الهويَّة السُّـنِّية… صراعٌ من أجل البقاء

الهويَّة السُّـنِّية… صراعٌ من أجل البقاء


لم يكن سهلاً قط، بالنسبة للسُّـنَّة العرب في العراق الحديث عن “هويَّةٍ سُـنَّيةٍ” خاصَّةٍ بهم تميِّزهم عن سواهم من المكوِّنات الأخرى للشعب العراقيّ، فقد كان هذا الحديث بمثابة إقرارٍ ضمنيٍّ بما أصرَّ السُّـنَّة العرب (ولا يزال بعضهم) على رفضه وتجاهله..

لكنَّ السُّـنَّة العراقيين الآن، ونخصُّ بالذكر الآن العرب منهم، أمام مرحلةٍ لم يعد مجدياً الرفض فيها، لأنَّ هويَّتهم ووجودهم صارا مهدَّدين أكثر من أيِّ وقتٍ مضى، لم يعد أمام السُّـنَّة العرب خيارٌ، إمَّا أن يكون لديهم هويَّةٌ سُـنِّيَّةٌ واضحةٌ معلنةٌ، أو أن يرضخوا لمشروعٍ يستهدف على الأقلِّ تذويبهم في المشروع الإيرانيِّ الجاثم على العراق، وهو المشروع الذي لا مفرَّ من الإقرار باستغلاله  نسبة لا بأس بها من الشعب العراقيِّ( حتى الآن).

السُّـنَّة العرب هم أوَّل من رفض هذا الحديث عن الهويَّة السُّـنِّية، فمنذ أن بدأ الحديث الطائفيّ والمحاصصة صراحةً بعد الاحتلال، والسُّـنَّة العرب يحاولون عبثاً النأي بأنفسهم عن التصريح بهويَّةٍ طائفيَّةٍ، وبينما سارع  بعض الساسة الشيعة في استغلال ظروف ما بعد الاحتلال لإعلان “البيت الشيعيِّ”، كان هؤلاء يحاولون الحديث عن عراقٍ موحَّدٍ يضمُّ الجميع..(فهم الأمر من قبل الطرف الآخر أنه رغبة في عودة حكم البعث والسيطرة على كل العراق كما كان سابقا وهو أمر لا يمكن استبعاده كليا من ذهنية البعض. )

جزءٌ من هذا الرفض كان يعود لرواسب الفكر البعثيِّ القوميِّ الوطنيِّ الذي لم يكن من الممكن الحديث معه عن طائفةٍ، ناهيك عن الحديث عن هويَّةٍ طائفيَّةٍ، الأجيال التي نشأت على حكم البعث منذ أواخر الستينات من القرن الماضي تعلَّمت أن ذكر أنك سُنِّيٌّ أو شيعيٌّ “عيبٌ” باعتبار أنَّه “ماكو فرق”..

كان ذلك عهداً انقضى.. ونعرف كيف انقضى.. تلك الأحلام الجميلة والمفعمة بالأناشيد الوطنيَّة لا يمكن لها أن تغيِّر واقعاً كابوسيَّاً جاثماً على صدور العراقيين الآن…

إن كنت لا تريد الحديث عن هويَّتك (كي لا تفرِّق ولكي تحافظ على هويَّةٍ وطنيَّةٍ موحَّدةٍ) فهذا شأنك وخيارك.. لا تتوقَّع أن يتَّخذ الآخرون الموقف نفسه مجاملةً لك.

وهذا ما حدث.. نأى السُّـنَّة العرب عن الحديث عن هويَّةٍ طائفيَّةٍ صريحةٍ مراعاةً للوحدة الوطنيَّة  التي اتَّضح أنَّها مثل الغول والعنقاء والخلِّ الوفيِّ (على الأقلِّ فيما يتعلَّق بشكلها في الدول العربيَّة القديمة).. بينما انهمكت النخبة السياسية التابعة للمشروع الإيراني في العراق في تثبيت ما فهمته من “هوية التشيع حسب مشروعها الإيراني” والإعلان عنها والترويج لها والتشبُّث بها، وهو ما  كان له أثرٌ كبيرٌ لاحقاً على معطيات الأمور، فمن لا يبرز هويَّته يبدو كمن لا وجود له، على العكس من المبرزين لها الذين  سيظهرون حتما بحجم أكبر بسبب الفراغ الذي أحدثه إحجام الآخرين عن إبراز هويَّتهم..

