سُـنَّة العراق وتحديَّاتٌ لا مفرَّ من مواجهتها -1- سُنَّة العراق ولحظة الحقيقة

سُـنَّة العراق وتحديَّاتٌ لا مفرَّ من مواجهتها -1-

سُنَّة العراق ولحظة الحقيقة

محمد عبد الله الجبوري


حتى عام 2003 م، لم يشعر سُـنَّة العراق أنَّهم أقليَّة، ولم يشعروا كذلك بحاجتهم إلى تأكيد هويَّتهم ناهيك عن البحث عنها.

لكنَّ عالم ما بعد احتلال العراق شهد تغييراتٍ إقليميَّةً كبرى جعلت من سُـنَّة العراق في مهبِّ رياح التغيير.. وصار لا مفرَّ من التعامل مع المتغيِّرات بعقلٍ مختلفٍ ورؤيَّةٍ مختلفةٍ.

رياح التغيير هذه شهدت أولاً وللمرة الأولى في تاريخ العراق الحديث طرحاً طائفيَّاً صريحاً لم يكن من الممكن التصريح به من أيِّ جانبٍ قبلها، وشهدت تقسيم الشعب العراقي على أساسٍ طائفيٍّ وعرقيٍّ في آنٍ واحدٍ، وهو تصنيفٌ بدا كما لو أنه يستهدف تقليل نسبة السُـنَّة بتقسيمهم إلى أكراد وعربٍ.. علماً أنَّ الأكراد (وهم سُـنَّة في غالبيَّتهم العظمى) كان لهم فعلاً قضيةٌ مختلفةٌ منذ البداية.. وهم لا يبدون مستائين من عزلهم عن السُـنَّة العرب على الأقل في هذه المرحلة.. لأسبابٍ معلومةٍ تماماً..

وكان من حتميَّات هذا الطرح (الذي شجَّعه الأمريكان منذ البداية) أن تنشأ المحاصصة التي يشتمها الجميع، ولكنَّهم يستغلونها أيضاً، وبلغت المحاصصة حدوداً هزليَّة (مثل الحرص على أن تكون الفرق الرياضيَّة ممثلةً لجميع مكوِّنات الشعب العراقي بحسب النسب السكَّانية!! الخ)…

وشهدت التغييرات أيضاً بروز ومن ثمَّ خفوت المقاومة العراقيَّة المسلَّحة التي اختلط فيها الحابل بالنابل والخبيث بالطيب (كما يحدث دوماً وفي كلِّ حركات التحرر على الإطلاق ) والتي وجدت نفسها أمام عدوَّين: عدوٍّ محتلٍّ واضحٍ، وعدوٍّ هو “ابن البلد” شئنا أم أبينا، وبينما لا مفرَّ من الاعتراف أنَّ التفجيرات الكبرى في الأماكن المكتظَّة قد بدأتها تنظيماتٌ مرتبطةٌ بالقاعدة ، فإنه لا بدَّ من التذكير أنَّ الاغتيالات المنظَّمة التي استهدفت السُـنَّة قد سبقت هذه التفجيرات (وهو بالضبط الفرق بين العمل المنظَّم الذي تدعمه إيران، والعمل العشوائيّ الذي تمثَّل في القاعدة والذي أدّى لاحقاً إلى ظهور الصحوات).

في النهاية وجد سُـنَّة العراق أنفسهم وحيدين دون أيِّ دعمٍ دوليٍّ أو إقليميٍّ… حتى عندما فازت القائمة العراقيَّة (تحالف علاوي مع الهاشمي وشخصياتٍ سنيَّةٍ أخرى) في انتخابات 2010 والتي دعمها السُـنَّة العرب بشكلٍ واضحٍ، حتى بعد هذا الفوز، فوجئ الجميع بسرقة هذا الفوز لصالح الخاسرين بسلسلةٍ من الألاعيب القانونية وسط صمتٍ عالميٍّ مريبٍ، وهذا يعني أنَّه ليس ثمَّة أمل لسُـنَّة العراق  (وحتى للشيعة المعتدلين  غير المسيَّرين من قبل المراجع الدينيَّة) عبر أيَّة عمليَّةٍ انتخابيَّةٍ ديمقراطيَّةٍ.. بل لا بدَّ من إجراءٍ حاسمٍ وجذريٍّ مهما كان مؤلماً.

