اللا قرآنيون 4: الحيل غير الشرعية لهدم الثوابت الشرعية

اللا قرآنيون 4: الحيل غير الشرعية لهدم الثوابت الشرعية

د.أحمد خيري العمري

http://www.quran4nahda.com/?p=1778

رغم إيماني أن البحث عن أدلة لإثبات حجية السنة هي من قبيل لزوم ما لا يلزم، لأنها محاولة للبرهنة على ما يستحق أن يكون برهاناً وبديهة ، إلا إني سأضطر هنا للتذكير ببعض هذه الأدلة، ومن ثم عرض حيل القرآنيين للالتفاف عليها عبر نهج معين يعيد فهم وتركيب كل شيء ليجعل هذه الحيل تبدو متماسكة مع رؤيتهم المتفلتة من كل التزام شرعي..

من هذه الأدلة مثلا قال الله تعالى: ( من يطع الرّسول فقد أطاع الله )

وقوله تعالى: ( يـا أيّها الّذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرّسول )، والآية الكريمة: (فليحذر الّذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عـذاب ألـيم) والآية الكريمة: (فلا وربك لا يؤمنون حتّى يحكمُّوك فيما شجر بينهم ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مـمّا قضيت ويسلموا تسليماً)، (فإن تنازعتم في شيء فردّوُه إلى الله والرّسول) إلخ… هذه الآيات ومثيلاتها كثير..[i]

كيف يمكن لأيٍّ كان أن يهرب من الدلالات القاطعة لهذه الآيات التي يفهمها من كان له أبسط معرفة باللغة العربية وحدٌّ أدنى من العمليات العقلية التي تعني أنه مؤهل للتكليف؟.. كيف يمكن أن يهرب القرآنيون وهم يدَّعون إنهم يكتفون بالقرآن من الآيات القرآنية التي تحيل إلى السنة؟ وهي الآيات التي يمكن من خلالها ومن خلال تكاملها مع بقية الآيات-التي يحاول القرآنيون اجتزاءها- فَهْم كيف يمكن للكتاب أن يكون كافياً وفيه تفصيل وبيان كل شيء، إذ أنه يتكامل مع الآيات التي تحيل إلى التجربة النبوية  التي تمثل التطبيق القرآني المباشر على أرض الواقع (وهذا هو الجواب الأساسي الذي يجب أن يستخدم عندما ينوح ويندب هؤلاء وهم يستخدمون هذه الآيات للتشكيك بالسنة، إذ ينبغي التذكير بالآيات التي تحيل إلى الرسول الكريم والتأكيد على عدم التناقض بين الأمرين بل تكاملهما..)

الحيل التي يستخدمها هؤلاء تتمحور حول نقطتين أساسيتين، وهما نقطتان تؤديان إلى إعادة تفسير كل شيء لينسجم مع هذه الحيل وتكون النتيجة في النهاية تركيبة تشبه حذاء الطنبوري: كلها رقع!..

يقدم هؤلاء فرضيتهم (الخاطئة) دون برهان، لكنهم يبنون عليها كل شيء فيكونون كمن افترض أن الأرض مسطحة وأنه عندما يصل إلى طرفها الأقصى فإنه سيسقط في الفراغ المروع..!

وقبل أن أسرد حيلهم الشرعية من مصادرهم أود أن أستميح القارئ عذرا في نقلي لهذه الركاكة التي لا علاج لها إلا بالنسف التام لطريقة التفكير التي أنتجتها،  كما أود أن أؤكد على جديتي التامة  في النقل إذ إن بعض ما يردده هؤلاء يمكن أن يفهم على أنه مزحة لا أكثر..

الحيلة الأولى: الطاعة للرسول ولا طاعة للنبي!

تهدف الحيلة الأولى إلى إجراء عملية جراحية للفصل بين محمد الرسول ومحمد النبي ( هل يجب أن نقول صلى الله وسلم عليهما في هذه الحالة!!!) فمحمد الرسول هو محمد الذي نطق بالرسالة (أي بالقرآن؟) وهو من يجب أن نطيعه حصراً أما محمد النبي فهو محمد في حياته الشخصية ولا تلزمنا طاعته في شيء!

مرة أخرى مع نصٍّ مقتبس من أهم كتبهم..

(..يخطئ الناس فى فهم الأمر بطاعة الرسول واتباع الرسول،  وذلك لأنهم يخطئون فى فهم الفارق بين مدلول النبى ومدلول الرسول..
“النبى” هو شخص محمد بن عبد الله فى حياته وشئونه الخاصة وعلاقاته الإنسانية بمن حوله،  وتصرفاته البشرية.
ومن تصرفاته البشرية ما كان مستوجباً عتاب الله تعالى،  لذا كان العتاب يأتى له بوصفه النبى،  كقوله تعالى ﴿يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك؟ تبتغى مرضات أزواجك؟!..﴾ (التحريم 1) . …. وكان الحديث عن علاقته بالناس حوله يأتى أيضاً بوصفه النبى ﴿يا أيها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ (الأحزاب 59)  ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبى إلا أن يؤذن لكم﴾ (الأحزاب 53) ﴿ويستأذن فريق منهم النبى يقولون إن بيوتنا عورة﴾ (الأحزاب 13). وهكذا فالنبى هو شخص محمد البشرى فى سلوكياته وعلاقاته الخاصة والعامة،  لذا كان مأموراً بصفته النبى باتباع الوحى…
أما حين ينطق النبى بالقرآن فهو الرسول الذى تكون طاعته طاعة لله ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله..،  .. وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾ (النساء 80،  64) والنبى محمد بصفته البشرية أول من يطيع الوحى القرآنى وأول من يطبقه على نفسه.. وهكذا ففى الوقت الذى كان فيه (النبى) مأموراً باتباع الوحى جاءت الأوامر بطاعة (الرسول) أى طاعة النبى حين ينطق بالرسالة أى القرآن ﴿قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول..﴾ (النور 54). ولم يأت مطلقاً فى القرآن “أطيعوا الله وأطيعوا النبى” لأن الطاعة ليست لشخص النبى وإنما للرسالة أى للرسول. أى لكلام الله تعالى الذى نزل على النبى والذى يكون فيه شخص النبى أول من يطيع..كما لم يأت مطلقا فى القرآن عتاب له عليه السلام بوصفه الرسول.)
انتهى الاقتباس .من كتاب القرآن وكفى.الفصل الثاني المعنون “القرآن والنبي والرسول”.

إستراتيجية هذه الحيلة قائمة على ما يلي:

أولا-افتراض إن الفرق بين لفظتي(الرسول والنبي) يستلزم الفصل بينهما.. وهي فرضية خبيثة لا دليل عليها لكنها أساسية في هذا المنهج الذي سيفقد كل معنى له في حالة نسفت هذه الفرضية. وهو متهاوية كالقول أن تعدد الأسماء الحسنى لله تعالى تعني تعدده عز وجل، تعالى جل جلاله عن هذرهم..

ثانيا-بناء كل ما يلي بناء على هذه الفرضية، وإغراق القارئ بما سيوحي له أن الفرضية الأولى صحيحة،  فإذا بالعتب كان يوجه دوما إلى شخص النبي دون شخص الرسول وهذا يعني أن النبي يمكن أن يخطئ بشكل روتيني وبالتالي فإن طاعته غير واجبة.. ويتم هذا عبر الآلية نفسها التي يمكن أن تثمر في نوع معين من القراء أو المتلقين (القارئ الذي نشأ في ثقافة تلقينية جامدة غير قادرة على النقاش، القارئ الكسول، القارئ الذي يمتلك أهواء يريد شرعنتها بكل الأحوال)..

وهذه الآلية تعتمد كالعادة على انتقاء تبعيضي لآيات معينة تخدم المعنى الذي رغب في تكريسه هؤلاء وتجاهل تام لآيات أخرى تتناقض مع ذلك..

على سبيل المثال، يتم الحديث عن كون آيات الطاعة لم تأت إلا مع لفظ الرسول للوصول إلى أن طاعة النبي غير ملزمة لأنها ببساطة غير موجودة،  ولفظ النبي هنا في مفهومهم لا يشمل فقط “السنة النبوية” التي يرومون نسفها وإلغاء اتخاذها منهجا، ولكن تشمل أيضا كل سياق قرآني ورد فيه لفظ النبي!!

فهؤلاء مثلا يتجاهلون عمداً ما يلي..

1. الجمع بين المفردتين في آية واحدة كما في “الذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ ” الأعراف(157) و“قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)”“، فالرسول الذي أُمرنا بطاعته هو ذاته النبي بنص القرآن، ولم يوجد هناك فاصل أو حاجزٌ بين الاثنين من أي نوع (مجرد الكلام في هذا يشعرني بأني أضيع وقتي في تفسير ما لا داع لتفسيره).

2. إن مفهوم الاتباع -الذي ورد في الآية الكريمة مرتبط بلفظ النبي هو أقوى من مفهوم الطاعة، فالطاعة مرتبطة بأمر واضح موجه إلى شخص بعينه، أما الإتباع فهو انقياد غير مشروط بأمر.. تطيع فلاناً إذا أمرك، لكنك عندما تتبعه، تسير خلفه وخلف خطاه حتى دون أن يقول لك ذلك .. مرة أخرى: نحن لا نفرق فعلياً بين شخص الرسول وشخص النبي، بحيث نجعل الطاعة للرسول والإتباع للنبي ولكننا فقط نناقش حجة القرآنيين الأساسية، ونؤكد بطلانها من حيث الدلالة اللغوية لكلمة الاتباع.

3. أيهما أقوى؟ طاعة الرسول الكريم أم كونه “أولى بالمؤمنين من أنفسهم“؟ فالمعنى الأخير يتجاوز معنى الطاعة حتماً إلى آفاق أكثر التصاقاً وتماهياً معه عليه الصلاة والسلام، وقد شاء الله عز وجل أن يختار لفظ النبي في هذا السياق تحديداً بدلاً من لفظ الرسول النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا الأحزاب (6).

4. كما أنه عليه الصلاة والسلام أولى ليس بالمؤمنين فقط بل من إبراهيم نفسه، وهو من هو، ومرة أخرى يختار السياق القرآني أن يكون هنا لفظ النبي وليس لفظ الرسول “ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ” آل عمران(68) .

5. جاء السياق القرآني ليتحدث مع النبي بصفته الشاهد والمبشر والنذير، والسراج المنير..يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ  شاهدا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا  الأحزاب(46)” فهل هذا السياق يتحدث عن نبي في شؤون حياته الشخصية التي لا تلزم أحداً من أتباعه أم أنها على العكس صريحة تماماً في وجوب اتباعه وطاعته والانقياد لخطواته؟

6. أكبر مكانة له عليه الصلاة والسلام ستكون مع لفظ النبي وليس لفظ الرسول: “إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا”  الأحزاب(56).. فهل جاء لفظ النبي هنا في هذه الآية الكريمة اعتباطا؟ علماً أن الصلاة عليه لا تعني التلفظ بالكلمة فحسب بل هي إتباعه والاقتداء بسنته عليه أفضل الصلاة والسلام (وردّ الأذى عنه أيضا بوجه من يحاول إلغاء حجية سنته).

7. لأنه لا فرق حقيقة بين الرسول والنبي، فإن بعض الآيات الكريمة خاطبته عليه الصلاة والسلام مباشرة دون أن تشير في السياق إلى أي من اللفظين: ” فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا” النساء(65) “إن الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ” الفتح(10)..و في الحالتين “التحكيم والمبايعة” فإن المعنى يشتمل على الطاعة في التحكيم وما فوقها في المبايعة علما أن سياق آخر ذكر المبايعة مع لفظ النبي (وهي فوق الطاعة حتما) “يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ” الصف(12)..

كل واحد من هذه الأدلة كافٍ لدحض شبهة أن الطاعة للرسول منفصلةٌ عن طاعة النبي وعن الالتزام بالسنة النبوية، فكيف إذا اجتمعت كلها ؟

لكن لِمَ نزل العتب في الآيات القرآنية مقرونا بلفظ النبي وليس لفظ الرسول؟

الحقيقة أن هذه ليست شبهة “ضد” الاحتكام لسنته عليه الصلاة والسلام بقدر ما هي دليل على تأييدها فعندما يكون “التصحيح” معدود ومحدود بما ذكر في القرآن الكريم، فهذا يعني وجود موافقة ضمنية على سائر ما قاله عليه الصلاة والسلام، هذا بالإضافة إلى أن واقعة العتب في “لِمَ تُحرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ” –مثلا-لم تكن تشير إلى حكم تشريعي عام أطلقه عليه الصلاة والسلام بل كان قد حرم شيئاً على نفسه فحسب.. كما أن العتب جاء أيضاً في سياق آخر لم يُذكَر فيه رسول أو نبي “عبس وتولى أن جاءه الأعمى”..

لكن هذا كله يجب أن لا يصرفنا عن مناقشة معنى لفظي النبي والرسول دون انفصام مزعوم بينهما، فلفظ النبي في الغالب لم يطلق عليه (عليه الصلاة والسلام) إلا في المرحلة المدنية باستثناء مرتين في سورة الأعراف متزامنا مع لفظ الرسول، كما أنه عليه الصلاة والسلام كان الوحيد بين الأنبياء الذي أطلق عليه القرآن الكريم لفظ “النبي” مع أل التعريف.. بينما ورد ذلك مع لفظ الرسول مع رسل آخرين.. كل هذه القرائن، وخاصة استقرار لفظ النبي في المرحلة المدنية من القرآن تجعلنا مطمئنين إلى أن مفهوم النبوة يمثل ترقياً في مراتب الرسالة، فإذا كان “مَا عَلَى الرَّسولِ إلا البلاغُ المُبِين” فإن النبي سيكون عليه أشياء أخرى تتضمن البلاغ المبين حتما ولكن تتضمن أيضاً ومن دون شك واجبات ومهام أخرى (يمكن فهمها عبر فهم الاختلاف بين المرحلتين المكية والمدنية)..

وهكذا فإذا كانت الطاعة للرسول واجبة بنص القرآن، فإن الطاعة للنبي هي تحصيل حاصل، لأن مرحلة النبوة تتضمن مرحلة الرسالة، والطاعة للنبي هي جزء من الطاعة للرسول بلا انفصال بين الاثنين.. يشبه الأمر –بلا تشبيه- الحصول على شهادة في الطب العام، ومن ثم الحصول على شهادة في تخصص أكثر دقة وصعوبة، ألقاب الشهادة الأولى لن تلغى بل ستُضَم وتُحتَوى ضمن الألقاب الجديدة.. وهكذا فإن الطاعة للرسول تعني من باب أولى الطاعة للنبي[ii]..

