نوع آخر من الايمان : براء أصفري

نوع آخر من الإيمان



   بتأمّل بسيط على واقعنا ومقارنته بجميع الأعمال التي بذلت في سبيل النهضة، فإننا نجد أنّ انعكاس هذه الأعمال على أرض الواقع (في شوارع بلادنا) شديد البطء. سيقول البعض أنّ هذا الأمر طبيعي ما دمنا في أول الطريق. طبعاً، أنا أتفق معهم، لكني لا أقصد هذا المنحى من المعنى، فهذا البطء لابد منه ما دمنا في بداية الطريق.. لكني أبحث عن المقياس الذي بواسطته نعلم أن البطء الذي تسير به النهضة هو في حدود المعقول. لكي لا نوهم أنفسنا فنقول أنها تسير ضمن المعقول وهي بالواقع واقفة أو تسير أبطء من المعقول..

لكن بالحقيقة، البحث عن مقياس حقيقي يقيس سير النهضة هو أمر صعب لأنه من الصعب فعلاً ربطه بشيء محسوس وآني. فلا نستطيع مثلاً أن نربط هذا المقياس بالعمل، فالناس لا تملك الجهد نفسه والوقت نفسه وحتى الميول نفسه. ومن ناحية أخرى نتائج العمل تحتاج للوقت لإظهار النتيجة، وهذا الوقت قد يمتد لسنوات. وربما عندما تمر هذه السنوات نعلم أنّ أموراً قد فاتت كنا نستطيع أن نعدّلها، أن نطوّرها لو كنّا ندركها منذ البداية، وهذا ما سينعكس سلباً لاحقاً على النتيجة. أو أنّ النتيجة لم تكن مرضية وأقل مما كان متوقعاً.. وكذلك الأمر مع القراءة، فلا نستطيع أن نعرف أنّ بازدياد عدد القرّاء لهذا الموقع مثلاً أنه سيدل بشكل مباشر إلى مسيرة النهضة. فليس كل شخص يقرأ يتفاعل، أو يترجم بشكل عملي ما يقرأه. إذاً ما الحل؟

ربما الحل باعتقادي يكمن في الإيمان!. طبعاً لا أقصد هنا الإيمان بالله عزّ وجل وبملائكته وكتبه ورسله، فهذا موضوع آخر تماماً.. لكني أبحث عن مقياس حقيقي يربطنا بالواقع، يربط نهضتنا التي نرجوها بالواقع.. هذا الإيمان هو الإيمان بجدوى العمل، حتى قبل القيام بالعمل.. ربما هذا الشيء الذي ينقص نهضتنا الآن لكي تندفع للأمام بسرعة أكبر. لكي تسير بخطى أسرع. هذا الإيمان هو الروح الذي ربما سيبث في جسد النهضة، ربما ستكون الشرارة الكهربائية التي ستولّد الحركة الميكانيكية لمحركات النهضة.. فنظرة سريعة علينا (نحن المسلمين جميعاً) سنرى أن لا أحد منا على الأغلب لديه هذا النوع من الإيمان. لا أحد (على الأغلب) يستطيع أن يتصوّر حتّى في الخيال فقط أنّ الواقع الذي نعيشه اليوم يمكن أن يتغير تماماً بعد سنوات قليلة من الآن!. نعم ربما هناك إيمان بجدوى العمل لاحقاً لكن ليس الآن، ليس على المدى المنظور، ولا حتى على المدى الذي يلي مباشرةً المنظور.. هذا الإيمان باعتقادي هو ما سيشكّل المقياس الحقيقي للنهضة.

في حياتنا الاعتيادية اليومية نسمع مراراً وتكراراً من أناس كثر جداً جداً بمختلف الفئات والطبقات كلاماً يعبّر عن فقدهم للأمل (كلياً) بجدوى أي عمل لتغيير هذا العالم الذي هم فيه. لا شيء ممكن أن يؤثّر. ومع ذلك نحاول جاهدين إقناعهم بأن يقوموا بشيء ما يفيد النهضة، أن يتركوا بصمة قبل أن يرحلوا. أن يستشعروا قيمة الحياة، قيمة أن يعملوا من أجل عمارة الأرض ما داموا هم (ونحن) خليفة الله عزّ وجل على الأرض.. ندعوهم بكل ذلك، وهذا جيد ومهم، لكن هذا الكلام للأسف لا يؤثّر.. فهناك ربما شيء سيحرك هذا كله، سيبث الروح فيه، سيطلق تلك الشرارة الكهربائية. لأنّ هذه اللغة (الطريقة التي نتكلم بها) لن تتفاعل، لن تكون ذات معنى على أرض الواقع، ستظل لغة صماء عن الواقع إن لم يسبقها ذلك الإيمان.. بأنّ العمل الذي سيقوم به، أي أحد، سيترك أثر على المنظور القريب، والقريب جداً.


