تفكيك السلمية الدينية : د.أحمد قطشة

تفكيك السلمية الدينية

د.احمد قطشة


لا يهدف هذا المقال لدحض فكرة السلمية، أو الحديث عن جدواها في الثورة السورية، فمثل هذا النقاش طويل ومستمر(يمكن مراجعة نقد السلمية كفكرة بكتابات مالكوم إكس أو جورج أوريل على سبيل المثال). لكن نركز هنا على إصرار بعض السلميين المتدينين على ربط هذه الظاهرة مع الدين الإسلامي ومسخ الكثير من أحكامه لصالح تفسيرات عصرية للإسلام تتناسب مع مايريد الإنسان الغربي تحديداً سماعه (لايعني هذا إتهاماً لهم، بل هي من الموافقات ونعتقد أنها مصادفة لا أكثر).

سنقوم هنا باستعراض بعض دفاعات هذا الفريق ومقاربتها لنرى مدى دقتها وصحتها. ولن ندخل هنا أيضاً في تفسيراتهم للدين الإسلامي وأحكامه ومدى ضرورة التزام الفرد المسلم بهذه الأحكام، فهي نقاشات طويلة لامحل لها هنا.
1. الفكرة الرئيسية التي يتم الترويج لها من أنصار هذا الفريق أن مرحلتنا الحالية تقابل المرحلة المكية من الدعوة، وهي الفترة التي لم يؤمر بها الرسول عليه الصلاة والسلام بأي عمل عسكري ضد كفار قريش. وبالتالي هم يسقطون أحكام تلك المرحلة على حالتنا هذه، (يسقطونها فعلياً على حال الأمة ككل في مقابل القوى العظمى)، ومن هنا فإنه علينا ألا نقوم بأي عمل مما يسمونه هم “بالعمل العنفي”، ويدخل في ذلك نوعي الجهاد، جهاد الدفع وجهاد الطلب.
مصدر القياس هنا لديهم هو أن الصحابة في المجتمع المكي كانوا قلة ضعيفة، وبناءً على ذلك فعلينا ألا نقوم حتى بالدفاع عن النفس في مواجهة القتل اليومي الحاصل ( مايزال فريق منهم يرفض فعلياً ذلك وإن كان بعضهم قبل بمبدأ الدفاع عن النفس على مضض).
هناك عدة نقاط يمكن التوقف عندها هنا:

• لايمكن حقيقةً تشبيه هذه المرحلة بأي مرحلة في التاريخ، فالإسقاطات صعبة جداً وهناك تباينات كبيرة بين كل مرحلة، لكن طالما أنهم يريدون تشبيهاً فهناك مرحلة أشبه بما نحن فيه من المرحلة المكية، فالمرحلة المكية تشبه مرحلة ماقبل الثورة.
• إن كان ولابد من إيجاد شبه ما مع مرحلة ما، فالأدق أنها أشبه بمرحلة صلح الحديبية. بالتحديد حالنا أشبه بحال الصحابة (أبو بصير عتبة الثقفي ورفاقه) الذين فروا من مكة بعد الصلح، ولم يقبلهم رسول الله عليه الصلاة والسلام في المدينة بسبب عهده مع قريش، فأبوا أن يعودوا لقريش، ريثما يحصلون على الإذن بالوصول للمدينة. وهكذا نحن اليوم، خرجنا من الظلم والإضطهاد ولم نصل بعد للمدينة، هل هناك شك بشرعية قتال الظالمين في تلك المرحلة؟ مع أن الأفعال التي قام بها أؤلئك النفر هي ماقام به بالضبط الكثير من أفراد الجيش الحر في البداية وواجهوا هجوماً عنيفاً عليهم بحجة السلمية الدينية.
• لو قبلنا جدلاً أن ماقام به النبي عليه الصلاة والسلام كان ثورة، فيمكن بكل تأكيد الخروج بقاعدة عامة من ذلك الفعل، وهي قاعدة عامة في كل الثورات الكبرى التي غيرت وجه البشرية، وأسقطت فرضيات وأنشأت فرضيات جديدة مكانها، أن هناك فترة سابقة على الفعل الثوري، هي فترة التنظير وصنع النظرية الثورية، يمكن القول أنها فترة البناء للإنسان الثوري، ليكون جاهزاً في لحظة الثورة وبعدها لمرحلتي الهدم والبناء. من هنا يمكن القول أن المرحلة المكية كانت مرحلة بناء الإنسان وصنعه، ومن هنا لم تكن هناك أحكام بالقتال لإن هذا الإنسان لم يكن جاهزاً بعد وليس لكونه ضعيف وهذا فارق كبير جداً، فالرسول عندما كان يرى الصحابة يشتكون إليه لم يثبت أنه أجابهم كلا فنحن ضعفاء (في القرآن الكريم يُلام الضعفاء على عدم خروجهم من الأرض)، بل قال لهم اصبروا. فمرحلة التمكين لم تبدأ بعد، لم يكن الصحابة قد نضجوا بعد لتطبيق النظرية الدينية، لم يكن قد اكتمل بناؤهم. من هنا لايمكن القبول بالقول أن عدم ورود أوامر القتال كان بنتيجة ضعف الصحابة، والأدق أنها كانت فترة المرحلة النظرية من الاسلام، مرحلة صنع الفرد المسلم والنظرية الاسلامية لتكون جاهزة لحظة التطبيق في المرحلة المدنية.
• أكثر من هذا فإن أول سيف شهر بالإسلام كان في مكة، ومنذ أيام الإسلام الأولى، ففي المستدرك على الصحيحين عن عروة بن الزبير، قال: كانت نفحة من الشيطان أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد أُخذ، فسمع بذلك الزبير وهو ابن إحدى عشرة سنة، فخرج بالسيف مسلولاً حتى وقف على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (ما شأنك؟)، فقال: أردت أن أضرب من أخذك، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم ولسيفه، وكان أول سيف سل في سبيل الله عز وجل. لم يقل له: كلا فنحن مازلنا ضعفاء، ونحن قلة، ولم ينهه عن فعله، بل دعا له، مما يعني موافقة له على فعله، وفي واقع الأمر أن هذا يدل أن بعض الصحابة كان قد اكتمل البناء فيهم، كعمر وحمزة، حمزة الذي شج رأس أبي جهل، ولم يعاتبه عليه الصلاة والسلام في استعمال القوة حينها.
• القول أن أحكام المرحلة المكية هي السائدة اليوم وليست أحكام المرحلة المدنية فهذا يعني فرض الزمن على النص، وحصر النص الديني بالفترة الزمنية وجعلها متفوقة عليه، في حين أن النص القرآني يسمو على الزمان والمكان و لاينحصر تطبيقه بـأحدهما أو كلاهما. بل والأخطر من ذلك، فإن هذا يعني الانتقائية في التعامل مع النص القرآني، واختيار مايناسب القناعة المسبقة وهذا منهج خاطئ في التعامل مع القرآن الكريم.
• لو فرضنا دقة التشبيه وصحة هذا الاسقاط (أن مرحلتنا هي المكية) فإن المفروض حينها هو الهجرة من الأرض وبناء دولة التمكين وليس مقاومة الحاكم، فلم نعرف أن الصحابة قاموا بحركة مقاومة أو مظاهرات في الفترة المكية (سنناقض هذا لاحقاً).

2. من الأحاديث التي يقوم الربط بين السلمية والدين الإسلامي بها هي قوله عليه الصلاة والسلام (كن كخيري إبن آدم)، والحقيقة أن هذا الحديث يحتاج للتوقف عنده وفهمه، ثم نرى هل ينطبق علينا أم لا.
• ورد الحديث بعدة صيغ جميعها تدل على ذات المعنى، وورد أيضاً بكلمات مختلفة كلها تدل على نفس المعنى، بل وفيها انه حتى إذا دخل بيتك وقاتلك، فإنك تلزم بيتك ولاترد القتل. فهل هذا فعلاً هو المقصود، وهل هو مطلق؟
• إن كل الأحاديث التي ذكرت هذه المقولة، قد جاءت ضمن حديثه عليه الصلاة والسلام عن الفتن بين المسلمين، تلك الفتن التي لايُعرف فيها صاحب حق ولايتبين فيها صحة موقف، بل تكون الأمور ضبابية غائمة، لانعرف رأس الأمر من ذيله، فحينها تكون فتنة لا يدري القاتل فيما يقتل ولا المقتول فيما يُقتل، فهل فعلاً لا يدري الآن القاتل فيما يقتل ولا المقتول فيما يُقتل؟ لو تجاوزنا أن الطرفين مسلمون يتقاتلون.
• من المعروف في الدين الإسلامي عند استنباط الأحكام أنه لا ينظر لحديث واحد ويبنى عليه حكم، بل ينظر لجملة من الآيات والأحاديث، ويجمع التوافق بينها ثم يكون الحكم بناءً على مجموع هذه الآيات والأحاديث، وهذا ينطبق بطبيعة الحال على المسألة هنا.
• من ذلك مارواه عبد الله بن عمرو رضي اللَّه عنهما، عن النبي – صلى اللَّه عليه وسلم، أنه قال: (من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل، فهو شهيد). ومن ذلك أيضاً قوله تعالى {فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} الحجرات: 9 ، ومن ذلك قول عليه الصلاة والسلام (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً قال: كيف أنصره إذا كان ظالماً؟ قال: ترده عن ظلمه) وقوله عليه الصلاة والسلام (المسلم أخو المسلم يسعهما الماء والشجر ويتعاونان على الفتان). بل وجدت إجماعاً من علماء الشريعة على ضرورة دفع القاتل وقتاله في حال استهدف العرض في فتنة أم في غيرها. فكيف يستقيم أن يغلب حديث واحد مجموع الآيات والأحاديث المقابلة له، وهذا ولم يُعدم التوفيق بين هذه النصوص، لنقول أن نصاً نسخ نصاً آخر، وهذا ليس مذهبي.

3. يدفعون أحكام الجهاد وآياته بالقول (عدا القول بالمرحلة المكية) أن هذه الاحكام تحتاج لحاكم ليقوم بها، كما تحتاج لضامن يضمن عدم حيدها عن اهدافها وعدم تجاوزها لضوابطها وهنا يوجد نقاط
• تتعلق أغلب الانتقادات التي يوجهها أنصار هذا التيار للمؤسسة الدينية التقليدية بكونها أضافت قيوداَ على النص القرآني أو النبوي، عبر شروحات وتفاصيل لم ترد في النص الأصلي، وهي بذلك أعاقت النص وقيدت معناه. مايقوم به أنصار السلمية الدينيين هو شيء مشابه لهذا، لا أعني كلامهم عن ضرورة وجود حاكم، أو عن ضرورة الالتزام بالضوابط الشرعية عند تطبيق هذه النصوص، بل مايحدث أنهم يقيدون نصوص الجهاد أو نصوص المرحلة المدنية دوناً عن نصوص المرحلة المكية.
• من ذلك مثلاً ضرورة وجود الحاكم وأخذ إذنه بالقتال، لكن في المرحلة المكية، لو نظرنا لما قام به عمر بن الخطاب أو عبد الله بن مسعود من قراءة القرآن جهراً أو الطواف حول البيت على أنه فعل مقاومة سلمي ( هذه النقطة لم ينتبه لها أحد من السلميين الدينيين ولم يذكروها ضمن هذا السياق، وها أنا أضعها لهم لأثبت قرائتهم المنقوصة للتاريخ*) فإن كلا الصحابيين كانا قد أخذا الإذن من الرسول عليه الصلاة والسلام قبل فعل ذلك.
• طبعاً هم لايقولون كما أشرت أن هذا فعل مقاومة سلمي، وبالتالي لم ينتبهوا لوجود هذا الحاكم في المرحلة المكية. أهمية هذه النقطة تكمن أنه إذا كانت أوامر القتال في المرحلة المدنية (وهي مرحلة القوة) تحتاج لحاكم وآمر، فإن أحكاماً أقل “عنفاً” في المرحلة المكية احتاجت إذناً من رسول الله عليه الصلاة والسلام. وبالتالي فإنه حتى الخروج في مظاهرة يصبح فعلاً بدون إذن من الحاكم، وحتى الكتابة على الحائط يصبح فعلاً غير أخلاقي لكونه لم يحصل على إذن الحاكم، ووفق هذا المنطق تصبح الثورة كلها فعلا يحتاج لاذن خاص من الحاكم الشرعي للثوار (طبعا لن ندخل في كيفية تحديده وشروطه).
• وحتى لو كان ردهم، أن الصحابة إحتاجوا الإذن لعلمهم بعنف ردة فعل قريش، نكون نحن من باب أولى بحاجة لهذا الإذن لعلمنا بعنف النظام وردات فعله.
• من نافلة القول التذكير بأنه لا أحكام فقهية فرضت في المرحلة المكية وبناءً عليه هل علينا التوقف عن احكام الصلاة والصيام حتى تقوم الدولة المدنية.

3-فتح مكة سلمياً؟
إحدى الحجج التي يروجونها أن مكة فتحت سلمياً ولم تكن معركة كبقية المعارك، ما يعني انتصار السلمية في النهاية على “العنف”، وهنا توجد عدة نقاط:

• بدايةً لايمكن تصور الحديث عن فتح مكة، دون قبول المعارك الكبرى التي حدثت قبله، معركة بدر، وأحد والأحزاب. لا يمكن القول أننا نريد من المرحلة المدنية هذه الجزئية، في حين نتغاضى عن بقية المرحلة فقط لإنها لاتعجبنا، أو لإنها لاتنطبق على أفكارنا المسبقة.
• من الحوادث التي حصلت قبل فتح مكة، هناك حادثة مميزة، بين رسول الله عليه الصلاة والسلام وبين أبو بكر الصديق، وفيها أن أبو سفيان لما خرج خائباً من محاولته في تليين الرسول عليه الصلاة والسلام وتليين قلب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وثنيهم عن فتح مكة، أتى (أبو سفيان) على سلمان و صهيب وبلال في نفر، فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها. قال فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره. فقال عليه الصلاة والسلام: ” يا أبا بكر لعلك أغضبتهم؟ لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك” فأتاهم أبو بكر فقال: يا إخوتاه أغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أخي. فهل هذه مقدمات حرب أم مقدمات فتح سلمي؟
• خرج الرسول عليه الصلاة والسلام لفتح مكة في جيش ينوي القتال، كان رمضان، وأمرهم بالفطر ليتمكنوا من القتال، لم تكن النية فتحاً سلمياً.
• نعم كان الرسول يريد حقن الدماء تعظيماً لبيت الله الحرام وليس (سلمية)، ومع ذلك كانت أوامره واضحة، القضاء على أي مقاومة قد تواجه الجيش، من ذلك ماحصل لخالد بن الوليد رضي الله عنه وقتله لرجلان من كفار قريش كانوا مع آخرين في الخندقة وأمطروا قوة خالد بالنوابل مما اضطره للتعامل معهم بالقوة.
• في فتح مكة أيضاً حادثة مشهورة، لايشيرون إليها كثيراً، في مقابل قوله عليه الصلاة والسلام (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن)، الحادثة أنه عليه الصلاة والسلام أمر بقتل ستة أشخاص من مشركي قريش حتى لو تعلقوا بأستار الكعبة يومها، فهل يعقل أن يأمر بقتلهم وهو من أعطى الأمان لكل من دخل البيت الحرام يومها؟ هذا بلاشك يعني أن هناك حدوداً لكل شيء. ولو أخذنا بالنسبة والتناسب بين عدد سكان مكة حينها، وبين هؤلاء الستة، فسنكون أمام نفس النسبة تقريباً بين من يرتكب الفظائع اليوم لعدد السكان، هؤلاء لايمكن التسامح معهم بأي شكل، يجب أن ينالوا القصاص العادل.
• فهل بعد هذا يمكن القول أن مكة فتحت سلمياً؟

يتبين لنا بعد هذه المناقشة لأهم أدلة أنصار هذا الفريق، أنه لارابط حقيقي بين السلمية كنهج استراتيجي لاحياد عنه، وبين النصوص والحجج التي يتم الاستناد عليها لتقوية هذا المعتقد. مع ملاحظة أن كلامي هنا لايعني أن الدين الاسلامي دين عنف، أو يحض على الإرهاب أو قتل الأبرياء، فهذا نقاش مختلف. وإن أراد أنصار السلمية المتابعة بها والاستمرار بالدعوة لها، فهذا شأنهم ومايعتقدون، لكن رجاءً لايغيروا في الدين وفي التاريخ للإقناع الناس بمايريدون.**

*أحدهم أراد أن يستشهد بقصص الأنبياء في معرض دفاعه عن السملية، فاستشهد ذات مرة بنوح عليه السلام في سياق صبره على الكفار ونسي دعائه الشهير في نهاية المطاف (مع التأكيد على نهاية المطاف)، واستشهد بموسى عليه السلام بدعوته لبني اسرائيل بالصبر في سياق أن السلمية لا تصنع المعجزات، ونسي أن اكثر نبي أتى بالمعجزات لقومه كان موسى عليه السلام.

**من ذلك نهي أحدهم للشباب الثاثر أن يتمنى الشهادة في سبيل الله، بحجة أننا نريد شباباً يعيشون في سبيل الله، وهذا كلام حق (لن أقول أريد به باطل، لكن بحسن نية أخطئ قائله فيه). فالحق أن أحداً لايتمنى ولايجب أن يتمنى الموت، لكن تمني الشهادة هو أمر مختلف تماماً، والشهادة قد تدرك بالموت على الفراش كما ورد في حديث أبي مالك الأشعري مرفوعاً، ولعل الأمر إلتبس عليهم وربطوا الشهادة بالقتل في المعركة، فأرادوا التنفير من المعارك بالتنفير من طلب الشهادة.

رمضان : متاع قليل ، من حبيب مفارق…

رمضان : متاع قليل ، من حبيب مفارق


يكاد يفارقنا ..يكاد يلملم أغراضه ويرحل.

نكاد نستوقفه..نتعلق به كما الأطفال مع أب دائم الترحال ..يحضر بالفرح والهدايا والشعور بالأمان .. ويرحل خلسة ليجعل العالم أكثر وحشة مما كان من قبل…

نشعر بالدهشة والغضب والحزن في آن..

هل يعقل أن يرحل بهذه السرعة؟

يكاد يهز بكتفيه.ماذا تظنون إذن؟.شهر واحد فقط. أيام معدودات.”بروفة” لعمركم كله..عمركم الذي يتسرب من بين أصابعكم كالماء ، كل لحظة …

نعم.ماذا كنا نظن..

ها هو يوشك على الرحيل..

ها هو يوشك على المغادرة ، وستدور الأرض حول الشمس دورة كاملة قبل أن يأتي مجددا ..وقد يأتي فلا يجدنا..

ربما لا نخاف رحيله حقا ، بقدر خوفنا أن لا نكون قد استفدنا منه أقصى ما يمكن..

ربما لا نخاف رحيله حقا ، بقدر خوفنا على أنفسنا..

نعم..

الأمر هنا لا يتعلق برمضان ، بقدر ما يتعلق بك..بنا..بي..بكل منا ، نحن الذين نتعلق به وهو يوشك على الرحيل..

لكن لا إِشكال.لا يجب أن نخجل من هذا..

رمضان يأتي أصلا من أجلنا.

رمضان ، في النهاية ، هو من أجل كل واحد منا..

لكننا ، نتلهى عن ذلك ، كما عن كل شيء ، فنحتفي به ، قدوما ورحيلا ، وننسى السبب الرئيسي والأساسي لقدومه أصلا..

ننسى أنه جاء من أجلنا.

من أجل أن نكتشف أنفسنا. من أجل أن نكون أقرب إلى أنفسنا كما يجب أن تكون..

من أجل أن نكتشف قوانا “الخفية”.

ليس عبر دورة تدريبية كالموضة أو الصرعة العابرة ، بل عبر شعيرة صممت وأنزلت لتجعلك تمر ، لمدة شهر كل عام ، في أتون مخاض جليل ، تعيد به فيه ولادة نفسك بنفسك..تكتشف كل ما أهمل فيها ، كل ما وئد فيها ، كل ما أجهض منها سابقا ، كل ما قمع وسلسل..

كل سنة ، يتركك رمضان بمواجهة نفسك بنفسك ، كل  الشياطين تصفد وتقيد..وأنت في الحلبة أمام نفسك ..تصارعها دون  أن يكون لها عون من الشياطين..

منفردا أمام نفسك ، لشهر كامل..تكتشف نقاط ضعفك.. وتعيد اكتشاف مصادر قوتك..

تنقب في دواخلك ، في مغاراتك ، في كهوفك..

