مدنية على منهاج النبوة!

مدنية على منهاج النبوة!


د.أحمد خيري العمري

نجد أنفسنا أحيانا في حروب “مصطلحات” دونكيشوتية ، ننجر لها بالتدريج.

حروب المصطلحات هذه تأخذنا أحيانا من مضامينها الأكثر أهمية إلى مجرد مسميات ، ثم نتوهم في غمرة الحرب ، أن صراعنا حول هذه المصطلحات، وتثبيتها أو الغائها ، سيعوض عن “حقيقتها” ، عن مفهومها، عن البحث في تطبيقاتها وآلياتها ..

مصطلح المدنية هو من هذه المصطلحات بالتأكيد ، والصراع حوله واضح ، والاتهامات متبادلة ومستعرة، وقد صرحت احدى التيارات بأن من منجزاتها “عدم ذكر هذا المصطلح” في مسودة الدستور!..

لكن ما حقيقة هذا المصطلح؟ وكيف تم جرنا إلى “مسماه” وغفلنا عن “المضمون”؟  هل يحدث ذلك مع كل المصطلحات المتداولة والمتحارب عليها ، أننا نتشبث بها أو نتشبث ضدها..دون أن نحاول فهم محتواها ومعانيها وبالتالي محاولة “تطبيقها”.
مصطلح “الدولة المدنية” مصطلح محايد مبدئيا..يتعلق مبدئيا بالمدنية (التي لا يقول أي إسلامي أنه ضدها). وهو مصطلح غير مترجم من أي لغة اخرى ، أي لا يوجد  في العالم  ولا في تاريخ  شيء اسمه “دولة مدنية” مباشرة.لا يوجد في قاموس ومعجم المصطلحات المتعارف عليها مسمى كهذا. ولكن هذا لا يعني عدم وجود معناه، لكن ما هو معناه؟…

يشير بعض الباحثين إلى أن هذا المصطلح قد ولد في خضم الربيع العربي ، استخدم في شعارات مبكرة (في ميدان التحرير في القاهرة على الأغلب) ومن ثم  أنتشر بواسطة الإعلام واستخدم بكثافة من قبل الجميع: الناشطين، السياسيين ،وحتى رجل الشارع العادي الذي صار يريد-أو لا يريد- دولة مدنية.

ما هي هذه الدولة المدنية التي يطالب بها ناشطون دون أن تكون هناك نظرية واضحة للدولة المدنية ودون أن يكون هناك ما قد كتب فيها ، بل دون أن يكون هناك  هذا المصطلح قبل “الربيع العربي”.

هل الدولة المدنية هي النموذج المضاد لدولة يتحكم فيها العسكر؟

هذا وارد طبعا.وهو أمر لا خلاف عليه.إذ يجتمع كل الثوار –بمختلف توجهاتهم-على ضرورة الغاء حكم العسكر وبطريقة ما كل حكم سيطر بواسطة العسكر حتى لو كان رأسه مدنيا دون بزة عسكرية.

ما حدث لاحقا ، وخلال فترة وجيزة من ظهور المصطلح (المحايد في مظهره) هو محاولة الليبراليين والعلمانيين “تجيير”  واختطاف المصطلح لصالحهم وجره ليكون معبرا عنهم ويكونون “الممثلين الرسميين” الصالحين للحديث عنه (وهذا يكسبهم قيمة إضافية، فما دام رجل الشارع صار يتحدث عن “الدولة المدنية”  فهذه فرصة للعلمانيين والليبراليين للظهور بصفتهم ممثلين لهذا المواطن، خاصة أن سمعتهم عند هذا المواطن في أسوء حالاتها)

هكذا ظهرت شعارات “نريد دولة مدنية لا دينية ولا عسكرية” ،وهي شعارات تلخص جهود العلمانيين والليبراليين في جعل الدولة المدنية بديلا عن “الدولة الدينية” ، علما أن لا أحد من الاسلاميين يقول أنه يريد “دولة دينية” ، فكل هذه المصطلحات ولدت في سياقات غربية يتنفسها العلمانيون والليبراليون كما يتنفس غيرهم الاوكسجين.

“عندما يطرح هذا الشعار (مدنية ضد عسكرية ودينية) فهذا يعني تنصل العلمانيين والليبراليين من “علمانية” العسكرتاريا (وهذا طبيعي فكل الأنظمة التي قامت عليها الثورات هي علمانية أصلا ولكنها علمانية جاءت عن طريق العسكر ولم تتح فرصة لتداول السلطة) وهو يعني ايضا أنهم ضد “الخيار الديني” للدولة.

