نيويورك ، نيويورك 5 الحرية : سرابها باهظ ، و تمثالها أجوف !

نيويورك ، نيويورك 5

الحرية: سرابها باهظ، وتمثالها أجوف..!

 

د.أحمد خيري العمري- القدس العربيmiss_liberty_has_turned_blind_4001

لا يمكن أن تزور نيويورك دون أن تحاول زيارة تمثال الحرية، فتمثال الحرية ليس هو الرمز الأكثر شهرة للمدينة فحسب، بل لعله الرمز الأكثر ارتباطا بأمريكا بأسرها.. أمريكا التي هي أرض الأحلام، والتي هي أحيانا العالم بأسره، يمكن أن تختصر بالنسبة للكثيرين إلى كونها أرض الحرية..

لم يكن لدي يوما أوهاما كبيرة حول الحرية، وهو الأمر الذي جعلني لا أملك أوهاما كبيرة حول المفاهيم الجزئية المرتبطة بها (الحرية الشخصية) أو تطبيقاتها المباشرة التي كثيرا ما  تظلم بالخلط  معها( الديمقراطية)، في نفس الوقت الذي لا أملك فيه أوهاما عن أي نوع من الاستبداد أو جدواه على الإطلاق، لكني أؤمن أن عدم وجود طريق ثالث واضح المعالم لا يبرر أبدا الذهاب في الطريقين الموجودين أصلا، كما أن عدم وجود هذا الطريق الثالث لا يعني عدم إمكانية وجوده مستقبلا… والتطيبل المستمر لأحد الخيارين يعطل ويشوش على عملية البحث عن بديل عنهما…

الحرية في النهاية هي فهمك لها، وهذا الفهم يرتبط حتما بمجموعة مفاهيم وظروف شكلت الحاضنة التاريخية لهذا الفهم، لذا فإن فهما تاريخيا للحرية لا يمكن أن يعامل ويعمم بإطلاقه، وهو ما حدث في عالمنا اليوم، حيث صارت كلمة الحرية تستدعي مفاهيم بعينها وأنماط حياة محددة ( كان تمثال الحرية مصاحبا دوما للترويج لها..)..

يقع تمثال الحرية في جزيرة أيلس Ellis Island  الواقعة في فم نهر الهدسون عندالتقائه بميناء نيويورك المطل على الاطلسي،  كانت هذه الجزيرة حتى خمسينات القرن الماضي هي المدخل الرسمي الوحيد لكل المهاجرين الذين جاؤوا إلى أرض الأحلام.. اليوم لم يعد المهاجرون يأتون عبر البحر، ولم يعد يقصد الجزيرة إلا السياح الذين يأتون للفرجة على نصب تمثال الحرية والمتحف الملحق بها.

ملايين المهاجرين مروا من هذه الجزيرة، بعضهم لم يبرح الجزيرة أصلا إلا ليعود إلى بلده ( لم يمرره موظفو الهجرة بسبب الشك بوجود مرض مُعْدٍ أو بسبب عدم لياقته البدنية )، وبعضهم أنهكته الرحلة الطويلة وفارق الحياة في الجزيرة ليلة وصوله إلى أرض الأحلام..لكن آخرين – هم النسبة الغالبة حتما- قد غادروا الجزيرة إلى أرض أحلامهم، ما الذي أخذته أمريكا منهم، وما الذي قدمته لهم، أمر آخر تماما.. لكنها استفادت من سواعدهم حتما في ازدهارها الكبير، وقدمت لهم بالمقابل الكثير مما كانوا يبغونه، كما أخذت منهم بالمقابل أيضا بعض مما لم يقدروه حق قدره في أوطانهم.

توقعت أن يكون سعر بطاقة الركوب إلى جزيرة أيليس باهظا، ربما لما رسخ في ذهني كعراقي عن ثمن الحرية الباهظ، ودهشت عندما وجدت أن السعر عادي جدا، تذكرت لاحقا أنه ليس ثمن الحرية، بل ثمن الفرجة عليها فقط، ثم فكرت أن كل ذلك الثمن الباهظ الذي تدفعه الشعوب من أجل الحرية قد لا يكون ثمنا للحرية بقدر ما يكون ثمنا للفرجة عليها بطريقة أو بأخرى..

