حجاب أروى : عن الحجاب في زمن الانحسار

حجاب أروى
عن الحجاب في زمن الانحسار

أحمد خيري العمري

حجاب أروى

قبل خمس سنوات ، قررت ابنتي آمنة أن ترتدي الحجاب ، وكتبت وقتها مقالا بعنوان “حجاب آمنة” ، نال المقال انتشارا كبيرا آنذاك ، وحدثت بعض المعارك في التعليقات من بعض الأخوة الذين عدُّوا قرار ابنتي “إكراها” لأننا غسلنا دماغها عبر نشوئها في بيئة مؤيدة للحجاب (كان يجب أن نتركها في الغابة مثل حي بن يقظان لكي نرى هل ستقودها فطرتها إلى الحجاب أو لا؟! ).
اليوم ترتدي شقيقتها الأصغر “أروى” الحجاب ، وأجد نفسي أكتب عن الأمر على نحو مختلف تماماً…
نعم ، لقد تغير العالم كثيرا في هذه السنوات الخمس ، صحيح أن الكثيرين قد يرون أن الحجاب قد ظل بمنأى عن هذه التغيرات ، لكني لا أرى ذلك أبدا ، الحجاب ، كما كل شيء سيطاله ما حدث ، وقد يعتقد البعض أن التغيير الذي أعنيه هو تغيير إيجابي ، للأسف لا ، حتى لو بدا هذا للبعض ولبعض الوقت ، مآلات الأمور الحالية ستكون سيئة جدا ، وسيكون هناك انحسار كبير لكل ما تعودنا أن يكون مرتبطا بالتدين.. لكنه سوءٌ لا بد من المرور به وانحسارٌ حتمي لكي نخرج من نفق ضيق دخلنا فيه بأنفسنا..
يوم كتبت “حجاب آمنة” كان هناك هجومٌ على الحجاب ، هجوم بدأ واضحا ممنهجا قبلها بأكثر من عقدين من السنوات ، و هجوم يستخدم تأويلا معينا للنصوص ، ومنهجيةً محددة للتعامل معها ، للوصول إلى نتيجة إلغاء الحجاب ، قبلها كان الانتقاد ليبراليا صريحا ، لا يستخدم النصوص الدينية ولا تأويلاتها لأنها ليست مجاله ، أما الهجوم الأحدث الذي بدأ تقريبا منذ عقد التسعينات ، فقد استخدم النص للوصول إلى نتيجة ليبرالية (أزعم شخصيا أن ذلك لم يكن بالصدفة ، وأن حكم إلغاء الحجاب هو الهدف المسبق الكامن في ذهن من وضع الآلية الجديدة ، لا أطعن بنيته هنا ، بل أقول: إن اللاوعي يتحكم في الكثير من المخرجات الذهنية ، وعلى نحو معقد جدا ، لذا فإن التشبع بالمظاهر الغربية وقيمها ، قد يقود اللاوعي إلى استخدام آليات معينة فقط لتبرير الوصول إلى نتيجة ليبرالية بدون تأنيب ضمير.. أي مدعومة بنصوص معينة وفق قراءة محددة ، أقول هذا وأضيف أن الأمر يعمل باتجاهين ، فاللاوعي الذي زيَّن استخدام آليات موصلة لحكم ليبرالي بالنسبة للمتشبع بقيم غربية ، يمكنه أيضا أن يزين لسواه استخدام آليات معاكسة تماما وتوصل لنتيجة مضادة بالنسبة للمتشبع ضد القيم الغربية ، المعيار في الحالتين هو عدم التناقض ، هل هذه الآلية تتناسق مع كل النصوص ويمكن تطبيقها عليها كلها ؟ أم أن هذا سيؤدي إلى تناقضات تهدم البناء كله…)
كان ثمة هجوم على الحجاب كما على أشياء أخرى قبل خمس سنوات ، لكن الحجاب لم يكن في حالة انحسار .. لم نكن عموما في حالة انحسار ، أو أن انحسارنا لم يكن ظاهرا … كتبت في السنة التالية (2010) أننا مقبلون على فترة انحسار كبيرة بسبب تغيرات جوهرية في الوضع الإقليمي والدولي ، وبسبب أداء التيارات الإسلامية أيضا ، بعد عام نشب الربيع العربي وبدا لكل من يتذكر ما قلت أنني كنت مخطئا جدا ، ويوم حقق الإسلاميون انتصارهم الانتخابي الأول في أول ربيع علقت أيضا أن هذا النصر هو مقدمة لفوز العلمانيين القادم ، وبدا ذلك يومها بعيدا جدا عن الواقع بالنسبة للبعض ، ولكن للأسف ها نحن بعد ثلاثة أعوام ونرى ما حدث ، وللأسباب التي ذكرتها بالضبط ، الوضع الدولي والإقليمي مع سوء أداء الإسلاميين ، وللأمانة فإن سوء أداء الإسلاميين قد فاق كل توقعاتي السابقة التي كانت تتوقع الانحسار ، وأضيف هنا أن الأمر لا يتعلق بأداء الإسلاميين فحسب ، بل بفكرهم أيضا ـ المسألة لم تكن قط في تطبيق سيئ لفكرة جيدة ، لا.. لكن الفكر الذي حمله الإسلاميون المعاصرون لعقود هو فكر غير واقعي البتة ، وغير قابل للتطبيق على أرض الواقع ، بل هو في حقيقته شعارات براقة وحماسية أكثر منه فكر يمكن أن يكون أساسا للتطبيق والبناء…
كل التجارب الإسلامية التي حققت نجاحا في ميدان التطبيق فارقت بدرجة أو بأخرى فكر التيار الإسلامي السائد ، أو وجدت لها على الأقل مخرجا شرعيا منه لكي تتمرد عليه (ونالت جزاء ذلك منهم الكثير).. وهو أمر لا يمكن أن يكون مصادفة طبعا.
ما دخل الحجاب بهذا كله ؟ وما دخل حجاب أروى تحديدا بهذا..
الحجاب له علاقة وطيدة بكل شيء ، لأن طريقة تعاملنا مع الحجاب تعكس أيضا طريقة تعاملنا مع كل ما يتعلق بالإسلام ، طريقة ترويجنا له ، وتطبيقنا له ، وتأصيلنا له ، كلها تعكس ما يمكن أن يحدث مع كل الواجبات الشرعية الأخرى…
بعبارة أخرى : تعاملنا (في العموم) في الحجاب بمعزل عن مقاصده ، كما لو كان مجرد (فرض وانتهى) ، والنتائج الكارثية لهذا التعامل المنعزل عن المقصد ، كان في الحجاب كما في الصلاة ، كما في الزكاة ، كما في كل فروض الإسلام التي عاملناها على نحو شكلي ومختزل ، حتى حولناها إلى هياكل متداعية .
كما في الإيمان نفسه…
لماذا حجاب أروى ؟
لا تعي أروى الكثير مما سأقوله هنا ، بالنسبة لها العالم أبسط جدا ، وقرارها( وإن كان قد صدر منها ) إلا أنه كان تحصيلا حاصلا دون تصعيدات ، لقد نشأت في بيئة متحجبة ولم نتركها في الغابة ! لقد قررت الحجاب بناء على “تشكلها” في بيئة اختارها لها والداها… لكني أعي أنها تكبر في عالم معقد ، وأنها يوما ما ستحتاج لفهم ما أقول هنا.
أروى لا تزال في المنزلة بين المنزلتين ، بين الطفولة والأنوثة ، وهي المنزلة التي أعتقد أن كل الإناث يحتفظن بجزء منها ( بل كل الرجال أيضا ! ولكنهم أكثر خبرة بإخفاء هذه المنزلة!)…
لا يزال ثمة وقت كبير أمام أروى كي تعي ما أقول..لكني واثق تماما أن أغلب ما سأقوله قد غرس بطريقة ما فيها…
نعم ..لم نتركها في الغابة..
لقد تركنا في دماغها ما نعتبره نحن حصانة..
ويعتبره البعض غسيلا للدماغ.
لماذا الحجاب ؟
أولا- لأنه (في جانب من جوانبه على الأقل) شيء واضح جدا ، ظاهري جدا ،يمكن تمييزه من أول نظرة ، لذا يمكن التعامل معه بسهولة (حسب التصور السائد) ، عمليا لا يمكن تجاوز أن الحجاب شيء واضح جدا ، ولا يمكن الهرب من أن لهذا تبعات على المتعاملين معه ، سلبا أو إيجابا.
