رمضان “غير شكل” مع الثورة -1-

رمضان “غير شكل” مع الثورة -1-


كل رمضان يأتي نستقبله غالبا بأمنيةٍ تتعلق بالتغيير, تتعلق بان نفلح في تغيير أنفسنا من خلال الشهر الكريم .. وخلال الشهر الكريم…
أمنية تتعلق بان يغادرنا الشهر الفضيل ونحن أفضل مما دخلناه . يتعلق ذلك غالبا بالمغفرة التي نطمح إليه جميعا وأيضا بان نكون من عتقاء الشهر وأيضا وهذا هو أهم بان نولد من جديد في هذا الشهر  .
هل يحدث ذلك؟ أحيانا, ربما  , نسبيا, نعم , وأحيانا لا يحدث . وننتظر رمضان القادم لكي نتغير وبعدها وبعدها ..وبعدها..ونبقى ننتظر !
رمضان هذه السنة سيأتيننا ليجدنا مختلفين, سيأتي رمضان ليجدنا قد تغيرنا فعلا. . تغيرت الأمة بين رمضانين . لم يصدق احد ذلك إن هذا سيحدث بهذه السرعة..  ولكن هذا ما حصل . جاء رمضان هذه السنة ليجد أن الأمة قد انبعثت من جديد.
 دوما الحديث عن الولادة الرمضانية يكون حديثا فرديا شخصيا حتى لو كانت كل الشعائر مؤداة بشكل جماعي واجتماعي.. لكن الحديث دوما هو عن خلاص فردي..خلاصك كفرد..كشخص..وليس عن “الخلاص كأمة”…ليس عن الخلاص كمجتمع ..
 هذه المرة تحققت معجزة: يأتي رمضان ليجد إن الأمة  نفسها الأمة تخوض مخاضا جديدا لتولد من جديد…  هل كان هذا نتيجة دعاء صادق من قلب مهموم مفطور على وضع الأمة, دعاء في ليلة من ليالي القدر مثلا, أن يتغير واقع الأمة ,أم إن الأمر اعقد وأعمق من ذلك تتداخل فيه السنن وتتداخل فيه الاحتياجات الاجتماعية  مع هذه السنن ومع هذا الدعاء؟.. ربما… المهم أن ذلك هو ما حصل..تفسيرات ذلك قد تحتاج لعقود لاحقة…المهم هو أن نتغير الآن، وسيأتي لاحقا من يفسر سنن هذا التغيير..
 رمضان تلو رمضان  كنا نأمل في التغيير, رمضان هذه السنة هو فرصتنا  الحقيقية  في تغيير كامل لأنه  يدخل علينا  ونحن قد اختلفنا فعلا.. الأمة اليوم في وضع مختلف.. كانت في سبات والآن هي في غليان،في ترقب، في انتظار، لقد استيقظت ، طالما قالوا لنا إنها لن تفعل، طالما اقتنعنا  إن ذلك رجع بعيد لكنها استيقظت, سبحان الله, استيقظت . جاء الربيع على هذه الأمة” على حين غرة” بعد أن ظننا إن فصول اليأس والجدب والقحط لا نهاية لها في حياتنا على الأقل..
لكن ليس هذا كل شيء..ليس المهم أن يأتي الربيع فحسب..المهم أن يثمر..المهم أن يأتي موسم الحصاد أيضا..
 ورمضان فرصة أكيدة ليثمر هذا الربيع, رمضان فرصة أكيدة ليتحول هذا  الاستيقاظ إلى نهوض حقيقي  وتتحول الولادة إلى نضوج..
 كل شيء في رمضان مضاعف .. كل شيء.. الأجر فيه مضاعف وقوتنا فيه مضاعفة  وتغييرنا فيه مضاعف..
 رمضان يمنحك القوة لكي تفعل ما يجب أن تفعل..  قوة مضاعفة ستمكنك من أن تفعل ما يجب ان تفعل.  رمضان لن يسقط فقط الأنظمة التي يجب إن تسقط والتي ستسقط لا محالة  رمضان يجب أن  يسقط منظومة التفكير التي جعلت هذه الأنظمة جاثمة على عقولنا, ليس كل الأنظمة يجب أن تسقط, المهم هو أن تسقط منظومة التفكير هذه التي جعلت هذه الأنظمة جاثمة على عقولنا.  رمضان يمكنه أن يسقط كل القيود التي كبلتنا لقرون, رمضان يمكنه حتى  أن يسقط نفسك…
الشعب يريد أن يسقط النظام؟ نعم, وأنت أيضا أحيانا  تريد إن تسقط نفسك القديمة  التي نشأت عبر عقود متراكمة من كل ما هو سلبي.من اللف والدوران للتمكن من التعايش مع واقع سلبي…. رمضان يمكنه ان يسقط نفسك القديمة..ليقيم نفسك الجديدة على أسس جديدة وصائبة..
 رمضان يمكنه أن يسقط كل الفهم السلبي لديننا..ويثبت إن الحديث عن فهم آخر ليس حديث خرافة..بل حديث فعل وتطبيق..
 دوما يقولون في الدعايات التجارية -التي كرست رمضان شهرا استهلاكيا- رمضان غير مع “تانج” ورمضان غير مع ماجي  والى آخر هذه المنتجات التي لا تحتاج للترويج أصلا..
.. هذه السنة سيكون رمضانا مختلفا حقا..ليس مع تانج أو ماجي..بل مع نفسك الجديدة التي أنتجتها الثورة…
. رمضان “غير شكل” مع الثورة …

www.youtube.com/watch?v=FQqSM00ZSlY&feature=channel_video_title

ثورة الشباب في جيش طالوت (1) : بقلم أحمد خليل خير الله

ثورة الشباب فى جيش طالوت (1)