لماذا لا يقولون “ديمقراطية” إذن؟

ببساطة لأن الديمقراطية قد تجلب الإسلاميين.قد يكون خيار الشعب هو الإسلام.لذا فهم يريدون ديمقراطية مشروطة بعدم وجود الخيار الإسلامي.ما المصطلح الذي سيركبون عليه لتمرير حزمة شروطهم هذه (تداول سلطة دون وجود إسلاميين) . ليكن دولة مدنية.مصطلح نظيف. سمعته جيدة ولم تستهلك شعاراته.

لم لا يكونون صريحين ويقولون :علمانية؟

لأنهم يعلمون أن ذلك سيكون مقتلهم وخسارتهم.رجل الشارع العادي الذي يصرح أنه يريد “دولة مدنية” قد يتراجع عن هذا إن قيل له مثلا أن الدولة المدنية = الدولة العلمانية.

ربما هو لا يريد دولة دينية , لكن العلمانية تمثل قطيعة مع ما يريده هذا الرجل ايضا.وهو يرفضها أيضا.

(حدث ذلك فعلا في احدى البرامج الحوارية، إذ ختم أحد المشاركين بقوله :نريد دولة علمانية !، فقاطعته المذيعة فورا : نسميها دولة مدنية أحسن!!!)

لا يجد المثقفون الليبراليون والعلمانيون اذن أي غضاضة في الاعتراف بأن استخدام المصطلح كبديل عن “العلمانية” كان لتمريره على “الناس”  (وهم يصرحون بذلك علنا أحيانا لأنهم يستغفلون الجماهير التي يريدون منها أن تدعمهم..).يصرح جورج طرابيشي بذلك بوضوح.كذلك لؤي حسين على نحو مفصل[1]. ويستفيض عمرو حمزاوي[2] في الأمر حيث يقول أن فصل الدين عن الدولة ركيزة من ركائز بناء الدولة المدنية، بينما يقول في مرة أخرى أن الدولة المدنية لا تعني ذلك، على طريقة الجميع حاليا في قول الشيء ونقيضه .ويتفضل علينا بالقول أن الدولة المدنية ستضمن حق ممارسة الشعائر (عكس العلمانية الشاملة التي ستقيد ذلك!) ويمضي الجميع في الحديث عن أن المادة رقم كذا من الدستور “تتعارض مع مدنية الدولة”  على أساس أن “مدنية الدولة”- وهي مفهوم لا يزال في مرحلة الرضاعة إن كان قد ولد أصلا- صار قدس الأقداس الذي لا يمس.

سيبدو جميع نشطاء الدولة المدنية  كما لو أنهم قد كذبوا الكذبة وصدقوها أكثر مما يجب.هم يتحدثون عن مصطلح “مخترع” ما أنزل الله به من سلطان ولا جاء به التاريخ ببرهان، ولا ذكر في معاجمهم أو التجربة الغربية التي هي مرجعهم، رغم ذلك فهم يحولونه إلى “اليوتوبيا” المنشودة التي من الواجب تثبيتها في كل فقرة من أي إعلان.

(ولعل أقرب ما يمكن فهمه من اختيار المصطلح تحديدا  ليكون “حصان طروادة” بالنسبة لهم هو مصطلح “القانون المدني” –وهو القانون الذي يرجع في إطاره العام إلى القانون الروماني!!- وأيضا مصطلح “الزواج المدني” الذي لا علاقة له بكنيسة أو بعقد شرعي)

حسنا.

هم كذبوا الكذبة وصدقوها لتمرير العلمانية على الناس أمام صناديق الاقتراع.

بعض الإسلاميين قد صدقوا الكذبة أيضا أكثر مما يجب.

بعضهم انجر إلى الدفاع عن مدنية الدولة والتأكيد على عدم تعارضها مع الإسلام (باعتبار أن مفهوم المدنية واضح تماما ولا غبار عليه ، أو باعتبار أن الإسلام كما يفهمونه قابل للصب وإعادة التشكيل مع أي مفهوم حتى لو كان مفهوما لا وجود له!)..والبعض وجد –محقا- أنه من الأنسب إضافة شرط “المرجعية الإسلامية” على “الدولة المدنية” وهو بذلك قد أفسد على الليبراليين والعلمانيين خطتهم الالتفافية في المصطلح.

