عمر يختار قالبه..

عمر يختار قالبه ..

أحمد خيري العمري

من كتاب قادم ، عن عمر بن الخطاب…..


خلقنا من طين.

ونبقى كذلك من عدة جوانب…

لكن جوانب الطين فينا لن تكون من ذلك الطين الذي تعودنا عليه..

بل ستكون من نوع خاص منه ، نعرفه أيضا…واستعملناه صغارا، وربما لا نزال نشتريه لأولادنا..

أنه الطين الملون..

الطين الصناعي…

يبقى جزءا من شخصياتنا  كالطين ، ..

الصناعي تحديدا..

***************

نولد ومعنا مقدرات معينة ، مواهب فطرية لم نبذل جهدا في الحصول عليها ، بعض من الصفات التي يمكن أن تكون غير متوفرة عند البعض الذين يملكون بدورهم صفات أخرى..

نكتسب بعد ولادتنا، مهارات وخبرات من محيطنا، بعضها ينمي من صفات ومواهب كانت موجودة و لكنها خافتة أصلا،…بعضها يستثمر ما هو موجود أصلا..وبعضها يضيف –بالتدريب والصقل –ما لم يكن موجودا أصلا..

كل هذه الصفات، بمعزل عن كونها فطرية أو مكتسبة،…كلها توضع في قالب معين من القوالب المتوفرة  من حولنا ، بعبارة أخرى : نوضع نحن ، بما فينا من صفات ، في أحدى القوالب الجاهزة من حولنا..

لمن يعود الفعل في “نوضع”..ليس إلى “نحن” بالضرورة.ليس إلينا.كثيرا ما نوضع داخل قوالب لم نخترها حقا..بل اختارها المجتمع من حولنا ، بل ربما جعلنا نتصور أننا نختارها..زور رغبتنا بالتدريج وجعلنا نقتنع أن قالب “الطبيب” أو “المهندس” أو “رجل الأعمال” هو الأنسب لنا ، أو الأنسب لما نملكه من صفات..

كم من متفوق وئدت رغباته الحقيقية تحت قوالب المجتمع البرّاقة..ربما يكون نجح فعلا بما أوتي من مواهب ..لكن روحه الحقيقية كانت لا تريد بريق ا اجتماعيا عابرا..بل تريد نورا يزيدها سطوعا..

قوالب المجتمع التي تقسر طيننا الصناعي على التقولب فيها هي فخ متقن أحيانا للتخلص من أعظم وأنبل  ما فينا ..بالضبط لتدجين أعظم وأنبل ما فينا..يمكن لبعض قدراتك ومواهبك أن تساهم في تغيير المجتمع ، في جعله أفضل ، لكن ذلك لن يكون بالضرورة عملا مناسبا للبريق الاجتماعي ، لن يؤمن بالضرورة متطلبات الرفاهية ،..بالمقابل ، فأن المجتمع ، بكثير من مؤسساته المستفيدة من بقائه كما هو ، قد  يروج لقوالب معينة ، يدفن فيها الموهوبون مواهبهم ، مقابل أن يحصلوا على متاع زائل ، والكثير من الاحترام الزائف..

يمكن لشخص يملك موهبة القيادة ،أن يقنع بقالب ضيق، فيقود مؤسسة ربحية ، بدلا من أن يتسع حجم طموحه إلى قالب أن يقود مجتمعه أو أمته..

ويمكن لمن يملك موهبة القبول أن يقنع بقالب سطحي يستخدم موهبته في التسويق والترويج لما هو زائل..بدلا من أن يستثمرها في نشر بذور الوعي والإيمان والعمل..

ويمكن لمن يملك ذكاء وقادا أن يقنع بمهنة توفر له متطلبات لم تكن يوما ضرورية، بدلا من أن يستخدم ذكاءه هذا في توفير متطلبات حقيقية..

أنها قوالب موجودة..

ونحن من طين صناعي..

نتكيف من خلالها..، نتشكل كما يريد القالب..وشيئا فشيئا..يصير ذلك القالب كما لو أنه خلق لنا ، أو أننا خلقنا له..

مجرد تعود..

************

وعندما تملك الوعي والإرادة، فأنك تختار “القالب” الذي تكون فيه ما أرادك الله أن تكون.. القالب الذي تزدهر فيه صفاتك التي شاء الله أن تكون فيك..ويكون فيه ما تحارب الصفات التي شاء عز وجل أن يختبرك فيها..

لكل منا قالبه “الأنسب” الذي يمكننا من خلاله أن نكون ما أرادنا الله أن نكونه..

********

وأين تجد قالبك الأنسب هذا ؟..

ستجده عند من خلقك.

هو الأعرف بما يناسبك وما لا يناسبك…

عندما يكون لديك جهاز كهربائي من ماركة معينة ، فأنك تراجع “كتيب الاستعمال” الذي يخص الشركة المنتجة..لن تذهب حتما إلى شركة أخرى..ولن تذهب حتما إلى كتيب استعمال يخص جهازا أخرا..

منطق !…

*****************

ووجد عمر بن الخطاب ما يمكن أن يتشكل طينه من خلاله..

ولم يكن يشبه ما سيفكر أغلبنا فيه !..

***************

لسنا متأكدين من شيء إلا أن تلك الآيات كانت مثل القالب الذي احتوى الطين العمري بكل ما فيه من قدرات وصفات..كان ذلك القالب هو البيئة التي أثمرت فيها صفات عمر ليتشكل عملاقا ساهم في صنع أعظم حضارة عرفتها البشرية..

لم يخبرنا عمر بسند أو حديث عن تأثره بتلك الآيات تحديدا..

لكن كل سيرته ، كل ما في حياته ، ينقل لنا أنه هو  قد “وشم” بتلك الآيات، أنها قد “شكلته”..قد وضعته في قالبها العملاق..وجعلته ، بالتدريج..يصبح عملاقا ليكون على مقاسها..

عن أي آيات نتحدث..

عن آيات في سورة، كان سبب نزولها مرتبط بإسلامه، رضي الله عنه..

سورة ص..

******************

نقل القرطبي والنيسابوري: لما أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه شق على قريش إسلامه فاجتمعوا إلى أبي طالب وقالوا: اقض بيننا وبين ابن أخيك !

فأرسل أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: بابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء، فلا تمل كل الميل على قومك.

قال: ” وماذا يسألونني ” قالوا: ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” أتعطونني كلمة واحدة وتملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم ” فقال أبو جهل: لله أبوك لنعطينكها وعشر أمثالها.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” قولوا لا إله إلا الله ” فنفروا من ذلك وقاموا، فقالوا: ” أجعل الآلهة إلها واحدا ” فكيف يسع الخلق كلهم إله واحد.

فأنزل الله فيهم هذه الآيات: ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ (1) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (2) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (3) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4) أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (7) أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (8) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (9) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (10) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (11) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (12)

كانت تلك هي الايات الأولى من سورة ص..