كتبه : د/ أحمد خليل خيرالله

 

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله “صلى الله عليه وسلم”

حتماً هو لا يرانى ولكننى أراه ، أشعر به حقاً أتلمس الهواء الخارج من فيه ساخناً ممتلئاً بحروف صامتة تحتاج إلى لم شتاتها  فى كلمات  أراه فى كل موقف يتشكل على عين طالوت والإختبارات الطالوتية لا تحتاج إلى كثير شرح أو توضيح .

(إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ) “البقرة:249″  ليته قال لا يشرب أو حتى لا يقترب من النهر ولكن وهج الإختبار فى التذوق ، ومن ذاق عرف ومن عرف إغترف حتى يرتوى ولكنها ليست مجرد معرفة إنها أصوات ألسنة القطرات تصدع بأعلى صوت على لسان وشفاة كل جندى تقول له (إلتهم المزيد) ولكن القوة فى الاغتيال المبكر لحديث النفس بل لخواطرها بل لهواجسها …..

إختبار لأودت نتيجته بالأكثرية ( شَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُم ْ) “البقرة:249″ ولكن داود “عليه السلام” كان من القليل ولله الفضل والمنة .

لعل تمارين الصمت والإتباع قد ظهر أثرها ، لعل تمارين الجندية التى إنطلقت من أول القصة وقد كان عنوانها ( جوارح تتبع وقلوب تُصنع ) تمارين الجندية تؤثر فى القلوب قبل الأبدان والجوارح

أزعم أن مدرسة ( كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ ) “النساء 77 ” كانت من أكبر المحاضن التربوية التى صُنع فيها صحابة رسول الله “صلى الله عليه وسلم” ورضوان الله عليهم .

( كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ ) “النساء 77 “  والنبي “صلى الله عليه وسلم ” يؤذى والنخبة تُهاجر إلى الحبشة وبلال يُعذب وسمية تقتل أشد قتلة والقدور تغلى بالقلوب والكل يتبع وينفذ التعليمات وسبحان الله كما قيل : ( الدوافع التى نحاول كبتها هى التى تصنع عضلات أقوى ) وسرت هذه القاعدة على داود “عليه السلام” فى صمته فى تأمله لكل موقف وإحسانه فى أداء ما عليه فى حراسته لثغره ، وقلبه يصنع والمنتجات القلبية ظهرت فى سوق المعركة بل وتميزت ، ولعل أولها كان إنكار الذات وإنكار الذات ليس بالأقوال البراقة المنمقة الفصيحة ( أنا أسووْكم  ، أنا أقلكم علماً ، أنا أكثركم ذنوباً ) إنكار الذات منتج قلبى بحت ، أن يتيقن كل فرد منا من داخله بحاجته لإخوانه وأنه صفراً من غيرهم ، أن لا تعلن رضاك بدورك فقط بل تتميز فيه حتى لو كان فى غيابات الجيش .    

ويا لخالد بن الوليد فى رائعته التاريخية حين لبى أمر أمير المؤمنين الفاروق “رضى الله عنه”  بلا أدنى حظ للنفس ، أرى بدنه المتبع المجند ولا أرى قلبه الذى يصنع ليكون فى معركته الجالوتية ، يا له من قلب إنتصر على نفسه فى أكثر من معركة قبل أن ينتصر على غيره فى الميدان وكما يقول الراشد: ( انتصارات القلوب هى مفتاح انتصارات الميادين ) ، لذا لا تتعجب حين نطقت القلوب المنتصرة حين صرخت (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) “البقرة:249″

تأمل (وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) …… منتج قلبى آخر.

ولا تتعجب حين نطقت (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) “البقرة:250″

ثم ماذا ؟

ثم اللحظة التاريخية ، التحول الإستراتيجى فى حياة بنى إسرائيل

الخبر بإختصار ” داود الشاب ينهى المعركة ويقتل جالوت “.

ولعل هذه لغة الصحافة ولكن لغة الإيمان تختلف ” داود القلب ينهى المعركة بإذن الله ويضع منهجاً لقتل كل جالوت “

وبدأت أمجاد بنى إسرائيل

نقطة ومن أول السطر…

أترك أرض المعركة وأترك بنى إسرائيل وأنتقل بك عبر الزمان والمكان على الهواء مباشرة إلى زماننا الحالى إلى عالمنا العربى الغالى إلى ما نحن فيه من أحداث ولعل داود هو أنت أو هى لا أدرى دعنى من الأسماء واتركنى مع المعانى .

داود الذى سيحدث الفارق الذى سيحول الدفة ويحدد الوجهة ويحيى الأمل باقتدار.

 صُنع قلباً قبل أن يصنع جسداً ، أحسن الجندية تألق فى الإعداد عاش لهدف حتى فى وسط أرض الجهاد و المعارك والدماء، وهل يصنع الأبطال إلا هناك .

 لم يكن صفراً ولكنه كان رقماً ، علم منذ البداية أنه إن لم يكن له هدف فسيكون جزءاً من أهداف الآخرين وإن لم يخطط للنجاح فقد خطط  للفشل دون أن يدرى .

