عن جيل آخر …قادم لا محالة

                        

 

                                 عن جيل آخر قادم لا محالة

إهداء خاص إلى شباب وشابات موقع “حكيم” وتفرعاتهم …

د.أحمد خيري العمري القدس العربي

 

                                  caught_080620_ray2

 

                      

خيل لي أني رأيتهم عدة مرات ، أو على الأقل رأيت نماذج منهم ، و كنت في كل مرة أشهق و أحاول كتم فرحي، كمن يخشى على فرحه من أن يسرقه الآخرون أو يفسدونه بالتشويه..

هذه المرة لم يعد الكتمان مجديا، ربما لأن خوفي عليهم صار يفوق فرحي بهم، و ربما لأني صرت واثقا أكثر فأكثر من أنهم هم !، و ربما لأني أشعر بالمسئولية تجاههم ، و ربما أيضا لأني وعدتهم أن اكتب عنهم بعد أن كنت أكتب لهم، وربما بسبب كل ذلك..أو بالرغم منه..!

أنهم “ذلك الجيل الآخر ، القادم لا محالة” الذي أهديته ، من دون أل التعريف ، كتابي ألأول ، يومها لم أكن أدرك بالضبط إن كنت أتحدث عن أناس ولدوا فعلا، أم  أتحدث عن “الذين لم يولدوا بعد” ، لكني كنت واثقا بلا حدود ، كما لا أزال اليوم، أن هذا الجيل قادم لا محالة مهما تأخر أوانه ، و مهما تعثرت خطواته ، و مهما بدا طريقه وعرا و موحشا و مليئا بالمصائد و المطبات..

ثقتي كانت و لازالت جزءا من إيماني المطلق بسنن إلهية قد  يختار البعض أن يسميها حتميات تاريخية أو قوانين اجتماعية، و يمكن أن تكون هذه السنن مزيجا فعلا من تلك القوانين ، و من قانون الفعل و رد الفعل تحديدا، بحيث أن ما قد يبدو من الخارج مجموعة من الظروف الباعثة على اليأس و الإحباط، قد يكون في الحقيقة هو مجموعة الشروط الموضوعية لبزوغ هذا الجيل و انبعاثه مما كان يبدو انه مقبرته و ساحة إجهاضه ، انه ذلك الأمل الذي يولد من أقاصي اليأس، ذلك الأمل المتولد من مواجهة واقع صار الاستمرار فيه يعني الانتحار الحتمي،يعني على الأقل القبول بخيار الانقراض..و بالتأكيد لا اقصد هنا  الانتحار أو الانقراض  بالمعنى البيولوجي ، و لكني أقصد ناحية لا تقل أهمية و خطورة عن ذلك ، وتشمل هوية أي أمة و مجتمع و مقومات وجودها و ثوابتها..