هل تعتقدون أنّ هذا الكلام حقيقي؟ أم أنني أبالغ في الوصف!؟

ربما لابد لنا من مراجعة سريعة في كيفية انطلاقة النهضة الإسلامية، لنستطيع أن نحدد بعدها إن كان هناك أي مبالغة في الوصف..

  جميعنا يعلم جيداً أن الإسلام كحضارة بدأت من رجل واحد، وهذا الأمر بالتحديد ما يجعل من مهمة انطلاقة النهضة (التي حدثت في تلك المرحلة) تكون أشبه لمهمة مستحيلة. فنحن هنا لا نتكلم عن موروث قوي متراكم قد يتمّ الاستفادة منه كما حدث هذا في معظم الحضارات. فالرسول محمد صلى الله عليه وسلم لم يملك أي من الإيجابيات التي تساعد في بناء النهضة، والتي بدورها ممكن أن تختزل الزمن، أن تسرّع من وتيرة المسير.. فقد بدأ حقاً من الصفر، من اللاشيء، من انعدام كل العوام المساعدة لقيام النهضة، بل حتى انعدام كل المظاهر المبشّرة بقيامة النهضة!. لم يملك أي شيء إطلاقاً إلا بعض التعاليم الإلهية التي كانت تتنزّل عليه بين الفترة والأخرى. مرّت سنين معدودة (ما يقارب 25 سنة)، فُتحت بلاد الشام وبلاد الرافدين ومصر وانضمت إلى بلاد المسلمين. هازمين أقوى إمبراطورتين في العالم في تلك الفترة هما إمبراطورية الروم وإمبراطورية الفرس. (طبعاً هنا لا يعني أن الجانب العسكري هو المهم بالنهضة التي حققها المسلمين آنذاك، لكن باختصار نقول أنّ نظرة سريعة لما كان عليه العرب قبل نزول الإسلام وما بعده، نجد أن النهضة الحقيقية التي حققها هي في بناء الإنسان الحقيقي.. فالانتصار الذي حقّقوه على الروم والفرس لم يكن نتيجة فقط كثرة العبادات ونصرة الله تعالى لهم. بل كانت متمثلة حقاً في أنهم أصبحوا يحملون مقومات الحضارة الحقيقية التي خوّلتهم أن يتربّعوا على عرش الإمبراطوريات..)

إذاً من اللاشيء إلى بداية إمبراطورية إسلامية في غضون 27 سنة تقريباً.. هذا هو تاريخنا، وبالمناسبة لسنا الوحيدين. فكما ذكرت، جميع الأمم كانت تنهض بفترات مشابهه لهذه الفترة. إلا أنّ ما يميزنا حقاً عن باقي الأمم، عن باقي النهضات، أن نهضتنا كانت الأصعب، كانت المهمة المستحيلة التي تحققت.

 

  أي، ما أريده من هذا الكلام كله، هو أنّ الناس بشكل عام لم يعد في نفوسهم إيمان بأنّ عمل أي شيء سيكون مجدي لتغيير واقعنا نحو الأفضل، هذا النوع من الإيمان مفقود بشكل شبه تام. وحتى يعود مثل هذا الإيمان في نفوس الناس، يجب أن نقنعهم بأنّ التغيير ممكن، ليس فقط ممكن وسيكون لاحقاً في عالم لا نكون نحن فيه، بل ممكن بعد زمن قصير والأغلب أننا سنشاهده وسنلمسه. عندها، هذا الإيمان سينعكس بشكل إيجابي على الشارع وعلى الناس، لأن هذا الإيمان سيدفعهم كل صباح ليقوموا بشيء ما، إنّه سيثيرهم ليفكّروا، ليعملوا، لأنّه ببساطة سيكون من المجدي القيام به! ليس في الآخرة عندما يجزينا الله تعالى عن أعمالنا، وليس بعد مضي سنوات وعقود طويلة من عملنا، بل بعد سنوات قليلة جداً. (وبالمناسبة، نهضتنا التي نطمح أن نحققها ستنجز بشكل أسرع وبوقت أقل مما كانت عليه في المرة الأولى. ألسنا نعيش في عصر السرعة!؟).. ربما آن الأوان لكي نرمي فكرة أن نعمل عملاً ولا ننتظر النتيجة بحجّة أن ليس لليد حيلة.. فجميع النهضات تحققت بزمن لا يمكن لعقل أن يصدّقه. وربما يقول البعض أن هناك كانت مساعدات لهذه الحضارة أو تلك فأدّت بشكل مباشر لتسريع عملية النهضة. هذا صحيح، لكن الحضارة الإسلامية كانت الدليل الأقوى والأصلح والأعم لكل زمان ومكان لأنها كانت الأصعب، فقد بدأت برجل واحد بدون أية عوامل مساعدة، إن لم نقل ثمّة عوامل سلبية كانت تقتل وتقوقع أي محاولة للنهضة..