فهم المعادلة ، قال تعالى (مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً ً ) “الإسراء:18″ هذا صنف أراد العاجلة وسعى نحوها وانظر إلى داود الذى نريد (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا) “الإسراء:19″ وضوح في الهدف ثم إنطلاق فى الإجتهاد فى السعى (سَعَى لَهَا سَعْيَهَا) وكأني أرى حرف السين درجات سلم كل درجة خطوة فى خطة طويلة المدى نحو هدف عظيم ولكن تأمل الضابط (وَهُوَ مُؤْمِنٌ) دور العقيدة الأصيل المتأهل (فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً) “الإسراء:19″ فهم هذا القانون (أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) “الملك:22″ مكباً وقع لأنه بلا هدف ولكن صاحب الطريق المستقيم نظر إلى العقبات وكأنها حواجز فى سباق  فزادته حماسة وعمل .

 لم يكن خامل العمل ولكنه كان متفاعل التحرك ، لم يترك لحظات حياته تمر هملاً فشارك فى مشروع بجهده أو بماله أو فكره فى مشروع أو كان فى حد ذاته مشروعاً  ألم يكن عمر “رضى الله عنه”  مشروعاً  أحيا الله به الأمة ألم يكن ابن تيمية مشروعاً ( أحد دوائر المعارف حين ترجمت للدوله العباسيه (600 سنة و67 خليفة ذكرتها فى 25 صفحة وحين ترجمت لإبن تيمية ترجمت له فى 40 صفحة ) وذكربعض الباحثين أنه قد صنف عن ابن تيمية ومصنفاته أكثر من 300 كتاب بين رسالة ماجيستير ورسالة دكتوراة.

داود الذى يريد أن يبنى هدفه فبناه هدفه ، يقول المفضال عبد الكريم بكار : ( إن لم يكن لك هدف فليكن هدفك إيجاد هدف ) .

أخى داود لعلك لا ترانى ولكنى أراك…..

لعلنى أراك فى جامعتك بين الجنود حتى برز جالوت وكانت نتيجة المعركة الأول على الدفعة .

لعلنى أراك فى نقابتك بين الجنود حتى برز جالوت وكانت نتيجة المعركةنقيب الأطباء

لعلنى أراك خلف شاشتك بين الجنود حتى برز جالوت وكانت نتيجة المعركةموقع ينفع الملايين  .

لعلنى أراك بين أوراقه حتى برز جالوت وكانت نتيجة المعركة إجتهاد فقهى غيَّر مسار الأمة إلى الأمام.

العالم ينتظر داود المسلم بمشروع يخدم البشرية بتحول إستراتيجى يكون إعلاناً رسمياً لعودة الأمة من جديد .

هل الذى ابتكر جوجل أو الفيس بوك أو نوكيا أو هارى بوتر أو نوبل فى الفيزياء لم يقدم لأمته إنتصار إستراتيجى جالوتى .

أخى داود ….

أمتك تنتظر منك هذه النقلة ” ثورة الشباب “

الثورة الإيمانية العمرانية الأخلاقية فى ميدان الحياة والعلم والإعلام والإقتصاد والإدارة والطب والسياسة وكل العلوم فى حراسة الدين وسياسة الدنيا بالدين .

كم من جالوت يبرز ؟ وكم من داود غائب؟

ولكن لماذا يتغيب؟ … فهذا ما ستكون الإجابة عليه فى المقال القادم بإذن الله .

فيسبوكيات 2

 

 فيسبوكيات..2

بعض المقاطع الصغيرة التي نشرتها على الفيس ، تجمع هنا، باعتبار إن الفيس سريع النسيان…