البعض أختار إلى أن يحرج العلمانيين ، فقبل بالمدنية ، لكن أي مدنية بالضبط؟؟

الطريف في الأمر أن هناك من غلاة العلمانيين(جاد الكريم الجباعي) من يقول أن المصطلح أوجده “الاخوان المسلمين” أنفسهم بعد انقلاب 1952 بمواجهة “عسكرة الدولة” (لا يقدم أي إشارة مرجعية موثقة لهذا ، ويبدو أن الاخوان نسوا أنهم أصحاب الدعوة لو صح ذلك![3]).

بكل الأحوال، ورغم أهمية تحديد المصطلحات.ورغم أهمية تثبيت هوية الأمة ومرجعية الدولة التي لا تقبل النقاش، إلا أنه من المهم أيضا الإشارة إلى أن الصراع حول المصطلحات والتسميات يجب أن لا يأخذنا أبعد مما يجب عن أهمية المضمون وأهمية تطبيق المضمون.

بعبارة أخرى : التنازل عن بعض “الأسماء” ولو مرحليا ، دون التنازل عن مضمونها، قد يساهم في تحقيق المراد على نحو أسلم.ولنا في صلح الحديبية خير مثال على ذلك.

..على سبيل المثال..

ينشغل الكثيرون بالدولة الإسلامية ،وبدولة الخلافة المنشودة. تحديدا بقيام هذه الدولة وإعلان ذلك..يعبرون عن الحنين لها ، وبالتصور الذي لا يخلو من سذاجة ورومانسية بأن كل مشاكلنا ستحل عندما يحدث ذلك.

لكن من قال حقيقة أن دولة الخلافة الإسلامية يجب أن يكون اسمها “دولة الخلافة الإسلامية”؟  من قال أن منصب رئيس هذه الدولة يجب أن يكون اسمه “الخليفة”؟   عمر بن الخطاب مثلا لم يجد بدا من أن يغير لقبه إلى “أمير المؤمنين” دون أن يعني ذلك أنه تنازل عن منصب “خليفة خليفة رسول الله” ودون أن يعني  ذلك أنه قد كف عن أن يكون “الخليفة في الأرض”.

مفهوم الاستخلاف في الأرض أوسع بكثير من أن يكون مجرد نظام حكم.إنه طريقة حياة . نمط في رؤية العالم والقيام بدور في بنائه.وهذا لا يحدث فجأة.ولا ينبت كالكمأ دون جذور.إنه عملية إعادة تكوين جديدة.هل من الضروري أن يقال عن الخليفة في الأرض أنه خليفة؟ من الضروري أن يقوم بدوره أولا.سواء من خلال الفرد أو المجتمع.أما التسميات فهي  محض تحصيل حاصل.

ولن تكون دولة الخلافة دولة خلافة فعلا بمجرد إعلان أنها كذلك.

عليها قبل ذلك أن “تكون” دولة خلافة حقا..

الرسول عليه الصلاة والسلام قال “ثم تكون خلافة على منهاج النبوة” ولم يقل تعلن “خلافة على منهاج النبوة..

فلنتذكر هنا أن دولة الخلافة الحقيقية لا تعيش عالة على غيرها.لا تكون إن كانت تستورد طعامها ودواءها سلاحها ووسائل اتصالها وكل معارفها ممن تعتبرهم “دار حرب”,..ولا تكون إن لم يكن فيها عدالة اجتماعية وكان الناس فيها ، كل منهم ، يقوم بدوره كخليفة في الأرض…من موقعه.

الدرب إلى ذلك طويل ووعر حتما.

لكن حرق المراحل على أمل اختصار الطريق الطويل، قد يقود إلى حرق المشروع برمته.