و سيكون من المحزن المضحك محاولة إنكار الأخطار التي تحدق بوجود أمتنا من هذه الناحية ، و هي أخطار متعددة المصادر، بعضها ناتج عن الطبيعة العولمية للحضارة الغربية بنسختها الأمريكية خصوصا ، و هي تهدد  الخصوصيات الثقافية للعالم بأسره و ليس مجتمعاتنا فقط ، حتى بعض المجتمعات الغربية التي تملك  مشتركات مع التجربة الأمريكية ، و يزيد الأمر خطورة و تعقيدا مع مجتمعات كمجتمعاتنا لأنها تعيش سباتا تاريخيا صارت أسبابه و جذوره تبدو كما لو أنها جزء من هوية الأمة بعدما تنكرت هذه الأسباب خلف فهم سلبي لنصوص دينية كان سبب نزولها الأصلي عكس ما انتهى له هذا الفهم ، هذا عدا عن نصوص ضعيفة أو موضوعة تراكمت على وعي الأمة كالأدغال التي تحجب الهواء و الماء عن أي بذرة لنبتة مرجوة الثمار ، و هكذا صارت معركة الصراع من اجل بقاء الأمة تتطلب الحرب على جبهتين لا يمكن التهاون في أي منهما لأن ذلك سيقود إلى تقوية الجبهة الأخرى حتما ، الجبهة الأولى هي محاربة المفاهيم السلبية التي تنكرت خلف النصوص الدينية و أوصلت الأمة إلى الدرك الذي انحدرت  له ، ليس أقلها إيمان سلبي بالقضاء و القدر لو آمن فيه الجيل الأول لما خرج من مكة و لما أعاد صنع العالم ، و لا يقل عنها ذلك  الخضوع و الانقياد الذي  سهّل بقاء أنظمة استبدادية مختلفة المظهر متشابهة الجوهر..الجبهة الثانية – و الترتيب ليس بحسب الأهمية إذ لا يمكن التمييز بين ما هو  أهم و مهم هنا- هي جبهة الصراع مع قيم غربية وافدة –ليس لأنها غربية ووافدة – بل لأنها ببساطة تتناقض جملة و تفصيلا مع أركان ديننا ( و أعني كلمة أركان هنا ، و لا أقول ثوابت أو أولويات حتى لا يفهم الأمر بشكل غائم أو عائم!)..

و العدوان على  الجبهتين متقاربان أحيانا رغم ما يبدو من بعد بينهما ، فهناك استثمار لما هو سلبي في الجبهة الأولى لتمرير ما في الجبهة الثانية ، و ما سهّل الخضوع لاستبداد الأنظمة المحلية  سيسهل الخضوع حتما لمنظومة ثقافة عالمية تحتكر وسائل الإعلام و تقول “أنا ربكم الأعلى “على نحو أكثر حذقا  مما تقوله الحكومات المحلية  بكثير..

كذلك فأن البعض من  الجبهة الأولى، سيعمد إلى التوفيق الملفق بين الجبهتين، فيكون كحاطب ليل في ركام النصوص و الأقوال، لا يفرق بين صحيح و ضعيف و بين قول لسلف في قرون الخيرية أو خلف في عصور الانحطاط، و يجمعها مع أي مفهوم غربي لإضفاء نوع من الشرعية المزيفة على هذا المفهوم..

و ليس بعيدا أبدا عن كل ذلك ما قدمته مؤسسة راند من توصيات  تدعم “أدعياء التجديد” الذين يحاولون أسلمة المشروع الليبرالي و في الوقت نفسه توصي بدعم أطياف معينة من التيار التقليدي عرفت بتماهيها التام مع الفهم السلبي الذي يختزل الدين إلى محض شعائر مفرغة من معانيها  بل و يمزجه  بخرافات هي في حقيقتها الضد من كل ما جاء به الإسلام..

و في خضم هذا كله، ترزح الأمة تحت واقع سياسي و اقتصادي شديد التعقيد، هو في النهاية نتاج نهائي للسلبية الداخلية التي يستثمرها الغزو الخارجي بكافة مظاهره، و ما الأوضاع السياسية في أمتنا ، من فلسطين إلى العراق مرورا بكل الإشكالات الأخرى ، إلا “تجليات” نهائية للمرضين اللذين يفتكان بنا : مرض الداخل المتنكر بالدين ، و مرض الخارج المتمثل بالقوة و الرغبة في الاستحواذ و مظاهرهما المتعددة..

الأمر معقد و قاتم إذن ،بل هو شديد التعقيد و القتامة، لكن هذا بالذات هو الذي يمكن أن يكون ممرا للأمل ، فلو كان الوضع أفضل و لو على نحو نسبي، لكان يمكن لحل جزئي أن يبدو كما لو أنه كل الحل و يتم التشبث به و محاولته مرارا و تكرارا ..لكن تعقيد الوضع الحالي سيجعل جيلا ما ( على الأقل سيجعل طليعة جيل ما) يدرك أن لا حل إلا بمواجهة العدوين معا ، و إن المعركة هي في جوهرها معركة “الوعي الجمعي”  الذي يسيّر الناس و يتحكم بشؤونهم سواء أدركوا ذلك أو جهلوه ، أو أي محاولة لحرق المراحل و القفز فوق معركة الوعي الجمعي لن تؤدي إلا إلى نتائج سلبية ارتدادية..