قريش تزلزلت بإسلام عمر ، أدركت أن الأمر قد بدء يخرج عن السيطرة، وصارت تبحث عن وسيلة لاحتواء الدين الجديد ، للتعايش معه..بدلا من أن يأتي وقت لا تجد فيه مكانا لها بتمدده..

العرض واضح ، دعنا وشأننا ، ندعك وشأنك…

والجواب أوضح : الحجر الأساس للدين الجديد، للحضارة الجديدة التي ستبنى على هذا الحجر، يتناقض مع تعايش من هذا النوع ..

لا إله إلا الله” في جوهرها ، تحتوي، بوضوح لا يمكن  المساومة معه ، على “نفي” لكل إمكانية مساومة عليها..

هذه الـ “لا”..تسمى لا نافية للجنس.

أنها ” تنفي ” كل إله دون الله..

تنفي كل ما يمكن أن يزيح هذه الــ”لا”..

أو يقنعها ..أو يؤجلها..أو يجعلها “نعم” مغلفة..أو “لا” خجولة..

***************

لا ريب أن عمر بن الخطاب كان يتفاعل مع كل ذلك بشدة…

فالسورة ، أو مقدمتها على الأقل ، نزلت وسط تداعيات إسلامه..

ورئيس فريق التفاوض ، كان عمرو بن هشام ، العمر الآخر الذي دعا الرسول أن يعز الإسلام بواحد منهما..

والموقف النبوي الصارم الحاسم..

ثم الآيات…

كل ذلك كان ولابد قد جعل عمرا ينفتح ، إلى الحد الأقصى مع الآيات..

وهناك ، وهو في أقصى حالات تفاعله ، ستكون هناك آيات معينة ، ..لا يمكن أن يمر عليها من هو مثل عمر ، دون أن تجعله يستخرج منها ، من نفسه ، كنوزا  لم تخطر يوما على بال أحد..

******************

وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (19) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (20) وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إلى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ (25) يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26) ص 17-25

ها هو الطين العمري ، يصب في القالب الذي تقدمه سورة ص..السورة التي نزلت “بسبب” تداعيات إسلام عمر..

فكيف لا يقف عمر ، الذي يريد أن يعوض شدته السابقة ، الذي يريد أن يثبت مصداقية ظن الرسول الكريم به ، كيف لا يقف أمام ذلك القالب..ويحاول أن يصب نفسه فيه..؟!

******************

فلننتبه هنا إلى أن سياق الآيات لم يقل عن سيدنا داود أنه نبي !.

ونحن نعرف أنه نبي..

لكننا نعرف، كما يعرف عمر بن الخطاب جيدا ، أن النبوة ليست قالبا يمكننا أن نصب أنفسنا فيه..ليست شيئا يمكن أن نحاوله..

لكن السياق القرآني ، يجنبنا كل حرج..فهو يتحدث عن داود دون أي إشارة إلى نبوته ، كما لو أنه يمنح المزيد من التشجيع لمن يمتلك المؤهلات والقدرات على أن يسلك الدرب دون تردد أو وجل..

سيدنا داود في هذه الآيات ، هو عبد لله ، وهو أيضا ذو الأيد..

هو يمتلك يدين فقط ، مثلنا جميعا ، لكنه يستخدمهما أقصى استخدام..فإذا بها تبدو كما لو كانت “أيد”..وهذا يعني أنه في أقصى الممكن من الفاعلية ..في حالة نشاط دائم دءوب..يد هنا ويد هناك..

ماذا عن تسخير الجبال والطير ؟..لم يكن هذا قط من مستلزمات النبوة ، ومحمد النبي  بل خاتم الأنبياء، عليه صلاة الله وسلامه ، والذي تنزلت عليه هذه الآيات تحديدا، لم يكن يمتلك “تسخير” الجبال له..ولم يكن ذلك قدحا في نبوته..

إنما التسخير يأتي لمن يفهم أسرار الاستخدام ، ..لمن يستطيع أن يستثمر الوسائل ويضعها في سياق مناسب للإفادة منها..سواء كانت دابة..أو طيور..أو رياح..أو جبال..أو أي معدن أو ثروة خام من ثروات باطن الأرض وظاهرها..

ثم تأتي “الحكمة” لتكون عاملا يشد المُلك ويقويه ، كما لو أن الملك يؤدي بطبيعته إلى فقدان التوازن الذي لن يستعاد إلا بالحكمة، كي يشد ويقوى..

وتكون الحكمة هنا  رديفة لفصل الخطاب..وفصل الخطاب هو الحسم الذي يعرفه عمر ونعرفه عنه..أنه الثبات الذي لا يقبل المساومة..وكونه يأتي مع الحكمة هنا تذكير لنا بأن “الحكمة” لا تعني دوما ما يشاع عنها من كونها ليونة ومرونة تصل حد تضييع الثوابت..

لا.الحكمة مع فصل الخطاب هي التوازن الذي يتمسك بالثوابت..ولا يقبل حتى فكرة التفاوض عليها ، فصل الخطاب يعني ببساطة وجود أمور فيها “حق” واحد ، حقيقة واحدة ، خطاب واحد ، أمور لا تخضع للآراء أو وجهات النظر أو “النسبية”..وهو أمر بالغ الأهمية في مرحلتنا الحالية حيث تتعرض الكثير من الثوابت للتقزيم والتمييع..

فصل الخطاب ، خطوط حمراء نحفظ بها هويتنا وثوابتنا ومرجعيتنا ..وعزتنا..

ثم تأتي حادثة الخصمين والنعاج لتثير مسألة العدالة الاجتماعية وتقليص الهوة بين الفقراء والأغنياء..

تقول لعمر أن هذه العدالة هي صلب هذا الدين ، وكان عمر قد جرب في طفولته شظف العيش وقسوته وعرف تماما ما معنى أن يستأثر الملأ بكل شيء وأن يأخذ الفقراء الفتات الذي بالكاد بكفيهم أودهم..

في كل حياته ستكون هذه المحطات شديدة الوضوح في سيرته الشخصية وغير الشخصية ، سيرته وهو يبني الحضارة ..لكن مع أشخاص مثل عمر لا فرق هناك ولا مسافة بين الشخصي وغير الشخصي ، وهذا ما يجعلهم “عظماء” و”مؤثرين” على محيطهم الذي حولهم والعالم الذي يعيشون فيه..

لو أبقينا هذه الآيات في ذهننا ونحن نتابع حياة عمر ، ابتداء من هذه اللحظة ، وهو لا يزال في مكة قبل الهجرة لوجدناه “يتمثلها ” حرفا حرفا…لو استطعنا إجراء تحليل حامض نوووي  دي ان أي ، لكل فعل أنجزه الخطاب ، لوجدنا هذه الآيات في سورة ص التي نزلت بعد تداعيات زلزال ولادته كعمر جديد في مكة..

ذا الأيد ؟ كان داود ذا أيد..