المشكلة  هنا ليس في كون الهوية الشيعية قدمت بحيث تُبرِز حجم المكون وقوَّته فحسب ، بل أن طريقة “الهوية الشيعية” قدمت على نحو يجعل من الشيعي  يشعر بأن هويته ترتكز على عدائه للسنة..

جوهر الهويَّة الشيعيَّة(كما قدمت عبر المشروع الإيراني) يرتكز على أمرين  تاريخين لا يمكن التخلي عنهما:

أوَّلاً- المطالبة بالحقِّ المغتصب (الخلافة حسب الفهم الشيعي للموضوع).

ثانياً- المطالبة بثارات الحسين..

لا حديث عن هويَّةٍ شيعيَّةٍ في المشروع الإيراني(المسيطر والسائد حاليا) دون هذين الأمرين ..

 لن يبقى شيءٌ من التاريخ الشيعيِّ-حسب المشروع الإيراني- إن تمَّ السكوت عن هذين المعتقدين القائمين على الصدام مع السُّـنَّة (باعتبارهم اغتصبوا الخلافة بزعم الشيعة، وباعتبارهم قتلوا الحسين – كذباً وافتراءً)…

وفي الحالتين، فإنَّ السُّـنَّة بكلِّ أطيافهم سيجدون أنفسهم في مواجهة هذه الهويَّة الشيعيَّة المزعومة ، المختطفة من قبل مشروع سياسي إيراني.

ماذا يعني إظهار الهويَّة الشيعيَّة أمام السنة؟

يعني أن تجد نفسك كسني  محاصراً طيلة الوقت باللطم على الحسين وفق أنغامٍ تتَّهمك بين لحنٍ وآخر بقتله.. يعني أن تجد المطالبة بالثأر للحسين على الجدران في المؤسسات الحكوميَّة وعلى البيوت وعلى السيارات وفي الشوارع.. أن تجد ابنتك تكتب على رأس ورقة الإملاء “يا لثارات الحسين” لأنَّ كلَّ زميلاتها يفعلن ذلك…

في كلِّ خطوةٍ ستجد  نفسك متَّهماً في جريمةٍ تؤمن أنَّها لم تحدث أصلاً(خطف الخلافة)، بينما تم إقناع شركاء الوطن أنَّها السبب في وجودهم على هذه الكرة الأرضيَّة..

لا جدوى من الإنكار.. لا جدوى من الحديث عن هويَّةٍ وطنيَّةٍ واحدةٍ في هذا السيل الجارف من الهويَّة التي لا تراك إلا عدوَّاً لها، بل ترى في الانتقام منك السبب الذي خلق الله البشريَّة من أجله…

بالضدِّ تتميَّز الأشياء، وبالتمايز يكون التعريف، وهذه الهويَّة الشيعيَّة (المدعومة بلا شكٍّ من الحكومة الإيرانيَّة وأجنحتها ولكن أيضاً التي تختطف الكثير من الشيعة العاديين غير المسيَّسين) هذه الهويَّة لا تنفكُّ تضع السُّـنَّة العرب في العراق في موضعٍ لم يكونوا يريدونه أصلاً، لكنَّه حدث.

لم يعد الحديث عن الهويَّة السُّـنِّية خياراً، صار معركة صراعٍ من أجل البقاء، إمَّا أن تتمسَّك بسنيَّتك وتظهرها، أو تذوب في ذلك التيار الجارف، رغم مفارقته لكلِّ ما هو عقلانيٌّ وحضاريٌّ وأخلاقيٌّ…