الحيلة الثانية: ..لا يوجد رسول أصلاً!!

هذه الحيلة أكثر ركاكة وضعفاً من الحيلة الأولى.. تعتمد هذه الحيلة على إلغاء شخصية الرسول والنبي بالكلية، وتفسير كلمة الرسول بأنها تعني القرآن، وبذلك يرتاح هؤلاء من آيات طاعة الرسول مرة واحدة وكلما أوحت الآيات بإتباع الرسول وسنته عليه الصلاة والسلام..

( الرسول بمعنى القرآن أو الرسالة،  وبهذا المعنى تتداخل معنى الرسالة مع النبى الذى ينطلق بالوحى وينطبق ذلك على كل الأوامر التى تحث على طاعة الله ورسوله.. فكلها تدل على طاعة كلام الله الذى أنزله الله على رسوله وكان الرسول أول من نطق به وأول من ينفذه ويطيعه.
والرسول بمعنى القرآن !! يعنى أن رسول الله قائم بيننا حتى الآن وهو كتاب الله الذى حفظه الله إلى يوم القيامة،  نفهم هذا من قوله تعالى ﴿وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله؟ ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم﴾ (آل عمران 101) أى أنه طالما يتلى كتاب الله فالرسول قائم بيننا ومن يعتصم بالله وكتابه فقد هداه الله إلى الصراط المستقيم . ينطبق ذلك على كل زمان ومكان طالما ظل القرآن محفوظا،  وسيظل محفوظا وحجة على الخلق الى قيام الساعة..
وكلمة الرسول فى بعض الآيات القرآنية تعنى القرآن بوضوح شديد !! كقوله تعالى ﴿ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله﴾ (النساء 100).
فالآية تقرر حكماً عاماً مستمراً إلى قيام الساعة بعد وفاة محمد عليه السلام. فالهجرة فى سبيل الله وفى سبيل رسوله- أى القرآن!!- قائمة ومستمرة بعد وفاة النبى محمد وبقاء القرآن أو الرسالة.)انتهى وعلامات التعجب مني.

تخيلوا!!..هكذا وبكل بساطة ومن دون أية محاولة –ولو من باب ذرّ الرماد في العيون- لتفسير ذلك يتم تحويل معنى الرسول إلى القرآن.. لماذا؟ ..هل كان هناك إشكالٌ أصلاً في أن تفسَّر هذه الآيات بكونها تشير إلى الرسول بشخصه في حياته وسنته بعد وفاته؟.. أو أن تكون الهجرة إلى الله-بمعنى أوامره وكتبه- والرسول بمعنى سنته عليه الصلاة والسلام؟..

لا إشكال طبعا في ذلك، إلا أنهم مستعدون لفعل أي شيء لتمرير أكبر الغرائب والأكاذيب في سبيل هدفهم الذي لا يقبلون أيّ شيء دونه: هدفهم في نسف سنته عليه الصلاة والسلام ليخلو لهم الجو في تمييع المفاهيم، ووضعها في قوالب مطاطة بقدر ما يحتاجون.

تخيَّلوا إنَّ كل ما يُمكِنهم تقديمه من براهين بخصوص أنَّ لفظة الرسول تعني القرآن هو مجرد ضميرين في آيتين كريمتين (وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على افتقادهم للضمير)..

(..وأحياناً تعنى كلمة “الرسول” القرآن فقط وبالتحديد دون معنى آخر. كقوله تعالى ﴿لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا﴾ (الفتح 9)
فكلمة “ورسوله” هنا تدل على كلام الله فقط ولا تدل مطلقاً على معنى الرسول محمد!.. والدليل أن الضمير فى كلمة “ورسوله” جاء مفرداً فقال تعالى ﴿وتعزروه وتقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا﴾ والضمير المفرد يعنى أن الله ورسوله أو كلامه ليسا اثنين وإنما واحد فلم يقل “وتعزروهما وتوقروهما وتسبحوهما بكرة وأصيلا”. والتسبيح لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى وحده . ولا فارق بين الله وتعالى وكلامه،  فالله تعالى أحد فى ذاته وفى صفاته ﴿قل هو الله أحد﴾…
ويقول تعالى ﴿يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾ (التوبة 62)
ولو كان الرسول في الآية يعنى شخص النبى محمد لقال تعالى “أحق أن يرضوهما” ولكن الرسول هنا يعنى فقط كلام الله لذا جاء التعبير بالمفرد الذى يدل على الله تعالى وكلامه..)أنتهى ، المصدر نفسه.

هذا كل شيء.. ليس لديهم في جعبة أدلتهم شيء آخر: ضمير هنا وضمير هناك،  وهذه المجادلة المتنطعة السخيفة: لِم لَم يقل تسبحوهما؟..إذن لا فارق بين الله ورسوله!.. ولا فارق بين الله وكلامه!.. تعالى الله وكلامه عن هذا الهذر كله.. لو فرضنا جدلاً أن المقصود هنا بالرسول كلام الله وقرآنه، فهل سمعنا قبل هذا إيراد لفظ التسبيح على القرآن؟ هل سيستقيم هذا المعنى؟..والصواب هو ما أوجزه علماء التفسير بلا تكلف ولا تكليف: فكل ضمير يرجع لمن يليق به الفعل: التعزير له عليه الصلاة والسلام، والتسبيح له عز وجل، ولا مانع من أن يكون التوقير لهما معا.. الأمر ذاته يخص تطبيلهم المشار إليه في الاقتباس حول “والله ورسوله أحق أن يرضوه” بدلا من يرضوهما.. فَرِضا الرسول تابعٌ لرضا الله حتما، كما أنه لا معنى أصلاً لكون هناك إرضاء لكلام الله أو لقرآنه.. وهل هناك معنى في أن يكون الرسول يعني القرآن في آية كهذه مثلا: “ وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ” الفرقان (7)

أثبت هنا على مسؤوليتي الشخصية وأتحمل ذلك كاملا وسوف أحاسب عليه يوم لا ينفع مال ولا بنون ولا مشجعون أو منددون، أثبت أن من يبحث عن ضمير هنا أو هناك ويتسلل كالأفعى بهدف نسف سنته عليه الصلاة والسلام هو ممن ينطبق عليه حتما قوله تعالى: “ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ” آل عمران 7

والحديث لم ينته بعد..




[i] علما أننا سنقتصر هنا على نوع معين من الأدلة التي تشير إلى الرسول صراحة ولن نتطرق إلى ما لا خلاف عليه من معان السنة النبوية مثل الحكمة والذكر وذلك لأن القرآنيين سيرفضونه بكل الأحوال.

[ii] يمكن الاستزادة من هذا الموضوع في الجزء الخامس من كيمياء الصلاة بعنوان سدرة المنتهى.

69 تعليق على “اللا قرآنيون 4: الحيل غير الشرعية لهدم الثوابت الشرعية”

  1. بالمناسبة، وجدت أن تعليقك الاول منسوخ بالكامل وبالحرف من مقالة لعبد الحكيم الفيتوري هنا http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=192321
    فأنت إما ناقل منتحل إذ لم تذكر أنك تنقل عن غيرك ونسبت الكلام لنفسك، أو أنك معلق متنكر تخشى التعليق بإسمك، ثم لا تلبس أن تروج لنفسك على أنك ذلك الباحث الفذ الحر، وفي كلتا الحالتين أثبت أنك باسمك هنا لا تملك إلا الجعجعة، فبعد كل هذا التمخض لم نرَ إلا فئرانا.
    خصوصا هروبك إلى مناقشة حديث النهي عن الكتابة، بعد أن أعيتك الحجة في موضوع الفصل

  2. بداية مبشرة و محظوظة بالنسبة لمعلق مبتدأ أشكرك دكتور أحمد على تواصلك

  3. الأخ قعقاع، كفانا هروبا من الواقع أيضا! هناك مذاهب فكرية موجودة في الساحة لكل منها منهجيتها ومرجعياتها ومنابرها التي تنشر من خلالها أفكارها وعندما يختار كاتب موقع شعاره (العلمانية هي الحل) فهو أمر وجب الالتفات له

    بالنسبة عن نهي نقل السنة فقد اطلعت على بعض الملاحظات في موضوع: شبهات القرآنيين حول السنة النبوية، إعداد : أ.د. محمود محمد مزروعة
    من الموقع http://www.eltwhed.com/vb/showthread.php?t=3654

    وهي كالتالي
    “1- أما قولهم بأن الرسول – صلى الله عليه وسلم – نهى عن كتابة الحديث، بينما حضَّ على كتابة القرآن وحفظه، وكان له – صلى الله عليه وسلم – كتبة القرآن ؛ فقول مبالغ فيه، ويقوم على التدليس وذكر بعض الحق وإخفاء البعض .. وليس من شك في أن القرآن المجيد قد لقي من العناية بكتابته وحفظه ما لم يكن للسنة النبوية. فهو مصدر الدين الأول، وهو أعلى من السنة منزلة وقداسة، وهو أحق بالعناية والاهتمام بكتابته وحفظه، لذلك حظي القرآن من العناية بما لم تحظ به السنة وبخاصة تدوينها وكتابتها .. والأسباب التي جعلت الصحابة يهتمون بكتابة القرآن فوق اهتمامهم بكتابة السنة كثيرة. منها : أن القرآن الكريم محدود بحدود ما ينزل به جبريل على قلب النبي – صلى الله عليه وسلم -، فكتابته والإحاطة به أيسر، وهم على ذلك أقدر، أما السنة النبوية من أقوال الرسول – صلى الله عليه وسلم – وأفعاله فكثيرة ومتشعبة تتضمن أقواله – عليه السلام – وأفعاله اليومية، وعلى مدى ثلاث وعشرين سنة عاشها – صلى الله عليه وسلم – بينهم، وهذا أمر يشق كتابته وتدوينه، وبخاصة إذا أخذنا في الاعتبار ندرة أو قلة الكاتبين بين الصحابة – رضوان الله عليهم -. ومنها : أن كتابة القرآن ضرورة يفرضها ويحتمها كون القرآن العظيم وحي الله – تعالى – إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – بلفظه ومعناه، ولا تجوز روايته بالمعنى، أما السنة فتجوز روايتها بالمعنى، ويجوز في السنة أن يقول القائل : ” أو كما قال ” وما هو من قبيلها، وليس ذلك جائزاً في القرآن. ومنها : أن الكاتبين بين الصحابة -رضوان الله عليهم – كانوا قلة، وليس في مقدورهم أن يكتبوا السنة والقرآن معاً، وإذا كان ثمة اختيار بين أيهما يكتب الصحابة العارفون الكتابة، فليكن المكتوب هو القرآن، وذلك حتى يسلموه لمن بعدهم محرراً مضبوطاً تاماً لم يزد فيه ولم ينقص منه حرف.
    وأما احتجاجهم بأن الرسول – صلى الله عليه وسلم – نهى عن كتابة غير القرآن، وغير القرآن هو السنة. فهو احتجاج باطل من وجوه. أولها: أن هذا الحديث الذي رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري، وهو قول الرسول – صلى الله عليه وسلم – : ( لا تكتبوا عني، ومـن كتب عني غير القرآن فليمحه ). هذا الحديث معلول “ أعله أمير المؤمنين في الحديث أبو عبد الله البخاري وغيره بالوقف على أبي سعيد “. ولو صرفنا نظراً عن هذا، فإن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كما نهى عن الكتابة، فقد ورد عنه – صلى الله عليه وسلم – الإذن بها، بل الأمر بها في أحاديث أخر، ولذلك قلنا إن استدلالهم فيه تدليس، حيث ذكروا حديث النهي، ولم يشيروا إلى أحاديث الإذن وهي كثيرة. منها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوم الفتح فقال “ إن الله حبس عن مكة القتل – أو الفيل الشك من البخاري – وسلط عليهم رسول الله والمؤمنون .. ” ولما انتهى من خطبته جاء رجل من أهل اليمن فقال : اكتب لي يا رسول الله فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: ( اكتبوا لأبي شاة ) ( ).. ومنها : ما روي عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أنه قال : ” ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مني إلا عبد الله بن عمرو فقد كان يكتب ولا أكتب “( ). ومن ذلك ما روي عن عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما – أن بعض الصحابة حدثه فقال : إنك تكتب عن رسول الله كل ما يقول ورسول الله صلى الله عليه وسلم – بشر يغضب فيقول ما لا يكون شرعاً، فرجع عبد الله إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فأخبره بما قيل له، فقال له الرسول – صلى الله عليه وسلم: (اكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج من فمي إلا الحق)( ). وهذه الروايات في الصحيح، وهناك غيرها ضعيف وهي كثيرة. فإذا ما وازنا بين روايات المنع وروايات الإذن، “ وجدنا أبا بكر الخطيب – رحمه الله – (ت463هـ ) قد جمع روايات المنع فلم يصح منها إلا حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – السابق ذكره، وقد بينا أن الإمام أبا عبد الله البخاري قد أعله بالوقف على أبي سعيد، وكذلك فعل غيره “( ). بينما أحاديث الإذن كثيرة. والصحيح منها كثير، روينا بعضه، ومنها : إضافة إلى ما سبق أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال في مرض موته : ( ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ) ( ).
    وقد اجتهد العلماء في الجمع بين أحاديث الإذن وأحاديث المنع، فنتج عن ذلك آراء أهمها :
    أ – أن ذلك من منسوخ السنة بالسنة. أي أن المنع جاء أولاً، ثم نسخ بالإذن في الكتابة بعد ذلك. وإلى ذلك ذهب جمهرة العلماء، ومنهم ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث، وقد قالوا إن النهي جاء أولاً خشية التباس القرآن بالسنة، فلما أمن الالتباس جاء الإذن.
    ب- أن النهي لم يكن مطلقاً، بل كان عن كتابة الحديث والقرآن في صحيفة واحدة. أما في صحيفتين فمأذون به.
    ج- أن الإذن جاء لبعض الصحابة الذين كانوا يكتبون لأنفسهم، ويؤمن عليهم الخلط بين القرآن والسنة.
    وهناك آراء غير ذلك، لكن الذي يتضح من روايات المنع وروايات الإذن أن الإذن جاء آخراً، فإن كان نسخ فهو الناسخ للمنع. وهذا الذي رواه الجمهور( ). “

  4. يا أخ يا مواطن عادي ….سأرجع عن قراري بعدم الرد عليك ..لسبب واحد ..حتى لا تعتقد أنك اكتشفت شيئاً عظيماً ….
    أو حللت جريمة جنائية …
    ليكن بمعلومك …مانقلته أنا أؤمن به بكليته ….ولا أدري أيهمك الأسماء لتقتنع ؟؟؟؟
    والحجة التي رد علي بها ادماين ( أن لا يتختلط الحديث بالقرآن ) هي حجة قال بها أحد السلف ..فهل عدم ذكره لهؤلاء السلف إبطال للحجة …
    أم أن شخصنة الحوار والهجوم على شخص المحاور هي أسلوب قديم لوصمه ورفضه وإسكاته ….
    أما بالنسبة للفصل فلم تقدم بالجديد ..لأني سألت سؤالاً ( ما هو مقام الاجتهاد ؟) ولم ترد ولازال السؤال ينتظر ..وحاول الأخ أدماين التهكم ..فكان واقع الحال أن أرد عليه بسؤال ويتحول مسار النقاش ….
    رجاءاً ورجائي هنا أخوي : إذا أردت أن نكمل فلا تشخصن وتقدح وتذم في الأشخاص …أما إذا رجعت لأسلوب الوصم ووصفي بصفات ما أنزل الله بها من سلطان ..فسأضطر للانسحاب احتراما للحوار الذي يفترض أن يكون لائقاً وأخلاقياً ..فلا يهمني أن انتصر بسيفي وأثبت أنكم على ضلال وغواية ولكن كان لدي أمل بأن ينتج شيء مشترك ..ولكن سأكرر ..هناك غلاف سميك مفروض ضد التقبل ….ودليله أسلوب حديتكم ضد الشخص والاستهزاء به …
    سؤالي الآن يتعلق بالمنهج : هل هناك ترادف في القرآن ؟
    وعلى إثر الجواب سنكمل النقاش ..إنشاء الله
    السلام ليكم …..