وعمر كان ذا أيد أيضا ، قائمة منجزاته تبدو أحيانا كالخرافة !…من الصعوبة جدا أن تصدق أن زعيما تاريخيا قد قدم كل ما قدمه عمر في تسع سنوات فقط من حكمه..لكن عمر لم يكن أسطورة ، ولم يكن شخصا خارقا ، بل كان شخصا اختار أن يضع “طينه” في قالب عبودية عملاقة ، قالب داود ذا الأيد..

التسخير؟ سنرى عمرا يحلق في أسرار الاستخدام ، سنراه وهو يبني السدود ، يشق القنوات ، يحفر الأنهار….

الحكمة وفصل الخطاب ؟ من الصعب أن نجد موقفا واحدا  لعمر لا تتجلى فيه هذه الصفة..من الصعب أن نجد قائدا عبر التاريخ كان أقرب إلى الحكمة وفصل الخطاب –التمسك بالثوابت..كل الساسة في العالم يعتبرون أن السياسية هي “فن الممكن”..وهم يعبرون بذلك عن تغييرهم المستمر لما يطالبون به ..أما عمر فهو صاحب” فصل الخطاب“..صاحب الثبات على المبدأ عندما يكون التنازل عنه “هزيمة” حتى لو انتصرت بمعايير خصومك ، فالانتصار يجب أن يكون بمعايير مبادئك وقيمك حتى يكون نصرا حقيقيا..

لكن ما وجه المقارنة بين ساسة فن الممكن وبين عمر ؟

لا مقارنة.نظلمهم إذ نضعهم في أي مقارنة.

قد تكون السياسة هي فن الممكن.

لكن الحضارة هي فن الإيمان بأنه يمكنك أن تبني على ثوابتك بناءاً شامخا عزيزا..

وعمر ، لم يكن رجل سياسة إلا بقدر ما لا يتعارض ذلك مع كونه رجل حضارة..

وكان ذلك في احيان كثيرة لا يتعارض..

بل سيرته تثبت ، أن رجل السياسة في داخله ، قد انتفع جدا من رجل الحضارة…وأنه قدم وجها حضاريا لسياسة شرعية بوجه حضاري..

**********************

العدالة الاجتماعية !…

وحدها هذه يمكن أن تستغرق مجلدات في سيرة عمر..!..هل نتكلم عن أكياس الدقيق التي يحملها على ظهره أو على محاسبته لعماله..أو على بائعة اللبن؟..

كل منها محطات مضيئة في سيرته ، وفي كل منها تجد تلك الآيات التي صب عمر  نفسه في قالبها …

*******************

يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى..

علم عمر أن هذا هو الحد الأقصى لما يمكن لإنسان أن يكونه…، بعد مقام النبوة الذي ليس مجالا للتنافس..

اختار هذا ..

وعرف أن الدرب إليه يجب أن يمر بالحكم بالحق، وبعدم إتباع الهوى…

صار عمر “خليفة في الأرض” قبل أن يبايعه أحد بفترة طويلة..

صار خليفة ، بمعنى أن تكون كل أفعاله ، محكومة بالحق، أن تكون رؤيته لما حوله محكومة بالحق..

وأن يكون في صراع حاد مع الهوى..

وهذا ما نجح فيه عمر حتى قبل أن تكون إمارته للمؤمنين أمرا مطروحا..،بل حتى قبل وفاته عليه الصلاة والسلام….وقاده إلى أن يكون الخليفة ، ربما الأكثر شهرة وتأثيرا ..بين كل خلفاء الإسلام…

بل بين كل زعماء الإنسانية وقادتها ومصلحيها عبر التاريخ..

*****************

عندما نختار لحياتنا مسارها، فأننا نختار، دون وعي منا قالبا ذكر بطريقة أو بأخرى في القرآن الكريم..

البعض يختار قالب الخوض مع الخائضين..

والبعض يختار قالب “أبي جهل”…قالب” أسفل السافلين”..

البعض يكون مذبذبا ، لا إلى هؤلاء ولا إلى أولئك.. يختار قالب “المنافقين”..

البعض يختار “قالب المخلفين”..

البعض يختار قالب “الدواب”..قالب “الأنعام” بل أضل سبيلا..

..قالب “ليتني كنت ترابا”..

….

والبعض مثل عمر ، يختار قالب صانع الحضارة..

قالب “خليفة في الأرض”…

….

السؤال هو : ماذا تختار أنت ؟


على الهامش : لم يكن مصادفة أبدا ، أن عمر ، حين فتح بيت المقدس ، وتقدم في الصلاة ، قرأ في آيات سورة ص تحديدا…

ليست مصادفة أبدا…

لقد اختار قالبه.وأوصله ، وأوصل العالم معه ، إلى الفتح…

ربيع عمر “الآخر”….

ربيع “عمر” الآخر…

أحمد خيري العمري

مرة أخرى ، من كتاب قادم ، عن عمر بن الخطاب..


بعض الناس الحياة بالنسبة لهم “وجهة نظر”…يعتنقون وجهة النظر هذه أو تلك.ولا يرون مشكلة في التخلي عنها لاحقا لصالح وجهة نظر أخرى رأوا أنها أكثر وجاهة لاحقا..

بعض الناس يرون كل ما في هذه الحياة باعتبار أنه ليس أكثر من “وجهة نظر”، يمكن أن تكون عابرة حتى لو لم يغيروا شيئا فيها..

وجهة النظر ، تعني ببساطة أن ما تعتقده يعتمد على موقعك  يحدد اتجاه النظر، يحدده موقعك…وهذا يعني أن الأمر سيتغير لو أنك غيرت موقعك..ويعني أيضا أن ما يعتنقه الآخرون من آراء لا علاقة له بالصواب أو الخطأ..فقط بموقعهم الذي حدد وجهة نظرهم تلك..

عندما تكون الحياة وجهة نظر..فأن لا شيء فيها يستحق حقا أن يكون قضية..أن يكون عقيدة..أن يكون أمرا تموت وتحيا من أجله..

أنها وجهة نظر فحسب..

**************

لكن أناسا آخرين، نسأل الله أن يجعلنا منهم ، الحياة بالنسبة لهم قضية..الحياة بالنسبة لهم موقف..لا يعتنقون “وجهات” النظر..بل يعتنقون ما يؤمنون أنه “الصواب”..وأن مصدر هذا الصواب ، ليس موقع هذا الشخص أو ذاك ممن يكونون عابرين في الزمان والمكان، بل مصدره من  يكون متعاليا عن كل ذلك ، عن كل مسافة ..أو زمان ..أو مكان..

الحياة بالنسبة لهؤلاء فرصة لا تعوض لإثبات للآخرين ، ممن لا يؤمنون بما آمنوا به ، بالصواب ، أن يسحبوهم من حالة اللا لون ولا طعم ولا رائحة..إلى اللون الصواب..والطعم الصواب، والرائحة الصواب..

عمر بن الخطاب من هؤلاء طبعا.

الحياة بالنسبة له موقف.قضية…

كما لو أنه كان يبحث عن هذه القضية طيلة حياته..