في أدراجك السرية ومخابئك..

في كل ما لم تخبر به أحد ، عن ذلك الشخص الضعيف الذي هو أنت..

رمضان ، يواجهك بكل هذا..

أنت ونفسك..

والأيام ،المعدودات ، بينكما..

*************************

رحيله حتمي.

وقد جاء بمتاع كثير..

لكنك تخشى أن يرحل دون أن تأخذ منه المتاع الأهم : النسخة الأفضل منك.

كل متاعه ، سيكون قليلا جدا..إن لم تحصل منه على هذا بالذات..

على النسخة الأفضل ، منك..

**************************

رمضان صمم أصلا ليكون كذلك.

لم يكن تسميته برمضان اعتباطا.

كان يمكن أن يكون رجب أو شعبان أو أي شهر قمري آخر.

لكن رمضان تحديدا؟

*********************

سمي رمضان من رمض.

شدة الحر.

وقال ابن دريد لما نقلوا أَسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأَزمنة التي هي فيها فوافَقَ رمضانُ أَيامَ رَمَضِ الحرّ وشدّته فسمّي به.

ورمض : الرَّمَضُ والرَّمْضاءُ شِدّةُ الحَرّ والرَّمَضُ حَرُّ الحجارة من شدّة حَرّ الشمس، وقيل هو الحرّ والرُّجوعُ عن المَبادِي إِلى المَحاضِر وأَرضٌ رَمِضَةُ الحجارة والأَرضُ ورَمِضَتْ قَدَمُه من الرمْضاءِ أَي  احترَقَتْ.

سنقول : لكن رمضان يأتي أحيانا في أجواء معتدلة وباردة..

وحتى لو جاء صيفا.

التكييف موجود.

لكن علينا إذن أن نقرأ من جديد ما المقصود بالرمض ..

شدة الحر.الحر الذي يجعل الشخص يبحث عن الفيء.الحر الذي يقود من الصحراء ، من البادية ، إلى المدينة ، حر الحجارة..الحر الذي يحرق الأقدام..

أضع تحت كل هذا خطا..

وأقرأه من جديد..

**********************

رمضان من الرمض الذي مررنا على معانيه الحرفية.

وهو مصدر على وزن فعلان.مثل بركان .ثوران.غليان.

وهو مصدر يدل على التقلب ، الحركة .. الاضطراب..

غريب ..

قالوا  لك دوما إن رمضان شهر المحبة  والسلام.

دعك منهم.

رمضان شهر التقلب والحركة والاضطراب !.

نعم : عندما يكون رمضان الحقيقي.

رمضان المواجهة مع ذاتك..

رمضان الحرب مع شياطينك..رمضان الحرب على نقاط ضعفك..

بالتأكيد تقلب وحركة واضطراب..

رمضان حقا هو الذي تخوض فيه معركة بدر الخاصة بك في الداخل ، وتفتح به مكة في داخلك  أيضا..

ويكون ذلك بمثابة إعداد داخلي لك ، لمعارك وفتوحات لا بد أن تشارك فيها ، تقع في خارجك…

نعم ..

رمضان حرب مع الذات.من أجل فتح الذات.

من أجل ذات أفضل.

حرب مستمرة ، على وزن فعلان..

مثل بركان ، غليان ، ثوران…

***************************

هذا بالنسبة لمصدر “رمضان” ومعناه بالنسبة لنا..

لكن ماذا عن ذلك الحر الشديد الذي التصق بالكلمة حتى لو جاء رمضان في بلاد لا صيف فيها ؟ أو جاء في بلاد معلبة مكيفة ليل نهار ؟..

من قال إن هذا الحر مرتبط بحالة الطقس وظروف الجو حصرا؟.

الاشتقاق الأول-الأصلي- جاء من ذلك بالتأكيد.

لكن من قال إن المعنى يجب أن يبقى محصورا هناك؟

مهما بلغت درجة الحرارة في الخارج ، فإن حرارة الاحتراق الداخلي ، المصاحبة لعمليات التحول الكبرى ، تكون أكبر..

رمضان الحقيقي ، الذي هو المواجهة مع الذات في أخطائها وضعفها وأسباب سقوطها ، هو مثل  عملية احتراق داخلية عالية الحرارة ..

إنه الوصول بالحرارة لدرجة الانصهار ،..تنصهر فيها عناصرك ومكوناتك ، ..ويعاد تركيبك وتشكيلك..

بعض المكونات التي كانت فيك ستطفو ، في طريقها إلى أن تذهب كما يذهب الزبد ، جفاء..

وبعضها ستترسب..

تصبح أكثر عمقا..

رمضان الحقيقي ، فعل انصهار وإعادة تكوين..

والانصهار لا بد له من حرارة عالية جدا.

حد الرمض.

حد يجعل الحجارة تذوب..

*******************

والإشارة إلى كون ذلك الحر كان يقود من البادية إلى الحضر إشارة ملهمة جدا..

ذلك الانصهار الرمضاني ، يعيد تركيبك بحيث يعزلك عن فرديتك وعزلتك ومنافيك..

ويقودك إلى أن تشارك مع المجموع..

في البناء..

بناء المجتمع كما يجب أن يكون..

نتكلم حتما عن رمضان كما يجب أن يكون ، وليس رمضان كما تعودنا أن نعامله ، غسالة للذنوب ، محطة عابرة للعودة إلى حياتنا السابقة كما كانت…

********************************

والإشارة إلى حرق القدمين في معنى الرمض في لسان العرب أيضا ملهمة…

فالطريق إلى الذات الأفضل ، الطريق إلى تغييرها وإعادة تشكيلها عملية شاقة طويلة مؤلمة..

بالضبط مثل أن تمشي حافيا عاري القدمين..

على أرض حارقة السخونة ،..

مفروشة بزجاج مصهور من الحرارة..

***************************

هذا الإنصهار الرمضاني يذكرنا حتما بلفظة السائحين ، التي وردت قرآنيا في أكثر من موضع كما في :

التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ التوبة (112)

وقد صح عن بعض الصحابة تفسيرهم  السائحون بالصائمين..

و”ساح” تعني جرى في الأرض.

مثل ساح الماء إذا جرى في الأرض..

فهل الصائم سائح لأن مكوناته تسيح ؟..تنصهر..أم لأنه يسيح بحثا عن ذاته الأقرب إلى ما يجب أن تكون..

أم لأنه يسيح في الأرض من أجل جعلها كما يجب أن تكون ، بعد أن أدخله رمضان في دورة مكثفة في جعله هو كما يجب أن يكون؟

أياً كان.

تتداخل المعاني ،فيما لا يمكن أن يكون مجرد صدفة..

****************

ويقودنا رمضان الذي على وشك الرحيل إلى الحكمة منه ..لعلكم تتقون..

والتقوى حقا ، تتضمن ضمن ما تتضمن ، أن تأخذ بالأسباب أيضا في رحلة حياتك..

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ – رضى الله عنهما – قَالَ كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَحُجُّونَ وَلاَ يَتَزَوَّدُونَ وَيَقُولُونَ نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ ، فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ( وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ) البخاري 1523

خير الزاد التقوى.

والتقوى هنا تتضمن الأخذ بالاسباب .التزود بالطعام وبكل ما يقوي على الرحلة.

والصيام يوصلنا لهذه النقطة بالذات..

أن تكون أكثر معرفة بذاتك ، وأكثر قدرة على مواجهتها وتغييرها..لأن هذا بالذات ، هو خير الزاد..

خير الزاد في رحلة حياتك كلها..

في سياحتك في الأرض ، من أجل جعلها كما يجب أن تكون..

******************************

فلنواجه أخبارنا السيئة التي هربنا منها.

في داخل كل منا ، ورم خبيث..سرطان كامن ومزمن..

تمنينا دوما أن يكون مجرد التهاب عابر.

بقينا لعقود نصر على مضادات الالتهاب.

وهذا السرطان الخبيث ينهش في إنسانيتنا.فيما يجب أن نكون.

يعوقنا عن أداء ما خلقنا من أجله.

ونحن شركاء له في الجريمة.فهو جزء من خلايانا.

ومجرد تجاهلنا له.تجاهلنا لحقيقته .وإصرارنا على أنه محض التهاب..مجرد هذا ، يجعلنا شركاء في قتلنا أنفسنا..

رمضان فرصة ذهبية لكي نخضع للتشخيص.

ومن ثم العلاج.

وهو يكاد يرحل..

****************************

اتحدث عن رمضان الحقيقي..رمضان المواجهة مع الذات ، رمضان بدر والأنفال والفتح..

هناك رمضان آخر طبعا..هو ذاك الذي تعودنا عليه..

رمضان اللمة والتجمع العائلي.رمضان صوموا تصحوا.رمضان الولائم والعزائم.رمضان كسر العادات الغذائية.رمضان العادات والمكسرات والمسلسلات.

بعض هذا لا مشكلة فيه.

وبعضه ممتع.وربما مفيد.

لكنه لا يمكن أن يقارن حقا بما يجب أن نأخذه من رمضان..

كل هذا سيكون ، مجرد متاع قليل ، من حبيب مفارق..

*********************

عمر يختار قالبه..

عمر يختار قالبه ..

أحمد خيري العمري

من كتاب قادم ، عن عمر بن الخطاب…..


خلقنا من طين.

ونبقى كذلك من عدة جوانب…

لكن جوانب الطين فينا لن تكون من ذلك الطين الذي تعودنا عليه..

بل ستكون من نوع خاص منه ، نعرفه أيضا…واستعملناه صغارا، وربما لا نزال نشتريه لأولادنا..

أنه الطين الملون..

الطين الصناعي…

يبقى جزءا من شخصياتنا  كالطين ، ..

الصناعي تحديدا..

***************

نولد ومعنا مقدرات معينة ، مواهب فطرية لم نبذل جهدا في الحصول عليها ، بعض من الصفات التي يمكن أن تكون غير متوفرة عند البعض الذين يملكون بدورهم صفات أخرى..

نكتسب بعد ولادتنا، مهارات وخبرات من محيطنا، بعضها ينمي من صفات ومواهب كانت موجودة و لكنها خافتة أصلا،…بعضها يستثمر ما هو موجود أصلا..وبعضها يضيف –بالتدريب والصقل –ما لم يكن موجودا أصلا..

كل هذه الصفات، بمعزل عن كونها فطرية أو مكتسبة،…كلها توضع في قالب معين من القوالب المتوفرة  من حولنا ، بعبارة أخرى : نوضع نحن ، بما فينا من صفات ، في أحدى القوالب الجاهزة من حولنا..

لمن يعود الفعل في “نوضع”..ليس إلى “نحن” بالضرورة.ليس إلينا.كثيرا ما نوضع داخل قوالب لم نخترها حقا..بل اختارها المجتمع من حولنا ، بل ربما جعلنا نتصور أننا نختارها..زور رغبتنا بالتدريج وجعلنا نقتنع أن قالب “الطبيب” أو “المهندس” أو “رجل الأعمال” هو الأنسب لنا ، أو الأنسب لما نملكه من صفات..

كم من متفوق وئدت رغباته الحقيقية تحت قوالب المجتمع البرّاقة..ربما يكون نجح فعلا بما أوتي من مواهب ..لكن روحه الحقيقية كانت لا تريد بريق ا اجتماعيا عابرا..بل تريد نورا يزيدها سطوعا..

قوالب المجتمع التي تقسر طيننا الصناعي على التقولب فيها هي فخ متقن أحيانا للتخلص من أعظم وأنبل  ما فينا ..بالضبط لتدجين أعظم وأنبل ما فينا..يمكن لبعض قدراتك ومواهبك أن تساهم في تغيير المجتمع ، في جعله أفضل ، لكن ذلك لن يكون بالضرورة عملا مناسبا للبريق الاجتماعي ، لن يؤمن بالضرورة متطلبات الرفاهية ،..بالمقابل ، فأن المجتمع ، بكثير من مؤسساته المستفيدة من بقائه كما هو ، قد  يروج لقوالب معينة ، يدفن فيها الموهوبون مواهبهم ، مقابل أن يحصلوا على متاع زائل ، والكثير من الاحترام الزائف..

يمكن لشخص يملك موهبة القيادة ،أن يقنع بقالب ضيق، فيقود مؤسسة ربحية ، بدلا من أن يتسع حجم طموحه إلى قالب أن يقود مجتمعه أو أمته..

ويمكن لمن يملك موهبة القبول أن يقنع بقالب سطحي يستخدم موهبته في التسويق والترويج لما هو زائل..بدلا من أن يستثمرها في نشر بذور الوعي والإيمان والعمل..

ويمكن لمن يملك ذكاء وقادا أن يقنع بمهنة توفر له متطلبات لم تكن يوما ضرورية، بدلا من أن يستخدم ذكاءه هذا في توفير متطلبات حقيقية..

أنها قوالب موجودة..

ونحن من طين صناعي..

نتكيف من خلالها..، نتشكل كما يريد القالب..وشيئا فشيئا..يصير ذلك القالب كما لو أنه خلق لنا ، أو أننا خلقنا له..

مجرد تعود..

************

وعندما تملك الوعي والإرادة، فأنك تختار “القالب” الذي تكون فيه ما أرادك الله أن تكون.. القالب الذي تزدهر فيه صفاتك التي شاء الله أن تكون فيك..ويكون فيه ما تحارب الصفات التي شاء عز وجل أن يختبرك فيها..

لكل منا قالبه “الأنسب” الذي يمكننا من خلاله أن نكون ما أرادنا الله أن نكونه..

********

وأين تجد قالبك الأنسب هذا ؟..

ستجده عند من خلقك.

هو الأعرف بما يناسبك وما لا يناسبك…

عندما يكون لديك جهاز كهربائي من ماركة معينة ، فأنك تراجع “كتيب الاستعمال” الذي يخص الشركة المنتجة..لن تذهب حتما إلى شركة أخرى..ولن تذهب حتما إلى كتيب استعمال يخص جهازا أخرا..

منطق !…

*****************

ووجد عمر بن الخطاب ما يمكن أن يتشكل طينه من خلاله..

ولم يكن يشبه ما سيفكر أغلبنا فيه !..

***************

لسنا متأكدين من شيء إلا أن تلك الآيات كانت مثل القالب الذي احتوى الطين العمري بكل ما فيه من قدرات وصفات..كان ذلك القالب هو البيئة التي أثمرت فيها صفات عمر ليتشكل عملاقا ساهم في صنع أعظم حضارة عرفتها البشرية..

لم يخبرنا عمر بسند أو حديث عن تأثره بتلك الآيات تحديدا..

لكن كل سيرته ، كل ما في حياته ، ينقل لنا أنه هو  قد “وشم” بتلك الآيات، أنها قد “شكلته”..قد وضعته في قالبها العملاق..وجعلته ، بالتدريج..يصبح عملاقا ليكون على مقاسها..

عن أي آيات نتحدث..

عن آيات في سورة، كان سبب نزولها مرتبط بإسلامه، رضي الله عنه..

سورة ص..

******************

نقل القرطبي والنيسابوري: لما أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه شق على قريش إسلامه فاجتمعوا إلى أبي طالب وقالوا: اقض بيننا وبين ابن أخيك !

فأرسل أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: بابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء، فلا تمل كل الميل على قومك.

قال: ” وماذا يسألونني ” قالوا: ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” أتعطونني كلمة واحدة وتملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم ” فقال أبو جهل: لله أبوك لنعطينكها وعشر أمثالها.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” قولوا لا إله إلا الله ” فنفروا من ذلك وقاموا، فقالوا: ” أجعل الآلهة إلها واحدا ” فكيف يسع الخلق كلهم إله واحد.

فأنزل الله فيهم هذه الآيات: ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ (1) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (2) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (3) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4) أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (7) أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (8) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (9) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (10) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (11) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (12)

كانت تلك هي الايات الأولى من سورة ص..

قريش تزلزلت بإسلام عمر ، أدركت أن الأمر قد بدء يخرج عن السيطرة، وصارت تبحث عن وسيلة لاحتواء الدين الجديد ، للتعايش معه..بدلا من أن يأتي وقت لا تجد فيه مكانا لها بتمدده..

العرض واضح ، دعنا وشأننا ، ندعك وشأنك…

والجواب أوضح : الحجر الأساس للدين الجديد، للحضارة الجديدة التي ستبنى على هذا الحجر، يتناقض مع تعايش من هذا النوع ..

لا إله إلا الله” في جوهرها ، تحتوي، بوضوح لا يمكن  المساومة معه ، على “نفي” لكل إمكانية مساومة عليها..

هذه الـ “لا”..تسمى لا نافية للجنس.

أنها ” تنفي ” كل إله دون الله..

تنفي كل ما يمكن أن يزيح هذه الــ”لا”..

أو يقنعها ..أو يؤجلها..أو يجعلها “نعم” مغلفة..أو “لا” خجولة..

***************

لا ريب أن عمر بن الخطاب كان يتفاعل مع كل ذلك بشدة…

فالسورة ، أو مقدمتها على الأقل ، نزلت وسط تداعيات إسلامه..

ورئيس فريق التفاوض ، كان عمرو بن هشام ، العمر الآخر الذي دعا الرسول أن يعز الإسلام بواحد منهما..

والموقف النبوي الصارم الحاسم..

ثم الآيات…

كل ذلك كان ولابد قد جعل عمرا ينفتح ، إلى الحد الأقصى مع الآيات..

وهناك ، وهو في أقصى حالات تفاعله ، ستكون هناك آيات معينة ، ..لا يمكن أن يمر عليها من هو مثل عمر ، دون أن تجعله يستخرج منها ، من نفسه ، كنوزا  لم تخطر يوما على بال أحد..

******************

وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (19) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (20) وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إلى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ (25) يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26) ص 17-25

ها هو الطين العمري ، يصب في القالب الذي تقدمه سورة ص..السورة التي نزلت “بسبب” تداعيات إسلام عمر..

فكيف لا يقف عمر ، الذي يريد أن يعوض شدته السابقة ، الذي يريد أن يثبت مصداقية ظن الرسول الكريم به ، كيف لا يقف أمام ذلك القالب..ويحاول أن يصب نفسه فيه..؟!

******************

فلننتبه هنا إلى أن سياق الآيات لم يقل عن سيدنا داود أنه نبي !.

ونحن نعرف أنه نبي..

لكننا نعرف، كما يعرف عمر بن الخطاب جيدا ، أن النبوة ليست قالبا يمكننا أن نصب أنفسنا فيه..ليست شيئا يمكن أن نحاوله..

لكن السياق القرآني ، يجنبنا كل حرج..فهو يتحدث عن داود دون أي إشارة إلى نبوته ، كما لو أنه يمنح المزيد من التشجيع لمن يمتلك المؤهلات والقدرات على أن يسلك الدرب دون تردد أو وجل..

سيدنا داود في هذه الآيات ، هو عبد لله ، وهو أيضا ذو الأيد..

هو يمتلك يدين فقط ، مثلنا جميعا ، لكنه يستخدمهما أقصى استخدام..فإذا بها تبدو كما لو كانت “أيد”..وهذا يعني أنه في أقصى الممكن من الفاعلية ..في حالة نشاط دائم دءوب..يد هنا ويد هناك..

ماذا عن تسخير الجبال والطير ؟..لم يكن هذا قط من مستلزمات النبوة ، ومحمد النبي  بل خاتم الأنبياء، عليه صلاة الله وسلامه ، والذي تنزلت عليه هذه الآيات تحديدا، لم يكن يمتلك “تسخير” الجبال له..ولم يكن ذلك قدحا في نبوته..

إنما التسخير يأتي لمن يفهم أسرار الاستخدام ، ..لمن يستطيع أن يستثمر الوسائل ويضعها في سياق مناسب للإفادة منها..سواء كانت دابة..أو طيور..أو رياح..أو جبال..أو أي معدن أو ثروة خام من ثروات باطن الأرض وظاهرها..

ثم تأتي “الحكمة” لتكون عاملا يشد المُلك ويقويه ، كما لو أن الملك يؤدي بطبيعته إلى فقدان التوازن الذي لن يستعاد إلا بالحكمة، كي يشد ويقوى..

وتكون الحكمة هنا  رديفة لفصل الخطاب..وفصل الخطاب هو الحسم الذي يعرفه عمر ونعرفه عنه..أنه الثبات الذي لا يقبل المساومة..وكونه يأتي مع الحكمة هنا تذكير لنا بأن “الحكمة” لا تعني دوما ما يشاع عنها من كونها ليونة ومرونة تصل حد تضييع الثوابت..