  5. يا أخ عبد الله موسى ….
    مع الاحترام الشيد لهؤلاء العلماء الأجلاء …وما توصلوا له ..لكن كلامهم غير مقنع ..

    وذلك لأنهم يقولون بأن النبي منع كتابة المصدر التشريعي الثاني وخذا كلام خطير !!!

    أو أن النبي لم يعتبر ان كلامه مصدر تشريعي ثاني إلى جانب القدرآن وهذا أخطر !!!

    وبالنسبة لنسخ السنة بالسنة ..فهذا حل اضطر العلماء لوضعه ليرتاحو من التنافر الفكري لديهم ..فكلما أشكل عليهم فهم أمرين متناقضين قالوا بالنسخ وهذ ما فعلوه مع القرآن أيضاً ….

    سؤال أخ عبد الله : هل كلام النبي عليه الصلاة والسلام نسبي أم مطلق ؟؟
    سأنتظر الجواب ….

    دمتم في رعاية الله وحفظه ….

  6. أخي الكريم… لا اكتشاف ولا هم يحزنون، والأسماء لا تهم كثيرا.. لكن إيمانك بما تنقل لا يعني أبدا أن تعمل “كوبي بايست” دون الإشارة لذلك.. هذه من بديهيات النقل واحترام المخاطَب والمنقول عنه، ومقارنتك مع رد الإدارة في إيراد الحجة فيها مكابرة، لأن من رد من الإدارة لم يعمل كوبي بايست عن مصدر خارجي في إيراد الحجة وأوحى أنه هو القائل، أما أن نقل الفحوى فأمر مختلف، ورجاء لا تخلط الأمرين.
    بالنسبة للفصل، الإجابة ربما كانت تهكمية، لكن حجيتها جدية جدا: مقام البشر. تمت الإجابة على السؤال.

  7. نأمل أن تتسع الصدور لقراءة طرح مغاير لطرح الكاتب المحترم

    “قراءة مُعاصرة في خصائص السُنة النبوية”

    مروان محمد عبد الهادي

    بسم الله الرحمن الرحيم

    قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (هود: 88)
    كثُرَ الحديث وكثرت التناقضات وكثرت الأسئلة حول السنة النبوية هل هي وحيٌّ ودينٌ ومصدر تشريع ثان، فإذا كانت كذلك، فلماذا لم تحفظ من التحريف والزيادة والنقصان، والتناقض والتضارب كما حفظ القرآن؟ وهل هي شارحة للتنزيل الحكيم؟ فإذا كانت السنة النبوية شارحة لكتاب الله تعالى كما يزعم السادة العلماء، فأين هذا الشرح المزعوم وهناك سوراً بأكملها لم يشرح الرسول (ص) منها حرفاً واحدا، وفي نفس الوقت بين أيدينا عشرات التفاسير، إن اتفقت على مدلول آية اختلفت في غيرهاّ؟

    لقد تعددت مفاهيم السُنة النبوية لدى علماء الدين، ووضع (بعضهم) لها تعريفات ما أنزل الله بها من سلطان، وقلَت اجتهادات (بعضهم) القرآنية وكثرت آراؤهم الشخصية وتباينت فيما بينهم، وكل أدلى بدلوه، فباتت سُنته (ص) ناسخة لكتاب الله تعالى وقاضية عليه، مُعلِلين ذلك بقولهم “القرآن أحوج إلى السُنة أكثر من حاجة السُنة إلى القرآن”! سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون.
    القول المشهور عند السادة العلماء، أن معنى السنة والحديث في الاصطلاح واحد، وهو كل ما نقل عن النبي (ص) من قول أو فعل، أو إقرار أو تقرير، أو صفة خلقية أو صفة خُلقية، حتى الحركات والسكنات.. في اليقظة والمنام! قبل البعثة أو بعدها!

    فالتعريف الفقهي لمصطلح السُنة المتعارف عليه عند السادة العُلماء ليس إلا وجهة نظر شخصية أصلها الإمام الشافعي، وليس النبي (ص) وهي قطعاً قابلة للنقاش والأخذ والرد، ولا تحمل أية قداسة. وانطلاقا من هذا المُصطلح الشخصي المُبتدع (السُنة، الحكمة، أو الوحي الثاني) الذي أوجده الإمام الشافعي، وبني عليه طاعة إلهية، فقد أدخل المُسلمين في خلافات وتناقضات ومتاهات، نُعاني من أثارها في كل ساعة من ساعات اليوم الواحد، مُعتبرين أفعال النبي (ص) حتى الشخصية منها، كإطلاق اللحى والسِواك أو كونه (ص) كان يأكل بيده اليُمنى، ويأكل التمر، أو يتبولَ قائماً أو جالساً، أو استخدامه للعود الهندي، وأنه كان صلوات الله عليه، ينام على جنبه الأيمن مصدراً من مصادر التشريع!

    فالمُدقق المُتجرد في فقه الإمام الشافعي يرى بوضوح الدور الرئيس الذي لعبه هذا الفقيه، في الخلط بين أسلوب النبي (ص) الإنساني الشخصي في الحياة، وبين التشريعات الربانية، وكيف أصلّ فهمه للسُنة النبوية التي اخترعها بربطِها مُباشرة بطاعة الله تعالى، حيث نجده يقول في كتابه الرسالة:

    اقتباس : فيُجمع القبول لما في كتاب الله ولسُنة رسول الله، القبول لكل واحد منهما عن الله ، وإن تفرع فروع الأسباب التي قبل بها عنهما، كما أحلَ وحرَم، وفرض وحدَ: بأسباب مُتفرقة كما شاء جلَ ثناؤه: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (الأنبياء:23) (انتهى)

    إننا لا نجد لمُصطلح السُنة المُبتدع والمُعرف أعلاه، أية ذكر أو نص قرآني ظني أو قطعي في كتاب الله تعالى سوى بعض الآيات التي استشكل فهمها على السواد الأعظم من المسلمين، أو بعض الأحاديث المكذوبة على رسول الله، صلوات الله عليه، لذا كان لا بدَّ لنا من تدبر آيات التنزيل الحكيم بعيداً عن فقه الأئمة، وعبودية السلف والتراث، حتى يتيسر لنا الحكم بأصل هذا المُصطلح، حيث ورد مُصطلح (سُنة) في أربعة مواضع في التنزيل الحكيم من دون الإشارة ولو لمرة واحدة لسُنة الرسول (ص) البشر المخلوق، القاضية حسب المفهوم الفقهي المُبتدع على كتاب وأحكام خالقه المُحكمة. سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (الأنعام: 10)

    نقف خاشعين أمام قول الحق سُبحانه وتعالى:

    فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (فاطر:43)

    وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً * سُنَّةَ مَن قَدْ سُنَّةَ مَن قَدْ رْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً ( الإسراء: 76- 77)

    فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (غافر: 84-85)

    سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (الفتح:23)

    سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (الأحزاب:62)

    بعد رحيل رسول الله (ص) إلى الرفيق الأعلى، ومنذ اللحظة الأولى، نشأت مُشكلة وراثة الدولة التي أسسها النبي (ص) فادعى كل طرف من المهاجرين والأنصار بأنه الوريث الأحق لزعامة هذه الدولة الفتية، وكان الخلاف بين المهاجرين والأنصار سياسياً لكنهم كانوا سباقين في نشر الرسالة، وفي تأسيس وتثبيت دعائم الدولة التي كُبرت. وبعد مقتل عُثمان بن عفان عام 35 هـ حصلت الفتنة الكُبرى في الإسلام بين معاوية بن أبي سُفيان الذي كان حديث العهد بالإسلام (1) وعلي بن أبي طالب، هُزم فيها الأخير، وبعد التحكيم الشهير أصبح معاوية السُلطان الأول للُسنة في الإسلام، وتمت تسمية الذين اتبعوا علي بن أبى طالب (الشيعة) والذين خرجوا عليه (الخوارج) (2) في موقعة صفين الفاصلة (3) وهكذا انقسم المسلِمون إلى طوائف ثلاث، أكبرهم طائفة المُنتصر، أهل السُنة والجماعة، (4) التي أنهت المرحلة الراشدة بشكل مُرعب، فعمَ الحديث واستشرى بين المسلمين ورُفع إلى مستوى القرآن، لذا فإن الأحاديث اَلْمُتَدَاوَلَة بين أتباع الفهم المغلوط للسُنة النبوية، وما يُطلق عليه جزافاً بالأحاديث الصحيحة، ليست إلا أحاديث مليئة بالطمي والرمم، والغث والسمين، والصحيح القليل، والموضوع الكثير، بالرغم من قول الحق سُبحانه وتعالى:

    إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلـئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (النحل:105)

    لقد تلاقت أهداف السلطان مع أهداف (البعض) من أهل الكتاب للعبثِ بدين الله تعالى وتحريفه، رغم اختلاف مصلحة كل فريق، فالهدف الرئيس (للبعض) من أهل الكتاب عقائدي، بينما كان هدف السلطان مادياً وسياسي، لقد كان من المستحيل على الطرفين، تحريف كتاب الله تعالى والعبث به، فتضافرت الجهود لإيجاد وسيلة ناجعة لتحقيق الأهداف المنشودة، فتمخض عن هذه الجهود ولادة الأحاديث على رسول الله (ص) وبِدعة السُنة النبوية بمفهومها الفقهي الحالي الذي أصله الإمام الشافعي، رحمه الله. إن أصل البدعة مشروع سياسي غُلف بغلاف ديني، لا ينكره إلا جاهل أو مكابر. لقد اختلفت الأسباب، وكان الهدفُ واحداً

    شرعية الأمويين والعباسيين

    لم يجد الباحثون عن الشرعية في خلافة النبي (ص) من الأمويين والعباسيين إلا الاتكاء على آيات الإرث وآيات طاعة أولي الأمر لشرعنة مطلبهم، فالأمويون اتخذوا من طاعة أولي الأمر غِطاء أيديولوجيا وتكريساً لواقع قضاء الله وقدره ولا سبيل لرده، واعتبروا المعارضين لحكمهم إنما هم يعارضون قضاء الله وقدره، وقد كان علماء السوء (علماء السلطان) خير معين للأمويين في اختراع تعريف مشوه للقضاء والقدر لتثبيت حكمهم، وهو أن قضاء الله تعالى هو علمه الأزلي، والله تعالى يعلم منذ الأزل بأن بني أمية سيتولون مقاليد الحكم، ولا رَادِّ إلى وقف القدر القاضي بنفاذ هذا القضاء.!

    في حين ابتدع عُلماء السُلطان للعباسيين – الأقرب للنبي – صلوات الله عليه، قاعدة فقهية سافرة أُدخلت على أحكام آيات الإرث والوصية، وهي أن البنت لا تحجب، لتكون غِطاء أيديولوجياً لشرعنة حكمهم وحقهم في ميراثه، ووضع حديث نُسب إلى النبي (ص) وهو حديث “لا وصية لوارث” وهو من أحاديث الآحاد، أخذه الأمام الشافعي من أهل المغازي (كتب المغازي تحوي الغث والسمين من روايات السيرة النبوية) رغم إنكار الأخير في كتابه “الرسالة” لأحاديث الآحاد في مجال العقائد، فكان تناقضه مع الذات مثيراً للدهشة، ولكن ليس للاستغراب، فمداهنة البعض للحكام قد تتطلب موقفاً مُماثلا، خاصةً إذا وجد هذا البعض نفسه أمام مُفترقات خطرة، وبذلك تأسست أخطر سابقة عرفها التاريخ الإسلامي، وهي أن السُنة “الحديث النبوي” ناسخة للقرآن، وأن القرآن أحوج إلى السُنة من السُنة للقرآن! إن القارئ الفطن لا يحتاج إلى دكتوراه في علوم القرآن واللغة حتى يفهم المُراد من قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ( النساء 11 )

    فالله سُبحانه وتعالى في هذه الآية الواضحة، يوصينا في أولادنا، ذكوراً وإناثاً، وأن الولد قد يكون ذكراً وقد ويكون أنثى. وهنا نتوقف لنسأل السادة العُلماء، والفقهاء، والمحدثين، هل الأولاد هم حصراً الذكور أم فيهم الإناث؟ وهل الوالدات يُرضعن الذكور فقط من دون الإناث؟ أين أنتم من قول الله تعالى: الْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ( البقرة: 233)

    نعم، لقد استفرد سلاطين بني العباس بالحكم بعد أن أُخرجت ابنة رسول الله (ص) وأبنائها من اللُعبة السياسية من جهة، وصارت الأنثى لا تحجب منذ ذلك الحين من جهة أخرى، وأهدرت نصف حقوقها من الإرث وتشتت على أعمامها بدون وجه حق (هؤلاء الأعمام لا نجد لهم ذكراً في آيات المواريث!)