وعندما وجدها ، وجد نفسه فيها..أمسك بتلابيبها..تعلق بها كما يتعلق مختنق بشهيقه الأخير…

..دلوني على محمد..!

***************

في الطريق إلى محمد ، لا بد أن عمرا كان يفكر بما سيحدث..لقد كان قد حسم أمره ، لكنه أراد أن يعلن هذا الحسم أمامه عليه الصلاة والسلام..

وجها لوجه ..

(تخيلوا كم سيكون رائعا لو تمكنّا من ذلك، من أن نعلن “الشهادة” أمامه عليه الصلاة والسلام..لن نستطيع أن نقولها إلا بمنتهى الصدق حينذاك..لا يمكن أن نقولها من باب التعود..من باب أننا وجدنا آباءنا عليها..لأنها ستكون مثل شهادة زور..ومهما حاولت ..لن يمكنك أن تشهد الزور أمام الرسول الكريم )..

لقد وجد عمر نفسه الحقيقية.لا بد أنه كان خجلا من شدته وقسوته مع الفئة التي سيعلن انضمامه لها ، ولا ريب أن هذه الشدة ” جعلته يتخذ قرارا أن” يعوّض” ..أن يقدم لما اعتنقه “تعويضا” عما فعل سابقا.. ولعل هذا الإحساس “المرير” سيبقى في عمر إلى أخر حياته،لكنه سيستثمره على نحو إيجابي.. سيكون جزءا أساسيا من محاسبته المريرة  المتطرفة لنفسه ولأهل بيته، وهي المحاسبة التي ستكون جزءا أساسيا من “التفوق والتميز” العمري والذي ساهم أيضا في صنعه وإسهامه للحضارة..وهو ما سنتطرق له لاحقا بتفصيل أكبر….

كان ما قاله له خباب ، عن دعاء الرسول الكريم لله عز وجل بأن يعز الإسلام بأحد العمرين ، هو أو عمرو بن هشام ، الذي يعرف أكثر اليوم بأبي جهل..، كان  بمثابة “طاقة” إضافية تضاف إلى عروقه..ولعله فكر في السبب الذي جعل  دعاء الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام يكون  موجها لواحد منهما تحديدا..هو وعمرو بن هشام..

لكنه كان قد حسم هذا الأمر أيضا..

لقد قرر أن تكون حياته ، تحقيقا لدعاء الرسول..

قرر أن تكرس حياته لعز الإسلام..

*********

قرعت الباب عليهم ، ..

فقالوا : من هذا ؟ قلت : ابن الخطاب قال : وقد علموا من شدتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما يعلمون بإسلامي ، فما اجترأ أحد يفتح الباب حتى قال : « افتحوا له ، إن يرد الله به خيرا يهده » ففتحوا لي الباب فأخذ رجلان بعضدي حتى أتيا بي النبي صلى الله عليه وسلم فقال : « خلوا عنه » ثم أخذ بمجامع قميصي ، ثم جذبني إليه ، ثم قال : « أسلم يا ابن الخطاب ،.. اللهم اهده » فقلت : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله . فكبر المسلمون تكبيرة سمعت بفجاج مكة ، وكانوا مستخفين ..[1]

تخيلوا أنه عليه الصلاة والسلام أخذ بمجامع قميصه..وجذبه إليه..ليقول له “أسلم” ..!..

كم يبين ذلك حرقته عليه الصلاة والسلام على إسلام عمر.

كم يبين ذلك استشعاره عليه الصلاة والسلام لا بحاجة عمر إلى الإسلام فحسب..بل حاجة الإسلام أيضا إلى أشخاص يملكون صفات مثل التي يملكها عمر..يعتنقون الشيء ليكون قضية حياتهم كلها ، لا كوجهة نظر..

..ثم أخذ بمجاميع قميصي ، ثم جذبني إليه ..أسلم..!

موقف هائل..يكاد يأخذ بمجاميع كل ما نلبس..! يكاد يجذبنا..يهزنا بعنف..أسلموا..

هل سنقول أننا مسلمون أصلا..وأننا ولدنا كذلك –والحمد لله!

نعم..هذه هي المشكلة..نحن مسلمون بالوراثة..لسنا مسلمين كما يريدنا عليه الصلاة والسلام..

كيف يريدنا ؟..يريدنا كما أراد  من عمر أن يكون…كما صار عمر…

إسلامه كان عزا للإسلام.. !

من منا يمكن أن يكون إسلامه عزا للإسلام؟..

من منا يرفض أن يكون مجرد “عدد” إضافي..”كمالة عدد”..ويريد أن يستحق تلك الجذبة التي جذبها عليه الصلاة والسلام لعمر عندما قال له :أسلم ..!

****************

ونطق الشهادة..!..

أشهد أن لا إله إلا الله..

وأن محمدا عبده ورسوله..

وارتفع التكبير، رغم التخفي….الله أكبر..

وسيرتفع التكبير أكثر فأكثر،لا عبر الحناجر فحسب، بل أثرا وتأثرا وقناعة واقتناعا ..عبر إسلام هذا الرجل..

سيجعل عمر من كل سيرته ، وسيلة ليؤمن الناس حقا وفعلا..بأن الله أكبر..

*****************

منذ اللحظة الأولى لإسلامه..قرر عمر أن يحدث فرقا..أن يحدث عزا..أن يجهر بالإسلام ، بعدما كان سرا يخفيه أصحابه وأن تسربت منه إشارات…

قال :يا رسول الله إني لا أدع مجلسا جلسته في الكفر إلا أعلنت فيه الإسلام
فأتى المسجد وفيه بطون قريش متحلقة فجعل يعلن
الإسلام ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله[2] ..

انطلق عمر ليجهر بالشهادة في شوارع مكة ومجالسها..

كان عمر بهذا هو مشعل أول ربيع عربي !.. ..لكنه كان ربيعا يتجاوز أمر العرب إلى الإنسانية جمعاء وإن اتخذ من مكة وشوارعها موقعا…

في ذلك الربيع ، قام عمر بالجهر بكلمة الحق، لكنها لم تكن رد فعل “ضد ظلم ” محدد..بل كلمة حق تتعالى عن ردود الأفعال..بل كانت أكثر من مجرد “كلمة حق”…بل كانت رؤية كاملة لعالم جديد..طريقة جديدة في النظر إلى العالم..إلى كل ما فيه..

الشهادة ، التي تدخل بها الإسلام ، هي إقرارك بأنك ترى العالم ،تشاهده ،-أليست شهادة؟!- كما يريد له خالقه أن يكون..

أنت تقول عبر الشهادتين : أنك تشهد أن لا إله إلا الله..ليس هناك من أي قوة يمكن أن تسيطر أو تهيمن على مقاليد عقلك وقلبك ورؤيتك إلا من خلقك..

لا يحكمك غيره..لا تأتمر إلا بما يأمرك به..ولا تقبل بسواه “حَكما” فيما يقابلك ويعرض عليك..