تنطلق المراكب من باتري بارك Battery Park، وفيه الشريط الساحلي المعبد الذي يظهر في أفلام هوليود حيث يركض الممثلون أثناء ممارستهم  لرياضتهم، لم أر أحدا يمارس رياضة الركض، لكن كان هناك نماذج مختلفة من أشخاص لم تتجاوز نجاحاتهم في أرض الأحلام هذه الحديقة، سترى رساما يفترش الأرض ويعرض عليك أن يرسم لك صورة شخصية، وسيقترب منك آخر  يتحدث معك بصوت منخفض كما لو أنه يكشف سرا خطيرا، ويفتح سترته التي يخفي فيها عشرات الساعات، يشير لك إلى واحدة منها ويقول: لن تجد سعرا كهذا، عشر دولارات (رولكس بعشر دولارات !)…

ترى أيضا تمثالين “بشريين” للحرية، إنهم عمال وظيفتهم ارتداء ملابس “السيدة حرية” وقناع (مبتسم) لوجهها من أجل التقاط الصور مع السياح من قبل مصور الحديقة.. أنتبه هنا للمرة الأولى أن “السيدة حرية” محتشمة وأنها مع تاجها تبدو كما لو كانت تغطي رأسها بالحجاب، رغم ذلك فإن النساء تعرّوا تقريبا وأحيانا تماما تحت شعار الحرية، ويا للعجب!

سيقال لك إن هذا هو المركب السياحي الأخير الذي يقلع إلى تمثال الحرية لهذا اليوم، وسيقال لنا دوما أشياء مماثلة عن ضرورة الالتحاق بسرعة بمركب الحرية قبل أن يفوتنا، ولا داعي للتأكد من سلامة المركب أو من خبرة ربانه أو من الاتجاه النهائي للمركب، فالركوب بحد ذاته هو الهدف بالنسبة لهؤلاء..

المركب مصمم على نحو يتفق مع جانب من مفهوم الحرية في أرض الأحلام: حرية الشركات في تحقيق أعلى معدل للربح بغض النظر عن أي شيء.. وهكذا فإن المركب مزدحم كما لو كان حافلة عامة لنقل الركاب.. وليس مركبا سياحيا.. سيكون هناك تفسير جاهز وحَسَن النية للأمر: يريدون منا أن نستشعر” معاناة المهاجرين” إلى أرض الأحلام..

ما إن أطل تمثال الحرية حتى شهر الجميع كاميراتهم لتخليد اللحظة، كانت بطارية كاميرتي قد فرغت فلم أفعل مثلهم، وانتبهت إلى أن اهتمامهم بزوايا الصورة وعدم تعارضها مع أشعة الشمس يفوق اهتمامهم بمشاهدة التمثال فعلا، هل حلت تلك الأجهزة الرقمية محل أبصارنا وبصائرنا؟ هل صرنا نهتم بحفظ الصورة في ملفات الذاكرة الرقمية أكثر من اهتمامنا بخوض التجربة وحفظها في ذاكرتنا الإنسانية، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون رغبة في التشاوف وإثبات الزيارة للأصدقاء والجيران ؟؟.. لو أن بطارية كاميرتي لم تكن نافذة لالتقطت صورة لجمع السياح وهم يلتقطون في حركة واحدة صورا لتمثال الحرية كما لو كانوا مبرمجين على ذلك.. إنه القطيع يؤدي ما غرس فيه مسبقا دون إبطاء أو تردد.. ويتوهم بعد ذلك أنه حر وأنه يحتفي برمز الحرية الأكبر…

أول ما يلفت النظر في التمثال هو أن حجمه أقل مما رسخ إعلاميا في أذهاننا، سيبدو التمثال فجأة كما لو أنه نسخة ورقية أو نسخة مقلدة مما سمعنا عنه وشاهدناه في وسائل الأعلام، الشيء ذاته يحدث دوما مع البيت الأبيض الذي يجعل البعض يبحثون عنه وهم أمامه، ربما يعود ذلك إلى أن الصورة الذهنية لأمريكا عموما قد تكون أضخم من حقيقتها.. (أو أنها أضخم لأن صورتنا الذهنية عن أنفسنا أقل جدا، أو مزيج من الاثنين معا…؟)