    للأسف الشديد كان الإمام الشافعي على رأس المُبتدعين، فإن قال بأن البنت ولد، وبأنها تحجب كالذكر تماماً، اتهمه العباسيون بالتشيع! وإن جانب الحق صار مارقاً، وهما خياران أحلاهما علقما عند العباسيين، وبذلك تم إبعاد ابنة رسول الله (ص) كوارثة، كما تم إبعاد الخليفة الرابع على كرَم الله وجهه، باعتباره ابن عم النبي (ص) والعم أحق وأولى، وصار الولد ذكراً، بالرغم من قول الحق سُبحانه وتعالى: يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ (النساء: 11)

    وحتى لا نُتهم بأننا نهرف بما لا نعرف، فسوف نقتبس حرفياً ما رواه الطبري في تاريخه: المُجلد الحادي عشر النسخة الإلكترونية نصوصاً من الرسائل المُتبادلة بين أبي جعفر المنصور وبين الإمام محمد بن عبدا لله المُلقب بالنفس الزكية، الذي خرج على طاعة أبي جعفر المنصور وحكم بني العباس مُستنكراً بطشه في الطلابيين:

    أرسل المنصور رسالة إلى الإمام يدعوه فيها إلى التوبة مُقابل الأمان له ولمن بايعه، فرد الإمام بدعوة المنصور إلى الدخول في طاعته وبيعته آمناُ على نفسه وماله، يقول فيها: “وأنا أولى بالأمر منك وافى بالعهد، لأنك أعطيتني من الأمن والأمان ما أعطيته رجالاً قبلي، فأي الأمانات تعطيني، أمان هبيرة أم أمان أبي مُسلم؟”

    لكن الإمام أسهب في مطلع رسالته بالاعتداد بنسبه إلى فاطمة والنبي (ص) وبأرومته المُمتدة إلى الإمام عليّ كرم الله وجهه، فيقول،” وإن أبانا عليٌ كان الوصي وكان الإمام، فكيف ورثتم ولايته وولده على قيد الحياة؟ ويُتابع قائلاً، وأني أوسط بين هاشم نسبا وأصرحهم أباً، وأمي لم تعرق في العجم، ولم تُنازع في أمهات الأولاد.” لم يأت رد المنصور على مُفاخرة الإمام بنسبه إلى فاطمة والنبي (ص) وبأرومته المُمتدة إلى الإمام عليّ كرم الله وجهه عرضياً أو مُبطناً، بل كان صريحاً وحاسماً، ويُبين بجلاء ارتكاز العباسيين على آيات الإرث في شرعنه حكمهم. يقول المنصور:

    “فقد بلغني كلامك وقرأت كتابك، فإذا جلّ فخرك بقرابة النساء، لتُضل به الجفاة والغوغاء، ولم يجعل الله النساء كالعمومة والآباء، ولا كالعصبة والأولياء، لأن الله جعل العم أباً، وبدأ به في كتابه على الولد الأدنى، فقال جلّ ثناؤه عن نبيه يوسف: وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ (يوسف: 38)” ويُتابع المنصور قائلاً: “”وأما قولك: إنكم بنو رسول الله (ص) فإن الله تعالى يقول: مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (الأحزاب:40) ولكنكم بنو ابنته، وإنها لقرابة قريبة، ولكنها لا تحوز الميراث ولا ترث الولاية، ولا تجوز لها الإمامة، فكيف تورث بها، ولقد جاءت السُنة التي لا خِلاف فيها بين المُسلمين؟ (أن الجد أبا الأم، والخال والخالة لا يرثون؟) (انتهى)

    لم يجد بني العباس بُداً من إبعاد الناس عن نصوص القرآن الكريم لتثبيت العقيدة الجديدة، عقيدة الروايات، التي من شأنها أن تخدم السُلطان وحده، فتم إضافة الأحاديث التي تؤيد العباسيين وأحقيتهم في الحكم والتركيز على الروايات التي توجب أن يكون الحكم للقرشيين من دون القبائل الأخرى. أرجو أن لا يغيب عن ضمير الباحث المُتجرد النزيه، بأن الإمامين البُخاري ومُسلم، عاشا تحت سيطرة وسطوة سلاطين بني العباس، وكان لا يُسمح إطلاقاً بمُهاجمة الأحاديث التي كان لها السُلطة الفعلية في إصدار الفتاوى والقوانين، التي ربما وضعت حدوداً على ما يمكن نشره، أو حتى كانا مُكرهين ولم يستطيعا التعبير الصادق عن رأيهما، فدخل إلى صححيهما الكم الكبير من الأحاديث الموضوعة التي أساءت إلى الإسلام والمسلمين، وأصابتهما في مقتل.

    إن أصحاب الفهم المغلوط للسُنة النبوية يتكئون على ما يُسمى بالحديث النبوي الظني، والمُمتلئ بالإسرائيليات، وألطم والرمم، والغث والسمين، والصحيح القليل، والموضوع الكثير، ولن نزيد، كمصدر للدين والعلم، معُتبرين هذه الأحاديث وحياً إلهياً ثانيا، وسُنة رسول الله (ص) القولية، بل ويصفون الصحيحين، على أنهما أصح الكتب بعد كتاب الله! والمُحزن جداً بأن السواد الأعظم من المُسلمين قد سلمّ بهذه المُغالطة تحت طائلة التكفير والنفي، فالمُمعن في دراسة هذه الكتب لا يجد فيها من الصحة إلا القليل النادر، فإن ثبتت عند البخاري نفاها مُسلم، فالحديث صحيحٌ فقط في نظر رواته، لا أنه صحيح في ذاته، وأن ما يُقال عنه “مُتفق عليه” ليس المُراد أنه مُتفق على صحته في الأمر، وإنما المُراد أن البُخاري ومُسلم قد اتفقا على إخراجه، (5) بعد أن أهمل عُلماء الحديث جميعاً أمراً خطيراً، وهو البحث عن حقيقة النص الصحيح لما تحدث به النبي (ص)

    وقد يكون خافياً على السواد الأعظم من المسلمين، بأن الأحاديث النبوية الظنية الثبوت، قد نُقلت إلينا بالمعنى، وإن جهد السادة العُلماء بإقناعنا بدقة الرواة، وما تناقض الأحاديث مع التنزيل الحكيم من جهة، ومع العقل والعلم من جهة ثانية، إلا دليل على ذلك. هذه الحقيقة قد تم التستر عليها من قبل السادة العلماء، ورجال الحديث الدين الذين جعلوا من رواد المساجد أشرطة تسجيل صماء بكماء عمياء، يُساقون إلى مُستنقعات من الجهل كما تُساق الخِراف إلى السلخ، تحت شعار الحديث المكذوب على رسول الله (ص) العلماء ورثة الأنبياء!

    لقد طرحنا سؤلاً هاماً وحتى الساعة لم نسمع جواباً: كيف يكون في وحيّ الله تعالى، المتواتر، المشهور، الصحيح، الحسن، الضعيف، المرسل، المُنكر، المعروف، المتابع، المتروك، المعنعن، العزيز، الغريب، المُعلل، المُضطرب، المدرج، والمغلوب، المسند، المرفوع، والموقوف، الموصول، المقطوع، المقطع، المُعضَل، المُدّلَس، الشاذ، المحفوظ، الموضوع،– المسلسل، المُصحَف، المؤتلف، المُتفق، المُفترق، المُتشابه، العالي، النازل، الناسخ، المنسوخ؟

    كتب الشيخ الدكتور يوسف القَرَضاوي على صفحات موقعه الإلكتروني مؤكداً ما ذهبنا إليه، الآتي:
    اقتباس : أن السنة من أجل ذلك دخلها المنكر والموضوع، وما لا أصل له من الحديث ، فضلا عن الضعيف والواهي وما لا يصلح للاحتجاج به، واختلط الحابل بالنابل، فلم يعد في الإمكان التمييز بين ما يصح وما لا يصح، وصحيح. (انتهى)

    هل الأحاديث النبوية وحيّ مُنزل؟

    الوحيّ في معاجم اللغة: لسان العرب: الوَحْيُ، الإِشارة والكتابة والرِّسالة والإِلْهام والكلام الخَفِيُّ وكلُّ ما أَلقيته إِلى غيرك

    مقاييس اللغة: وحيّ، الواو والحاء والحرف المعتلّ، أصلٌ يدلُّ على إلقاء عِلْمٍ في إخفاء أو غيره إلى غيره. يقول الحق سُبحانه وتعالى:

    قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ( الأنعام: 19)

    وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ(الشورى: 7)

    نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (يوسف: 3 )

    وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً (الكهف:27 )

    اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ( العنكبوت: 45 )

    وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (فاطر: 31)

    إن المُتأمل في هذه الآيات، يرى بوضوح لا يقبل اللُبس. فالله تعالى هو الذي أوحى، والرسول (ص) هو الذي أُوحي إليه، والتنزيل الحكيم”إن هو وحيَ” الكلام الخفي ( إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) لقد ساور مُعظم العرب الشك في ( الكلام الخفي ) الذي كان يتنزل على قلب رسول الله (ص) فالوحيَ كان موضوع التساؤل والشك، ولم تكن المُشكلة قطعاً في أقوال وأفعال الرسول (ص) أو في سلوكه الشخصي. أنظر إلى قوله تعالى: وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ (لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ) وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (القلم: 51)

    ففي التنزيل الحكيم فإننا نقرأ: وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ (قَالَ)إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴿البقرة: 124﴾ فهل يصح أن نقول: نطق الله، أم قال الله؟ فالتنزيل الحكيم قول الله تعالى ونطق رسوله الكريم، فإن قلنا نطق الله فقد كذبنا، وإن قلنا قال رسول:إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ الله فقد أمعنا في الكذب.

    وثمة من يوجه إلينا سؤلاً مشروعاً، أليست الحكمة في كتاب الله هي السُنة النبوية، ألم يقل الحق سُبحانه وتعالى: وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ( النساء 113 )؟

    نُجيب بما روي عن رسول الله (ص) إن صّحّ عنه: “الحكمة ضالة المُؤمن أينما وجدها ( أخذها ) وفي رواية هو أحق بها ( الترمذي 611 ) وهذا الحديث إن صحَ عن رسول الله (ص) فإنه يؤكد بأن الحكمة ليست وحياً، قد تـأتي الحكمة وحيَاً وقد لا تأتي، أي ليس لِزاماً لها، فهي ليست إلا تعاليم عامة أخلاقية مقبولة إنسانياً لكل أهل الأرض، وغير مقصورة على الأنبياء، بل أنها تجري على ألسن الحُكماء في كل زمان ومكان حتى قيام الساعة. فلُقمان لم يكن نبياً، كقوله سُبحانه:

    وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (لقمان: 12 ) وقوله أيضا:ً يؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ (البقرة: 269)

    وحيَ أم وحيين ؟ هل الحكمة هي السُنة؟

    يعتبر الإمام الشافعي وبدون أن يُقدم دليلاً واحداً من آيات الكتاب، أو حتى الحديث النبوي الذي اعتمده هو نفسه في استنتاجه، بأن الحكمة في كتاب الله تعالى هي السُنة النبوية، حيث نجده يقول في البيان الرابع من كتابه “الرسالة”

    اقتباس: كل ما سن رسول الله مما ليس فيه كتاب، وفيما كتبنا في كتابنا هذا، من ذكر ما منَ الله به على العباد من تعلم الكتاب والحكمة، دليلٌ على أن الحكمة سُنة رسول الله، وفي موضع آخر من نفس الكتاب نجده يقول:

    فذكر الله الكتاب وهو القرآن، وذكر الحكمة فسمعت من أرضي من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سُنة رسول الله ، وهذا ما يُشبه ما قال والله أعلم، لأن القرآن ذكر اتبعته الحكمة، وذكر الله مّنَه على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلم يُجوز- والله أعلم – أن يُقال الحكمة هنا إلا سُنة رسول الله ، وذلك أنها مقرونة مع الكتاب، وأن الله افترض طاعة رسوله، وحتم على الناس إتباع أمره، فلا يجوز أن يُقال لقولٍ فُرض إلا لكتاب الله وسُنة رسوله لما وصفناه من أن الله جعل الإيمان برسوله قروناً بالإيمان به. ( انتهى )

    ذهبنا إلى كتاب الله تعالى فبحثنا في آياته، ووجدنا أن مدلول كلمة الحكمة لا يشير لا من قريب أو بعيد إلى مُصطلح السُنة النبوية، لنتأمل قول الحق سُبحانه وتعالى: وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ( النساء:13)

    يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ (البقرة: 269)
    وَلَمَّا جَاء عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (الزخرف:63)

    أمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً ( النساء: 54)

    فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (البقرة:251)

    وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً (الأحزاب:34) لنتدبر إحدى الآيات القرآنية التي تموضعت في حقلها الحكمة، يقول سُبحانه وتعالى:

    وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً * وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً * كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً * ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً (- الإسراء: 36- 39)

    فإذا ما عدنا إلى قوله تعالى: يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ (البقرة: 269)

    يتبين لنا بشكل قاطع بأن الحكمة لا تحتاج إلى نبوة ولا إلى رسالة، فلقمان أوتي الحكمة وهو ليس بنبي ولا برسول بدلالة قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ۚ وَمَنْ يَشْكُرْ إِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيد (لقمان: 12) والسؤال الذي نطرحه على أصحاب الاختصاص والذي يفرض نفسه بقوة: إذا كانت الحكمة هي السُنة، فأين هي السُنة عند نوح وهود شعيب وصالح وموسى وعيسى، وإسماعيل وإبراهيم ويوسف، وهؤلاء جميعاً يشملهم قول الحق سُبحانه في الآيات التي استشهدنا بها؟

    إن المُدقق في مرامي لفظ الحكمة التي وردت في سياق الآيات الكريمة، يرى بوضوح لا لبس فيه، بأن آيات الحكمة خالية من التشريعات أو الأحكام، وبالتالي فإنه لا يُبنى عليها أحكامٌ شرعية أو عقائدية، ومن المُفيد استعراض بعض أحاديث الحكمة التي نُسبت إلى رسول الله (ص) “إن صحت عنه”

    لا ضرر ولا ضِرار (ابن ماجة 2331)

    دع ما يُريبك إلى ما لا يُريبك (الترمذي 2442)

    من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراُ أو يصمت (البخاري 5550)

    لا يؤمن أحدكم حتى يُحب لأخيه ما يُحب لنفسه (البخاري 12)

    المُسلم من سلم الناس من يده ولسانه (البخاري 9 )