(إهدء إلى تنسيقية المهاجرين..وأحرار الحي…)
 ضبطت ابني زين العابدين متلبسا وعينه تدمع على صوت فيروز وهي تنشد”سنرجع
يوما إلى حينا..”..كانت عيناي تدمعان أيضا..ولكن هذا عادي جدا بالنسبة لي ..لكن ليس بالنسبة لزين…
قلت لأمه ذلك لاحقا. فعلقت : لا يذهب بالك بعيدا..لا اعتقد إن حينا ” بارك السعدون” قد جاء إلى باله فورا مع الأغنية ..
لا بد إنه تذكر” المهاجرين”…….
**********
أربع سنوات قضاها زين في حي المهاجرين،بين “المرابط” و”خورشيد أول”..كانت كفيلة لجعله يشعر بالانتماء..ومن ثم الحنين ..كذلك كان الأمر مع “آمنة”- التي أتقنت اللهجة الشامية تماما- وأكثر وأكثر مع أروى التي لا تحتفظ ذاكرتها بشيء لما قبل المهاجرين…
حدث الأمر أيضا معنا –أنا وزوجتي- حيث نبتت لنا جذور في “المهاجرين” بأسرع مما يفترض أن يحدث لمن كان في مثل سننا..
هل هو سحر دمشق؟ أم هل هو حي المهاجرين؟..أم هو قاسيون الشامخ بصمت مثل بركان كامن يتحين الإنفجار؟…أم هو هذه “الروحانية” الهادئة التي تسكن المكان؟
أم هو مزيج من كل ذلك هو ما يمنح لهذه المنطقة بالذات هذه القدرة على اقتناص كل من يمر بها بنية عابر سبيل، فإذا به قد سقط في أسرها..وصار من المهاجرين..
سقطت في حب دمشق، والمهاجرين، بلا سبق إصرار وترصد..أحببتها وكنت قد قررت أن لا أحب بعد بغداد مدينة..وشهقت كذا مرة وأنا في هذه القارة أو تلك وأنا أرى متحدثا في هذه الفضائية أو تلك وخلفه قاسيون..
وككل العشاق، لم تخل علاقتي بدمشق، وبمهاجرينها، من شد وجذب، وخصام وهجر وشجار، وتهديد بالهجر..وهجر..وصلح..
زاد ذلك طبعا بعد الثورة، فقد كنت منذ اليوم الأول ، وربما منذ اليوم “صفر” مع الثورة، أما دمشق فقد كانت تقول ولا تقول، تريد و لاتريد..، تعا ولا تيجي، لا تريد أن تقطع تلك الشعرة التي صارت جزءا منها، والتي فشلت في أن أقتنع إنها ضرورية دوما..بينما تراها هي كالماء والهواء..كجزء من هويتها..
أو على الأقل هذا ما بدا منها…في مرحلة ما من مراحل الثورة..
زادت شجاراتنا أنا ودمشق، هددتها بالهجر، فضحكت ساخرة من نزقي، وقلت لها “أحسن!” فردت”أحسنين!”.. قلت- كاذبا- إني لا أريد أن أراها مجددا، فقالت لي إنها لا ترغب بذلك أيضا..تصرفت أنا كالأطفال…وتصرفت هي كما تفعل منذ آلاف السنين..
لكن بعد كل مشاجرة، كانت تصالحني بطريقتها، بخبر عن مظاهرة ما، برسالة من صديق شامي تغير موقفه من الحياد القاتل إلى الثورة المحيية ، بأنباء عن اقتراب البركان من الانفجار،..فكنت أعود ككل العاشقين تائبا نادما..
قبل بضعة أيام فقط، كنت أقول عن زيارتي لها “إن ذلك رجع بعيد”(رفعت أروى عينها من الآي باد عندما قلت ذلك ورمقتني شزرا..فقلت لها إنها يمكن أن تذهب هي!)..وأتحدث عن ضرورة وجود مطار دولي في حمص أو حماه –لا أزال أقول ذلك-..لكني  كنت أقولها في نوبة يأس بعد نقاش بيزنطي من النقاشات إياها..
لكن بعد يوم واحد فقط، انبثق البركان المضيء من جذور الياسمين كما لم يفعل من قبل..وبدا أكثر من أي وقت مضى،إن الشعرة إياها قد قطعت،وإن التردد قد هجر..وحل محله “الحسم”..

*********
في نفس اليوم، وجدت في بريدي رسالة من حي المهاجرين بالذات..
حي المهاجرين –بجلالة قدره- بعث لي..يقول لي إن للمهاجرين حق علي..ويطمئنني على حقيقة مشاعره – لا تجاهي فذلك أمر غير مهم- بل تجاه النظام…
حي المهاجرين هجر التردد إذن..بلا عودة..فكيف لا يكون معناه إن قاسيون سينفجر بردا وسلاما على الثائرين قريبا جدا..فكيف لا يكون معناه إنه سيلفظ ذلك الشيء الهجين الذي فرض نفسه عليه لعقود؟
وكيف لا أعود تائبا نادما معتذرا عن كل نية  أو وسواس هجر وصد وخصام؟؟..
يقولون إن من يشرب من ماء النيل لا بد أن يرجع له..
وأقول : من يستنشق هواء المهاجرين..يحمله معه في رئتيه دوما..ويدفعه للحنين..وربما للرجوع…
“حدا عنده بيت للإجار في المهاجرين؟”..
*****************  
كلمة أخيرة: بغداد..اوف بغداد….!

 