بعد أن تتجاوز الصدمة الأولى ستتنبه إلى عدم تناسق واضح جدا بين تمثال الحرية وبين القاعدة التي ينتصب عليها.. التمثال أبيض اللون كما في التماثيل الإغريقية والقاعدة رمادية اللون كما في متحف الشمع.. لكن هذا التناسق لا يجب أن يكون صادما جدا بعد كل شيء، ليس لأن التمثال فرنسي الصنع والقاعدة أمريكية فحسب، بل لأن عدم التناسق هو جزء من الثقافة الأمريكية السائدة، الأمريكيون عموما يفتقرون إلى الحس بتناسق الألوان الذي يميز بعض الأوروبيين مثلا، وهم (خاصة في ولايات الغرب الأوسط ) يكادون يتعمدون اختيار الألوان المتنافرة كما لو أن ذلك جزءا من هويتهم الثقافية، لذا يمكن أن تجد في المترو رجلا “محترما” ذاهباً إلى عمله وهو يرتدي قميصا أصفر اللون – مع خطوط حمراء- وربطة عنق زهرية مع جاكيت رمادي وبنطال يزيد الطين بلة.. الظاهرة أقل حتما في مدن الساحل الشرقي الكبرى (واشنطن ونيويورك وفيلادلفيا، ربما بسبب الاختلاط  بالمهاجرين!) لكن عدم التناسق اللوني ظاهرة واضحة وهي جزء من ظاهرة عدم اللياقة بشكل عام، مثل البصاق على الأرض (نعم، تخيلوا، ليست شعوبنا وحدها تفعل ذلك!) أو التجشؤ بصوت عال دون الاعتذار.. علما أن هذه الظواهر مرفوضة في مجتمعاتنا وتمارس غالبا من قبل الطبقات الأقل تعليما والأدنى اجتماعيا، أما هنا فهي لا تختص بما يعرف بأصحاب الأعناق الحمراء ( Red necks) ( الأمريكيون البيض القادمون من الريف والقرى النائية ) أو السود الأقل تعليما والأفقر، بل من الطبيعي جدا أن ترى سيدة شابة أنيقة ذاهبة إلى عملها وهي تحمل حقيبة  “العمل الرسمية “، ثم تلتفت هذه الشابة لتبصق على الأرض بكل بساطة .. وأكثر منها ظاهرة التلفظ بألفاظ بذيئة بصوت عال وفي مكان عام..

تمثال الحرية غير متناسق لونيا مع قاعدته؟ لعل هذا يبقى أكثر تناسقا وأقل نشازا بكثير من إقسار قوالب معينة للحرية على العالم أجمع، بغض النظر عن وجود قواعد ملائمة أو غير ملائمة لاستلام هذا القالب، وبغض النظر عن ضرورة إعادة تركيب الواقع بأكمله أحيانا لينسجم مع هذا القالب..

ستقول المرشدة السياحية بفخر إن مصمم برج إيفل  شارك في تصميم التمثال، ستقول ذلك كما لو أنها تتحدث عن زي من تصميم “شانيل” أو حقيبة يد من تصميم “بيير كاردان”، وستتجاوز حقيقة أكثر أهمية وهي أن بارتولدي (المصمم الأساسي للتمثال) لم يهدِ تصميمه ألى أمريكا إلا لتذكير الفرنسيين بأهمية ألا تتحول الحرية التي قامت ثورتهم على أساسها إلى “فوضى”.. نعم، هذا ما صرح به مرارا وما كتبه في مذكراته، كانت أمريكا بلدا ناشئا يحتضن المفهوم الذي لا شك أن ولادته الرسمية كانت في فرنسا، لكن التجربة الفرنسية التي حولت المفهوم إلى فلتان جعلت من بارتولدي يرغب في إيصال رسالة إلى مواطنيه قبل سواهم، عبر إهدائهم هذا التمثال إلى البلد الذي كان ناشئا آنذاك (هل وصلت الرسالة إلى الكنّة أو إلى الابنة؟ لا أظن!)..

تجاوزت المرشدة أيضا أن التصميم الأصلي للتمثال كان مختلفا جدا، وأنه كان يمثل فلاحة مصرية بطرحتها التقليدية،  قُدِّمَ المشروعُ  إلى الخديوي إسماعيل أثناء حفر قناة السويس، وكان المشعل في يد الفلاحة المصرية يرمز للتنوير الذي سيأتي إلى المشرق عبر قناة السويس ( أي بعبارة أخرى عبر الفرنسيين الذين أشرفوا على حفرها ..)..الخديوي إسماعيل رفض المشروع لكلفته الباهظة.. (أو لأسباب أخرى أعمق؟)..