    وهنا لنا وقفة مع عُلماء النقل.. إذا كانت السُنة هي الحكمة، لماذا لم يُعرفها الرسول (ص) للمسلمين بنفسه؟ ولماذا لم يأمر بجمعها وكتابتها إلى جانب كتاب الله؟ وهل يصح أن يدع نصف ما أوحى الله تعالى إليه يغدو بين الأذهان بغير قيد، يمسكه هذا وينساه ذاك، ويتزيد فيه هذا وذاك؟ وهل يكون الرسول (ص) قد بلغ الرسالة على وجهها، وأدى الأمانة كلها؟ ثم كيف كان حال المسلمين الذين قضوا قبل أكثر من قرن ونصف من ولادة الإمام الشافعي، الذي ولد سنة 150 وتوفي 205 هـ، دون أن يعرفوا بأن الحكمة هي سُنة رسول الله وأنها المصدر الرديف لشرع الله تعالى وأوامره؟

    هل السُنة النبوية شارحة لكتاب الله مُبينة لأحكامه؟

    لقد أجمع عُلماء الأمة سلفاً وخلفاً، وعلى رأسهم الإمام الشافعي، بعد أن استشكل عليهم فهم المُراد بقوله تعالى (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ) على أن السُنة شارحة لكتاب الله مُبينة لأحكامه، فقول الحق سُبحانه، بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ لذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (النحل:44) تأمر الرسول (ص) بأن يُظهر ولا يكتم ما نُزِلَّ إليه (ص) من الذكر الحكيم (أمرٌ بالإظهار والإبانة وعدم الكتمان) بدلالة قوله تعالى:

    يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (المائدة:15)

    إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (البقرة:159)

    أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَتَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (آل عمران: 187)

    وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ (البقرة:187)

    وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيم (التوبة: 114)

    يقول الشيخ الألباني رحمه الله، في رسالة بعنوان “منزلة السنة في الإسلام” وبيان أنه لا يستغنى عنها بالقرآن، يقول فيها:

    اقتباس: “تعلمون جميعاً أن الله تبارك وتعالى اصطفى محمداً صلى الله عليه وسلم بنبوته، واختصه برسالته، فأنزل عليه كتابه القرآن الكريم، وأمره فيه – في جملة ما أمره به أن يبينه للناس، فقال تعالى: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزِّل إليهم (النحل:44) والذي أراه أن هذا البيان المذكور في هذه الآية الكريمة يشمل على نوعين من البيان.” (انتهى)”

    الأول : بيان اللفظ ونظمه وهو تبليغ القرآن وعدم كتمانه وأداؤه إلى الأمة ، كما أنزله الله تبارك وتعالى على قلبه صلى الله عليه وسلم، وهو المراد بقوله تعالى: ( يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربك ) (المائدة:67) وقد قالت السيدة عائشة رضي الله عنه في حديث لها “ومن حدثك أن محمداً كتم شيئاً أُمر بتبليغه: فقد أعظم على الله الفرية”، ثم تلت الآية المذكورة ” (أخرجه الشيخان) ، وفي رواية لمسلم، ” لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً أُمر بتبليغه لكتم قوله تعالى: (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمتَ عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) (الأحزاب:37)

    والآخر: بيان معنى اللفظ، أو الجملة، أو الآية الذي تحتاج الأمة إلى بيانه، وأكثر ما يكون ذلك في الآيات المجملة، أو العامة، أو المطلقة، فتأتي السنَّة” فتوضح المجمل، وتُخصِّص العام، وتقيِّد المطلق، وذلك يكون بقوله صلى الله عليه وسلم، كما يكون بفعله وإقراره. (انتهى)”

    نُقدر اجتهاد الشيخ، رحمة الله عليه، ونتفق معه بأن بيان اللفظ ونظمه، هو تبليغ القرآن، وعدم كتمانه، وأداؤه إلى الأمة، كما نزله الله تبارك وتعالى على قلب رسول الله (ص) ونختلف معه في أن السُنة مُبينة ومُفسرة، فتوضح المُجمل، وتُخصص العام، وتُقيد المُطلق. فقول الله سُبحانه:
    وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْء) وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين ( النحل 89 ) يدحض إدعاء الشيخ وينسفه، فقوله سُبحانه، في غاية الوضوح، وَنَزَّلْنَا الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْء.

    كتب الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، أحد العلماء البارزين، والدعاة المشهورين، والمصلحين المعدودين على أهل السُنة والجماعة، وعلى صفحات موقعه الالكتروني وفي مُجمل رده على شُبهات أعداء الإسلام..

    اقتباس : أما قوله تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ، فالمراد بهذه “الكلية”: ما يتعلق بالأصول والقواعد الكلية التي يقوم عليها بنيان الدين في عقيدته وشريعته، ومن هذه الأصول: أن الرسول مبين لما نزل إليه، وبعبارة أخرى (أن السنة مبينة للقرآن) لقوله: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزِّلَ إليهم (النحل 44 )

    إننا نقرأ في قول الحق سُبحانه: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ (تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ)، أن الله نزّل على قلب رسوله (ص) كتاباً كاملاً موضحاً لكل أمر يحتاج إلى تبيان. فقوله سبحانه وتعالى، وهو أصدق القائلين: تبياناً (لكل شيء) هو قولٌ في غاية الوضوح ولا يقبل التأويل، أما تأويل الشيخ الفاضل بحصر هذه “الكُلية” بالأصول والقواعد الكُلية فليس عندنا بشيء. نقول هذا ونحن نستذكر قول الحق سُبحانه:

    وَهَـذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ( الأنعام: 126) وقوله أيضا

    أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( الأنعام:114)

    لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْء وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يوسف: 111)

    الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِير (هود:1)

    وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا (الإسراء: 112)

    فالتنزيل الحكيم صادق مع الواقع ودقيقٌ في تراكيبه ومعانيه. وبالرغم من هذه الحقيقة، فإننا نرى خلطاً واضحاً عند الشيخ بين مفهومين: البيان والتبيان.

    إن المُسلمين وللأسف الشديد، لا يرَون العقيدة الصحيحة والدين الصحيح إلا من خلال كتب التراث التي كتبها رجال الدين عبر التاريخ السُني خلال أربعة عشر قرنا، وبتجرد يمكن تقييم معتقدات الذين فرقوا دينهم وجعلوه شيعا، بأنها نظرة شركية بحتة.. فهم لم يحاولوا قط فهم القرآن إلا من خلال كتب التراث المُغلفة بأحاديث مكذوبة نُسبت للرسول الكريم (ص) ظُلماً، وكأنهم يقولون وبصراحة وبلاهة لا مثيل لهما، بأن الله سُبحانه وتعالى أنزل لعبادة مجموعة من الطلاسم؟! بالرغم من قول الله تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين ( النحل: 89 )

    للأسف الشديد، لقد سُطحت هذه الآيات وأخرجت من سِباقها وسِياقها، ووضع أئمة التفسير السواد الأعظم من المسلمين أمام ثُنائية غائمة لا تفرق بين البيان والتبيان، لقد أوهوا العباد بعد أن أخذهم الشطط، بأن الأحاديث، أو السُنة القولية ناسخة لكتاب الله، وحسبنا الله ونعم الوكيل. ونقرأ قول الحق سُبحانه:

    وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (النحل: 43)

    بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (النحل: 44)

    فالبيان هو: الإظهار والإبانة وعدم الكتمان، وهذا أوضح من أن ينكره عاقل

    ففي الآية الأولى، الخطاب موجه إلى المشركين من قريش الذين كذّبوا الرسول، صلوات الله عليه، فأهل الذكر في الآية الأولى هم أهل الكتاب، والذكر هنا هو التوراة والإنجيل، وقوله (مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) التي جاءت في الآية الثانية تعود على الناس كافة، أما قوله سُبحانه، وفي نفس الآية (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ) فهي تعود على رسول الله (ص) ليُبين ( ليُظهر ) للناس أهل الكتاب والمشركين، والذين آمنوا مواطن التحريف وما تم نسخه (بين الرسالات حصراً) أو تعديله وإقراره في التنزيل الحكيم (الذكر) ومن هذا الجانب نفهم قوله تعالى: بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ (مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (النحل: 44)

    فبعد بحث حثيث، وجهد كبير، فإنني لم أجد من بين هذه التفاسير (الطائفية) ما يستحق أن يكون مَرْجِعًا يُعتد به، لأن هذه التفاسير وعلى سبيل المِثال وليس الحصر، لم تُفرق بين النبي والرسول، وبين الكتاب والقرآن، والفرقان والذكر، والإمام المبين، أو بين الزوج والبعل، أو بين الولد والأب، الوالدة والأم، النفس والروح، الموت والوفاة، القضاء والقدر، القتال والقتل والجهاد، الخبر والنبأ، القسط والعدل، الحظ والنصيب، الفعل والعمل، جاء وأتى، التبذير والإسراف، الفريضة والكتابة، الوصية والموعظة، العام والسنة، الوقت والزمن، النوم والمنام، المطر والغيث، والأهم من ذلك كله، إنها لم تُفرق بين التحريم والنهى والمنع، هذه الأمور إن جاز لنا أن نتغافل عنها في الكتب والمجلات والصحف، فلا يحوز لنا ذلك البتة ونحن نتدبر آيات التنزيل الحكيم، للأسف الشديد، عند أئمة التفسير كله صابون!

    إن علة العِلل في الفقه الإسلامي التُراثي هي اتكاءه على روايات وأحاديث ظنية متضاربة، ناهيك عن تعارض تلكم الروايات الصارخ مع آيات التنزيل الحكيم. فالصلاة الوسطى عند الإمام علي بن أبي طالب (ض) كما جاء في بعض الروايات هي صلاة العصر أو صلاة المغرب! وعند أزواج رسول الله (ص) عائشة وأم سلمى وحفصة وأم حبيبة هي صلاة العصر، بينما نجدها صلاة الظهر عند زيد بن ثابت وابن عمر، كما جاء في كتب السيرة النبوية. أما عند ابن عباس وأبو موسى الأشعري، وجابر ابن عبدا لله، وأبي سعيد ألخدري وأبي هريرة، وأبي أيوب سعيد ابن المُسيب هي صلاة المغرب؟!
    من حقنا أن نسال السادة العُلماء بعدما استقينا هذه المعلومات حصراً من كتب الصِحاح كما يحلوا للبعض تسميتهما، أين تفسير الرسول (ص) المُستوفي لشروط التبليغ كما جاء في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (المائدة: 67) الذي فيه القول الفصل في تحديد المُراد بقوله: الصلاة الوسطى، أو مواقيتها، كذلك، كيف تفسرون اختلاف أزواج الرسول (ص) وصحابته رضوان الله عليهم، والتابعين من بعدهم، إذا كانت السُنة مُبينة ومُفصلة لكتاب الله كما تزعمون؟ والأهم من ذلك كله، أين تفسير الرسول (ألحصري) صلوات الله عليه، من بين مِئات التفاسير المرعبة المُغلفة بالأحاديث المكذوبة، والإسرائيليات التي أضحت تلموداً للمسلمين ومصدراً من مصادر تفسير القرآن، وأخيراً وليس آخراً، أين شرح الرسول الكريم صلوات الله عليه، لفواتح السور، ألف لام ميم، وياء سين، وألف لام راء؟

    نخلص إلى القول بأن السُنة المُبتدعة لم تُبين ولم تشرح آيات الله سُبحانه، ولكنها ابتدعت مفاهيم جديدة هي أبعد ما تكون عن مُراد الله تعالى، كأركان الإسلام والإيمان، الناسخ والمنسوخ، الصِراط المُستقيم، مفهوم الزكاة، القِوامة، ضرب الزوجة، الجزية وإكراه الناس على دين الله، القتال في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله، قتل المُرتد، ومفهوم الشاهد والشهيد، والشهادة في سبيل الله، حقيقة الإسراء ووهم المعراج، صيام رمضان، التعددية الزوجية، مُعجزات الرسول (ص) التي لا نجد لها ذكراً في التنزيل الحكيم، لِباس المرأة، أوقات الحج وشعائره، كذلك حرمت الحلال، وأحلت الحرام، ونسخت الآيات والأحكام، وجاءت بتشريعات جديدة ما أنزل الله لها من سلطان، كأحكام الزواج والطلاق، وأحكام الإرث والوصية، والرجم الذي لا أصل له في رسالة المحمدية، وإلى غير ذلك من الأمور التي لا حصر لها.

    عصمة الرسول، صلوات الله عليه

    كثُرت الآراء حول عصمة رسول الله (ص) وتعددت فيها أقوال العُلماء وتباينت فيما بينهم، فمنهم من قال بأن الرسول (ص) غير معصوم في غير التبليغ، إي أنه معصومٌ فيما يؤديه عن الله تعالى، وليس بمعصوم في غير ذلك من الخطأ والنسيان والصغائر من الذنوب، (قال السفا ريني في شرح عقيدته) قال ابن حمدان في نهاية المبتدئين: “أنه يجب أن يكون النبي معصوماً من جميع الرذائل والفواحش منذ الصغر وحتى الموت، عمداً وسهوا.”

    وقال ابن عقيل في الإرشاد: “إنهم عليهم السلام، لم يعتصموا في الأفعال، بل في نفس الأداء ولا يجوز عليهم الكذب في الأقوال فيما يؤدوه عن الله” وقال ابن تيمية: “الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون فيما يخبرون به عن الله سبحانه وتعالى في تبليغ رسالاته باتفاق الأمة.. ولهذا وجب الإيمان بكل ما أوتوا، كما قال تعالى ( قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم ) وقوله، آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله” (مجموع الفتاوى، 10/ 29 )

    يعتبر الإمام عبده رحمه الله عليه، أن عصمة رسول الله (ص) كالمعُجزة، ضرورة من ضروريات صدق الرسالة، ومن مُقتضيات حكمة الله، وإذا كان الرسول، كبشر يجوز على جسده ما يجوز على أجساد البشر، وإذا كان الرسول كمجتهد قد كان يمارس الاجتهاد والشورى وإعمال العقل والفكر والاختيار بين البدائل في مناطق وميادين الاجتهاد التي لم ينزل فيها وحى إلهي، فإنه معصوم في مناطق وميادين التبليغ عن الله سبحانه وتعالى، لأنه لو جاز عليه الخطأ أو السهو أو مجانية الحق والصواب أو اختيار غير الأولى في مناطق وميادين التبليغ عن الله، لتطرق الشك إلى صلب الرسالة والوحي والبلاغ، بل وإلى حكمة من اصطفاه وأرسله ليكون حُجة على الناس. كذلك كانت العصمة صفة أصيلة وشرطًا ضروريًا من شروط رسالة جميع الرسل (ع) فالرسول في هذا النطاق – نطاق التبليغ عن الله – وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحى يوحى، وبلاغة ما هو بقول بشر، ولذلك كانت طاعته فيه طاعة لله، وبغير العصمة لا يتأتى له هذا المقام. أما اجتهادات الرسول (ص) فيما لا وحى فيه، والتي هي ثمرة لإعماله لعقله وقدراته وملكاته البشرية، فلقد كانت تصادف الصواب والأولى، كما كان يجوز عليها غير ذلك (الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده )”دراسة وتحقيق الدكتور محمد عمارة ج2 صفحة 416 ”

    بيد أننا نقول: أنه وبالرغم من اختلاف المسلمين في مقدار عصمة رسول الله (ص) إلا أنهم قد نسبوها له بشكل أو بآخر، وهنا نطرح سؤالاً: كيف لنا أن نوفق ما بين القائلين بعصمة الرسول (ص) قبل وبعد بعثته وبين قول تعالى: وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى (الضحى:7)

    العصمة في معاجم اللغة

    مقاييس اللغة (عصم ) العين والصاد والميم أصلٌ واحدٌ صحيحٌ يدلُّ على إمساكٍ ومنْع وملازمة والمعنى في ذلك كلِّه معنىً واحد. من ذلك العِصْمة: أن يعصم اللهُ تعالى عَبْدَه من سوءٍ يقع فيه.
    واعتصم العبدُ بالله سبحانه وتعالى، إذا امتنع. واستَعْصَم: التجأ.