لا.الحكمة مع فصل الخطاب هي التوازن الذي يتمسك بالثوابت..ولا يقبل حتى فكرة التفاوض عليها ، فصل الخطاب يعني ببساطة وجود أمور فيها “حق” واحد ، حقيقة واحدة ، خطاب واحد ، أمور لا تخضع للآراء أو وجهات النظر أو “النسبية”..وهو أمر بالغ الأهمية في مرحلتنا الحالية حيث تتعرض الكثير من الثوابت للتقزيم والتمييع..

فصل الخطاب ، خطوط حمراء نحفظ بها هويتنا وثوابتنا ومرجعيتنا ..وعزتنا..

ثم تأتي حادثة الخصمين والنعاج لتثير مسألة العدالة الاجتماعية وتقليص الهوة بين الفقراء والأغنياء..

تقول لعمر أن هذه العدالة هي صلب هذا الدين ، وكان عمر قد جرب في طفولته شظف العيش وقسوته وعرف تماما ما معنى أن يستأثر الملأ بكل شيء وأن يأخذ الفقراء الفتات الذي بالكاد بكفيهم أودهم..

في كل حياته ستكون هذه المحطات شديدة الوضوح في سيرته الشخصية وغير الشخصية ، سيرته وهو يبني الحضارة ..لكن مع أشخاص مثل عمر لا فرق هناك ولا مسافة بين الشخصي وغير الشخصي ، وهذا ما يجعلهم “عظماء” و”مؤثرين” على محيطهم الذي حولهم والعالم الذي يعيشون فيه..

لو أبقينا هذه الآيات في ذهننا ونحن نتابع حياة عمر ، ابتداء من هذه اللحظة ، وهو لا يزال في مكة قبل الهجرة لوجدناه “يتمثلها ” حرفا حرفا…لو استطعنا إجراء تحليل حامض نوووي  دي ان أي ، لكل فعل أنجزه الخطاب ، لوجدنا هذه الآيات في سورة ص التي نزلت بعد تداعيات زلزال ولادته كعمر جديد في مكة..

ذا الأيد ؟ كان داود ذا أيد..

وعمر كان ذا أيد أيضا ، قائمة منجزاته تبدو أحيانا كالخرافة !…من الصعوبة جدا أن تصدق أن زعيما تاريخيا قد قدم كل ما قدمه عمر في تسع سنوات فقط من حكمه..لكن عمر لم يكن أسطورة ، ولم يكن شخصا خارقا ، بل كان شخصا اختار أن يضع “طينه” في قالب عبودية عملاقة ، قالب داود ذا الأيد..

التسخير؟ سنرى عمرا يحلق في أسرار الاستخدام ، سنراه وهو يبني السدود ، يشق القنوات ، يحفر الأنهار….

الحكمة وفصل الخطاب ؟ من الصعب أن نجد موقفا واحدا  لعمر لا تتجلى فيه هذه الصفة..من الصعب أن نجد قائدا عبر التاريخ كان أقرب إلى الحكمة وفصل الخطاب –التمسك بالثوابت..كل الساسة في العالم يعتبرون أن السياسية هي “فن الممكن”..وهم يعبرون بذلك عن تغييرهم المستمر لما يطالبون به ..أما عمر فهو صاحب” فصل الخطاب“..صاحب الثبات على المبدأ عندما يكون التنازل عنه “هزيمة” حتى لو انتصرت بمعايير خصومك ، فالانتصار يجب أن يكون بمعايير مبادئك وقيمك حتى يكون نصرا حقيقيا..

لكن ما وجه المقارنة بين ساسة فن الممكن وبين عمر ؟

لا مقارنة.نظلمهم إذ نضعهم في أي مقارنة.

قد تكون السياسة هي فن الممكن.

لكن الحضارة هي فن الإيمان بأنه يمكنك أن تبني على ثوابتك بناءاً شامخا عزيزا..

وعمر ، لم يكن رجل سياسة إلا بقدر ما لا يتعارض ذلك مع كونه رجل حضارة..

وكان ذلك في احيان كثيرة لا يتعارض..

بل سيرته تثبت ، أن رجل السياسة في داخله ، قد انتفع جدا من رجل الحضارة…وأنه قدم وجها حضاريا لسياسة شرعية بوجه حضاري..

**********************

العدالة الاجتماعية !…

وحدها هذه يمكن أن تستغرق مجلدات في سيرة عمر..!..هل نتكلم عن أكياس الدقيق التي يحملها على ظهره أو على محاسبته لعماله..أو على بائعة اللبن؟..

كل منها محطات مضيئة في سيرته ، وفي كل منها تجد تلك الآيات التي صب عمر  نفسه في قالبها …

*******************

يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى..

علم عمر أن هذا هو الحد الأقصى لما يمكن لإنسان أن يكونه…، بعد مقام النبوة الذي ليس مجالا للتنافس..

اختار هذا ..

وعرف أن الدرب إليه يجب أن يمر بالحكم بالحق، وبعدم إتباع الهوى…

صار عمر “خليفة في الأرض” قبل أن يبايعه أحد بفترة طويلة..

صار خليفة ، بمعنى أن تكون كل أفعاله ، محكومة بالحق، أن تكون رؤيته لما حوله محكومة بالحق..

وأن يكون في صراع حاد مع الهوى..

وهذا ما نجح فيه عمر حتى قبل أن تكون إمارته للمؤمنين أمرا مطروحا..،بل حتى قبل وفاته عليه الصلاة والسلام….وقاده إلى أن يكون الخليفة ، ربما الأكثر شهرة وتأثيرا ..بين كل خلفاء الإسلام…

بل بين كل زعماء الإنسانية وقادتها ومصلحيها عبر التاريخ..

*****************

عندما نختار لحياتنا مسارها، فأننا نختار، دون وعي منا قالبا ذكر بطريقة أو بأخرى في القرآن الكريم..

البعض يختار قالب الخوض مع الخائضين..

والبعض يختار قالب “أبي جهل”…قالب” أسفل السافلين”..

البعض يكون مذبذبا ، لا إلى هؤلاء ولا إلى أولئك.. يختار قالب “المنافقين”..

البعض يختار “قالب المخلفين”..

البعض يختار قالب “الدواب”..قالب “الأنعام” بل أضل سبيلا..

..قالب “ليتني كنت ترابا”..

….

والبعض مثل عمر ، يختار قالب صانع الحضارة..

قالب “خليفة في الأرض”…

….

السؤال هو : ماذا تختار أنت ؟


على الهامش : لم يكن مصادفة أبدا ، أن عمر ، حين فتح بيت المقدس ، وتقدم في الصلاة ، قرأ في آيات سورة ص تحديدا…

ليست مصادفة أبدا…

لقد اختار قالبه.وأوصله ، وأوصل العالم معه ، إلى الفتح…

ربيع عمر “الآخر”….

ربيع “عمر” الآخر…

أحمد خيري العمري

مرة أخرى ، من كتاب قادم ، عن عمر بن الخطاب..


بعض الناس الحياة بالنسبة لهم “وجهة نظر”…يعتنقون وجهة النظر هذه أو تلك.ولا يرون مشكلة في التخلي عنها لاحقا لصالح وجهة نظر أخرى رأوا أنها أكثر وجاهة لاحقا..

بعض الناس يرون كل ما في هذه الحياة باعتبار أنه ليس أكثر من “وجهة نظر”، يمكن أن تكون عابرة حتى لو لم يغيروا شيئا فيها..

وجهة النظر ، تعني ببساطة أن ما تعتقده يعتمد على موقعك  يحدد اتجاه النظر، يحدده موقعك…وهذا يعني أن الأمر سيتغير لو أنك غيرت موقعك..ويعني أيضا أن ما يعتنقه الآخرون من آراء لا علاقة له بالصواب أو الخطأ..فقط بموقعهم الذي حدد وجهة نظرهم تلك..

عندما تكون الحياة وجهة نظر..فأن لا شيء فيها يستحق حقا أن يكون قضية..أن يكون عقيدة..أن يكون أمرا تموت وتحيا من أجله..

أنها وجهة نظر فحسب..

**************

لكن أناسا آخرين، نسأل الله أن يجعلنا منهم ، الحياة بالنسبة لهم قضية..الحياة بالنسبة لهم موقف..لا يعتنقون “وجهات” النظر..بل يعتنقون ما يؤمنون أنه “الصواب”..وأن مصدر هذا الصواب ، ليس موقع هذا الشخص أو ذاك ممن يكونون عابرين في الزمان والمكان، بل مصدره من  يكون متعاليا عن كل ذلك ، عن كل مسافة ..أو زمان ..أو مكان..

الحياة بالنسبة لهؤلاء فرصة لا تعوض لإثبات للآخرين ، ممن لا يؤمنون بما آمنوا به ، بالصواب ، أن يسحبوهم من حالة اللا لون ولا طعم ولا رائحة..إلى اللون الصواب..والطعم الصواب، والرائحة الصواب..

عمر بن الخطاب من هؤلاء طبعا.

الحياة بالنسبة له موقف.قضية…

كما لو أنه كان يبحث عن هذه القضية طيلة حياته..

وعندما وجدها ، وجد نفسه فيها..أمسك بتلابيبها..تعلق بها كما يتعلق مختنق بشهيقه الأخير…

..دلوني على محمد..!

***************

في الطريق إلى محمد ، لا بد أن عمرا كان يفكر بما سيحدث..لقد كان قد حسم أمره ، لكنه أراد أن يعلن هذا الحسم أمامه عليه الصلاة والسلام..

وجها لوجه ..

(تخيلوا كم سيكون رائعا لو تمكنّا من ذلك، من أن نعلن “الشهادة” أمامه عليه الصلاة والسلام..لن نستطيع أن نقولها إلا بمنتهى الصدق حينذاك..لا يمكن أن نقولها من باب التعود..من باب أننا وجدنا آباءنا عليها..لأنها ستكون مثل شهادة زور..ومهما حاولت ..لن يمكنك أن تشهد الزور أمام الرسول الكريم )..

لقد وجد عمر نفسه الحقيقية.لا بد أنه كان خجلا من شدته وقسوته مع الفئة التي سيعلن انضمامه لها ، ولا ريب أن هذه الشدة ” جعلته يتخذ قرارا أن” يعوّض” ..أن يقدم لما اعتنقه “تعويضا” عما فعل سابقا.. ولعل هذا الإحساس “المرير” سيبقى في عمر إلى أخر حياته،لكنه سيستثمره على نحو إيجابي.. سيكون جزءا أساسيا من محاسبته المريرة  المتطرفة لنفسه ولأهل بيته، وهي المحاسبة التي ستكون جزءا أساسيا من “التفوق والتميز” العمري والذي ساهم أيضا في صنعه وإسهامه للحضارة..وهو ما سنتطرق له لاحقا بتفصيل أكبر….

كان ما قاله له خباب ، عن دعاء الرسول الكريم لله عز وجل بأن يعز الإسلام بأحد العمرين ، هو أو عمرو بن هشام ، الذي يعرف أكثر اليوم بأبي جهل..، كان  بمثابة “طاقة” إضافية تضاف إلى عروقه..ولعله فكر في السبب الذي جعل  دعاء الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام يكون  موجها لواحد منهما تحديدا..هو وعمرو بن هشام..

لكنه كان قد حسم هذا الأمر أيضا..

لقد قرر أن تكون حياته ، تحقيقا لدعاء الرسول..

قرر أن تكرس حياته لعز الإسلام..

*********

قرعت الباب عليهم ، ..

فقالوا : من هذا ؟ قلت : ابن الخطاب قال : وقد علموا من شدتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما يعلمون بإسلامي ، فما اجترأ أحد يفتح الباب حتى قال : « افتحوا له ، إن يرد الله به خيرا يهده » ففتحوا لي الباب فأخذ رجلان بعضدي حتى أتيا بي النبي صلى الله عليه وسلم فقال : « خلوا عنه » ثم أخذ بمجامع قميصي ، ثم جذبني إليه ، ثم قال : « أسلم يا ابن الخطاب ،.. اللهم اهده » فقلت : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله . فكبر المسلمون تكبيرة سمعت بفجاج مكة ، وكانوا مستخفين ..[1]

تخيلوا أنه عليه الصلاة والسلام أخذ بمجامع قميصه..وجذبه إليه..ليقول له “أسلم” ..!..

كم يبين ذلك حرقته عليه الصلاة والسلام على إسلام عمر.

كم يبين ذلك استشعاره عليه الصلاة والسلام لا بحاجة عمر إلى الإسلام فحسب..بل حاجة الإسلام أيضا إلى أشخاص يملكون صفات مثل التي يملكها عمر..يعتنقون الشيء ليكون قضية حياتهم كلها ، لا كوجهة نظر..

..ثم أخذ بمجاميع قميصي ، ثم جذبني إليه ..أسلم..!

موقف هائل..يكاد يأخذ بمجاميع كل ما نلبس..! يكاد يجذبنا..يهزنا بعنف..أسلموا..

هل سنقول أننا مسلمون أصلا..وأننا ولدنا كذلك –والحمد لله!

نعم..هذه هي المشكلة..نحن مسلمون بالوراثة..لسنا مسلمين كما يريدنا عليه الصلاة والسلام..

كيف يريدنا ؟..يريدنا كما أراد  من عمر أن يكون…كما صار عمر…

إسلامه كان عزا للإسلام.. !

من منا يمكن أن يكون إسلامه عزا للإسلام؟..

من منا يرفض أن يكون مجرد “عدد” إضافي..”كمالة عدد”..ويريد أن يستحق تلك الجذبة التي جذبها عليه الصلاة والسلام لعمر عندما قال له :أسلم ..!

****************

ونطق الشهادة..!..

أشهد أن لا إله إلا الله..

وأن محمدا عبده ورسوله..

وارتفع التكبير، رغم التخفي….الله أكبر..

وسيرتفع التكبير أكثر فأكثر،لا عبر الحناجر فحسب، بل أثرا وتأثرا وقناعة واقتناعا ..عبر إسلام هذا الرجل..

سيجعل عمر من كل سيرته ، وسيلة ليؤمن الناس حقا وفعلا..بأن الله أكبر..

*****************

منذ اللحظة الأولى لإسلامه..قرر عمر أن يحدث فرقا..أن يحدث عزا..أن يجهر بالإسلام ، بعدما كان سرا يخفيه أصحابه وأن تسربت منه إشارات…

قال :يا رسول الله إني لا أدع مجلسا جلسته في الكفر إلا أعلنت فيه الإسلام
فأتى المسجد وفيه بطون قريش متحلقة فجعل يعلن
الإسلام ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله[2] ..

انطلق عمر ليجهر بالشهادة في شوارع مكة ومجالسها..

كان عمر بهذا هو مشعل أول ربيع عربي !.. ..لكنه كان ربيعا يتجاوز أمر العرب إلى الإنسانية جمعاء وإن اتخذ من مكة وشوارعها موقعا…

في ذلك الربيع ، قام عمر بالجهر بكلمة الحق، لكنها لم تكن رد فعل “ضد ظلم ” محدد..بل كلمة حق تتعالى عن ردود الأفعال..بل كانت أكثر من مجرد “كلمة حق”…بل كانت رؤية كاملة لعالم جديد..طريقة جديدة في النظر إلى العالم..إلى كل ما فيه..

الشهادة ، التي تدخل بها الإسلام ، هي إقرارك بأنك ترى العالم ،تشاهده ،-أليست شهادة؟!- كما يريد له خالقه أن يكون..

أنت تقول عبر الشهادتين : أنك تشهد أن لا إله إلا الله..ليس هناك من أي قوة يمكن أن تسيطر أو تهيمن على مقاليد عقلك وقلبك ورؤيتك إلا من خلقك..

لا يحكمك غيره..لا تأتمر إلا بما يأمرك به..ولا تقبل بسواه “حَكما” فيما يقابلك ويعرض عليك..

وأنت تشهد أيضا، كتتمة لازمة لا بد منها، أن هذه الرؤية لن تكون إلا من خلال ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام..

هذه الشهادة هي رؤية للعالم كما يجب أن يكون.

رؤية لدورك في هذا العالم..رؤية للعلاقات بين كل الأشياء..

ليست مجرد جملة من مقطعين..بل رؤية متكاملة..

تلك الشهادة التي كان عمر أول من جهر بها في ربيع مكة..، كانت بمثابة الحجر الأساس للحضارة التي سيكون لعمر حصة “الأسد” في بنائها وتشييدها..

لكل حضارة حجر أساس..يكون مثل “الشفرة السرية ، الكود”..الخاص بها ..قد يكون مثلا شعار “المانيا فوق الجميع”..أو “الحرية الشخصية” ..أو ” الربح أولا”..كل هذه أحجار أساسية لحضارات مختلفة ، تبني كل منها على حجرها الخاص الأساس قيمها ومبادئها..

الحضارة التي ساهم بصنعها عمر ، حضارة الإسلام ، كان لها حجرها الأساس الذي تستند عليه كل قيمها وأركانها ومبادئها ومنطلقاتها وأهدافها..

وهذا الحجر الأساس،حجر الحضارة الأول.. هو بطاقة دخول الإسلام..

الشهادتان..

كانتا حتى تلك اللحظة سرية ، تقالان خفية في أزقة مكة وبيوتاتها..

ثم  جاء عمر..!

****************

منذ اللحظة الأولى التي دخل فيها عمر الإسلام هذا الدخول المبين ..استشعر المسلمون الفرق الذي يمكن أن يحدثه دخول شخص يملك صفاته في الإسلام..

عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ – رضى الله عنه – قَالَ مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ [3].

وكان يقول أيضا :
إن إسلام عمر كان فتحا وإن هجرته كانت نصرا وإن إمارته كانت رحمة . ما كنا نقدر على أن نصلي عند
الكعبة حتى أسلم عمر فلما أسلم عمر قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه [4]

***************
قد يطرح سؤال هنا ..

هل يمكن أن يكون عمر أقوى من الرسول عليه الصلاة والسلام..ألم يكن من الممكن عليه الصلاة والسلام أن يصلي عند الكعبة مع المسلمين متحديا  مشركي مكة ؟..هل كان يجب أن ينتظر المسلمون عمرا كي يحدث ذلك؟

العبرة هنا أنه كان على أحد غير الرسول عليه الصلاة والسلام أن يفعل ذلك.

لو أنه فعلها عليه الصلاة والسلام ، لما كان حصل الدرس للجميع..

درس أنهم قادرون على الفعل.أن الاسلام يستخرج منهم أفضل ما فيهم.بل يستخرج منهم ما لم يتخيلوا وجوده فيهم…

لو أن الرسول قام بذلك..لما كان هناك “عمر”..

وحضارة الإسلام، لا يمكن أن يبنيها فرد..حتى لو كان هو عليه الصلاة والسلام..

يمكن لبعض الأفراد فيها أن يكونوا عمالقة ..وأن يسهموا أكثر من غيرهم في رفع بنائها..وأن يكون ذلك بمثابة تحفيز لهم على أن يتعملقوا ..كل في مجاله ، بما يسهم في “الحضارة”..

وهكذا كان لا بد للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ، أن لا يفعل كل شيء بنفسه..

لكي يتيح المجال لولادة العمالقة..

وكان عمر مثالا حيا ،عمليا على ذلك..

***************************

كان الاستشعار الفوري للمسلمين للعزة بدخول عمر الإسلام مثال على ما يمكن أن يمنحه الثبات على الحق، والجهر به بقوة ، والتمسك به بقوة ، لأي فكرة أو عقيدة..

أنه يخرجها فورا من كونها مجرد فكرة ، لتصير بشرا يتمثلونها…

والعزة في لسان العرب هي عكس “الذل”..

وقد كان عمر ، بقوته، بجهره بالحق، بجرأته الشديدة ، عكسا للذل في كل شيء..

…فكيف يمكن لهم إلا أن يشعروا بالعزة ، منذ” أسلم عمر”..

وكيف لا يكون إسلامه فتحا؟..وهجرته نصرا ؟..وإمارته رحمة..؟

*************

لا يمكنني هنا أن أترك دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام لربه أن يعز الاسلام بأحب العمرين إليه..وشعور المسلمين بالعزة منذ إسلام عمر بمعنى يراودني عن علاقة العزة بالحضارة..

الحضارة ، بطريقة ما ، هي مظهر من مظاهر العزة..

العزة هي الغلبة، وهي عكس الذل..

والحضارة ، في مظاهرها وتجلياتها العديدة ، تكون “غلبة”..

وتكون عكس الذل..

الغلبة لا تعني فقط التفوق العسكري..( وإن كانت تشمل ذلك حتما)..

ولكنها تعني التفوق في كل مجال من مجالات الحياة..