تفسير القرآن بين عصر الحضارة وعصر الانهيار

تفسير القرآن بين عصر الحضارة وعصر الانهيار

“التساؤل الإبراهيمي نموذجاً”

د.أحمد خيري العمري على الرغم من إيماننا المطلق بتعالي النص القرآني عن تغيرات الزمان والمكان، إلا أننا نؤمن ولا بد، بأن بشرية القراءة لهذا النص (أو التفسير) ليست منزهة عن تغيرات الزمان والمكان، وأن التفاعل الإنساني مع هذا النص محكوم بشروط تحدد نتائجه وتتحكم بمنطلقاته ومعطياته.. وهي شروط مرتبطة ببوتقة التفاعل وبيئته العامة.. وليس المقصود هنا ببوتقة التفاعل وبيئته تفاصيله الصغيرة، بل الاتجاه المجتمعي العام الذي يتحكم بآليات التفكير واتجاهاته، وبالتالي يتحكم بالتفاعل مع هذا النص.. وبطريقة قراءته.. وهكذا فإن النص القرآني نفسه قد يفسر، في مرحلة معينة ما، مرحلة نهضة وازدهار ونمو حضاري واجتماعي، فإذا بالقراءة الناتجة تتسق مع ما في هذه المرحلة من نهضة ونمو وعقلانية قرآنية، وقد يفسر النص نفسه في مرحلة لاحقة، مرحلة انحدار وجمود وصولاً إلى انحطاط على كافة المستويات، فينتج قراءة تعكس الواقع المتردي الجامد، قراءة قد تصل إلى رفض القراءة الأولى باعتبارها تهمة لا بد أن ترد، وقد تصل إلى الخرافة الممجوجة في بعض الأحيان.. ليس أدلَّ من هذا وجود نص واحد، وقراءات مختلفة بحسب طبيعة المحيط الثقافي، من الآيات الكريمة التي تتحدث عن التجربة الإبراهيمية، أولاً في سورة الأنعام: {فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (*) فَلَمّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضّالِّينَ (*) فَلَمّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي هَذا أَكْبَرُ فَلَمّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ (*) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 6/76-79] وثانياً في سورة البقرة: {وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّه

عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 2/260]..

يمكن تمييز خطين تفسيريين في القراءة لهذه الآيات:

التفسير الأول: يتمثل في قراءة أنتجت في عصر ازدهار الحضارة العربية الإسلامية، ممثلة على الأقل في قراءة ابن إسحاق (المتوفى 151هـ) وابن جرير الطبري (المتوفى 224هـ)..

والتفسير الثاني: يتمثل في قراءة أنتجت في عصر تآكل الحضارة العربية الإسلامية وانهيارها ونشوء الدويلات المختلفة، وممثلة في (علماء أجلاء لهم كل الاحترام، لكن الاحترام لن يلغي حقيقة أن قراءاتهم أنتجت في عصر انهيار وتأثرت ولا بد بذلك) هذا الخط ممثلاً في (القرطبي المتوفى 671هـ)، وابن كثير (المتوفى 774هـ).. أي بعد حدوث ما حدث من قواصم للدولة العربية الإسلامية من الصليبيين والمغول وانهيار الدولة المركزية ونشوء الدويلات.. خمس أو ست قرون تفصل بين القراءتين، وهي قرون حدث فيها ما حدث وكان لا بد لذلك أن يؤثر على المناخ الثقافي الفكري الذي يتعامل مع النص..

فلنرَ كيف اختلفت القراءتان بشكل مباشر، خاصة وأن موضع الخلاف الأساسي كان في سورة الأنعام، هو هل كان إبراهيم في موضع (النظر)، أي البحث في الكون عن الإله الحق، أو كان في موضع (المناظرة) مع قومه، حيث كان يؤدي ما يؤديه كي يستدرجهم إلى الإيمان بالله عز وجل؟

التفسير الأول يحسم الأمر بشكل واضح باتجاه “النظر”، أي إن إبراهيم عليه السلام كان يبحث فعلاً عن الحق والحقيقة، وذلك قبل مرحلة النبوة والوحي.. ينقل ابن كثير عن ابن إسحاق (توفي 151هـ) اختياره النظر على المناظرة، بينما يستفيض الطبري في شرح ذلك.. حيث قال في تفسير: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْل رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي} تفسيراً مسنداً لابن عباس جاء فيه: (فَعَبَدَهُ – الكوكب- حَتَّى غَابَ, فَلَمَّا غَابَ قَالَ: لَا أُحِبّ الْآفِلِينَ ; فَلَمَّا رَأَى الْقَمَر بَازِغًا قَالَ : هَذَا رَبِّي! فَعَبَدَهُ حَتَّى غَابَ ; فَلَمَّا غَابَ قَالَ: لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَن مِنْ الْقَوْم الضَّالِّينَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّمْس بَازِغَة قَالَ: هَذَا رَبِّي, هَذَا أَكْبَر! فَعَبَدَهَا حَتَّى غَابَتْ; فَلَمَّا غَابَتْ قَالَ: يَا قَوْم إِنِّي بَرِيء مِمَّا تُشْرِكُونَ) ورد على الأقوال التي تعارض ذلك بعد أن استعرضها قائلاً: (وَفِي خَبَر اللَّه تَعَالَى عَنْ قِيل إِبْرَاهِيم حِين أَفَلَ الْقَمَر: {لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَن مِنْ الْقَوْم الضَّالِّينَ} الدَّلِيل عَلَى خَطَأ هَذِهِ الْأَقْوَال الَّتِي قَالَهَا هَؤُلَاءِ الْقَوْم، وَأَنَّ الصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ : الْإِقْرَار بِخَبَرِ اللَّه تَعَالَى الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ عَنْهُ وَالْإِعْرَاض عَمَّا عَدَاهُ…)