    العصمة في اللغة معناها المنع، يقال عصمته عن الطعام أي منعته عن تناوله، وعصمته عن الكذب أي منعته عنه، وتقول العربُ: أعْصَمتُ فلاناً، أي هيّأتُ له شيئاً يعتصم بما نالته يدُه أي يلتجئ ويتمسَّك به، ومنه قوله تعالى:

    قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (هود:43) وقوله أيضاً:

    يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (غافر:33)

    يقول الله سبحانه وتعالى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (الحج:75)

    يُفهم من قوله تعالى، بأن الأنبياء هم صفوة البشر وأفضلهم ولا خلاف في ذلك، لكن هذا الاصطفاء والتفضيل القرآني للأنبياء، لا يعني أن التنزيل الحكيم قد نسب إليهم العصمة، بل نفاها عنهم بدليل أن القران قد نسب إليهم نواقص الصِفات (كالنسيان والسهو) والأعمال قبل وبعد بعثتهم ومُعرضون لما يتعرض له بقية البشر من السهو والنسيان والأخطاء والذنوب، بدلالة قوله تعالى:

    لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً – الفتح 2
    فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ – محمد 19

    لقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (التوبة:117)

    وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( القصص 87 )

    وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (الشعراء: 82 )

    سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى (الأعلى: 6)

    قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (القصص: 16)

    قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً (الكهف: 73)

    لقد جاءت هذه الآيات المبينات لتقطع الشك باليقين حول المفهوم المُلتبس الذي

  8. “الجزء الثاني”

    قراءة معاصرة في خصائص السُنة النبوية

    مروان محمد عبد الهادي

    لقد جاءت هذه الآيات المبينات لتقطع الشك باليقين حول المفهوم المُلتبس الذي تواتره المُسلمون في مسألة عصمة الأنبياء، وهذا المفهوم وللأسف من المفاهيم الثابتة عند السادة العُلماء، رغم تعارضه مع نصوص الكتاب الذي أُنزل على قلب رسول الله (ص) الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بعد هذا كله ننطلق في تساؤلنا المشروع: كيف لنا أن نوفق بين أقوال الأئمة الذين ضلوا وأضلوا، وبين هذه الآيات الواضحة أعلاه؟

    للوقوف أمام مفهوم عصمة رسول الله (ص) في كتاب الله تعالى، نقف خاشعين أمام قول الحق سُبحانه:

    يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (المائدة: 67)

    إن النظر في هذه الآية الكريمة بُبين لنا بشكل لا يقبل التأويل، بأن الله سُبحانه وتعالى قد عصم رسوله الكريم (ص) من تأثير الناس عليه، وحمايته من شرور الكُفار وكيد الفُجار حصراً، ولم يعصمه من الأخطاء، أو السهو والنسيان، ناهيك عن الذنوب، لقوله سُبحانه:

    وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرا ( الإسراء 73- 75 ) وقوله سُبحانه:

    وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (النساء 113 )

    إن أهم وأبرز ما يستوقف المُتأمل في الآيتين السابقتين: أنه كيف يكون لرسول إنسان بشر، مُعرض لمِثْلَي عذاب الحياة في الدنيا ومثْلَي عذاب الممات في الآخرة، أن يُشرع مع الله وينسخ آياته، ويُحرم ما أحلّ الله ويقضي على أحكامه؟ والله سُبحانه وتعالى يُخبرنا بشكل لا يقبل التأويل، أنه فضل على رسوله (ص) فضلاً عظيماً، وعصمه برحمته من طائفة همت بإضلاله، وأنزل عليه الكتاب الذي فيه تبيان كل شيء، وعلمه من الحكمة ما لم يكن يعلم؟ فقوله تعالى: وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (ولولا أن ثبَّتناك) على الحق، لِعِصمتنا إِياك لقد كدتَ تركَن إِليهم، أي هممتَ وقاربتَ أن تَميل إِلى مرادهم شيئاً قليلاً.

    إن المُدقق المُتجرد في هاتين الآيتين ، يُدرك بأن العصمة الإلهية اقتصرت على تأثير الناس على رسول الله (ص) لقد صدق الله تعالى وعده، فبلغّ الرسول (ص) الرسالة وأدى الأمانة. ( في مُناسبة نزول هذه الآيات أربع أقوال ) (6)

    لن يجد القارئ الفطن المُتدبر لكتاب الله تعالى، المُتسلح بعلوم ومعارف هذا العصر، والمُتحرر من عبودية السلف وكتب التُراث ، صعوبة في استشفاف المعنى الحق لمفهوم مُصطلح لفظ (السُنة) الذي ورد في الآيات السابقة، والذي يقتصر على مفهومين اثنين لا ثالث لهما:

    أولاً: (سُنن) قوانين الله تعالى التي لا تتحول ولا تتبدل، بدلالة قوله سُبحانه: فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (فاطر: 43)

    ثانياً: المنهج أو الدأب أو الطريقة (الفعلية والعملية) الذي يسير عليه الناس في تطبيق هذه القوانين الثابتة، وهو الطريق الموصل إلى غاية معنوية كانت أو محسوسة، وما عداه من تعريفات بشرية فليس عندنا بشيء، لأن لفظ (سُنة الرسول) لم يرد في التنزيل الحكيم أصلاً، وإنما ورد فيه (سُنة الله) فقط ، كما بينت أظهرت الآيات الكريمة التي استشهدنا بها، وقد يطرح أحدهم سؤلاً مشروعاً، إذا كانت السُنة هي القانون والمنهج العملي، فهل سن القوانين حصري لله تعالى، ألا يحق للرسول (ص) بصفة خاصة، والناس بصفة عامة، في سن القوانين لتنظيم شؤونهم؟ قبل الإجابة على هذا السؤال الهام، يتوجب علنيا أن نُميز بين مفهومين مُتداخلين وشائعين، المفهوم الأول مُصطلح الرسول والثاني مُصطلح النبي (ص)

    مهمة الرسول الكريم، صلوات الله عليه

    لا يختلف اثنان من عقلاء المسلمين بأن التنزيل الحكيم يخلو من الحشو واللغو والعبثية، والمُتدبر لكتاب الله تعالى، يرى وبوضوح دقة تراكيبه ومعانية التي لا تقل عن دقته سُبحانه وتعالى في خلقه لهذا الكون من أصغر ذرة إلى أكبر مجرة، فلكل حرف في التنزيل الحكيم وظيفة، ولكل كلمة مُهمة، فما هي مهمة الرسول (ص) المُحددة في ضوء التنزيل الحكيم؟ القول الفصل نجده في هذه الآيات الواضحة:

    وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (التغابن:12)

    فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (آل عمران:20)

    وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ (المائدة: 92)

    وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (الرعد:40)

    فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (النحل:35)

    فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ (النحل:82)

    قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ( النور:54)

    وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (العنكبوت: 18)

    مَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ (بس:17)

    فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ (الشورى:48)

    لقد نظرنا في قوله تعالى، مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَٰكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (الأحزاب: 40) فوجدنا ثلاثة مقامات للنبي الكريم، صلوات الله عليه، “محمد الرجل، ومحمد النبي، ومحمد الرسول” فأعماله وأقواله صلوات الله عليه، من مقام الرجل غير ملزمة لأحد، كعلاقته الزوجية والأسرية، وشرابه وطعامه ولباسه، ومعاشه وغدوه ورواحه، وحزنه وفرحه، كذلك الأمر في المقام الثاني، “النبي” لأن جميع آيات الطاعة جاءت لمقام “الرسول” (ص) حصراً، وأن الأوامر والتنبيهات التي جاءت إلى النبي (ص) مُخاطبة إياه بعبارة “يا أيها النبي” احتوت على تعليمات وإرشادات أو حالات خاصة بمقامه كنبي كريم، وليس لها عَلَاقَة لا من قريب أو من بعيد بالحلال والحرام، وأنه لا يوجد في التنزيل الحكيم آية قرآنية واحدة تقول: وأطيعوا النبي، أما المقام الثالث والأخير، فهو مقام محمد الرسول، صلوات الله عليه.

    بعد تدبر هذه الآيات الواضحة، نخلص إلى القول بأن كل ما فعله النبي (ص) بعيداً عن الرسالة ليس تكليفاً شرعياً، وأن مهمة الرسول (ص) الوحيدة تقتصر على تبليغ الرسالة التي تنزلت على قلبه وحياً، كاملة بأوامرها ونواهيها، لقوله تعالى:

    أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (المائدة:67)

    لقد جاءت طاعة الرسول (ص) المُكلف بتبليغ الرسالة للناس بأوامرها ونواهيها مُقترنة بالرسالة المكلف بتبليغها، لقوله سُبحانه: وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( آل عمران 132 ) وقوله سُبحانه: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (المجادلة: 13)

    وقد عزز سبحانه وتعالى هذه الطاعة بربطِها مباشرة بطاعته بدلالة قوله سُبحانه: مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّه وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (النساء: 80)

    لقد استعرضنا هذه الآيات المحددة والتي لا تقبل التأويل، لنصل بعدها إلى القول: بأنه من حق الناس والنبي (ص) بصفته نبياً وإماماً وقائداّ ومؤسساً لهذه الأمة في سن القوانين التي لا تتصادم مع سُنن قوانين الله، لأن سُنة (قوانين) الله تعالى هي المُهيمنة على سُنن البشر في كل الأحوال. نُشير بعجالة إلى حقيقة هي في غاية الأهمية، ويجب أن لا تغيب عن ذهن المُتدبر لكتاب الله تعالى: وهي أن سُنن (قوانين) العليم القدير، ثابتة أزلية، بمعنى أنها لا تتأثر بالزمان ولا بالمكان، ولا يُمكن لها أن تتصادم مع الحقائق الكونية، ولا تتبدل ولا تتحول لقوله سُبحانه، فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ( فاطر 43 ) بعكس سُنن النبي (ص) الصحيحة، فهي ليست ثابتة، ولكنها ظرفية زماناً ومكانا، متحركة تُراعي احتياجات الناس وَمُتَطَلَّبَاتهمْ اليومية (وهي ليست وحيا)
    إن المعيار الوحيد للأخذ بهذه السُنن، هو انطباقها على التنزيل الحكيم والواقع المُعاش، فإن تعارضت تركناها.

    ومن أهم هذه السُنن، تلك الخطبة التي كانت تسبق الصلاة من يوم الجمعة أو تليها، والتي راعت احتياجات المُصلين آنذاك، واستمرت طيلة فترة الخلافة الراشدة، إلى أن حولها المنتصرون من أهل السنة والجماعة من (موعظة الجمعة) إلى منبر سياسي لخدمة السلطان، فتحول الخطيب إلى قزمٍ ومريد، يدعو للسلطان بعمر مديد، أو قصاصاً يقص على المصلين قصصاً تهمل الزمان والمكان، وتغتال التاريخ، وتسقط العقل، كما كان يفعل القصاصون في المساجد في القرن السابع الميلادي، لا أكثر ولا اقل من ذلك!

    يقول الله تعالى: َإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (الجمعة: 10-11)

    آيتان كريمتان لا تُشيران لا من قريب أو من بعيد إلى خطبة الجمعة، والتي أصبحت بفعل فاعل جزأً لا يتجزأ من صلاة الجمعة ولا تقوم الصلاة بدونها في رأي غالبية الفقهاء! لقد اخذ البعض قوله سُبحانه ( وَتَرَكُوكَ قَائِماً )ْ على ظاهره، معتمدين على روايات متضاربة، بعضها يدعي بأن النبي (ص) كان قائماً على المنبر (يخطب) والبعض الآخر بأن النبي (ص) كان قائماً في الصلاة.. بالرغم من أن سياق الآية يُشير إلى أن النبي (ص) كان قائماً عليهم في الصلاة. فقوله سبحانه وتعالى: إِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُون” أوضح من أن يتجاهله ذو لب. فنحن أمام نص إلهي واضح: فإذا قضيت الصلاة، أي أديت وفرغ منها، فانتشروا في الأرض أي لكم بعد انقضاء الصلاة أن تتفرقوا حيث شئتم في أعمالكم واذكروا الله ولا تنسوه، واذكروه ذكراً كثيراً لعلكم تفلحون. أنظر إلى قوله تعالى:

    وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ َلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً (النساء:102)
    أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (الزمر 9 )

    أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهود (الإسراء: 78) وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين (هود: 114)

    من هنا، فنحن نقول على أن طاعة الرسول (ص) للرسالة التي نزلت على قلبه بفروعها الثلاث، الشعائر، وآيات الصِراط المستقيم (أركان الإسلام” (سورة الأنعام: 150– 152) وآيات الأحكام والتشريع، هي طاعة واجبة في حياته وبعد ومماته، ونقول أيضاً، أن الطاعة للرسول (ص) جاءت من مقام الرسالة المُكلف بتبليغها للناس كافة، والتي تحتمل الطاعة والمعصية، ولم تأتي للنبي (ص) من مقام النبوة وعلومها التي تحتمل التصديق والتكذيب.