لكن المرشدة لن تتجاوز حقيقة تاريخية مهمة عن تصميم التمثال، إنه ببساطة مستوحى من تمثال يمثل آلهة رومانية هي آلهة الحرية ( libertes وهي الكلمة التي تشتق منها مفردة الحرية liberty  في الإنكليزية المعاصرة وهي التي تستخدم بالذات في تمثال الحرية statue of liberty)..

هل ألمّح إلى شيء هنا؟ هل أجرؤ على التلميح أن الحرية بمفهومها الغربي المعاصر الذي يعمم قسرا وطوعا وترغيبا وترهيبا لها جذور وثنية رومانية ؟.. نعم، أقول ذلك بصراحة، فالحضارة الغربية المعاصرة لم تنبت من فراغ، وهي لم ترتكب قطيعة حقيقية مع موروثها الوثني حتى في فترتها المسيحية الكنسية بل أعادت هضمها وتقديمها  بصور جديدة، لكن المفهوم الوثني لا يزال كامنا في هذه الصور رغم معاصرتها ومظاهرها الحديثة…

نعم، أقول وأعيد: الكثير من مفاهيم الحرية الشخصية بصيغها المعاصرة هي نسخة حديثة من إرث يملك جذورا وثنية قديمة، بل إن مفهوم “الفردية individualism ” الذي يطبل أدعياء التجديد ويزمرون له ويحاولون أسلمته بوعي وإدراك وتخطيط أوبلا وعي من قبل ضحاياهم عبر الإصابة بفايروس الأمركة-  ، هذه ” الفردية ” التي يعد قيمة أساسية من القيم الأمريكية تمتلك صلة واضحة بالأبطال الإغريق وبالآلهة الإغريقية التي كانت تعبد ذاتها..

ليس هذا فقط، بل أجرؤ أيضا على المزيد فأقول: إن جزءا معينا من هذا الفهم يكاد يطابق ما وصفه القرآن الكريم: “أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ؟” ولا أعرف صورة أكثر تعبيرا ودقة من هذا، عندما يكون كل ما تحتكم له (= إلهك) هو أهواؤك ( =حريتك الشخصية)، فإن مفهوم الحرية الشخصية –بصيغتها الحالية- هي مجرد نسخة مزينة ومزوقة من اتخاذ الهوى إله..

لا أقصد هنا أن الحرية بمفهومها الغربي تعني الفلتان المطلق وترك الفرد يفعل ما يشاء حينما يشاء، لا قطعا، هناك عقد اجتماعي ينظم حرية الأفراد، لا يحق لهم أن يقتلوا بعضهم بعضا على سبيل المثال، ولا أن يسرق بعضهم بعضا ( الشركات  وحدها من حقها أن تفعل ذلك) لكن كل ذلك يندرج في إطار “أنت حر ما لم تضر”.. والضرر بالمقياس الغربي- الأمريكي خاصة- هو الضرر الذي يلحق بالفرد خاصة وعلى المدى القصير فحسب، ليس هناك من رؤية تحاول متابعة الأثر التراكمي على المجتمعات وعلى الأفراد لهذه الحريات الفردية التي قد لا تبدو ضارة على المدى القصير..

 سؤال الحرية  في التراث الإسلامي ارتبط دوما بالمسؤولية الإنسانية، هذه هي حقيقة جدل التسيير والتخيير في التراث الإسلامي، والإنسان في الإسلام له حق الخطأ حتما، لكن عليه في الوقت نفسه أن يتحمل مبدئيا نتيجة خطئه أخرويا إذا كانت حدود خطئه قد بقيت ضمن حدوده الشخصية، ودنيويا إذا كانت حدود الضرر قد تجاوزت فرديته الى الآخرين و لو على المدى البعيد..

أدرك قطعا أن هذا الكلام هو ضد التيار الكاسح الذي يجعل من “الحرية الشخصية ” قدس الأقداس الذي لا يأتيه الباطل من خلفه ولا من بين يديه، حتى صار البعض يبرر التزامه بدينه وبما فرضه عليه بالحرية الشخصية، صار يمكنك اليوم أن تشكك بكل شيء، بالخالق والأديان وبالكتب السماوية وبكل قيمها، ولكن تقف عند هذا الفهم الغربي “للحرية الشخصية” ولا يحق لك أن تنقده أو تشكك بأهليته أو بعدم صلاحيته لكل زمان ومكان ..

