تفكيك السلمية الدينية : د.أحمد قطشة

تفكيك السلمية الدينية

د.احمد قطشة


لا يهدف هذا المقال لدحض فكرة السلمية، أو الحديث عن جدواها في الثورة السورية، فمثل هذا النقاش طويل ومستمر(يمكن مراجعة نقد السلمية كفكرة بكتابات مالكوم إكس أو جورج أوريل على سبيل المثال). لكن نركز هنا على إصرار بعض السلميين المتدينين على ربط هذه الظاهرة مع الدين الإسلامي ومسخ الكثير من أحكامه لصالح تفسيرات عصرية للإسلام تتناسب مع مايريد الإنسان الغربي تحديداً سماعه (لايعني هذا إتهاماً لهم، بل هي من الموافقات ونعتقد أنها مصادفة لا أكثر).

سنقوم هنا باستعراض بعض دفاعات هذا الفريق ومقاربتها لنرى مدى دقتها وصحتها. ولن ندخل هنا أيضاً في تفسيراتهم للدين الإسلامي وأحكامه ومدى ضرورة التزام الفرد المسلم بهذه الأحكام، فهي نقاشات طويلة لامحل لها هنا.
1. الفكرة الرئيسية التي يتم الترويج لها من أنصار هذا الفريق أن مرحلتنا الحالية تقابل المرحلة المكية من الدعوة، وهي الفترة التي لم يؤمر بها الرسول عليه الصلاة والسلام بأي عمل عسكري ضد كفار قريش. وبالتالي هم يسقطون أحكام تلك المرحلة على حالتنا هذه، (يسقطونها فعلياً على حال الأمة ككل في مقابل القوى العظمى)، ومن هنا فإنه علينا ألا نقوم بأي عمل مما يسمونه هم “بالعمل العنفي”، ويدخل في ذلك نوعي الجهاد، جهاد الدفع وجهاد الطلب.
مصدر القياس هنا لديهم هو أن الصحابة في المجتمع المكي كانوا قلة ضعيفة، وبناءً على ذلك فعلينا ألا نقوم حتى بالدفاع عن النفس في مواجهة القتل اليومي الحاصل ( مايزال فريق منهم يرفض فعلياً ذلك وإن كان بعضهم قبل بمبدأ الدفاع عن النفس على مضض).
هناك عدة نقاط يمكن التوقف عندها هنا:

• لايمكن حقيقةً تشبيه هذه المرحلة بأي مرحلة في التاريخ، فالإسقاطات صعبة جداً وهناك تباينات كبيرة بين كل مرحلة، لكن طالما أنهم يريدون تشبيهاً فهناك مرحلة أشبه بما نحن فيه من المرحلة المكية، فالمرحلة المكية تشبه مرحلة ماقبل الثورة.
• إن كان ولابد من إيجاد شبه ما مع مرحلة ما، فالأدق أنها أشبه بمرحلة صلح الحديبية. بالتحديد حالنا أشبه بحال الصحابة (أبو بصير عتبة الثقفي ورفاقه) الذين فروا من مكة بعد الصلح، ولم يقبلهم رسول الله عليه الصلاة والسلام في المدينة بسبب عهده مع قريش، فأبوا أن يعودوا لقريش، ريثما يحصلون على الإذن بالوصول للمدينة. وهكذا نحن اليوم، خرجنا من الظلم والإضطهاد ولم نصل بعد للمدينة، هل هناك شك بشرعية قتال الظالمين في تلك المرحلة؟ مع أن الأفعال التي قام بها أؤلئك النفر هي ماقام به بالضبط الكثير من أفراد الجيش الحر في البداية وواجهوا هجوماً عنيفاً عليهم بحجة السلمية الدينية.
• لو قبلنا جدلاً أن ماقام به النبي عليه الصلاة والسلام كان ثورة، فيمكن بكل تأكيد الخروج بقاعدة عامة من ذلك الفعل، وهي قاعدة عامة في كل الثورات الكبرى التي غيرت وجه البشرية، وأسقطت فرضيات وأنشأت فرضيات جديدة مكانها، أن هناك فترة سابقة على الفعل الثوري، هي فترة التنظير وصنع النظرية الثورية، يمكن القول أنها فترة البناء للإنسان الثوري، ليكون جاهزاً في لحظة الثورة وبعدها لمرحلتي الهدم والبناء. من هنا يمكن القول أن المرحلة المكية كانت مرحلة بناء الإنسان وصنعه، ومن هنا لم تكن هناك أحكام بالقتال لإن هذا الإنسان لم يكن جاهزاً بعد وليس لكونه ضعيف وهذا فارق كبير جداً، فالرسول عندما كان يرى الصحابة يشتكون إليه لم يثبت أنه أجابهم كلا فنحن ضعفاء (في القرآن الكريم يُلام الضعفاء على عدم خروجهم من الأرض)، بل قال لهم اصبروا. فمرحلة التمكين لم تبدأ بعد، لم يكن الصحابة قد نضجوا بعد لتطبيق النظرية الدينية، لم يكن قد اكتمل بناؤهم. من هنا لايمكن القبول بالقول أن عدم ورود أوامر القتال كان بنتيجة ضعف الصحابة، والأدق أنها كانت فترة المرحلة النظرية من الاسلام، مرحلة صنع الفرد المسلم والنظرية الاسلامية لتكون جاهزة لحظة التطبيق في المرحلة المدنية.
• أكثر من هذا فإن أول سيف شهر بالإسلام كان في مكة، ومنذ أيام الإسلام الأولى، ففي المستدرك على الصحيحين عن عروة بن الزبير، قال: كانت نفحة من الشيطان أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد أُخذ، فسمع بذلك الزبير وهو ابن إحدى عشرة سنة، فخرج بالسيف مسلولاً حتى وقف على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (ما شأنك؟)، فقال: أردت أن أضرب من أخذك، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم ولسيفه، وكان أول سيف سل في سبيل الله عز وجل. لم يقل له: كلا فنحن مازلنا ضعفاء، ونحن قلة، ولم ينهه عن فعله، بل دعا له، مما يعني موافقة له على فعله، وفي واقع الأمر أن هذا يدل أن بعض الصحابة كان قد اكتمل البناء فيهم، كعمر وحمزة، حمزة الذي شج رأس أبي جهل، ولم يعاتبه عليه الصلاة والسلام في استعمال القوة حينها.
• القول أن أحكام المرحلة المكية هي السائدة اليوم وليست أحكام المرحلة المدنية فهذا يعني فرض الزمن على النص، وحصر النص الديني بالفترة الزمنية وجعلها متفوقة عليه، في حين أن النص القرآني يسمو على الزمان والمكان و لاينحصر تطبيقه بـأحدهما أو كلاهما. بل والأخطر من ذلك، فإن هذا يعني الانتقائية في التعامل مع النص القرآني، واختيار مايناسب القناعة المسبقة وهذا منهج خاطئ في التعامل مع القرآن الكريم.
• لو فرضنا دقة التشبيه وصحة هذا الاسقاط (أن مرحلتنا هي المكية) فإن المفروض حينها هو الهجرة من الأرض وبناء دولة التمكين وليس مقاومة الحاكم، فلم نعرف أن الصحابة قاموا بحركة مقاومة أو مظاهرات في الفترة المكية (سنناقض هذا لاحقاً).

2. من الأحاديث التي يقوم الربط بين السلمية والدين الإسلامي بها هي قوله عليه الصلاة والسلام (كن كخيري إبن آدم)، والحقيقة أن هذا الحديث يحتاج للتوقف عنده وفهمه، ثم نرى هل ينطبق علينا أم لا.
• ورد الحديث بعدة صيغ جميعها تدل على ذات المعنى، وورد أيضاً بكلمات مختلفة كلها تدل على نفس المعنى، بل وفيها انه حتى إذا دخل بيتك وقاتلك، فإنك تلزم بيتك ولاترد القتل. فهل هذا فعلاً هو المقصود، وهل هو مطلق؟
• إن كل الأحاديث التي ذكرت هذه المقولة، قد جاءت ضمن حديثه عليه الصلاة والسلام عن الفتن بين المسلمين، تلك الفتن التي لايُعرف فيها صاحب حق ولايتبين فيها صحة موقف، بل تكون الأمور ضبابية غائمة، لانعرف رأس الأمر من ذيله، فحينها تكون فتنة لا يدري القاتل فيما يقتل ولا المقتول فيما يُقتل، فهل فعلاً لا يدري الآن القاتل فيما يقتل ولا المقتول فيما يُقتل؟ لو تجاوزنا أن الطرفين مسلمون يتقاتلون.
• من المعروف في الدين الإسلامي عند استنباط الأحكام أنه لا ينظر لحديث واحد ويبنى عليه حكم، بل ينظر لجملة من الآيات والأحاديث، ويجمع التوافق بينها ثم يكون الحكم بناءً على مجموع هذه الآيات والأحاديث، وهذا ينطبق بطبيعة الحال على المسألة هنا.
• من ذلك مارواه عبد الله بن عمرو رضي اللَّه عنهما، عن النبي – صلى اللَّه عليه وسلم، أنه قال: (من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل، فهو شهيد). ومن ذلك أيضاً قوله تعالى {فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} الحجرات: 9 ، ومن ذلك قول عليه الصلاة والسلام (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً قال: كيف أنصره إذا كان ظالماً؟ قال: ترده عن ظلمه) وقوله عليه الصلاة والسلام (المسلم أخو المسلم يسعهما الماء والشجر ويتعاونان على الفتان). بل وجدت إجماعاً من علماء الشريعة على ضرورة دفع القاتل وقتاله في حال استهدف العرض في فتنة أم في غيرها. فكيف يستقيم أن يغلب حديث واحد مجموع الآيات والأحاديث المقابلة له، وهذا ولم يُعدم التوفيق بين هذه النصوص، لنقول أن نصاً نسخ نصاً آخر، وهذا ليس مذهبي.