هل تصدّقون أنّ ثمّة دليل من القرآن على ما أقول!.

تقول الآية بعد بسم الله الرحمن الرحيم: (( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً * )) الكهف، آية 107/108، صفحة 304

 

بما أنّ الفردوس هي أعلى مرتبة ومنزلة في الجنّة، فهذا يعني أن العمل المقابل له سيكون من أفضل الأعمال في الدنيا. وما دمنا خلفاء الله سبحانه وتعالى في الأرض، فإن أفضل الأعمال التي يمكن أن نقوم بها هي أن نقوم بالخلافة على أكمل وجه، أي أن نقوم ببناء الأرض كما يحب الله عزّ وجل ويرضى.

لكي ندرك أين الدليل يجب أولاً أن نفهم المعنى الحقيقي لكلمة (وعملوا الصالحات). فالعمل الصالح من الأفعال التي لم تعرّف وتحدّد بالقرآن بشكل صريح وواضح، وإلى الآن معناها مبهم وغير محدّد.. إلا أنّ الحقيقة أنه يوجد مفتاحي لغز في القرآن تفسر وتعطي المعنى الدقيق لمصطلح “العمل الصالح”.
المفتاح الأول: ذِكْرُ جنّة الفردوس. حيث في القرآن لم يذكر كلمة الفردوس غير مرتين، الأولى هنا. والثانية، في الآية التي تعطي النصف الأول للمعنى، تقول الآية بعد بسم الله الرحمن الرحيم:

(( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ* أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ* الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ* )) المؤمنون، الآية 1/11، صفحة 342


ماذا نستنتج؟

بما أن الآيتين تتشاركان بثواب الفردوس (وتذكّر أنه لا يوجد آية ثالث تتكلم عن الفردوس في القرآن)، فهذا يعني أنّ كلمة (الذين آمنوا) المقصود بها في الآية الأولى، عائدة تماماً على المؤمنون في الآية الثانية. وبالتالي نستنتج أنّ (وعملوا الصالحات) لا تدل ولا تعني أي من الصفات التي تشمل صفات المؤمنين (لعدم وجوب التكرار). أي، لن تشمل على العبادات والأخلاق!.

المفتاح الثاني سيحدد المعنى بشكل أعمق وأكثر وضوحاً..

تقول الآية بعد بسم الله الرحمن الرحيم: (( وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ* قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ* )) هود، آية 45/46، صفحة 226/227

في هذه الآية يكتمل المعنى كلياً.. فالله سبحانه وتعالى قد عرّف بشكلٍ واضح وصريح الـ (عمل غير صالح). فجلّ جلاله لم يقل أنّ ابن سيدنا نوح غير صالح. بل قال أن ابن سيدنا نوح هو بذاته عمل غير صالح. فكان باستطاعته سبحانه وتعالى أن يقول (إنّه ليس من أهلك إنّه غير صالح). لكنه جلّ جلاله قد أراد الإشارة لشيء أكثر عمقا.