أمران لا بدَّ من تثبيتهما هنا في هذا السياق قبل مراجعة التحديَّات التي تواجه “سُنّة العراق”:

أولاً_ ليس هناك أكثريَّةٌ ساحقةٌ في العراق… هناك أكثريَّاتٌ صغيرةٌ، أو أقليَّاتٌ كبيرةٌ،  وهذا أمرٌ يعقِّد المشهد العراقي، ولكنَّه أيضا يمكن أن يشكِّل ضمانةً مستقبليَّةً في وقتٍ لاحقٍ.

العراق، مثل لبنان، يختلف عن سوريا ومصر اللتين فيهما أغلبيَّةٌ ساحقةٌ تتجاوز الـ 70% -80% لفئةٍ معينةٍ.

تعرَّضت نسبة العرب السُـنَّة إلى التقليص بسبب ماكينة الدعاية الشيعيَّة، كما تعرَّضت للتضخيم أحياناً كردِّ فعلٍ لهذا التقليص، فأوصلها الشيعة إلى 20%، وبالغ البعض في ردِّ الفعل فأوصلها إلى الـ 60% والحقيقة المترشِّحة من مجمل القراءات للنسب السكَّانية هي أنَّ نسبة السُـنَّة العرب تقارب الثلث (34%-38%)، وأنَّهم مع الأكراد(السُـنَّة غالباً) يشكِّلون أكثر من النصف، وأنَّ الشيعة رغم تفوقهم العدديِّ على السُـنَّة العرب منفردين، فإنَّ هذا التفوُّق كان ضئيلاً لم يمنحهم “الأغلبيَّة” في أيِّ انتخاباتٍ مروا بها، حتى في انتخابات 2005 م التي قاطعها السُـنَّة العرب.

ثانياً –  علينا أن نفرِّق مبدئيَّاً بين “الشيعة”، وبين “المشروع الشيعيِّ – الإيرانيِّ”. صحيحٌ أنَّه لا يمكن التمييز حالياً بينهما لأنَّه لم يثبت “إحصائيَّاً” حتى الآن وجود أيِّ نبذ مؤثِّرٍ من قبل جماهير الشيعة لهذا المشروع ، إلا أنَّنا علينا أن نذكر دوماً بإمكانية التعايش مع الشيعيِّ كشيعيٍّ، ولكن بصعوبة التعايش مع مشروعٍ يستخدم عقيدة هذا الشيعيِّ ويستغلُّها لتكون موجَّهة ضد السُنَّة مباشرةً (وهو أمرٌ يصعب على أيِّ مشروعٍ شيعيٍّ أن يتجاوزه لأسبابٍ تتعلق بطبيعة نشوء الشيعة وتشكُّل عقيدتهم).

يمكن للشيعيِّ أن يؤمن بما شاء، ممَّا تؤمن أنَّه سيدخله جهنم، ولكن يمكن لك أن تتعايش معه، وأن يكون سلوكك معه جيِّداً، كما يمكن له أن يؤمن أنَّك داخلٌ جهنم، وأن يكون سلوكه معك جيداً، أن لا يخدعك في البيع والشراء، وأن يعاملك كما يعامل الشيعي، كما يمكن لك أن تفعل الشيء ذاته، بالضبط كما تعاملنا جميعاً مع “أهل الكتاب”.. المعضلة هي في اللحظة التي تحوِّل فيها عقيدتك لتكون موجَّهةً ضدَّ هذا الطرف بدلاً من أن تكون موجَّهةً للبناء ولرقيِّ المجتمع وتكوين النموذج الجاذب الذي قد يجعل “الآخرين” يؤمنون بهذه العقيدة…

