على أساسها البعض “بأداء” الصلاة – على أي حال، من أجل “النفاذ” من عقوبة عدم أدائها، وهم يعلمون ضمناً – أنهم سيحاسبون على أمور أخرى تخص الصلاة، وقتها، خشوعها، تمام أركانها، لكنهم، على الأقل يؤدونها، ويسقطون بذلك” عقوبة تركها”..

يكرس هذه الفكرة قراءة “تجزيئية” لنصوص عديدة، من الأحاديث الصحيحة بلا شك، ولكنها تعامل مرة أخرى بمعزل عن الصورة الأكبر التي تضم كل النصوص وتجمعها ببعض.. فحديث “أول ما يحاسب عنه المرء الصلاة” يعامل كما لو أن الصلاة التي سنحاسب عليها  تؤدى بمعزل عن حياتنا  و عن  المجتمع الذي  نعيش فيه ودورنا فيه..

وهكذا فالنظرة التجزيئية الضيقة لهذا الحديث، ولسواه من الأحاديث ستنتج نظرة ضيقة للصلاة وأدائها، تحث على أدائها “الفيزيائي” لمعزل عن نتائجها اللاحقة..

وللأسف، فإسقاط “الفرض” ، الذي يتم بهذا الأداء المجرد – المروج له دون قصد – يكاد يكون الهدف الأغلب للمصلين: انهم على الأقل يسقطون عقوبة ترك الصلاة – لقد اجتازوا الخط الفاصل بين غير المصلين والمصلين، حسب تصورهم، وهذا بحد ذاته هدف بالنسبة إليهم، لأنه سيخفف عنهم عذاب القبر وأهوال جهنم التي يتوعد بها غير المصلين..

وهم قد أسقطوا هذا.. حسب ما يتصورون..

فكرة “إسقاط الفرض” أيضاً تستند إلى فهم معين للفرائض والعبادات، وكون أداءها “الجسماني – الحرفي” هو المطلب النهائي منها، أي إن العبادات تؤدى من أجل أدائها فحسب. وينتهي الأمر عند انتهاء الأداء منها.. ولا يفترض أن يكون هناك شيء آخر وراء ذلك.. وعلى حسب هذا الفهم للعبادات، يتم فهم عشرات الأحاديث والنصوص، فينظر إليها من خلال هذا المنظار ذي البعد الواحد: الذي لا يرى غير السطح من كل شيء.. فأحاديث نبوية شريفة مثل “خير الأعمال الصلاة على وقتها” – أو “أول ما يحاسب به العبد الصلاة”.. إلخ، ستجير فوراً وفق هذه النظرة الفيزيائية الجسمانية لأداء الصلاة – دون محاولة النظر إلى بقية أجزاء الصورة التي ترسمها النصوص بمجموعها..

وعندما تقتصر النظرة إلى هذا “الأداء المباشر” فإن “الأداء المباشر” سيكون هدفاً نهائياً في رؤوس كثيرين، وإن عرفوا ضمناً أن هناك “أموراً” يجب أن تتضمن في هذا الأداء

(مثل التركيز، أو الخشوع)، لكنهم مقتنعون أن مجرد “الأداء” – سيسقط الحساب العسير عن عدم الأداء..

وهكذا فإنهم سيجتازون السؤال الرهيب عن الأدا

ء – ويواجهون بقية الأسئلة.. وسيحلها يومها حلال.. متجاهلين أن “سؤال الصلاة” قد يحتوي على تفاصيل غير متوقعة.. وتخص “ما وراء الصلاة”..”او عمقها”..

فكرة “الصلاة من أجل الراحة النفسية”

ومما لا شك فيه أيضاً، أن الصلاة، كهدف ثالث، يمكن أن تبعث على الراحة النفسية..

أناس كثيرون، سيشعرون بشيء مقلق، يوخز ضمائرهم أو يدق على رؤوسهم، إذا ما فاتتهم صلاة ما، أو إذا ما استيقظوا متأخرين وهرولوا ليلحقوا بعملهم دون أن يؤدوا الصلاة، وسيكون ذلك مزعجاً مثل خشبة صغيرة عالقة بين أسنانك، ليست مؤلمة حقاً – ولكنها مزعجة – ولن تتخلص من إزعاجها إلا بالتخلص منها..

كذلك عدم أداء الصلاة، بالنسبة إلى البعض على الأقل، إنه مزعج لدرجة تجعلهم غير قادرين على مواصلة أعمالهم.. أو المضي إلى النوم..

لذلك فهم يتركون أسرَّتهم، أو ما كانوا يفعلون.. ويصلون..

ثم يعودون.. وقد زالت تلك الخشبة العالقة..

لكن، أليس ذلك نتاجاً طبيعياً للتعود؟ ألن تكون كل “عادة” صعبة عند تركها؟.. ألن يكون ترك عادة تنظيف الأسنان الصباحي صعباً ولو لمرة واحدة؟ وسيظل من أرغم على ذلك منزعجاً يحرك لسانه على أسنانه ذات اليمين وذات الشمال ليتخلص من شعوره ذاك؟..

كل عادة، خاصة إذا كانت قد نقشت على حجر الطفولة، ستؤمن نوعاً من الراحة النفسية عند أدائها، إنها تصير جزءاً من الذات، وسيكون مؤلماً حتماً تركها.. كما أي عادة..

لا أقصد هنا تشبيه الصلاة – ذلك الركن العظيم من أركان الدين – بمحض العادة، ولكني أريد أن أجرد أفكارنا من أوهامها حول الصلاة، فالراحة النفسية التي سيختارها البعض سبباً من أسباب الصلاة، قد تكون (نتيجة) وليست سبباً، نتيجة لتعودنا عليها، ولنشأتنا على ضرورة الصلاة..

فكرة “التواصل معه عز و جل “

ومما لا يمكن نكرانه، أن هناك فئة من المصلين، تستطيع فعلاً، أن تحقق عبر صلاتها تواصلاً ما، معه سبحانه وتعالى، وتلتذ بمناجاته وتجد في الصلاة “كوة” تنسحب إليها من معركة الحياة، وفي هذه الكوة هناك نوعٌ من الأمان والراحة النفسية والتوازن..

هذا لا يمكن إنكاره، لكنها فئة تكاد تكون مهملة إحصائياً..

وحتى لو لم تكن مهملة إحصائياً، فإنه من غير المؤكد، إن الهدف من الصلاة – هو هذا التلذذ الفردي جداً، الشخصي جداً.. هناك حتماً ما هو أهم من ذلك – لكي تكون الصلاة “عماداً” للدين..

وحدّاً فاصلاً بين “الإيمان” و “الكفر”..

لا، ليست “كوة” ننسحب إليها..  لننعم بقليل من السكينة، لا بد أن يكون هناك “شيء” آخر..

يفترض ان تكون “ركنا “..و ليست كوة

لا يمكن إنكار أن “الصلاة” تبعث على الراحة النفسية والتوازن الداخلي. لكن يمكن – بالتأكيد – مجادلة أن ذلك هو الهدف الأصلي منها..

والأمر هنا يتعلق بما هو أكثر من العبادات، بل بالنظرة إلى الدين “ككل” –

فهناك فعلاً نظرة تاريخية، تجعل من الدين وسيلة من وسائل “الراحة” و “السكينة” و “الطمأنينة” بالذات وسيلة تسهل التعايش مع واقع صعب..

ومع كل الاحترام لبعض الأديان التي “وظفت” تاريخياً داخل هذا السياق، فإن هذه الوظيفة لا تنطبق على الدور التاريخي الذي لعبه الإسلام عند ظهوره – فقد كان أي شيء باستثناء “تسهيل التعايش مع الواقع الصعب” – ولو أنه كان كذلك، لبقي المسلمون الأوائل مجرد فئة “صابئة” في مكة، ولما كان أحد سمع بهم، ولما كنت أكتب الآن ما أكتب: أي إن التاريخ كله كان سيسير باتجاه مختلف تماماً..

لا ريب أن “الصلاة” تمد براحة معينة. لكنها راحة تمتزج مع القوة. إنها راحة الشخص القوي الذي أخذ وجبة من الطعام الطبيعي المليء بالفيتامينات والحديد..

وشعر بالراحة المنبعثة من ثقته بنفسه وبقدراته، وليس بالراحة المزيفة التي سيشعرها شخص تناول مخدراً ما أنساه آلامه وأوجاعه وهموم واقعه..

إذا كانت الصلاة تبعث على الراحة، فهي مثل راحة ابن حنبل بمواجهة جلاديه، وابن تيمية ضد سجانيه، وابن رشد بمواجهة خفافيش عصره، وليس مثل راحة شاب عاطل عن العمل يشخر في انتظار الصلاة لكي تساعده الصلاة على تحمل واقع البطالة الذي يعيشه..

فرض و كفى !

وهناك طبعاً الرد الأكثر شيوعاً والأكثر بساطة عندما نسأل عن السبب في الصلاة..

“إنها فرض، وكفى”.. سيكون هذا شائعاً جداً..

وهي فرض بالتأكيد. وليس التشكيك في “فرضية” الصلاة بوارد هنا.. والبحث عن سبب لكون هذه الفريضة بهذه الدرجة من الأهمية، سيكرس أهميتها ويفعلها.. أما عندما تصطدم بهذا الرد “إنها فرض وكفى”.. فأنت تعلم قطعاً أنها صلاة تؤدى من أجل “إسقاط هذا الفرض” وكفى..

كون الصلاة “فرض، وكفى” – يعكس فهماً معيناً يجعل أوامر الشريعة “بلا أسباب”، وإنما هي أوامر وكفى، دونما مقاصد، دونما أهداف.. فقط أوامر علينا أن ننفذها بحرفية “مفرغة” من الفهم..

والنتيجة هي ما نرى.. النتيجة هي كل ما حولنا..)

سلسلة ” ضوء في المجرة ” بعناوينها الستة

سلسلة ” ضوء في المجرة ” بعناوينها الستة

1-    ادرينالين…  http://www.furat.com/index.php?page=bookinfo&b_id=16570

 

2-      الذين لم يولدوا بعد http://www.furat.com/index.php?page=bookinfo&b_id=1656

 

3-      كش ملك          http://www.furat.com/index.php?page=bookinfo&b_id=16567

4-      يوم شهر سنة   http://www.furat.com/index.php?page=bookinfo&b_id=16566

5-      تسعة من عشرة  http://www.furat.com/index.php?page=bookinfo&b_id=16568

6-      غريب في المجرة  http://www.furat.com/index.php?page=bookinfo&b_id=19415

 

 

   و السلسلة عموما دعوية بدم جديد في الدعوة ، بأسلوب حميم يقترب من الهمس و يشعر القارئ ان الكاتب يتحدث عنه هو شخصيا..

ظروف و ملابسات كتابة السلسلة  بحثت في الجزء الاخير منها  “غريب في المجرة” و التي تتحدث عن “الاخوة في الله” و لكل واحدة من اجزاء السلسلة موضوعا محددا تتحدث عنه

و من “أدرينالين ” هذه السطور..

يا صديق ..

في كل مرة أكتب لك فيها، كنت أطمح وأطمع إلى أن تتأثر بما أكتب..

وكل مرة، كان ذروة التأثر الذي أبغيه يتمثل في دموعٍ تهبط من عينيك..

وفي مراتٍ معدودة – ثلاثة على ما أعتقد – حصلت على ما أبغيه، وهبطت الدموع من عينيك..

هذه المرة، أقول لك: لا تبكِ…

لا أريدك أن تبكي، لا أرد أن تهبط الدموع من عينيك..

هذه المرة أبغي تأثراً مختلفاً..

لا أريد تأثراً ينتهي باستعمال المنديل الورقي..

أريدك أن تشعر قليلاً بالغضب، أريد للدم أن يجري ساخناً في عروقك..

أريدك أن تشعر بالغيرة، أريدك أن تحس بالألم والحزن تجاه هذا العالم الذي فقد صوابه..

أريد أن تشعر بأن هذا الدين مثل عرضك، تغار عليه كما تغار على أختك، تصونه كما تصونها، وتحافظ عليه كما تحافظ على شرفها..

لا أريدك أن تبكي؛ عند الشرف، لا تجدي الدموع، إنما أريد الغضب، إنما أريد الغيرة..

لا أريد من شغاف قلبك أن يكون رقيقاً..

ليكن قلبك صخرة؛ ودعني أحفر عليه بإزميل الحروف والكلمات معاني الغيرة والغضب. على الأقل ما يحفر على الصخرة يبقى فيها إلى الأبد…

نعم، ليكن قلبك صخرة، ولكن أشعر بالغضب..

هذه المرة، لا شغل عندي بالغدد الدمعية وإفرازاتها..

إنما أريد الأدرينالين..

*     *     *     *     *

الأدرينالين!!

وما أدراك ما الأدرينالين؟!..

في عروقنا يجري، هورمون يفرز من عدة هورمونات أخرى يفرز عند الغضب، عند القلق، عند الخوف..

وعند الغيرة بالتأكيد..

إنه المسؤول عن تسارع دقات القلب، عن تزايد النبض، عن احمرار الوجه الذي يحصل عند الغضب والخوف، والقلق.. والغيرة..