ربما أراد الله عزّ وجل أن يقول أن نتيجة العمل الصالح هو أمر مفروغ منه ويجب أن يُرى. فالعمل الذي لا ثمرة منه، مهما كان متعوب عليه، مهما كان عمل جيد أو صالح بنظرنا، لكنه ليس عمل صالح بنظر الله جلّ جلاله. لأنّه لم يخدّم الغرض المنشود منه. مع أننا لا نشك أبداً بعمل سيدنا نوح الإيجابي مع ابنه ونؤمن تماماً أنّه سيجزى الجزاء الأوفى على مجهوده الذي بذله مع ابنه. لكن هذا كله لا علاقة له بتسمية جهده بالعمل الصالح إن لم يقارن مع النتيجة، مع الخلاصة، مع جدواه. إن لم يكن هذا الجهد وهذا التعب قد أصلح فعلاً شيءٌ ما وبشكلٍ ملموس. فالله جلّ جلاله ومع علمه التام بمجهود سيدنا نوح عليه السلام في تربية ابنه التي استمرت لسنوات طوال، إلا أنّه قال أنّ هذا العمل هو غير صالح.. فبالتالي، إنّ أي عمل جيّد لا يسمّى صالحاً إذا كانت ثمرة وخلاصة هذا العمل غير صالحة، إذا كانت الخلاصة غير مجدية. فالنتيجة هي التي ستحدد إن كان عملك صالحاً أم لا. فلابد لك من أن ترى خلاصة عملك، أن ترى ثمرة عملك، أن تستشعر بها.. لابد.  فالله سبحانه وتعالى عندما يطلب منّا من خلال القرآن أن نؤمن ونعمل صالحات، فهو يريد منّا أن نعمل عمل له نتيجة في الأرض، له أثر، له جدوى، يريد أمر محسوس وملموس.. هذه هي الحكمة الإلهيّة كما أراها في الآية.
وإذا كان سيدنا نوح عليه السلام قد فشل في جعل ابنه عمل صالح، فإنّه تعلّم أن العمل الصالح فضاء واسع. فبناءه للسفينة كانت عمل صالح، فقد أثمرت. والأجمل من هذا أنّه ذاق طعمها، تأكد من صلاحيتها وصلاحها، أنها قامت وحقّقت الغاية التي صُنعت ووُجدت من أجلها.. لذلك، يجب أن نبحث عن أعمال نرى ثمارها. لكي لا نعتقد أنّها أعمال صالحة وتكون النتيجة…!


فالنهضة بنظري لابد لها من أن تسير على قدمين، القدم الأولى هي العبادات والأخلاق (راجع كتاب: سلسلة كيمياء الصلاة. للمؤلف: د. أحمد خيري العمري. فإنّه يقدّم معاني عميقة جداً فيما يتعلق بهذا الموضوع)، (مع التنويه أنّ العلم يندرج تحت باب العبادة. راجع كتاب: البوصلة القرآنية.. إبحار مختلف بحثاً عن الخريطة المفقودة. للمؤلف السابق. فيما يتعلق بموضوع (إقرأ) والأخذ بالأسباب).  والقدم الثانية هي العمل الصالح بمفهومه الجديد. ومن أجل أن تصل إلى ذلك سيتوجب عليك في البداية أن تؤمن بإمكانية حدوث كل هذا. وهذا الإيمان وانتشاره بين الناس هو ما سيشكّل المقياس الحقيقي لسير النهضة.

 

 

براء أصفري
9-3-2010

 

 

التعليقات
  1. أحمد قطشه
    2010/03/10

    السلام عليكم

    مع أنني أتفق مع مقدمتك لضرورة وضع مقياس للنهضة، لكن لا يمكن أن أتفق مع أسلوبك في تعريف العمل الصالح، ولا على قولك أن الأفعال التي وردت في آي سورة المؤمنين، لا تدل على العمل الصالح.

    ولنبدأ بآيات سورة المؤمنين وسورة الكهف، وفقت بينهما بسبب النتيجة أنها الفردوس، وفي كلا الآيتين تم ذكر المؤمنين والذين آمنوا، في سورة الكهف عملوا الصالحات، فلماذا منعت الصفات التي وردت في سورة المؤمنين عن كونها المقصودة بالعمل الصالح، أليست هذه الصفات عملاً صالح؟؟؟

    أرجو أن تلاحظ أنني ممن يظن أن مفهوم العمل الصالح هو أوسع من حصره بالعبادات، لكن لا يمكن أن أقول أن العبادات ليست من ضمن العمل الصالح.

    النقطة الأهم هي قولك إن العمل الصالح يقاس بالنتيجة، في حين يخبرنا رب العالمين والرسول الكريم، أن العمل بالنيات، بل ويقول لرسوله الكريم (إن عليك إلا البلاغ)، وبالتالي وفق مقياسك فعمل الرسول عليه السلام مع أبي لهب مثلاً عمل غير صالح، لإنه لم يثمر بإيمان أبي لهب!!!!