وأنت تشهد أيضا، كتتمة لازمة لا بد منها، أن هذه الرؤية لن تكون إلا من خلال ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام..

هذه الشهادة هي رؤية للعالم كما يجب أن يكون.

رؤية لدورك في هذا العالم..رؤية للعلاقات بين كل الأشياء..

ليست مجرد جملة من مقطعين..بل رؤية متكاملة..

تلك الشهادة التي كان عمر أول من جهر بها في ربيع مكة..، كانت بمثابة الحجر الأساس للحضارة التي سيكون لعمر حصة “الأسد” في بنائها وتشييدها..

لكل حضارة حجر أساس..يكون مثل “الشفرة السرية ، الكود”..الخاص بها ..قد يكون مثلا شعار “المانيا فوق الجميع”..أو “الحرية الشخصية” ..أو ” الربح أولا”..كل هذه أحجار أساسية لحضارات مختلفة ، تبني كل منها على حجرها الخاص الأساس قيمها ومبادئها..

الحضارة التي ساهم بصنعها عمر ، حضارة الإسلام ، كان لها حجرها الأساس الذي تستند عليه كل قيمها وأركانها ومبادئها ومنطلقاتها وأهدافها..

وهذا الحجر الأساس،حجر الحضارة الأول.. هو بطاقة دخول الإسلام..

الشهادتان..

كانتا حتى تلك اللحظة سرية ، تقالان خفية في أزقة مكة وبيوتاتها..

ثم  جاء عمر..!

****************

منذ اللحظة الأولى التي دخل فيها عمر الإسلام هذا الدخول المبين ..استشعر المسلمون الفرق الذي يمكن أن يحدثه دخول شخص يملك صفاته في الإسلام..

عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ – رضى الله عنه – قَالَ مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ [3].

وكان يقول أيضا :
إن إسلام عمر كان فتحا وإن هجرته كانت نصرا وإن إمارته كانت رحمة . ما كنا نقدر على أن نصلي عند
الكعبة حتى أسلم عمر فلما أسلم عمر قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه [4]

***************
قد يطرح سؤال هنا ..

هل يمكن أن يكون عمر أقوى من الرسول عليه الصلاة والسلام..ألم يكن من الممكن عليه الصلاة والسلام أن يصلي عند الكعبة مع المسلمين متحديا  مشركي مكة ؟..هل كان يجب أن ينتظر المسلمون عمرا كي يحدث ذلك؟

العبرة هنا أنه كان على أحد غير الرسول عليه الصلاة والسلام أن يفعل ذلك.

لو أنه فعلها عليه الصلاة والسلام ، لما كان حصل الدرس للجميع..

درس أنهم قادرون على الفعل.أن الاسلام يستخرج منهم أفضل ما فيهم.بل يستخرج منهم ما لم يتخيلوا وجوده فيهم…

لو أن الرسول قام بذلك..لما كان هناك “عمر”..

وحضارة الإسلام، لا يمكن أن يبنيها فرد..حتى لو كان هو عليه الصلاة والسلام..

يمكن لبعض الأفراد فيها أن يكونوا عمالقة ..وأن يسهموا أكثر من غيرهم في رفع بنائها..وأن يكون ذلك بمثابة تحفيز لهم على أن يتعملقوا ..كل في مجاله ، بما يسهم في “الحضارة”..

وهكذا كان لا بد للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ، أن لا يفعل كل شيء بنفسه..

لكي يتيح المجال لولادة العمالقة..

وكان عمر مثالا حيا ،عمليا على ذلك..

***************************

كان الاستشعار الفوري للمسلمين للعزة بدخول عمر الإسلام مثال على ما يمكن أن يمنحه الثبات على الحق، والجهر به بقوة ، والتمسك به بقوة ، لأي فكرة أو عقيدة..

أنه يخرجها فورا من كونها مجرد فكرة ، لتصير بشرا يتمثلونها…

والعزة في لسان العرب هي عكس “الذل”..

وقد كان عمر ، بقوته، بجهره بالحق، بجرأته الشديدة ، عكسا للذل في كل شيء..

…فكيف يمكن لهم إلا أن يشعروا بالعزة ، منذ” أسلم عمر”..

وكيف لا يكون إسلامه فتحا؟..وهجرته نصرا ؟..وإمارته رحمة..؟

*************

لا يمكنني هنا أن أترك دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام لربه أن يعز الاسلام بأحب العمرين إليه..وشعور المسلمين بالعزة منذ إسلام عمر بمعنى يراودني عن علاقة العزة بالحضارة..

الحضارة ، بطريقة ما ، هي مظهر من مظاهر العزة..

العزة هي الغلبة، وهي عكس الذل..

والحضارة ، في مظاهرها وتجلياتها العديدة ، تكون “غلبة”..

وتكون عكس الذل..

الغلبة لا تعني فقط التفوق العسكري..( وإن كانت تشمل ذلك حتما)..

ولكنها تعني التفوق في كل مجال من مجالات الحياة..

في العلم.في العدل.في العدالة الاجتماعية.في الأدب.في السلوك…

في الاقتراب من القيم المؤسسة لهذه الحضارة ، من حجرها الأساس وعدم الانحراف عنها..

في أن تكون “نموذجا” جاذبا يجعل الناس يعتنقون “حجرها الأساس” وقيمها حتى دون أن يشعروا بذلك..

كل هذه عزة..

وكل هذه يجب أن توجد في “الحضارة”..

وربما هذا يجعلنا نفهم دعاء الرسول بان يعز الإسلام بعمر..

وان نفهم ما قاله المسلمون عن استشعارهم العزة بمجرد دخوله الإسلام..

وأن نستحضر ما سيحققه عمر لاحقا من منجزات رفعت حضارة الإسلام وأعزتها ؟

ألم يكن البيهقي محقا عندما جعل من دعاء الرسول دلالة من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام؟

..لو أن عمر أسلم فحسب..لكان ذلك محتملا..

لكنه كان علامة فارقة…

كان إسلامه عزا للإسلام..

*************************

وحتى لا نعطي صورة خيالية عن رجل لا يحتاج أصلا إلى الخيال لتزيين صورته، لأنها رائعة ومبهرة أصلا ..علينا أن نتذكر هنا أن مواجهته لكفار قريش  في يوم الجهر بالإسلام  لم تكن محض شجاعة وثبات على المبدأ دون تخطيط يستثمر في الموجود..

كان عمر بن الخطاب يعرف أن قريشا يمكنها أن تقتله..وأنه على بأسه ، يمكن أن يقتل إذا تجمعوا عليه ، كما كادوا أن يفعلوا  فعلا…

لذا فقد عمد إلى أن يجد له خط حماية ، من القتل على الأقل ، وليس من الأذى..

فقد عمد إلى احد حلفاء بني عدي ، وهو العاص بن وائل ، ليجيره من القتل ..