هل أقول أن هذا الجيل قد ظهر ؟ بالطبع لا..لكني أزعم أني أرى ملامحه تتضح أكثر فأكثر، لا يزالون قلة، لكنهم لم يعودوا “نخبة” تعيش في الأبراج العاجية و تصطاف في منتجعات الشطرنج الفكري لكي تبتعد عن قضايا أمتها..أنهم “قلة” نعم، لكنهم قلة فاعلة..قلة قادرة على نشر الوعي و الإسهام في معركة الوعي الجمعي بالتدريج..

 لن أقول  أنهم مثاليون، و أنهم امتلكوا زمام المعركة تماما، لكنهم على الأقل يدركون أنها معركة مزدوجة، و أن القفز على هذه المعركة مستحيل، و هم في الوقت نفسه يؤمنون بالعمل ، بل و يعملون ، أي أنهم يدركون أن معركتهم في النهاية لا بد أن تنتج عملا…

قلت لهم مرارا ما تصوروه مجاملة ، قلت لهم أن جيلهم هذا أكثر وعيا و فاعلية من جيلي شخصيا ، و لا أزال أؤمن بذلك ..لكني أؤمن أيضا أن الطريق طويل طويل ، و أنهم لن يتمكنوا من قطعه كله ، و هو الأمر الذي  يبدو لي أنهم يرفضون تصديقه في غمرة حماسهم و زهوهم..و هو أمر خطر جدا ، إذ أنه قد يؤدي لاحقا إلى إحباط سريع خاصة عندما يتركون مقاعد الدراسة و يصطدمون بمتطلبات الحياة و ضغوطها الاقتصادية..

المشكلة إن هناك من يحاول أن يزيف لهم أملا سريعا بنصر قريب و نتائج شديدة القرب ، و هو إما يفعل ذلك نتيجة لسذاجة  ناتجة عن عدم وجود قطيعة حاسمة مع بعض إرهاصات المفاهيم السلبية في التراث ، أو أنه يعرف جيدا أن بضاعته مزيفة لكنه يروج لها لأغراض تعبوية ، أي أنه يستغل عواطف هؤلاء الشباب و آمالهم  من أجل جمعهم حوله فقط ، و هذا سيؤدي بهم إلى محطة الإحباط  و الفتور التي تقودهم لاحقا إلى واحدة من اثنتين : إما إلى معسكرات التحييد و الانشغال بالتفاصيل اليومية  و اللاقضية و البطالة  ، أو ببساطة إلى معسكرات “حرق المراحل” تحت مسميات عديدة ، و في الحالتين فان مجتمعاتنا تكتوي بالنار ، نار الوضع الساكن الذي الاستمرار فيه انتحار محقق في الحالة الأولى ، و نار الفتن و العنف في الحالة الثانية..

لهذا كله ، بل بالرغم منه ، فاني اليوم أكتب لهم و عنهم و منهم و فيهم ..

أغبطهم على أملهم و صدقهم و حماسهم ، و أذوب في شبابهم الذي يتحدى اليأس ..لكن خوفي عليهم يفوق كل ذلك بمراحل..أخشى أن يختطفهم اليأس إلى أحد المعسكرين، بدلا من أن يقودهم الوعي إلى الطريق الثالث الذي لا بد من رسمه و شقه و تعبيده خطوة بخطوة، قبل أن نتصور أن دورنا هو السير فيه فقط..

قالوا لي  قبل أيام ، و كانوا يتحدثون عن القدس و الأقصى ، أنهم “يرونه”..يرون دلائل نصرهم و عودة الأقصى..