الفروق التصميمية بين الوثن الروماني وتمثال الحرية تثير الشهية أيضا لما لا أشتهي الحديث عنه: فالمشعل والتاج ( الموجودان في التمثال حصرا ) رمزان معروفا التوجه ولم يكونا سريين يومها، بعبارة أخرى: الانتماء للماسونية لم يكن سريا بالنسبة للكثير من الآباء المؤسسين لأمريكا، وكذلك لمصمم التمثال.. صحيح أن الاتهام بالماسونية استهلك بمناسبة وبلا مناسبة من قبل البعض، لكن مجرد الاستهلاك لا يبرر خجلنا من لفظ الكلمة حتى لا نُتهم بأننا من أصحاب نظرية المؤامرة، نعم، كان بعض مؤسسي أمريكا ماسونيين وكان من المعلوم تماما استخدامهم لرموزهم في أعمالهم الفنية ( كما سيفعل صاحب أي مذهب أو أيدلوجية عندما يعبر بالفن عن مذهبه )..

فجأة بدا عدم تناسق القاعدة مع التمثال مفهوما، بدت القاعدة كما لو أنها مذبحا سالت عليه الدماء طويلا الى أن وسخت بياضه وصار لونه رماديا…هنا تمت التضحية بشعوب بأسرها  تحت شعار الحرية، بدا تمثال الحرية وثنا معاصرا وبدت قاعدته مذبحا تم التضحية بشعوب بأسرها تحت شعار تخليصهم من ديكتاتورية ما وتسليمهم إلى نمط أكثر تعقيدا من الاستبداد، هنا على هذا المذبح تم شن الحروب من أجل الحرية، وتم استعباد الناس من أجل الحرية.. هنا على هذا المذبح تطوع البعض للتضحية بكل ما يملكون ولم يدروا أن سدنة الوثن الجديد سيقتطفون تضحياتهم ويجيِّرونها لصالح عبادته ودينه… ( فكرت أن أكتب أسماء الضحايا الذين أعرفهم، أولئك الذين ما زالت دماؤهم حارة في أنفي ومخيلتي، لكني أحجمت عن ذلك وتمنيت لهم صادقا أن تكتب أسماؤهم في مكان آخر..)

 هذا المذبح لم يشهد سفك دماء الضحايا فحسب، بل شهد أيضا التضحية بقيم كثيرة، سفكت وهدرت ونسفت من أجل الحرية، أمثلة : قيم الأسرة، قيم البر بالوالدين، قيم العفة والشرف، بل كل القيم الدينية بما فيها قيمة الإيمان بالله تعالى.. كلها تم التضحية بها، أو تم الاستعداد للتضحية بها من أجل الحرية..

على مذبح هذا الوثن، لم يعد هناك حق أو باطل، بل صار كل شيء مجرد “وجهة نظر” قابلة للأخذ والرد..

لكن، وكما مع أوثان العالم القديم، ليس هذا الوثن الجديد سوى وجه مستعار يتخفى خلفه أصحاب المال والسلطة، ملأ كل زمان ومكان الذين ازداد احتكارهم للمال والسلطة في هذا العالم الحر الجديد..

بل إن التمثال نفسه يقول ذلك، إنه مجوف، داخله فارغ، هذا التمثال الشاهق ليس سوى هيكل برونزي ضخم، لكنه فارغ من الداخل، فارغ وأجوف، مثل كل الشعارات البرّاقة الفارغة، يستخدمها أولئك اللاعبون الكبار- تلك القطط السمان- ، ويصدقها الصغار، وبين الاستخدام والتصديق، ليس سوى هدف واحد:  ليس سوى المزيد من الأرباح..

 سدنة المعبد يستثمرون حتى هذا التجويف من أجل المزيد من الأرباح، فعبر هذا التجويف تم بناء السلالم التي من خلالها يصعد السياح إلى رأس تمثال الحرية، ليلقوا نظرة من فوق على العالم الحر الجديد.. وبالتأكيد هناك مبلغ إضافي يجب أن يدفع..