وهكذا كان عمر يستفز مشركي مكة ويزلزلهم بجهره بالإسلام وهو يعرف أن تعرضه للقتل كان سيعرض قواعد المجتمع المكي للزلزلة !..

ستكون هذه الصفة ثابتة دوما عنده وهو يشيد الحضارة..خطوة خطوة..سيذهب دوما لتجارب الآخرين..سيأخذ منها قبس عندما يجد أن الاقتباس ينفعه ، وسيتركه عندما يجد أن الضرر أكبر..

ما دام لم يتنازل عن شيء مقابل إجارة العاص له..فلن يتردد..

أليس هو القائل ..لست بالخب..ولا الخب يخدعني؟!

***************

ربيع عمر الذي تدفق في شوارع مكة ، انتظر عقودا قبل أن يحين موسم حصاده..

ولم يكن موسما واحدا..

بل مواسم متعاقبة ، متطاولة..موسم يسلم موسما آخرا..

ولم تقتصر  مواسم الحصاد  على  مكة فقط..

بل امتدت لتشمل قارات العالم القديم..

بل لتشمل العالم كله..

كان ذلك هو ربيع عمر الآخر..

أما موسم الحصاد فله وقفة أخرى..




[1] دلائل النبوة

[2] المستدرك وذكره الالباني في صحيح السيرة النبوية

[3] 3863 صحيح البخاري

[4] الالباني صحيح السيرة النبوية

العقل العُمري :كلُّ الحكاية في “نظام التشغيل”..!

العقل العمري :كلُّ الحكاية في “نظام التشغيل”..!

(من كتاب قادم ، عن عمر بن الخطاب…)

د.أحمد خيري العمري


عندما تقوم بتنزيل نظام تشغيلٍ جديدٍ على حاسوبك، فإنَّ كلَّ ما يدخل الحاسوب من ملفَّاتٍ ووثائق، سيتمُّ التعامل معه من قِبَل نظام التشغيل الجديد.. ولن تحتاج إلى أن تقوم بتنصيب النظام في كلِّ مرَّةٍ تضيف فيها ملفَّاً..

الحاسوب، عبر نظام التشغيل الجديد، سيقوم بما يلزم على نحوٍ تلقائيٍّ..

وعندما تقوم بتدريس أحد أولادك أو إخوتك الصغار، وتعلَّمه كيف يحلُّ مسألةً رياضيَّةً، فإنَّك على الأغلب تعلِّمه طريقة الحلِّ،  وسيتمكَّن هو لاحقاً من حلِّ الكثير من المسائل الرياضيَّة بالطريقة نفسها، أو بتحويرٍ بسيطٍ دون أن تضطرَّ إلى إعادة الشرح في كلِّ مرَّة…

“السوفت وير” في الحاسوب، والتفكير”الرياضيّ” في العقل البشريِّ، يتمكَّن من أن يواجه مستجدّات، ويتعامل معها، بالأسلوب نفسه الذي بُرمِج عليه دون أن يُضطرَّ لإعادة كلِّ شيءٍ منذ البداية!..

*********************

عقل عمر بن الخطاب تعامل مع القرآن، كما لو كان “نظاماً للتشغيل”..

أعاد برمجة عقله، بل قام بمسح كلِّ شيءٍ، كلِّ شيءٍ سابقٍ للقرآن، وقام بتنصيب القرآن نظاماً واحداً للتشغيل، وحذف كلَّ ما يُمكن أن يتعارض مع نظام التشغيل هذا..

أو يشوِّش عليه..

ربَّما كان هذا هو ما يجب أن يحدث مع الجميع..

وربَّما لم يكن عمر وحده قد قام بهذا من الجيل الأول..

ربَّما حدث ذلك، بطريقةٍ أو بأخرى…

لكنَّ العقل العمريَّ كان أوَّل من حصل على شهادة الخبرة..!

كيف؟

عندما حصل ما يُعرف الآن، بموافقات عمر بن الخطاب للقرآن…

********************

موافقات عمر بن الخطاب للقرآن، هي ما أشار به عمر على الرسول الكريم في أمرٍ عامٍّ أحياناً بطلبٍ من الرسول مباشرةً، كما كانت عادته في استشارة أصحابه.. وأحياناً دون أن يطلب! يذهب عمر ليقول شيئا يعتقد أنَّه الصواب.. وقد يكون “رأي عمر” مخالفاً لما يراه عليه الصلاة والسلام، أو ما يراه بقيَّة الصحابة..

ثم يأتي خبر السماء، بوحي منزلٍ، بآياتٍ قرآنيَّةٍ صريحةٍ يوافق فيها رأي عمر، الذي ربَّما كان يبدو بعيداً عن الأخذ به، لحظة قاله..

كيف كان يحدث ذلك؟

هل كان لعمر “مجسَّات استشعارٍ” مثلاً؟

هل كان يمتلك وسيلةً للتجسُّس على الوحي قبل حدوثه أصلاً؟!

لا قطعاً.

الأمر أبسط وأعقد من كلِّ ذلك في آنٍ واحدٍ.

أبسط لأنَّ عمر لم يمتلك أيَّة صفةٍ “خارقةٍ” قادمةٍ من وراء الطبيعة، صفةٍ تجعل منه “سوبر مان” قادماً من كوكبٍ آخر، وقادراً على التلصُّص على الوحي مثلاً..

وأعقد، لأنَّ ما فعله عمر دون أن يمتلك صفةً خارقةً يقول لنا ضمناً أشياء كثيرةً جدَّاً عن فهمه، وعن فهمنا، والمسافة الشاسعة بين الاثنين..

*********************

ما الذي فعله عمر بالضبط؟

باختصار: عمر قام بتشغيل نظام التشغيل القرآنيِّ!..

قام بتفعيله!

…كلُّ ما حدث، كان مجرَّد تفاصيل نتجت عن هذا التفعيل…

أين كان موقع التفعيل؟

في موقع التنصيب نفسه..

العقل العمريّ..!

************

الموافقات العمريَّة للقرآن متعدِّدة، البعض منها حدَّدها عمر بنفسه، وصنَّفها بل وأسماها شخصيَّاً بالموافقات، والبعض منها عُلِم عنها عبر أسباب النزول..

ويتراوح عدد هذه الموافقات كما حدَّد عمر في حديثٍ صحيح، بين ثلاثٍ وعشرين!..

وذلك عندما تُجمع الموافقات المعنويَّة التي لم يكن فيها الموقف مباشراً، وما كان عمر يسأل عنه مراراً وتكراراً..

النتيجة أنّ الموافقات العمريَّة، وهي أمرٌ مفروغٌ منه من ناحية الصحة، تُظهر لنا أنَّ العقل البشريَّ عندما يلتزم بنظام تشغيلٍ محدَّدٍ يمكن له أن يبدع إلى أقصى حدود الإبداع..

يخاف كثيرون من العقل… مِن ترك العنان له… يتحدَّثون عن تقديم العقل على النقل… عن التعارض بينهما.