الحجاب بالنسبة للكثيرين هو (رأس حربة) ، سواء كان هؤلاء مع الحجاب أو ضده ، ورأس الحربة تعامل دوما على نحو مختلف وأشد اهتماما ، بالنسبة لمن هو ضد الحجاب ، فهو يركز عليه في هجومه ، وقد يكون الأمر بالنسبة له مجرد مدخل لنقد الإسلام ، وقد لا يكون هناك شيء آخر ، لكن الحجاب ، باعتباره واضح جدا ، يأخذ من هجومه الكثير… بل وقد يعتبره مستفزا له !
وأولئك الذين يؤيدون الحجاب ، قد ينزلقون بسبب وضوحه إلى تصنيف كل نسوة العالم إلى متحجبات وغير متحجبات ، وقد يبنون على ذلك أيضا مواقف…
ثانيا – لأن الحجاب يرتبط بالمرأة ، والمرأة قد تعرضت لظلم كبير بلا شك باسم الإسلام شئنا أم أبينا ، وطبعا سينبري هنا البعض لاتخاذ موقف الدفاع الهجومي للتأكيد على براءة الإسلام من تهمة ظلم المرأة ، ولكن للأسف معظم من لديهم جمل تبدأ بـ “الإسلام كرم المرأة” لديهم جمل أخرى شديدة الاستهانة والاحتقار للمرأة ، وهي الجمل التي تعبر عن حقيقة رأيهم وفهمهم للإسلام.. أما جملة “الإسلام كرم المرأة” فهي ترقيع من باب ذرّ الرماد في العيون …
نعم هناك ظلم كبير للمرأة ، وجزء كبير منه كان بسبب قراءة معينة للنصوص الدينية ، لا أؤمن حقيقة أن الحجاب ظلم ، لكن بما أن الحجاب يرتبط بالمرأة وثمة ظلم عليها ، فلا مفر من الربط بين الاثنين.
ما أرغب فيه هنا هو الفصل بين “الجانب الاجتماعي التطبيقي” من الموضوع ، عن جانب “النصوص الدينية”.. وهو فصل لا بد منه ، لأن الممارسات الاجتماعية للحجاب قد أثرت وشوشت جدا على فهم النصوص وقراءتها..
التصنيف حسب الحجاب :
علينا أن نعترف أننا قد بالغنا جدا في “التصنيف حسب الحجاب” ، وليس هذا تقليلا منه أو من كونه “أمراً شرعياً واجباً” ، ولكن الممارسة الاجتماعية التي تلقفناه بها ، تجاوزت الأمر الشرعي الواجب ، إلى اعتبار الحجاب (عند البعض) يكاد يقارب “شهادة لا إله إلا الله”…لا أقول ذلك مبالغة ، لكنه حقيقة ممارسة عند البعض ، لا يعني ذلك أنهم يكفِّرون غير المتحجبات ، لكن الكثير من المتدينين ، يعتبرون الحجاب بمثابة إعلان رسمي لشهادة أن لا إلا إلا الله ، وهو أمر لا دليل على كونه شرعيا أو كون هذه المقاربة مقبولة أصلا …
أذكر شخصيا عندما كان هدف كل متدين وملتزم في الجامعة مثلا هو أن يدعو غير المتحجبات للحجاب ( يقابلها دعوة الذكور لصلاة الجماعة).. وتستخدم في ذلك الكتيبات وأشرطة المحاضرات ، وعندما يحدث الحجاب لواحدة من المستهدفات ، أو يلاحظ حضور طوعي (بدون تخجيل) لصلاة الجماعة من قبل المستهدف ، فإن الأمر كان يعامل كما لو أن (المهمة قد أنجزت) ، وكان الأمر ينتهي بتبريكات… وغالبا ما يقف عند هذا ، البنات للحجاب والشباب للصلاة… (هذا على الأقل بالنسبة لغير المنتمين لتيار إسلامي سياسي ، أي أنه يخص عموم التيار السائد)
يمكن أن نذكر أمثلة كثيرة تصب في الاحتفال بارتداء ممثلة ما للحجاب ، وتعامل الجميع معها كما لو أنها قد حققت معجزة ، وروايتها لقصة “هدايتها !” في أجواء كرنفالية..
أعرف مثلا امرأة تريد من زوجة ابنها أن تتحجب ، زوجة الابن ملحدة وأم زوجها تريد أن تحجبها!… ربما كانت أم الزوج لا تعرف جزئية الإلحاد ، لكنها تعرف مثلا أن زوجة ابنها لا تصلي ، لا تبذل جهدا في ذلك ، بل تركز على الحجاب ، لأن الناس لا تعرف أن زوجة ابنها لا تصلي ، لا يمكن لهم أن يعرفوا ذلك بسهولة ، لكنهم يعرفون أنها ليست محجبة فحسب ، لذا فهي تركز على وضع قطعة من القماش على رأس كنّتها.

بعبارة أخرى : عومل الأمر كهدف بحد ذاته ، مستقل تقريبا عن أي شيء آخر ، عن أي قيمة محتواة سواء في الحجاب أو في أداء الصلاة (مع الشباب في الجامعة في المثال أعلاه) ، بالتأكيد الأمر مع الحجاب أوضح ، لأنه يكاد يكون هوية معلنة يراها الجميع ، بينما الأمر مع الصلاة أقل وضوحا…
هذا التصنيف السهل لجنس النساء إلى متحجبات / غير متحجبات يحتوي ضمنا على مغالطات كثيرة : أولها- أنه تصنيف يختزل قيم الحجاب إلى قطعة قماش / غطاء للرأس ، والأمر أكبر من هذا بكثير. الخطوة التي تلي هذا خطوة مفقودة عند الغالبية العظمى للأسف.
ثانيها : أنه كما يساوي بين كل من وضعت غطاءً للرأس على شعرها ، فإنه يساوي بين كل من لم تضعه ، وهذا اختزال وتسطيح للطبيعة البشرية على نحو مهين للإنسان ككل بمعزل عن جنسه.
أغلب الكلام الذي يتداوله الدعاة (حتى شديدي اللطف منهم ) يصبّ في اعتبار أن غير المتحجبة هي غير عفيفة ، أو هي أقرب إلى قلة العفاف منها إلى العفة ، إنها سهلة المنال.. (وهو أمر نعلم تماما عدم صحته).. قد يبرر بعضهم هذا الكلام بالحرص على “حثّ” غير المتحجبات على الحجاب ، لكن هذا كله له آثاره السلبية التي تفوق بكثير كل فائدة محتملة ، في حالة وجود فائدة أصلا في مغالطة كهذه.
ثالثا -أنه سهّل استثمار لظاهرة الحجاب من قبل التيار الإسلامي السياسي الذي لم يكن هو المتسبب في انتشار الظاهرة ( لأن الحجاب انتشر أيضا في دول لم يكن فيها تيار إسلامي سياسي ) ، لكن هذا التيار استثمر الظاهرة ملوحا بها في وجه خصومه للإيحاء بأن كل المتحجبات معه (وجمهوره لا يستهان به بكل الأحوال) ، والحقيقة التي ثبتت لاحقا أن المتحجبات يمنحن أصواتهن لطيف مختلف من الأحزاب التي قد لا تكون إسلامية بالضرورة (المتحجبات أحيانا يعطين أصواتهن للعلمانيين والليبراليين وأعرف متحجبة منحت صوتها للشيوعيين!).

لكن على الجانب الآخر من الممارسة الاجتماعية هناك أيضا من تضع الحجاب ، وهناك سلوكها. المتحجبات بمجموعهن جزء فاعل في الموضوع الناتج ، وسلوكهن يؤثر ويتأثر بالتصنيف السابق.