هذه الهويَّة (الشيعية حسب المشروع الإيراني)لا تقتصر على من هو سُنِّي متديِّن، بل هي تشمل كلَّ سُنِّي ولو كان علمانيَّاً أو ملحداً، كلُّ من ينتمي لأسرةٍ أو عشيرةٍ سُـنِّية الأصل سيجد نفسه معرَّضاً للإقصاء والتهميش (وفي مراحل أخرى للقتل أو الاعتقال)، وهكذا فقد اعتُبر الملحد سنيَّاً، واعتُبر العلمانيُّ سنيَّاً، واعتُبر الليبراليُّ سنيَّاً فقط لأنَّهم ينتمون للقبٍ سُنِّيٍّ، حتى لو لم يشكل شيئاً في أوَّلويَّاتهم وعقيدتهم.. لقد عوقبوا (جماعيَّاً) على اغتصاب الخلافة وقتل الحسين..  (ولا يمكن لك أن تحيِّد نفسك بترك التسنُّن ومظاهره، لكن سينفعك حتماً أن تتشيَّع وتظهر التشيُّع، هذا هو طريق النجاة الوحيد من تهمة قتل الحسين واغتصاب الخلافة…)

بهذا المعنى، فالحديث عن الهويَّة السُّـنَّيَّة له ثلاثة مستوياتٍ لا بدَّ من توضيحها:

المستوى الأول:

الهويَّة السُّـنِّية بمعناها العامِّ جداً، والذي يشمل العلمانيين والليبراليين – وحتى القوميين الذين هم الأشدُّ عداءً لهذا الحديث-  شاؤوا الآن أم أبوا، هي هويَّة الانتماء التاريخيِّ للأمَّة الإسلاميَّة وحضارتها.. (بكلِّ ما في هذا التاريخ من منجزاتٍ، وما فيه أيضاً من أخطاء..) الهويَّة الشيعيَّة  (كما يقدمها المشروع الإيراني) ترفض هذا التاريخ جملةً وتفصيلاً، وتُصِرُّ على اعتباره مجرَّد غلطةٍ ناتجةٍ عن اغتصاب الخلافة، ولا تقدِّم أيَّ تاريخٍ بديلٍ بالمقابل بل تقترح مستقبلا قائما على الانتقام من هذا التاريخ..

هذه الهويَّة الأوسع لا تشمل التديُّن السُّنيَّ أو مظاهره أو شعائره (القليلة أصلاً بالمقارنة مع الكم الهائل من الشعائر ومظاهرها عند الشيعة)، بل تشمل الإيمان بالأمَّة الإسلاميَّة بمعناها التاريخيِّ، بقدرة هذه الأمَّة على العطاء والإبداع، وبتاريخٍ مجيدٍ بين تاريخ الأمم، هذه الهويَّة التي تتصادم مع هويَّة اللطم والعويل على التاريخ، يمكن أن يجد العلمانيُّون والليبراليُّون والقوميُّون أنفسهم فيها.. ويجب إبرازها بوجه هويَّةٍ تريد إلغاء التاريخ لصالح جهةٍ معيَّنةٍ كان تاريخها سلسلةً من الفشل المتكرِّر.. إنَّها هويَّة الرشيد، والمأمون، وبيت الحكمة، والمستنصريَّة، والأندلس، وكلِّ المنجزات العلميَّة التي تحقَّقت في العهود الإسلاميَّة اللاحقة التي يرفضها الشيعة جملةً وتفصيلاً.. إنَّها هويَّة العدالة الاجتماعيَّة التي تحقَّقت في عهود الخلافة الراشدة ومستوى العدالة الذي بقي يُعَدُّ قياسيَّاً بالنسبة لتجارب حضاريَّةٍ أخرى..(وهي الهوية السنية التي يرفضها الفكر القاعدي أيضا بطبيعة الحال)

المستوى الثاني من الهويَّة السُّـنِّية: هي هويَّة أهل السُّـنَّة بالمعنى العريض، والتي تشمل اليوم بعض الفرق التي ليست على وفاقٍ فيما بينها، ولكنَّها بالتأكيد تقف جميعاً بعيداً عن المشروع الشيعيِّ-الإيراني- بمسافةٍ ليست واحدةً، لكن كافية تماما لكي يكون ثمة ما هو “جبهة مشتركة”…