صحيح، كلُّ هذا صحيح… كلُّ هذه المخاوف في مكانها… لكن عندما يكون هذا العقل “يُشغَّل” بنظام تشغيلٍ مخالفٍ… نظام تشغيلٍ ينتمي لمنظومةٍ كتابيَّة –حضاريَّة مختلفة.. أو نظام تشغيلٍ ينتمي لمنظومة أهواءٍ شخصيَّة..

عندما يكون نظام التشغيل قرآنيَّاً، فإنَّ المخاوف من ذلك لا معنى لها..

على العكس، الضمانة الوحيدة لفهم النصِّ فهماً صحيحاً فاعلاً في أن نعطي النصَّ الدينيَّ حقَّه، نُمكِّنه هو من أن نتعامل معه، نقرؤه عبر عقلٍ تشكَّل بالنصوص..

عقلٍ بنظام تشغيلٍ قرآنيٍّ.!

***********************

( عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلاَثٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، فَنَزَلَتْ: ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) وَآيَةُ الْحِجَابِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَمَرْتَ نِسَاءَكَ أَنْ يَحْتَجِبْنَ، فَإِنَّهُ يُكَلِّمُهُنَّ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ، وَاجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – فِي الْغَيْرَةِ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُنَّ: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبَدِّلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ[1] )

سنقف عند هذه الموافقات فقط، ونتلمَّس أثر نظام التشغيل بالفهم الحضاريِّ العمريِّ، دون المضيِّ إلى ما هو أكثر، إلى العشرين مثلاً..

ولعلَّنا لو رأينا عمر لقلنا له لو أنه رأف قليلاً بالأقزام…

*****************

مقام إبراهيم!…

( عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عمر بن الخطاب أنه مَرَّ بمقام إبراهيم فقال: يا رسول الله، أليس نقوم مقام خليل ربِّنا (4)؟ قال: “بلى”. قال: أفلا نتَّخذه مصلَّى؟ فلم يلبث إلا يسيرًا حتى نزلت: { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى }[2].. )

قد يبدو الحدث بسيطاً.

لكنَّ الأمر يضمُّ في ثناياه -لو دقَّقنا فيه- عمقاً كبيراً.. وهو يكشف عن فهمٍ استثنانيٍّ، فهمٍ حضاريٍّ حمله ابن الخطّاب..

هذا الفهم، كان يستمدُّ عمقه من عمق التاريخ السحيق، تاريخ إبراهيم، ويصله مباشرةً بالتجربة الإسلاميَّة التي كانت وقتها وليدةً ومعاصرةً..

الفهم العمريُّ كان لا يكتفي بالمعرفة النظريَّة لذلك، بل يبحث عن الرموز الشعائريَّة التي تكرِّس ذلك الشعور بالامتداد التاريخيِّ..

بعبارةٍ أخرى..

كلُّنا نعرف أنَّ دعوته عليه الصلاة والسلام كانت امتداداً لدعوة إبراهيم، بل لدعوة كلِّ الأنبياء..

لكنَّ عمر، وهو يحمل معه همَّ تحويل الفكرة إلى عمل، كان يريد تكريساً عمليَّاً شعائريَّاً لهذه المعرفة..

لذا، ها هو يقترح اتِّخاذ مقام إبراهيم مصلَّى..

أن نصلِّي في مقام إبراهيم..

وجاء الوحي موافقاً لما اقترحه عمر..

*****************

الأمر ليس مجرَّد مكانٍ للصلاة..

لو كان كذلك.. لما استوجب وحياً يعضده..

الأمر هو مكاننا من العالم..

مكاننا من الإعراب..

مكاننا من تلك الرحلة الإبراهيميَّة التي تركت أثرها على الحضارة الإنسانيَّة بأسرها…

الآية التي سبقت كلَّ ذلك كانت تقول:

” وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ” البقرة (124)

جاعلك للناس إماماً؟..

وقعت الكلمة في الذهن العمريِّ موقعاً مختلفاً، موقع مَن يرى في رحلة إبراهيم بين حضارات عصره ورفضه لها بحثاً عن “الحضارة البديلة”، الحضارة البديلة التي بذر بذرتها في وادٍ غير ذي زرعٍ كي يجعلها خالصةً لله..

وكان عمر يعي تماماً أنَّ ذلك الدرب الذي بدأه إبراهيم منذ تلك الليلة التي أرسى فيها دعائم التفكير العقليِّ، وانطلق يحطِّم الأوثان الجاثمة في الرؤوس، ذلك الدرب قد وصل الآن، ومع بعثته عليه الصلاة والسلام إلى مرحلة البدء الفعليِّ بتكوين الحضارة البديلة وبنائها…

ألسنا نقوم مقام إبراهيم؟ ألم يكن هو الإمام في تلك الرحلة؟ ونحن اليوم نقوم مقامه؟

بلى..

فلِمَ لا نتَّخذ مقامه مصلَّى..؟

**********************

ولعلَّ عمر نظر إلى تلك الرحلة المجيدة، إلى ما قام به إبراهيم في التنقُّل بين حضارات بلاد الرافدين والشام ومصر، وهي أعظم حضارات عصره ..

لعلَّه نظر، وقال: إنَّ ذلك الدرب الذي مرَّ به إبراهيم، قبل أن يضع  البذرة في مكة، لعلَّه قال في نفسه: إنَّ ذلك الدرب يجب أن يُعاد السير فيه مجدداً، ولكن بالاتِّجاه المعاكس، اتِّجاه بناء الحضارة البديلة ونشر قيمها، وليس اتِّجاه البحث عنها…

هل سيكون غريباً بعد هذا كلِّه أنَّ الفتوحات في عهد عمر قد غطَّت سير الرحلة الإبراهيميَّة كلِّها؟..

العراق، الشام، مصر..

أفلا نتَّخذ مقام إبراهيم مصلَّى؟..

نعم..

وكلُّ الأرض التي سار عليها إبراهيم، ستكون مصلَّى أيضاً..

********************

وإذا كانت الموافقة الأولى تمنحنا لمحةً عن الفهم الحضاريِّ – التاريخيِّ لنظام التشغيل القرآنيِّ الذي فعله عمر، فإنَّ الموافقة الثانية المتعلِّقة بحجاب أمَّهات المؤمنين كانت تعبِّر عن فهم الحضارة من ناحية كونها سلوكاً عملياً، ومن ناحية “عمليَّة”  نظام التشغيل هذا وواقعيَّته، وبُعده عن التنطُّع المضيِّع للوقت والجهد..

والقصَّة باختصار هي أنَّ عمر قال :

( يا رسول الله  – صلى الله عليه وسلم -  إنَّ نساءك يدخل عليهن البرُّ والفاجر فلو أمرتهنَّ أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب[3] ..)

الحكاية واضحةٌ… الناس تدخل على الرسول عليه الصلاة والسلام في هذا الشأن أو ذاك، والناس فيهم البرُّ وفيهم الفاجر، وفي البيت زوجات الرسول، وعمر يراقب الأمر…. نظام تشغيله القرآنيِّ يبحث عن حلٍّ..