لكن الاستثمار الكبير للسدنة لم يكن هذا حتما، بل كان في أنهم أقنعوا الجميع بأن يرتدوا أغلالا وقيودا غير مرئية كتب عليها “الحرية”، تتغلغل في رؤوسهم وعقولهم، وتعيد تشكيلها وبرمجتها، حتى بدا لهم كل خيار خيارا حرا شخصيا، وهو في الحقيقة ناتج لعملية معقدة من غسل الأدمغة التي سيكون لديها مهمة الخيار بين مجموعة سلع، أو مجموعة أفلام، أو بين مرشحين للرئاسة الفرق بينهما كالفرق بين البيبيسي كولا والكوكا كولا، وكل مناظراتهما لن تكون إلا كحلقة مصارعة حرة معدة مسبقا بكل لكماتها وسقطاتها.. والرابح الوحيد في النهاية هو الملأ الذي يوظف المتصارعَين ويمولهما على حد سواء..

ربما كان الأمر مشابها لهذا على الدوام، ربما كان المجتمع الإنساني عبر التاريخ يفرض أعرافه وقيمه التي تشكل عقول الناس ورؤاهم وطريقة حكمهم على الأشياء وبالتالي يحدد خياراتهم، هذا صحيح، كان الخيار الحر المطلق دوما عملية صعبة ومعقدة، لكنها لم تكن صعبة ومعقدة إلى الحد الذي أصبحت فيه اليوم، مع تطور الوسائل الإعلامية واحتكارها للمعلومة ولطريقة عرضها، خاصة أنها أوهمت المتلقين أنهم أحرار، وكان هذا الوهم هو الطٌعم الذي سهّل ابتلاع كل الخيارات المبرمجة الأخرى..

ربما كان الإنسان بطبيعته مبرمج على “عبودية” ما… وربما سيكون خياره الوحيد الحر حقا هو اختياره لعبوديته: أن يكون عبدا لمجتمعه وأعرافه وتقاليده، أو أن يكون عبدا لمنظومة جهنمية عالمية تعيد تشكيل أفكاره ورؤاه، أو أن يكون عبدا لخالقه، أن يمارس عبوديته التي خلق من أجلها..

***************  

بعد العودة من جزيرة الحرية وسرابها الباهظ ذهبت إلى المرافق الصحية المصاحبة للمتحف المجاور، كنت أريد الوضوء، قبل أن أدخل، شاهدت رجلا بملامح آسيوية سمراء (كمبوديا، فيتنام ..شيء كهذا )  يجلس على حافة الحائط ويدخن بصمت، كان يرتدي ثوب تمثال الحرية، وبيده قناعها المبتسم.. إنه نفس الشخص الذي يقف في الحديقة ليلتقط صوره السياح.. كان وجهه وأسنانه المهدمة يحكيان القصة كلها، قصة البحث عن الحرية وسرابها والتضحية على مذبحها..

كان تمثال الحرية شاهقا وبراقا من بعيد.. وأجوف من الداخل..

أما هذا الرجل الذي يرتدي قناعها فقد كان مثالها القريب والحقيقي..

 

 

 للمزيد عن الموضوع :كتاب الفردوس المستعار و الفردوس المستعاد للمؤلف

15 تعليق على “نيويورك ، نيويورك 5 الحرية : سرابها باهظ ، و تمثالها أجوف !”

  1. أخي الحبيب
    سمعت اليوم عن زيارات للسواح في لوس أنجلس لمناطق فيها تدعى no go ينظمها بعض المجرمين السابقين الذين يسيطرون على هذه المناطق، أكثر الزوار هم من أهل المدينة الذي رغم معيشتهم فيها منذ مولدهم لا يعرفون تلك المناطق، والزيارة تتم بباص مدرع ضد الرصاص وبنوافذ مضادة للرصاص. أدعوك، رغم بعد المسافة وضيق الوقت أن تزور هذه المناطق أو على الأقل ان تقرأ عنها فربما كانت دافعا لمقال جديد يكمل لنا كتاب أمريكا التي رآها العمري!

  2. سيدي العزيز…
    كاتباتك بدأت تعمل في مخيلتي و احلامي عملها…

    فكلما التقيت اخا قادما من امريكا اساله عنها بالطريقة “العمرية”… عن احلام الناس فيها عن طموحاتهم… اساله هل كان في الميدنة التي كنت فيها مركز اسلامي او عرب على الاقل…

    يا سيدي العزيز انا طبيب وعلى طريق الاختصاص في امريكا… عل علما فيها ينفع المسلمين…
    لكنني لم اعد اتخيل … أو أتحمل مجرد فكرة وجودي هناك…
    ارنا بعضا للامل … الا يوجد امل أو خير فيها يمكن من خلاله التاثير بامريكا… أم أن الاقلام رفعت وجف حبرها