الحكاية الأخيرة للحكواتي الشامي
قال الحكواتي الشامي:  بلغني يا سادة يا كرام، وبعد الصلاة والسلام على سيد الأنام، إن  الأسد قد أستبد بالبلد، واستحل الحرام واستعبد الولد، وقهر الرجال ، وسرق الأموال..وإنه هدد الناس وأمرهم بطاعته، وإلا زاد عليهم من الظلم وسلط عليهم من بطانته،وإنهم قبلوا ذلك في البداية مرغمين، خائفين مكرهين، لا راضين ولا راغبين.. ثم تعودوا على ذلك أيضا مستسلمين، وصار منهم من يرغب بذلك ويرتضيه، بل قبل البعض منهم أن يطأه الأسد لكي يمتطيه..
وكان الأسد في حقيقته مثل ثعلب ماكر لئيم ،جمع في بطانته  رجال  للمال ورجال للدين، أقنع الأولين منهم إنه يحميهم ليجمعوا المزيد من المال الحرام، وأقنع رجال الدين إن ظلمه خير من أن يحكم العوام، وصار له هؤلاء مثل الأنعام، وصار يأمن بوجودهم و ينام..
واستمر الحال على هذا المنوال،حتى استبد اليأس بقلوب الرجال،وقتل فيهم كل رغبة بالنزال ،واقتنعوا إنه للتغيير لا مجال ..
لكن دوام الحال من المحال، وما قبل به الرجال لم يقبل به الأطفال،إذ  تجمعوا ذات يوم في قرية من القرى البعيدة، وكتبوا على الجدران أمانيهم السعيدة، كتبوا، بأحرف واضحة مجيدة،كلمات وجيزة بليغة : الشعب يريد إسقاط النظام..
جن جنون الأسد ومن معه من الأزلام، وهاجموا القرية التي أسقطت النظام، وتصرفوا معها كما يتصرف الكفرة اللئام..قلعوا الأظافر ، وسبوا الحرائر، ومنعوا الخبز والماء بل ومنعوا حتى الشعائر..
تململ أهل المدينة ، غضب بعضهم للكرامة المهدورة، وغلى دمهم لهتك الأعراض المستورة، وقال البعض الأخر إن هذا لا يعنينا، ولا شيء فيما حصل يدمينا أو يبكينا…
لكن القرى الأخرى قالت إن هذا يعنينا، وإن ما حصل لا يجب فقط أن يبكينا، فلا شيء عن نصرة أخوتنا يلهينا…وفعل الأسد بتلك القرى نفس ما فعل بالأولى، ولكن  شيئا فشيئا تزايد عدد القرى الثائرة..وصارت تحيط بالمدينة  كما تحيط الدائرة..
وجاء رجل من أقصى المدينة يقول لأهلها أن أفيقوا…فقد آن أوان التغيير و النهوض، قال لهم أن كل الأساليب القديمة قد انتهت صلاحيتها،وإن رجال المال سرقوهم ورجال الدين خدعوهم،وإنه قد جاء اليوم بطل الأبطال الذي سيحررهم من قيودهم..
(هنا قاطع أحد المستمعين الحكواتي: خير شو بك سيدي..ليش بطلت السجع؟..فرد عليه الحكواتي: سلامة فهمك..عم نقول الأساليب القديمة انتهت صلاحيتها..ما المهم نزوق الحكي..المهم المعنى)…
سألوه :من هو ؟ أبو زيد؟ قال لا..عنترة العبسي؟..قال لا …..
صلاح الدين؟ الظاهر بيبرس؟..قال لا…
ثم قال إن بطل الأبطال الذي جاء ليحررهم  هو من سيجعل كل منهم  عنترة وأبو زيد وحتى صلاح الدين..
قالوا له من ؟..
فأجاب الرجل من أقصى المدينة : الثورة..
الثورة التي ستحرركم من قيودكم ستجعلكم عمالقة ..ستجعلكم ثوارا أحرارا.
اقتنع البعض بما قال وانتزعوا قيودهم..وفوجئوا بانفسهم يصيرون أحرارا وعمالقة..وأرعد الأسد غاضبا و جمع بطانته وأزلامه ورجال الدين من خدمه..وقرروا أن يشددوا في إجراءاتهم ضد الثورة..ولكن..
هنا توقف الحكواتي عن الكلام المباح..فقد مرت مظاهرة تسقط النظام و تصيح:”الما بيشارك..ما في ناموس..،”وسرعان ما فرغ المقهى من المستمعين..فكلهم عندهم “ناموس”..وكلهم يريدون إسقاط النظام..
وجد الحكواتي نفسه وحيدا..فهب هو الاخر ليشارك..ثم عاد إلى كرسيه وترك الدفتر مفتوحا..وكتب..إن لم أرجع، فعلى من يبقى أن يكتب خاتمة الحكاية..أو الحكاية الخاتمة…