هل يُمكن أن نلغي فجور الناس؟..

تلك أفكارٌ طيِّبةٌ، ولكنَّها غير واقعيَّةٍ… مضيِّعةٌ للوقت، ولن تؤدِّي إلى نتيجة… سيكون أمراً عظيماً لو أنَّ الجميع  صاروا أبراراً، لكنَّه لن يحدث..

إذاً هل نمنع دخول الناس إلى الرسول الكريم؟..

نظام التشغيل القرآنيِّ يجعلك عمليَّاً وواقعيَّاً..

لن تضيِّع وقتك وجهدك في جعل الناس كلِّهم أبراراً وملائكةً، ولن تجعل الناس يكفُّون عن مراجعة الرسول لشؤونهم…

الحلّ؟

لو أمرتهنَّ أن يحتجبن يا رسول الله؟!

وهكذا كان..!

****************

ما علاقة هذا بالحضارة؟!

علاقته صميمةٌ وأساسيَّةٌ….

فالحضارة سلوكٌ وقيمٌ وعاداتٌ وأعرافٌ قبل أن تكون منتجاتٍ وانتصاراتٍ وتطاولاً في البنيان.

إنها قيمٌ  تشجِّع على التماسك الاجتماعيِّ، وسدودٌ تمنع الانحراف..

وسواءٌ أعجبَ هذا البعض أم لم يعجبه…

هناك فصلٌ بين الجنسين في قيمنا الحضارية.. ليس فصلاً مطلقاً بالتأكيد.. ولكنْ هناك تعاملٌ بحدودٍ وضوابط..

وهذه أيضاً حضارةٌ..

***************

فما بال الموافقة الثالثة..؟

( وَبَلَغَنِي مُعَاتَبَةُ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – بَعْضَ نِسَائِهِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ قُلْتُ: إِنِ انْتَهَيْتُنَّ أَوْ لَيُبَدِّلَنَّ اللَّهُ رَسُولَهُ – صلى الله عليه وسلم – خَيْرًا مِنْكُنَّ. حَتَّى أَتَيْتُ إِحْدَى نِسَائِهِ، قَالَتْ: يَا عُمَرُ، أَمَا فِي رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – مَا يَعِظُ نِسَاءَهُ حَتَّى تَعِظَهُنَّ أَنْتَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبَدِّلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ ) الآيَةَ[4].. )

القَّصة عاديَّةٌ يمكن أن تحدث في كلِّ بيتٍ وكلٍّ زمنٍ..

لكنَّ مكانة النبيِّ عليه الصلاة والسلام الاجتماعيَّة عقَّدت القصة وزادت من التأزُّم.. وصار المتصيِّدون يحاولون زيادة الأزمة عبر إطلاق الإشاعات..

نظام التشغيل القرآنيّ الفاعل في عقل عمر، حيَّد هذه التفاصيل المتعلِّقة بمكانة الرسول الاجتماعيَّة… وجد أنَّها صارت معيقاً للدعوة.. والعلاقات الإنسانيَّة مهمَّةٌ حتماً، لكنَّها ليست هدفاً بحدِّ ذاته، إنَّها مهمَّةٌ بقدر مساهمتها للوصول للغاية والهدف، وعندما تصير عائقاً ومعرقلاً فإنَّ هناك وسائل شرعيةً مقنَّنةً يمكن لها أن تُزيح هذا العائق..

منتهى التجرُّد..

وكان نظام التشغيل عند عمر متجرِّداً من حقيقة أنَّ ابنته حفصة كانت مشمولةً بالتهديد بالطلاق!…

منتهى التجرُّد أيضاً، فعلاقته الإنسانيَّة بابنته مهمَّةٌ..

لكنها ليست أهمَّ من القضيَّة التي يحملها..

..هكذا هم صنَّاع الحضارة..

******************

قد يقول قائل: لكنَّ نظام التشغيل هذا تفعَّل عند عمر، ولم يتفعَّل عند الرسول الكريم الذي تنزَّل عليه الوحي؟

قطعاً الأمر ليس كذلك..

لكن من حكمة الأمور أن يكون هناك من يتمكَّن من الصحابة، من البشر الذين لم يتنزَّل عليهم وحيٌ مَن يقوم بذلك، مَن يتمكَّن من فهم ما يجب أن يقوله الوحي.. كي نفهم نحن أنَّ الأمر يستلزم أن نتمثَّل نظام التشغيل، ونلتزم بحدوده وضوابطه، أن يتشكَّل عقلنا بالقرآن، كي نتمكَّن بعدها من مواجهة ما يواجهنا دون خوفٍ من تناقضٍ مزعومٍ بين العقل والنصِّ..

كي نتمكَّن أن نستعمل عقلنا ليكون وسيلةً لبناء حضارةٍ مبنيَّةٍ على أسسٍ قرآنيَّةٍ..

**************

ولعلَّ كلَّ ما سبق من موافقات ومن سواها، هي التي جعلت عليه الصلاة والسلام يقول عن عمر:

( « لَقَدْ كَانَ فِيمَا قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَإِنَّهُ عُمَرُ »[5].. )

وقال أيضاً:

(” لو كان نبيٌّ بعدي لكان عمر بن الخطاب”[6]..! )

لكنَّه لم يكن..

بل كان بشراً مثلنا، بشراً تمكَّن من أن يجعل القرآن نظام تشغيله..

********************

القصَّة في النهاية قصَّة “نظام تشغيل”..

فما هو النظام الذي اخترناه لأنفسنا..؟

هل هو نظام تشغيلٍ لحضارةٍ أخرى تبدو اليوم منتصرةً وكاسحةً مكتسحةً، دون أن يعني ذلك قطّ أنَّها على حقٍّ؟

هل هو نظام تشغيلٍ يجدِّد نفسه كلَّ يومٍ بصرعةٍ تلو الأخرى لكي يتغلَّب على خوائه وفقره؟

هل هو نظام تشغيلٍ يعتمد فقط على إطلاق العنان لأهوائك؟..

أم أنَّ نظام تشغيلك قد صدئ وصار خارج وقت الصلاحيَّة؟..

أم هو مثل الذي كان عند عمر، وجعله  يكون ما كان….؟

القصَّة كلُّها في النهاية قصَّة “نظام تشغيل”..

ليس سهلاً قطّ أن تبدِّل نظام تشغيلك الذي تعوَّدت عليه، وتكيَّفتْ أجهزتك عليه… ليس يسيراً أن تقوم بعمليَّة إبدال..

لكن، أحياناً لا بدَّ ممَّا ليس منه بدٌّ..

..والله المستعان..



[1] البخاري 402

[2] تفسير ابن كثير

[3] مسند أحمد، مسند عمر بن الخطاب، 159

[4] البخاري 4483

[5] البخاري 3689

[6] 327 وحسنه الألباني الترمذي 2909  وسلسلة الأحاديث الصحيحة