هناك مايلي :
أولا- المتحجبات المتحجبات : الفئة التي التزمت بالحجاب بوصفه وسيلة لتحييد (أنوثة المرأة) عن تفاعلها مع المجتمع ، وليس وسيلة لتحييد المرأة نفسها ، أي أن سلوك هذه الفئة سلوك جاد عموما ، لا يمكن تصوره ملائكيا بالتأكيد ، لكنه يحرص على الأقل على أداء دور إيجابي في المجتمع ، والحجاب هنا هو هوية تعلن عن طبيعة هذا الدور وارتباطه العقائدي بقضية أكبر ، وكذلك يقوم هذا الحجاب بوظيفته في تحييد التأثيرات المشوشة للأنوثة على العمل الاجتماعي المشترك مع الرجال ، وتحييد الأنوثة لا يتم عبر لباس الحجاب فقط ، بل عبر سلوكيات مصاحبة للحجاب ومتسقة معه.

ثانيا – متنكرات بالحجاب: هناك فئة على النقيض من هذا ، ارتدت الحجاب لغرض التستر به والقيام بأعمال لا أخلاقية ، ببساطة هناك من ترتدي الحجاب لتفلت ، سواء كان هذا الفلتان مهنيا مدفوع الثمن أو نتيجة رغبة شخصية (على الفرق بين النوعين) للأسف هذه الفئة موجودة في المجتمعات والطبقات التي ينتشر فيها الحجاب ، الفتاة تحصل على حريتها باعتبار أن المتحجبة ( ما ينحكي عليها ) ، والنتيجة أنها تجلب الكلام للحجاب ولما يمثّله ، وهذه الفئة مسكوت عنها عموما ، ويسطح الأمر أحيانا إلى أن يعتبر مؤامرة مدفوعة الثمن ، أو ترفع المعايير لتدقق أكثر في تفاصيل الحجاب وبقية الملابس … فتوضع خانة جديدة للحجاب( السبورت) كما يقال ، قد تضم هذه الفئة ، وهي مغالطة أخرى للأسف ، فبعض من لديهن هذا السلوك يرتدين “الحجاب” حسب الضوابط تماما ، ولا يمكن أن نجد في لباسهن ما يخرجهن عن الفئة الأولى ، وحده سلوكهن هو ما يفعل.

ثالثا – زوجات الحجاب : هناك فئة تتحجب لأن العريس ( عايز كده ) ، يتقدم للخطبة والمعاينة ، فتعجبه البضاعة ، ولكنه يضع شروطا على المورد بتحديث بعض المواصفات ، ومن ضمنها وضع الحجاب ، لا يمكن الحكم على نية المتحجبة لاحقا بعد هذا ، فقد يحدث ما يجعلها تعامل الحجاب على نحو أكثر جدية ، لكن معاملة الحجاب كديكور من ديكورات منزل الزوجية نادرا ما يأتي بنتائج مهمة.
رابعا– المتذبذبات : هناك الفئة الحائرة ، وهي أكثر انتشارا من كل الفئات الأخرى ، فتيات حائرات بين رغباتهن المختلفة ، فتاة تريد أن تلتزم بلباس شرعي، ولكنها أيضا تريد أن تبدو جميلة ، أن تشعر بجمالها وأنوثتها ، تريد أن تبدو أنيقة ومعاصرة …أغلب الشباب من الذكور لديهم رغبات مشابهة ، ولا مشكلة كبيرة لديهم في المزاوجة بين الأمرين ، فهم ذكور، ولدوا مع حصانة اجتماعية تحميهم من المحاسبة ، أما الإناث فهن محاسبات دوما على كل ما يعتبر عاديا عند الذكور.
الفكرة هنا أن هذه الفئة من الفتيات قد يتحجبن غالبا برغبتهن الداخلية في رضا الله وتنفيذ أوامره ، وجود بعض المخالفات هنا أو هناك لا تغير من هذه الحقيقة ، كلنا بشر ، والذكور يفعلون ذلك وأكثر…تضخيم أخطاء هذه الفئة يعتمد على فكرة هزلية عند الطرفين (المؤيدين للحجاب أو المضادين له ) ، وهي فكرة (كل شيء أو لا شيء)… وهي فكرة مستحيلة التنفيذ بشريا.. والمتحجبات بشر.
خامسا – حجاب العادة : ثمة فئة كبيرة من المتحجبات ، يتحجبن بحكم عادة أن كل النسوة في عوائلهن أو مناطق سكنهن أو طبقتهن متحجبات ، لا يوجد عمق أو حتى محاولة عمق أو فهم في حجاب العادة ، وغالبا يمكن أن يخلع بسبب تغير مكان العمل أو طبيعة الحياة دون كبير مشكلة في الموضوع بالنسبة لهذه الفئة .
سادسا– مسيئات بسبب الحجاب : هذه الفئة أقل حجما من الفئات الأخرى ، وربما تكون ظاهرة حديثة وغير منتشرة في كل البلدان ويمكن رصدها بسهولة في مواقع التواصل الاجتماعي .
هذه الفئة متحجبة ومسيئة ليس بالرغم من حجابها ، بل بسبب حجابها ، هناك فئة من فتيات التيار الإسلامي ( وليس تيار التدين العام ) مسيئة جدا ،ولا أقصد هنا إساءة بالمعنى الذي يفهم عادة والمرتبط بما تفعله الفئة الثانية المتنكرة بحجابها ، بل أقصد السلوك القبيح المتمثل في وقاحة غير معتادة ورفع للكلفة مع الجميع وأسلوب خطاب متجاوز للعمر وللمكانة على نحو فج للغاية ، هؤلاء غالبا نتاج عارض وغير مقصود لتيار نسوي – إسلامي مع تأثيرات حداثية واضحة وقراءات كثيرة دون فهم ومظاهر ثقافية دون أي نتاج حقيقي أو مهم.
الحجاب بالنسبة لهذه الفئة يستخدم كغطاء ، وربما كمبرر لسلوك يتجاوز الاسترجال إلى الوقاحة حتى لو صدرت من رجل ، ولكن مجرد وجود الحجاب الشرعي ، وعدم وجود ما يخدش الشرف في سلوكهن الشخصي ، يمنحهن حصانة من النقد ، بالإضافة إلى أن ألسنتهن وحدها كفيلة بمنح حصانة إضافية خوفا من عواقب النقد.
كل هذه الفئات ترتدي الحجاب ، من الخارج قد تبدو متشابهة ، قد يختلف الحجاب وبقية اللباس من فئة لأخرى ، لكن يبقى غطاء الرأس عاملا مشتركا بين جميع هذه الفئات.
لكن من الداخل : لا شيء مشترك تقريبا كل فئة تسلك مسلكا مختلفا تماما ، وربما فكرتها عن كل شيء في الإسلام (وليس عن الحجاب فقط) مختلف تماما عن الفئة الأخرى.
يمكن أن يقال أن بعض هذه الفئات أقرب إلى النفاق منها إلى الإيمان ، وأن هذا الأمر لم يخلُ منه حتى عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ، وبمعزل عن هذا التصنيف ، فإن علينا أن نميز أن الإسلام حينما انتشر ، لم يصنف الناس على أساس المظهر ، بل على أساس شهادة أن لا إله إلا الله التي لها مظاهر سلوكية متعددة لم تكن الملابس من ضمنها في البداية.
بهذا المعنى ، فإنَّ فَهْمَنا السائد للحجاب (بمعزل عن مقاصده) وتصنيفنا كل نسوة العالم إلى صنفين على أساسه ، قد ساهم أكثر في زيادة نسبة عدد من الفئات أعلاه …
متنكرات الحجاب مثلا ، هل كن سيرتدينه لو لم تكن هذه النظرة موجودة؟
زوجات الحجاب ..هل كان العريس سيطلب الحجاب ديكورا من أثاث الزوجية لو كان يعي عمق الحجاب ، وأنه أكبر بكثير من مجرد غطاء الرأس؟
متحجبات العادة…هل كان الحجاب سيصبح عادة مجتمعية دون أي قيم مرتبطة بها لو أننا لم نتعامل مع الحجاب بهذه السطحية؟
أستطيع أن أفهم التذبذب ، فهو جزء من الصراع الإنساني ، وأن أفهم حتى الفئة الأخيرة التي تعتبر الحجاب غطاء لسلوك وقح (فهي نتاج عارض لأسباب  مختلفة)…لكن الفئات الأخرى أساءت إساءة بالغة لكل قيم الحجاب ، وكانت النظرة التصنيفية المطلقة سببا من دفع هذه الفئات نحو الإساءة ( أو على الأقل مبررا لها في ذلك).