في العلم.في العدل.في العدالة الاجتماعية.في الأدب.في السلوك…

في الاقتراب من القيم المؤسسة لهذه الحضارة ، من حجرها الأساس وعدم الانحراف عنها..

في أن تكون “نموذجا” جاذبا يجعل الناس يعتنقون “حجرها الأساس” وقيمها حتى دون أن يشعروا بذلك..

كل هذه عزة..

وكل هذه يجب أن توجد في “الحضارة”..

وربما هذا يجعلنا نفهم دعاء الرسول بان يعز الإسلام بعمر..

وان نفهم ما قاله المسلمون عن استشعارهم العزة بمجرد دخوله الإسلام..

وأن نستحضر ما سيحققه عمر لاحقا من منجزات رفعت حضارة الإسلام وأعزتها ؟

ألم يكن البيهقي محقا عندما جعل من دعاء الرسول دلالة من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام؟

..لو أن عمر أسلم فحسب..لكان ذلك محتملا..

لكنه كان علامة فارقة…

كان إسلامه عزا للإسلام..

*************************

وحتى لا نعطي صورة خيالية عن رجل لا يحتاج أصلا إلى الخيال لتزيين صورته، لأنها رائعة ومبهرة أصلا ..علينا أن نتذكر هنا أن مواجهته لكفار قريش  في يوم الجهر بالإسلام  لم تكن محض شجاعة وثبات على المبدأ دون تخطيط يستثمر في الموجود..

كان عمر بن الخطاب يعرف أن قريشا يمكنها أن تقتله..وأنه على بأسه ، يمكن أن يقتل إذا تجمعوا عليه ، كما كادوا أن يفعلوا  فعلا…

لذا فقد عمد إلى أن يجد له خط حماية ، من القتل على الأقل ، وليس من الأذى..

فقد عمد إلى احد حلفاء بني عدي ، وهو العاص بن وائل ، ليجيره من القتل ..

وهكذا كان عمر يستفز مشركي مكة ويزلزلهم بجهره بالإسلام وهو يعرف أن تعرضه للقتل كان سيعرض قواعد المجتمع المكي للزلزلة !..

ستكون هذه الصفة ثابتة دوما عنده وهو يشيد الحضارة..خطوة خطوة..سيذهب دوما لتجارب الآخرين..سيأخذ منها قبس عندما يجد أن الاقتباس ينفعه ، وسيتركه عندما يجد أن الضرر أكبر..

ما دام لم يتنازل عن شيء مقابل إجارة العاص له..فلن يتردد..

أليس هو القائل ..لست بالخب..ولا الخب يخدعني؟!

***************

ربيع عمر الذي تدفق في شوارع مكة ، انتظر عقودا قبل أن يحين موسم حصاده..

ولم يكن موسما واحدا..

بل مواسم متعاقبة ، متطاولة..موسم يسلم موسما آخرا..

ولم تقتصر  مواسم الحصاد  على  مكة فقط..

بل امتدت لتشمل قارات العالم القديم..

بل لتشمل العالم كله..

كان ذلك هو ربيع عمر الآخر..

أما موسم الحصاد فله وقفة أخرى..




[1] دلائل النبوة

[2] المستدرك وذكره الالباني في صحيح السيرة النبوية

[3] 3863 صحيح البخاري

[4] الالباني صحيح السيرة النبوية

العقل العُمري :كلُّ الحكاية في “نظام التشغيل”..!

العقل العمري :كلُّ الحكاية في “نظام التشغيل”..!

(من كتاب قادم ، عن عمر بن الخطاب…)

د.أحمد خيري العمري


عندما تقوم بتنزيل نظام تشغيلٍ جديدٍ على حاسوبك، فإنَّ كلَّ ما يدخل الحاسوب من ملفَّاتٍ ووثائق، سيتمُّ التعامل معه من قِبَل نظام التشغيل الجديد.. ولن تحتاج إلى أن تقوم بتنصيب النظام في كلِّ مرَّةٍ تضيف فيها ملفَّاً..

الحاسوب، عبر نظام التشغيل الجديد، سيقوم بما يلزم على نحوٍ تلقائيٍّ..

وعندما تقوم بتدريس أحد أولادك أو إخوتك الصغار، وتعلَّمه كيف يحلُّ مسألةً رياضيَّةً، فإنَّك على الأغلب تعلِّمه طريقة الحلِّ،  وسيتمكَّن هو لاحقاً من حلِّ الكثير من المسائل الرياضيَّة بالطريقة نفسها، أو بتحويرٍ بسيطٍ دون أن تضطرَّ إلى إعادة الشرح في كلِّ مرَّة…

“السوفت وير” في الحاسوب، والتفكير”الرياضيّ” في العقل البشريِّ، يتمكَّن من أن يواجه مستجدّات، ويتعامل معها، بالأسلوب نفسه الذي بُرمِج عليه دون أن يُضطرَّ لإعادة كلِّ شيءٍ منذ البداية!..

*********************

عقل عمر بن الخطاب تعامل مع القرآن، كما لو كان “نظاماً للتشغيل”..

أعاد برمجة عقله، بل قام بمسح كلِّ شيءٍ، كلِّ شيءٍ سابقٍ للقرآن، وقام بتنصيب القرآن نظاماً واحداً للتشغيل، وحذف كلَّ ما يُمكن أن يتعارض مع نظام التشغيل هذا..

أو يشوِّش عليه..

ربَّما كان هذا هو ما يجب أن يحدث مع الجميع..

وربَّما لم يكن عمر وحده قد قام بهذا من الجيل الأول..

ربَّما حدث ذلك، بطريقةٍ أو بأخرى…

لكنَّ العقل العمريَّ كان أوَّل من حصل على شهادة الخبرة..!

كيف؟

عندما حصل ما يُعرف الآن، بموافقات عمر بن الخطاب للقرآن…

********************

موافقات عمر بن الخطاب للقرآن، هي ما أشار به عمر على الرسول الكريم في أمرٍ عامٍّ أحياناً بطلبٍ من الرسول مباشرةً، كما كانت عادته في استشارة أصحابه.. وأحياناً دون أن يطلب! يذهب عمر ليقول شيئا يعتقد أنَّه الصواب.. وقد يكون “رأي عمر” مخالفاً لما يراه عليه الصلاة والسلام، أو ما يراه بقيَّة الصحابة..

ثم يأتي خبر السماء، بوحي منزلٍ، بآياتٍ قرآنيَّةٍ صريحةٍ يوافق فيها رأي عمر، الذي ربَّما كان يبدو بعيداً عن الأخذ به، لحظة قاله..

كيف كان يحدث ذلك؟

هل كان لعمر “مجسَّات استشعارٍ” مثلاً؟

هل كان يمتلك وسيلةً للتجسُّس على الوحي قبل حدوثه أصلاً؟!

لا قطعاً.

الأمر أبسط وأعقد من كلِّ ذلك في آنٍ واحدٍ.

أبسط لأنَّ عمر لم يمتلك أيَّة صفةٍ “خارقةٍ” قادمةٍ من وراء الطبيعة، صفةٍ تجعل منه “سوبر مان” قادماً من كوكبٍ آخر، وقادراً على التلصُّص على الوحي مثلاً..

وأعقد، لأنَّ ما فعله عمر دون أن يمتلك صفةً خارقةً يقول لنا ضمناً أشياء كثيرةً جدَّاً عن فهمه، وعن فهمنا، والمسافة الشاسعة بين الاثنين..

*********************

ما الذي فعله عمر بالضبط؟

باختصار: عمر قام بتشغيل نظام التشغيل القرآنيِّ!..

قام بتفعيله!

…كلُّ ما حدث، كان مجرَّد تفاصيل نتجت عن هذا التفعيل…

أين كان موقع التفعيل؟

في موقع التنصيب نفسه..

العقل العمريّ..!

************

الموافقات العمريَّة للقرآن متعدِّدة، البعض منها حدَّدها عمر بنفسه، وصنَّفها بل وأسماها شخصيَّاً بالموافقات، والبعض منها عُلِم عنها عبر أسباب النزول..

ويتراوح عدد هذه الموافقات كما حدَّد عمر في حديثٍ صحيح، بين ثلاثٍ وعشرين!..

وذلك عندما تُجمع الموافقات المعنويَّة التي لم يكن فيها الموقف مباشراً، وما كان عمر يسأل عنه مراراً وتكراراً..

النتيجة أنّ الموافقات العمريَّة، وهي أمرٌ مفروغٌ منه من ناحية الصحة، تُظهر لنا أنَّ العقل البشريَّ عندما يلتزم بنظام تشغيلٍ محدَّدٍ يمكن له أن يبدع إلى أقصى حدود الإبداع..

يخاف كثيرون من العقل… مِن ترك العنان له… يتحدَّثون عن تقديم العقل على النقل… عن التعارض بينهما.

صحيح، كلُّ هذا صحيح… كلُّ هذه المخاوف في مكانها… لكن عندما يكون هذا العقل “يُشغَّل” بنظام تشغيلٍ مخالفٍ… نظام تشغيلٍ ينتمي لمنظومةٍ كتابيَّة –حضاريَّة مختلفة.. أو نظام تشغيلٍ ينتمي لمنظومة أهواءٍ شخصيَّة..

عندما يكون نظام التشغيل قرآنيَّاً، فإنَّ المخاوف من ذلك لا معنى لها..

على العكس، الضمانة الوحيدة لفهم النصِّ فهماً صحيحاً فاعلاً في أن نعطي النصَّ الدينيَّ حقَّه، نُمكِّنه هو من أن نتعامل معه، نقرؤه عبر عقلٍ تشكَّل بالنصوص..

عقلٍ بنظام تشغيلٍ قرآنيٍّ.!

***********************

( عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلاَثٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، فَنَزَلَتْ: ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) وَآيَةُ الْحِجَابِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَمَرْتَ نِسَاءَكَ أَنْ يَحْتَجِبْنَ، فَإِنَّهُ يُكَلِّمُهُنَّ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ، وَاجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – فِي الْغَيْرَةِ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُنَّ: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبَدِّلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ[1] )

سنقف عند هذه الموافقات فقط، ونتلمَّس أثر نظام التشغيل بالفهم الحضاريِّ العمريِّ، دون المضيِّ إلى ما هو أكثر، إلى العشرين مثلاً..

ولعلَّنا لو رأينا عمر لقلنا له لو أنه رأف قليلاً بالأقزام…

*****************

مقام إبراهيم!…

( عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عمر بن الخطاب أنه مَرَّ بمقام إبراهيم فقال: يا رسول الله، أليس نقوم مقام خليل ربِّنا (4)؟ قال: “بلى”. قال: أفلا نتَّخذه مصلَّى؟ فلم يلبث إلا يسيرًا حتى نزلت: { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى }[2].. )

قد يبدو الحدث بسيطاً.

لكنَّ الأمر يضمُّ في ثناياه -لو دقَّقنا فيه- عمقاً كبيراً.. وهو يكشف عن فهمٍ استثنانيٍّ، فهمٍ حضاريٍّ حمله ابن الخطّاب..

هذا الفهم، كان يستمدُّ عمقه من عمق التاريخ السحيق، تاريخ إبراهيم، ويصله مباشرةً بالتجربة الإسلاميَّة التي كانت وقتها وليدةً ومعاصرةً..

الفهم العمريُّ كان لا يكتفي بالمعرفة النظريَّة لذلك، بل يبحث عن الرموز الشعائريَّة التي تكرِّس ذلك الشعور بالامتداد التاريخيِّ..

بعبارةٍ أخرى..

كلُّنا نعرف أنَّ دعوته عليه الصلاة والسلام كانت امتداداً لدعوة إبراهيم، بل لدعوة كلِّ الأنبياء..

لكنَّ عمر، وهو يحمل معه همَّ تحويل الفكرة إلى عمل، كان يريد تكريساً عمليَّاً شعائريَّاً لهذه المعرفة..

لذا، ها هو يقترح اتِّخاذ مقام إبراهيم مصلَّى..

أن نصلِّي في مقام إبراهيم..

وجاء الوحي موافقاً لما اقترحه عمر..

*****************

الأمر ليس مجرَّد مكانٍ للصلاة..

لو كان كذلك.. لما استوجب وحياً يعضده..

الأمر هو مكاننا من العالم..

مكاننا من الإعراب..

مكاننا من تلك الرحلة الإبراهيميَّة التي تركت أثرها على الحضارة الإنسانيَّة بأسرها…

الآية التي سبقت كلَّ ذلك كانت تقول:

” وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ” البقرة (124)

جاعلك للناس إماماً؟..

وقعت الكلمة في الذهن العمريِّ موقعاً مختلفاً، موقع مَن يرى في رحلة إبراهيم بين حضارات عصره ورفضه لها بحثاً عن “الحضارة البديلة”، الحضارة البديلة التي بذر بذرتها في وادٍ غير ذي زرعٍ كي يجعلها خالصةً لله..

وكان عمر يعي تماماً أنَّ ذلك الدرب الذي بدأه إبراهيم منذ تلك الليلة التي أرسى فيها دعائم التفكير العقليِّ، وانطلق يحطِّم الأوثان الجاثمة في الرؤوس، ذلك الدرب قد وصل الآن، ومع بعثته عليه الصلاة والسلام إلى مرحلة البدء الفعليِّ بتكوين الحضارة البديلة وبنائها…

ألسنا نقوم مقام إبراهيم؟ ألم يكن هو الإمام في تلك الرحلة؟ ونحن اليوم نقوم مقامه؟

بلى..

فلِمَ لا نتَّخذ مقامه مصلَّى..؟

**********************

ولعلَّ عمر نظر إلى تلك الرحلة المجيدة، إلى ما قام به إبراهيم في التنقُّل بين حضارات بلاد الرافدين والشام ومصر، وهي أعظم حضارات عصره ..

لعلَّه نظر، وقال: إنَّ ذلك الدرب الذي مرَّ به إبراهيم، قبل أن يضع  البذرة في مكة، لعلَّه قال في نفسه: إنَّ ذلك الدرب يجب أن يُعاد السير فيه مجدداً، ولكن بالاتِّجاه المعاكس، اتِّجاه بناء الحضارة البديلة ونشر قيمها، وليس اتِّجاه البحث عنها…

هل سيكون غريباً بعد هذا كلِّه أنَّ الفتوحات في عهد عمر قد غطَّت سير الرحلة الإبراهيميَّة كلِّها؟..

العراق، الشام، مصر..

أفلا نتَّخذ مقام إبراهيم مصلَّى؟..

نعم..

وكلُّ الأرض التي سار عليها إبراهيم، ستكون مصلَّى أيضاً..

********************

وإذا كانت الموافقة الأولى تمنحنا لمحةً عن الفهم الحضاريِّ – التاريخيِّ لنظام التشغيل القرآنيِّ الذي فعله عمر، فإنَّ الموافقة الثانية المتعلِّقة بحجاب أمَّهات المؤمنين كانت تعبِّر عن فهم الحضارة من ناحية كونها سلوكاً عملياً، ومن ناحية “عمليَّة”  نظام التشغيل هذا وواقعيَّته، وبُعده عن التنطُّع المضيِّع للوقت والجهد..

والقصَّة باختصار هي أنَّ عمر قال :

( يا رسول الله  – صلى الله عليه وسلم -  إنَّ نساءك يدخل عليهن البرُّ والفاجر فلو أمرتهنَّ أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب[3] ..)

الحكاية واضحةٌ… الناس تدخل على الرسول عليه الصلاة والسلام في هذا الشأن أو ذاك، والناس فيهم البرُّ وفيهم الفاجر، وفي البيت زوجات الرسول، وعمر يراقب الأمر…. نظام تشغيله القرآنيِّ يبحث عن حلٍّ..

هل يُمكن أن نلغي فجور الناس؟..

تلك أفكارٌ طيِّبةٌ، ولكنَّها غير واقعيَّةٍ… مضيِّعةٌ للوقت، ولن تؤدِّي إلى نتيجة… سيكون أمراً عظيماً لو أنَّ الجميع  صاروا أبراراً، لكنَّه لن يحدث..

إذاً هل نمنع دخول الناس إلى الرسول الكريم؟..

نظام التشغيل القرآنيِّ يجعلك عمليَّاً وواقعيَّاً..

لن تضيِّع وقتك وجهدك في جعل الناس كلِّهم أبراراً وملائكةً، ولن تجعل الناس يكفُّون عن مراجعة الرسول لشؤونهم…

الحلّ؟

لو أمرتهنَّ أن يحتجبن يا رسول الله؟!

وهكذا كان..!

****************

ما علاقة هذا بالحضارة؟!

علاقته صميمةٌ وأساسيَّةٌ….

فالحضارة سلوكٌ وقيمٌ وعاداتٌ وأعرافٌ قبل أن تكون منتجاتٍ وانتصاراتٍ وتطاولاً في البنيان.

إنها قيمٌ  تشجِّع على التماسك الاجتماعيِّ، وسدودٌ تمنع الانحراف..

وسواءٌ أعجبَ هذا البعض أم لم يعجبه…

هناك فصلٌ بين الجنسين في قيمنا الحضارية.. ليس فصلاً مطلقاً بالتأكيد.. ولكنْ هناك تعاملٌ بحدودٍ وضوابط..

وهذه أيضاً حضارةٌ..

***************

فما بال الموافقة الثالثة..؟

( وَبَلَغَنِي مُعَاتَبَةُ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – بَعْضَ نِسَائِهِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ قُلْتُ: إِنِ انْتَهَيْتُنَّ أَوْ لَيُبَدِّلَنَّ اللَّهُ رَسُولَهُ – صلى الله عليه وسلم – خَيْرًا مِنْكُنَّ. حَتَّى أَتَيْتُ إِحْدَى نِسَائِهِ، قَالَتْ: يَا عُمَرُ، أَمَا فِي رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – مَا يَعِظُ نِسَاءَهُ حَتَّى تَعِظَهُنَّ أَنْتَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبَدِّلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ ) الآيَةَ[4].. )

القَّصة عاديَّةٌ يمكن أن تحدث في كلِّ بيتٍ وكلٍّ زمنٍ..

لكنَّ مكانة النبيِّ عليه الصلاة والسلام الاجتماعيَّة عقَّدت القصة وزادت من التأزُّم.. وصار المتصيِّدون يحاولون زيادة الأزمة عبر إطلاق الإشاعات..

نظام التشغيل القرآنيّ الفاعل في عقل عمر، حيَّد هذه التفاصيل المتعلِّقة بمكانة الرسول الاجتماعيَّة… وجد أنَّها صارت معيقاً للدعوة.. والعلاقات الإنسانيَّة مهمَّةٌ حتماً، لكنَّها ليست هدفاً بحدِّ ذاته، إنَّها مهمَّةٌ بقدر مساهمتها للوصول للغاية والهدف، وعندما تصير عائقاً ومعرقلاً فإنَّ هناك وسائل شرعيةً مقنَّنةً يمكن لها أن تُزيح هذا العائق..

منتهى التجرُّد..

وكان نظام التشغيل عند عمر متجرِّداً من حقيقة أنَّ ابنته حفصة كانت مشمولةً بالتهديد بالطلاق!…

منتهى التجرُّد أيضاً، فعلاقته الإنسانيَّة بابنته مهمَّةٌ..

لكنها ليست أهمَّ من القضيَّة التي يحملها..

..هكذا هم صنَّاع الحضارة..

******************

قد يقول قائل: لكنَّ نظام التشغيل هذا تفعَّل عند عمر، ولم يتفعَّل عند الرسول الكريم الذي تنزَّل عليه الوحي؟

قطعاً الأمر ليس كذلك..

لكن من حكمة الأمور أن يكون هناك من يتمكَّن من الصحابة، من البشر الذين لم يتنزَّل عليهم وحيٌ مَن يقوم بذلك، مَن يتمكَّن من فهم ما يجب أن يقوله الوحي.. كي نفهم نحن أنَّ الأمر يستلزم أن نتمثَّل نظام التشغيل، ونلتزم بحدوده وضوابطه، أن يتشكَّل عقلنا بالقرآن، كي نتمكَّن بعدها من مواجهة ما يواجهنا دون خوفٍ من تناقضٍ مزعومٍ بين العقل والنصِّ..

كي نتمكَّن أن نستعمل عقلنا ليكون وسيلةً لبناء حضارةٍ مبنيَّةٍ على أسسٍ قرآنيَّةٍ..

**************

ولعلَّ كلَّ ما سبق من موافقات ومن سواها، هي التي جعلت عليه الصلاة والسلام يقول عن عمر:

( « لَقَدْ كَانَ فِيمَا قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَإِنَّهُ عُمَرُ »[5].. )

وقال أيضاً:

(” لو كان نبيٌّ بعدي لكان عمر بن الخطاب”[6]..! )

لكنَّه لم يكن..