ذلك الهورمون الذي يفرز من غدة صماء فوق الكلية، يكون بمثابة جهاز لقياس مدى حساسيتك..

إنه يحول انفعالك من الداخل، حيث تكون مجرد إشارات كهربائية على الحبال العصبية، إلى الخارج؛ إلى الجوارح.. فتؤثر على عضلات الوجه، وعلى النبض، وعلى دقات القلب.. وعلى مجرى الدم..

الأدرينالين..

إنه يختصر انفعالاتك.. يحولها إلى سائل مقنن محدد الكمية والحجم..

مع الأدرينالين، لا كذب هناك، لا زيف في الانفعالات..

مع الأدرينالين؛ لا نفاق لا رياء.. كل شيء يختبر بالكيمياء.. لا مجال للتمثيل.. لا مجال لاختلاق الأعذار.. لا مجال للف والدوران..

الأدرينالين.. يسري في عروقك، يزيد عند القلق، عند الغضب، عند الغيرة، وعند الخوف..

وذات يوم، سيكون هذا السائل الذي يفرز من غدة صماء شاهداً عليك.. سيترك صممه ويستجيب للذي خلقه وخلقك.. وسيحسب..

كم لتراً منه يا ترى عند الشهوة؟؟؟ عند حب التملك؟؟ كم لتراً منه في الظلم عند الحرام؟ كم لتراً منه سبح دمك فيه عند العقوق؟ كم مرة من أجل زحام السير؟ من أجل عطل في السيارة؟ من أجل أن أحدهم أخلف في الموعد معك؟ كم مرة من أجل حرارة الجو؟ كم مرة من أجل أن الطعام لم يكن جاهزاً؟ كم مرة لأنه لم يعجبك؟ كم مرة، هكذا، بلا سبب؛ فقط نهضت من نومك وأنت متضايق؟؟

كم مرة من أجل غيرة حرام على ما لا يحل لك؟ كم مرة على المال؟ كم مرة من أجل أن ملابسك لم تكن مكوية كما تريد؟ كم مرة من أجل أن الماء انقطع وأنت تغتسل، أو لأنه صار بارداً جداً؟

كم لتراً منه من أجل الدنيا؟ ( أم أن الكمية كلها كانت كذلك ؟؟!! ) …

وأتساءل: كم مايكرو غراماً منه من أجل الله، وفي الله.. كم مرة أفرز الأدرينالين لأن فلاناً من أصحابك لم يعد يصلي؟ أو لأنه أخذ يزني؟ كم مرة من أجل أن الناس لا يصلون؟ كم مرة من أجل المائلات والمميلات، ومن أجل الشبان الذين حولهن؟

كم مرة من أجل أن الناس لا يبالون، ولا يهتمون، وهم إلى جهنم سائرون؟

كم مرة من أجل حدود الله المنتهكة، وحقوقه المهدورة؟

كم مرة أفرز الأدرينالين غضباً، غيرة، ألماً للــــه؟

أم إن ذلك أصلاً لم يحدث، ولم يخطر في بالك أنه يجب أن يحدث؟

*     *     *     *     *

ولأنه في عروقي دم، وفي دمي أدرينالين، فإني يجب أن أغار..

قل لي، كيف لا أغار، والسماء نفسها تغار، وكل يوم تقول لرب العزة: يا رب اتركني أطبقها عليهم.. فيقول لها: لا…

وكيف لا أغار، وحتى البحر البارد يغار، وكل يوم، كل يوم! يقول لربه: يا رب اتركني أغرقها عليهم.. فيقول له: لا…

وكيف لا أغار، وحتى الأرض التي تسير عليها تغار، وكل يوم تقول لله: يا رب اتركني أخسفها بهم.. فيقول لها: لا..

وكيف لا أغار، والله نفسه، في عليائه يغار.. ولأنه يغار فقد خلق لنا الجنة، حتى يجذبنا إليه، وحتى لا نذهب إلى سواه..

ولأنه يغار أيضاً، فقد خلق النار، حتى يكرهنا فيمن سواه، ويزيد اندفاعنا نحوه..

ولأنه يغار فقد تنزل عفوه ومغفرته ومودته ورحمته.. مهما ابتعدنا عنه سيظل فاتحاً بابه..

ولأنه يغار علينا، فهو الذي يأتي إلينا بدل أن نذهب نحن إليه، وكل يوم ينزل عارضاً رحمته ومغفرته وإجابته للدعوات..

ولأنه يغار علينا فقد أنطق الطبيعة باسمه، وجعلها تشير إليه، وتدل على عظمته وقدرته..

ولأنه يغار علينا فقد أرسل الرسل وأنزل الرسالات، والله ما كان في حاجة لذلك، فكل ذرة من ذرات الكون تدل عليه.. وتُرشد إلى دربه.. وتُسهل الوصول إليه.

ولأنه يغار علينا فقد قدر ولطف وهدانا إلى الطريق إليه، ويسر لنا القرب منه واللجوء إليه، وحبب لنا الرجوع له، بعد الغياب عنه..

ولأنه يغار علينا، فقد حدَّ الحدود، وأنزل الناموس، ووضع الشريعة ميزاناً مستقيماً، لا يزيغ عنها إلا هالك.. لا يزيغ عنها إلا من لا غيرة عنده..

فقل لي: كيف لا أغار والكون كله يغار؟ وخالق هذا الكون أيضاً يغار.

رغم أننا ربما، لا نستحق ذلك..

*     *     *     *     *

فلا تسألني: لماذا أغار؟، بل أسألُ: لماذا لا تغار؟

وإذا لاحظتَ يوماً أن غيرتي قد انتهت، فاعلم أني متُّ، وترحَّم علي.

وإذا استطعت أن تصلي، فصلِّ علي..

وإذا لاحظت يوماً أن غيرتي قد انتهت، فاعلم أني أنا الذي انتهيت، وأن قلبي صار مجرد مضخة، وعروقي محض مجارٍ، يسري فيها دمٌ بارد.. وفورمالين.. ومواد حافظة..

إذا أردت التأكد من موتي، فلا تقِس النبض في عروقي، ليس في ذلك إشارة موتي أو دليل حياتي، ولكن قِس الأدرينالين في دمي..

أقول لك: به فابدأ……

 

البوصلة القرآنية

 

الكتاب الاول  للدكتور العمري ، صدر في أواخر عام 2003..و  كان له صدى واسع  عند صدوره و لفت الانتباه الى مفكر جديد باسلوب جديد  و نمط مختلف في عرض الافكار..يعكف الدكتور العمري على إصدار طبعة جديدة من الكتاب ، منقحة و مزيدة…و منه هذه المقتطفات..

مقدمة ثانية

 

المكان: مكة؛ شعابها بالتحديد.

الزمان: القرن السادس الميلادي. قرن نموذجي للأوضاع السيئة التي تسقط فيها الإنسانية بين عصر وآخر. قرن غارق في ظلمة حالكة. الاستغلال يضرب بأطنابه في العلاقات بين البشر.

والحروب تصبغ وجه العالم بلون الدم. والأديان السماوية لم تعد سماوية بأي شكل من الأشكال، وسقطت بين فكي الإفراط والتفريط، ولم تنتج من مظاهر الوثنية والشرك التي اقتبستها من المدنيات الأخرى..

والمعادلة القديمة إياها: الأغنياء يزدادون غنًى. والفقراء يزدادون فقراً.

والظلم.. الظلم.. الظلم.

المناسبة: فرصة البشرية الأخيرة، لتغيير ذلك كله.

* * *

وذلك الرجل، ينسحب من مجتمعه الجاهلي بكل تقاليده وعاداته ومكرساته، ليدخل الغار، متأملاً في ذلك كله، ومتعبداً دون طقس معين..

وذلك الغار: حفرة في الجبل، مظلمة ورطبة. تعطي لذلك الرجل ما يريده: عزلته السرية وتأملاته الخاصة. في ظلمة الغار يجد العزاء والمواساة للظلمات الأخرى التي يغرق فيها المجتمع.. وفي رطوبته ما ينسي ولو مؤقتاً ذلك الجفاف الذي يطغى على العالم في طبيعة علاقاته وعاداته..

ولم يكن هذا الرجل بدعاً من هؤلاء الرجال المنسحبين..

ففي كل مكان من أرجاء المعمورة كان هناك رجال يأبى رصيد فطرتهم الانخراط فيما انخرطت فيه مجتمعاتهم، فينسحبون إلى الخلاء، في غار أو صومعة أو كهف أو دير، ينسجون لحياتهم نسيجاً خاصاً من الزهد والتعبد والابتعاد عن المجتمع.

وكان كل منهم يستحيل كوكباً منفصلاً، يدور في مداره الخاص بعيداً عن المجتمع، عن الواقع، وعن الزمن..

وحتى تلك اللحظة، كان يبدو لظاهر العيان أن ذلك الرجل المتعبد في غار حراء مرشح ليكون واحداً من هؤلاء الرجال المنسحبين الذين تصير حياتهم فيما بعد مداراً خاصاً لا علاقة لها بما حولها..

حتى تلك اللحظة: بدا ذلك الرجل أنَّهُ سيكون واحداً من تلك الأقلية المستنكرة، مثل الأحناف أو بعض النصارى من العرب، ممن لا يصل استنكارهم إلى درجة التمرد، وبالذات لا يصل لدرجة محاولة تغيير الأوضاع..

* * *

حتى تلك اللحظة، كان كل شيء يسير بشكل يسُرُّ الشيطان، لأنه يحقق قسمهُ العتيق {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأَُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ *} [ص: 38/82] .

كانت الأديان قد فقدت محتواها الإنساني والروحي معاً. وصارت مجرد طقوس وشعائر لا تغني شيئاً فضلاً عن انحرافاتها الوثنية.

وهؤلاء الزهاد المنسحبون: لا صوت لهم ولا دعوة. مجرد أناس على هامش المجتمع.. والمجتمعات البشرية تسير في خطاها المحتومة نحو هاويتها، لاهيةً عن مصيرها، بحروبها وعبثها وشهواتها.

.. كانت السماء صامتة – مكفهرة.

.. وكانت الصحراء خرساء كما لو كانت تخفي في أعماقها سراً دفيناً.

* * *

كل ذلك كان قبل لحظات، وكان يمكن أن يستمر دهوراً أخرى.

لكن حدث – خلال لحظة – ما غير ذلك كله..

لم يعد ذلك الانسحاب هروباً وعزلة: بل صار انفتاحاً نحو العالم كله.

الغار، من ظلمته انبعث نور غطى وجه العالم أجمع.

.. وذلك الرجل الذي كان مرشحاً ليصير واحداً من أولئك الزهاد المنفصلين عن المجتمع والواقع والتأريخ.. ذلك الرجل صار أمة.

عندما جاءت تلك اللحظة.

اللحظة – الذروة.

* * *

من الصعب أن نطبق نظرية بحذافيرها على تلك اللحظة. من الصعب أن نجد مصطلحاً محدداً، يتلبس تلك الذروة أو يتقمصها..

كل تلك كلمات. تناور وتدور حول المعاني. تصف ولا تصف. تنجح وتخفق.

كل ما نستطيع قوله هو أن أساساً جديداً للعلاقات قد بدأ.. العلاقات بين الإنسان والمجتمع.. الإنسان والكون.. الإنسان وخالقه..

بالضبط: إن وعياً جديداً قد بذرت بذرته في تلك اللحظة .

ولادة للوعي الإنساني؟ ربما!

* * *

كل ذلك عندما جاء المَلَك للغار، وقال لذلك الرجل تلك الكلمة الهائلة الرهيبة: {اقْرَأْ}.

* * *

بعد صمت طويل – دام حوالي ستة قرون. جاءت كلمة السماء: {اقْرَأْ}.

{اقْرَأْ} إنها أول كلمة اختارها الله ليعرف نفسه إلى نبيه. بل إلى آخر أنبيائه.. وهي لا تشبه أبداً الكلمات الأخرى التي قيلت للأنبياء الآخرين.

ففي كل الرسالات السابقة كان الخطاب الإلهي يعتمد على إعجازٍ (حسي)؛ عصا تسعى، يد بيضاء، طير يعود إلى الحياة..

في كل الرسالات السابقة كان الله يخاطب في الإنسان حواسه.

لكنه في هذه المرة، ربما لأنها المرة الأخيرة ، اختار – عز وجل – طريقة أخرى. مضموناً آخر، وصيغةً أخرى..

إنه يخاطب أول ما يخاطب العقل الإنساني هذه المرة. دونما اعتماد على الحواس الإنسانية. إنه يؤسس للغة جديدة في العلاقة بين الله والإنسان؛ لغة تعتمد على العقل ، بعدما ثبت للبشر فشل اللغات الأخرى في العلاقة بينهم وبين الله.

لذلك تأتي {اقْرَأْ} صيغةً ورمزاً لعلاقة جديدة. بطاقة مختلفة لتعريف مختلف يقدم بها الله وحيه الإلهي. وأي كلمة، تلك هي {اقْرَأْ}.