تشمل هذه الهويَّة ما يمكن أن نسمِّيه السُّـنَّة المتديِّنين، بغضِّ النظر عن تصنيفهم في هذا التديُّن (سلفيّ أو صوفيّ، مع وجود تصنيفاتٍ فرعيةٍ لكلِّ تصنيفٍ).. أي سُنِّي متديِّن، مهما كان فهمه بسيطاً أو سطحيَّاً، لا يمكن إلا أن يجد نفسه على صدامٍ مع هويَّةٍ إيرانية تعُدُّ أبا بكرٍ وعمر “صنمَي قريشٍ”.. بالنسبة له لم يبلغ الإسلام مداه وعزَّه ومجده، ولم يصل إلى مشارق الأرض ومغاربها إلاَّ عبر هذين الرجلين ومن اتَّبعهما.. فكيف يمكن له إلاَّ أن يجد في الهويَّة الشيعيَّة (كما تقدم في المشروع الإيراني) تهديداً له؟ وكيف يمكن له إلاَّ أن يتمسَّك بهذه الهويةَّ “السُّـنِّية العامَّة”، ويظهرها، عبر التمسُّك بما يمثّله أبو بكر وعمر ومنجزاتهما وسيرتهما، وكلُّ ما حقَّقاه وحُسِب رصيداً للإسلام.. ليس هناك في مواجهة الهويَّة الشيعيَّة إلا إظهار “التمسُّك” بكلِّ مَنْ يعدُّ الشيعةُ سبَّه ولعنه جزءاً من هويَّتهم: أبي بكر، عمر، عائشة…

المستوى الثالث من الهويَّة السُّـنِّية: هو الأقلُّ انتشاراً حاليَّاً، ولكنَّه أيضاً الأكثر وعداً بتحقيق ما هو أكثر من مجرَّد ردِّ الفعل الذي يتمثَّل في المستويين الأولين.

هذا المستوى يستند على وجود مشروعٍ سُنِّيٍّ حقيقيٍّ، مشروعٍ إسلاميٍّ يجد في الإسلام رؤيةً حضاريَّةً يمكن استلهامها في البناء والعمران

هذا المستوى يتجاوز العراق وسُـنَّة العراق حتماً.. فهو أكبر من أن يكون مختصَّاً بقطرٍ أو بلدٍ معيَّنٍ، بل هو مسؤوليَّةٌ جماعيَّةٌ.. لكنَّ قُرب العراق وسُنَّته من المشروع الإيراني يجعلهم الأكثر تحسُّساً للحاجة إلى هذا المشروع السنيِّ البديل..

المستوى الأولى من الهويَّة السُّـنِّية يستند إلى التاريخ وعمقه، فيجد فيه كلُّ من هو غير إسلاميّ امتداده وجذوره، حتى لو أسكنها لاحقاً في تربةٍ مغايرةٍ لثوابت هذا التاريخ ومقدَّساته..

المستوى الثاني يخصُّ التديُّن في أبسط وأنقى مظاهره، والذي يجد فيه كلُّ ملتزمٍ بأدنى التزامٍ دينيٍّ نفسه بعيداً عن مظاهر الغلوِّ والشرك والباطنيَّة التي جعلت من الإسلام ديناً باطنيَّاً كلُّ النصوص الدينيَّة فيه تعني عكس ما يبدو من ظواهرها..

والمستوى الثالث هو المتَّجه إلى المستقبل… هو الذي يبادر بالفعل والبناء سواءٌ أكان هناك مشروعٌ شيعيٌّ أم لم يكن.. هو الذي يعُدُّ القرآن والسُّـنَّة منصَّة انطلاقه نحو مستقبلٍ أفضل، بالضبط كما كان بالنسبة لأبي بكرٍ وعمر..الهوية السنية ، ليست موجهة ضد “الشيعي” بالتأكيد ، إذ يمكن للسني أن يسرد  كل تفاصيل عقيدته دون أن يتقاطع فيها مع الشيعة ، كونك “سنيا” لا يعني بالضرورة أنك ضد الشيعي ، بل يعني اختلافك وتمايزك عنه ، وهو أمر لا بد من تأصيله في الوعي العام إن كنا نريد يوما أن نكون جميعا مواطنين متساويين أمام القانون والدولة ، لا يمكن القفز إلى المساواة بحرق هذه المرحلة المهمة ، مرحلة  تأكيد واحترام الاختلافات ، يمكن لكل طرف أن يؤمن أنه يحتكر الصواب له وحده ، لكن لا شأن له بمصيره الآخروي في هذه الدنيا..وهو أمر سيجعل الهوية السنية في مواجهة حادة أيضا مع فكر القاعدة الذي يرفض هذه الطروحات..