التفسير الثاني: يحسم الأمر بشكل لا لبس فيه، نحو “المناظرة”، بل إنه يرد بشدة على التفسير الأول باعتبار أن النظر هنا تهمة يجب دفعها، وأنها تمس مقام النبوة.. حيث يستفيض ابن كثير والقرطبي في ذلك.. ويذكر ابن كثير: (والحق أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان في هذا المقام مناظراً لقومه مبيناً لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام… وكيف يجوز أن يكون إبراهيم ناظراً في هذا المقام وهو الذي قال الله في حقه: {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين * إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون} الآيات.. كيف يكون إبراهيم الخليل الذي جعله الله أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يكن من المشركين ناظراً في هذا المقام بل هو أولى الناس بالفطرة السليمة السجية المستقيمة بعد رسول الله r بلا شك ولا ريب ومما يؤيد أنه كان في هذا المقام مناظراً لقومه فيما كانوا فيه من الشرك لا ناظراً قوله تعالى..) أما القرطبي فينقل: قال قوم: هذا لا يصح؛ وقالوا: غير جائز أن يكون لله تعالى رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو لله تعالى موحد وبه عارف، ومن كل معبود سواه بريء. قالوا: وكيف يصح أن يتوهم هذا على من عصمه الله وآتاه رشده من قبل، وأراه ملكوته ليكون من الموقنين، ولا يجوز أن يوصف بالخلو عن المعرفة، بل عرف الرب أول النظر. قال الزجاج: هذا الجواب عندي خطأ وغلط ممن قال؛ وقد أخبر الله تعالى عن إبراهيم أنه قال: {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} [إبراهيم:35] وقال جل وعز: {إذ جاء ربه بقلب سليم} [الصافات:84] أي لم يشرك به قط.

ومن الواضح من خلال الخطين أن سؤال النظر والمناظرة كان موجوداً في المرحلتين. لكن الفرق أنه كان محسوماً تماماً باتجاه (النظر) في قراءة الخط الأول، وكان محسوماً بالعكس، في الاتجاه الآخر في قراءة الخط الثاني..

الاختلاف ذاته ينتج مرة أخرى في آية سورة البقرة: {لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260]..

فقراءة الخط الأول، على الأقل الطبري، أنتجت تفسيراً تعامل مع النص القرآني دون محاولة للهروب إلى الأمام أو إلى الخلف، بل يقرر الطبري – بعقلانية وواقعية – بعد أن عرض لمجموعة من الأقوال، أن يقول بعد أن عرض مختلف الأقوال: (وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِتَأْوِيلِ الْآيَة مَا صَحَّ بِهِ الْخَبَر عَنْ رَسُول اللَّه r أَنَّهُ قَالَ, وَهُوَ قَوْله: “نَحْنُ أَحَقّ بِالشَّكِّ مِنْ إبْرَاهِيم, قَالَ: رَبّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى , قَالَ: أَوَلَمْ تُؤْمِن؟” وَأنْ تَكُون مَسْأَلَته رَبّه مَا سَأَلَهُ أَنْ يُرِيه مِنْ إحْيَاء الْمَوْتَى لِعَارِضٍ مِنْ الشَّيْطَان عَرَضَ فِي قَلْبه”.