 أقول الصدق : كاد البريق في عيونهم يجعل عيناي تجهش بالبكاء ، لكني سألتهم “أترونه حقا؟”..

فأكدوا ذلك..نعم ، أنهم يرونه ، فقلت شيئا من قبيل المجاملة مما يقال في أحوال كهذه ، مثل “خيرا إن شاء الله”..

أما أنا ، فاني لا أرى شيئا سواهم هم ، و ازعم أن هذا ليس بقليل…

 

 

 

 

24 تعليق على “عن جيل آخر …قادم لا محالة”

  1. السلام على العمري …
    قلما أشعر بهذا الشعور … ولكنني حقا … غرت … نعم … غرت منهم … وغبطتهم كغبطتك بل أشد …

    نفع الله بنا وبهم … فما أحوج الأمة إلى “حكيم” …

    والسلام

  2. دائما انتم اهل الشام اكرمكم الله تمتعوننا بأخباركم الطيبة المتفائلة
    أدامكم الله (شباب وشابات موقع “حكيم” ) زخراٍ لأمتكم وبلدكم

    وأبعد الله عنكم الإحباط واليأس الذى عاشته أجيال كثيرة من قبلكم
    ومتعكم بالصحة والعافية الجسدية والفكرية !!!!

    من مصر المحروسة
    سيد

  3. جزاك الله خيراً د.أحمد… على كلماتك العميقة والدافئة… لوهلة أحسست أنني أقرا عن أناس أتمنى أن أتعرف عليهم… لو ألم كن منهم…
    خوفك سيدي في مكانه … لذا أرجو من الله أن يعيننا على الوعي للطريق الثالث..

    ذلك الوعي الذي يمهد طريقه “الكتاب” الهادف… المؤمن بالجيل القادم لا محالة…

  4. جزاك الله كل الخير دكتور
    بإذن الله الأمل دوما موجود
    وإن كانوا يرون النصر فلأنهم يؤمنون به .. لا لأنهم يرونه قريبا
    لأنهم يؤمنون بحتميته وإن بعد زمن وقوعه
    ويعلمون عدالة قضيتهم وصدق اخلاصهم وعملهم لها
    ولأنهم يؤمنون بأن الحق مهما خبى صوته وطاااال غيابه، سيدمغ الباطل ويزهقه.
    هم متأملون وحالمون… ولهذا هم يعملون..
    لو انهم شكوا للحظة بعدم قدومه لضعفوا
    ولكنهم نظروا بعيون راجية لرب اسمه الحق فعقلوا الناقة وساروا درب الألف ميل بل ربما درب المئة ألف ميل
    ولكنهم ساروا ولن يقفوا
    وسيصلون بإذن الله للطريق الثالث الذي يكونه بيدك ويده ويدها وأيديهم وبتوفيق من الله ورعاية
    ربما تعرضوا للكثييير من الضغوط.. وأنت تعلم ما أشدها
    ولكنهم لم يقفوا ولم ينسحبوا وأعلم أنهم بإذن الله طالما يتناصحون بينهم ويسألون أولي العلم منكم ومن أخوانكم فبإذن الله لن ييأسوا
    هم يعلمون أن الدرب طويل وصعب وشاق
    وأنهم ربما لن يستطيعوا انارة ظلماء الكون بشمس ساطعة ولكنهم أيضا يؤمنون أنهم لن يكونوا أقل من شمعة تنير لمن حولها وتسير لتكون بصيص ضوء قد يتبعه أحد العاشقين لموكب اللاصمت
    أحسبهم كذلك والله اعلم
    ..
    جزيت خيرا علمتها الكثير الكثير
    هناك كما من العبر استقوها.. وربما كما من المخاوف والتحذيرت سجلوها وستبقى بإذن لله في الذهن حاضرة
    ..

