إبليس يهمس في إذنيك..أو (تلبيس إبليس ..ضد الثورة)!

هوامش على دفتر الثورة (7)

إبليس يهمس في إذنيك..أو (تلبيس إبليس ..ضد الثورة)!

د.احمد خيري العمري

إبليس المعاصر لا يحاول غوايتنا نحو الشهوات فقط، كما تعودنا أن نتخيل..إنه لا يحاول جرنا إلى ذلك الموقع الإباحي أو تلك الغواية فحسب..بل هو يحاول أيضا أن يجرنا نحو القعود..نحو أن لا نفعل شيئا تجاه الظلم والفساد..تجاه أن نتعود على الواقع المحيط بنا مهما كان مخالفا لكل ما فطرت عليه ..

إبليس يصطادك ليس فقط نحو فعل المعاصي التي تراها واضحة وتستغفر بعدها وتتوب..بل نحو المعصية الأكبر..نحو الكبيرة التي ليس بعدها كبير…نحو “اللافعل”..نحو أن تهز كتفيك بلا مبالاة تجاه واقعك دون أن يعني لك تغييره شيئا..نحو أن تستمع إلى نشرة الأنباء التي تخص أخوتك واخواتك من أبناء بلدك فلا تعيرها اهتماما كما لو كانت نشرة الأنباء في قارة أخرى قبل خمسة عقود..

هذا هو رهان إبليس الأكبر..أن يجعلك جزءا من السكوت على واقع تجب “الثورة عليه”..أن يجعلك من أتباعه عبر تحويلك إلى شيطان أخرس..وأحيانا يحولك إلى شيطان ناطق عبر ترويجك للسكوت و القعود..

إبليس يفعل هذا عبر إقناعك إن السكوت هو الصواب..إن القعود هو الوضع الطبيعي..نادرا ما يفعل ذلك مع المعاصي الأخرى—لأن الشهوات تتكفل بك..لكنه يحتاج لذلك  مع القعود الذي يحولك إلى شيطان أخرس..ومع تحويلك إلى شيطان ناطق يروج للقعود والسكوت يثبط الآخرين ..

لأبليس وسائل متعددة للتلبيس عليك…يستعملها أحيانا كلا على انفراد ..وأحيانا دفعة واحدة عندما يستشعر خطرا يمس السكون والرضا بالواقع..بعضها شديد الإتقان..يبدو كما لو كان “كلام مثقفين” منمق و مزوق..لكنه خاوي وأجوف ويهدف  إلى أن يجعلك أجوفا كذلك..

من ضمن هذه التلبيسات الإبليسية ما يلي :

أولا- سيقولون لك بالنيابة عنه (بعضهم أقارب وأصدقاء وأشخاص تحترمهم)…الإصلاح يبدأ من أنفسنا أولا..عندما نكف عن رمي الأوراق في الشارع..عندما نكف عن التأخر عن العمل..عندما نكف عن الكذب..سيكون من حقنا المطالبة بالإصلاح..سيكون من حقنا الثورة..

إنها خدعة أنيقة جدا..خدعة تهمس لك أن تبدأ بنفسك و لا تقول لك مباشرة إن مطالبك  غير عادلة..لكنها تقول لك إن الإصلاح فردي وطويل الأمد  ويلمح لك إن “المعجزة” ستحدث  لاحقا عندما يقوم كل فرد بدوره كما يجب..

كثيرون يقتنعون بهذا التلبيس الإبليسي للأسف..خاصة إن أقوالا لعلماء ومفكرين تمازجت معها وأعطت معنى مقاربا..لكن الحقيقة هي إن هذه الخدعة تريد فقط إيقاف عجلة الثورة والتغيير لا أكثر ولا أقل..ومثلها مثل أن نقول لطفل صغير نعلمه الصلاة أنه يجب أن لا يصلي إلا إن أحس بالخشوع الكامل..مثل أن نقول لكل الطلبة أن يكفوا عن الدراسة إذا لم يحوزوا الدرجات الكاملة..أنه مبدأ “الكل أو لا شيء” الذي يقنع الفاشلين بالكف عن المحاولة..بل الذي يتحجج به الفاشلون ..