* * *

{اقْرَأْ} كلمة السر – الذي لم يعد سراً بل صار جهراً في العقيدة الجديدة، دونما إبهار أو أساطير أو معجزات تشبه القصص الخرافية..

.. وبينما تنام شعوب على خيالات كلمة السر التي تفتح مغارات الكنوز، فإن كلمة السر هذه قيلت في الغار ثلاث مرات لرجل أُمِّي، ولأمته من بعده، ففتحت أبواب العلم وآفاق المعرفة، وجُنيت كنوزٌ وكنوز للإنسانية عبر القرون التي سادت فيها حضارة {اقْرَأْ}.

ولا يدر ي أحد على وجه التحديد في أي مرحلة من مراحل العلم سنكون اليوم لو لم تُقَل تلك الكلمة – السر..

لكن الذي حد ث أن تلك الكلمة التي قيلت في الغار همساً، صارت شعاراً لحضارة، ومنهاجاً لحياة، وأول ما أنزل من كتاب سيتخذ من الفعل ذاته {اقْرَأْ} اسماً يتلى ويتعبد به في تصور وعقول أتباعه..

* * *

وكلمة {اقْرَأْ} لم تكن أول كلمة أنزلت من الوحي فحسب.

بل كانت أول فعل أمر أصدره الله إلى رسوله الأخير، وإلى أمته من بعده، بطبيعة الحال. أي إنها كانت ببساطة شديدة. ودونما تشنجات فقهية – أول فرض فُرِضَ على محمد (ص) .

القراءة: أول فرض فُرِض في الإسلام، قبل الصلاة والصوم والزكاة والحج.

وبعبارة أخرى: كانت كلمة (اقرأ) الشاملة هي المدخل الذي فُرِضَتْ عبره كل الفرائض الأخرى..

وبعبارة أوضح وأدق: كان العلم – بمعناه الشمولي والواسع- هو الإطار الذي من خلاله أخذت كل الفرائض الإسلامية موقعها الذي حددته الشريعة فيما بعد.

والحديث عن علاقة الإسلام بالعلم بات حديثاً مكرراً استهلكت فيه المعاني ونفدت، وهو حديث يرتكز على الاستشهاد بعدد من الآيات القرآنية التي تشيد بالعلم والعلماء، وعلى كثرة تكرار لفظة علم ومشتقاتها (البالغة حوالي 439 مرة) في القرآن الكريم – ليستنتج أن الإسلام (حث) على العلم، وأن هذا الحث هو التغيير المنطقي للطفرة العلمية التي أنجزتها الحضارة الإسلامية..

للوهلة الأولى، تبدو مقدمات الاستشهاد ونتائجه صحيحة. لكن عندما يفكر المرء أن الوحي الإلهي بدأ بـ {اقْرَأْ} فإنه يقر أن الأمر أكثر من مجرد حث، وأن الطفرة العلمية الإسلامية أكثر من مجرد استجابة لهذا الحث.

عندما يبتدئ الوحي بـ {اقْرَأْ} فالأمر أكثر من الاستحباب وأكثر حتى من الوجوب . إنه يقع في منطقة خارج التقسيمات الاصطلاحية التقليدية – ويقع في منطقة عميقة جداً في البناء الإسلامي: في الأساس، في الأركان ، في القاعدة.

وهذا ما كان واضحاً، دونما تنظير فكري – بل واقعاً يومياً معاشاً لأفراد الجيل الأول، وهو الذي شكل الدفعة العلمية الكبرى التي أنجزتها الحضارة الإسلامية..

أما أن نتصور أن (الحث) والأوامر الإسلامية بطلب العلم، قد حققت ذلك الثواب، وتلك الطفرة – فهو أمر أقرب إلى السذاجة منه إلى النظر والتحقيق العلمي.

لقد كان الإسلام لغة جديدة.. روحاً جديدة.. مضموناً جديداً بصياغة جديدة للعلاقات الإنسانية بعضها مع بعضٍ ومع الله..

وكانت المفردة الأولى التي تكونت في هذه اللغة الجديدة، بالأبجدية الجديدة، هي كلمة {اقْرَأْ}.

* * *

لكن الرجل الذي أنزلت عليه {اقْرَأْ} كان أُمياً.

وقد ظل علماؤنا لفترة طويلة يفسرون ذلك أنه من أدلة النبوة وأوجه الإعجاز – في مواجهة المشككين بصدق نبوة محمد (عليه الصلاة والسلام)..

لكن الانطلاق من أرضية التصديق يمنح ذلك التناقض الظاهري بين {اقْرَأْ} وبين أُمِّية النبي أفقاً واسعاً للتأمل وفضاءً رحباً للتحليق.

إنه يحرر القراءة من أسوارها الأبجدية وحدودها اللغوية – على سعتها – ليطلقها في عالم المعاني شديدة الثراء والخصوبة.

إنه يحرر القراءة من المفاهيم الجامدة للتلقين الغبي إلى قراءة ما هو غير مكتوب في بطون الكتب، إنه دعوة لقراءة كتاب الكون المفتوح، المتمثل في كل ذرة من ذرات الخليقة.. والمتجسد في كل حبة رمل، ونسمة هواء، وثمرة شجر.

إنه دعوة للقراءة في كتاب النفس الإنسانية: في كل نزعة خير ونزوة شر، وعاطفة حب تسمو بها النفس، نحو الجمال والسمو، أو تهوي بها نحو الرذيلة والانحدار.

والمتأمل في اللفظ المجرد {اقْرَأْ} في اللغة العربية يجد في ثراء المعاني المرتبطة به زوايا جديدة للنظر نحو الأمر الأول، بل الفرض الأول الذي نزل في الغار.

فمشتقات {اقْرَأْ} ترد بمعاني: الحمل. الجمع، من المجموع. الفقه. المدة الزمنية. وكل واحدة من هذه المعاني تمنح {اقْرَأْ} بعداً جديداً يوضح رؤيتنا لما حدث في الغار يومها.

فالقراءة – بمعنىً ما – هي (حمل أيضاً)، وهو حمل ينتج من اللقاء الخصيب بين العقل الإنساني والواقع الإنساني، ذلك اللقاء الذي ينتج بذرة الوعي وجنين الأمل.. في حمل قد يدوم عقوداً أو قروناً.. أو يجهض..

وهي ترتبط بالجمع – قراءة شمولية متوازنة تنظر إلى العالم كله برؤية تكاملية غير تجزيئية..

وهي عين الفقه – الفهم – الذي يغوص عميقاً بحثاً عن الجذور، والذي يبحث عن الأسباب لا عن الظواهر، ويشخص الأمراض ولا يحدد الأعراض فقط.. ومرتبطة بالفترة الزمنية – لأنها ليست مطلقة، خارج الزمان والمكان، وذات صلاحية غير منتهية بل – وبسبب ارتباطها بالواقع ومتغيراته – تحتاج إلى عين بشرية جديدة وعقل بشري جديد باستمرار، ليقرأ من جديد.

وهكذا فـ {اقْرَأْ} هي دعوة لقراءة الكون بأجمعه.. الخليقة بأجمعها، والتاريخ، والنفس البشرية..

إنها دعوة استقراء واستنباط وتبحر عميق في العلاقة الحتمية بين الأسباب والمسببات، وهي ذات الدعوة التي تمخضت فيها بعد بما يسمى اليوم بالمنهج التجريبي في العلوم – والتي كانت من أهم ركائز الانطلاقة الإسلامية في الحركة العلمية. والتي تعتمد على الملاحظة والاستنتاج، لكنها بدأت حقاً في الواقع اليومي المعاش، من {اقْرَأْ} التي بدأت بملاحظة الظواهر البسيطة المحيطة بالفرد البسيط ولا تنتهي حتى بالكون العميق.

إنها فتح لأبواب العقل نحو الجهات الأربع: شمال وجنوب، شرق وغرب. تتخطى الأبعاد الثلاثة بل وحتى البعد الرابع: الزمن.

الكلمة الأولى: {اقْرَأْ} في العمق. في العمق جداً. مثل حقنة في العضلة للوعي الإنساني، للعقل الإنساني، بل للنوع الإنساني كله.

* * *

ولو تابعنا الحديث الذي روته السيدة عائشة، والذي أورده البخاري في صحيحه لوجدنا نصاً شديد الخصوبة، يحدثنا فيه رسول الله (ص) نفسه عن تجربته الهائلة الأولى مع الوحي.. والذي يتضح من متابعة الحديث، أن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام كان يعي – وإن كان بغموض – منذ اللحظة الأولى ضخامة الكلمة التي أنزلت عليه. كان يعلم أنها تتجاوز حدود القراءة الاعتيادية إلى أفق غير منظور، فهو ينكر الطلب «ما أنا بقارئ» – ثلاثاً – وهو يرجع بها، ويرجف بها فؤاده، ويقول: «لقد خشيت على نفسي»، وقَبْلَها يطلب: «زملوني زملوني» فزملوه حتى «ذهب عنه الروع».

كل ذلك يؤكد بشكل قاطع أنه عليه أفضل الصلاة والسلام كان يدرك منذ اللحظات الأولى لرسالته أهمية ما جرى له، وأهمية ما نزل به الوحي. ولم ينقل عنه أبداً أنه استشكل أمر القراءة، وهو الأُمِّي – وهذا يعني أنه كان يعي أن أمر القراءة يتجاوز الشكل الحرفي – الأبجدي – إلى معنى الوعي والاستقراء كله، ثم أكد له ورقة بن نوفل ما كان يدور في وعيه: «هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى». ولم تكن سوى ثلاث آيات، لكن ورقة وجد فيها الناموس، ووجدها سحيقة القدم، عميقة الجذر، تتصل بموسى – بعمق التاريخ. ثم قال منبهاً: « ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك » ولعل محمداً كان يعلم الجواب – أو يخالجه – إذ سأل: أَوَ مُخرجيَّ هم؟ لضخامة الكلمة – الناموس التي ألقيت عليه، فيجيبه ورقة ما يجيبه، وضمن الجواب (نعم).

* * *

وعندما نزل وحي السماء: {اقْرَأْ} بعد ذلك الصمت الطويل لم يحدث شيء.

لم تنطفئ الشمس. لم ينشق القمر. لم تتعطل قوانين الفيزياء ولا لحظة واحدة. لم تسقط الشهب والنجوم. لم يتصدع إيوان كسرى ولا عرش قيصر.

… لم يحدث شيء على الإطلاق .

ولم يسمع أحد خارج الغار هذه الكلمة الهمسة التي جاء بها الملَك إلى محمد، ولو أنه لم ينقل الخبر لما عرف أحد.

.. لم يحدث شيء غير طبيعي بتاتاً، فقط كلمات قيلت في أذن النبي وقلبه في غار مظلم في شعاب مكة.

ظل الحال على ما هو عليه: الشمس تشرق وتغيب في مواعيدها، والكون كله سائر على الخطة المحكمة المرسومة له بإتقان، دون أن يتأثر بما حدث.

.. هذه المرة – وهي المرة الأخيرة بالمناسبة – لن يكون هناك أي داع لتحدي قوانين الفيزياء.. الأكثر من ذلك أن هذه الرسالة ستكون في حقيقتها صلحاً مع هذه القوانين لا تحدياً.

هذه المرة سيكون التغيير في الداخل، في العقل، في القلب، في الوعي، سيكون التغيير في الإنسان وهو الذي سيفعل الباقي .

ماذا كان سيفيد لو انشق القمر، أو تصدع إيوان كسرى، أو انطفأت الشمس؟

المهم أن ينشأ وعي جديد لمفاهيم جديدة ليكوِّن مجتمعاً آخرَ هو الذي يصدع إيوان كسرى، أو عرش قيصر.

لذلك نقول بفخر: لم يحدث شيء بتاتاً.

وكان ذلك منسجماً أشد الانسجام مع فحوى ومضمون الكلمة الأولى:

{اقْرَأْ} .

* * *

كانت تلك هي الولادة الجديدة للوعي الإنساني وللعقل الإنساني، التي حدثت في غار حراء.

أما المخاض – مخاض الوعي – فسيستمر فترة طويلة تمتد حتى الـ 23 عاماً التي كونت عمر الدعوة ويتجاوزها.

وعبر القرون سيعاني المخاضَ كثيرون، أولئك يجددون الوعي المسلم والفكر المسلم، بل يبعثون للأمة دينها (كما جاء في الحديث الصحيح..) إنهم يمنحون للقراءة أبعادها المتجددة المتفاعلة مع إرهاصات الواقع وتراكمات الخبرة الإنسانية.

من جاهلية مشركي مكة إلى نظام العولمة المهيمنة، يظل جوهر المخاض واحداً. إنها {اقْرَأْ} حتى وإن غفلنا عنها لقرون، تخفت أحياناً، ويكون صوت الضجيج أعلى من همسة الغار، لكنها هناك موجودة، في الأعماق، وإذا أنصتنا قليلاً لنبض الوعي، فستكون همسة الغار أعلى من كل الأصوات، أقوى من كل الأصوات.. أبلغ من كل الأصوات.