لا يمكن أن نفهم المشكلة القائمة في التعامل مع النصوص المتعلقة بالحجاب دون فهم إشكاليتنا المزمنة في التعامل مع كل الفروض بمعزل عن مقاصدها ، وما ينتج عن هذا من فوضى سلوكية.

نصوص لباس المرأة :
*********************************
} يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59) { الأحزاب
} قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31){ النور
هذان النصان هما النصان الأساسيان للباس المرأة في القرآن ، وقد نزل الأول منهما بعد غزوة الأحزاب ، والثاني بعده ، وقد كانت غزوة الأحزاب في السنة الخامسة للهجرة ، مما يعني أن تفاصيل لباس المرأة لم تحدد إلا في منتصف الفترة المدنية.
وهو أمر له دلالته ، وعادة ما يحاول البعض اعتباره دليلا على تسلسل متأخر في الأهمية.
على العكس من هذا ، أرى الدلالة معاكسة..
فرغم مضي فترة من التربية الأخلاقية والعقائدية ، وبوجوده عليه الصلاة والسلام ، إلا أن الأمر ظل يحتاج إلى قواعد وقوانين واضحة تنظم علاقة الرجل بالمرأة .. أو بعبارة أخرى تنظم طبيعة وجودهما معا في مكان مشترك ولهدف مشترك.
كما لو أن الهدف من تأخر نزول التشريعات والقوانين هو أن نقتنع بالحاجة إلى هذه القوانين حتى لو كان المجتمع في أفضل حالاته البشرية الممكنة ، أي بوجود النبي عليه الصلاة والسلام مشرفا مباشرا على تربية الجيل الأول (مع الإقرار أنه لا يوجد مجتمع فاضل بالمطلق ، وأنه حتى المجتمع الأفضل كان فيه بشر مقصرون ومسيئون ومنافقون).
ماذا تقول لنا النصوص المحددة للباس المرأة قرآنيا ؟ وفي أي سياق؟
السياق الأوضح والأهم هي أنها تأتي في سياق “قل”.
النص القرآني يحمل الرسول الكريم أمانة أن يقول ما ستنقله الآيات من تعليمات.
وهو في الوقت نفسه ، يحملنا نفس الأمانة.
أن نقول …
“قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين”
“قل للمؤمنين”
“قل للمؤمنات”
“قل” تتضمن هنا صيغة أمر شديدة الوضوح.
كان الأمر سيكون بدلالات أقل وضوحا لو كان على صيغة التقرير : مثلا المؤمنات يدنين عليهن من جلابيهن..
أو المؤمنات يضربن بخمرهن على جيوبهن..
لا.. هذا قد يفهم على أنه تقرير ، وتأييد ، ربما بصيغة الاستحباب ، لما تفعله المؤمنات…
لكن النص ، يحدد “قل”.
قل لهم ، أو لهن أن يفعلوا ، أو يفعلن هكذا.
بعبارة أخرى …
الفرق هنا مثل الفرق بين تقرير حقيقة ” الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ” كما جاء في النص القرآني ، وبين أن يقول النص “قل للرجال أن يكونوا قوامين على النساء..الخ”.
الفرق كبير ، وهو واضح.
ونصوص (الحجاب) ربطت الأمر بفعل الأمر للنبي أن يبلغ ما ستقوله الآيات للمؤمنين والمؤمنات ، وضمنا فإن سياق الآيات ربطت المؤمنين والمؤمنات أيضاً في نفس عملية التبليغ والقول… ومن كان مبلَغا في المرحلة الأولى (بفتح اللام) ، صار مبلِغا (بكسرها) في المرحلة الثانية.. ومن سيتم تبليغه في المرحلة الثانية سيقوم بالتبليغ في المرحلة الثالثة ، وهكذا إلى ما لا نهاية في دوائر “قل” التي يكون مركزها عليه الصلاة والسلام ، وتبقى تتعدد الدوائر المحيطة بالمركز ، إلى أن تصل لنا,…وتتجاوزنا…
” قل ” هي مثل “قل هو الله أحد”…تأتي لتحديد ما لن يتغير …
لا أقول هنا أن الحجاب هو مثل التوحيد…ولكن صيغة “قل” التي ورد فيها لباس المرأة صيغة أمر ووجوب شديدة الوضوح.
هل هي مصادفة أن يكون النص الآخر الذي ساهم في تحديد لباس المرأة قد ابتدأ أيضا بـ “قل”؟
لا..
لا شيء بالصدفة في كتاب الله العزيز.
وهل هي صدفة أن يحدد النصان “المؤمنات” و”نساء المؤمنين” وليس “اللواتي آمن معك” أو “نساء الذين آمنوا معك”…
لا ، لا شيء بالصدفة ، وكل ما في النص يشير إلى أن الأمر سيكون مؤبدا ، لن يكون مرتبطا بما هو آني أو عابر..
طالما كان هناك إيمان…
ولا شيء بالصدفة..
******************
مالذي تقوله آية سورة الإحزاب..؟
تقول شيئين في غاية الأهمية..
الأول : يدنين عليهن من جلابيبهن
والثاني : أن يعرفن !
الأول يحدد هيئة عامة للباس المرأة.
والثاني يحدد المقصد.
ما معنى “يدنين عليهن من جلابيبهن”؟
ما معنى الجلباب أصلا ؟ وما معنى يدنين؟
الجلباب من جلب ، والجلب هو سوق الشيء من موضع لآخر.
كيف يمكن لهذا الجذر اللغوي أن يعيننا في فهم معنى الجلباب ، خاصة أن لسان العرب يسجل أن الجلباب سمي على تنوعات عديدة من الثياب : الجِلْبابُ القَمِيصُ ، والجِلْبابُ ثوب أَوسَعُ من الخِمار دون الرِّداءِ تُغَطِّي به المرأَةُ رأْسَها وصَدْرَها ، وقيل هو ثوب واسِع دون المِلْحَفةِ تَلْبَسه المرأَةُ ، وقيل هو المِلْحفةُ
فهو قميص ، وهو ثوب أوسع من الخمار ، وهو ثوب دون الملحفة ، وهو ملحفة …
لا يدل ذلك على اضطراب ، بل يدل على أن الاسم يدل على وظيفة معينة يمكن لأكثر من لباس أن يؤديه.. فمرة يسمى ملحفة ، ومرة يسمى قميص ، ومرة يمكن أن يسمى عباءة أو ملاءة أو مانطو ، ويمكن أن يسمى أسماء أخرى مختلفة بحسب اختلاف الزمان والمكان ، واتفاق الوظيفة المحددة…
ما هي هذه الوظيفة المحددة؟
إنها الوظيفة التي يحددها المعنى اللغوي لكلمة جلباب ، المشتقة من الفعل جلب ، والذي يعني “سوق الشيء من موضع إلى آخر”.
مالذي يعنيه هذا عندما يترجم ليكون جزءا من مواصفات لباس؟
يعني أن هذا اللباس سيكون مسدلا ، لن يغطي جزءا واحدا فقط من الجسم كما هو الحال مع القميص أو الخمار أو السروال ، أو أي تسمية معاصرة أخرى لقطعة ثياب تغطي جزءا واحدا من الجسم.
بعبارة أخرى : هذا الثوب ينتقل من موضع إلى آخر ليغطي كل الجسم.
لماذا الإدناء ؟
لأن أي ثوب بهذه المواصفات ، سيحتوي حتما على فتحات ، أو فراغات ، نتيجة طبيعة الجسم البشري ووجود الذراع والرأس ..
الإدناء هو الأمر بتقريب هذه الفتحات أو الفراغات بحيث تكون مسدلة قدر الإمكان.. مثل غلق الأزار لأكمام طويلة ومفتوحة.
ماذا سيكون الناتج؟
هذا أمر مختلف التوصيف من مكان لآخر ومن وقت لآخر.. وقد أنتجت الحضارة الإسلامية نسخا متعددة تفي كلها بهذا التوصيف على اختلافها في التعبير عن الخصوصيات الثقافية من مجتمع لآخر.

ماذا عن “أن يعرفن”؟
ببساطة : هذا هو المقصد من الحجاب …أن “يعرفن”.
نعم ، أنه يقدم الستر والحشمة والحماية ، ولكنه يقدمها من خلال الهوية أولا .