ثم إن هذه الفرضية – الخدعة تتناسى أن للأنظمة الفاسدة دورا كبيرا في عدم شعورنا بمواطنتنا..أننا عموما لا نشعر إننا نملك أوطاننا..دوما نشعر إنها مزرعة لهم ولعائلتهم ..لذا لا تفرق كثيرا معنا أن رمينا القمامة في الشارع أو تأخرنا على العمل..لا أقول إن ذلك صحيح..لكني أقول إنه مرتبط بالأنظمة..والمثال المصري خير دليل على ذلك..لقد وعى المصريون مواطنتهم أكثر عندما ثاروا على النظام الفاسد وأزالوه..وانطلقوا بعدها يزيلون القمامة ..بل ويتعهدون بعدم إلقائها مجددا..

ثانيا- سيقول لك أن النتيجة غير مضمونة!..نعم بالتأكيد..يشبه ذلك أن تمنع زيجة قبل وقوعها بحجة إن النتيجة غير مضمونة..أو أن تخبر زوجين تزوجا للتو أن لا ينجبا لأنه يمكن أن يلد طفلهما مشوها..أو عاقا ..أو يمكن أن يموت وهو صغير فيتحطم قلبيهما على فراقه..أو أن تخبر صاحب مشروع جديد أن لا يحاول لأن نتائجه غير مضمونة..كل شيء غير مضمون في هذه الحياة..بالذات الأمور المهمة التي تحدد مصيرك..عليك أن تخاطر..هذا جزء من النجاح (بالتعريف).. أن يكون هناك هامش للخسارة..حتى في الحالة المصرية ، التي هي النموذج والمثل، لقد حاول الشباب كذا مرة ، وفشلوا كذا مرة..ودفعوا ثمنا من حريتهم..وبعضهم دفع حياته..لكن الشباب أصروا..ثم نجحوا..

بالتأكيد النتيجة غير مضمونة..لكن ما هي ضمانات “النجاة” في البقاء في الوضع المستقر على الفساد والاستبداد..؟ أن تهاجر بحثا عن رزق أفضل وربما جنسية أخرى؟..هل هذه هي الضمانات؟؟؟…ستبدو محاولات الثورة مضمونة أكثر…ومجدية أكثر للوطن..

ثالثا-سيقولون لك وهم يبدون حرصا على سلامة البلد قبل كل شيء..سيقولون :لكن لا يوجد بديل..عندما يكون هناك بديل..ربما سينفع ذلك..

إذن عليك أن تنتظر البديل..وكيف سيأتي البديل؟ هل سيتم استيراده؟..أم سيتم استيلاده كالعادة ؟..بل إن السؤال عن البديل كفرد هو جوهر المشكلة..البديل لا يجب أن يكون فردا لأن ذلك هو أساس المشكلة..البديل هو نظام جماعي يفرز رموزه وشخوصه التي لا تهيمن على النظام..المثال المصري مرة أخرى نموذج على ذلك…

رابعا- سيتظاهر إبليس بالتدين وهو يقول لك :ليس هناك دليل من القرآن والسنة على فعل ذلك!!…نعم..وليس هناك دليل على التنفس أيضا..فلنكف عن التنفس حتى نختنق ونموت لأننا لم نجد دليلا على مشروعية التنفس..المطالبة بالإصلاح تشبه التنفس..بل هي تنفس أيضا..أنها في صلب حياتك..ومن يطالبك بالكف عن المطالبة نطالبه هو بدليل وليس العكس..ومن يأتينا بأدلة طاعة ولي الأمر نقول له هل سنكذب هذه الكذبة ونصدقها..من جعل هؤلاء أولياء أمر أصلا؟..ولي الأمر يجب أن يطيع الله ورسوله –بنص الآية- لكي تكون له طاعة..وهؤلاء فاسقون في أحسن أحوالهم وعندما تصل إلى الحد الأقصى من حسن الظن بهم..فكيف نطيعهم وما معنى الطاعة لهم؟..سيلغي ذلك كل النصوص اللاحقة التي يستشهدون بها..على ضعف بعضها واجتزاء بعضها الآخر..

بل إني أزعم هنا إن هناك دليلا من القرآن لمشروعية الثورة..الدليل ؟..وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ..هل قال إعملوا ثورة؟..لا ..لكنه فتح باب العمل على مصراعيه..يشمل ذلك الثورة وما دونها ما دامت لا تصطدم بنص شرعي..إن كان العمل يتطلب الثورة نعم..فقل إعملوا ثورة..ومن يحسن الظن بأنظمتنا بعد عشرات السنين التي قضتها في حكمنا، ويعتقد إنها يمكن أن تصلح شيئا بعدما كرست الفساد، يكون بحاجة إلى مراجعة لعقله أو نيته أو كليهما..