* * *

بالرغم من سعة الأفق الذي انطلقت فيه تلك الكلمة {اقْرَأْ} إلا أنها مع ذلك مبنية على قواعد وأسس متينة، والأهم من ذلك: ثابتة.

ولعلنا هنا يجب أن نسجل أن الثبات ليس عيباً نخجل منه ونتجاهله – كما هو المعتاد اليوم في عصر يفخر بأنه عصر المتغيرات السريعة. نعم! هناك متغيرات، ولكن هناك أيضاً ثوابت. ونحن لا نخجل إذ نقر: في ديننا ثوابت. في حضارتنا ثوابت، وفي مفاهيمنا ثوابت.

ولذلك فقراءتنا أيضاً مستندة إلى ثوابت. وهذه الثوابت قاعدة لرؤية وأساس لنظر، إنها العصب البصري الذي يغذي العين التي تقرأ، والبصيرة التي تستوعب. وهذه الثوابت لا تمارس دوراً انتقائياً سلطوياً فوقياً، على موضوع القراءة أو النظر.

فالعالم كله، الخليقة كلها، بكل تفاصيلها وكل تدرجاتها، تظل ميداناً مفتوحاً لـ {اقْرَأْ}.

لكن الانطلاق نحو ذلك يظل محكوماً بالقواعد القرآنية.. بالرؤية القرآنية .. بالمقاصد الثابتة للشريعة التي تتوجه نحو ما هو ثابت – وهي مقاصد مستقاة من القرآن نفسه.. فـ {اقْرَأْ} تتكامل وتتحد بالقرآن، وعبر القرآن تتوضح زوايا الرؤية ويصير القرآن نفسه، قراءة للعالم والخليقة والكون ككل.

* * *

حسب أحدث الإحصاءات: 40% من المسلمين ممن فوق سن الـ 15 عاماً هم أُمِّيون. أي إن هناك اليوم أكثر من ربع مليار مسلم بالغ ويعاني من الأُمية. والأُمية هنا هي الأُمية الأبجدية – والتي هي أُمية فك الخط. الـ 60% من البالغين الذين يفكون الخط هم في أغلب الأحوال – لا يفكون أكثر من الخط، و{اقْرَأْ} بالنسبة إليهم ليست أكثر من أحرف أبجدية، لا تعني أكثر من الأصوات التي تترجمها، ونسبة الأُمية هذه مصحوبة بأرقام أخرى مفزعة توثق أوضاع التخلف والتردي التي يعيش فيها مسلمو اليوم.. ولعلنا لا نحتاج إلى أرقام وإحصائيات لنعرف أننا متخلفون. لعل نظرة واحدة حولنا تكفي لاستيعاب ذلك.

إننا متخلفون. نعرف هذا ونقر به. ولكن اعترافنا هذا لا يلغي تخلفنا، ولا يوضح أسبابه، ولا يقلل من حجم المسؤولية الملقاة على عاتقنا، مسؤولية المفارقة المتولدة من أننا ندين بدينٍ كان أول ما أنزل منه: {اقْرَأْ}.

* * *

لكن أكثر جوانب المأساة بروزاً هي موقف حملة القرآن والدعاة، من أول كلمة أنزلها عز وجل على الرسول الكريم.

فرغم انتشار الصحوة الإسلامية  في مظاهر كثيرة ، فإن هناك قصوراً واضحاً في علاقتها مع {اقْرَأْ} وهو القصور الذي ينعكس على علاقاتها بالمجتمع والواقع والتاريخ والمستقبل، بل على علاقتها مع نفسها كظاهرة صحوة، وعلى علاقتها بالإسلام، ككل.

ذلك أن مفهوم {اقْرَأْ} ظل مفهوماً ثانوياً ومرتبطاً بالقراءة التقليدية الجاهزة للمجلدات والكتب التي سطرها الأولون فحسب. وكانت هذه القراءة – إلا فيما ندر – تلقيناً تقليدياً، لا حواراً بين الأجيال وبين الواقع الحاضر – والماضي، بل كانت قراءة تحاول إقسار الماضي على الحاضر ولو بالقوة. وتفرض فهما معينا  على ظروف القرن الخامس عشر.. وكان ذلك تحجيراً لواسع. وتقزيماً لمارد. واغتيالاً لروح الإبداع. لصحوة الأمل في النفوس.

ومن هذا الخلل الكبير لفهم {اقْرَأْ} نتجت ظواهر فكرية مؤسفة في الصحوة – الأمل. بالرغم من أن هذا الخلل نفسه نتج عن مجموعة ظروف وملابسات تاريخية واجتماعية قديمة، تعود إلى عصر الانحطاط، لكن النتيجة النهائية للفهم الجامد لكلمة {اقْرَأْ} كانت استمراراً لتكريس قيم ومفاهيم عصر الانحطاط بل تحويلها إلى بديهيات، مسلمات لا غنى عنها.

* * *

الآيات الثلاث نفسها التي أنزلت أول مرة في الغار، كانت تحمل إشارة إلى خلق الإنسان من علق. والعلق مضغة الدم، وهي طور من الأطوار الجنينية التي يمر بها الإنسان، وقد ذُكِرَتْ هذه الأطوار بتفصيل أكبر في آيات أخرى من سور مختلفة. لكن موقعها هنا بعد {اقْرَأْ} مباشرة، وقبل {اقْرَأْ} مباشرة، يثير الانتباه والتأمل، للوهلة الأولى – على الأقل.

لكن لا عجب، فالعلقة دور من أدوار التطور التي يمر بها الإنسان – إلى أن يصير إنساناً، بالضبط كما تمر بقية المخلوقات بأدوار وأطوار تختلف أو تتشابه مع الأطوار الإنسانية بحسب موقعها من خارطة الخليقة: القطة والكلب والفيل والنملة وحتى الديناصور، مروا جميعاً بأطوار معينة – مثلما مر الإنسان.

لكن تطور الإنسان لا ينتهي بانتهاء هذه الأدوار الجنينية، كما ينتهي تطور بقية الحيوانات. إنه لا يكتمل إنساناً إلا بخطوة أخرى.. بطور آخر.. وبينما يمر الإنسان بتلك الأطوار السابقة بالرغم عنه – كما تمر الحيوانات الأخرى بها. فإن هذا الطور الأخير لا يمر إلا بإرادته ووعيه، إنه يختاره أو لا يختاره. يكمل درب التطور، أو يظل حيث هو.

وهذا الطور، بل هذه الحرية في الاختيار، وتسليم الوعي والإرادة لهذه المسؤولية هو أول ما يميز الإنسان عن بقية المخلوقات.

وهذا الطور هو الوعي ذاته. إنه {اقْرَأْ} التي تحاصر الإنسان – العلقة في الآيات الثلاث الأولى التي أنزلت في الغار.

{اقْرَأْ} هي الطور الإنساني الأخير الذي به يكتمل تطور الإنسان – ويتميز من بقية المخلوقات.

إنها الحلقة المفقودة التي طال البحث عنها – في تطور الإنسان – وهي موجودة لا في الحفريات وعظام الجماجم القديمة، وبحوث الأنثروبولوجيا. إنها موجود في وعيه. في عقله. في قراره بأن يكون إنساناً.. والذي لا بد أن يمر بـ {اقْرَأْ}.

{اقْرَأْ} هي تلك الطفرة النوعية التي يختار الإنسان أن يقفزها ليتخطى الحواجز والعقبات التي تعوقه عن إنسانيته. عن وعي المعاني العميقة الكامنة في كل ذرة من ذرات الكون، وكل حركة من حركات التاريخ، عن أن يكون كما أراده الله أن يكون: خليفة على الأرض ..

يقف الإنسان – بعد أن أكمل تطوره الطبيعي الخارج عن إرادته – ليقرر هل يكمل، ويستجيب لهمسة الغار، ويصعد ذلك السلم المضيء الملون – سلم التطور الإنساني الحقيقي. سلم {اقْرَأْ} ،وكل درجة من درجات السلم يصعدها تغوص به إلى عمق الحقيقة والوعي والإرادة، وتزيده اقتراباً من دوره ومسؤوليته الحقيقيين.

أو أنه يقف – مكتفياً بتطوره الجنيني – فيقف على حافة السلم، قدر الطحالب والدواب.

* * *

.. و {اقْرَأْ} تمثلت في منجزات حضارية مختلفة ومتنوعة – كانت في حقيقتها جوهر الحضارة التي ارتكزت على همسة الغار.

فمرة تمثلت في فقه متجدد – قائد – يتجدد مع تطورات المجتمع والظروف. ومرة تمثلت في عدالة اجتماعية شملت كل مواطنيها في البلدان المفتوحة أيضاً.

وتمثلت في صراع متأجج بين قوى متناحرة، ومتنافرة: الأولى التزمت بـ {اقْرَأْ} المتجددة الفهم (دون ان يعزلها تجددها عن ثوابتها ) للمقاصد، والثانية حاولت إلزام قراءة واحدة على الواقع والمجتمع، ورغم اختلاف الشعارات، وتبدلها بين الحين والآخر.. فإن {اقْرَأْ} كانت دوماً هناك في العمق ..

وعندما اختفت {اقْرَأْ} صارت مجرد كلمة دون المعاني والآفاق والمقاصد، صار الصراع يمثل – رؤى جامدة ومتوارثة: دون ذلك الفهم، دون ذلك التجدد، دون تلك المقاصد أي باختصار: دون ذلك الإسلام – الحقيقي.

* * *

في البدء كانت {اقْرَأْ}

لا. ليس في البدء فقط. إنها في البداية والنهاية وفيما بينهما.

إنها الأمر الأول – الفرض الأول غير القابل للاستئناف أو النسخ . والذي لا يكسب فعاليته وحيويته إلا باستمراره على كل الأوامر التالية – بل كل الأمور التالية – والتي لا تكتسب – هي الأخرى – فعاليتها إلا بالتعامل مع الأمر الأول: {اقْرَأْ}.

لذلك فإن {اقْرَأْ} ليست مجرد بداية تاريخية لنزول الوحي. إنها البداية والنهاية، وما بينهما. إنها جوهر الحكاية بأكملها. الحكاية التي لمّا تنتهِ.

 

أولاً – العنصر الأول: التساؤل

للوهلة الأولى سيبدو غريباً جداً أن نتصور أن ديناً ما يبدأ بطرح التساؤلات، فقد تعودنا جميعاً أن تكون الفلسفة هي صاحبة الأسئلة، وأن يكون الدين هو صاحب الأجوبة. الفلسفة للأرق والتفكير والدين للنوم المطمئن الهادئ.

لكن ذلك ينسجم أساساً مع نظرة تقليدية للدين، قد لا تتفق مع الطبيعة التأريخية للإسلام. نعم! هذه النظرة قد تتفق مع أديان (سماوية أو غيرها) ركزت على جانب واحد (روحي مثلاً) واستهدفت (راحة) معينة لأتباعها سواءً في الدنيا أو الآخرة.

لكن هذه النظرة لا تشبه في شيء الواقع التاريخي للإسلام بوصفه حركة حضارة عميقة، استطاعت أن تهز أركان التاريخ الإنساني وتعيد تشكيله وتحديد مساره.

إن نظرة (النوم المطمئن الهادئ) التي يورثها الدين لا يمكن أن تنسجم مع الإسلام الذي أعلن قيامة العقل، وكان نهضة واستفاقة لعرب الجزيرة، وسكان العالم على كافة المستويات، حتى لو تبنى هذه النظرة قطاعات واسعة من المجتمعات الإسلامية كيفت قناعاتها مع هذه الرؤية (التقاعدية) للدين: رؤية الموظفين المتقاعدين الذين يريدون الجامع، بديلاً لا بأس به عوضاً عن المقاهي.

هذه الرؤية التقاعدية لا عيب فيها سوى أن لا أثر للإسلام فيها. الإسلام كان ثورة الحيوية والنشاط في العقل الإنساني وقسره على أداء (ترنيمة النوم) لن يكون إلا خروجاً عن المفاهيم الأصلية التي عمل من خلالها الخطاب القرآني.

ورغم هذا الخروج فإن دور الترنيمة هو الأكثر سواداً وانتشاراً، فعبر عصور الانحطاط استطاعت المؤسسات الاجتماعية التقليدية أن تؤسس لهذا المفهوم وتدعمه عبر شواهد وتأويلات محرفة، جعلت من هذه الرؤية للدين هي الرؤية الأصلية وكل ما سواه فتنة، وخروج ومروق عنه، وبالطبع فإن هذه المؤسسات كانت تعلم جيداً أن لا تعايش لها مع المفهوم الحيوي للإسلام وللخطاب القرآني، إذ سيكون ذلك جزءاً من تعايش أضداد مستحيل، لذلك فضلت عبر القرون وبحنكة متقنة مكتسبة من التجارب التاريخية أن تتعايش مع مفهوم سلبي ومخدر للإسلام عموماً.