  5. السلام عليكم ورحمة الله..
    جزاك الله خيراً دكتور أحمد على المقالة التي رسمت تخطيط آمالك المعهود, ضمن ما نعيشه من واقع قد لا يبعث إلا الإحباط واليأس في كثير من الشباب – الذين كان من المفترض أن يكونوا طامحين- ولكن ليس في جميعهم…
    أنا لا أدعي الحكمة, ولست حكيمياً, ولكني من أصدقاء موقع حكيم وبعض القائمين عليه, ومن المستفيدين منه طبعاً…
    ما أريد مناقشته هو كلامك الذي سمعته منك, وقرأته في مقالتك الآن, أن جيلنا أكثر وعي وتفاعل من جيلكم, وهو ما نسمعه من بعض أفراد جيلكم, وقد نسمع نقيضه من الأجيال الأكبر, والأكبر على الساحة…
    هل تكونت هذه الفكرة من طبيعة جيلكم الذي عاش في فترة خمود اضطراري وترقب النتائج بعد أحداث في الأمة ألزمتهم بذلك, أم أنها نوع من إلقاء المسؤولية وتحميلها لنا بحجة اننا أكثر وعي وتفاعل!!, أم هي حقاً ناتجة عن وعي انبثق هروباً من نزع الأمة واحتضارها!!
    أنا أؤمن بالعمل وأهميته في جميع الظروف, باختلاف طرقه وآلياته حسب الظروف, وأؤمن بوضع الأهداف الكبيرة, لكني لا أحب التفاؤل الزائد الذي قد يؤدي لما ذكرته من إحباط صدمة الواقع والتي قد ينتج عنها إغماء طويل الأمد, لا تحمد عواقبه..

    شكراً لك دائماً دكتور أحمد, ويسر الله سفرك, وننتظر ما تحضره من إصدارات بظمأ المحتاج…

  6. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    دائماً تأتينا – أخي الدكتور أحمد – بمواضيع تطرق أبواب العقل وتفتح نوافذ الوجدان
    والذي لفت نظري هو موضوع حرق المراحل, إذ دفعنا ثمن جهلنا به غالياً.
    وكل من يقرأ سيرة الرسول الكريم يعلم أن معظم الانتصارات والفتوحات في العالم الإسلامي جرت بعد وفاة الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
    ولو كان من الكرامة أن يرى الإنسان نتاج جهده وعمله, فحري أن يراها رسولنا الكريم على حياة عينه, ولكن شاء الله أن تثمر نتائج الجهد والزرع النبوي الشريف على أيدي أصحابه وتلامذته من بعده.
    ما أحوجنا اليوم لفهم هذه الاستراتيجية , فنرسم لها, ونضع الخطط المناسبة, ونبدأ بالعمل بمقتضاها…. ولا نستعجل.

  7. خيرا انشاء الله وعسى الله يجعلنا نرى هذا الجيل باعيننا

  8. هلا تكرمتم علينا برابط الموقع…حكيم

  9. هذا تعليقي على منتدى حكيم أحببت أن أدرجه هنا ليقرأه الدكتور أحمد العمري ..
    http://www.hakeem-sy.com/main/node/36612?page=0#comment-382914

    شكرا للدكتور العمري .. اللهم أدخلنا مدخل صدق وأخرجنا مخرج صدق (تعلمتها من الأخت رزان، سمعتها كثيراً من قبل، ولكن في ذلك الموقف دخلت هذه الآية في قلبي ولا أزال حتى الآن أحاول فهمها بعمق أكبر وأكبر، إنها كحديث إنما الأعمال بالنيات والذي هو أساس في ديننا).. فالحمد لله الذي جمعنا بمن نحبهم في جلاله “الدكتور العمري” .. وقصر المسافات التي بيننا .. وهذا من دلائل النصر إن شاء الله أننا نجتمع مع خير الناس على وجه الأرض