الحديث عن الهوية السنية ليس مساهمة في تفتيت المجتمع (المفتت أصلا) كما يحلو للبعض أن يهول ،  بل هي  تأكيد على إمكانية تعدد الهويات واختلافها ضمن صيغة وإطار يمكن الاتفاق عليها ضمنا..

وقبل ذلك ، وفي مواجهة المشروع الإيراني : هي صراع من أجل البقاء…

سُـنَّة العراق وتحديَّاتٌ لا مفرَّ من مواجهتها -1- سُنَّة العراق ولحظة الحقيقة

سُـنَّة العراق وتحديَّاتٌ لا مفرَّ من مواجهتها -1-

سُنَّة العراق ولحظة الحقيقة

محمد عبد الله الجبوري


حتى عام 2003 م، لم يشعر سُـنَّة العراق أنَّهم أقليَّة، ولم يشعروا كذلك بحاجتهم إلى تأكيد هويَّتهم ناهيك عن البحث عنها.

لكنَّ عالم ما بعد احتلال العراق شهد تغييراتٍ إقليميَّةً كبرى جعلت من سُـنَّة العراق في مهبِّ رياح التغيير.. وصار لا مفرَّ من التعامل مع المتغيِّرات بعقلٍ مختلفٍ ورؤيَّةٍ مختلفةٍ.

رياح التغيير هذه شهدت أولاً وللمرة الأولى في تاريخ العراق الحديث طرحاً طائفيَّاً صريحاً لم يكن من الممكن التصريح به من أيِّ جانبٍ قبلها، وشهدت تقسيم الشعب العراقي على أساسٍ طائفيٍّ وعرقيٍّ في آنٍ واحدٍ، وهو تصنيفٌ بدا كما لو أنه يستهدف تقليل نسبة السُـنَّة بتقسيمهم إلى أكراد وعربٍ.. علماً أنَّ الأكراد (وهم سُـنَّة في غالبيَّتهم العظمى) كان لهم فعلاً قضيةٌ مختلفةٌ منذ البداية.. وهم لا يبدون مستائين من عزلهم عن السُـنَّة العرب على الأقل في هذه المرحلة.. لأسبابٍ معلومةٍ تماماً..

وكان من حتميَّات هذا الطرح (الذي شجَّعه الأمريكان منذ البداية) أن تنشأ المحاصصة التي يشتمها الجميع، ولكنَّهم يستغلونها أيضاً، وبلغت المحاصصة حدوداً هزليَّة (مثل الحرص على أن تكون الفرق الرياضيَّة ممثلةً لجميع مكوِّنات الشعب العراقي بحسب النسب السكَّانية!! الخ)…

وشهدت التغييرات أيضاً بروز ومن ثمَّ خفوت المقاومة العراقيَّة المسلَّحة التي اختلط فيها الحابل بالنابل والخبيث بالطيب (كما يحدث دوماً وفي كلِّ حركات التحرر على الإطلاق ) والتي وجدت نفسها أمام عدوَّين: عدوٍّ محتلٍّ واضحٍ، وعدوٍّ هو “ابن البلد” شئنا أم أبينا، وبينما لا مفرَّ من الاعتراف أنَّ التفجيرات الكبرى في الأماكن المكتظَّة قد بدأتها تنظيماتٌ مرتبطةٌ بالقاعدة ، فإنه لا بدَّ من التذكير أنَّ الاغتيالات المنظَّمة التي استهدفت السُـنَّة قد سبقت هذه التفجيرات (وهو بالضبط الفرق بين العمل المنظَّم الذي تدعمه إيران، والعمل العشوائيّ الذي تمثَّل في القاعدة والذي أدّى لاحقاً إلى ظهور الصحوات).