  3. الدكتور العمري…
    مقالك رحلة في التاريخ و الجغرافية و علم النفس..الامر يتجاوز المتعة الى العمق و التأثير..
    شكرا لك

  4. السلام عليكم و رحمة الله ، اعمق و اجمل ما قرأت عن الحرية يا دكتور ، نطقت بالحق الذي صار الكل يخافون الجهر به في حمى التسبيح و التمجيد للحرية على النمط الغربي

  5. السلام عليكم اخي ايو حمزة

    التحدي الحقيقي ليس في الدراسة في امريكا ، فذلك امر ممكن و لا يخلو من ايجابيات التجربة و التعرف عليها خاصة اذا امتلك الشخص مناعة تحصنه من الانبهار ، التحدي الحقيقي هو في الاستقرار و بالذات في تنشئة الاولاد هناك…

  6. السلام عليكم
    مقال جميل , الله يجزيك الخير
    لدي نقطتان :
    في مخيلة الناس عموما طريقان لا ثالث لهما , إما طريق الحرية أو طريق الديكتاتورية و قد تكلمت كثيرا عن طريق الحرية المزعوم و بشكل أقل عن طريق الديكتاتورية .
    كما قلت عدم وجود شيء عدا هذين الطريقين لا يعني بالضرورة عدم وجود طريق ثالث
    و لكنني أعتقد أن انتقاد أحد هذين الطريقين سيرسخ في أذهان الناس عدم وجود طريق ثالث .
    لا أعتقد أن مئات المقالات عن مساوئ طريق الحرية أو طريق الديكتاتورية سيبلور عند الناس طريقا ثالثا , و إنما هو ترسيخ لهذه الثنائية .

    النقطة الثانية :
    الكتاب طويل هل من الممكن التوجيه إلى صفحات معينة أو فصول معينة ؟

    بالتوفيق
    سلام

  7. سيدي العزيز كلامك صحيح… وهذا بالذات الذي كنت اسال عنه….

    ولكن فعلا كيف السبيل اليه… ؟؟!؟!

    فالاقامة هناك ستكون -باذن الله- لعشرة سنوات في حال السعي وارء اختصاص له الفائدة للامة.. !!!

    عشرة سنوات من فترة العمر الحساس للانسان الذي يبدا فيه بتكوين نواة شخصيته..

    أعرف طبيباً اقام في بريطانيا للاختصاص مدة عشر سنوات, وبريطانيا – بكل بلاويها- ما تزال افضل نوعا ما من امريكا…وعندما عاد الى دمشق عانى الكثير من اولاده بالنسبة لموضوع اللغة.. علما انه كان ناشطا في احد المراكز الاسلامية هناك وما ادخر جهدا لتعليم اولاده الدين واللغة العربية..

    جزاك الله خيرا… ونفع بك

  8. خيل إلي أن الكاتب يتحدث عن تمثال العجل الذي صنعه السامري ، خاصة لما عرفنا أن تمثال الحرية أجوف …
    ( فأخرج لهم عجلا جسداً له خوار )

    سؤالي للدكتور أحمد: هل هناك من يترجم خواطرك ومقالاتك إلى اللغة الانجليزية ؟
    لأني أعتقد أن الجيل الثاني من المسلمين بحاجة ماسة إلى هذه المعاني والأفكار ..

  9. جزاكم الله خيرا
    يا دكتور مقال جميل و له تاثير عميق في النفس لنعلم حقيقة الحرية كما يروجون لها
    نفع الله بكم الامة

  10. جزيت خيرا دكتورنا الفاضل ..لايسعني سوى قول ذلك
    اقتباس” كان الخيار الحر المطلق دوما عملية صعبة ومعقدة، لكنها لم تكن صعبة ومعقدة إلى الحد الذي أصبحت فيه اليوم، مع تطور الوسائل الإعلامية واحتكارها للمعلومة ولطريقة عرضها، خاصة أنها أوهمت المتلقين أنهم أحرار، وكان هذا الوهم هو الطٌعم الذي سهّل ابتلاع كل الخيارات المبرمجة الأخرى..”
    ذكرتني بكلام لطالما سمعته على لسان الدكتور عمر عبد الكافي
    عن جاهليتنا المعقدة!!
    شكرا ثانية!!