    الأصل في الأشياء الحِلية، والحرام هو الاستثناء

    إن الأصل في الأشياء الحِلية، والحرام هو الاستثناء، والحلال لا يمكن ممُارسته في أي مجتمع إلا مُقيدا، وإن أهم سِمة من سمات تقييد الحلال أنه لا يحتاج إلى وحيّ، فتقييد الحلال في زمن النبي (ص) حيناً، وإطلاقه حيناً آخر، معناه أن النبي (ص) سنّ قوانين إضافية حملت الطابع ألظرفي والمكاني وحاكت احتياجات المُجتمع في عصره أوجبت طاعته في حياته فقط ، ولهذا السبب بالذات أمر النبي بعدم تدوين أحاديثه، وهو ما رواه أحمد في مُسنده، ومُسلم في صحيحة، وابن عبد البر في كتاب العلم، وغيره عن أبي سعيد ألخدري مرفوعاً (إن صحَّ) “لا تكتبوا عني شيئاً إلا القرآن فمن كتب غير القرآن فليمحه” ونضرب مِثالاً على قرار اجتهادي اتخذه النبي (ص) في تقييد الحلال المُطلق ثم أطلقه من قيوده مرة ثانية فيما بعد، وهذا المِثال هو زيارة القبور.

    من الطقوس التي مارسنّها النساء قبل الإسلام، وفي كل مرة كن يزرن فيها القبور، أن يمزقن جيوبهن وثيابهن للتعبير عن حزنهم حين يموت لهن ميت، إلى أن اجتهد وسنّ النبي (ص) (قانوناً مدنياً) نهى فيه النساء عن زيارة القبور وشق الجيوب، عِلماً بأن زيارة القبور أو عدم زيارتها حلال، لكن النبي (ص) (إن صحّ عنه) قيد هذا الحلال للحد من عادات جاهلية مُتأصلة عند العرب قبل الإسلام، ولكنه عاد فسمح بزيارة القبور بعد أن رسخت المفاهيم الإسلامية في قلوب الناس. فكان ما فعله النبي (ص) (سُنة) قانوناً مدنياً ظرفي، قيد فيه حلالاً مًطلقاً، انتهى بانتهاء الأسباب التي أوجبته وليس تحريماً، ولكن المُشكلة الكُبرى جاءت من فهم رجال الدين وعدم مقدرتهم على التفريق بين الحرام وتقييد الحلال المطلق، حيث اعتبروا تقييد الحلال تحريماً لحلال، وتحليلاً لحرام. (7) ( انتهى)

    إن التحريم الفقهي للأئمة الذين ضّلَوا وأضّلَوا، وعلى قدم المساواة مع المحرمات التي جاءت صريحة في التنزيل الحكيم يكون نوعاً من الشرك الذي أشار إليه قوله تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّـهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ) ﴿يوسف: 106﴾ فالشرك هو لسان حال أكثر منه لسان مقال، وليس بالضرورة أن يكون علنياً، وللشرك أنواع، أسوأ أنواعه هو شرك التجسيد الذي لا يغتفر. ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أذكر قارئ التنزيل الحكيم بقوله تعالى: إِنَّ اللَّـهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّـهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا ﴿النساء:48﴾

    وقد يكون خافياً على البعض من أن جُل محاولات الفقهاء الإحاطة بتصرفات العباد والتضييق عليهم يدخل في باب الصناعة الفقهية لا أكثر ولا أقل من ذلك. فالأصل في الأشياء الإباحة، فلا حرام إلا ما حرم الله سُبحانه، وهذا من رحمته على عباده لتضيق دائرة الحرام، لتتسع دائرة الحلال، رِفقاً وَرَفَعَا للعنت والحرج، كما في قوله تعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (الحج: 78) أنظر إن شئت كيف استبدل القائلون بتقديس التراث وأصحاب التراث آيات التنزيل الحكيم بالذي هو أدنى، بالأحاديث والروايات المُمتلئة بالطمي والرمم، والغث والسمين، والموضوع الكثير والصحيح القليل كمصدر للدين والعلم، حتى وقع السواد الأعظم من المسلمين في المحظور، والعُلماء الأفاضل في الحرام. لقد حرّموا ما أحله الله بالرغم من قوله تعالى في آيات لا تقبل التأويل، كقوله: “وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ (النحل: 116)

    لقد خُتم الإسلام متكاملاً بالرسول الكريم لقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا (المائدة: 3) فالمدقق المتجرد في مرامي هذه الآية يدرك واقعيتها ومحاكاتها للمنطق، لذا فالمحرمات أغلقت بالرسالة المحمدية، وكل فتاوى التحريم مرفوضة جملة وتفصيلاً، وإلا وقعنا فيما وقع فيه الذين اتَّخَذُوا “أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّـهِ” (التوبة:31) والمحرمات في التنزيل الحكيم ستة عشر، لا أكثر ولا أقل من ذلك، تسع منها في سورة (الأنعام:151) مضافاً إلها الأطعمة المحرمة (المائدة: 3) (الأنعام: 119) ومحارم النكاح (النساء: 23) وربا “الصدقات” (البقرة: 275) والأشهر الحرم (التوبة: 136) وصيد البر في حالة الإحرام (المائدة: 96) وتحريم القتال في مكة (المسجد الحرام) (النمل: 191) والإثم والبغي بغير الحق (الأعراف: 33)

    ونقف عند المحرمات من الأطعمة في سورة (المائدة: 3) وربا الصدقات في سورة البقرة: 275) يقول الحق سُبحانه:

    حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّـهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿المائدة: 3﴾

    قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّـهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿الأنعام: 145﴾

    إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّـهِ بِهِ ۖ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿النحل: 115)

    إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّـهِ ۖ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿البقرة: 173)

    وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّـهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِۗ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (الأنعام: 119)

    ما فهمناه من خلال تلكم الآيات، وعلى وجه الخصوص قوله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْه، وقد تكرر قوله سُبحانه، خمس مرات في التنزيل الحكيم وأتى في كل مرة متلازماً مع المحرمات من الأطعمة حصراً، هو أن هذا الاضطرار ليس على إطلاقه كما يتوهم الكثيرون، والأهم من ذلك كله، أنه لا يجوز تعميمه وإعماله في المحرمات الأخرى، إذ أنه من المحال عقلاً أن الضرورة تُبيح نكاح المحارم، أو قتل النفس التي حرم الله بغير الحق، أو أكل مال اليتيم، أو شهادة الزور، وغير ذلك من المحرمات المنصوص عليها صراحة في التنزيل الحكيم. لذا، فالقول بأن “الضرورات تُبيح المحظورات” عندنا محل حظر وتحفظ شديدين، حيث أن هذه المحرمات هي ركن رئيس من أركان الإسلام التي فُطر الناس – كل الناس – عليها، لقوله تعالى: ا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴿آل عمران: 102﴾ والتي اختفت بعد أن استبدل المسلمون وبعد سنوات قليلة من انتقال الرسول، صلوات الله عليه إلى الرفيق العلى، آيات التنزيل الحكيم بالأحاديث التي تعج بالإسرائيليات، والتي أصبحت وللأسف الشديد، جزءاً من السنة النبوية، ومرجعية يتيمة لفهم مقاصد الشارع الحكيم، والشريعة الغراء، فنتج عن ذلك أن أضحت الأحاديث والروايات بشوائبها حاكمة على المصدر الأول والأخير ومهيمنة عليه،فغدت نصوص التنزيل الحكيم عرضة للارتهان لنصوص مختلقة تم تمريرها كسُنة نبوية تحقيقاً لأغراض أيديولوجية لواضعيها، بعد أن رُفِعت مرتبة هذه النصوص إلى وحيّ ثانٍ.

    ِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًاۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّـهَ بِهِ عَلِيمٌ
    الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون

    الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَاۗ وَأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَاۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّـهِۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّـهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِۗ وَاللَّـهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴿البقرة: 273– 275)

    إن المدقق في مرامي الآيات أعلاه، يرى بوضوح العلاقة بين الربا والصدقات، وأن الربا المحرم هو ربا الصدقات، لأن البيع حلال في الأصل، وحجتنا نستمدها من قول الحق سُبحانه: وهي أوضح من أن يتجاهلها عاقل،” يَمْحَقُ اللَّـهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِۗ وَاللَّـهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيم” لذا، فالبنوك الاستثمارية بداهة لا علاقة لها من قريب أو من بعيد بالصدقات أو بأصحابها، لأن أصحاب الصدقات يأخذون المال كصدقة لا ترد، أو كقرض حسن استهلاكي بدون فائدة ولأجل مسمى، يتفق عليه أصحاب الصدقات وتلكم المؤسسات الخيرية، لقوله تعالى: “وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿البقرة: 280) أما في فيما يتعلق في القروض الاستثمارية التي تعطى لغير مستحقي الصدقات، من مزارعين وصناعيين، وتجاراً، فلا يجوز أن يتجاوز مُجمل فوائدها الضعف، لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّـهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿آل عمران: 130) ذلك إن أراد أصحاب هذه المؤسسات الاستثمارية البقاء في دائرة الحلال، وتأسيساً على ما سبق، ومن خلال فهمنا للعلاقة الضبابية عند السادة العلماء بين الربا والصدقات، نخلص إلى أن البيع بربح لأصحاب الصدقات حلال، وَأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ، وأن القروض بفائدة لأصحاب الصدقات حرام، وَحَرَّمَ الرِّبَاۚ.

    فإن سألنني سائل، ألم يقل الحق سُبحانه، “وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا” نُحيب بالقول: الآية الكريمة التي دأب السادة العلماء بإخراجها من سِباقها وسِياقها عن عمد أو غير ذلك، تتحدث حصراً عن مصارف أموال الفيء ووجوهه (الغنائم) وتتحدث عن نصيب الرسول (ص) منها وذي القربى واليتامى والمساكين ومستحقيها من المسلمين، وتحث المسلمين على طاعة الله تعالى في أوجه صرف الفيء، وطاعة الرسول الكريم (ص) في هذه الآية تحديداً، هي طاعة خاصة بالفيء ووجوه صرفه، ولا تشمل العمومية، ولا يجوز سحبها على كل ما ورد في كتب الأحاديث. فقوله سُبحانه: “وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا” فالإشارة هنا واضحة إلى أن للنبي (ص) أن (يأمر وينهى، ولكن ليس له أن يُحل الحرام، أو أن يُحرم الحلال.

    فالحلال والحرام أبدي وشمولي وتوقيفي من الله حصراً، لا شريك له فيه، حيث أنه من بديهيات المنطق، الإقرار بأن المُحرمات لها خواص لا يُدركها إلا العليم البصير، كامل المعرفة في الغيب والشهادة، التي لا يحدها الزمان ولا المكان، هذه المعرفة لا يملكها رسول من عند الله، أو فقيه، ولا إجماعاً أو مجلس نيابي. الأمر والنهي أمرٌ يشترك فيه الله سبحانه وتعالى والناس، فإذا فهمنا ما سبق حق الفهم، وعلى ضوء ذلك، تُصبح كل التشريعات التي شرّعها الفقهاء ولا أصل لها في كتاب الله، باطلة نصاً وروحاً، ولا مكان لها في شرع الله الذي لا يشرك في شرعه أحد، (كائناً من كان)
    معجزات الرسول، صلوات الله عليه

    لا نُخفي سراً إن قلنا بأن اَلْمُسْلِمِينَ بعد أن هجروا كتاب الله تعالى، قد جردوا الرسول الكريم من بشريته، وأخرجوا أقواله وأفعاله، صلوات الله عليه، من المصدر الرئيس، الكتاب الذي أُحكمت آياته من لدن عزيز حكيم، حتى أصبح البُصاق على الطعام والشراب من مُعجزات رسول الله (ص) وبات التبرك ببوله أمراً مُستساغاً، ونُحيط القارئ الكريم علماً، بأن هنالك العديد من الكتب التي ألفت في هذا الفن خصيصاً، وهي مُستوحاة من ما يُطلق عليه جِزافا بصحيحي البخاري ومُسلم، إليكم بعض الأمثلة من هذه الأحاديث المكذوبة على رسول الله (ص) التي يبرز فيها التناقض وتغيب عنها المصداقية.
    صحيح البخاري، الحديث رقم 4204 عن البراء بن عازب، انه كان مع الرسول (ص) يوم الحديبية إلف وأربعمائة أو أكثر، فنزلوا على بئر فنزحوها فاتوا النبي (ص) فأتى البئر وقعد على شفريها، ثم قال: ائتوني بدلو من مائها، فأتي به ( فبصق ) فدعا ثم قال: “دعوها ساعة” فأروا أنفسهم ورِكابهم حتى ارتحلوا. وفي الحديث رقم 4203 ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم تمضمض ودعا ، ثم صبه فيها!
    صحيح البخاري، الحديث رقم 4259 حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم ، قال أخبرني سهل بن سعد (ض) أن رسول الله (ص) قال يوم خيبر ‏”‏ لأعطين هذه الراية غدا رجلا ، يفتح الله على يديه ، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله ‏”‏‏ قال فبات الناس يدركون ليلتهم أيهم يعطياه، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله (ص) كلهم يرجو أن يعطاها فقال:‏ أين علي بن أبي طالب؟ ‏.‏ فقيل، هو يا رسول الله يشتكي عينيه‏.‏ قال:‏ فأرسلوا إليه،‏‏.‏ فأتي به (فبصق) رسول الله (ص) في عينيه، ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال،‏ أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فو الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم.‏‏

    صحيح البخاري، الحديث رقم 185 حدثنا آدم قال حدثنا شعبة قال حدثنا الحكم قال سمعت أبا جحيفة يقول: “خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة فأتي بوضوء، فتوضأ فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون به.. فصلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ركعتين، والعصر ركعتين وبين يديه عنزة” وقال أبو موسى: “دعا النبي صلى الله عليه وسلم بقدح فيه ماء، فغسل يديه ووجهه فيه (ومج فيه) (أي بَصقَ) ثم قال لهما اشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحوركما!

    الآن وقد اقتحمنا العقبة وأمطنا اللثام عن المفهوم الصحيح للسُنة النبوية، وشرحنا ذلك بالأمثلة والشواهد، واستشهدنا بآيات التنزيل الحكيم، نُقرر جازمين بأن السُنة النبوية ليست الحكمة المُشار إليها في كتاب الله، وأن الرسول (ص) ليس معصوما من الأخطاء أو الذنوب، أو السهو والنسيان، بل هو معصومٌ حصراً من تأثير الناس عليه، كذلك بينَا أن الكتاب الذي أُنزل على قلب رسول الله (ص) كامل، والكامل لا يحتاج إلى زيادة أو نًقصان، وعليه: فإن الطرح الحالي للمفهوم الفقهي للسُنة النبوية لا عُلاقة له من قريب أو من بعيد مع سنة النبي – صلوات الله وملائكته عليه.