    برأيي، في الإسلام لا يمكن قياس الأفعال بنتائجها فقط، فالإسلام ليس مادياً مجرداً ينظر للنجاح، ولو على حساب القيمة كما تعرف، وأرى أنك لم تكن موفقاً في تعريفك لمقياس العمل الصالح، حتى وإن لم يخطر ببالك ما أذكره عن المادية والقيمة.

    مثال آخر، يعارض مقياس العمل الصالح الذي ذكرته، وهو قوله تعالى (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا)، الآية تتحدث عن الكفار الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ثم تكون أعمالهم حسرات عليهم، هم رأوا النتيجة ماثلة أمام أعينهم في الحياة الدنيا، لكنها عند رب العالمين ليست كذلك، قد تكون هذه النتيجة هي نهضة حقيقية لبلدانهم، تماماً كالنهضة التي نريدها في بلداننا، ولكن…

    مرة أخرى أنا أتفق معك بالمبدأ الذي تريد الوصول إليه، لكن يجب أن نكون حذرين جداً في مانضعه، لذلك ربما قد ينفع أن تضيف مقياساً آخر لتقدم النهضة، أو لجودة الفعل النهضوي، وللصراحة لا أجد أفضل من مقدار النفع الذي يحققه العمل، كأحد المقاييس التي يمكن الأخذ بها، والله اعلم.

    ضع تعليقا
  2. براء أصفري
    2010/03/10

    وعليكم السلام ورحمة الله
    تحياتي د. أحمد قطشة

    أنت تقول أنّه ما دام قد ذُكر في سورة الكهف: 1. الذين آمنوا. 2. وعملوا الصالحات.
    وفي سورة المؤمنون: 1. قد أفلح المؤمنون 2. صفات هؤلاء المؤمنون.
    فلماذا لم أقل أن 1=1 و 2=2 بالمعنى؟
    ببساطة يا أخي لأنّ في سورة الكهف جاءت بشكل منفصل بحرف واو الإضافة، (إن الذين آمنوا و(بالإضافة لإيمانهم) عملوا الصالحات).
    أما في سورة المؤمنون فالأمر مختلف، فالآيات جاءت كتعريف لهوية المؤمنون. (قد أفلح المؤمنون (من هم؟) الذين…) لذلك لا يمكن فصل آيات الصفات عن الآية الأولى، عن المؤمنون. وذلك أيضاً لأنّ الصفات لم تأتي بواو الإضافة، لم تكن ميزات إضافية مكتسبة. بل كانت صفات ميّزت هؤلاء المؤمنون في جعلهم مفلحون ووارثون. لذلك (وعملوا الصالحات) لا يقابلها شيء في سورة المؤمنون. هذا أولاً.
    أما ثانياً، فللآية: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً) طريقين للتفسير، لا يوجد طريق ثالث إطلاقاً. فالطريق الأول بأن نقول أنّ الإيمان هنا (والذين آمنوا) لا تشمل العبادات، فقط تشمل الإيمان بالإله المتمثل بالإيمان النظري، وأنّ العمل الصالح هو من سيشمل العبادات وكل عمل صالح.. أو الطريق الثاني بأن نقول بأن الإيمان بالله كحقيقة نظرية لا تنفصل أبداً عن التطبيق، ولن يكون أيٌ كان مؤمن بقول الشهادة فقط إن لم يرافقها عبادات تترجم هذا الإيمان، فبالتالي فإن الإيمان سيحمل في معانيه جميع العبادات. وبالتالي أيضاً فإن العمل الصالح لن يحمل معنى العبادات، لعدم وجوب التكرار. فليس من المنطق أن تحمل كلمة الإيمان معنى العبادات ثم يقول الله سبحانه وتعالى واعملوا العبادات (الصالحات).. وبالتالي ستدل كلمة (وعملوا الصالحات) على شيء آخر مكمّل ومعزّز للإنسان المؤمن الذي يربط ايمانه النظري بالتطبيق العملي (العبادة).. وأنا مع الطريق الثاني.

    لا علاقة للآية (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا) بموضوعي هنا، بل ربما تفسّر حديث الرسول (إنما الأعمال بالنيات) فإن فسدت النية فستفسد النتيجة مهما كانت جيّدة، ستتحول إلى هباء منثور.. وأيضاً إن صلحت النيّة وفسد العمل فستفسد النتيجة.. وهذا لا يعارض فكرتي..