    [quote][color=red]من مشاكل هذا الجيل[/color] أن هناك من يحاول أن يزيف لهم أملاً سريعاً بنصر قريب ونتائج شديدة القرب، وهو إما يفعل ذلك نتيجة لسذاجة ناتجة عن عدم وجود قطيعة حاسمة مع بعض إرهاصات المفاهيم السلبية في التراث، أو أنه يعرف جيداً أن بضاعته مزيفة لكنه يروج لها لأغراض تعبوية، أي إنه يستغل عواطف هؤلاء الشباب وآمالهم من أجل جمعهم حوله فقط، وهذا سيؤدي بهم إلى محطة الإحباط والفتور التي تقودهم لاحقاً إلى واحدة من اثنتين: إما إلى معسكرات التحييد والانشغال بالتفاصيل اليومية واللاقضية والبطالة، أو ببساطة إلى معسكرات “حرق المراحل” تحت مسميات عديدة، وفي الحالتين فإن مجتمعاتنا تكتوي بالنار، نار الوضع الساكن الذي الاستمرار فيه انتحار محقق في الحالة الأولى، ونار الفتن والعنف في الحالة الثانية..

    أغبطهم على أملهم وصدقهم وحماسهم، وأذوب في شبابهم الذي يتحدى اليأس.. لكن خوفي عليهم يفوق كل ذلك بمراحل.. أخشى أن يختطفهم اليأس إلى أحد المعسكرين، بدلاً من أن يقودهم الوعي إلى الطريق الثالث الذي لا بد من رسمه وشقه وتعبيده خطوة بخطوة، قبل أن نتصور أن دورنا هو السير فيه فقط..
    [/quote]

    كلام من ذهب، في بداية قرائتي للمقالة ظننت أن الدكتور من باب المجاملة قرر كتابة الموضوع، ولكنني اكتشفت أنه فهمنا أكثر من أنفسنا، لقد رأى ثغرات كثيرة لم نكن نراها، ولكن المشكلة في الجيل؟؟ أم فيمن يترصد بهذا الجيل؟؟ أم أنها مشاكل تعيق الجيل؟؟

    وأما موضوع أن النصر اقترب .. فهو لم يقترب بقدر ما هو موجود أصلاً .. فرب العالمين هو المنتصر ولكن مع ذلك نرى المجرمين يعيثون في الأرض فساداً فهل معنى ذلك أنهم انتصروا .. وهل ينفي أن الله منتصر وحزبه

    قال تعالى:

    إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ﴿18/10﴾ فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ﴿18/11﴾ ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا ﴿18/12﴾ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴿18/13﴾

    فهنا نرى أن الفتية بمفهوم الناس لم يحققوا نصرا ملموساً، بل على العكس فروا هاربين، وناموا في الكهف مدة طويلة جعلتهم أقل عملاً من الآخرين، ولكن في الحقيقة انتصروا وفازوا فوزاً عظمياً، فمع أننا نتمنى أن نرى النتائج في أقرب وقت، ولكننا نهدف على الأقل أن نصل إلى ما وصل إليه أصحاب الكهف، إننا نشتهي حتى الموت في سبيل الله .. حتى ذلك بعيد عنا .. نحن في وضع لا نحسد عليه، فليس بمقدورنا بلوغ الموت في سبيله ولا حتى النوم

    وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا ﴿18/16﴾ وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا ﴿18/17﴾ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا ﴿18/18﴾
    وانظر كيف أن الله حفظهم وهم نائمون .. أحدنا يخشى أن ينام في بيت ريفي والنافذة مفتوحة خوفاً من الحشرات والأفاعي .. فكيف بهم وهو في الكهف في قمة الضعف والعجز أمام النوم الذي حجب عقولهم وأبصارهم وأسماعهم عن الأذى الذي قد يأتيهم في أي لحظة .. فهل يعقل أن يضرب المثل بالنائم ويصور على أنه بطل؟؟ نعم إذا دخل مدخل صدق وخرج مخرج صدق، لقد رفع القلم عنهم ولم ترفع عنهم رحمة الله