وبصورة عامة قد يكون وصف الدين (كترنيمة نوم) ينطبق على بعض الأديان المطبوعة بطابع المجتمعات التي أنزلت فيها، كما في حال الأديان السماوية السابقة، أو التي تكونت فيها الأديان والمذاهب الأرضية، كما أنه قد ينطبق أكثر مع حالة التاريخ بصورة عامة، إذ كان الإنسان يحتاج إلى تكيف وتخدير، أكثر مما يحتاج إلى علاج جذري إلى أن صار بإمكان الإنسانية أن تتحمل مسؤولية أفعالها وتسأل وتنهض وتقوم.

* * *

السؤال!

إن السؤال – بصورة مجردة – قديم جداً، قدم النفس الإنسانية ذاتها. ومن الصعب جداً تقصي البوادر الأولى للأسئلة الأولى التي دارت في الذهن الإنساني البدائي. لكننا متيقّنون أن هناك أسئلة دارت بطريقة ما، حتى قبل اختراع الأبجدية الأولى وأدوات وإشارات الاستفهام.

ففي كهوف العصر الحجري، كان الإنسان البدائي، ولا بد أنه كان يعاني من (تساؤلات) عامة، تخص كل ما يواجهه من ظواهر الطبيعة الغامضة لديه: البرق. والرعد. والبرد. والنار. والزلزال. كلها كانت تبعث فيه مشاعر الخوف والرهبة.. والتساؤل. حتى دون أن يطيق التعبير عن ذلك التساؤل. ومع تقدم التجربة الإنسانية صارت الأسئلة أكثر وضوحاً وتحديداً، وبينما وجدت الظواهر الطبيعية تفسيرات – خرافية غالباً – فإن أسئلة أكبر صارت تلح على الذهن البشري وتثقل عليه، أسئلة تتعلق بالوجود ككل: أسئلة من نوع: لماذا؟ من أين؟ إلى أين؟

ومن الطبيعي جداً، أن يحاول الإنسان أن يتكيف مع هذه الأسئلة بأجوبة تناسب ذهنيته البدائية، بالاعتماد على الخرافة أساساً.

وبين الحين والآخر: كانت هذه الأسئلة يجاب عنها بطريقة مختلفة، بالاعتماد على الوحي الديني، والذي كان – بشكل أو بآخر – يحاول صياغة أجوبة تناسب الذهنية الإنسانية المعاصرة للوحي الديني. ولكن بشكل عام كانت معظم الأجوبة تدور حول محور واحد: كن مؤمناً بالله ولا تشرك به، وكن طيباً مع جارك، يرضى الله عنك ويدخلك الجنة. وكان هذا المحور يتجه أيضاً نحو الاطمئنان والهدوء بطريقة أو بأخرى.

لكن تعامل الخطاب القرآني مع موضوع الأسئلة كان مختلفاً وبشكل جذري. فبينما كانت الأديان السابقة تحاول عبر الأجوبة المنزلة تحديد دور التساؤل وإنهاءه ، فقد عمد الخطاب القرآني إلى استثمار هذا التساؤل وتأصيله في طريقة التفكير الإسلامية، بل إلى إعادة تأسيسه، ليكون المرتكز الأول والنقطة الأولى في تكوين العقل المسلم الناشئ.

التساؤل؟ – كيف يمكن لدين سماوي أن يجعل السؤال، بدلاً عن الجواب المنتظر، نقطة ارتكازه الأولى؟

ممكن جداً بشرط واحد: إنه لن يقوم بدور حبة (الفاليوم) وحقنة (المورفين) المنتظرة! إنه سيكون هناك ليعرض الجروح المتعفنة للشمس والهواء بدلاً من اللفائف والضمادات، إنه سيواجه الآلام ليجتثها – بقدرة الفرد – من جذورها بدلاً من المزيد من المسكنات.

وبدلاً عن (الأجوبة المسكتة) ستكون هناك أسئلة مثيرة للجدل. أسئلة مثيرة للعقل. محفزة للحيوية والنشاط. أسئلة تدعو للوثوب والانفتاح نحو كل الجهات. وتلبس في الوقت نفسه رداء العقيدة الدينية. لماذا نستغرب ذلك، ونستبعده من دين كان أول ما أنزل فيه: كلمة: {اقْرَأْ}؟

* * *

لعله من الصعب تحديد وضعية خاصة للمجتمع الجاهلي في الجزيرة العربية في الفترة التي بدأ فيها نزول الوحي على محمد (ص) في أواخر القرن السادس الميلادي؟

فقد كانت الجزيرة تعج بمتناقضات وتراكمات تجعل من الصعب تصنيفها كمجتمع متجانس واضح الملامح، وإن كانت المراكز الحضرية الكبيرة فيها مثل (مكة والطائف ويثرب) تمتلك مقومات اجتماعية أكثر وضوحاً وبروزاً.. لكن حتى هذه المراكز – وأكثر ما نعرف من أخبارها مكة – كانت تعكس بدرجة أو بأخرى تناقضات الجزيرة وتعقداتها.

لقد كانت وضعية مكة مثلاً شديدة التعقيد والتشابك. فقريش المؤلفة من اثنتي عشرة قبيلة متنافسة أصلاً، صارت لكل قبيلة منها بطون متنافسة هي الأخرى، وكان هذا التنافس المادي يثير التناحرات داخل المجتمع المكي – وكان يزيد من حدة التعقيد علاقات النسب والمصاهرة المتعددة، التي كانت كثيراً ما تشتت أبناء الأب الواحد إلى علاقات خؤولة مختلفة متناحرة هي الأخرى.

وزاد من حدة التنافس أكثر الركود الاقتصادي العام الذي كان سائداً في الجزيرة، بسبب قلة مواردها – الزراعية والحيوانية. فما دام محور التنافس اقتصادياً، فإن هذا التنافس يزداد حدة وشراسة في ظل فقر الجزيرة العام وقلة مواردها.

وزاد من صعوبة هذه الأوضاع ارتباط مورد مكة الرئيسي – التجارة – بالطرق الخارجية المعرضة لغزوات قبائل البدو والأعراب في البادية، في ظل غياب سلطة مركزية تحافظ على أمن الطرق.

وكان لا بد لهذه الأوضاع أن تنعكس في مجموعة من القوانين والأعراف، تحاول موازنة هذه التناقضات وتخفف من حدتها.. لذلك نشأت الأحلاف والتكتلات القبلية، ونشأ عرف (الأشهر الحرم) والإيلاف وغيرها من المعاهدات الاقتصادية، التي عكست هذه الأوضاع المعقدة، وحاولت تجاوزها. بل إن عدم وجود (صنم) أو (وثن) مركزي، تدين له العرب في الجزيرة العربية بالعبادة، حتى مع إيمانهم بأوثان أخرى، يعكس حالة التشرذم والتفرقة التي عانت منها جزيرة العرب. فلكل قبيلة وثنها المفضل وإلهها المركزي، مع إيمانها بأوثان أخرى، لكن هذه الأوثان المركزية لم تكن مفضلة دوماً، فكثيراً ما كانت القبائل تغير وثنها المركزي بآخر، لهذا السبب أو ذاك[(2)].

وكان لا بد – في ظل ظروف كهذه – أن تعكس العلاقات الاقتصادية في مجتمع كهذا طبيعة الظلم والاستغلال، فالقبيلة الأقوى تستأثر بالمغانم الأكبر، والبطن الأقوى من القبيلة يستأثر بالحصة الأكبر، وسادة القبيلة من البطن الأكبر – يستأثرون بالحصة الأولى والأكبر.

وكان لا بد، أيضاً، أن يسيطر الربا والعلاقات الربوية على العمليات الاقتصادية من بيع وشراء ودين ومتاجرة، لذلك تعددت أنواع الربا واختلفت، وإن كانت تصب في قناة واحدة: تركز المال في أيدي فئة معينة من (الملأ) – علية القوم من سادة القبائل وأغنيائها.

وكان بعد ذلك كله، أن تبرز أنواع من عمليات البيع تعكس تركز المال واحتكاره في أيدي هذه الفئة، وتعكس في جهة أخرى الطابع الراكد لدورة رؤوس الأموال، والتحايل من أجل البيع وتدوير رأس المال بأي شكل. فهناك مثلاً (بيع الحصاة) وهو بيع يتم بأن يرمي المشتري الحصاة على البضائع فعلى أيها وقعت يأخذها بسعر ثابت لأي كانت. أو (بيع الملامسة) الذي كان يشترط فيه أن (يلمس) المشتري البضاعة دون أن يراها.. وغيرها من أنواع البيع التي تدل على تعقد الحياة الاقتصادية وترديها في آن واحد.

وكان على مجتمع يحمل هذه التناقضات ويتعايش معها أن يصل إلى نقطة محددة، ينهار فيها بناؤه الكلي وكيانه الكامل، أو يعيد النظر في مقومات، وأركان نهوضه من جديد.

وعند مفترق الطرق الحاد ذلك، كان لا بد لأركان مجتمع هش ومتشابك، أن تتزلزل من أساساتها، بالتساؤل .

* * *

إبراهيم: أبو الأنبياء وأبو التساؤلات

طرح الخطاب القرآني تساؤله الأول بصيغة شديدة الخصوبة. وشديدة الإيحاء. وبالتالي التأثير.

لقد اعتمد الخطاب القرآني على أنموذج تاريخي عريق ليدخل من خلاله التساؤل إلى عقيدة أولئك الذين أخذوه بقوة من شباب مكة في الجيل الأول.

وكان هذا النموذج الذي يمثله القرآن لتحرير العنصر الأول من عناصر التفكير الإسلامي هو نبي الله إبراهيم الخليل، عليه السلام.

هناك ثلاثة أمور ينبغي تسجيلها على اختيار إبراهيم دون غيره.

الأمر الأول: أن العرب تنسب نفسها جميعاً إلى إبراهيم عبر ابنه إسماعيل، الذي شارك أباه في بناء الكعبة – محج العرب عبر التاريخ – والنسب عند العرب بالغ الأهمية حتى إنهم كانوا يعدون من لا نسب له ليس عربياً.. لذلك اعتمد الخطاب القرآني جدهم الأكبر لتوصيل مفهوم العقيدة الجديدة – القديمة (العقيدة الحنيفية الأصيلة).

الأمر الثاني: أن إبراهيم بالذات يحتل المكانة المميزة عند أهل الكتاب نفسها سواء كانوا نصارى أو يهود. والذين كان لهم وجود وتأثير في الجزيرة بأشكال متعددة ومختلفة. سواء عبر وجودهم وإمكانياتهم المادية – التجارية المختلفة، – مثل اليهود – أو عبر وجود كيانات ودول كبرى تدين بالنصرانية، وتجاور الجزيرة (الروم – الحبشة). فاختيار إبراهيم كان يمنح صلة وصل عميقة الجذور لا بالنسب العربي فحسب، بل بالعلاقات بين الأمم، وبالذات بأمم أهل الكتاب التي كانت تعدُّ نفسها – عن حق – أرقى من بقية الشعوب الأمية – والتي كان العرب من ضمنها.

الأمر الثالث: أن الصورة التي يطرح من خلالها إبراهيم هي صورة أصيلة، ولا وجود لها في التوراة أو في الكتابات الإنجيلية. وذلك بالتأكيد يزيدها رسوخاً وعمقاً، ضمن نسيج الخطاب القرآني المتميز عن التوراة إلى صبا إبراهيم وبواكير وعيه، ليعرفنا على جذور القصة غير المحكية في التوراة. وقبل أن نسترسل علينا أن نؤكد أن هذه القصة لا تأخذ أهميتها الحقيقية، إلا عبر فهم المكانة المميزة التي احتلها إبراهيم في الخطاب القرآني، فهو الذي قال فيه الخطاب المنزل: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ *} [النحل: 16/120] ، {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ *} [الأنبياء: 21/51] ، {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ} [الممتحنة: 60/4] ، {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة: 2/124] ، {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة: 2/130] ، {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ *} [آل عمران: 3/95]

من هذه الحقيقة المميزة للوضع الإبراهيمي في السياق القرآني، يمكن أن نفهم كيف بنى الخطاب القرآني عنصر التفكير الأول عليه.

كيف صار إبراهيم – أبو الأنبياء وأبو العرب وصاحب الملة الحنيفية – نبياً؟

ما التربة التي صارت خصبة معدة لاستقبال حكمة النبوة ومسؤولية الرسالة؟

ما العوامل النفسية – السلوكية التي جعلته مهيّأً ليكون الأب الروحي للأديان السماوية الثلاثة؟

يجيبنا الخطاب القرآني عن هذه التساؤلات بطريقة موجزة وموحية، كالعادة.

ليلة أشرق فيها العقل ..

{} [الأنعام: 6/74-79] .

هذا الحوار الذي دار بين إبراهيم وأبيه أولاً، وبين إبراهيم والكون ثانياً، وبين إبراهيم ونفسه ثالثاً، لم يكن مجرد حوار عادي دار ذات ليلة بين أب وابنه، بل كان أعمق من ذلك وخارجاً عن المقاييس الزمنية والتاريخية. إنه حوار في عمق الوعي الإنساني والتجربة البشرية بأسرها ، حوار شكل منعطفاً مهماً في تاريخ الفكر الإنساني، واكتملت انعطافته بظهور الأديان السماوية المرتبطة بشكل أو بآخر إلى إبراهيم.. ينطلق إبراهيم في هذا الحوار التاريخي من الشك بالمسلمات التقليدية في مجتمعه[(3)]، ثم عندما يجن الليل عليه، يبدأ بالبحث المباشر عن إله هذا الكون.