  11. سلمت يداك دكتور:
    كم من الدماء سفكت تحت لواء الحرية وكم من الأجيال ضاعت تحت شعارات الحرية… وكم من الشعوب أرادت ان تتمتع بالحرية فأدارت عجلة الحياة لتصبح الحرية التي هي حقها مقاصل تقطع به رقاب غيرها….
    وإن الطريق الثالث الذي يقع بين طريقي الاستبداد والحرية الشخصية إنما هو طريق العدالة طريق العدالة بمفهومها الحق عندما يكون العدل هو نظام الحياة وهو دستور الحياة….
    عندها يعيش الحاكم آمناً ويعيش المحكوم سعيداً وينال كل فرد ما يستحقه سواء أساء أو أحسن…

  12. بارك الله فيك دكتور..
    ويا ليت تجاوبني على أسئلة شغلتني،
    فقد استطعت بكلماتك الواضحة شرح ما يجول في الخواطر عن أسلوب الحياة والثقافة الأمريكية
    لكن كيف نخلص أتباع هذه الثقافة ممن هم أبنائنا وبناتنا والمحيطين بنا من قضية الحرية الوهمية وما يمكن أن تنتج؟ كيف ننشر هذا الوعي؟ وهل الجهود الحالية الدعوية بمستوى الحدث؟

    عندما كتبت في هذا المقال:

    ” بل كان في أنهم أقنعوا الجميع بأن يرتدوا أغلالا وقيودا غير مرئية كتب عليها “الحرية”، تتغلغل في رؤوسهم وعقولهم، وتعيد تشكيلها وبرمجتها، حتى بدا لهم كل خيار خيارا حرا شخصيا، وهو في الحقيقة ناتج لعملية معقدة من غسل الأدمغة التي سيكون لديها مهمة الخيار بين مجموعة سلع، أو مجموعة أفلام، أو بين مرشحين للرئاسة”

    هذا واقع بنا أيضا!! تم تصدير ذلك إلينا عبر قنوات أمريكا المحلية المتوفرة بالمجان MBC و FOX وغيرهما وباستمرا خلال ال24 ساعة اليومية. لا أكاد أدخل منزلا إلا وأرى الأبناء يشاهدون هذه القنوات

    إنك تجد اليوم من هو أمريكي ولو كان عربيا مسلما
    من وجهة نظري المتواضعة الإعلام والانترنت آلة ضخمة تحرك العالم وتوجهه
    مع كل المحاولات المستمرة والمخلصة للمحطات الفضائية المحافظة والاسلامية وبعض مواقع الانترنت الملتزمة إلا أن التغريب والأمركة طاغيتان وأفرزت داخل هذه القنوات والمواقع دعاة وبرامج وفيديو كليبات من النوع (مطاوعة متأمريكين أو متغربين) تحت دعوة التقرب من جماهير الأمة!

    وإذا سمحت أستاذي، أرجو التكرم بالرد على الأسئلة (ولو على بريدي الشخصي حتى لا أخرج من النص)
    1. كيف تتقرب من الجماهير التائهة ولكن بالاحتفاظ على القيم والثوابت؟
    2. كيف يكون اسلوبنا في الدعوة عصري يناسب الناس ولكن (غير متأمرك) أم أن الأمركة ضرورة مرحلية؟
    3. إلى أي مدى يمكن تقبل قضية النزول إلى عامة الناس و(مخاطبة الجماهير) بما يتلائم ومتطلبات العصر؟ وكيف نصنع البديل؟

  13. استاذ عبدالله موسى
    كلنا نود معرفة الإجابة
    ليست خروجا عن النص
    بل هي النص

    ما رأيك دكتور؟؟

  14. حقيقة يا أخي العمري شاهدت فيلماً منذ حوالي ثمانية سنوات يدعى Five fingers يجعلك في تشعر بحالة تضاد فعلية و حقيقية مع “صنم الحرية” و للحقيقة فقد هزني الفيلم كثيراً و نصحت بمشاهدته لجميع من أعرف لأنه يحمل ذات الرسالة التي صدعت فيها صنماً يعتبره بعض المضللين قبلة واجبة التوجه نحوها كلما يمموا شطر قضية ال”حرية”
    لك مني كل الشكر و المحبة

  15. أسعد الله أوقاتكم: لو قدر لهذا التمثال أن يتكلم لقال أسألو تماثيل الأغريق فأنهم أكثر منا تجربه بهذا الأمر وخاصة ألهة الحب —- والبغض —- والنصر – وماألو إليه اليوم من أزمات أقتصاديه وغير ذلك من الأزمات

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>