في النهاية وجد سُـنَّة العراق أنفسهم وحيدين دون أيِّ دعمٍ دوليٍّ أو إقليميٍّ… حتى عندما فازت القائمة العراقيَّة (تحالف علاوي مع الهاشمي وشخصياتٍ سنيَّةٍ أخرى) في انتخابات 2010 والتي دعمها السُـنَّة العرب بشكلٍ واضحٍ، حتى بعد هذا الفوز، فوجئ الجميع بسرقة هذا الفوز لصالح الخاسرين بسلسلةٍ من الألاعيب القانونية وسط صمتٍ عالميٍّ مريبٍ، وهذا يعني أنَّه ليس ثمَّة أمل لسُـنَّة العراق  (وحتى للشيعة المعتدلين  غير المسيَّرين من قبل المراجع الدينيَّة) عبر أيَّة عمليَّةٍ انتخابيَّةٍ ديمقراطيَّةٍ.. بل لا بدَّ من إجراءٍ حاسمٍ وجذريٍّ مهما كان مؤلماً.

أمران لا بدَّ من تثبيتهما هنا في هذا السياق قبل مراجعة التحديَّات التي تواجه “سُنّة العراق”:

أولاً_ ليس هناك أكثريَّةٌ ساحقةٌ في العراق… هناك أكثريَّاتٌ صغيرةٌ، أو أقليَّاتٌ كبيرةٌ،  وهذا أمرٌ يعقِّد المشهد العراقي، ولكنَّه أيضا يمكن أن يشكِّل ضمانةً مستقبليَّةً في وقتٍ لاحقٍ.

العراق، مثل لبنان، يختلف عن سوريا ومصر اللتين فيهما أغلبيَّةٌ ساحقةٌ تتجاوز الـ 70% -80% لفئةٍ معينةٍ.

تعرَّضت نسبة العرب السُـنَّة إلى التقليص بسبب ماكينة الدعاية الشيعيَّة، كما تعرَّضت للتضخيم أحياناً كردِّ فعلٍ لهذا التقليص، فأوصلها الشيعة إلى 20%، وبالغ البعض في ردِّ الفعل فأوصلها إلى الـ 60% والحقيقة المترشِّحة من مجمل القراءات للنسب السكَّانية هي أنَّ نسبة السُـنَّة العرب تقارب الثلث (34%-38%)، وأنَّهم مع الأكراد(السُـنَّة غالباً) يشكِّلون أكثر من النصف، وأنَّ الشيعة رغم تفوقهم العدديِّ على السُـنَّة العرب منفردين، فإنَّ هذا التفوُّق كان ضئيلاً لم يمنحهم “الأغلبيَّة” في أيِّ انتخاباتٍ مروا بها، حتى في انتخابات 2005 م التي قاطعها السُـنَّة العرب.

ثانياً –  علينا أن نفرِّق مبدئيَّاً بين “الشيعة”، وبين “المشروع الشيعيِّ – الإيرانيِّ”. صحيحٌ أنَّه لا يمكن التمييز حالياً بينهما لأنَّه لم يثبت “إحصائيَّاً” حتى الآن وجود أيِّ نبذ مؤثِّرٍ من قبل جماهير الشيعة لهذا المشروع ، إلا أنَّنا علينا أن نذكر دوماً بإمكانية التعايش مع الشيعيِّ كشيعيٍّ، ولكن بصعوبة التعايش مع مشروعٍ يستخدم عقيدة هذا الشيعيِّ ويستغلُّها لتكون موجَّهة ضد السُنَّة مباشرةً (وهو أمرٌ يصعب على أيِّ مشروعٍ شيعيٍّ أن يتجاوزه لأسبابٍ تتعلق بطبيعة نشوء الشيعة وتشكُّل عقيدتهم).