    [color=red]وفي قصة أصحاب الأخدود[/color] عبرة عظيمة جعلتنا لا نكترث للمثبطين، ولا نتوهم اللامعقول في أننا حققنا النصر، فأصحاب الأخدود بنظرة دنيوية لم يفعلوا أي شيء يذكر، بل ماتوا وقتلوا وحرّقوا وعذّبوا، فهم خاسرون بهذه النظرة، ولكن الله عز وجل ذكرهم كأبطال انتصروا وفازوا .. فيا أحبتي هل يعقل أن نكون أقل من قوم ناموا مئات السنين .. أو حرقوا ؟؟ لدينا الأدوات التي تجعلنا متقدمين عليهم بمراحل .. ولكن ينقصنا العقيدة والهمة التي كانت لديهم، النصر موجود …. فهل أنتم موجودون؟؟

  10. نعم إذا دخل مدخل صدق وخرج مخرج صدق

    أو لنقل دخلوا مدخل صدق فأخرجهم الله مخرج صدق

  11. بارك الله بكم وبارك لكم في نواياكم
    وأسأل الله تعالى أن يجعل همتكم مؤيدة بنور من الله تمدكم بعزيمة لا تفتر مهما ضاعت مراكب القوم وعصفت بالأمة الفتن….
    هنيئاً لكم إرادتكم وتمسككم بالحق وسعيكم لمستقبل طالما حلمنا به وتمنيناه ها نحن فيكم نرى تلك البذور التي أرجوه تعالى أن تؤتي أكلها علماً وإيماناً ونوراً كل حين بإذن ربها….
    لكم مني خالص احترامي تقديري

  12. السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته:
    إلى د.أحمد : يبدو أن ابن نوفل سيكون جدعاً هذه المرة…………

    إلى أخي مهند : لا شك أن قصصاً مثل أصحاب الكهف و الأخدود فيها فيها نموذج راق من اليقين..
    و أضيف عليها كلمة عبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم حاول أبرهة هدم الكعبة “أنا رب الإبل و للبيت رب يحميه”………….
    لكن ألا ترى في هذه النماذج سلبية لا ينبغي أن نقيس أنفسنا عليها………
    ألا ترى أن سنة الله تعالى في إهلاك الظالمين في الماضي كانت بخارقة من عند الله تعالى و لم يكن المؤمنون مأمورين لا بمواجهة و لا لقاء (فكري،دعوي,علمي,جهادي……..أو أنواع أخرى) “و لا يلتفت منكم أحد”هود81 و الحجر65
    أتذكر إهلاك فرعون في اليم………و مطر الحجارة على قوم لوط………و طوفان نوح……..
    نجا المؤمنون جميعا…………لا ضحايا و لا شهداء “و أنجينا موسى و من معه أجمعين”الشعراء65
    هذه السنة تغيرت بمولد النبي صلى الله عليه و سلم…………
    هذا زمن محمد صلى الله عليه و سلم ………..و لسنا في زمن أبرهة…………
    هذا زمن الإسلام بواقعيته و ارتقائه للمثالية…….هذا زمن الإسلام بروحانيته و تطبيقاته المادية…… هذا زمن الإسلام بأخرويته و نجاحاته الحياتية……..هذا زمن الإسلام برحمته على المؤمنين و شدته على الكافرين…….هذا زمن الإسلام بمصالحاته في سبيل الله و بقتالياته في سبيل الله….
    هذا زمن الإسلام برجائه و يقينه بالله في السماء و عمله المخلص الصائب على الأرض…..
    سنة جديدة “إن تنصروا الله ينصركم و يثبت أقدامكم”
    و الله تعالى أعلم.
    أقول ما تقرؤون ما كان من صواب فمن الله وحده لا شريك الله و ما كان من خطأ فمن نفسي و من الشيطان……