بل كان بشراً مثلنا، بشراً تمكَّن من أن يجعل القرآن نظام تشغيله..

********************

القصَّة في النهاية قصَّة “نظام تشغيل”..

فما هو النظام الذي اخترناه لأنفسنا..؟

هل هو نظام تشغيلٍ لحضارةٍ أخرى تبدو اليوم منتصرةً وكاسحةً مكتسحةً، دون أن يعني ذلك قطّ أنَّها على حقٍّ؟

هل هو نظام تشغيلٍ يجدِّد نفسه كلَّ يومٍ بصرعةٍ تلو الأخرى لكي يتغلَّب على خوائه وفقره؟

هل هو نظام تشغيلٍ يعتمد فقط على إطلاق العنان لأهوائك؟..

أم أنَّ نظام تشغيلك قد صدئ وصار خارج وقت الصلاحيَّة؟..

أم هو مثل الذي كان عند عمر، وجعله  يكون ما كان….؟

القصَّة كلُّها في النهاية قصَّة “نظام تشغيل”..

ليس سهلاً قطّ أن تبدِّل نظام تشغيلك الذي تعوَّدت عليه، وتكيَّفتْ أجهزتك عليه… ليس يسيراً أن تقوم بعمليَّة إبدال..

لكن، أحياناً لا بدَّ ممَّا ليس منه بدٌّ..

..والله المستعان..



[1] البخاري 402

[2] تفسير ابن كثير

[3] مسند أحمد، مسند عمر بن الخطاب، 159

[4] البخاري 4483

[5] البخاري 3689

[6] 327 وحسنه الألباني الترمذي 2909  وسلسلة الأحاديث الصحيحة

إسراء ومعراج …ونهضة !

إسراء ومعراج…ونهضة !

د.أحمد خيري العمري


عوملت واقعة “الإسراء والمعراج” على أيدي التقليديين ، بالضبط كما عوملت الشعائر  والأركان ، بل كما عومل كل شيء تقريبا في هذا الدين العظيم ..فكما تحولت الشعائر إلى طقوس “شبه كنسية” لفصل الدين عن الدنيا…وكما قزمت كل المفاهيم لتقدم في قالب جزئي و ظاهري ، فقد عوملت واقعة الإسراء والمعراج لتقدم بشكل “حدوتة” يتم استذكارها في موعدها السنوي ، وتقدم باعتبارها “معجزة” النبي الذي ركب حصانا سريعا وانتقل من مكة إلى القدس في ليلة واحدة (في زمن كان ذلك يستغرق وقتا طويلا) ثم عرج بعدها إلى السماء..ويتم استذكار هذا الحدث وتكرار قص تفاصيله في كل ذكرى له ، دون أي محاولة لتقديم المغزى الذي يجعل “المعجزة” مستمرة فينا..كل المعجزات جاءت للتغيير ، ..وتقديم واقعة الاسراء والمعراج على هذا النحو الذي تقدم فيه، يبعدها عنا..لا شيء فيها يمكن أن يستثمر في حياة وفهم وخطة أي منا.تبدو الواقعة “تاريخية” في دين أهم وأعمق ما فيه أن “قيمه لا تاريخية” (على سبيل المثال ، المسيحية تقوم على وقائع تاريخية محددة مرتبطة بالسيد المسيح عليه السلام، إهمالها سيؤدي إلى هدم كل العقائد المسيحية ، بينما  لا شيء في العقيدة الإسلامية مرتبط بحياته عليه الصلاة والسلام وتفاصيل ميلاده ووفاته..)

..كيف يمكن أن نقرأ الإسراء والمعراج على نحو آخر إذن ؟ نحو آخر غير القصة التاريخية ؟..

ننسى دوما ، عندما نقص ما حدث ، إنه عليه الصلاة والسلام ، في تلك المرحلة الصعبة من الدعوة في مكة  والتي كانت تبدو فيها كل الطرق مسدودة ومغلقة ، قد انتقل عبر الإسراء والمعراج ، إلى أفق آخر من المعطيات ، زيارته للقدس ، في تلك الليلة ، فتحت مداركه على إمكانية الانتقال بالدعوة إلى موضع آخر ، وجاءت القدس كما لو لتذكره ، بأن موسى انتقل بقومه من أرض مصر ، إلى أرض الميعاد ، صحيح ان موسى لم يصلها ، لكنهم أكملوا المسيرة لاحقا..ووصلوا ، وبنوا ، ..وأنجزوا..

لن يكون صدفة إنه عليه الصلاة والسلام لم يحاول مع “مدينة أخرى” غير مكة إلا بعد الإسراء.

أولا مع الطائف..ونعرف ما حدث فيها.

وثانيا مع وفود أهل يثرب.

ونعرف أيضا ما حدث فيها..

العبرة المستمرة ، هنا أن الإسراء يمكن أن يستمر دوما عبر التعرف على تجارب حضارية مختلفة ، تجارب بعيدة وقد لا ترتبط معنا بإرث مشترك ، لكن يمكننا أيضا أن نستفيد منها ، لا يعني ذلك اقتباسها ، ولا استيرادها ، فقد تكون الفائدة هي أن نتركها ، أن نتعرف عليها لنعرف أهمية أن لا نكون مثلها…لكن سيبقى ذلك مهما ، والأهم منه ان يكون هناك “معيار” واضح لتمييز الخطأ والصواب في تلك التجارب..

الرسول الكريم ركب البراق في تلك الرحلة.لم يذهب كيفما اتفق بل كان  معه جبريل ، حامل الوحي الكريم..

ليس هذا فقط ، بل إن الواقعة كلها قد بدأت كما في حديث صحيح البخاري “باستخراج قلبه الكريم وغسله من ثم إعادته إلى جوفه” ، كما لو أن المبدأ الأساسي في اي عملية تعرف حضاري أن نغسل قلوبنا من إي إنبهار بما سنرى..وأي رفض مسبق كذلك..وأن نتمسك بما تمسك به عليه الصلاة والسلام في رحلته تلك (البراق وجبريل ، أي الوحي..)..

أي علاقة بتجربة حضارية يشوبها الإنبهار أو الرفض المسبق ستكون علاقة شاذة..

ليس سوى أن تغسل قلبك بماء القرآن وصابون السنة (أي الحكمة النبوية)..قبل أن تتعرف على تلك التجارب..

بعدها يمكن لم أن ترفض على بينة.

وأن تقبل ما يفيدك منها ، وتغسله أيضا بماء القرآن وصابون السنة ، قبل أن تستخدمه !

***********

….رؤيته عليه الصلاة والسلام للأنبياء ، ومن ثم إمامته لهم ، فيه من المعاني الواضحة التي لم يغفل عنها التقليديون..

ولكن فيه أيضا أن نتذكر أن “من ياتي آخرا” قد يحقق القيادة والإمامة ، بأدائه لمستخقاته وبمعزل عن كونه “الآخر زمانه”..

فلنتذكر أنه عليه الصلاة والسلام لم يسم “اخوانه” لصحابته أو تابعيه..بل لجيل آخر ، سيتبعه دون أن يراه ..وقد يكون قد حقق ما يجعله يستحق أن يكون من “إخوانه” عليه الصلاة والسلام ، عندما ننظر إلى ما حققه هذا الجيل بمقياس القرآن والسنة ، لا بمقياس من يهمه أن يبقى هذا الجيل في آخر القائمة !..

**********************

..وفي حديث البخاري ، تلك الإشارة إلى أنهار الجنة ، إثنان منها هما الفرات والنيل..

أحواض الأنهار هي مراكز قيام الحضارات..

وقد كانت تلك الإشارة تعني وقتها ،إنكم لن تصلوا حقا إلى الجنة في السماء ، ما لم تبنوا ما يستحق دخولها على الأرض..

لديكم تلك الأنهار في الأرض..

إبنوا بناؤكم هناك.

ولنر بعدها..

….خلال عقدين فقط ، كان البناء الذي بناه عليه الصلاة والسلام قد وصل ضفاف الفرات والنيل !

*******************

أهم إشارة برأيي الشخصي هي ما قاله موسى في نفس الحديث الصحيح..

ثُ…مَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ الصَّلَوَاتُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ فَرَجَعْتُ فَمَرَرْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ بِمَا أُمِرْتَ قَالَ أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ قَالَ إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ فَرَجَعْتُ…

جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أدش المعالجة..

هنا معركة النهضة الحقيقية.

هنا الجهاد الأكبر.

تغيير النفوس.

تغيير  العقول.تغيير العقل الجمعي الذي تكرس وركز في رؤوس الناس وجعلهم ما هم عليه.

لن يبنوا مراكز الحضارات حقا ما لم يتغيروا.

لن يساهموا في “معراج” أمتهم ما لم يحدث ذلك.

بل لن يتعرفوا على أي تجربة أخرى إلا من خلال الانبهار أو الرفض المسبقين..

هناك ، في الرؤوس ، المعركة الأهم..والفتح الأهم..

بعدها..

كل شيء مجرد تفاصيل..

(ويمكن فهم أهمية الصلاة ، التي جاء بها الرسول عليه الصلاة والسلام من معراجه ، في هذا الضوء..

ضوء معركة التغيير والبناء -النفسي والمجتمعي..)…

************************

ليس غريبا بعدها أن تركز سورة الإسراء على ما حدث مع بني إسرائيل فيما جربه موسى معهم..وفي علاجه الشديد لهم !…

فما حدث معهم ، سيحدث معنا بالضبط..

ليس في وقت الرسول عليه الصلاة والسلام..

لكننا ، عبر الأجيال ..سنتصرف بالضبط كما فعل بنو إسرائيل..

..كما لو أننا اوصينا بذلك..

******************

الإسراء والمعراج يستمر بخروجنا من تيه بني إسرائيل الذي وضعنا انفسنا فيه..

يستمر بتمكننا من أن نتفاعل -عبر القرآن والسنة- مع أي تجربة حضارية دون عقدة نقص تجعلنا ننبطح ، أو عقدة تعالي تجعلنا نتصور أن عليهم أن ينبطحوا لنا..

الإسراء والمعراج يستمر بأن ننهض إلى معراج أمتنا..

أن نجعلها ما يجب أن تكون…

الإسراء والمعراج يستمر بأن نؤمن بأن الرحلة مستمرة..

وأن على كل منا أن يضيف خطواته عليها..

***********

..ليس صدفة..

أن تكون سورة الإسراء هي التي تضم تلك الآية..

“إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم”..

أقوم..

من القيام..

القيام…يعني النهوض…

الطفل رقم “خمسين”

الطفل رقم خمسين

أحمد خيري العمري

أنا الطفل الذي حمل الرقم خمسين في الخبر الذي تتناقلونه منذ ليلة أمس.
ليس لدي الكثير لأقوله لكم…
بل لدي شيء واحد.لكن نسيت ما هو..
حدث كل شيء بسرعة . بعدما خف القصف الذي كان بدء منذ الصباح.كسروا الباب .دخلوا وأخذونا ، جمعونا بسرعة ، فصلونا عن أمي ، كنت انا وأخوتي الثلاثة ، وكانت شقيقي في حضن أمي ، كانت مريضة منذ يومين.
انتزعوها بقوة.صرخت أمي.سمعت بعدها الشبيح يسبها لأمي ويضربها.كان آخر ما سمعته منها هو صراخها.كانت تقول.. أولادي.
لم يكن أبي موجودا معها.لم يكن موجودا في أي مكان نعرفه.أخذوه قبل أسبوع من على الحاجز.
ولم نره من يومها.لم نسمع عنه شيئا.
ليس لدي الكثير لأقوله لكم عمّا حدث أمس..فقط شيء واحد.
ألقوا بنا في سيارة كبيرة فيها أطفال في مثل سني.كانوا يبكون.كان بعضهم رضع.وكان صراخهم عاليا جدا.
كان السائق يسبهم ويكفر.
وقفت السيارة أمام منزل في طرف القرية.عند الساحة التي كنا نلعب “الطابة” فيها”.فتح الباب وقال لنا أنزلوا وهو يسبنا أيضا.كان كل من ينزل منا يتلقى ضربة.وكان يقول مسبات كبيرة.بعضها أعرفها وكانت أمي تحذرني من اقولها.وبعضها لم أفهمها.لكن فهمت إنها مسبات “كبار”.
ليس لدي الكثير لأقوله لكم..
ضربني الشبيح على ظهري عندما نزلت من السيارة.كنت أحمل شقيقتي.وقعت أرضا ووقعت شقيقتي.ضحك الشبيح وقال لي أني سني غبي.
عندما دخلنا المنزل ، كان هناك الكثير من الأطفال.معظمهم كان مقيد اليدين.كان بعضهم يبكي.لكن ليس كثيرا.الرضع فقط كانوا يبكون.
كان هناك شبيحة آخرون.قال واحد منهم أن الحبال خلصت.رد عليه الآخر وقال “هلق نذبح كم واحد منهم ونستعمل مصاريهم”.
ضحكوا جميعا.وبكت أختي بصوت عال.
تركونا قليلا.قالت لي أختي ماذا سيفعلون بنا.كنت أعرف.لكني قلت لها لا أعرف.أظن أنها كانت تعرف أيضا.بكت وقال اريد أمي.بكى أخي الآخر وقال أنه يريد أبي.فكرت أننا ربما سنراه بعد قليل.
ليس لدي الكثير لأقوله لكم.
كل شيء حدث بسرعة.الغرفة مزدحمة والبعض يبكي ويريد أمه.دخل شبيح جديد للغرفة.كانت رائحته نتنة أكثر من الباقين.كبر بالكلام وسبنا وكفر أيضا.كنت أعرفه.كان ابنه معي في المدرسة.وكنا نلعب الطابة أحيانا في الساحة المجاورة.
كان يحمل سكينا في حزامه.أخرجها من مكانها.تعالى صوت البكاء.و تعالى ضحك الشبيحة.
قال هو ، أنه لم يشتم رائحة الدم منذ ثلاثة أيام.وأنه اشتاق له.
رد عليه الآخر وهو يضحك ، “امبارح” ذبحنا الثلاثة الذين خذناهم من  على الحاجز، نسيت؟
رد عليه :نعم ، امبارح يبدو بعيدا ، وكفر أيضا..
تقدم خطوة والسكين بيده ، تراجع الجميع  وتعالى الصراخ ، قال وهو يضحك ، بمن سنبدأ يا حلوين ؟ من سيكون الفطيسة الأولى ؟…توقعت أن يصرخ الجميع.أن يزيد البكاء.لكن العكس حدث.عم الهدوء.كما لو كان الكل يريد “أن يخلص”.
تقدم الشبيح ذو الرائحة النتنة من فتاة شقراء الظفيرة.كانت ترتعد.أمسكها من شعرها.قال لها : كنت أريد أن “…”-مسبة كبيرة ، ولكن ذبحك ليس أقل متعة.
كانت ترتعد ،أخذت تقول “الله يخليك عمو”..”الله يخليلك ولادك”..أما هو فقد قال لها : الله يخليني ؟ بدي أذبحك وأذبحه كمان…
وضع السكين على رقبتها ، وبسرعة جزها ، كانت لم تكمل بعد جملتها ، كانت تقول “الله يخلـ…” ثم إذا به يرفع رأسها بين يديه…
شوح به أمام الجميع.حمله من الظفيرة وهو يقطر دما.كان جسدها على الأرض، والدماء تتدفق منه علينا جميعا.
على صوت البكاء.كانت هناك بنت صارت تبكي وتتشاهد بصوت عال.أمسكها أيضا وقال لها : “وهي مشان الشهادة” وضربها سريعا في حنجرتها..ثم أخرج حنجرتها ورماها علينا..
لكن البنت ذكرتنا بالشهادة، فصرنا نرددها جميعا.تذكرنا ما نسمعه دوما من أن من يقول الشهادة قبل أن يموت يكون في الجنة..فاخذنا نقولها..أنزعج هو وصار يسرع في الذبح ..اختلط البكاء بصوت لاحظته أنه يصدر عنهم وهم يرتعشون بعد الذبح ، باصوات التشهد ، بمسبات الكفر وضحكات الشبيحة..
رأيت سامر ابن خالي بين يدي الشبيح.لم أكن قد انتبهت لوجوده قبلها.كان سامر ساكنا على غير عادته ، لكن عندما ذبحه ، انتفض فجأة وأخذ يركض ، كان رأسه متدليا تقريبا ، لكنه ركض باتجاهي.كما لو كان يريد أن أنقذه.كان الدم يتدفق من رقبته مثل البربيش،وجدت الدم يغطي وجهي ،تراجعت حتى صار الحائط خلفي ،أظنني كنت في الزاوية،لم أعد أرى شيئا لأن الدم صار يغطي عيني،لم أزله.فضلت أن لا أرى…
ليس لدي الكثير لأقوله لكم ، لكني تذكرتكم جميعا في تلك اللحظة..تذكرته ما قاله لي ابن عمتي عبد الرحمن ، الذي التحق بالجيش الحر قبل شهر ، كان عبد الرحمن يدرس في الجامعة ، وكان لديه حاسوب في غرفته ، وكان يسمح لي أحيانا أن العب ببعض الالعاب على حاسوبه ، يوما ما أراني “موقعا” قال أنكم تدخلونه ، نسيت اسمه ، وقال أنكم ، عندما يستشهد واحد منا ، فأنكم تكتبون عنه في هذا الموقع..سألته يومها إن كنتم مرضى أو معوقين أو على كرسي عجلة ، فضحك وقال لي “تقريبا”…
تذكرتكم…
ليس لدي الكثير لأقوله لكم ، ربما كلمة واحدة فقط ، كانت على لساني ونسيتها..
بعدها لم أعد أرى.كنت في الزاوية  واسمع فقط ، كنت واثقا من أن شقيقتي ذبحت.سمعت صوتها وهي تنادي أمي.وتذكرت أمي.
سمعت صوت الشبيح يقول أنه يحتاج إلى سكين آخر لأن هذا السكين لم يعد حادا..
قال له الآخر : أحسن !..يتألموا أكثر عند الذبح..
…لا أذكر الكثير بعدها..نفس الأصوات بقيت تتكرر ..صرت أميز صوت الدم وهو يتدفق..كلما قل صوت البكاء كنت أدرك أن الدور قد أتى علي..
فجأة أدركت أنه قد اقترب مني ، كانت رائحته لا تزال واضحة رغم رائحة الدم..
أمسك برقبتي..
تذكرت ما أريد أن أقوله لكم ، في تلك اللحظة تذكرت.
أريد أن أقول لكم أني أبصق عليكم جميعا.جميعا.كلكم.أنتم يا من تقرأون هذه الكلمات.منذ سنة نذبح وأنتم لم  تفعلوا شيئا لوقف الذبح.أبصق عليكم وعلى كاتب هذه المقالة أيضا.لعله لم يجد شيئا آخرا يفعله.أو شيئا أفضل يكتبه..
أبصق عليكم جمبعا.ولا أعتذر من أي أحد..
وضع  الشبيح القذر السكين على رقبتي..
تشاهدت…
وبصقت عليكم مرة أخرى…

أب عبدو ، يا غريب حمص…

أب عبدو ، يا غريب حمص…

د.أحمد خيري العمري


لا تكتمل الجرائم قط..

فقط صمتنا عنها ، يجعلها تقترب من الكمال…

والصمت قد يكون لأسباب ودوافع كثيرة..

لكنه في النهاية ، وبغض النظر عن دوافعه الأولى ، فإنه يتحول ليصير تواطئاً مع المجرم..

قد يكون السكوت خوفاً من تكرار الجريمة..

لكنه في الحقيقة يقوي المجرم على التكرار..

قد يكون خوفاً من الفضيحة..

لكن الأمر سيتكرر ليصبح ظاهرة ، بعدما كان في البداية حالات معدودة..

قد يكون حرصاً على “الوحدة الوطنية”..

لكنه في هذه الحالة يبنيها على محض أوهام.

لكل جريمة عدة شركاء فيها.

الساكت الخائف أحدهم.

أما المتفلسف المروج للصمت ، فهو يتعدى مرحلة الشيطان الأخرس.. إلى ما بعدها..

******************************

عندما كان الصهاينة يرتكبون مجازرهم في القرى الفلسطينية ، كانوا يتعمدون ترك بعض الناجين الذين رأوا كل شيء..

كان هؤلاء يفرون إلى القرى المجاورة ، طلبا للنجدة .. أو فقط تمسكا بالحياة..

وكانوا  طبعا يروون ما حدث..