هذا ما تقوله الآية.. إنها لا تقول أن هذا اللباس سيصرف أنظار الرجال ، أو يطفئ شهواتهم ، أو يغلف المرأة كالجوهرة الثمينة ، أو يبعد عنها الذباب …إلخ ما يتداوله البعض ، النص يقول أن هذا اللباس هو لباس “تعريفي” ، “أن يعرفن فلا يؤذين”..هكذا ..
للوهلة الأولى ، سيبدو “موضوع التعريف” – الهوية – مرتبطا بشكل أساسي بما نسميه سبب النزول ، أي للتفريق بين الحرائر والإماء.. ، ولكن سبب النزول هو مجرد مناسبة للتعرف إلى البُعد الأول لنص قرآني له أبعاد متجددة دوما بتجدد الأزمان والأماكن (ككل نصوص القرآن) ، وجود بُعد جديد لا يلغي بالضرورة الأبعاد الأخرى ولا يناقضها.. وهكذا فإن القراءة الأولى للنص كانت للتفريق بين الحرة والأمة ، وهي قراءة تعاملت مع مجتمع المدينة المحلي في القرن الأول الهجري – حيث النساء إما إماء أو حرائر- لكن لابد من قراءة أخرى تتعامل مع المجتمع العالمي المعاصر ، حيث تتعدد الهويات الإنسانية وتتصارع وتتنافس..
ما كان يقرأ أنه تفريق بين أمة وحرة (والنص لم يقل ذلك إعجازا) لا بد أن يقرأ اليوم على أنه تفريق بين الإيمان ، الإسلام ، وكل ما سواه..
هذا اللباس هو هوية المرأة المسلمة ، ببساطة هويتها ، وهو يتضمن حتما الحشمة والستر ، ولكن ما اختاره النص أن يعبر به كمقصد للباس كان الهوية ، الهوية التعريفية بالمرأة المسلمة ، لا يعني ذلك أنها لن تكون مسلمة لو تخلت عن هذا اللباس ، لكنه يعني أنها مسلمة تخلت عن هويتها ، إما لظرف قاهر ، أو لأنها لم تفهم أهمية الهوية ، ولذلك فقد تصورت أن الأمر زائد عن الحاجة ، مجرد إكسسوار …
أو لأنها ببساطة ، لم ترقَ لأن تكون مسلمة إلى هذه الدرجة التي تعبر عنها بالهوية ، وهذا لا يعني أنها ليست مسلمة طبعا.
مشكلتنا مع توصيف الحجاب بالهوية هي أننا عموما نقلل من أهمية الهوية ، نعتبرها شيئا زائدا ، شيئا إضافيا يمكن التنازل عنه ، لذا فإن مجرد وصف الحجاب بالهوية يثير نوعا من الفوبيا أن يؤدي ذلك لنزعه..
يوم منعت فرنسا الحجاب في المدارس الحكومية • ضمن منعها لكل الرموز الدينية ، ضج البعض بالاعتراض قائلين أنه فريضة وليس رمزا دينيا .. وطبعا لم تنفع هذه الاعتراضات ، والشيء الوحيد الذي نتج هو تقليل أهمية ومعنى الرمز في نفوس الملايين ممن تابعوا المشايخ الكبار• الذين ظلوا يؤكدون أن الحجاب ليس رمزا دينيا !..
بالتأكيد الحجاب رمز ديني ! لقد فرض لأنه رمز ديني ! إن كانت فرنسا ترى ذلك مخالفا لما قامت عليه ثقافتها فهذا شأن آخر ، يمكن للمسلمين هناك إن كانوا حريصين جدا على “الحجاب” أن يؤسسوا مدارسهم الخاصة ، فالقانون حدد المدارس الحكومية فحسب ، يمكن لهم أن يوحدوا كلمتهم المتفرقة بحيث يكون لهم ثقل انتخابي مؤثر مما يجعل الساسة والمشرعين يتوددون لهم ، يمكن للطالبات المسلمات أن يواصلن تعليمهن ، يقلعن غطاء الرأس على باب المدرسة ، ويرتدينه لاحقا عند الخروج ، يثبتن بالتعليم جدارتهن ، ومن ثم يطالبن بحقهن في ارتداء الرمز الذي يعبر عن ثقافتهن وقيمهن (والذي لا يشترط بالضرورة أنه يتعارض مع قيم المواطنة في فرنسا)…
كل هذا يمكن أن يحدث عبر وسائل متعددة ، ولكنه لن يحدث ما لم نقتنع أولا بأهمية الرمز والهوية ( في العموم) في التعبير عن قيمنا وثقافتنا ، ومن ثم نعترف بالحجاب باعتبار أنه قد فرض أصلا لتوضيح أهمية هذه الهوية.
التقليل من أهمية الهوية ، كالتقليل من أهمية القيم التي تعبر عنها الهوية ، وأولئك الذين يقللون من شأن الهوية ، ويحاولون لفت انتباهنا إلى ما هو أهم ، يحملون غالبا هوية أخرى ، ويتمسكون بها ، دون أن يدركوا ذلك.
على سبيل المثال : أغلب ناشطي وناشطات (ضد الحجاب) من كُتَّاب وكاتبات وإعلاميين وإعلاميات يظهرون بمظهر معاصر ، بمعنى أن ملابسهم (معاصرة) ، قريبة من أو مطابقة لخطوط الموضة السائدة ، لا تظهر الواحدة منهن بتسريحة سادت قبل عشرين عاما أو بقميص ظهرت فيه أول مرة قبل عقود ..كذلك الرجال ، ولكن باختلافات أقل ، ولكنها موجودة ، ولا أتحدث هنا أبدا عن أن مظهر الناشطات غير محتشم بالضرورة ، أقصد فقط أنهن يحرصن (ربما بلا وعي مسبق ، وإنما على نحو تلقائي جدا) على الظهور بمظهر يعبر عن المعاصرة والحداثة ، أي عن القيم التي يؤمنَّ بها وينتمين لها ، سيكون غريبا جدا مثلا لو أنهن ارتدين الساري الهندي مثلا ، أو الزي الوطني للكونغو ، ليس انتقاصا من الهند أو الكونغو… بل لأن هذا الزي الوطني يعبر عن قيم حضارية وثقافية لا يؤمن بها هؤلاء الناشطون والناشطات ، بل يؤمنون بقيم أخرى ، يعبر عنها الزي المعاصر السائد الذي يحرصون على ارتدائه ربما دون وعي مسبق ، ولكن على نحو تلقائي جدا..أنه هويتهم ..
الحجاب هو هوية بهذا المعنى أيضا… والحرص عليه طبيعي لأنه يعبر عن قيم يفترض أن تؤمن بها من ترتديه ، وهو يعبر عنها كما يعبر لباس الناشطة المناهضة للحجاب عنها…
لكن هل الهوية مهمة جدا لهذه الدرجة؟!
هذا ما يحاول اللعب عليه الطرف المضاد للحجاب ، يحاولون التقليل من أهمية الهوية ، لأن هذا برأيهم سيقلل من أهمية فرض الحجاب ، سيجعل الفريضة تبدو عبثية ، بلا هدف ولا مقصد ولا حكمة ، ومن هنا سيكون المدخل للطعن في فرضية الحجاب ، سيحاولون حصره في سبب تاريخي زال بزوال الإماء والرق .. وسيبدو القرآن هنا كما لو كان كتابا تاريخيا يمكن للكثير مما فيه أن يكون معرضا لفقدان الصلاحية بنفس المنطق ، ربما لا يهدف كل مضادي الحجاب هذا ، بل ربما يريدون المحافظة على تعليمات أخرى للقرآن ، لكن نفس منهجية التفكير سيكون لها نتائج أخرى حتما ، وإلا سقط الأمر كله في تناقض واضح..
لا يقلل من أهمية الهوية إلا اثنان.
أما أن يكون هذا المقلل من أهمية الهوية جاهلاً بأهميتها ، رغم أن أهميتها اليوم تتعدى البداهة والحس العام إلى تراكم هائل من الدراسات النفسية والاجتماعية التي تثبت أهميتها ، وتثبت أنها مما لا غنى عنها ، متصلة بالإنسان دوما أينما كان ، وإن فقدان هوية ما لا يمكن أن يكون إلا تمهيدا لظهور هوية جديدة مغايرة.