يمكن للشيعيِّ أن يؤمن بما شاء، ممَّا تؤمن أنَّه سيدخله جهنم، ولكن يمكن لك أن تتعايش معه، وأن يكون سلوكك معه جيِّداً، كما يمكن له أن يؤمن أنَّك داخلٌ جهنم، وأن يكون سلوكه معك جيداً، أن لا يخدعك في البيع والشراء، وأن يعاملك كما يعامل الشيعي، كما يمكن لك أن تفعل الشيء ذاته، بالضبط كما تعاملنا جميعاً مع “أهل الكتاب”.. المعضلة هي في اللحظة التي تحوِّل فيها عقيدتك لتكون موجَّهةً ضدَّ هذا الطرف بدلاً من أن تكون موجَّهةً للبناء ولرقيِّ المجتمع وتكوين النموذج الجاذب الذي قد يجعل “الآخرين” يؤمنون بهذه العقيدة…

الأمر إذن ليس في صراع العقائد صراعاً نظريَّاً – فكريَّاً، بل هو في تحوُّل هذه العقائد لتكون مشروعاً على أرض الواقع…

والسُـنَّة العراقيُّون اليوم، يواجهون منفردين تقريباً مشروعاً هو جزءٌ لا يتجزَّأ من المشروع الإيرانيِّ الذي أعلن منذ البداية المبكِّرة للثورة الإيرانيَّة أنَّ تصدير الثورة أهمُّ منتجاته…

مشكلة السُـنَّة العراقيين مزدوجةٌ في هذا الأمر.. فهم لا يواجهون المشروع “الإيرانيَّ”- العابر للأقاليم- منفردين فحسب، دون دعمٍ من أيَّة جهةٍ من أيِّ نوعٍ كان، بل إنَّ المشكلة التي لا تقلُّ أهميَّةً هي في رفض نسبةٍ لا يستهان بها منهم لهذا التوصيف –الطائفيِّ- للقضية، رفضهم للتصديق أنَّ هناك من يؤيِّد هذا المشروع من العراقيين الذين لم يأتوا مع الاحتلال، رفضهم للتصديق أنَّ إيران قد انتصرت في أكثر من معركةٍ، وأنَّها تكاد تنتصر في “الحرب”.

لا يزال السُـنَّة العراقيون في جانبٍ كبيرٍ منهم يعيشون حالةً مَرَضيةً من الإنكار للحقائق الشاخصة على الأرض… لا يصدِّقون ما يحدث… بقي جزءٌ كبيرٌ منهم يردِّد لسنواتٍ أنَّ كلَّ هذه “الفئران” ستهرب إلى إيران فور خروج الأمريكان.

ولقد خرج الأمريكيُّون (على الأقلِّ قلَّت كثافة وجودهم)، ولكنَّ الفئران كان قد كبر حجمها، وصارت جرذاناً ضخمةً مفترسةً، ثم أضحت وحوشاً آكلةً للحوم البشر.. وخروج الأمريكيِّين لم يزدها إلا قوةً.. لأنَّه أعطاها المزيد من الحرية في التعاون مع إيران..

كان هناك حديثٌ دائمٌ عن جبن فئةٍ معيَّنةٍ من العراقيين، الشروگيين، وعن كونهم سيفرُّون من أول طلقةٍ…

حسناً، على فرض صحَّة هذه الفرضيَّة، فهي لم تعد صحيحةً الآن.. لقد ذاق هؤلاء القوة والسلطة والشوكة، مرَّ عقدٌ كاملٌ تقريباً منذ أن منحهم الأمريكيُّون أولاً القوة، ثم دعمتهم إيران… لقد تغيَّروا.. المثل العراقيُّ يقول: “الخير يخيِّر والشر يغيِّر”… وقد تغيَّر هؤلاء لما فيه شوكتهم، ولا بدَّ من الاعتراف أنَّ تغيُّر السُـنَّة لم يكن لصالح الشيء ذاته..

لا بدَّ من مواجهة الحقائق الآن.. بدلاً من الإنكار، بدلاً من التصوُّر أنَّ المشروع الإيرانيَّ -المدعوم من قبل أناسٍ عراقيين شئنا أم أبينا-، سيذوي وينتهي تلقائيَّاً، بدلاً من الدعاء الحارِّ أن يكون هناك “بأسٌ شديدٌ” بين هذا المشروع وبين مشروعٍ آخر، يضرب فيه الظالمون بعضُهم بعضاً، ونخرج من بينهم سالمين كالشعرة من العجين..

لن يحدث هذا.

السُّنن الكونيَّة لا تعمل هكذا.

وسُـنَّة العراق أمام  لحظة الحقيقة…

***********************************