أما قراءة الخط الثاني، فهي ترفض قراءة الطبري تماماً، وتعتبر أن هذا لا يجوز على الأنبياء صلوات الله عليهم مثل هذا الشك فإنه كفر، والأنبياء متفقون على الإيمان بالبعث. وقد أخبر الله تعالى أن أنبياءه وأولياءه ليس للشيطان عليهم سبيل فقال: {إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ} [الحجر: 15/42]، وقال اللعين: {إلا عبادك منهم المخلصين} وإذا لم يكن له عليهم سلطنة فكيف يشككهم..

وإنما سأل أن يشاهد كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفريقها وإيصال الأعصاب والجلود بعد تمزيقها، فأراد أن يترقى من علم اليقين إلى   عين اليقين.. القرطبي.. انتهى..

أما ابن كثير فمضى في تأويل حديث البخاري، الذي اعتمده الطبري: (فيه نفي للشك عنهما يقول: إذا لم أشك أنا في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى فإبراهيم أولى بألا يشك، وقال ذلك على سبيل التواضع والهضم من النفس)..

قد يتبادر إلى الذهن أن الأمر مجرد مسألة خلافية، وهي قد تكون كذلك فعلاً، لكن هناك مياه كثيرة مرت تحت الجسر خلال القرون الستة الفاصلة بين القراءتين، وهي المياه التي بررت هذا الاختلاف..

فبغداد، حاضرة الحضارة العباسية، التي أنتجت قراءة الطبري، كانت عاصمة النهضة والنماء، وكان التيار العقلاني فيها شديد الرسوخ والوضوح، لذلك فإن حسم (الطبري) هو نتيجة طبيعية لهذه البيئة، على العكس من القراءة الأخرى، التي نتجت في عصر أفول هذه الحضارة، والجمود على موجوداتها، فعكست هذا الأفول والجمود، وأبرزت الخوف الكامن في نمط التفكير من كل ما يتصور أنه يمس هذه الموجودات..

ولم يكن الطبري، أو ابن إسحاق، وهما الأقرب لعصر النبوة، أقل حرصاً على مقام النبوة، لكن مقام النبوة، عندما يكون المناخ نهضوياً ومرتفعاً، يكون مناخ الاقتداء بهذا المقام هو الأساس، والاقتداء يتطلب الإيمان بإنسانية هذا المقام في الدرجة الأولى، وهو اقتداء لن يخدشه أن إبراهيم بحث عن الحق قبل الوحي، بل سيعززه ويعزز مكانة العقل في الإسلام ككل، كما أنه مقام لن يخدشه حقيقة أن سيدنا إبراهيم كان إنساناً قد يكون وقع له ما يقع على البشر..

أمران مهمان يجب ألا ننساهما هنا:

الأول: سيكون من الخطأ وضع التراكم الفقهي والتفسيري كله في سلة واحدة، فما نتج في عصر النهضة الإسلامية الأولى مختلف تماماً عما نتج في عصور أخرى، خاصة إذا كان هذا النتاج الأخير مكرساً لما ترسخ في المجتمع من جمود وتقليد، لذا فإن الحديث عن “القطيعة” أو عن “التواصل”  مع “التراث” لا ينبغي أن يكون بمعزل عن البيئة التي أنتجت هذا التراث، هل كانت بيئة النهضة والحضارة والنمو؟.. أو كانت بيئة النكوص والجمود؟..

الثاني: لا يعني هذا أبداً أن كل ما أنتج في قرون الجمود جامداً.. فهناك قراءة استطاعت أن تخرج من إطارها الحضاري وكانت تقصد النهضة والبناء، ابن تيمية وابن خلدون والعز بن عبد السلام والشاطبي، كلهم أمثلة على قراءات أنجزت في عصر لا يمكن اعتباره مقارباً لعصر النهضة الأولى، ولكنها كانت تنزع إلى غير ما هو سائد في المجتمع، ولذلك نرى أن هذه القراءات لم تكرس ولم ترسخ في أذهان عموم الناس.. لم تدخل في صلب ما هو “مؤسس” في أذهان الناس..

اللافت هنا أن السائد والمهيمن حتى الآن، والذي يجري تداوله، هو قراءة الخط الثاني، بحسم تام أحياناً، وحتى دون أن يذكر وجود تفسير آخر، وهو أمر لا يجب أن يكون مستغرباً.. فعصرنا الحالي بالتأكيد هو أقرب إلى القرن السابع الهجري، عصر الانهيار والدويلات، من عصر الطبري، عصر النهضة والبزوغ و الحضارة..