أو أن يكون مدركا لأهمية الهوية في المحافظة على القيم التي تعبر عنها ، ولكنه يقلل منها لأنه يدرك أن هذا التقليل سيفسح المجال لقيم جديدة ، قيم مغايرة…
بعبارة أخرى : لهوية جديدة.
البعض يتعامل مع الهوية على أنها صورة مسطحة ببعد واحد، ثم يقول بعدها أن المهم هو العمق.
والحقيقة أن الهوية هي أحد أبعاد الشكل المجسم الثلاثي الأبعاد… لا يمكن حقا حذف أي بُعد من هذه الأبعاد لأن حذف بُعد واحد سيطيح بالشكل كله..
الهوية هي الوجه ، هل يمكنك حقا أن تتعامل مع إنسان ما وقد نزعتَ وجهه عنه ، هل يمكنك أن تتعامل مع عضلات وجهه وشرايينه وأوردته وأعصابه مباشرة حقا ؟ دون وجهه !..للأسف الجواب بنعم هو مجرد مكابرة ، أنت نفسك لن تعرف نفسك دون وجهك! لا يمكن لأحد أن يميز نفسه من دون وجهه !..
الهوية هي ما نعرف به أنفسنا ، كما يعرفنا من خلالها الآخرون، الهوية هي ما يميزنا عن سوانا ، يعبر عن قيمنا وعن مميزاتنا وعن إيجابيتنا ( وربما عن سلبياتنا بالنسبة للبعض..).
الهوية سطح ؟
نعم ، لكن هذا لا يعني أن الهوية سطحية ، بل هي كسطح الأرض التي تحوي ضمن ما تحوي موارد وكنوز وخيرات.. لا يمكن لنا أن نصل لهذه الكنوز لولا سطح الأرض ، عمليا لا انفصال بين سطح الأرض وباطنها ، بل هما ملتحمان تماما والفصل في أذهاننا فقط.
الهوية هي مثل العَلَم الذي يمثل الدول والشعوب والأمم ، مهما اختلف المعارضون ، فهم يحرصون دوما على احترام العَلَم ، على رمزيته ، رغم أنه مجرد قطعة قماش للوهلة الأولى (مثل الحجاب بالضبط..).لكن لا ..عندما نضع قطعة القماش تحت عدسة المجهر ، ثمة منظومة قيمية كاملة جديرة بالانتباه.
الهوية هيكل لسيارة لا فائدة لمحركها بلا هيكلها….هل تقدم شركة المارسيدس سيارة جديدة لها من غير هيكلها أو العلامة المميزة –اللوغو- لها؟
الهوية هي مثل بطاقة تعريفية تذكرنا بأنفسنا ، مثل رقم تسلسلي يعبر عن كل مرجعيتنا القيمية ، مثل كود – شفرة يعبر عن كل ما نحن عليه ، مثل رقم لجين (مورث) يضم حكاية السلالة كلها…
ببساطة الهرب من الهوية هو هرب من الوجه ومن الجينات ومن الرقم التسلسلي ومن سطح الأرض!
هرب مستحيل .. إلا لو كان من أجل وجه جديد (أو قناع؟!).. أو من أجل عملية زرع جينات جديدة غير مضمونة النتائج والعواقب ، أو من أجل سطح أرض جديدة..
الهرب من الهوية مستحيل ، لكن من الممكن استحداث هوية جديدة ، لذا فالتقليل من شأن الهوية عملية إما غبية..أو مراوغة.
كيف يمكن للباس أن يعبر عن الهوية لهذا الحد : يمكن لأنه ببساطة واضح جدا. إنه مثل علم ترتديه المرأة ، ليس علم بلادها.. لكن علم مرجعيتها القيمية والثقافية …(لا أحد يقلل من أهمية رمزية العلم رغم أنه في النهاية مجرد قطعة قماش مثل الحجاب ، لكن الكل يحرص على إبداء الاحترام للعلم ورمزيته..على العكس من الحجاب).
الهوية هي مثل اللباس الطبي الذي يوضح للمرضى من هو الطبيب ـ لا يمكن التنازل عنها حقا في مكان العمل ..لباس الطبيب الذي يميزه هو جزء منه في مكان عمله أثناء عمله ، أي خلل في هذا سيكون خللا في عمله نفسه… لن يقلل هذا من أهمية الشهادة التي حصل عليها ، لكنه جزءٌ من تطبيق الشهادة على الواقع..
(الذي حدث أننا تعاملنا مع الحجاب ، كمن يحرص على ملابس الطبيب أكثر مما يحرص على شهادته وخبرته…لقد اعتبرنا كل من ارتدى ثوبا أبيض طبيبا …
ولم نسأل عن شهادته!)
كيف يكون الحجاب هذه الهوية؟
بمواصفاته الممتدة من قمة رأس المرأة إلى قدميها ، هو يعبر عن أن هذه المنظومة القيمية والأخلاقية تغمر كل الإنسان ، من رأسه إلى قدميه ، تفي بكل متطلباته ، تقدم له كل ما يحتاج من توازن ، وتغطي كل احتياجاته ، وتؤهل كل أطرافه العاملة لكي تؤكد أن هويته هي هوية عمل وإعمال..
هذا الحجاب هو قالب يضع الإنسان في إطار يغطيه كله لكي يتمكن من التفاعل كله.. إنه إطار يحفظه ويجعله أكثر التصاقا بقيمه كي لا يهدر نفسه في تفاعلات جانبية ثانوية.
يمكن لأي كان أن يقرأ في الحجاب هوية تمييز على أساس الجنس أو الجندر ، ويمكن لآخر أن يقرأ فيها تقاليد (مجتمع ذكوري) …يمكن لآخر أن يقرأ فيها قيم الفصل بين الجنسين في مجتمع سيعتبره بدويا…. كما يمكن لآخر أن يقرأ فيها قيم الفضيلة والحشمة والستر..
لكن النظرة الأوسع ، الأكثر شمولية ، لا يمكن لها إلا أن ترى أن هذا اللباس ، ووجوده كفرض ، لا بد أنه يعني ضمنا – عكس كل الشائع السائد – وجوب مشاركة المرأة ، ووجوب خروجها ، لو أن الأمر كان هامشيا فقط ولغرض قضاء الحاجة مثلا لما تطلب الأمر آيتين قرآنيتين مفصلتين ، بل لربما سيكفي الأمر بحديث نبوي…
لكن تفصيل الآيتين يعني ضمنا وببداهة الحس العام وجوب مشاركة المرأة في عملية البناء الاجتماعي المستدام ، مع تحييد مظاهر أنوثتها أثناء هذه المشاركة ، منعا لتشويش يحدث بنسب عالية في هذه الحالات ومظاهر الأنوثة المقصودة ليست فقط جسمية يخفيها اللباس ، بل هي أيضا سلوكية يخفيها لباس التقوى أيضا (الغنج ، الضحك المقصود به الإثارة بطريقة مفتعلة …ألخ) ( واحدة من كل أربع نساء في أماكن العمل في أمريكا تقول أنها تعرضت للتحرش الجنسي• -ربما كانت نسبنا أعلى لا أدري ولا أقصد المقارنة!- ، دليل المرأة لتجنب التحرش الجنسي في أمريكا•• يتضمن بالضبط هذه الجملة : أخفِ كل ما يشير إلى أنوثتك ! conceal anything indicating that you’re a woman..)•••
نفس النظرة الشمولية لا بد لها أن تلاحظ أن مواصفات اللباس تعبر عن هوية شاملة تغطي كل الإنسان… تعبر عن منظومة قيم حضارية لا بد أن يكون لها هوية تعلن عنها..
لماذا على الهوية التي تعبر عن هذه القيم تكون على المرأة وليس على الرجل؟!
هذا صحيح ، لا يوجد نص مكافئ في القوة يضع عبء الهوية على الرجل ، وموضوع اللحية لا يمكن أن يكون مكافئا : أولا لأنه ورد في نص نبوي وليس قرآني ، مع إيماننا بحجية النص النبوي ـ إلا أن قوة الحجتين لا يمكن أن تكون في موضع المقارنة ، وثانيا لأن النص النبوي في أمر اللحية جاء من باب مخالفة المشركين ، وفي رواية المجوس ، أي أن اللحية كانت موجودة أصلا ، وكان هناك تعديل نبوي عليها للمخالفة والتمايز ، بينما الأمر مع لباس المرأة أكثر تفصيلا وعلى نحو أساسي.