والثالوث الذي تقلب إبراهيم بينه تلك الليلة حتى الصباح، لم يكن ثالوثاً اعتباطياً، فالزهرة والقمر والشمس هي من العبادات شديدة الانتشار عند الأقوام السامية عموماً (إن لم يكن عند غيرها أيضاً). على اختلاف في تقديم القمر على الشمس عند الساميين الغربيين والعرب الجنوبيين، والعكس عند العرب الشماليين. وقد ظلت هذه العبادة قائمة حتى ظهور الإسلام: ومن أسماء العرب المعروفة: عبد شمس، ومن القبائل المعروفة التي تعبدت للشمس بنو تميم. وكذلك بنو إد: ضبة، وعدي، وعطل، وثور. ويقال: إن اللات – الصنم المعروف الذي تعبد له المشركون والوارد ذكره في القرآن – كان رمزاً للشمس، والمعروف أن قريشاً كانت تصلي صلاة للشمس عند الضحى. والقمر أيضاً كان معبوداً معروفاً عند الجاهليين خاصة عند السبئيين[(4)]، إذ هو إلههم الأكبر – واتخذوا الثور رمزاً مقدساً له، كما تدل على ذلك النصوص الثمودية وغيرها. وبالرغم من أن الزهرة – وتسمى عثتر – كانت أكثر كوكب تعبد له العرب، إلا أنهم تعبدوا لكواكب أخرى مثل: الدبران، العيوق، والشعرى (التي ورد ذكرها في القرآن) والثريا، والمرزم.. إلخ[(5)].

إن الكواكب والنجوم والأصنام لم تنفرد بعبادتها الأقوام السامية فحسب، بل شاعت عبادتها في كل أنحاء الأرض عبر التاريخ. مع اختلافات متنوعة في التفاصيل لكن الحيرة الإبراهيمية والحوار الإبراهيمي يخرج بهذا عن إطاره الفردي – ليكتسب أبعاداً حضارية – إنسانية عميقة موغلة في القدم: إنه بحواره مع أبيه يمثل تمرد جيل جديد على الأفكار التقليدية والمسلمات الاجتماعية البالية. والأب هنا هو رمز لكل السلطات والمؤسسات الاجتماعية التي تكرس بقاء التقاليد والمسلمات والأعراف، وتوفر لها الحماية والاستمرارية.

وحوار إبراهيم مع الكون يمثل نضوج العقل الإنساني، ومحاولته فك أسرار الخليقة بالاعتماد على العقل.

إنه يمثل الحيرة والشك الموجودين أمام الحياة والموت والوجود ككل، وهو يمثل بالوقت نفسه – محاولة الاعتماد على العقل، للخروج من هذه الحيرة، وهذا الشك ، وذلك برفض كل المسلمات والبديهيات التقليدية. والبدء من جديد، من نقطة جديدة.. نحو هدف جديد، وبأساليب مختلفة وغير تقليدية.

تلك الليلة التي قضاها إبراهيم متقلباً حائراً على فراش التساؤلات المزدحمة كانت ليلة طويلة جداً، ولم تنته عندما أشرقت الشمس. إذ إنه ظل حائراً يبحث فيها عن ربه.. لكنها انتهت عندما أشرق العقل في داخله . عندما وجد الإجابة عن تساؤلاته فيه. عندما وجد أن الجسر نحو الخلاص موجود في أعماقه، فقط عليه أن يخطو نحوه الخطوة الأولى، متحرراً من كل الأحكام التقليدية والنظرة المسبقة والتقاليد البالية – المسيطرة فقط لأنها تنتمي للأولين.

تلك الخطوة بدأت بالشك بهذه المسلمات في عقل إبراهيم. بدأت بالتساؤلات المزلزلة التي اقتلعت فكرة الأصنام والأوثان من عقل إبراهيم.

إنه  التساؤل الذي سرى مثل التيار الكهربائي، ليمنح الحياة والروح إلى العقل الأول ، عقل الإنسان الذي سيصير أباً روحياً – بل وجسدياً إلى حد كبير – لثلاث أمم وثلاثة أديان سماوية.. إنه العقل الذي كون تلك التربة الخصبة المهيأة لاستقبال الوحي الإلهي.

لقد كانت الشرارة الأولى التي مهدت لنزول الكلمة الإلهية، هي شرارة احتكاك العقل بالواقع، ومعطياته بعيداً عن الأحكام المسبقة والنظرة التقليدية. إنه العقل الذي سبق الوحي، بل ومهد له وعبد له الطريق، إنه العقل الذي مثل البوتقة التي انصهر فيها الوحي الإلهي وتفاعل وتكامل معها. هل كان يمكن للوحي أن يتنزل على عقل خامل لا شك فيه ولا تساؤلات، هل كان يمكن أن ينمو الإيمان في عقل لم يعرف الشك، ولم يتقلب بحثاً عن يقين، ولم يشك بالمسلمات، ولم يلحد بالشرك الغبي المتوارث؟ لا طبعاً. الإيمان الابراهيمي بدأ من الشك بمسلمات قومه، واليقين يبدأ من السؤال . والوحي الإلهي لم ينزل إلا على عقل متسائل ، إذ لا يكتمل الإيمان إلا هناك.

هذا المحور شديد الأهمية هو الذي ركز عليه الخطاب القرآني، فإبراهيم – بنص الخطاب – هو أول المسلمين. والإسلام – هو ملة إبراهيم الحنيف الذي لم يكن من المشركين، والرسالة الجديدة هي تتمة لرسالة إبراهيم الأولى والأصلية.

وعندما تكون رسالة إبراهيم قد بدأت من تخوم التساؤلات، ولم ينزل الوحي إلا بعد خوضه لتلك التجربة المثمرة: تجربة الشك والتساؤلات، فإن هذه البداية، تطبع – بطريقة ما – الرسالة الإسلامية ككل، باعتبارها الوريث الشرعي للرسالة الإبراهيمية .

الإسلام إذن بدأ  من التساؤل المطلق أمام الحقائق الكونية. من رفض القبول المسبق الغبي الخالي من التمحيص والبحث.

ولذلك يعلق الخطاب القرآني على رحلة التساؤل التي خاضها إبراهيم، لتكون التربة الصالحة لنزول الوحي {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ *} [الأنعام: 6/83] – الحجة هي العقل ، عقل إبراهيم المنفرد السابق على نزول الوحي، هو الحجة الأولى، وتأمل ارتباط هذه الحجة بالحكمة، والعلم في اختيار هاتين الصفتين دون غيرهما، لوصفه عز وجل، فالحكمة والعلم مرتبطتان، بل وناتجتان عن العقل – الحجة التي أقامها الله على البشرية، وإبراهيم على نفسه أولاً، وعلى قومه ثانياً..

 لشراء الكتاب عبر الرابط 

 

http://www.furat.com/index.php?page=bookinfo&b_id=12759

الفردوس المستعار و الفردوس المستعاد

يعتبر هذا  الكتاب من أكثر كتب الدكتور العمري رواجا ، و يناقش الكتاب القيم الامريكية الوافدة و  تناغمها او تناقضها مع قيمنا و ثوابتنا…يحدد الدكتور العمري خمس ثوابت اساسية تميز الحضارة الامريكية و يعرضها امام خمسة ثوابت هي اركان الاسلام الخمسة…

يمكن شراء الكتاب عبر الرابط :

http://www.furat.com/index.php?page=bookinfo&b_id=17409

 

من اجوائه  هذا الاهداء الخاص جدا…

 

 

الفردوس المستعار و الفردوس المستعاد

اهدي هذا  الكتاب إلى القناص الامريكي الذي قتل – بــدم بـارد- الخالة منى عبد الهادي العبيـدي وزوجها الدكتور أحمد الراوي.. وخمس وعشرين شخصا آخرين من المدنيين تصادف انهم مرّوا من أمام مكمنه على مشارف مدينة الرمادي ظهيرة يوم الرابع عشر من تموز 2004.. بدلا من رصاصات مماثلة كالتي اطلقها عليهم اهدي هذا الكتاب اليه..و الى كل زملائه الاخرين.. اهديه اليه، ، وإلى دقته في التصويب : رصاصة واحدة فقط على رأس زوجها.. – وتسليه باطلاقه بضعة عشر رصاصة عليها.. اهديه الى القيم التي دفعت به الى هنا و إلى رأسه الفارغ إلا من نظرته المحددة سلفاً لكل الامور. وإلى حضارة الرجل الابيض التي جاء لينوب عنها.. والى ثقافة البوب كورن التي جاء لينشرها.. اهديه إليه، عندما يعود إلى بلاده، سواء بكفن او على عكازة او عكازتين.. او سالماً يمشي على قدميه.. واهديه إليه، عندما يحتضن زوجته، واولاده، ويجلس بينهم بينما يحكي بطولاته مع اولئك المتوحشين الذيــن هــم نـحن…، ورسالته التي اداها في جرنا الى درب الحضارة.. لقد ادى قسطه للعلى في حوار الحضارات- الذي يتحدثون عنه- كانت تلك الرصاصات المنفلقة هي سطوره التي اداها بشكل عملي.. ابلغ وأكثر تأثيراً من كل الاقوال.. هذا الكتاب هو ردي عليه، وهو سطوري أنا في ذلك الحوار. و كما كان هو دقيقا في التصويب ، آمل ان اكون اكثر دقة..

د.احمد خيري العمري “

 

و منه أيضا

الوصايا العشرة- بنسختها الامريكية

تعرفون الوصايا العشرة؟.

بالتأكيد. إنها أول ما نزل من التوراة، على تلك الألواح الحجرية.

وهي الوصايا التي شكلت، اللب الأساسي للشريعة الموسوية..

وإمتدت تاثيراتها، بشكل أو بآخر، للديانة المسيحية..

هذه الوصايا العشرة، المؤكدة على عدم عبادة الأوثان، وترك السرقة، والقتل، والزنا، والكذب.. إلخ، تصير، بالتدريج، بالنسبة لمعتنقيها، أعرافاً لا تناقش، تصير بديهيات لا جدال فيها، حتى بالنسبة لأولئك الذين ينتهكونها بين الحين والآخر- إنهم يفعلون ذلك وهم يعلمون أن يفعلون ما هو خطأ وخارج عن حدود تلك الوصايا العشر.

حسناً. مفهوم وواضح وهو لا يخص الوصايا العشر التوراتية فحسب، بل يشمل أي تعليمات وأوامر دينية في أي ديانة يمكن تخيلها على الإطلاق..

لكن ما دخل الوصايا العشر فيما كنا نقوله؟.

الوصايا العشر، لا تخص التجارب الدينية والشرائع السماوية فحسب. بل هي تخص التجارب الحضارية أيضاً. تخص المجتمعات وأعرافها وتقاليدها، أوامرها ونواهيها، حتى لو كانت منفصلة عن الأديان السماوية. لكل حضارة وصاياها العشرة الخاصة بها، تتمثل في الأعراف السائدة.

تتمثل في مفهومها لما هو خطأ وما هو صواب، وتشكل إطاراً عاماً للقيم الأخلاقية لما يجب وما لا يجب فعله، الناس ضمن هذه الحضارة ترضع هذه القيم دون أن تشعر غالباً، وينشئون عليها، يكبرون عليها وقد سارت في الحليب الذي يجري في دمائهم..

ولكل حضارة “وصاياها العشرة” الخاصة بها.

غني عن القول أن العدد لا يفترض أن يكون “عشرة”، لكنها وسيلة للتعبير عن قدسية هذه الوصايا- وأهميتها بالنسبة للحضارة المعنية.

ما رأيكم إذن، ما دام الإعصار قد وصلنا، أن نتفحص “الوصايا العشرة” للحضارة صاحبة الإعصار، حضارة الفردوس المستعار .. الحضارة الأمريكية؟؟

           ***************

لن أفتري شيئاً، لن أذهب الى إحصاءات الإغتصاب والجريمة والولادات غير الشرعية ونسب الشذوذ الجنسي، التي تعودنا أن نذهب إليها كلما شعرنا بالضيق ورغبنا أن (نعير) الغرب.

كل ذلك لا أزال أراه خراج الموضوع، لا أزال أراه مجرد تفاعلات ثانوية ونتائج نهائية لتفاعل أكبر..

لن أجلب شيئاً مني، ولا حتى من أشخاص ناقمين وناقدين لمنظومة الحياة هناك – من داخلها..

لن أذهب لليسار الأمريكي وأجلب شهادته (المطعون بها من جهة اليمين).

وأقول متباهياً متفاخراً، شهد شاهد من أهلها” كما يفعل بعضنا.

لا، بل “الوصايا العشر” التي هي الأمثال والحكم التي تشكل أفقهم الأخلاقي. وفضائهم المعرفي.

دعونا نرى “الوصايا العشر للحضارة الأمريكية”..

 

أولاً: لا تستطيع أن تجادل النجاح             1- You can not argue with success.