أمريكا ليست جمعية خيرية بالتأكيد..
والسذج الذين يتصورون ذلك على وشك الانقراض..
لكن الأكثر سذاجة منهم هو من يتصور إن أمريكا ستجد أنظمة خادمة لها أكثر من طواقم الأنظمة الموجودة لحين ربيع الثورات العربية..لا يمكن أن يحدث ذلك..حتى لو كانت الانظمة تجعجع بالشعارات الفارغة والوطنيات الصراخية،فإن الكل يعرف إن تحت الطاولة هناك دوما كلام آخر ..مختلف النبرة والموجة والاتجاه..هذا عدا عن الأنظمة التي لا تحتاج إلى الطاولة أصلا لتخفي خضوعها التام لأمريكا..
ليس سرا طبعا إن أمريكا فوجئت من اندلاع الثورات العربية..وإنها وجهت لوما لأدارة مخابراتها لعجزها عن رؤية الثورة قادمة تحت السطح الهادئ المستقر…وليس سرا إن أوباما تجاهل تماما ثورة مصر في أيامها الأولى جدا..وإن كلينتون هددت بقطع المعونات في حال تغير الوضع..وإن التصريحات التالية -التي كانت ضد مبارك وطالبته بالتنحي – كانت في مرحلة لاحقة ، عندما تبين لها أن لا فائدة من دعم مبارك..وحتى هذه التصريحات كانت هناك أيضا ترافقها تصريحات تفسر باستمرار الدعم لمبارك..أي إن سياسة الحبلين- أو الارتباك؟- كانت واضحة جدا في الموقف الأمريكي حيال ثورة مصر..
لكن لأننا مولعون لدرجة المرض بنظرية المؤامرة، ولأن البعض  وصل لهذه الدرجة من العبودية التي يتصورون معها إن أمريكا هي الواحد الأحد الذي لا يمكن أن يغيب عن علمه شيء..فإن كل ما مضى من ارتباك لم يمنع أصحاب نظرية المؤامرة، والتي تحولت معهم لتكون بمثابة الوسواس القهري اللازم، لم تمنعهم من الاعتقاد إن أمريكا قد حركت الشعوب العربية لتتخلص من أنظمة لا يمكن أن تجد أكثر إخلاصا منها …(ربما تكون ملت منهم ومن طاعتهم اللامحدودة و تريد انظمة فيها قليلا من الاستقلالية..على سبيل التغيير والاكشن ربما)..
ساعد هؤلاء في أعراض مرضهم إن أمريكا ودول الغرب عموما اندفعت لدعم الثورة الليبية ، علما إن القذافي كان من أشد القادة العرب استعدادا لتقديم التنازلات، طبعا التنافس حاد على هذا اللقب ، لكن القذافي حتما يحتل مرتبا متقدما في هذه القائمة على الرغم من جعجعته الدائمة بغير ذلك…
صحيح إن أمريكا اندفعت في دعم ثورة ليبيا ، وصحيح إن فاتورة إعادة الإعمار والاستثمارات قد تكون مغرية وقد تفسر هذا الاندفاع خاصة في ظل متاعب الاقتصاد الأمريكي، لكن الحقيقة ربما تكون موجودة في مكان آخر..الموقف الأمريكي من ثورة ليبيا قد نجد جذوره في ميدان التحرير في القاهرة..
كيف؟
عندما اندلعت ثورة ليبيا لم تكن أمريكا متحمسة مثل فرنسا مثلا..كانت تكتفي بالتصريحات المطاطة التي تتحدث عن الحرية وتغض النظر عن ممارسات القذافي آنذاك..كل شيء كان يوحي بتباطوء اوروبي و تردد أوروبي في دعم ثورة ليبيا…
وفجأة ، في غضون 3 أيام فقط بين 14/3/ 2011 و 17/3/2011 تغير الموقف تماما ..وأقر في مجلس الأمن قرار الحظر الجوي…
مالذي حدث في هذه الأيام الثلاثة؟
ما حدث ببساطة ، وفي رأيي، إن أمريكا استلمت رسالة قوية جدا ، كانت كالصفعة بالنسبة لها ، من قبل شباب ثورة مصر ، شباب ميدان التحرير، فعندما زارت هيلاري كلنتون مصر ـوطلبت لقاء شباب الثورة في ميدان التحرير، صدمها رفضهم الحاسم لهذا  اللقاء، وكان الشباب صريحون في إدانة دعم الإدارة الأمريكية لنظام مبارك…
حدث ذلك يوم 15/3/2011
وفهمت الإدارة الأمريكية الأمر على إن موقفها في دعم أنظمة الاستبداد الصديقة قد يساعد في وصول أنظمة صريحة في عدائها لأمريكا..وتصل هذه المرة باختيار الشعب …يا لطيف..
وهكذا كان الاندفاع الأمريكي -بعد التردد والمراوغة – في دعم ثورة ليبيا..
أو هكذا أظن…
**********
ما حدث مع السفير الأمريكي في حماه مشابه جدا…
دعم أمريكا وإسرائيل لنظام الأسد حقيقة معروفة ، فالاسد هو الحارس الأمين لحدود إسرائيل من جهة الجولان،وخسارته على هذه الجبهة أمر لا تريده إسرائيل..صحيح إنه لا بد من إطلاق التصريحات ضد أعمال القمع، لكن دعم الثورة السورية من قبل أمريكا لن يحدث إلا في حالة تأكدت إن النظام راحل لا محالة ..وستود عندها ان تكسب النظام الجديد…
ومن الملاحظ إن التصريحات الأمريكية قد خفت حدتها منذ اجتماع سميراميس الأول..كما ظهرت بعض التقارير التلميعية في وسائل الإعلام الغربية..
متزامنة مع ذلك..
 لكن صمود الثورة، وخاصة مشاهد ساحة العاصي التي تذكر بميدان التحرير في القاهرة، جعلت امريكا تحاول أن تستثمر في بعض الدم للثوار…هنا  تأتي زيارة السفير لحماه ، فثورة سوريا التي استمرت بتصاعد لأربعة أشهر، صارت توحي للإدارة الأمريكية إنها قد تستمر و قد تنتصر..وهنا لا بد أن يكون لها ولو موطئ اصبع قدم..كي تقول لاحقا إنها دعمت الثورة..
النظام السوري من ناحيته أراد استغلال الوضع ليصب الزيت على نار نظرية المؤامرة…ولكن من المؤكد إنها سمحت له بالزيارة وربما ساهمت في توقيتها لكي تختبر ذلك يوم الجمعة..
لكن المؤكد إن حسابات النظامين الأمريكي والسوري مرتبطة بحسابات الربح والخسارة..ومن المؤكد أيضا إن زيارة السفير لحماه تعني إن أمريكا ادركت إن النظام راحل لا محالة..ومن المؤكد أيضا إن حسابات الشعب السوري مختلفة تماما عن ذلك..فهناك فقط شيء واحد واضح الان : إسقاط النظام..
****************
الشيخ الشبيح تباكى على المنبر الأموي، وأمام قاعة شبه فارغة من المصلين ، على جهاد يقوده السفير الأمريكي…..
صح النوم يا فضيلة الشيخ..الثورة رح يصير عمرها خمس شهور…والسفير الآن تحرك…الثورة تنتصر يا شيخ..والسفير أدرك ذلك..أما أنت…فلا تزال في فقه السلاطين..و لا تزال تصر -مشكورا- على نسف الفكر التقليدي الذي تمثلة بإمتياز…
…لا حرمنا الله من خدماتك..