  13. كل ماحولنا من حروب نفسية ومكائد يشير إلى ضرورة أن يكون فينا مثل هؤلاء الناس, على الرغم من أن ثباتهم سيكون أمر صعب جداً
    أعتقد أنهم يشكلون فسحة الأمل أو بصيص الضوء لنا والذي ربما شكل ويشكل وسوف يشكل ما تبقى للأمة الإسلامية من وجود
    وأقول يجب ألا ننسى أننا ننتظر………جيل صلاح الدين-لنعيد كرة الفتوحات إن شاء الله-

  14. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته أخي محمد الخالد دراق السباعي

    لست أقصد أن يرجمهم الله تعالى بحجارة أو يأتيهم بعذاب من السماء، لم أقل بأن ننتظر حتى يخسف الله بهم الأرض

    أنا أقصد العقيدة التي كانت في قلوب أصحاب الكهف وأصحاب الأخدود .. وكيف أنهم على ضعفهم وقلة حيلتهم هداهم الله سبل السلام والنجاة .. وفيها عبرة أن النصر ليس فقط بالنتائج المحققة على أرض الواقع والتي هي قادمة لا محالة إن شاء الله ربما بعد عدة أجيال .. ولكن لننطلق إنطلاقة أصحاب الكهف والأخدود ..

  15. فعلا إنه قادم فمن سمته ذلك في فقه كلمته :
    قال تعالى : وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ
    أي إنه من جهة الله مقدم إلا أنه من جهتنا تبقى التسوية و على صف واحد مجتمعين وكل في موضعه نحو القبلة الواحدة ليتم النفخ فينا بروح من الله وعبرنا إلى غيرنا . فإن لم نختار أن نكون ذلك فسيأتي جيل آخر غيرنا ليأخذ ما قد حرمنا أنفسنا منه .ثم لا يكونوا أمثالنا .

  16. أن تختار الطريق الثالث فهذا شيء عظيم جداً لأنك تخليت عن الكثير مما تربيت عليه وتعلمته في المدرسة والجامع والبيت …………
    ولكن أن تثبت عليه أمام رياح وأعاصير الحياة أن لا تنسيك الحياة ومشاغلها الطريق الثالث فهذا هو الأعظم.
    لقد تسرب خوفك وأملك إلى نفسي فأدعو الله أن يثبت شباب (حكيم) ويثبتنا .

    اسمح لي دكتور العمري أن اهنئك على مشاركتك في تأسيس هذا الجيل الآخر بارك الله بك وجزاك خيراً كثيراً.

  17. شكرا لك يا دكتور
    لا يمر مقال او كتاب او صفحة الا واقول اه منك يا دكتور من اين تاتي بالمعاني وكيف تقرا وكيف تستوعب اني لاراك ترى مالا يرونه الاخرون
    ((الرسول صلى الله عليه وسلم علمنا التفكير والقران طالبنا بالتفكير واعمال العقل
    والان جعلونا مقولبين ضمن قوالب جاهزة وان فكرت فانت مبتدع وعليك التقليد لعالم او مذهب
    اين الابداع الذي زرعه فينا سيد المبدعين

  18. صدقاً كلام عميق جداً لم يصل إلا بإعادته مراراً
    الله يجزيك الخير دكتور أحمد ولا يخيب أملك
    وإن شاء الله نكون عند حسن الظن

  19. اقتباس….

    إنهم “ذلك الجيل الآخر، القادم لا محالة” الذي أهديته، من دون أل التعريف، كتابي الأول، يومها لم أكن أدرك بالضبط إن كنت أتحدث عن أناس ولدوا فعلا، أم أتحدث عن “الذين لم يولدوا بعد”، لكني كنت واثقاً بلا حدود، كما لا أزال اليوم، أن هذا الجيل قادم لا محالة مهما تأخر أوانه، ومهما تعثرت خطواته، ومهما بدا طريقه وعراً وموحشاً ومليئاً بالمصائد والمطبات..

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>