ثانياً: عش ودع غيرك يعيش                                        live and let live  2-

ثالثاً: الوقت يطير عندما تمرح              3- Time flies when you are having fun

رابعاً: تسوق حتى الموت!                                     4- Shop till you drop 

خامساً: فقط إعملها !                                                         5- Just do it

سادساً: لا ربح بلا عناء                                            6- No pain, no gain

سابعاً: لا تطيل الصبر على حقوقك                                7- Enough is enough

ثامناً: الوقت مال                                                      8- Time is money

تاسعاً: وجدت القواعد لتخرق                        9- Rules are made to be broken

عاشراً- الله يساعد من يساعدون أنفسهم 10- God helps those who help themselves

 

إنها امثال سائدة كما تلاحظون، ولا مجال للإفتراء أو التزييف. وهي تسير على ألسنة الأفراد العاديين هناك، كما تشكل الإطار العام لأفكارهم وأخلاقهم وأهدافهم- إنها المظهر (العامي) للقيم السلوكية التي تحدثت عنها..

هذه المثال، هي ذلك الجزء البارز على السطح من القيم المحركة، والأمريكيون من حقهم أن يفخروا بها، فهي موروثهم الحضاري الحقيقي، ولو تتبعنا المقال- والكتاب- الذي يتحدث عن هذه الوصايا العشرة، لرأينا أن كل (وصية) من هذه الوصايا، تشكل قيمة يفخر بها الأمريكيون ويعدونها عرفاً لا جدال في قدسيته وهيبته. ولا جدال كذلك في كونها شكل جوانب أساسية من جوانب “الشخصية الأمريكية”..

فالوصية الأولة، مثلاً، تشير الى أهمية النجاح في الثقافة الأمريكية وكونها القيمة التي تهيمن على كل القيم الأخرى، فالنجاح هو لب الحلم الأمريكي، والفشل، بهذا المفهوم، هو الخطيئة الأكبر، والإنتهاك المعيب لعرف وتعليمات الحضارة الأمريكية.

والوصية الثانية تمثل رغبة الأمريكيين في التمتع بخصوصية حياتهم- دون أن يتدخل أحد فيها بالنصح أو الأرشاد أو التوجيه- وبالمقابل تشدد الوصية على حق الآخرين في ذلك أيضاً، بالتمتع بخصوصياتهم دون أن يتدخل أحد فيها..

وبينما تشدد الوصية الثالثة على أهمية إستمتاع الأمريكيين بأوقاتهم فإن الوصية الرابعة تشير الى واحدة من أهم هذه المتع: “التسوق” والتي يؤكد كاتب المقال أنها واحدة من أهم مواضيع الحوار عندهم، وينصح بأنك لو أردت أن تكسب أعجاب شخص (أمريكي) فأقنعه بإنك متسوق ذكي (smart shopper)!

تشير الوصية الخامسة على كون الحضارة الأمريكية هي حضارة (فعل) لا حضارة تأمل وطول تفكير. إنها حضارة تؤمن بالعمل لا بالتنظير اووضع أطر فلسفية وفكرية له..

وتؤكد الوصية السادسة على أهمية بذل الجهد من أجل الحصول على الربح.

وتقول الوصية السابعة أن (ما يكفي يكفي) ما دام الأمر يتعلق بحقوقك وكرامتك الشخصية..

وتجمع الوصية الثامنة بين الوقت والمال للإستدلال على أهميتها معاً، وتصرخ الوصية التاسعة في وجهك بأن القوانين لا أهمية لها، والأجدر بك أن تفكر في تحطيمها وإبتكار قوانين أخرى سيحطمها لاحقاً شخص آخر..

وأخيراً، تقول لك الوصية العاشرة، بأن تساعد نفسك أولاً- بالنجاح- فالله لا يساعد إلا أولئك الذين يساعدون أنفسهم..

إنتهى!

             ******************

هل سننبهر بذلك كله؟. هل ستسقط أفواهنا من الدهشة وقد عثرنا على وصفة النجاح الأمريكية؟.

هل سنحفظ هذه الوصايا ؟ نقولها مراراً وتكراراً مع أنفسنا حتى تصير جزءاً من دواخلنا لعلنا نحقق الحلم الأمريكي الدفين- سواء أنكرنا أو لا..؟

هل ستمس هذه الوصايا أوتاراً عميقة فينا؟ .. هل سنلاحظ أنها تنادينا أيضاً؟ أو تنادي على الأقل جزءاً فينا؟.. وتمثل فعلاً بعض القيم التي نؤمن بها (عملياً) حتى لو لم نصرح بإمتلاكها نظرياً..؟

أن بعض هذه الوصايا، هي، من الآن، أمثلة سائرة على ألسنتنا، وقيم تحتل أجزاءاً من عقولنا..

وقبل ان يسرع أحد ليقول أنها قيم إنسانية عامة لا تخص حضارة بعينها، وقبل أن تأخذ (الجلالة) آخراً ليقول أنها موجودة في الفطرة، إذكر إن وجود هذه الوصايا كأمثال وكقيم عندنا، لم يأت إلا عبر الإعلام الأخطبوطي الذي أعاد تشكيل مفاهيمنا وقيمنا (شاء من شاء وأبى من ابى..).

نعم، إنه الإعلام والتنويم المغناطسيي الذي يمارسه علينا، هو الذي يجعلنا نقول بين الحين والآخر (Time is money) أو ((Just do it..) ..

لا فطرة. ولا إنسانية.

 

                   *************************

لعل أحداً آخر سيلاحظ أن هذه الوصايا العشرة للحضارة الغازية لا تناقض أياً من مفاهيمها ومبادئنا .. حتى لو كانت لا تحتوي عليها بشكل مباشر.

ولعل أحداً سيجد الحل النهائي (لنا ولهم)- بجمع وصاياهم (بإعتبارها تمثل قيم النجاح والمعاصرة) مع وصايانا (بإعتبارها تمثل قيم الروح والآخرة والأشياء المماثلة)..

وكفى الله المؤمنين التفكير.

                       *****************

ولعل واحداً آخراً من عباقرة الشيوخ والدعاة، سيمضي أكثر من هذا كله، ليلاحظ أن قائمة الوصايا العشرة هي “إسلامية جداً” – رغم إن اصحابها  لا يعرفون ذلك!-، ولا أحد يعرف ذلك طبعاً سواه هو، وكيف انها تمثل قيم الاسلام الحقيقي التي اضعناها نحن، ووجدوها هم، وبنوا عليها حضارتهم التي انتصرت علينا ..

سيتباكى بعدها قليلاً على حالنا. و سيأمل ان تدعونا دموعه الغالية إلى ان نهب للأخذ باسباب القوة الممثلة في قيمنا التي ( لطشوها ) ووضعوها في وصاياهم العشرة.

                     ************

بل اني اراهم، شيوخاً ودعاة، مفكرين ووعاظ منابر، وقد وحدَّهم الحلم الامريكي على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم، مختلفي الاشكال، بلحى متنوعة الاطول، او بلا لحى على الاطلاق، بوجوه لامعة صقيلة، مبتسمة، او مكفهرة، اراهم وهم يتسابقون، ويجهدون عقولهم في ايجاد روابط بين تلك الوصايا، وبين موروثاتنا من النصوص الدينية المقدسة..

سيقولون، تعليقا على الوصية الاولى المرتبطة بالنجاح، كيف ان المؤمن القوي احب الى الله من المؤمن الضعيف، وكيف ان اليد العليا خير من اليد السفلى،.. سيقولون ايضاً، عن الوصية الثانية، ان المؤمن لين هيّن، كيَّس فطن سهل التعامل مع الآخرين، يتبسم في وجوه الناس كصدقة، وسيقولون حتماً، عن الوصية الثالثة، المتعلقة بالمرح، “ان لبدنك عليك حقاً”، وان الرسول صلى الله عليه وسلم قد سابق زوجته عائشة مرتين، مرة سبقها ومرة سبقته ” وهذه بتلك” –وانه كان يداعب اطفال الصحابة وعجائز النساء..، وربما سيأتي في بالهم فيما يتعلق بالوصية الرابعة عن ” التسوق حتى الموت” ..ان يؤكدوا ان الاسلام ليس ضد الرفاهية، وان الرسول صلى الله عليه وسلم كان يمتلك بردة جميلة خضراء زاهية اللون وان فلاناً او سواه من الصحابة كان قد ترك كذا وكيت من الاموال كأرث لأولاده..، ولعل اذهانهم ستذهب إلى الربط بين ” فقط اعملها ” كمثل سائر يستخدم في اعلانات Nike التجارية، وبين “إذا عزمت فتوكل على الله”، او”اعقلها وتوكل“.. اراهم كذلك سيربطون بين تقديس الوقت عندنا وكيف ان الله سبحانه وتعالى قد قسم به، وبين Time is  money في الوصايا العشر.

                                           *********

ولعلهم سيفرحون بالصلة التي يعتبرونها واضحة بين تلك الوصية العاشرة التي تؤكد ان الله يساعد من يساعد نفسه، مع الآية القرآنية الكريمة ” ما يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم..”

نعم. سيقولون ذلك واكثر. وستتهدج اصواتهم من التأثر بالخطب العظيم، وكيف ان خارطة الكنز قد كانت عندنا ولم ننتبه لها واخذها هؤلاء وبنوا عليها بنيان حضارتهم- ولذلك وكذلك ورغما عن وبما ان وبسبب من كل ذلك علينا ان نستعيد تلك ( الوصايا) – بما انها بالاصل وصايانا- من اجل ان نبني نهضتنا الجديدة..

حسناً. كل ذلك سيحدث. وفي الحقيقة انه يحدث الان فعلاً بطريقة أو بأخرى..

وبينما اشد بيدي على ايديهم مهنئاً على براعتهم في التوفيق التلفيقي، فأني اؤكد مرة اخرى ان ذلك الهذر كله خارج الموضوع.

(.. واتساءل هنا، ان كان الامر يحدث بنية التلفيق المسبقة ام انه اكبر واعمق من هذا كله، وانهم حقاً منهزمون لهذهِ الدرجة..).

                   ***********************

اتأمل في تلك الوصايا العشرة، لحضارة الفردوس المستعار،من  زاوية اخرى، غير زاوية الهزيمة، غير زاوية الانكسار عند الاعصار بل من زاوية التفحص بنية اعادة البناء..

.. وتبدو لي هذهِ الوصايا العشر، بعيدةً جداً، عن ما حاول دعاتنا وشيوخنا الايحاء به.

            ******************

اتأمل في الوصية الاولى، في كل كلمة منها، فلا ارى ذلك المؤمن القوي الذي هو احب الى الله من المؤمن الضعيف. بل ارى رؤية اخرى للنجاح، رؤية مناقضة ومضادة مع كل ما جاء به الاسلام من مفاهيم. النجاح في هذهِ الوصايا هو بمقاييس خاصة، تتلاءم وتنسجم مع نفسها، ومع بقية الوصايا بالتأكيد، ومع طريقة الحياة هناك، ومع لب وفحوى حضارة الفردوس المستعار.

انه النجاح المادي طبعاً. النجاح الذي يجلب المزيد من المادة، التي تجلب المزيد من السلع، والاشياء التي يكبر حجمها بالتدريج، ويدل ذلك على المزيد من النجاح: كلما كبر البيت، وكبر مرآب السيارات الملحق، وكبرت السيارة، وكبرت صالة الضيوف، وكبر جهاز التلفاز حتى يكاد يملأها، فأن ذلك يدل على ذلك النوع من النجاح الذي تقول الوصية الاولى ” انه لا يناقش”.

انه النجاح المادي وحسب. وهذهِ الوصية تعبر عن ذلك بأقصى ما تستطيعه الكلمات.

النجاح المادي ولا شيء بعده. ماذا لدينا سواه حقاً، لقد دخل الامر في ادمغتنا نحن ايضاً، وانا اذ اذكر الان بالأمر، فأنكم قد تذكرتم وستقولون نعم، ” النجاح في الآخرة” مهم ايضاً..، ويمكن لنا ان ندعي، لو شئنا، ان الوصية الاولى قد تعني ذلك ايضاً..

ويكمن لنا ان نطفيء النور بينما نحن نقضم التفاحة..

لكن ذلك لن يغير حقيقة كونها منخورة بالدود..

ولن يغير ايضاً ان كل تلك الوصايا، مصممة حسب مقاييس ومواصفات الوصية الاولى: النجاح مادة.

          ********************

.. اتأمل ايضاً في عدم امكانية الجدل مع النجاح.

ان ذلك يعني، انك عندما تحققه، فأنك ستحوز احترام الكل مهما كانت الوسيلة التي حققته بها..

(ان ذلك لا يجادل)

      **********************

واتأمل ايضاً، دون ان اقف عند كل وصية تحديداً، فألاحظ ان قائمة الوصايا العشرة تخلو تماماً من كل ذكر للعدالة الاجتماعية او التكافل الاجتماعي.. او حتى قيم العائلة.. هناك ذكر للتسوق، ولكن ليس هناك ذكر للعائلة!

       *********************

.. ناهيك عن قيم العفة طبعاً.. ( عمَّ اتحدث؟).