عندما بدأت الثورة، كان (ع.ق) في عالم آخر تماما..كانت لديه مشاكله مع الشرطة، لكن ذلك لم يكن له علاقة بالثورة أو بالمظاهرات أو بأي شيء مما كانت تغلي به سوريا..بل  تعلق الأمر بشجار مع بعض المراهقين من أجل فتاة…
  لكن الثورة سحبته  إلى النور في داخله، كفراشة لا تستطيع مقاومة جاذبية النور..سحبته و صهرته و أعادت تركيبه من جديد..
حدث الأمر  كحب صاعق ساحق ماحق، كحب من النظرة الأولى ،بالضبط كما في الروايات والأفلام الرومانسية، حيث يسقط البطل صريع الغرام من نظرة لفتاة خارقة الجمال مرت أمامه ..ويبقى يطاردها ويحلم بها طيلة الرواية..
لكنه لم يسقط في غرام فتاة ما، بل في غرام “مظاهرة” تصادف أن مرت أمامه..والـ”ما بيشارك…ما في ناموس”..وشارك ع.ق..مر بالتجربة الرهيبة التي قلبت كل كيانه…عاد للبيت متورد الخدين ،في منتهى الاستثارة و التوهج…لم ينم ليلتها..وظل يتقلب..بالضبط كالعشاق أو ما ينقل عنهم من أعراض…
في اليوم الثاني ، شارك بمظاهرة أخرى، هذه المرة ، مع سبق الإصرار والترصد….
ع.ق لم يعد الشخص ذاته، لقد أدخلته الثورة في بوتقتها ، صار شخصا مختلفا..شخصا يستحق أن يكون ..
والداه لا يعرفان بعد عن هذا كله…
ولعلهما سيمنعانه من الخروج لو عرفا..
يوما ما ، سيحمدان الله ، على الثورة التي اعادت تشكيله…

كجنين حملت به أمه بعد طول انتظار..
حلمت به عاما بعد عام، شهرا بعد آخر..
 قالوا لها إنها عاقر وإن زوجها عقيم. ..قالوا لها إن أرضها بور يباب  وسماؤها مجدبة..وإنه لا مجال..
صدقتهم احيانا و تناست الأمر..قالت لن ينبت في رحمي الأمل..انتهى الأمر..
لكنه كان يوقظها دوما بركلة  حبيبة في أحلامها..فتستيقظ ويستيقظ فيها الأمل…
وتبقى تحلم به، تداعب وجهه بخيالها، ترسم له صورا..وتسمعه يناغيها..يناديها..فتهب من يأسها
ولا تجد غير السراب..
طافت بنذورها على الأولياء..و بهمومها على الأطباء..
كان الصمت رد النذور..
وكانت التقارير الطبية اليائسة رد الاطباء..
لكنها نحت كل ذلك جانبا..واستغفرت وتوكلت على الله..
ظل يكبر في احلامها عاما بعد عام..وتجاوزت سن الأمل وأشرفت على اليأس..
…كادت أن تيأس حقا وأن تغلق هذا الباب
لكن فجأة، ذات صباح..دوار ما يدق على رأسها..، غثيان يغمر روحها..فإذا به أحلى دوار وأجمل غثيان..
*******
فكيف تسمح لهم اليوم بأجهاضها؟..
كيف تسمح لهم يتشويهه، طفلها الذي حلمت به طيلة عقود؟؟

هذا الجنين، له أسماء عديدة..
من أشهرها ..
“الثورة”….