وكان هذا أحياناً كفيلاً بجعل سكان القرى المجاورة  يفرون خوفاً من تكرار ما حدث في القرية الأولى.. خاصة أنهم كانوا يتأملون مجيء الجيوش العربية التي ستنهي ما كان يسمى آنذاك “إسرائيل المزعومة!!”…

كانوا يرتكبون مجزرة في قرية واحدة ، ويتركون ناجياً ليروي ما حدث.. فتهرب ثلاث قرى..

******************************

الناجون من مجازر النظام الأسدي ليسوا من هذا القبيل…

لم تكن نجاتهم أمراً متعمّداً كي يرووا الفظائع ويرهبوا الآخرين.. فالفظائع تنتشر بكل الأحوال..

كانت نجاتهم قدراً  وتتزامن مع  إهمال ارتكبه مرتكبو المجزرة ، أو إسراعهم بالخروج .. أو عدم تأكدهم من موت الجميع..

هؤلاء كانت نجاتهم تحدياً للصمت الذي يلف جثامين الضحايا… كانت نجاتهم خنجراً لقطع كمامات الصمت التي تحيط بأفواهنا ، كان بقاؤهم على قيد الحياة ممزِقاً للخيوط التي تخيط الشفاه ، وتخرس الألسنة..

لقد عاشوا لحكمة مختلفة ، لا لكي يهرب الآخرون هذه المرة..

بل كي لا يتكرر الأمر كله.

********************************

أب عبدو الحمصي واحد من هؤلاء.

إنه شخص عادي جداً.. بسيط جداً.. لا يمكن أن تتخيل سبباً واحداً قبل هذا الحدث لكي يكون مادة لمقال أو ضيفاً في لقاء على فضائية..

لكن هذا بالذات ، كونه بسيطاً جداً ، وعادياً جداً ، هو ما يجعله فعلاً أهلاً ليكون مادة المقالات وضيفاً في الفضائيات..

هذا الرجل البسيط ، الحمصي جداً حتى النخاع ، عامل البناء الذي يعمل بأجر يومي نجا من إحدى مجازر  النظام الأسدي في حمص ، في حي كرم الزيتون تحديداً..

ولقد نجا ليروي لنا ، بالتفصيل ما حدث.

********************

أعرف اسمه الحقيقي وهو اسم محمّل بالمعاني، لكنه رفض أن أفصح عنه.

وفضّل أن يكون “أب عبدو الحمصي”..

كما لو كان ممثلاً عن أهل حمص كلهم أجمعين.

“أب عبدو الحمصي” هو.. مثل الآلاف من أهل حمص..

وهو اليوم ، يحدثكم بالنيابة عنهم جميعاً..

وبطريقة ما ، بسبب رمزية حمص ، وارتباطها بتاريخ عميق عريق ، فإنه يتحدث بالنيابة عن أكثر بكثير من أهل حمص فقط..

******************

عمره 42 سنة… مثلي بالضبط. مواليد 1970…

ولدنا ، أنا وهو ، بعد ثلاث سنوات من الهزيمة التي توجت الضياع الرسمي لكل فلسطين ، والتي تم  تسميتها تخفيفا بالنكسة ، كي تستمر الأنظمة التي تسببت فيها بالحكم وبالاستمرار في كل ما أدى إلى الهزيمة..

مرّ جيلنا ، في عموم الوطن العربي ، بظروف متشابهة.. مع استثناءات نادرة…

لكن التشابه بين ما مر به جيلنا في العراق وسوريا كان حتماً أكبر من أي تشابه آخر ، ليس فقط لوجود “تشابهات عضوية” في نسيج المجتمعين (اللذين يمتلكان امتدادات متداخلة كما هو معلوم ) وهي تشابهات تتوضح أكثر عندما يمر النسيح الاجتماعي بأزمة ، أكثر مما تتوضح في أوقات الاستقرار – إن وجدت !..

التشابه كان أيضاً في ابتلاء المجتمعين بنظام عسكري استند على توليفة من الأيدلوجيات الهجينة على النسيج الاجتماعي الأصلي ، وعلى بعضها البعض أيضاً ، وهي التوليفة التي جعلت حزب البعث العربي الاشتراكي مثل حذاء الطنبوري (كله رقع !) (يتشابه في ذلك مع تيارات سياسية وفكرية أخرى كثيرة عموما، فأحذية الطنبوري رائجة جدا بفضل قوة الدعاية المصاحبة لها..).. وقد كان ذلك كله مجيَّراً لصالح هيمنة عشائرية –مناطقية في الحالة العراقية ، و هيمنة طائفية مناطقية في الحالة السورية..

كل هذا يجعل من “أب عبدو الحمصي” ، ومن نجاته من  المجزرة ، بمثابة حدث “شخصي” يخص كل من في جيلي ، بل كل من عاش تحت ظل نظامي “الأخوة الأعداء” في سوريا والعراق ، خاصة أن الوضع الحالي في العراق ، يقترب أكثر من الوضع في سوريا ، من ناحية التحالفات الإقليمية والهيمنة الفئوية..

أب عبدو الحمصي ، لم ينج بنفسه فقط ، بل نجا بنا جميعا.. نجا ليقول إن “الجيل كله” تعرض ويتعرض لمجزرة ما..

نجاته لم تكن صدفة، حاشا لله.

بل لإيصال رسالة ما..

أحاول الآن  صياغة ما تيسر منها..

******************************

لم يكن أب عبدو ناشطاً مهما في الثورة ، لم يكن قد انضم للجيش الحر… كان يكره النظام مثل أغلب السوريين الشرفاء، ويؤيد إسقاطه مثل أغلب الحماصنة… كان قد ساهم في عدة مظاهرات على ما تيسر.. وساهم في مساعدة بعض الناشطين في بعض الفعاليات.. لا أكثر، ولم يطلب منه أحد أكثر… لم يكن من واجبه في تلك المرحلة سوى أن يعبر عن رأيه وتأييده للثورة..

ما الذي حدث؟..

كيف حدثت المجزرة التي نجا منها أب عبدو ؟

************************************

يسكن أب عبدو في حي النازحين ، وهو جزء من حي كرم الزيتون في حمص.

حي النازحين هو حي آخر تتمثل فيه مآسينا المتداخلة ..أنه حي سمي بهذا الاسم أصلا لأن النازحين الفلسطينيين سكنوا فيه أبتداءً..

تعرض الحي إلى قصف عنيف للفترة من 10 إلى 13 /3 ، وكذلك تعرضت أحياء باب الدريب وجب الجندلي وسواها..كان ما يحدث عموما هو أن يقصف الحي لمدة ثلاثة أيام ، على نحو عشوائي ، ثم يتم اقتحامه..

لم هذه الأحياء تحديدا ؟..

لقربها من حي النزهة..الحي الذي تسكنه الفئة التي توصف أنها موالية للنظام.الموالاة هنا تقوم على أساس طائفي محض ، وهذا أمر لا يحتاج أن يبرر أو يفسر.قد يكون النظام قد تمكن من تجييش الطائفة أو تخويفها أو أي شيء آخر..

النتيجة واحدة ، مؤسفة ربما .لكنها واحدة.

نقل أب عبدو أسرته ، زوجته ومعها خمسة أطفال إلى منزل أهلها في حي العشيري من حي كرم الزيتون في 9/3/2012. ..ثم التحق بهم بعد يومين..في 11/3/..

تصور مخطئا أنه وأسرته سيكون أكثر أمانا هناك.

في اليوم التالي تم اقتحام الحي بعد صلاة الفجر.

أعلن في مكبرات الصوت عن عدم الخروج.كان ذلك مفهوما. كل من سيخرج سيقتل فورا.القناصة في كل مكان.

كان لبيت اهل زوجته جار مسيحي ، خرج وطلب من “العناصر” أن يسمحوا له بالخروج إلى بيت أخت زوجته ، في حي النزهة.

سمحوا للزوجة فقط.منعوه هو.

بعد العصر وصلوا لمنزل حيث كان أب عبدو وأسرته.

طلبوا من كل الرجال مغادرة المنزل ومعهم هوياتهم.كان هناك الإيحاء إنهم سيعودون فورا بعد أن يتم التأكد من “الحاسوب”..قال لهم الضابط هكذا بصوت عال.بلهجته المميزة التي تعلن للجميع عن انتمائه.عندما سلم أب عبدو الهوية هويته للضابط ، قال له ، على عادة الحماصنة “يعطيك العافية”..

فكان رد الضابط “إنقبر”..

كان الامر مبيتا.

لكن أب عبدو لم يفهم المعنى في تلك الكلمة.تصورها مجرد إهانة من شخص منزعج او سيء الخلق.

قيل لهم أن يركضوا إلى آخر الشارع ، حيث مدخل حي النزهة…قيل لهم أيضا أن كل من سيتأخر في ذلك سيطلق عليه الرصاص..

ركضوا طبعا.وصلوا إلى حي النزهة.تم تغطية أعينهم بما تيسر من ملابسهم. وتم تقييد أيديهم من الخلف وبقسوة شديدة.ضربوه  بشدة عندما فتح أصابعه  أثناء تقييدها…أدخلوا إلى منور ضيق بين منزلين.منور بطول ثلاثة إلى اربعة أمتار وعرض سبعين إلى ثمانين سنتيمترا ،..كانوا في وضع القرفصاء ، وكانوا يستمرون بإدخال الآخرين ويجبرونهم على الجلوس في نفس الوضع فوق من سبقهم حتى يكاد يختنق هؤلاء.

صار عددهم يزيد عن الاربعين إلى الخمسين رجلا في هذا المكان الضيق.

وكل ذلك وسط كفر مستمر من قبل العناصر.كفر صريح.كفر يعلن عن نفسه وانتمائه.كفر يريد أن يقول : أنا كافر.دون أي لف أو دوران.كفر متحدي وواضح ..

كانت كلمات الكفر تركز على الله جل جلاله، والرسول عليه الصلاة والسلام.كانوا يرددون مرة بعد اخرى  “الله لا يمكنه أن يزيح بشار من الكرسي..”..

طبعا كان السباب والشتائم أمر في منتهى القذارة.أولئك الذين لا عرض و لا شرف لهم يسهل عليهم امتهان أعراض الآخرين..

….

توسلوا جميعا أن يسمحوا لهم بالوقوف….كان من صار تحت الباقين يكاد يختنق…

لم يسمحوا لهم بذلك ، إلا أن بدا بعضهم يقول”مشان بشار..مشان حافظ..”..

استحلفوهم بإلههم ..بمعبودهم..فسمحوا لهم بالوقوف..

قضوا نحو الساعتين في هذا الوضع..

ثم أخرجوهم من المنور…

ليس عندي من تفسير لهذا الاحتجاز غير شيء واحد ،..تمريرهم في فترة من الإذلال المركز ، الذي يجعلهم يتوسلون ببشار أو حافظ ، واستغلال هذا الوقت لجمع أهالي الحي ، ومن ثم إخراجهم لهم وهم بهذه الحالة..

نعم.تم جمع أهالي الحي ، ومن ثم أخرج هؤلاء من محبسهم الضيق.تعالى السباب البذيء والضحك والهتافات الرخيصة.رجال ونساء شاركوا بهذا.يفترض أنهم أبناء وطن واحد ، هم وأب عبدو ومن معه.ولكنهم فعلوا هذا ، بالضبط كما كان يفعل الرومان بأسرى حروبهم ، يمررونهم في شوارع روما وسط صفير وتصفيق الناس..

وهكذا حدث في حي النزهة أيضا…اشترك الجمهور بالبذاءة والسباب.لم يكن من الممكن رؤيتهم بوضوح.فقد كانت الأعين شبه مغطاة.لكن من خلال فتحات الملابس ، التي كان يصادف أنها موجودة امام الأعين ، ومن خلال القماش نفسه ، كان أولئك الرجال ، يرون بشكل غائم ، مواطني حي النزهة وهم يضحكون من آلامهم وإذلالهم..كانت النسوة تقول : هذا القصير ، اضربوه ، الآن هذا الطويل..هذا السمين..كي لا يزعل..

كانت تنتظرهم  سيارة حمل متوسطة ، هيونداي ، وكان عليهم الصعود إليها وهم يسيرون إلى الوراء  وأيديهم مقيدة من الخلف ، ارتفاع السيارة كان لا يقل عن سبعين إلى تسعين سنتمترا ، ولكي يصعد أي شخص بطول طبيعي ، يحتاج إلى أن يكون في مواجهة خلفية السيارة ، وأن يستند بيديه عليها ، لكي يتمكن من الصعود ، إلا إن كان من أبطال الساحة والميدان…

كيف كانوا يصعدون إذن؟

كان عناصر الأمن يساعدونهم ، إن كان يمكن تسمية م يحدث بالمساعدة.كان “المعتقلون” يضعون ظهورهم على سطح السيارة ، ويقوم العناصر بضربهم وركلهم على باطن قدمهم حتى يتم “حشرهم” داخل السيارة، وهكذا تم إصعادهم جميعا ، مكومين واحدا فوق الآخر..بهذا الإسلوب..وسط فرح جماهير الحي بهذا العرض الذي أيقظ غرائزهم (هل كانت نائمة؟)..

اقتيدوا أولا إلى منزل لم ينته بناءه بعد، بيت قال “أب عبدو” ، مما كان يراه من تحت العصابة،أنه  كان بتشطيب ممتاز.تهامسوا بينهم.ثم جمعوهم وأخذوهم مرة ثانية ، بنفس الطريقة ، إلى  بيت آخر ، لم يفهم أب عبدو مالذي حدث.لكن من الواضح تماما ماذا كان الهمس.لم يكن هناك جماهير “صاخبة”أمام هذا البيت.إذن لم يكن في حي موال.كان في بقية حمص.أي في حي حمصي حقا…وكان بتشطيب “ممتاز”..ولقد تهامسوا فيما بينهم ثم أخرجوهم من البيت.

من الواضح أنه بيت في حي مهجر.وأنهم طمعوا فيه بعدما رأوا جودة بنائه..فأخذوهم إلى بيت آخر ، في حي مهجر أيضا ، لم يميزه أب عبدو..

البيت الثاني كان بيتا بسيطا..استطاع أب عبدو أن يرى الأثاث ، كان بيت أقرب إلى البيت العربي…بأثاث بسيط..، أجلسوهم أرضا ، واخذوا يضربونهم بأخمص أسلحتهم متعمدين الضرب على الظهر ، وسط الظهر ..وسط مسبات كفر شنيعة..أحدهم كان يتعمد  الغناء بصوت عال أثناء ذلك.كان يغني باللهجة الحمصية.ثم يكمل بلهجته  ضاحكا وهو يقول : تعتقدون أننا لا نعرف لهجتكم ؟…

تركوا قليلا على الأرض.من كان يتجرأ على رفع الصوت بالدعاء كان يعاقب بالمزيد من الضرب على ظهره.كان احدهم يتمشى على ظهورهم.ويقفز ويتقافز عليهم ، بعضهم كان ظهره أصلا  قد أصيب على ما يبدو بشدة  عندما ضرب بأخمص السلاح، وجاءت هذه القفزات لتزيد من آلامه ، وجاء تعبيره عن ألمه فرصة لتوجيه المزيد من الضربات له..كان أحدهم يبدو  سعيدا بقدرته على إيذائهم ، كان يقول له أنه سيضع قدميه في “…” أمهاتهم و زوجاتهم..وأنهم سيعتدون عليهن.احدهم كان يقول لهم تلك العبارة “التاريخية” التي تتكرر كثيرا من هؤلاء ، وتعود في جذورها إلى أحداث حماة ،وتقال اليوم بتكرار للمغتصبات : يقال ، سنجعلكن تربون أبناءنا !..

وقيل لهم الشيء ذاته ، قيل :زوجاتكم سيربين أبناءنا..سيحملن منا ويربون أبناءنا..

كان هناك حاوية زجاجية كبيرة (بوفيه) في الغرفة ، مما توضع فيه بعض المقتنيات الخزفية والزجاجية، أخذ أحدهم يكسر المحتويات على رؤوسهم…يكسرها بشدة وحقد ، بينما هو يسب كما لو كان قد رضع هذا الحقد منذ طفولته.كما لو أنه تدرب على ما يفعله الآن طيلة حياته.بل كما لو أنه عاش حياته ليصل إلى هذه اللحظة..

نفذت المحتويات التي يمكن تحطيمها على رؤوسهم.لم تنفذ الرؤوس بعد.صار يمسك الرؤوس التي لم تكسر  ويرطمها بالأرض بكل غل…كان هناك من يغني أثناء ذلك.

بعدها جاءوا بأكوام من الملابس.وصاروا يرمونها عليهم.ملابس مختلفة لا بد انها لأهل البيت الذين فروا من بيتهم ولم يخطر ببالهم أنه سيكون مسرحا لهذه المجزرة.

حتى هذه اللحظة ، لم يكن في ذهن أب عبدو تصور عما سيحدث.قال أنه تصور أن إلقاء الملابس كان لغرض الإهانة لا اكثر..كان يعتقد أن الأمر سينتهي عند تصويرهم فقط على انهم من العصابات المسلحة..سألته هنا ، ألم تكن هناك مجازر سابقة؟

قال كلمة بسيطة وموجزة : بلى.كان.لكن لا أحد يتخيل أنها ستحدث له…كلنا نسمع القصص..عندما يأتي دورنا لا نصدقها..

بعد أن القوا الملابس..شم أب عبدو رائحة مميزة..رائحة بنزين..

وفهم !..

فهم أنهم سيحرقونهم..حلاوة الروح جعلته يحاول أن يتحرك.حاول غيره أن يفعل الشيء ذاته.عمت روح ما في المكان رغم كل شيء…عمت حركة كما لو كانت حركة استعداد للشهادة..او للثورة..أو لشيء ما..

لكن صوتا ما ، سمعوه جميعا ، جعلهم يتوقفون عن ذلك..

كان صوت “الاقسام”،أقسام تجهيز الإطلاق.

سمعوه.وعرفوا مالذي سيحدث..

في نفس اللحظة ، وكما لو أن ذلك كان كلمة السر..تعالى صوت الجميع بالتشهد..أشهد أن لا إله إلا الله..وأن محمدا رسول الله..

انطلقت الرصاصات.تعالى التكبير ، كلمة السر في الثورة السورية ، كلمة السر التي أكتشف قوتها الحماصنة ذات مرة فلم يتركوها قط..

جعلهم التكبير كالمجانين ، صاروا يطلقون النار كالمجانين..

ثوان وانتهى كل شيء.

أصيب أب عبدو لكنه لم يستشهد.

ظل ساكنا دون صوت.دون حركة.

سمعهم يستمرون في السب والكفر..بينما هم يفرغون حاوية البنزين على كوم الشهداء..ثوان والنار تلتهم كل شيء..تصور أب عبدو أنه سيحترق حيا..تحرك إلى الزاوية.لم ينتبهوا له ، استمروا في التفرج على المشهد لدقائق ، وهم يضحكون ويطلقون النكات ، احدهم قال : لو ضربناهم أكثر قبل أن نقتلهم…ثم أزعجهم الدخان..فتركوا المكان..

تحرك أب عبدو..كان قادرا على الوقوف..مصاب في رأسه وكتفيه وظهره.ولكن قادرا على الوقوف..

تحرك بحذر..تأكد من أنهم قد غادروا البيت..عاد إلى الحريق ، ..لعله يجد أحد الأحياء..صرخ فيهم ..يا جماعة…هل فيكم من لا يزال حيا ؟…يا جماعة لا إلا إلا الله..هل تسمعونني..

كانوا جميعا أحياء..عند ربهم.لكنهم لم يردوا على سؤال أب عبدو..

أحدهم فقط شخر شخير الموت ، سمعه أب عبدو رغم هسيس النيران وصوت اشتعالها..بدا له صوت الشخير كما لو كان وداعا..

حاول أب عبدو أن يفعل شيئا لعله ينقذ احدا…كانت يداه لا تزال مقيدتين..حاول عبثا أن يطفئ النيران..صرخ بأعلى صوته..استنجد..تكلمت حتى الجدران..ولم يرد عليه أحد..

جلس وهو يشاهدهم يحترقون..جلس وهو يشاهد أفراد أسرته (اولاد حماه) يحترقون وهو عاجز عن فعل شيء..بكى بصمت أولا..ثم بصوت عال..ثم صار بكاءه عاليا ، أعلى من صوت النيران..

لم يترك المكان إلا بعدما أوشك على الاختناق..

بقي بعدها لفترة يعالج مما اصاب رئتيه من دخان..

الدخان الذي يخرج من  حريق جثث الأحباب ، مؤذي جدا..