    لا، لا أعرف ماذا تعني عندما قلت أنّ الإسلام ليس مادياً مجرداً ينظر للنجاح، ولو على حساب القيمة.. فلم أذكر هذا في مقالتي.

    ضع تعليقا
  3. طريف
    2010/03/11

    معانٍ مفيدة جزاك الله خيرا
    أيضاً أرى -والله أعلم – أن العمل الصالح لا يشمل العبادات، لأنه ببساطة لن يكون هناك إيمان دون صلاة وصوم …
    مع ذلك فأنا أختلف في التعريف المذكور للعمل الصالح … بأنه العمل الذي يجب أن يرى الإنسان نتاجه
    العمل قد لا يثمر لظروف خارجة عن سيطرة الإنسان … ولا أعتقد أنه بذلك سيكون غير صالح
    تماماً كما ذكر الدكتور قشطة، أبو لهب لم يؤمن ليس تقصيراً من الرسول عليه الصلاة والسلام بل لمانع داخلي عند أبي لهب متمثل في الكبر … ومعالجة هذا المرض خارج إرادته عليه الصلاة والسلام
    أظن أن المزيد من التأمل قد يوصلني لشيء
    لي عودة إن شاء الله

    ضع تعليقا
  4. أحمد قطشه
    2010/03/11

    السلام عليكم

    أحب أن أوضح مرة أخرى موضع الخلاف، وهو لا يمكننا الجزم أن الصلاة والزكاة والصيام، والعبادات، ليست من الأعمال الصالحة المقصودة بالآيات، كما لا يمكننا أن نحصر معنى الأعمال الصالحة بالعبادات فقط، بل هي أوسع من ذلك، وبالتالي مكمن الخلاف هو أنك وكما فهمت منك، لا تعتبر العبادات من الأعمال الصالحة، بل تعتبر أن العمل الصالح لن يحمل معنى العبادات، وإلا كان المعنى مكرراً في الآية، لكننا نجد في القرآن الكريم رب العالمين يقول (يا أيها الذين آمنوا أمنوا)، فكيف يصفهم بالإيمان ويطلب منهم أن يؤمنوا، وهكذا، وبالتالي مرة أخرى لا يمكن إخراج العبادات من مفهوم العمل الصالح.

    أما عن الإسلام والمادية، فإفترضت معرفتك وإطلاعك بالأمر، طالما أن إستشهدت واشرت لكتب الدكتور العمري، ولكن لعلك لم تقرأ كتابه الفردوس المستعار والفردوس المستعاد، كمايمكن أن تقرأ ايضاً للمسيري رحمه الله، وقد فصل في مفهوم العمل المعزول عن القيمة

    نهاية يا أخي، نحن هنا نتبادل الأفكار ولا نسعَ لتخطئة بعضنا أو إثبات صوابية موقفنا، فكلنا على باب الله.
    السلام عليكم

    ضع تعليقا
  5. براء أصفري
    2010/03/12

    السلام عليكم جميعاً
    أشكركم د. أحمد قطشة والأخ طريف على التواصل..
    أعتقد أنّ الفكرة الرئيسية الثانية في المقالة لم تصل بشكلٍ صحيح.. فأنا:
    1. لا أعني من كلمة عمل صالح: عمل جيد. وبالتالي كل عمل غير الصالح: عمل فاسد. بل أعني بالعمل الصالح: العمل الذي يصلح الواقع.
    2. كتبت في المقطع الثالث قبل الأخير من المقالة ما يلي: (مع أننا لا نشك أبداً بعمل سيدنا نوح الإيجابي مع ابنه ونؤمن تماماً أنّه سيجزى الجزاء الأوفى على مجهوده الذي بذله مع ابنه. لكن هذا كله لا علاقة له بتسمية جهده بالعمل الصالح إن لم يقارن مع النتيجة، مع الخلاصة، مع جدواه.) أي، أنا لا أقصد أبداً أن أي عمل إن لم يكن عمل صالح فهو بالتالي عمل فاسد، لا أبداً.. بل ذكرت أنّ الله سيجزينا عن كل عمل نقوم به، لكن نياتنا وأعمالنا ليسوا هم من يحدّدوا إن كان هذا العمل الجيد صالح أم لا.. هذه هي الفكرة.. وكذلك الأمر مع مسألة الرسول الكريم مع عمّه أبي لهب. وقصّة سيدنا نوح عليه السلام مع ابنه..