منذ ان بدأت الثورة السورية و نخب معينة تحاول ممارسة نوعا من الوصاية الواضحة على شباب الثورة ،تتدخل أحيانا في صياغة الشعارات المميزة للثورة،أو تشترط هذا او ذاك من الشروط لكي تستمر في دعمها للثورة، سمعت بنفسي من إحدى هذه النخب إن الشباب السوري أقل وعيا ونضجا من مثيله المصري،وإننا نحتاج بضعة سنوات من توعية الشباب على الأقل قبل ان نصل لمستوى الشباب المصري..وهذا الكلام ليس ظالما فحسب للشباب السوري، بل هو يتجاوز حقيقة إن الكلام ذاته قيل عن شباب الفيس بوك المصري قبل الثورة وحتى أثنائها(قيل عنهم إنهم جيل البانجو والصياعة والفيديو كليب و كل شيء)….وإن قبل حوالي السنة من الثورة تورط بعض شباب مصر -وشباب الجزائر بالمثل- في موقعة الكرة إياها..
ما يتجازه هؤلاء هو إن الثورة نفسها -فعل الثورة والانضمام لها- يزيد من النضوج بل يكون كعملية مخاض لوعي جديد تتبدل فيه الأفكار والرؤى والطموحات..وهذا ما أشهده من نقاشاتي مع الشباب الفاعل منهم قبل و بعد الثورة..لقد نضجوا جدا..كانت هذه الأشهر الثلاثة بمثابة سنين ضوئية قطعوا فيها مراحل ونزعوا من “تلافيف العقل الجمعي” الكثير من “الاجزاء التالفة” والعاطلة عن الفاعلية..
النخب لا تزال عاجزة عن فهم هذا..صعقني قول احدهم إن الثورة جاءت مبكرة وإننا – إنهم يعني النخب- “سنضطر للقيام باعمال توعية كبيرة بعد الثورة”..(إي بمنطق الدورات..تكون النخب هي المدربة و شباب الثورة هم المتدرب..رغم إني أرى العكس)…
..وعندما اتحدث عن الشباب هنا،فغإي أقصد شباب الثورة تحديدا، وليس الشباب من الناحية العمرية بإطلاقها ، فبعض الشباب -سنا- ينتمون لفئة الديناصورات الفكرية بامتياز..وحتى النخب التي أشير لها هنا هي أكثر شبابا منهم ، ..بعض الشباب، كما بعض الشيوخ، لديهم حماس تافه وتفاؤل ساذج لا موقع له من الاعراب في سياق الثورة أو النهضة او اي شيء على الإطلاق..وقد سبق أن كتبت في ذلك مقالا عن “تفاءلوا بالخير هكذا و لن تجده أبدا”..وكان سبب المقال هو ذلك الشخص الذي وعد صديقه بولاية روما بعد فتحها..!..وقد أتيح لي عندما وصلت نداءات الثورة إلى بلد هذا الصديق..فوجدته ليس محايدا مثلا بل ضدها ببساطة..فهذا النوع من التفاؤل الساذج لا يمكن أن ينتج عملا أو ثورة او نهضة..إنه مجرد أفيون لرفع مستوى قبول الذات لا اكثر..
أما تفاؤل شباب الثورة فهو تفاؤل من يريد إسقاط النظام..ويخطط لذلك..ويعرض حياته للخطر..وقد يرتجف فرقا من الشبيحة لكنه رغم ذلك يخرج وهو مصر..غنه لا يفكر باسقاط روما أو النظام العالمي الجديد حاليا لأنه يريد أن يفتح فتحا أولا..ان يبني عالمه الجديد..وبعدها لكل حادث حديث..
اقول هذا لأني استيقظت اليوم لأجد عبارتين شديدتي النضج، بل والعبقرية ، من شابين من شباب الثورة..الأولى من شابة عاملة قالت عن مؤتمر سميراميس هذا مؤتمر المعارضة والله يوفقهم ..مؤتمرنا نحن ، مؤتمر الثورة في الشارع ، والمعارضة غير الثورة…وعندما سالتها عن مصدر هذا الفصل ، قالت إن الشارع هو الذ أوحى لها بهذا..
العيارة الثانية كانت تصف نفس الحدث بإنه “حلف الفضول”..وإن من حق أي أحد الانضمام له..لكن من يفكر بفتح مكة له منطق آخر…
هل يحتاج شباب مثل هذا إلى خوفنا ودوراتنا وقلقنا ؟..طبعا لا..نحتاج نحن أن ننصت لنبضه..إن لم نتفاعل مع هذا النبض فعلينا ان نصمت..بل علينا ان نخرس في هذه المرحلة على الأقل..
على النخب أن تدرك هذا..لقد تغير الوقت..هذه الصورة المرفقة أكبر دليل على ذلك..وليس هناك شخص واحد من النخب قادر على فعلها..فلنتأخر ونفسح المجال له ولأمثاله..وإن كان هناك فينا بقية خير فسيتم فسح مجال لنا لاحقا..
أما الآن فليس سوى الدعم لنبض الشارع…
ونبض الشارع الذي اتحدث عنه، هو الشارع بالعموم ، وليس بمنطق الأسوار والمدن..
الشارع الثائر حصرا…

إسراء ومعراج وثورة…

سبحان الذي أسرى بعباده من ليلهم الطويل المدلهم إلى فجر جديد يصنعونه بأيديهم..
سبحان الذي أسرى بعباده من  وضعهم “الحرام ” إلى الحد الأقصى” من الوعي :الثورة….!”
سبحان الذي أسرى بعباده من عهد الرضوخ إلى عهد الرفض..ومن عهد النوم إلى عهد القيامة…
ومن عهد “تعا ولا تجي”..إلى عهد “إرحل”…
سبحان الذي أسرى بهم من عهد الاستلاب إلى عهد الاستجابة للنداء..نداء الخروج من من الظلمات إلى النور..
سبحان الذي أسرى بهم من عهد الغفلة إلى عهد الوعي..ومن عهد الحيرة إلى عهد الحسم ..ومن عهد التردد المريض إلى عهد القطع البائن..
سبحان الذي أسرى بعباده من الأبراج العاجية إلى أرض الواقع..ومن مؤتمرات النخب إلى مظاهرات الشارع..ومن عهد التنظير والوصاية إلى عهد “الشعب يريد إسقاط النظام”…
سبحان الذي أسرى بعباده من أن يكونوا أسرى لأنظمة القمع ..إلى أن تكون عبوديتهم له هي حريتهم من كل أنظمة الاستبداد..
سبحان الذي حرر عباده من وصاية النخب، وجعلهم القادة فيما يقررون وينفذون..
سبحان الذي اسرى بعباده من عهد تقديس المشايخ والرموز والنخب الزائفة بعمائمها وشهاداتها وخطابها..إلى عهد تحطيم كل الأوثان..كل الأوثان…..
سبحان الذي جعل لنا من كل ما في ديننا دعوة للنهوض..فقط لو أزحنا الغشاوة عن أعيننا والأقفال عن عقولنا..
سبحان الذي جعل لنا في الاسراء والمعراج ثورة !….