الأمر إذن ليس في صراع العقائد صراعاً نظريَّاً – فكريَّاً، بل هو في تحوُّل هذه العقائد لتكون مشروعاً على أرض الواقع…

والسُـنَّة العراقيُّون اليوم، يواجهون منفردين تقريباً مشروعاً هو جزءٌ لا يتجزَّأ من المشروع الإيرانيِّ الذي أعلن منذ البداية المبكِّرة للثورة الإيرانيَّة أنَّ تصدير الثورة أهمُّ منتجاته…

مشكلة السُـنَّة العراقيين مزدوجةٌ في هذا الأمر.. فهم لا يواجهون المشروع “الإيرانيَّ”- العابر للأقاليم- منفردين فحسب، دون دعمٍ من أيَّة جهةٍ من أيِّ نوعٍ كان، بل إنَّ المشكلة التي لا تقلُّ أهميَّةً هي في رفض نسبةٍ لا يستهان بها منهم لهذا التوصيف –الطائفيِّ- للقضية، رفضهم للتصديق أنَّ هناك من يؤيِّد هذا المشروع من العراقيين الذين لم يأتوا مع الاحتلال، رفضهم للتصديق أنَّ إيران قد انتصرت في أكثر من معركةٍ، وأنَّها تكاد تنتصر في “الحرب”.

لا يزال السُـنَّة العراقيون في جانبٍ كبيرٍ منهم يعيشون حالةً مَرَضيةً من الإنكار للحقائق الشاخصة على الأرض… لا يصدِّقون ما يحدث… بقي جزءٌ كبيرٌ منهم يردِّد لسنواتٍ أنَّ كلَّ هذه “الفئران” ستهرب إلى إيران فور خروج الأمريكان.

ولقد خرج الأمريكيُّون (على الأقلِّ قلَّت كثافة وجودهم)، ولكنَّ الفئران كان قد كبر حجمها، وصارت جرذاناً ضخمةً مفترسةً، ثم أضحت وحوشاً آكلةً للحوم البشر.. وخروج الأمريكيِّين لم يزدها إلا قوةً.. لأنَّه أعطاها المزيد من الحرية في التعاون مع إيران..

كان هناك حديثٌ دائمٌ عن جبن فئةٍ معيَّنةٍ من العراقيين، الشروگيين، وعن كونهم سيفرُّون من أول طلقةٍ…

حسناً، على فرض صحَّة هذه الفرضيَّة، فهي لم تعد صحيحةً الآن.. لقد ذاق هؤلاء القوة والسلطة والشوكة، مرَّ عقدٌ كاملٌ تقريباً منذ أن منحهم الأمريكيُّون أولاً القوة، ثم دعمتهم إيران… لقد تغيَّروا.. المثل العراقيُّ يقول: “الخير يخيِّر والشر يغيِّر”… وقد تغيَّر هؤلاء لما فيه شوكتهم، ولا بدَّ من الاعتراف أنَّ تغيُّر السُـنَّة لم يكن لصالح الشيء ذاته..

لا بدَّ من مواجهة الحقائق الآن.. بدلاً من الإنكار، بدلاً من التصوُّر أنَّ المشروع الإيرانيَّ -المدعوم من قبل أناسٍ عراقيين شئنا أم أبينا-، سيذوي وينتهي تلقائيَّاً، بدلاً من الدعاء الحارِّ أن يكون هناك “بأسٌ شديدٌ” بين هذا المشروع وبين مشروعٍ آخر، يضرب فيه الظالمون بعضُهم بعضاً، ونخرج من بينهم سالمين كالشعرة من العجين..

لن يحدث هذا.

السُّنن الكونيَّة لا تعمل هكذا.

وسُـنَّة العراق أمام  لحظة الحقيقة…

***********************************

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>