3. يدفعون أحكام الجهاد وآياته بالقول (عدا القول بالمرحلة المكية) أن هذه الاحكام تحتاج لحاكم ليقوم بها، كما تحتاج لضامن يضمن عدم حيدها عن اهدافها وعدم تجاوزها لضوابطها وهنا يوجد نقاط
• تتعلق أغلب الانتقادات التي يوجهها أنصار هذا التيار للمؤسسة الدينية التقليدية بكونها أضافت قيوداَ على النص القرآني أو النبوي، عبر شروحات وتفاصيل لم ترد في النص الأصلي، وهي بذلك أعاقت النص وقيدت معناه. مايقوم به أنصار السلمية الدينيين هو شيء مشابه لهذا، لا أعني كلامهم عن ضرورة وجود حاكم، أو عن ضرورة الالتزام بالضوابط الشرعية عند تطبيق هذه النصوص، بل مايحدث أنهم يقيدون نصوص الجهاد أو نصوص المرحلة المدنية دوناً عن نصوص المرحلة المكية.
• من ذلك مثلاً ضرورة وجود الحاكم وأخذ إذنه بالقتال، لكن في المرحلة المكية، لو نظرنا لما قام به عمر بن الخطاب أو عبد الله بن مسعود من قراءة القرآن جهراً أو الطواف حول البيت على أنه فعل مقاومة سلمي ( هذه النقطة لم ينتبه لها أحد من السلميين الدينيين ولم يذكروها ضمن هذا السياق، وها أنا أضعها لهم لأثبت قرائتهم المنقوصة للتاريخ*) فإن كلا الصحابيين كانا قد أخذا الإذن من الرسول عليه الصلاة والسلام قبل فعل ذلك.
• طبعاً هم لايقولون كما أشرت أن هذا فعل مقاومة سلمي، وبالتالي لم ينتبهوا لوجود هذا الحاكم في المرحلة المكية. أهمية هذه النقطة تكمن أنه إذا كانت أوامر القتال في المرحلة المدنية (وهي مرحلة القوة) تحتاج لحاكم وآمر، فإن أحكاماً أقل “عنفاً” في المرحلة المكية احتاجت إذناً من رسول الله عليه الصلاة والسلام. وبالتالي فإنه حتى الخروج في مظاهرة يصبح فعلاً بدون إذن من الحاكم، وحتى الكتابة على الحائط يصبح فعلاً غير أخلاقي لكونه لم يحصل على إذن الحاكم، ووفق هذا المنطق تصبح الثورة كلها فعلا يحتاج لاذن خاص من الحاكم الشرعي للثوار (طبعا لن ندخل في كيفية تحديده وشروطه).
• وحتى لو كان ردهم، أن الصحابة إحتاجوا الإذن لعلمهم بعنف ردة فعل قريش، نكون نحن من باب أولى بحاجة لهذا الإذن لعلمنا بعنف النظام وردات فعله.
• من نافلة القول التذكير بأنه لا أحكام فقهية فرضت في المرحلة المكية وبناءً عليه هل علينا التوقف عن احكام الصلاة والصيام حتى تقوم الدولة المدنية.