    سأضرب مثالاً أخراً، أم تقول لجارتها أنّ إبني من المتفوّقين. فسألتها جارتها: لماذا وكيف؟ فأجابتها: إبني طالب بيدرس كتير، صدقاً عنده نيّة جيدة وسليمة، فلم تنقطع دراسته لأيام وليالي، لكنّه رسب في النهاية..
    بينما أم أخرى تقول لجارتها: أنا ابني من المتفوقين. سألتها جارتها: لماذا وكيف؟ فأجابتها الأم: لأنّ ابني قد حصل على تقدير ممتاز هذه السنة..
    أتلاحظون الآن الفرق.. هل نستطيع أن نطلق على الطالب الأول اسم (المتفوق)؟ مع العلم إنّه درس، فلا أحد ينكر ذلك، ربما يكون هناك أسباب عديدة دفعته للرسوب، ونحن نعلم أنّه سيجزى على كل دقيقة درس بها.. لكن هذا كله (جهده وحسن نيّته) لا يعطيان الحق لأي شخص لأن يطلق على هذا الطالب اسم المتفوق..

    كذلك الأمر تماماً مع العمل الصالح. كيف نستطيع أن نلصق كلمة (صالح) مع كلمة (عمل) إن لم نرى النتيجة، إن لم نرى الصلاح؟ فالإطلاق كلمة صالح للعمل جاء نتيجة أنّ هذا العمل قد أدى إلى إصلاح واقعي وحقيقي وفعلي وملموس.. وأعيد، إن لم نرى النتيجة هذا لا يعني أنّنا لن نجزى عليه..

    ضع تعليقا
  6. طالب
    2010/03/12

    اسمحوا لي أن أقاطع الحوار الشيق: “إنه عمل غير صالح” لماذا يعود الضمير بداية؟؟

    ضع تعليقا
  7. مهند سرادة
    2010/06/01

    أخي براء …
    بالنسبة لما ورد في المقال (بما أن الآيتين تتشاركان بثواب الفردوس (وتذكّر أنه لا يوجد آية ثالث تتكلم عن الفردوس في القرآن)، فهذا يعني أنّ كلمة (الذين آمنوا) المقصود بها في الآية الأولى، عائدة تماماً على المؤمنون في الآية الثانية. وبالتالي نستنتج أنّ (وعملوا الصالحات) لا تدل ولا تعني أي من الصفات التي تشمل صفات المؤمنين (لعدم وجوب التكرار). أي، لن تشمل على العبادات والأخلاق!. )

    اعتقد أن عدم وجود آية ثالثة تتحدث عن الفردوس …إنما هو دليل على مطابقة الصفات في الآيتين (دليل على أن الأخلاق والعبادات المذكورة في سورة المؤمنون هي شرط لوراثة الفردوس …والاستشهاد بعدم ضرورة الأخلاق والعبادات لدخول الفردوس هو الذي يستوجب وجود آية ثالثة تتكلم عن الفردوس ….عندما تقرأ الآية في سورة المؤمنون لوحدها يكون من الواضح أن هذه الصفات هي شرط لوراثة الفردوس وباعتقادي أنه لاحاجة للذهاب للجمع بين الآيات واستنباط معنى بعيد بعض الشيء مع ترك المعنى القريب الواضح من قراءة الآية في سورة المؤمنون بمفردها …والله اعلم

    واسمح لي الآن أن أبدي إعجابي بمدخل المقالة وضرورة إيجاد مقياس للنهضة …لقد وفقت إلى كلمات تدعو للتأمل وللتفكير طويلا …وبانتظار المزيد من المساهمات الغنية منك

    ضع تعليقا
  8. براء أصفري
    2010/06/10

    أسحب الفكرة التي تقوم بالربط بين الآيتين عندما تحدثت عن المفتاح الأول لمعنى العمل الصالح.. وأبقي ما عدا ذلك على حاله.
    فالجزء الثاني (الذي انتهيت من كتابته) أعتقد أنّه سيوضح الأمر بشكل أفضل وبطريقة جديدة ومختلفة كلياً عمّا ذكرته هنا..

    براء أصفري

    ضع تعليقا
اترك تعليقك »
اسمك
بريدك الالكتوني
تعليقك
هل تود راية صورتك في تعليقك؟؟
اضغط هنا و حمل صورتك , الخدمة مجانية! (افتح في صفحة جديدة)