اسالوا أب عبدو عن ذلك..

***********************

خرج أب عبدو من البيت المحترق..

وجد نفسه في حي خال ولم يميز الشارع.كانت يداه لا تزال مقيدتين.صار يضرب برأسه على الأبواب..لعل أحدا يفتح..وكانت البيوت فارغة..لعل بعض أصحابها كان قد استشهد للتو مع من استشهد..ولعل بعض البيوت كانت تضم بقايا مجزرة كالتي نجا منها للتو..

بقي أب عبدو يمشي في شوارع لم يميزها.كأن المدينة لم تعد المدينة دون سكانها..لعله شعر أنه غريب في حمص..لعل كل المجزرة هدفها هذا..أن يشعر الحمصي الأصيل  ، أنه غريب حمص..ان حمص لم تعد له..

لكن غريب حمص الذي نجا من المجزرة ، تحدى تلك الغربة..وتحدى الهدف من المجزرة..لقد نجا ليقول لنا ما حصل..نجا ليدلنا على المجرمين…ليقول لنا أن ننجو..أن لا نسكت..أن لا نشارك في المجزرة بالتستر عليها..بالصمت..

يا غريب حمص ،..مجزرتك التي نجوت منها هي مجزرتنا بطريقة ما ،..قد تختلف التفاصيل قليلا..لكن الجوهر واحد..قد تختلف طرق نجاتنا ، لكنها بطريقة ما واحدة..قد تختلف حياتنا قبل المجزرة ، قد تختلف شهاداتنا ومنجزاتنا وما جمعناه في دروب حياتنا ، لكن تلك المجزرة تترصدنا جميعا..إما أن نكون من ضحاياها..أو أن نكون من شركاء الصمت فيها..بهذا الداع أو ذاك..

غريب حمص ، يقول لنا كفى..لقد نجا ليقول لنا كفا..

نجا ليقول لنا أن حسن الظن صار سذاجة.ليقول لنا أنه قبل ثوان من المجزرة كان لا يزال يحسن الظن بهم.ويعتقد إن الأمر سينتهي عند مجرد التصوير..

غريب حمص ، تمرد على التاريخ الذي أوصلنا لهذه النقطة..يقول لنا أن هذا لم يعد يجدي..

وأنه لا بد لنا أن نكف عن كل ما أوصلنا لهذا…

***************************

بين أكوام الجثامين المحروقة ، كان هناك ثلاث أو أربع صبية لم يتجاوزوا الثلاثة عشر..، ربما لم يبلغوا سن الحلم بعد ، وربما كانت لهم أحلامهم ، ربما كانت أمهاتهم تحلم لهم بمستقبل ما ، بان يكونوا السند ، بأن يلموا “شيبتهن”..لكن جاء ذلك اليوم ، وجاء الحقد التاريخي مدججا بأسلحته ، ليقتل الحلم ، حتة قبل أن يبلغ الولد سن الحلم…

وكان هناك ثلاثة من “أبناء حما” أب عبدو..أحدهم عنده طفلين وزوجته حامل..والآخران لم يتزوجا بعد…

وكان هناك ثلاث أو أربع “ختايرة” تجاوزوا الستين…لم يتخيل احدهم أنه سيموت هكذا ..

وكان هناك أشخاص مجهولون لم يعرفهم اب عبدو..ولكن يعرفهم رب أب عبدو..قضوا واحترقت جثامينهم…وربما سيبقى أهلوهم ينتظرون عودتهم لفترة طويلة..ربما لسنين قادمة..، سيبقون متعلقين بأمل ما..، سيبقون يهبون عند كل دقة باب..سيكون أمامهم درب طويل ليفهموا ويستوعبوا ماذا حدث..ويصدقوا إنهم عندما أخذوهم ليتأكدوا من الكمبيوتر ، اخذوهم ليقتلوهم جميعا..

وكان هناك ، بين أكوام الجثث ، مكانا خاليا لي ..و لكم ..ولأولادكم من بعدكم ..لأولادنا من بعدنا..

كان هناك مكان مخصص لنا..فيما لو أصررنا على لعب دور الصامت ..لهذا الغرض او ذاك..

*************************************

يا غريب حمص ،أب عبدو الحمصي الأصيل،..طوبى لغربتك..طوبى لجروحك..طوبى لروحك..طوبى لنجاتك..طوبى لإرادة الحياة فيك..إرادة الحياة التي جعلتك تقول..وجعلتنا نسمع..طوبى لصوتك القوي الذي حكى لي كل ما حدث دون ان يهتز..طوبى لكل حمصي لم تزده المأساة إلا صلابة..ولم يزده القتل إلا حرصا على الموت النبيل ، او الحياة بكرامة..

أديت ما عليك..

رسالتك وصلت.

والويل لنا إن لم نعيها…

الويل.الويل.الويل...

في انتظار الحرب….

في انتظار “الحرب”…

(مقطع غير منشور من كتاب “ليلة سقوط بغداد”…)



“إذا مات والدك، ندفنه في الحديقة..”

قالت لي والدتي، بعد صمت قصير..

كنا نتدارس احتياجاتنا واستعداداتنا للحرب.. بالذات استعدادات الطوارئ، طعام الطوارئ، “كمامات” الطوارئ، وقود الطوارئ.. أدوية الطوارئ..

ووصلنا تدريجياً إلى ما كان الأمر سيقودنا إليه.. الموت..

كان والدي قد تدهورت صحته بشكل كبير في السنوات الأخيرة، بحيث إن خروجه من البيت صار أمراً غير وارد على الإطلاق، حتى ولو كان سبب الخروج الذهاب إلى الطبيب مثلاً، ناهيك عن أن يكون الخروج خروجاً حقيقياً من المكان الذي توافرت له بالتراكم وسائل الراحة التي تناسب وضعه الصحي..

وكان موضوع وفاته أمراً محتملاً منذ أكثر من عشرين سنة، أي منذ أن خضع لجراحة دماغية بنسب نجاح ضئيلة، لكن هذه الاحتمالات زادت طبعاً مع الوقت، خاصة أنه كان قد وصل إلى أواخر عقده الثامن..

قالت أمي جملتها بعد صمت قصير.. وتلى جملتها صمت أيضاً.. لكنه صمت مختلف.. كصمت القبور..لا. ليس كصمت القبور.. بل أكثر رهبة.. بالضبط أكثر رعباً.. صمت القبور هو وضعها الطبيعي.. أما صمت تلك الجملة فقد كان يشبه صمت المعتقلين واستسلامهم لحظة الاعتقال..

ها أنت تصل باستعدادك للحرب إلى تلك الجملة.. وبدلاً من أن تخطط لتجديد حشيش الحديقة، أو زراعة صف من الزهور، أو جلب فسيلة نخل  جديدة، ها أنت تقرر أنك قد تدفن والدك في الحديقة..!

بدلاً من أن تهيئ حديقة المنزل لتكون ملعباً أفضل لأولادك، ها أنت تخطط لكي تكون مقبرة تضم رفات جدهم، لأن نقله إلى المقبرة سيكون “مخاطرة كبيرة”..

لم أرد.. فقط هززت برأسي موافقاً.. بينما كنت أحاول التذكر في رأسي أين وضعت أدوات الحفر..

وكنت أفكر إن كنت سأجد من سيساعدني في ذلك.. في حالة حدوثه..

الحرب  بعيداً عن كل ما يقال في الأخبار ..تجعلنا في مواجهة احتمالات كهذه.. على الرغم من قسوتها..

*   *   *

بالنسبة إلي، أفتتح عقد الثمانينات من القرن المنصرم بسقوط والدي مشلولاً.. وكنت تقريباً في العاشرة من العمر..

عُدَّ ذلك وقتها نكبة عائلية كبيرة، خاصة لوالدتي، التي امتحنت في إدارة الأمر كله، بين تمريض والدي الذي لم يشف قط، وبين الإشراف على الأسرة التي كانت تضم أعماراً صعبة.. لم يكن والدي قد “شل” بمعنى الحركة بالضبط، وإن كانت حركته قد أعيقت نسبياً، لكن الضرر البالغ كان قد لحق بقدرته على النطق، وهو أمر كان بلا شك أصعب وأشد وطأة على رجل مثل والدي، العضو الدائم في المجالس والمنتديات والندوات الثقافية، وكان الكلام بالنسبة له يعني أكثر من مجرد الكلام، كما أن الضرر لم يقتصر على القدرة اللسانية على النطق، أي على التعبير بالصوت، بل على القدرة على التعبير نفسها، ولهذا فإن والدي الذي كانت له مؤلفات مطبوعة مهمة وأخرى كانت قيد الطباعة وأخرى قيد الكتابة( والذي كان بالمناسبة يتميز بأسلوب سلس وممتع دون أن يسقط في الاسترسال الذي أنا  فريسة مزمنة له!) لم يفقد القدرة على النطق فحسب، بل على الكتابة أيضاً.. وهذا أمر جعله عملياً “رهين المحبسين” .. أو حتى المحابس الثلاثة..

وتجاوز الأمر ذلك كله، مع نوبات الصرع التي صارت تأتيه، نتيجة للتداخل الجراحي الذي أنقذ حياته، وهي نوبات كانت من الحدة أو الخطورة بحيث إنها قيدت حركته المحددة أصلاً، ذلك أن النوبة كانت تأتيه بلا مقدمات، وكانت تطرحه أرضاً، وكثيراً ما كانت تكسر نظارتيه في عينيه، وفي مرة في السنين الأخيرة، تسببت واحدة من النوبات في كسر حوضه..

كان ذلك كله كثير جداً عليه بالدرجة الأولى، وعلى الجميع أيضاً. باختصار عندما تكون في العاشرة، وترى والدك مصروعاً على الأرض، وقد كان قبلها بأشهر فقط شخصاً موفور الصحة بوظيفة مرموقة، فإن عليك أن تجاهد، أن تصارع، مع نفسك، لتنجو من أثر ذلك على نفسك..هذا إن نجوت أصلاً!

*   *   *

بعيداً عن الألم الشخصي للتجربة بأسرها، صرت الآن أفهم مرض والدي بدلالاته الرمزية..

ما كان يمكن لمرض ما أن يعبر عما جرى للمثقفين، بالذات للتيار الذي انتمى له والدي، كما عبَّر عنه المرض الذي أفقده النطق..

كان والدي ابناً مخلصاً للطبقة الوسطى التي أنتجته، وكان والده – الذي كان رئيساً لأركان الجيش العراقي في فترة ما – من أولئك الذين فهموا الوظيفة على أنها تكليف حقيقي، فكان يعيش في المعسكر – وليس في قصر ما – وكان على جميع أولاده وبناته أن ينهضوا مع بوق الصباح كل فجر، كما ينهض الجنود.. ورافقهم ذلك طيلة حياتهم، كما رافقهم الانضباط والجدية..

انتمى والدي لاحقاً إلى تيار سياسي استقطب مثقفي جيله من أبناء الطبقة الوسطى، تيار صريح العلمانية دون أن ينجر إلى الهجوم على الدين، اشتراكي الميول دون أن ينجر إلى  الشيوعية..

كان ببساطة تيار المثقفين “البورجوازيين”، إن شئتم.. ولست بصدد الدفاع عن حزب سياسي انقرض تماماً اليوم، ولا عن البورجوازية وقيمها، لكني أحب أن أشيد هنا بشيء ربما لا يرتبط بالحزب أو بالتيار، بل بالخلفية العامة التي أمكن لهذا التيار أن ينشأ وينمو فيها، وأقصد تلك الخلفية “المدنية” بطبعها، التي جعلت من والدي ومن سواه قادرين على الانتماء إلى فكر معين، لكن دون أن يجعلهم انتماؤهم هذا “يقطع” علاقتهم بالآخرين.. دون أن يجعل التعايش مع الأفكار الأخرى عملية مرفوضة..

كان التعايش صفة “مدنية” بالتأكيد، فالمدن الكبرى وعبر التاريخ تقوم على التعايش، تصبغ سكانها، أو بالأحرى أولئك الذين يتجذرون في تربة المدينة، بصفة التعايش والقبول للآخر، حتى لو كان هذا الآخر يملك عقيدة مخالفة ومناقضة تماماً لما تؤمن به..

المدن تحتضن الجميع، والجميع يتسرب فيهم ذلك بالتدريج..

كان هذا التيار مدنياً بالتعريف، لذلك كانت معارضته السياسية معارضة تنتمي لثقافة المدنية، مقالات في الصحف، اجتماعات، اعتصامات، إضرابات، خطب.. إلخ.

لم يكن من “المفكَّر فيه” أن يقوم هذا التيار بانقلاب عسكري لإقصاء أعدائه، واحتكار السلطة.. لا لعجز عن امتلاك الأدوات، ولكن لأن ذلك سيكون خارج “السياق” المدني.. الذي أنتج التيار أصلاً..

أما التيارات الأخرى التي ازدهرت في “غير المدن”، أو مدن صغيرة لا تمتلك صفة التعايش لأنها لا تملك غير نوع واحد من السكان، ينتمون غالباً لعشيرة واحدة أو طائفة واحدة.. وبالكاد رأوا الآخر وتعرَّفوا عليه لكي يتجاوزوا التعارف إلى التعايش.. التيارات الأخرى، التي وجدت في الريف، وفي وارد الريف، تربتها الخصبة ما كان يمكن لها إلا أن تنحو المنحى الذي اتخذته لاحقاً..

ما كان يمكن لتلك التيارات إلا أن تفعل ما فعلته الدبابة، الإذاعة، البيان رقم واحد.. وربما المشانق..

*   *   *

من أمثلة التعايش التي لا يمكنني شخصياً أن أتجاوزها أن والدي أعد في العهد الجمهوري الأول محضر دفاع عن مناضلة  معروفة كانت تحاكم في محكمة” الشعب” التي كانت تبث على الهواء مباشرة آنذاك، وكانت المتهمة المنتمية لحزب معروف وأخوها أيضاً يحاكمان بتهمة التأمر على السلطة، وهي تهمة لا أشك أنها صحيحة، بفارق أن السلطة كانت تتأمر عليهما أيضاً، و أن الدبابة التي جاءت عبرها السلطة لا تمنح  شرعية لأحد..

كانت “يسرى” – وهذا هو اسمها – تمتلك من الصلابة وقوة الشخصية ما يجعلها تقف أمام المحكمة دون الحاجة إلى محامٍ، ولكنها كانت تحتاج إلى شخص يرتب لها دفاعها بشكل قانوني.. مدعماً بالمواد والقوانين والأرقام.. إلخ..

لم يكن والدي ينتمي إلى ذات الحزب.. وكانت له “رأي” يستصغر هذا الحزب منذ البداية المبكرة، لكن ذلك لم يمنعه من “إعداد” دفاع “يسرى” ..

لم يقل: “إلى جهنم..”، لم يقل: “بأسهم بينهم شديد”، باعتبار أنه لم يكن مع السلطة ولا معهم.. على السطح ستبدو تلك مجرد شهامة، مجرد “حقوقي” شهم أسدى خدمة لأمرأة في حاجة إلى مساعدة، لكن الأمر أعمق من ذلك، إنها القدرة على التعايش مع مختلف الاختلافات الفكرية دون النزوع إلى القطيعة، كان ذلك واضحاً جداً، في حضوره منتديات يحضرها الجميع، وفي علاقات مميزة جمعته بالجميع..

لم يكن التيار الديني ظاهراً في تلك الفترة بطبيعة الحال، لكني أقول عن تجربة: أنه على الرغم من علمنته الصريحة، وعلى الرغم من “بعده” عن التيار الديني، إلا أنه كان يمكن أن “يتعايش”..

بعد كل شيء، كان هو الذي ابتاع تذكرة فلم الرسالة، الذي كان نقطة التحول في حياتي.. وكل الكتب الدينية التي كنت قرأتها مبكراً، قبل أن يسقطه المرض، كان قد ابتاعها، عملياً، هو دون أن يحاول منعي، ودون أن يكون قد حصل كبير تحول في موقفه الشخصي..

لم يكن ذلك عدم اكتراث، أو لا مبالاة، بل كان تلك القدرة المدنية الأصيلة على التعايش..

وهي قدرة فقدتها المدينة، وفقدها المجتمع بالتدريج.. وهو الأمر الذي جعل من والدي ومن أمثاله يفقدون موقعهم بالتدريج.. يصابون بالشلل..

معنوياً، كما أصيبت الطبقة كلها..

وحرفياً، كما أصاب والدي..

*   *   *

تؤرخ يوميات والدي لكل تلك التحولات التي أصابت تلك الطبقة، عبر تغير أسلوبه في الكتابة عن السلطة..

كان والدي قد انكب بدأب على كتابة يومياته، منذ أواخر الأربعينات من القرن الماضي، وكان وقتها لا يزال طالباً في الكلية، ويومياته لتلك الفترة تكشفه لاعباً محترفاً لكرة القدم، بل وحكماً فيها، على العكس من ابنه الذي كان دوماً “خيبة” كبيرة في هذه الأمور، كان والدي يكتب عن السلطة في العهد الملكي كما يشاء في يومياته، كان في الحقيقة يكتب ما يشاء على صفحات الجرائد، لذلك ومن باب أولى كان يكتب ما يشاء في يومياته..

مع العهد الجمهوري الأول لا يمكن أن تلاحظ تغييراً ما في اليوميات، كان لا يزال يكتب كما يشاء، دون خوف من رجل أمن سيأتي ليبحث في أوراقه، لكن التغير الذي حدث أنه لم يعد يكتب كما يشاء في الصحف، بل صار يكتب بأسماء مستعارة.. تارة باسم مستعار ثابت، وتارة بأسماء مستعارة عابرة.. وكان ذلك له دلالة لا تخفى..

في العهد الجمهوري الثاني استمرت يومياته كما هي، لكنه انقطع تماماً عن الكتابة للصحف، على الأقل لم تعد كتاباته تتناول الشأن العام، بل تتناول التاريخ القريب، باعتباره “ميت ودفناه”، وباعتبار أن العهد الجمهوري قد طوى تلك الصفحة إلى الأبد، ولم يعد هناك كبير مشكلة في الخوض في هذا التاريخ، طالما لم تمس الواقع المعاصر..على الأقل هكذا راهن والدي على قلة وعي العسكر الذي تسلموا السلطة ..

ولكن يومياته بما احتوت من “حديث المجالس” وأحياناً نكات عن السلطة ورموزها عدا عن الشائعات المتداولة، يومياته تلك، لم تكن تعكس خوفه المباشر من “زائر فجر” يصادر أوراقه..

مع العهد الجمهوري الثالث، بالذات في السبعينات، تغير كل ذلك، وصارت هناك أسماء مشفرة ترمز لهذا الشخص وذاك، على قمة السلطة وأجهزتها الأمنية، وكانت هناك أيضاً أشياء كتبها، ثم ارتأى أنها أخطر مما يجب، فحذفها بالحبر الغامق حتى أصبح لم يعد ممكنا  قراءتها..وكانت هناك ثغرات واضحة فيما كتب، كما لو أنه يبدأ موضوعاً، ثم يقرر أن زائر الفجر – الذي أصبح متوقعاً أكثر من أي وقت مضى – لن يعجبه هذا.. كثرت الصفحات البيضاء.. كما لو أنه أصبح أقل فأقل إيمانا بجدوى الكتابة.. حتى ولو كانت فقط من أجل التنفيس أو الأرشفة..

كان من الواضح أن الوضع قد سرق منه صوته.. سرق منه قدرته على النطق والكتابة، قبل أن يقعده المرض عنهما..

كان الشلل الذي أصابه استعارة فسلجية للشلل الذي أصاب ذلك التيار المثقف، الذي كان انتماؤه المدني أقوى وأهم صفاته.

*   *   *

وفي حيثيات المرض وأسبابه غير المباشرة تفاصيل أكثر ذات دلالة..

كان والدي، كما هو واضح من يومياته، لا يكترث في اعتراضاته القانونية على ما كان بدأ يصدر من قرارات “مجلس قيادة الثورة”، كان والدي ينتمي لجيل نشأ في ظل ظروف، كانت الانتقادات يمكنها أن تسقط وزارة.. لذلك، كان وهو يحسب أنه يمارس واجبه، ينتقد الثغرات التي كانت تتكشف هنا وهناك، من قوانين كان يصدرها مجلس لا علاقة له، ولو من بعيد، بالقضاء.. كان أكثر من هذا يصحح “الأخطاء اللغوية” التي كانت ترشح من تلك القرارات، التي لم يكن مقرروها يمتلكون علاقة باللغة العربية، إلا بقدر ما يمتلكون علاقة بشعارات القومية التي ادّعوها..