3-فتح مكة سلمياً؟
إحدى الحجج التي يروجونها أن مكة فتحت سلمياً ولم تكن معركة كبقية المعارك، ما يعني انتصار السلمية في النهاية على “العنف”، وهنا توجد عدة نقاط:

• بدايةً لايمكن تصور الحديث عن فتح مكة، دون قبول المعارك الكبرى التي حدثت قبله، معركة بدر، وأحد والأحزاب. لا يمكن القول أننا نريد من المرحلة المدنية هذه الجزئية، في حين نتغاضى عن بقية المرحلة فقط لإنها لاتعجبنا، أو لإنها لاتنطبق على أفكارنا المسبقة.
• من الحوادث التي حصلت قبل فتح مكة، هناك حادثة مميزة، بين رسول الله عليه الصلاة والسلام وبين أبو بكر الصديق، وفيها أن أبو سفيان لما خرج خائباً من محاولته في تليين الرسول عليه الصلاة والسلام وتليين قلب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وثنيهم عن فتح مكة، أتى (أبو سفيان) على سلمان و صهيب وبلال في نفر، فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها. قال فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره. فقال عليه الصلاة والسلام: ” يا أبا بكر لعلك أغضبتهم؟ لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك” فأتاهم أبو بكر فقال: يا إخوتاه أغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أخي. فهل هذه مقدمات حرب أم مقدمات فتح سلمي؟
• خرج الرسول عليه الصلاة والسلام لفتح مكة في جيش ينوي القتال، كان رمضان، وأمرهم بالفطر ليتمكنوا من القتال، لم تكن النية فتحاً سلمياً.
• نعم كان الرسول يريد حقن الدماء تعظيماً لبيت الله الحرام وليس (سلمية)، ومع ذلك كانت أوامره واضحة، القضاء على أي مقاومة قد تواجه الجيش، من ذلك ماحصل لخالد بن الوليد رضي الله عنه وقتله لرجلان من كفار قريش كانوا مع آخرين في الخندقة وأمطروا قوة خالد بالنوابل مما اضطره للتعامل معهم بالقوة.
• في فتح مكة أيضاً حادثة مشهورة، لايشيرون إليها كثيراً، في مقابل قوله عليه الصلاة والسلام (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن)، الحادثة أنه عليه الصلاة والسلام أمر بقتل ستة أشخاص من مشركي قريش حتى لو تعلقوا بأستار الكعبة يومها، فهل يعقل أن يأمر بقتلهم وهو من أعطى الأمان لكل من دخل البيت الحرام يومها؟ هذا بلاشك يعني أن هناك حدوداً لكل شيء. ولو أخذنا بالنسبة والتناسب بين عدد سكان مكة حينها، وبين هؤلاء الستة، فسنكون أمام نفس النسبة تقريباً بين من يرتكب الفظائع اليوم لعدد السكان، هؤلاء لايمكن التسامح معهم بأي شكل، يجب أن ينالوا القصاص العادل.
• فهل بعد هذا يمكن القول أن مكة فتحت سلمياً؟

يتبين لنا بعد هذه المناقشة لأهم أدلة أنصار هذا الفريق، أنه لارابط حقيقي بين السلمية كنهج استراتيجي لاحياد عنه، وبين النصوص والحجج التي يتم الاستناد عليها لتقوية هذا المعتقد. مع ملاحظة أن كلامي هنا لايعني أن الدين الاسلامي دين عنف، أو يحض على الإرهاب أو قتل الأبرياء، فهذا نقاش مختلف. وإن أراد أنصار السلمية المتابعة بها والاستمرار بالدعوة لها، فهذا شأنهم ومايعتقدون، لكن رجاءً لايغيروا في الدين وفي التاريخ للإقناع الناس بمايريدون.**

*أحدهم أراد أن يستشهد بقصص الأنبياء في معرض دفاعه عن السملية، فاستشهد ذات مرة بنوح عليه السلام في سياق صبره على الكفار ونسي دعائه الشهير في نهاية المطاف (مع التأكيد على نهاية المطاف)، واستشهد بموسى عليه السلام بدعوته لبني اسرائيل بالصبر في سياق أن السلمية لا تصنع المعجزات، ونسي أن اكثر نبي أتى بالمعجزات لقومه كان موسى عليه السلام.

**من ذلك نهي أحدهم للشباب الثاثر أن يتمنى الشهادة في سبيل الله، بحجة أننا نريد شباباً يعيشون في سبيل الله، وهذا كلام حق (لن أقول أريد به باطل، لكن بحسن نية أخطئ قائله فيه). فالحق أن أحداً لايتمنى ولايجب أن يتمنى الموت، لكن تمني الشهادة هو أمر مختلف تماماً، والشهادة قد تدرك بالموت على الفراش كما ورد في حديث أبي مالك الأشعري مرفوعاً، ولعل الأمر إلتبس عليهم وربطوا الشهادة بالقتل في المعركة، فأرادوا التنفير من المعارك بالتنفير من طلب الشهادة.