    الطامة الكُبرى بأن الإمام الشافعي رحمة الله عليه، ابتدع في دين الله تعالى وأتى بفرضية الحكمة هي السُنة ، وأسس على هذا الافتراض وبنى عليه أصولاً وأحكاماً في الفقه، والمُقلِدون المُتعصبون من عُلماء العصر، وهم في حقيقة الأمر لا يعُدون عُلماء وإن عدوا عُرفاً لجهلِهم أو تجاهلهم الحقائق القرآنية بعدما استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، بالأحاديث الظنية والمُمتلئة بالإسرائيليات، وألطم والرمم، والغث والسمين، والصحيح القليل، والموضوع الكثير كمصدر للدين والعلم، حتى وقع السواد الأعظم من المسلمين في المحظور، وأوقع العُلماء الأفاضل أنفسهم في الحرام. للأسف الشديد، لقد أراحوا عقولهم لهذه الفرضية، ووجدوا أنها أيسر من إجهاد الذهن في الاجتهاد في كتاب الله تعالى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

    الحواشي – المراجع

    (1)

    دخل الإسلام مع أبيه أبى سُفيان زعيم المُشركين سابقاً، وأمه هند بنت عتبه في نهاية عهد الرسول (ص) بعد فتح مكة.

    (2)

    وقعة صفين هي المعركة التي وقعت بين جيش علي بن أبي طالب وجيش معاوية بن أبى سفيان في سنة 39 هجرية. طالب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب معاوية بالبيعة، فيما طالب معاوية عليا ًبالقصاص أولاً من قتلة عثمان ثم تكون البيعة. وأصر علي على أن تكون البيعة أولاً. تقابل الجيشان هناك وقام بينهما قتال شديد كان يستمر يوميا من بعد صلاة الفجر إلى نصف الليل وقتل فيه ما بقارب 70 ألفا.

    (3)

    فرقة إسلامية ظهرت في عهد الخليفة علي بن أبي طالب نتيجة الخلافات السياسية التي بدأت في عهد عٌثمان بن عفان.

    (4)

    نسبة إلى العام الذي أصبح فيه معاوية بن أبي (أبي) سفيان خليفة للمُسلمين.

    (5)

    الشيخ محمود أبو ريه – رحمه الله في كتابه (أضواء على السُنة المُحمدية) ص 6-7

    (6)

    في مُناسبة نزول هذه الآيات أربعة أقوال:

    أولاً: أن وفداً من ثَقيف أتَوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: متِّعنا باللات سَنة، وحرِّمْ وادينا كما حرَّمْتَ مكة، فأبى ذلك، فأقبلوا يُكثرون مسألتهم، وقالوا: إِنا نحب أن تعرِّف العرب فضلنا عليهم، فإن خشيتَ أن يقول العرب: أعطيتهم ما لم تعطنا، فقل: الله أمرني بذلك؛ فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم (عنهم) وداخلهم الطمع، فنزلت هذه الآية، رواه عطاء عن ابن عباس. وروى عطية عن ابن عباس أنهم قالوا: أجِّلنا سنة، ثم نُسلم ونكسر أصنامنا، فهمَّ أن يؤجِّلهم، فنزلت هذه الآية

    ثانياً: أن المشركين قالوا للنبي (ص) لا نكفُّ عنك إِلا بأن تُلِمَّ بآلهتنا، ولو بأطراف أصابعك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما علَيَّ لو فعلت والله يعلم إِني لَكاره»؟ ” فنزلت هذه الآية، قاله سعيد بن جبير، وهذا باطل لا يجوز أن يُظَنَّ برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ما ذكرنا عن عطية من أنه همَّ أن يُنْظِرهم سنة، وكل ذلك مُحال في حَقِّه وفي حق الصحابة أنهم رَوَواْ عنه.

    ثالثاً : أن قريشاً خَلَواْ برسول الله ليلةً إِلى الصباح يكلِّمونه ويفخِّمونه، ويقولون: أنت سيدنا وابن سيدنا، وما زالوا به حتى كاد يقاربهم في بعض ما يريدون، ثم عصمه الله من ذلك، ونزلت هذه الآية، قاله قتادة

    رابعاً: أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اطرد عنك سُقَاط الناس ، ومواليهم، وهؤلاء الذين رائحتهم رائحة الضأن، وذلك أنهم كانوا يلبَسون الصوف، حتى نجالسَك ونسمعَ منك، فهمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل ما يستدعي به إِسلامهم، فنزلت هذه الآيات، حكاه الزجاج؛ قال: ومعنى الكلام: كادوا يفتتونك، ودخلت «إِن» واللام للتوكيد. قال المفسرون: وإِنما قال: «ليفتتونك»، لأن في إِعطائهم ما سألوا مخالفةً لحكم القرآن. فقوله تعالى { لتفتريَ } أي: لتختلقَ { علينا غيرَه } وهو قولهم: قل الله أمرني بذلك، {وإِذاً} لو فعلت ذلك { اتخذوك خليلاً} أي: والَوْكَ وصافَوْكَ. تفسير زاد الميسر / ابن القيم الجوزي.

    (7)

    مروان بن الحكم بن أمية

    (8)

    نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي، الدكتور محمد شحرور

  9. من ناحية اتساع الصدر فلا مشكلة في ذلك..
    المشكلة هي المغالطات التي تجعل من المقال “نموذجا” لمحاولات أدعياء التجديد و أنسبائهم وأصهارهم وأشباههم..إنسف مفاهيم السنة باسم التجديد..وبعد ذلك يمكن لك أن تشرعن التفلت حتى من القرآن الكريم..
    كمثال على ذلك و من نفس قلم الكاتب “مروان محمد عبد الهادي” الرابط التالي الذي يقدم فيه رؤيته التجديدية في تحليل شرب الخمر..وهي رؤية تجتزء المعاني و الآيات و تسقط عند أول تدقيق لمفردة الاجتناب في القرآن الكريم”وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ “..
    على سبيل المثال
    ..نترككم مع الرابط http://www.amrallah.com/ar/showthread.php?p=3144

  10. الأخ القعقاع،

    بهذه الطريقة لا وجود (لإحكام العقل) أو (لمنهاجية علمية متحررة) في التحاور. قولك كلامهم غير (مقنع..انتهى) يدل على غياب (المعايير والأدوات النقدية) إلا اذا اعتبرت أن عدم الاقتناع بدون برهان واضح (حرية أو أهواء شخصية)..

    أخ قعقاع، بخصوص المنع فقد كان على الكتابة في نفس الصحيفة أما بخصوص الأمر فأنت لم تعلق على أحاديث الأمر بكتابة السنة (وهذا غير انه صلى الله عليه وسلم لم ينه عن الرواية) وتعتمد أخي استخدام نفس الاسلوب وهو فتح محور حواري جديد كما فعلت عندما لم تعقب على كونه صلى الله عليه وسلم بشرا ونبيا..

    أما الان فتريد مناقشة النسبية والمطلق؟

    الأخ مروان من خلال مشاركتك والردود، هنا وفي الموقع المشار من admin شكرا لإثبات أننا على الطريق المستقيم

  11. يا لأخ يا مواطن عادي ..إذا كان رغبتك أن أقول إني ناقل فاشل ..فأنا ناقل فاشل …( أرجوا أن تكون مرتاحاً بعد أخذ هذا الأعتراف !! ) …

    ولكنكم لم تجيبوا على أسئلتي بالنسبة :
    للنص التشريعي الثاني( الحديث ) الذي منع وطلب حذفه من قلب النبي ؟
    بالنسبة للترادف في القرآن ؟
    بالنسبة هل كلام النبي نسبي أم مطلق ؟

    وبالنسبة لإجابتكم ..الإجتهاد من مقام البشر …فأظن أن الأطفال تضحك من هذه الإجابة ..
    ومن ثم هذا يوحي بكلام أن النبي معصوم في كل ما يقوله من مقام النبوة …وهذا يرده القرآن الذي أخطأ اجتهاد النبي من مقام ((( النبوة ))) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [التحريم : 1]

    ونفس هذه الآية توضح أن مقام الإجتهاد هو مقام النبوة ….
    ………………………………………………………………………………..
    وأنا لن أصفق لـ (مروان محمد عبد الهادي) …
    ولكن أدعوكم أن تردوا عليه بالحجج وتضحدوا ما جاء به ..
    وأظن أن الجهد الذي بذله يستحق الرد .. أو ليتفضل الدكتور أحمد بالرد عليه لأن مروان محمد عبد الهادي وجه هذين المقالين كرد عليه …أم أن ( الدكتور أحمد ) لا يتنازل ليرد عليه ..أرجو أن أكون مخطئاً !!
    لا أعرف من هو مروان محمد عبد الهادي (والله شاهد على ما أقول ) ..هل يكون ملحداً !! ولكن ما جاء به يستحق الرد والنقاش …
    ولا تتهربوا من الموضوع بالشخصنة كالعادة ….
    دعائي لكم بالتوفيق …
    قعقاع …

  12. الأخ عبد الله موسى ..كلامهم غير مقنع وأعطيتك السبب وأرد وأكرر :

    وذلك لأنهم يقولون بأن النبي منع كتابة المصدر التشريعي الثاني وخذا كلام خطير !!!

    أو أن النبي لم يعتبر ان كلامه مصدر تشريعي ثاني إلى جانب القدرآن وهذا أخطر !!!

    وبالنسبة لنسخ السنة بالسنة ..فهذا حل اضطر العلماء لوضعه ليرتاحو من التنافر الفكري لديهم ..فكلما أشكل عليهم فهم أمرين متناقضين قالوا بالنسخ وهذ ما فعلوه مع القرآن أيضاً ….

    وبالنسبة أن المنع في نفس الصحيفة فلا دليل قيد أنملة على ذلك ….وعلى العكس الدليل يعاكس هذه الحجة لأنه طالب بحذف كان موجوداً بالأصل من الكلام …

  13. الأخ قعقاع: تقول عن هذا الشيء أو ذاك أنه خطير و تستهوله..وكلامك أنت الخطير..الرسول عليه الصلاة و السلام لم يمنع تناقل الحديثومنع كتابته فقط وهذا أمر شديد الصلة بعدم اختلاطه بالقرآن..تقول إن هذا غير مقنع؟ بل كل ما تقوله أنت غير مقنع..
    التصحيح القرآني لقول نبوي معين يدل ضمنا على إن بقية ما لم يصحح كان يس بحاجة الى تصحيح وهذا واضح في المقال الذي يبدو إنك لم تقرآه لاتشغالك بالقص واللصق..
    الاطفال يضحكون على مقام البشر؟..
    هل ترى في ضحكهم هذا دليل على شيء ما؟.. ذلك أنهم قد يضحكون أكثر على ما تفضلت به..
    لم يتهمك أحد بأنك تعرف الاخ مروان فلم هذا التدافع في نفي التهمة..يكاد المريب يقول خذوني…

  14. هناك آيات أخرى تناقض ما تقول عن مقام النبوة فلا تنتقي..

    يمكنك مراجعة المقال قليلا إن احببت قبل الرد..
    الحديث وصل بلفظ نسبي لكن معناه مطلق ..هل يرضيك هذا الآن؟

  15. نسيت نشر ردي .. يا أخ أدماين !!

    حامل الرسالة نفسها يجب أن يجعلها المعيار لأنها مثل العسل الصافي الذي جاء من الله ..
    ولا يجوز أن يعبث بمحتوى الرسالة لأن مهمته ليس أن يضيف أو ينقص من محتواها وإنما أن يوصلها بمنتهى الأمانة ..ولا يحق أن يجل لنفسه صفة مثل صفة صاحب الرسالة الأصلي ( الله ) أي ليس لديه الصلاحية أن يجتهد من مقام الرسول لأن مقام الرسول هو بلاغ المطلق المبين …

    هل نفهم أن الإجتهاد يكون في مقام يكون هو مقام النبوة وفي هذا المقام النبي مطالب بأن يطيع الرسالة نفسها ؟
    هل نفهم أن الله أنكر على النبي تحريم ما أحل الله لأن الله اعتبر ذلك بأن الموضوع خطير فالتحريم والتحليل من خصائص الرسالة ( من الله ) وليس مقام النبوة ؟

    هل نفهم مقام النبوة بأنه اجتهاد النبي النسبي حسب الظروف ( المكانية والتاريخية والزمانية والأدوات المعرفية ) حسب مستواه الروحي والفكري مع النص الرسالي الذي جاء به من الله ؟
    تفاعل النبي نسبي لأنه تفاعل النبي حسب مستواه الروحي والفكري مع المطلق وبالتالي

    النسبي ليس مطلق سواء بالشكل أو بالجوهر( المعنى ) …

    السلام ليكم …

  16. الاخ قعقاع..لم ينس أحد نشر ردك فلا داع لعقدة الاضطهاد..
    هل تزايد على الرسول الكريم؟..هو و ربه اعلم بما يجب و لا يجب فلا داع لتحكيم عقلك “الافتراضي”..
    ذكر في المقال ما يكفي ويزيد عن مقام النبوة فلا تكرر هذا الهذر الذي نسمح بنشره مرة أخرى..مقام النبوة أعلى من مقام الرسالة فلا تخلطه بالمقام البشري الذي يجوز فيه الاجتهاد..قررت انت ان النسبي ليس مطلق سواء بالشكل او بالجوهر!!
    بدلالة ماذا؟؟

  17. الاخ أحمد
    عندما يرغب الدكتور احمدخيري العمري بالرد فسوف يرد بنفسه،وهو يفعل ذلك دوما عندما يكون هناك ما هو موجه له،كلامك لم يكن موجها له بل للموقع بشكل عام..
    عودتك الى المقال المذكور انتقائية كما هو متوقع ،و كلام الكاتب عن الاجتناب و كونه لا يعني التحريم واضح جدا لكل ذي عقل..
    ..من الآخر اخي الكريم:أنت تنسى نفسك أكثر من مرة و تقرر ما تعتبره بديهة (نؤسس لحوار راقي!!)..ونحن لم نعلن هذا في أي مكان كسياسة للموقع..لذلك لا تعتبره بديهة في كل موقع تدخل له..
    لن نتجنب تصنفيك أبدا عندما نتعرف عليك أكثر..وهو أمر لن يحدث بكل الأحوال..
    بكل الأحوال نشكر لك أدبك في تعليقك بالمقارنة مع تعليقاتك السابقة في السنة الماضية…لكن المشكلة إن المضمون واحد…

  18. من متابعتي للحوار بات من الواضح عندي إن بعض الشخصيات تستخدم مرونة الادارة لدس سمومها الفكرية في كل حوار..هؤلاء لا يمكن إلا أن يتم استئصالهم…

التعليقات مغلقة.