وكان ذلك كله، مع أسباب شخصية أخرى، يغيظ “الوزير” – المزمن كعادة وزراء تلك الحقبة – ولأن غيظ الوزراء لا يشبه غيظ الناس العاديين من أولئك الذين يبتلعون غيظهم ويكتفون بمحاولة إثارة غيظ من أغاظهم.. فقد عمد إلى نقل والدي من ديوان الوزارة إلى محافظة أخرى، وفي محكمة “جنائية” تعد عادة أقل درجة من كل المراكز التي تبوأها في مسيرته المهنية..

لم يكن الأمر فقط اضطراره اليومي إلى الذهاب إلى مركز تلك المحافظة، حيث يبدأ صغار القضاة حياتهم المهنية عادة، ولم يكن الأمر مرتبطاً بالإهانة المباشرة التي لحقت به جراء عملية النقل، ولكن تراكب ذلك مع أول حكم إعدام كان عليه أن يوقعه في حياته المهنية..

ظل يؤجل ذلك.. مرة تلو أخرى.. لا أعرف حقاً إن كان يشك في صواب القرار، أو في استحقاق المتهم له.. أو في شكه في واحدة من الأدلة التي أدت إلى القرار..

كل ذلك، بكل ثقله العام والخاص، شكل تلك الجلطة.. التي لم تكن مجرد نزيفاً دموياً في دماغ والدي..

كانت صراعاً ثقافياً، بالأحرى سياقاً لثقافة قوامها القمع والإقصاء والانتقام، سيطرت على المدينة وجاءت من خارجها، وأبعدت ثقافة المدينة الأصلية.. هجرتها.. وجعلتها تبدو كما لو أنها ثقافة عهد بائد..

واتخذ ذلك كله، شكل تلك الجلطة الدماغية.. التي غيرت حياتنا إلى الأبد..

*   *   *

يمكن طبعاً أن تنصب هنا “مناحة” الاضطهاد التي تعرضت لها عائلتي على أيدي أزلام النظام السابق.. فذلك هو هاجس الجميع  على ما يبدو، حتى أولئك الذين استفادوا وأثروا من النظام في فترة من الفترات..

كان يمكن أن أبرهن خلال هذا السياق على أن طائفة والدي اضطهدت أيضاً في العهد السابق، كما صار هذا ديدن الجميع.. في ذلك التراشق الطائفي المحموم الذي صار ميزة من ميزات عهد ما بعد الاحتلال..

صرت أسمع بعض مناحات الاضطهاد من أشخاص عرفت مدى استفادتهم بالإيفادات إلى خارج القطر، بقطع الأراضي، وأمور حصلوا عليها عبر انتمائهم “للحزب” ..”مع مؤهلات كمؤهلاتي كان يجب أن أصير وزيراً.. لكني ” شيعي “،  ولذلك لم أنل الوزارة” ، الآخر تواضع في قوله واستبدل الوزارة بالسفارة، وقال: إنه كان يمكن أن يصبح سفيراً لولا أنه “شيعي .. ” !!..

وهكذا، صار عدم الحصول على منصب الوزير اضطهاداً في الرؤية الطائفية الضيقة التي تفسر كل الأمور حسب هذا المنظار..

مع والدي، ومع ما تعرض له، كان الأمر أبعد بكثير من الطائفة، كان الأمر أكبر بكثير من ذلك، كانت قيم المدينة في صراعها اليائس ضد قيم “غير المدينة”..

كان الوزير، إن كان الأمر يهم، من طائفة والدي نفسها، وهو أمر لم يؤثر في حسن تعامله معه، كما أن حرم “الوزير” كانت ترتبط بقرابة بعيدة مع والدي.. وكان لوالدي أصدقاء مقربين جداً في الوزارة، ينتمون إلى الطائفة الأخرى، واستمروا بالترقي في المناصب، ولم يمنعهم انتماءهم الطائفي من ذلك.. كل ما في الأمر أنهم كانوا أكثر مرونة مع الثقافة الوافدة..

ولا يمكن لوم واحد منهم أنه لم يصب بجلطة دماغية!..

*   *   *

قالت لي والدتي إذن، في ذلك المساء الشتوي، ونحن نناقش استعداداتنا للحرب: إننا سندفن والدي في الحديقة، فيما لو مات في أثناء الحرب..

كان ذلك مرة أخرى رمزاً معبراً عما آل إليه كل ما كان يمثله والدي.. أن يموت في الحرب، ويدفن خلسة، بالحد الأدنى من المراسيم..

على الأقل، كان ذلك احتمالاً وارداً..

لكنه لم يحدث..

*   *   *

لم يمت والدي خلال الحرب.. بل بعدها ببضعة أشهر فقط.. كما لو أنه كان عليه وعلى كل ما انتمى إليه أن يشاهد بأم عينيه السقوط بتفاصيله..

كما لو أنه كان عليه أن يشهد سقوط “المدينة”، بعدما عانى، ودفع ثمناً باهظاً لهزيمة “المدنية”..

كان بث سقوط بغداد قد استغرق بالبث المباشر بضعة ساعات لا أكثر..

أما حكاية السقوط الحقيقية فقد استغرقت حياة كاملة بالمعاناة المباشرة.

السيرة الذاتية لجرح غير ملتئم

السيرة الذاتية لجرح غير ملتئم

د.أحمد خيري العمري


بعض الجروح ، الزمن يتكفل بها..

وبعضها لا..

يبقى ينزف..ينز قيحا وصديدا..

بعض الجروح ، تكون بطبيعتها غير قابلة للالتئام ..

يمكنك أن تخدر نفسك عنها.لكن الخدر ليس علاجا قط. يمكنك أن تتجاهلها.لكن الإنكار لن يحلها قط..

يمكنك أن تكتب عنها في الفيس بوك..وذلك أضعف الإيمان !

******************

في مثل هذا اليوم ، 24/2 ، قبل ست سنوات بالضبط ، اتخذت قرارا أحاول كثيرا أن أسامح نفسي على اتخاذه..قررت أن أغادر العراق…

..بقيت أقنع نفسي بقراري لبضعة أشهر ، ستة بالضبط ..قبل أن أغادر..

واليوم ، ولأن جرح المغادرة بلغ عمره ست سنوات ، وصار على وشك تعلم الأبجدية..فأني أكشفه على الملأ ..ربما كوسيلة للتطهر ، أو محاولة لست واثقا من نجاحها في التصالح مع الذكرى..أو ربما لأن من غادرت من أجلهم سيأتي يوم ويلومونني على مغادرتي..وأريد أن أسجل موقفا قبل أن يأتي ذلك اليوم..الذي أخشاه لو حصل ، وأخشى أكثر من أن لا يحصل !…

في مثل هذا اليوم ، وكان يوم جمعة أيضا ، قبل ست سنوات..تحديدا بين العصر والمغرب..قررت أنني سأغادر العراق..

سأكتشف لاحقا ، وبالتقسيط غير المريح ، أنه ليس أصعب من قرار الرحيل..

إلا قرار العودة..

من حملتهم ذات يوم دون أن يعوا تماما مالذي يدور، وكنت تقول لنفسك أنك إنما تريد حمايتهم ، صاروا “شركاء” في القرار..

..وهذا كله يجعل قرار العودة أصعب..

رغم كل ما كابدته يوم قررت الرحيل..

***********************************

قبل ذلك بيومين..في 22/2/2006 ..في الساعة الثامنة صباحا تقريبا ، حدثت عملية تفجير المرقدين في سامراء …الاتهامات الجاهزة دوما صوبت كالعادة إلى القاعدة، والتي عادة كانت تحاول  “التفجير” أثناء الاكتظاظ لقتل أكبر عدد ممكن..لكن هذا التفجير كان” نظيفا ” تماما ..لم يقتل فيه شخص واحد، حراس المرقد تم تقييدهم فقط ، والشرطة كانت قد انسحبت قبلها في توقيت مشبوه..

تم تفجير المكان عبر زرع دقيق لمتفجرات في أركان المكان، بدلا من العمليات الانتحارية المعتادة..

حوالي الساعة العاشرة أذيع الخبر..

عند الساعة الواحدة تقريبا ، بدأت عمليات الانتقام ،..اقتيد أناس كانوا قد توجهوا لصلاة الظهر ، اعتقلوا وقيدوا ووجدت جثثهم لاحقا وقد كتب عليها “يا لثارات..” في إشارة لجريمة قتل أخرى من الصعب جدا أن يكون هؤلاء قد تورطوا فيها لأنها حدثت قبل حوالي 1400 سنة..

هوجمت محال تجارية معروفة ومعامل لأشخاص يحتمل أنهم تورطوا بنفس الجريمة-!- ، ونهبت وأحرقت ،..وأخذ أصحابها وموظفوهم ..بعضهم عثر عليه خلال الأيام التالية جثة مجهولة ومقيدة اليدين..

وبعضهم لم يعثر عليه حتى اليوم..

هوجمت مساجد وأحرقت بعد أن نهبت محتوياتها وأعتقل من فيها ليلاقوا نفس المصير…

في الساعة الثالثة مساء، لم أكن قد استوعبت تماما حجم ما يحدث، لم يكن المعتقلين قد ظهروا كجثث مجهولة بعد..قررت أن أذهب للعيادة لأن لدي مواعيد (كم أنظر إلى ذلك الساذج الذي كنته باستغراب اليوم ..) وأخذت معي ابني زين العابدين لأقلع له ضرسا لبنيا كان يقاوم السقوط الطبيعي..

في الطريق بدأت أدركت أن الأمر أكبر مما بدا لي..وبدا أن أجهزة الأمن والشرطة الحكومية منهمكة بشيء ما ، لم أعتقد قط أنه حمايتنا..فكرت في العودة، لكن ذلك كان صعبا جدا ، إذ كنت قد اجتزت حواجز لا أريد العودة لها من نفس الطريق..

كنت لا أزال في الطريق إلى عيادتي في المنصور عندما سمعت جملة في المذياع لا يمكن أن أنساها قط..

كانت واحدة من الإذاعات الخاصة ، دجلة أو سومر ، قد فتحت الاتصالات المباشرة للمواطنين للتعبير عن استنكارهم وتأكيدهم للوحدة الوطنية ، كما هو معتاد.

اتصل أحد المواطنين وقال أنه يبلغ مستشار الأمن القومي موفق الربيعي بعدم ضرورة فتح تحقيق في الموضوع لأنه يعرف أسماء المجرمين ويمكن أن يبلغه بها فورا.

سأله المذيع فورا، وربما تصور أن برنامجه سيحقق سبقا صحفيا على الهواء مباشرة..

قال الرجل: أبو بكر وعمر هم من نفذ الجريمة !..

حاول المذيع أن يلم الموضوع بأي كلام.

كانت تلك هي المرة الأولى التي أسمع فيها كلاما صريحا ، علنيا ، مثل هذا عبر وسائل الإعلام..

أدركت إننا قد مررنا بمنعطف لن يعود شيء فيه كما كان..

كنت فقط أريد أن أصل العيادة لأقلع ضرس ابني..

******************

في المنصور كانت الشوارع خاوية تقريبا، والمحلات تغلق أبوابها، قلعت الضرس سريعا ، وعدت أدراجي إلى البيت..

في اليومين التاليين، حصلت مجازر كانت تحدث فعلا طيلة الأشهر الماضية بنسب أقل، لكن كميتها تضاعفت وتركزت وصارت أوضح في هويتها..

هوجم أشخاص يعرف الجميع عدم تورطهم بأي شيء..أعرف شخصا مسنا اقتادته الغربان السود من منزله،…. وقطعته بالساطور..

قتل المئات ممن كانوا قد غيروا مذهبهم قبل عشر سنوات وأكثر..قتلوا فجأة كما لو أن أسماءهم كانت جاهزة ومعدة للقتل منذ سنوات..وهاهي الفرصة تأتي..

ثلاث أيام ، من الأربعاء إلى الجمعة ..استمرت المجزرة في أعلى وتيرة لها وسط صمت دولي..حتى دون التنديد الذي يحصل تجاه مجازر تحدث اليوم..(كانت إحدى داعيات اللا عنف في سوريا، تشيد في هذه الأثناء في دروسها بما تفعله ميليشيات الغربان السود التابعة لرجل دين معين، فقط لأنها صدقت ما يدعيه “علنا” من حرص على احتواء العنف ، ولأنه ينتمي ضمنا للثورة الإيرانية-السلمية-!- التي طالما تغزلت فيها تلك الداعية..).

لم يكن مستغربا أن لا تعلن الحكومة منع تجول أو أي شيء من هذا القبيل..بل حتى لو أعلنت ، سياراتها ستكون في حصانة من أي مساءلة..وستستمر في ارتكاب المجازر كالمعتاد..

الجمعة ، عند الظهر..

أعلن منع التجول..وتأملنا أن يخف القتل الممنهج قليلا..

ثم جاء اتصال من فاعل خير، أبلغ والدتي بضرورة أن أهرب من البيت..”لأنهم سيعتقلون جميع الشباب..”..

أن تهرب في منع التجول !..وأنت تعودت أن تحترم القانون..كما لو أنك تمنحهم ذريعة لاعتقالك..

بدا لي الأمر مستبعدا..

فكرت والدتي أن أختبئ عند جيراننا المسيحيين (لم يكن دورهم قد بدأ في التصفية)..كنت واثقا من عدم ممانعتهم..لكني لم أشأ توريطهم في شيء..

قررت ببساطة أن لا أفعل شيء.كنت سأعتقل فقط لأني انتمي إلى هذه الطائفة أو لأن لقبي يحمل اسم أحد المتهمين الرئيسيين (أبو بكر وعمر) في التفجير !..دون أن أفعل شيئا محددا..

ذهبت إلى الشرفة المطلة على الشارع مراقبا ما يدور…

كنت باختصار انتظر مجيئهم.

كنت اعرف مالذي يعنيه الاعتقال في هذه الظروف.ولم يكن هناك خيار..(كنت سعيدا وقتها لأني أنجزت الفردوس وكان على وشك الصدور، ولم يكن لدي كتاب غير مكتمل! )..

أثناء الانتظار ، جاء زين ، وأخذ هاتفي الجوال ، وعبث بأزراره قليلا..تصورت أنه يريد لعبة  من ألعاب الجوال..ثم مضى..

مضى الوقت.لم تأت الغربان لبيتنا.واتضح أن الاتصال كان يقصد تحذير شخص معين من شباب المنطقة، لكن فضل”فاعل الخير” تحذير الجميع لأسباب تخص مصدر المعلومة..هرب الشاب المقصود فعلا ونجا من الاعتقال يومها..

لكن ما حدث يومها ، بين العصر والمغرب، وأنا أنتظر مجيئهم على الشرفة، هو ما جعلني أقرر ذلك القرار الصعب..

عندما جاء زين واخذ جوالي ، لم يكن يلعب ..

بل كان يخطط لما سيفعله ، فيما لو قتلت أنا وأمه..وبقي هو وشقيقتيه …

**************

كان زين قد أتم التاسعة قبل أسبوع واحد فقط. وكان يعي تماما ما يدور.كان يعرف يقينا أن الاعتقال يعني الموت المحقق.سبق لي أن اعتقلت في فترة سابقة.لكننا كنا نعيش في مرحلة أخرى.كان زين يعي أن لقبه أو اسم والدته كفيلان بجعله يتيما.وأن اسمه الشخصي قد يؤدي إلى قتله من الجهة الأخرى في العبث الطائفي المتبادل (وأشدد هنا على أن الضحايا في الحالتين كانوا متشابهين، أما المجرمين فلا…)..

قال زين العابدين لأمه، فيما نقلته لي  لاحقا : أنه يفضل أن نموت جميعا على أن يموت واحد منا فقط..

ثم خطر له ذلك الخاطر الفظيع ، انه قد يبقى حيا ،ويقتل الجميع..!..

أو نقتل نحن ويبقى هو مسئولا عن شقيقتيه ( آمنة 7 سنوات ، أروى سنتان آنذاك )..

سأل أمه : ماذا أفعل ؟؟؟

قالت له : تتصل بجدتك (والدتها..)

قال لها فورا : هل لديك رصيد يكفي ؟ أم أن رصيد بابا أكثر؟(يقصد رصيد المكالمات الهاتفية)

عندما جاء ليعبث جوالي كان يريد معرفة رصيدي.كان يعد الترتيبات اللازمة لما بعد مقتلي وأمه…أبلغ والدته أن الرصيد يكفي ولكنه سيقوم أولا بعمل مكالمات فائتة من باب الاحتياط..

وكان في التاسعة فقط..

*******************

يومها أخذت ذلك القرار الذي لم أتمكن قط من التصالح مع نفسي تماما بسببه. قدرت أن الأذى الناتج عن المرور بهذه التجارب سيكون دائميا.وكنت أنانيا ككل الآباء.لم أكن أريد لرأس أبني أن يتعرض لذلك..

كنت أنانيا لنفسي أيضا ، فكرت أني ربما أستحق فرصة أكثر للعيش..المزيد من الوقت للإنجاز..

(كان برايان صديقي الأمريكي يقول لي : عندما يأتون لقتلك ، اخبرهم إنك لم تنجز بعد كتابة خطتك لإصلاح العالم ، وأن عليهم أن يأتوا لاحقا..

فكرة جيدة.لكن غالبا لم يكن هناك وقت للحديث..ربما للتشهد فقط، إن كنت محظوظا..)..

لا أريد أن أبرر.هذا ما حدث بقبحه وسموه ..لم يكن هناك قضية.كنا قد صمدنا أمام الاحتلال لثلاث سنوات وتعاملنا بما يجب وكنا ندرك تماما أننا قد ندفع عواقب ذلك دون ندم..

لكن هذا محض عبث طائفي.أن تقتل لأن أسمك عمر أو اسم زوجتك عائشة أو يكون اسمك حسين..ذلك كان خارج أي منطق..وكنت شخصيا عاجزا عن التعامل بمنطق مماثل مضاد..

**************

يبلغ الجرح اليوم عامه السادس…

لم يندمل قط.لكني أخفيته تحت قناع التجلد والمكابرة الاجتماعية…يكفي أقل من القليل لكي يظهر بقيحه وصديده..وعلى نحو غير مناسب اجتماعيا بالمرة.

أعرف أن هذا النوع من الجروح لا تملك فرصة الالتئام.ربما على التليف فقط.يتليف الجرح ولكن لا يلتئم.وتتعود عليه أكثر..

***************

أمس على الجزيرة..كانت هناك أكوام من الجثث المجهولة مقيدة اليدين ، هذه المرة في سوريا ، الفاعل في الحالتين يمتلك صلة لم يحاول يوما إخفاءها..

نبشت الصور جروحي غير المندملة.دوافع الجريمة سياسية لكنهم يظهرونها بمظهر طائفي بالضبط كما حدث في العراق..

رغم كل ذلك.يمتلك السوريون فرصة أفضل.يمتلكون القضية التي كانت منطلقهم أساسا..لا أتمنى لأحد-بغض النظر عن طائفته- أن يمر بخياري الصعب ..لكنني أرى أن للسوريين فرصا أفضل…يمكنهم أن لا يقوموا بدور الضحية.يمكنهم أن لا ينتظروا دورهم في القتل على الشرفة كما فعلت ذات يوم…وأنهم بهذا قد يتمكنون من الإجهاز على من تسبب بذلك في العراق وسوريا..أو إضعافه على الأقل..

***********

تلك الجثة مجهولة الهوية مقيدة اليدين، على الجزيرة أمس..هربت ذات يوم كي لا أكونها..

..اكتشفت لاحقا ، فخ الهروب..أنك تهرب من  مصير الجثة المجهولة ، لكنك تغزل ببطء مصيرا آخرا يختلف فقط في التفاصيل..

ستموت غريبا في بلاد غريبة..سيصلي عليك ويدفنك غرباء لم يشاركوك طفولتك وسراءك وضراءك..لم يكبروا معك..لم يعرفوك حقا في سموك وسقوطك..لم يعرفوا أصلك وفصلك.لم يكونوا جيران عمرك.. لم تشاركهم جنائزهم وأفراحهم..لا تستطيع أن تعدد أسماء إخوانهم وأولاد عمومتهم وأصهارهم..سيكونون على الأغلب غرباء مثلك..

غرباء في بلاد غريبة..

لا شيء يمكنه أن يغير ذلك…وهذا يجعلك ، مقيد اليدين بطريقة أو بأخرى..

بالضبط مثل المصير الذي هربت يوما ما منه..

القرآن من أجل الانبعاث بالأمة..القرآن من أجل ما أنزل من أجله