لماذا المرأة وليس الرجل؟
ببساطة توزيع أدوار!
يمكن للنسويات أن ينحن ويندبن هنا ، لكنه توزيع أدوار فحسب ، يمكن الاعتراض على هذا التوزيع فقط في حالة واحدة : لو كان يمكننا أن نعترض على أن المرأة قد أخذت دور الحمل والولادة وليس الرجل.
دعونا نقرّ أن الأمر تكليف للمرأة ، وأنه عبء لا يمكن إنكاره ، وأنها لا بد أن تكون مأجورة عليه على نحو مجزي ، كما أن علينا أن نقرّ أن الخطاب التقليدي الذي يشبه الحجاب بغلاف الجوهرة الثمينة ، أو غلاف “الشوكولاتة!” هو خطاب غبي ومهين للرجل والمرأة على حد سواء ، مثله مثل الخطاب الذي يوحي أن كل غير محجبة هي غير فاضلة ، الأمر أعقد من هذا التبسيط ، بل هو تعبير عن منظومة قيم حضارية متكاملة ، عن هوية تمثل هذه القيم ، واختزالها إلى قيمة سلوكية واحدة جريمة بحق هذه المنظومة.

فلنتذكر هنا أن المزاوجة بين مواصفات الحجاب الشرعي ومواصفات الأناقة المعاصرة يعبر أيضا عن قابلية هذه الهوية على المرونة و التواجد والتفاعل والتأثير في كل العصور والأزمنة باختلاف ظروفها.. مواصفات اللباس جاءت على نحو يمكن أن تطبق في أي ظرف زماني أو مكاني ، ولو كان من عند غير الله لربما وجدنا المواصفات تلتزم بقماش معين أو وصف لا يمكن أن يطبق إلا في الجزيرة العربية.. لكن المواصفات القرآنية للباس كانت معدة لتتجاوز تفاصيل الزمان والمكان على نحو لا يمكن أن يحدث إلا من لدن عزيز حكيم.
لكن ماذا عن “لا يؤذين؟”
نعم ، ثمة أذى كان يلحق بالحرائر من المنافقين ، وكان اللباس يدفع عنهن هذا الأذى…
لكن ، على النطاق الأوسع ، وحسب منظور أكثر شمولا ، وخروجا من مجتمع المدينة البسيط ، فإن أي مساس بالهوية هو أذى أيضا… أي ضياع للهوية يؤدي حتما إلى الأذى..حتى لو لم يشعر من ضيع هويته بهذا الأذى مباشرة.
ماذا يضيف النص القرآني الثاني عن لباس المرأة إلى ما سبق؟
}قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) { النور
النص الثاني يوضح حدود اللباس بوضوح أكثر ، الجلباب في النص الأول ينتقل من مكان لآخر في جسم الإنسان ، لكن هذا النص يحدد هنا أن الرأس سيغطى (أي شعر المرأة)، وأن اللباس سيصل إلى القدم تقريبا.
كيف يوضح النص ذلك ؟
استخدم النص كلمة الخمار في ( فليضربن بخمرهن على جيوبهن).
والخمار هو غطاء الرأس ، كلمة الخمر مثلا ، جاءت من مخامرة العقل (= في الرأس) ، وتخمير الأواني كما جاء في الحديث هو تغطيتها ، والخمار أيضا في لسان العرب هو (العمامة) للرجال ، أي ما يغطي الرجل به رأسه.
النص هنا لم يستخدم كلمة الخمار اعتباطا ، حاشا أن يكون في كلام الله ما هو اعتباطي وبلا هدف ، لو كان هدف النص هو تغطية الجيوب فقط ( الجيب : فتحة القميص أي النحر والصدر والرقبة) – كما قال بعض العباقرة الجدد – فلا يوجد سبب يجعل النص يحدد الخمار ليضرب به على الجيب ، كان يمكن أن يقول النص ، وبكل يسر: ( فليضربن على جيوبهن ) دون أن يحدد الخمار ، وكان الأمر هنا سيكون فعلا دون معنى يفيد بوجوب غطاء الرأس.
الآية عندما تقول :فليضربن بخمرهن على جيوبهن تعني بداهة فليضعن الخمار ويضربن به على جيوبهن أي على فتحة القميص !
والخمار يعني غطاء الرأس ، وكما أن العمامة لا تعني تغطية وجه الرجل ، بل تغطي رأسه ، فإن الخمار في لسان العرب هو ما تغطي به المرأة رأسها ، وليس ثمة معنى في هذا اللسان يحوِّل الخمار ليكون غطاءً للوجه على الإطلاق ، بل هو غطاء للرأس فحسب ، بعبارة أخرى ، وليكون واضحا تماما : هو غطاء للشعر .
الآية تقول بعبارة أخرى : فليضعن غطاءً للشعر على رؤوسهن ، ويضربن به على نحورهن…
هكذا بهذا الوضوح في لسان العرب ، هكذا فهمت أيام نزول الرسالة وهكذا ستفهم دوما لو استخدمنا آلة لسان العرب التي نزل بها القرآن.
الهروب من حقيقة أن القرآن هنا يأمر بتغطية الشعر هروب صعب جدا.
وهو يستلزم في الغالب واحدة من محاولتين :
الأولى : تأويل لغوي متعسف جدا ، يهرب من المدلولات الواضحة المباشرة للخمار والجيوب ، ليصل إلى نتائج مضحكة مثل أن الآية تقصد تغطية الثديين والفرج ، أي أن الحجاب هو بكيني من قطعتين لا أكثر! (باعتبار أن المسلمين كانوا يعيشون في نادي العراة قبل نزول هذه الآية!).
الثانية : الإقرار بأن القرآن أمر بغطاء الرأس وبكل مواصفات اللباس المذكورة ، ولكن ضمن سياق تاريخي لم يعد له لزوم في الوقت الحالي..
فتح باب السياقات التاريخية من أجل آية واحدة فقط ، سيجعل هذا المنهج قابلا للتطبيق على كل ما جاء به القرآن…ولم لا يكون التوحيد مثلا قد عرض من أجل توحيد العرب ؟ ولم لا تكون الجنة والنار وسيلة ثواب وعقاب في سبيل جعل الناس يتصرفون على نحو أفضل في تلك العصور؟ لو فتحنا هذا الباب ، لوصلنا حتما إلى هذه الأماكن.

الفكرة هنا تتعدى مسألة آية واحدة ومدلولاتها ومعانيها ، إلى فكرتنا عن القرآن نفسه ، عقيدتنا عنه ، هل نعتقد فعلا أنه كلام الله عز وجل ؟ وهل نعتقد أن كلام الله سبحانه وتعالى يمكن أن يضم ما قد جاء صدفة ونتيجة سياق تاريخي عابر ؟
بعد أن نرد على هذا السؤال بصدق يمكن أن نقرر : هل فعلا يمكن أن نتجاوز ذكر “غطاء الرأس” الذي جاء في الآية؟ هل يمكن أن نقول أن الحجاب لم يرد واضحا في القرآن ، وهو الذي ورد بكل هذه التفصيلات والإيضاحات؟ هل يمكن حقا أن نغض البصر على كلمة “بخمرهن” ونتعامل معها كما لو أنها ليست موجودة؟
هذا عن الطرف القصي من حدود اللباس ، تغطية الرأس ..
فماذا عن الطرف الثاني ؟
الآية أيضا واضحة : وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ
زينة الأرجل مخفية تحت الجلباب ، اي أن الجلباب نزل ليغطي الأرجل ، والمطلوب ليس فقط إخفاءها عن النظر ، بل عدم إشعار أحد بها ، أي التخلص من السلوك المائع الغنج الذي يرتدي الطويل المسدل ولكنه يتعمد الإثارة…
الآية واضحة في بيان الحدود السفلى للجلباب : القدم إلا قليلا…كما سيتوضح في نصوص الحديث النبوي.. وهو ما يقودنا إلى هذا الأمر.