  **********************

وسألاحظ ان الله موجود في الوصية الاخيرة تحديداً. سيقول واضع ومصمم الوصايا ان ذلك مقصود. سيقول لنا بصراحة ان الله موجود فعلاً في سلم اولويات الحضارة الامريكية، لكنه موجود في نهايتها، انه بعد قيم النجاح والمال والتفاصيل الاخرى المتعلقة بهما. وسيقول لنا ان هناك فعلاً من الامريكيين من يقدم ( الله) اكثر في سلم الاولويات . ولكنه سيطمئننا إلى ان هؤلاء اقلية.. وبالتالي لن يؤثروا كثيراً في النتيجة النهائية .

 **********************

احب ان اشير هنا، إلى ان كل ذلك شأن الامريكيين وحدهم. من حقهم ان يضعوا اولوياتهم بالشكل الذي يرونه مناسباً لهم، ومن شأنهم وحدهم ان يكون الله في المرتبة الاولى من سلم قيمهم او الاخيرة، او ان لايكون اساساً في أي مرتبة على الاطلاق.(فهو عز و جل الغني عن العالمين)…

الامر هو، ان من حقنا نحن، ان نعترض على (قيمهم) عندما تعرض علينا بالقوة،او بغير القوة  اي عندما تسوق على انها وحدها القيم وسواها الهباء..

واشير ايضاً، إلى ان الامر اعمق من مجرد (تغيير في ترتيب الاولويات)، او توفيق تلفيقي نمارسه من اجل ارضاء ضمائرنا المنهكة – انها منظوتي قيم مختلفتين من الجذر، من الاساس،  وتشابه بعض التفاصيل الثانوية هنا او هناك لن يغير من هذهِ الحقيقة قط.. (حتى لو اوهمنا انفسنا بغير ذلك.. )

             *****************

.. وكما هو واضح، بل وبديهي فأن هذهِ الوصايا العشرة، لم تنشأ من فراغ- بل انها ولدت في ظروف وملابسات ومصادفات جعلتها بهذهِ الصيغة وبهذا الشكل وهذا الترتيب المحدد للاولويات.. وفي الحقيقة، لا يمكن لأي حضارة- عبر التاريخ- ان تكون قصة نشوئها واضحة، وتكون قصة النشوء هذهِ (محددِة) لقيم واولويات هذهِ الحضارة، كما حدث مع حضارة الفردوس المستعار..

لغة القرآن بين المجهر والمرقاب: (حمّالة أوجه) أم ( موشور المعاني)?

 

لغة القرآن بين المجهر والمرقاب: (حمّالة أوجه) أم ( موشور المعاني)?

د.أحمد خيري العمري

تتصل اللغة العربية اتصالاً وثيقاً بمعجزة الإسلام الوحيدة والمستمرة في آن: القرآن الكريم. ولقد كان القرآن وسيلة من وسائل حفظ هذه اللغة واستمرارها، و مما لا شك فيه أن اللغة العربية ما كانت ستكون موجودة بشكلها الحالي لولا القرآن الكريم (ولا نعرف طبعاً على وجه اليقين إن كان سيبقى هناك عرب على الإطلاق لولا هذا القرآن، ولا نعرف كذلك كيف سيكون شكل العالم لو حذفنا التأثيرات الحضارية التي أسهم فيها تفاعل القرآن مع العالم).

 

اللغة العربية إذن هي الوعاء الذي تنزل فيه القرآن الكريم، وبسبب كون القرآن هو المعجزة فإن تداخل اللغة العربية مع هذه المعجزة سيجعلنا مضطرين لتفحص خصوصية هذه اللغة وتميزها بالشكل الذي جعلها مهيئة لتكون وعاء للمعجزة.

 

لا ريب أن عرب الجاهلية باعتبار انحطاطهم التاريخي وباعتبار أنهم كانوا في المرتبة الأدنى حضارياً، كانوا النموذج الأمثل للمعجزة، لأن مجرد نجاح القرآن في نقلهم تلك النقلة كان دليلاً على إمكان تكرار هذه المعجزة مع أمم أخرى، كانت في الأساس في مرتبة أفضل من العرب.

لكن ذلك لا ينفي بالضرورة وجود خصوصية لغوية في العربية تساهم في جعل هذه المعجزة مستمرة.. أو على الأقل تجعل من إمكانية استمرار هذه المعجزة قائمة.

 

ما هذه الخصوصية الكامنة في اللغة العربية التي يمكن أن تجعل من القرآن منجماً لا ينضب من المعاني الفاعلة التي تحرك الأمة وتساهم في نقلها من أدنى المرتبة إلى أعلاها؟

 

تملك اللغة العربية خاصية تميزها عن سواها، وهو امتلاك كل لفظ فيها تدرجاً من المعاني أفقياً وشاقولياً دون وجود تعارض حقيقي في هذه المعاني ..

 

يوجد لكل جذر اشتقاقات متعددة قد تمتلك استخدامات قد تبدو للوهلة الأولى غير مترابطة، وهي غير مترابطة فعلاً في البعد الأفقي المباشر لها.. لكن في البعد الآخر (الشاقولي) سنجد شبكة داخلية من المعاني التي تتصل ببعضها بطريقة تجعل المعاني ممتدة ومتدرجة دون تعارض..

 

وأنا هنا أقصد حصراً كل لفظ ورد في القرآن الكريم، وكل من حاول التنقيب عن ألفاظ القرآن الكريم مستخدماً المعجم اللغوي بمعزل عن كتب التفسير المباشر سيجد أولاً المعنى المباشر للجذر الأصلي، وسيجد معه “حزمة من المعاني” التي قد تبدو غير مترابطة فيما بينها من ناحية استخدامها، لكن الباحث لو أعاد النظر لوجد فعلاً شبكة من المعاني التي تتصل بعضها ببعض في عمق شاقولي فيما يبدو أولاً أنه غير مترابط، والفرق فقط سيكون في أسلوب النظر والآلة التي ننظر من خلالها، بعض المعاني يمكن رؤيتها بالعين المجردة، بعضها الآخر لا يرى إلا بالمجهر، وبعضها الآخر لا يرى إلا بالتلسكوب (المرقاب).

 

وبين ما هو مجهري وما هو تلسكوبي سيكون هناك ذلك الأفق المتمدد من المعاني التي أشدد على أنها لا تلغي بعضها البعض، هناك ستكون تلك الخاصية المميزة للغة القرآن، التي تجعل من المعاني كنزاً غير قابل للنضوب، وعبرها يصير القرآن مصدراً دائماً لهذه المعاني التي تتدرج لتتكامل..

 

بهذا المعنى لن تكون  لغة القرآن الكريم (حمّالة أوجه) كما هو شائع أحياناً بطريقة سلبية، بل سيكون تعدد المعاني مرتبطاً ببنية داخلية عميقة، كما ترتبط حافات متعددة لبلورة واحدة.. خاصية اللغة العربية هي أنها تكون بمثابة موشور للألفاظ، يقدم معانٍ متدرجة دون تناقض..

كل ما سبق سيكون مجرد تنظير إنشائي إن لم يأت بأمثلة توضيحية لعلها لن تكون كافية هنا لكنها أمثلة عملية على الخاصية الموشورية هذه..

أوضح مثال على ما أقول هو أول لفظ أنزل من القرآن الكريم: كلمة {اقرأ} التي شكلت نقطة الانطلاق لمسيرة التنزيل كما شكلت علامة مهمة حضارياً ونهضوياً، خاصة أنها تداخلت مع لفظ القرآن، وشكلت الجذر الأساس للكتاب الذي صار الركن الأساسي لكينونة الأمة..

 

اللفظ { قرأ} له معانٍ واستخدامات قد تبدو مختلفة للوهلة الأولى، مثل: الجمع والضم، الحمل بالجنين، الحيض، الجهر، الإبلاغ، الفقه، التنسك.. وكلها استخدامات لها شواهد في لغة العرب، وبعضها لها شواهد قرآنية.

 

قد تبدو هذه المعاني مختلفة للوهلة الأولى، قد تبدو مجرد اشتقاقات مختلفة لجذر واحد، فما دخل “القراءة” بالحمل أو بالحيض؟.. لكن التعمق بالنظر عبر قراءة مجهرية _تلسكوبية.. سيؤدي فعلا إلى إعطاء أفق متدرج للمعاني، أفق يحقق التكامل والانسجام دون أن يلغي كل معنى المعنى الذي سبقه..

فالقراءة بحسب هذا التدرج تصير جمعاً وضماً.. هل من معنى يوحي بالقراءة الشمولية التي تتجاوز القراءة الجامدة الحرفية، إلى ما بين السطور وما قبلها وما وراءها أكثر من هذا ؟ إنها القراءة التي تجمع النصوص مع بعضها وتضمها دون أن تنفرد بنص معين، دون أن تقتصر على نص واحد..

 

أليس هذا الجمع أو الضم هو الذي يؤدى إلى أن القراءة تحمل ناتجا ما؟ أليس “الحمل” هو الذي ينتج عن تزاوج ( جمع- اقتران) بين فردين اثنين؟ أليست القراءة الحقيقية هي ذلك التزاوج بين النصوص بمجملها الذي ينتج فكرة جديدة أو فهماً جديداً يكون مثل الجنين أول الأمر، ثم تكبر لتصير مولوداً بعد انقضاء الحمل؟ أليس هذا هو عين الفقه؟ أليس الفقه هو هذه القراءة الجامعة التي تنتج فهماً جديداً تسعى لبناء واقع جديد.. وهل يمكن لذلك كله أن يتحقق إلا بالجهر، بإبلاغ كل ذلك الى الآخرين، بنقل تلك الفكرة من عقل فرد واحد لتصير جزءاً من منظومة عقل جمعي كامل؟ 

 

هل يمكن الآن أن نعتبر أن معانٍ مثل الحمل والحيض في اشتقاقات الفعل “قرأ” بعيدة حقاً عن المعنى العميق للقراءة.. أي بالمعنى الذي يريده القرآن الكريم.. والذي كانت اللغة العربية بخصوصيتها هذه الوعاء الذي تمكن من حمله؟ ألا نجد بهذا كل معاني الاشتقاقات من الفعل “قرأ” التي تبدو أفقياً متباعدة، وتبدو الآن مرتبطة في عمق ما بشكل يثري المعنى الأصلي ويزيده خصوبة وعطاء؟

 

مثال آخر مماثل، جذر الفعل “فلح” الذي يعني في مفهومنا السائد “الفوز” لكن استخداماته واشتقاقاته في لسان العرب لها معانٍ قد تبدو على المستوى الأفقي غير مرتبطة بمعنى الفوز، مثل القطع- الشق- البقاء.. متابعة المعاني مجهرياً وتلسكوبياً سيوضح لنا المعنى العميق للفوز، بالذات المعنى القرآني للفوز، حيث يعتمد ذلك أساساً على بذل الجهد في الأرض (القطع والشق مثالاً على ذلك) وهو المعنى الذي أنتج ارتباط الفعل بالفلاحة والزراعة، ولكن القطع والشق سيرتبط حتماً بكل استثمار لكل ثروة موجودة في باطن الأرض.. هل يحتاج الأمر أن نذكر أن الفلاح الدنيوي للأمم ارتبط بشق ما في الأرض واستثماره، وأن الفلاح الأخروي مرتبط حتماً بفلاح دنيوي مع منظومة أخلاقية.. وهل يحتاج الأمر أن أذكر أن الأمم لا يكتب لها “البقاء” إلا عبر ذلك كله؟ ألا تبدو اشتقاقات الفعل “فلح” الآن مترابطة؟ ألا تعمق معنى “الفوز” دون أن تحذفه؟ ألا تجعل من فلاح المؤمنين في: {قد أفلح المؤمنون} [المؤمنون:1] مخططاً للعمل والنجاح يربط الدنيا بالآخرة دون أن يمس المعنى السائد الذي يجعل من فلاح المؤمنين ذهابهم إلى الجنة؟..

 

هذه عجالة تحتاج حتماً إلى المزيد من التأصيل ومن الأمثلة والاستنباط لكي لا نظل أسرى لنظرة أحادية ووجه واحد من حافات البلورة متعددة الوجوه، تلك البلورة التي التي لو أحسنّا استخدامها لصارت موشوراً يقدم من المعاني القرآنية مثنى وثلاث ورباع..

وكذلك لكي لا نصر أن كل نظرة جديدة عليها أن تلغي كل ما سبق..

 

المعاني تتصادم أحياناً، لكن ذلك ليس حتماً مقضياً.. إنها أحياناً تتراكم وتتكامل ولا تثمر إلا بهذا.. لا تعطي المعنى الكامل إلا بتفاعلها المتراكم هذا.. وهذا كله خصوصية مميزة للغة العربية، ولعله السبب الأساسي الذي جعل تلك اللغة وعاء تلك المعجزة.. المعجزة التي يجب أن تكون مستمرة.. التي نستطيع أن نجعلها مستمرة..

أو بالأحرى : يجب أن نجعلها كذلك..

القرآن من أجل الانبعاث بالأمة..القرآن من أجل ما أنزل من أجله