ماذا عن النصوص النبوية ؟
قناعتي الشخصية هي أن النصوص القرآنية كانت واضحة تماما ( لو دققنا فيها عبر المجهر) في بيان فرض لباس المرأة بتفاصيل واضحة.. هناك (قل) التي تفيد الأمر التبلغي الواضح في الآيتين ، وهناك لام التوكيد في (ليضربن) ، وهناك الخمار والجلباب ، ومعانيها اللغوية التي تفيد غطاء الرأس والإسدال….الخ.
لكن النصوص النبوية هي مثل هامش توضيحي على المتن القرآني ، لا يمكن فصلها حقا ، وأولئك الذين لم يقتنعوا بوضوح الآيات القرآنية في أمر لباس المرأة ، لن يواجهوا أي مشكلة في عدم الاقتناع بالنصوص النبوية من باب أولى ، سواء من باب الدلالة أو من باب التشكيك بحجية الحديث النبوي نفسه ، وهو أمر لم يعد غريبا في عصر مقبل على الإنحسار ( أقرّ هنا بوجود مشاكل في التعامل مع الحديث النبوي ، ولكنها مشاكل لا يمكن حلها بإنكار السنة ونسف الحديث).
علينا أن نحدد هنا أن منكري فرضية الحجاب بحجة عدم وضوح النص القرآني (حسب رأيهم) يضطرون إلى إنكار حجية النص النبوي أيضا ، أو إلى تحجيمه بطريقة ما.
المسألة هنا أن إنكار حجية النص النبوي في موضوع الحجاب ستحتم على هؤلاء إنكار حجيته في مسائل أخرى هي من المسلم بها في العقل المسلم ، وهؤلاء عموما لا ينكرونها ، ولا يريدون فتح جبهتها أصلا…( الصلوات الخمس مثلا ، من قال أنها خمسة لولا السنة ؟ ومن علمنا هيئتها وشكلها لولا السنة النبوية؟).
عدم إنكار السنة النبوية سيجعلهم في تناقض مع منهجهم ، لذا فهم إما أن يجدوا حلا لموضوع الصلاة وما يشابهها ، أو في أن يتعاملوا مع الأحاديث الواردة في السنة النبوية بخصوص الحجاب ليس من منطق إنكار السنة النبوية ، بل من منطق “أنها ليست واضحة بما فيه الكفاية لتفيد الوجوب”.
هذا أمر نسبي جدا ، ما يكون واضحا مقنعا لنا قد لا يكون مقنعا لسوانا ، وكونهم يخادعون أنفسهم (أو كوننا نفعل الشيء ذاته) أمر متعلق بما لا يمكن تحديد معيار له : الصدق.
لذا فإننا نكتفي بعرض النصوص ، ونحيل من ينكر وضوحها إلى نفسه ، هل ينكرها لأنها ليست واضحة حقا بالنسبة له ، أو لأنها تتعارض مع هواه؟…
هل يعتمد على نصوص أخرى أقل وضوحا ودلالة ، ولكنها تتفق مع هواه في أمر آخر ؟
الجواب عن هذه الأسئلة لا يمكن لأحد أن يعرفها غير صاحب الشأن ذاته…
كل ما يمكننا فعله هو أن نوضح قدر الإمكان..
وليست من وظيفة النص الديني – ولا حامل النص- أن يقنع الكل..
حتى الرسل لم يقنعوا الجميع ، بقي هناك من لم يصدقهم.. بقي هناك من ظلَّ كافرا جاحدا برسالتهم..
المهم أن تكون الرسالة واضحة…من قرر أن يُعمي عينه ، فهذا شأنه..

من بين كل نصوص السنة النبوية ، أرى أن ثمة حديثين قاطعي الدلالة..
الأول هو حديث الكاسيات العاريات : صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاَتٌ مَائِلاَتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لاَ يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا •

حديث الكاسيات العاريات روي عن صحابيين هما أبو هريرة وعبد الله بن عمرو ، وبغضّ النظر عن صحته الإسنادية التي لم يشكك فيها أحد ، فإن فكرة أن يتفق صحابيان على اختراع حديث كهذا فيه ما لم يكن في عصرهم ، ولم يكن من المتخيل أصلا ، فكرة سخيفة جدا ولا معنى لها.
الكاسيات العاريات هن نسوة يغطين أجسادهن ، ولكنهن في الوقت نفسه عاريات ..
كيف؟
هناك ثلاث احتمالات واردة ، وكلها موجودة الآن ، ولم تكن كذلك في عصر النبوة.
الأول أن يكون الكساء غلالة شفافة ، أو أن يكون ضيقا جدا على نحو يفصل تفاصيل جسدها ، أو أن يكون قصيرا كاشفا أكثر منه ساترا.
وربما كان كل هذا يندرج في وصف (الكاسيات العاريات) ، والذي يتناغم تماما مع روح الآيات في تحديد مواصفات اللباس ، ولكنه يضيف لذلك ما يجب أن يكون مفهوما بالبداهة والحس المنطقي العام من بين سطور الآيتين القرآنيتين : أن لا يكون اللباس شفافا رقيقا ولا ضيقا…لماذا تضيف السنة النبوية ما يجب أن يكون مفهوما بالبداهة عبر القرآن؟.. لأن هناك من يفتقرون للبداهة والمنطق بطبيعة الحال ، وسيتحججون بافتقارهم للمنطق لكي يصلوا إلى نتائج مثل أن اللباس الشفاف أو الضيق لا ينتهك مواصفات لباس المرأة في القرآن.
الحديث الثاني يتعلق بالحدود السفلية للباس المرأة : عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ، فقالت أم سلمة: فكيف يصنعن النساء بذيولهن قال: يرخين شبرا ، فقالت: إذاً تنكشف أقدامهن . قال: فيرخينه ذراعا لا يزدن عليه•
الحديث يبين الموقف عند ما قد يبدو تعارضا بين “حديث نبوي” و”مواصفات قرآنية” ، الحديث هنا يتحدث عن ظاهرة جر الثوب خيلاء ، وهي ظاهرة عرفت عند عرب الجاهلية ، والنهي المشدد لها مرتبط بالظاهرة ، أما مواصفات لباس المرأة فقد حددت بالقرآن العابر للزمان والمكان ، أي تعديل سيحدث لهذه المواصفات نتيجة ظرف معاصر (كما في الظرف المشار إليه في الحديث ، الخيلاء ومحاربة مظاهره) سيكون ضمن المواصفات التي حددها القرآن ، ودون الخروج عنه.
فلنقل: إن المواصفات الأساسية ستبقى ثابتة ، لكن تحديثات مستمرة ستحدث على اللباس الناتج حسب الظروف التي تتغير زمانيا ومكانيا ، في إشارة أخرى إلى مرونة هذه المواصفات وقدرتها على الصمود والوجود والتأثير في كل مكان.
**************************
أروى تتحجب إذن في عصر تهدد فيه الثوابت بالانحسار.. الحجاب ونزعه من رؤوس البعض (كما يحدث اليوم) هو قمة جبل الجليد الطافية فوق السطح…
لكن قاعدة هذه الجبل العريضة هي الإلحاد.
يبدأ الأمر بالحجاب ، يكون ذلك واضحا جدا لأنه يظهر بوضوح…
لكن الخطر القادم سيكون من الإلحاد…
إنه زمن الانحسار ، وهو أمر ليس سيئا بالمطلق…لقد أسأنا في كل شيء ، من قمة الجبل (الحجاب) إلى قاعدته المتينة (الإيمان) ، وكانت النتيجة أن نرى نزع الحجاب ظاهرا للعيان ، ونرى الإلحاد يزحف..على الفرق الكبير بين الأمرين..
ربما علينا أن نمر بالانحسار ، كي نعيد تأسيس فهمنا لكل شيء من جديد..
من الحجاب الذي هو أكثر من مجرد قماش…
إلى الإيمان الذي عاملناه ليس بطريقة أفضل مما عاملنا الحجاب.
*********************
نعامل كل القضايا ، سواء كانت الحجاب ، أو الإيمان نفسه ، بنفس الأسلوب الذي يختزل ويسطح كل شيء…
ربما الآن هو الوقت الذي علينا أن نفكر بإعادة بناء كل شيء على أسس أقوى..
لأروى..ولجيل الانحسار..
الذي قد يمهد لجيل النهوض.
الجيل الذي سيتخذ من الانحسار درسا ، لكي يعرف كيف يكون المد حقا…