خامسا- سيقولون :بعض من يؤيدون الثورة لديهم ثأر “نائم” مع النظام لهذا السبب أو ذاك..نعم ربما..وماذا في ذلك؟..هل هناك من أعطى لهم حقوقهم كي ينسوا هذا الثأر..هل اعتذر النظام عن ما فعله بهم؟..هل أعطى لهم جثث أحبابهم وأقربائهم..أم أن الجريمة تتحلل كما تحللت تلك الأجساد..يقولون في أمثالنا إن العمل السيئ يركض خلف مرتكبه..وهاهو قد جاء اليوم..أليست هذه هي السنن؟..أليس هذا هو التدافع؟؟.

سادسا-سيقولون لك أيضا..الأمن مهم..إن حدث شيء فسنفقد الأمن..وهو قول يشبه إن تقول لشخص ما أن يبقى في الزنزانة لأنها بالتأكيد أكثر أمنا من شارع مزدحم قد تدهسك فيه سيارة مسرعة وقد تتعرض فيه لحادثة نشل…كل من يتحدث عن الأمان والاستقرار لا يقصد أكثر من أمان الزنازين والاستقرار فيها..هذا هو الأمان الذي يريدون بقائه..

سابعا- سيقولون لك محذرين(في بعض البلدان): هناك طوائف!..نعم كان هناك دوما طوائف..مالجديد في ذلك؟..لم نفترض إن هذه التعددية هي خطر..إن كانت كذلك حقا فهذا يعني إن هذا النظام قد فشل في توحيد المجتمع..وهذا وحده يشرع إزاحته..

(على ذكر الطوائف والخوف منها..أول مرة في حياتي وربما في تاريخ البشرية..نرى الأكثرية تخاف من هذا الموضوع…!!)

سابعا- بعض من يؤيدون الثورة على مواقع النت يسبّون ويقولون ألفاظا سيئة!!..وهذا يدل على إنهم سيئون!!..يا لطيف..يا رجل قل غير هذا..ممنوع على الضحية حتى أن تسب !..ممنوع أن تدافع عن نفسها ولو بكلمة ؟..ضد من؟ ضد الجلاد الذي عرف دوما بان البذاءة هي لغته اليومية لا الاستثناء العابر..بل الذي هتك الأعراض –عمليا- لا عبر ألفاظ فحسب..

ثامنا- سيقولون لك ..بعض من يقف ضد هذه الثورات رجال كبار في السن والمكانة ولا بد أنهم أكثر فهما وحكمة من هؤلاء الشباب..

أسمع جارة في مكة تقول ذلك لسمية أم عمار..أبا الحكم أكثر حكمة من هؤلاء الشباب ..لاحقا صار أسمه” أبو جهل”…

تاسعا-مؤامرة..مندسون..أجندة..تخريب..استهداف..الخ..

وعل الرغم من أنه لا دليل على حرف واحد من هذا..إلا أنه من المهم أن نذكر إن كل الأنظمة التي قامت الثورات عليها –لتشعل فتيل الثورات لاحقا-هي أنظمة عميلة بامتياز..أنظمة أخرى كانت حريصة دوما على حفظ حدودها أمنة مع العدو..رغم إغراقنا بشعارات المقاومة..

عاشرا- سيهمسون أخيرا،إن لم تكن قد اقتنعت بكل ما فات : يا أخي الإنكار في القلب..نعم..لقد أنكر القلب بصمت حتى تورم..حتى أصيب بالذبحة..قرر أخيرا أن ينفجر كي لا يكون كمدا…

**********

سيكون لإبليس دوما أقوال جديدة..يهمس بها في إذنيك..يجرك جرا إلى السكون والسكوت والتثاقل..

ويجب أن يكون هناك دوما من يفند أكاذيبه ..!

 

بين فقه الجندية وفن الأدوار…: بقلم أحمد خليل خير الله

 

بين فقه الجندية وفن الأدوار                    كتبه :أحمد خليل خير الله

 

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

كان هذا السؤال دائما ما يطرُق باب كل خلية في رأسي حين أُبحر نحو هذه القصة وأعايش مشاهدها وأستشعر نفسيات أبطالها , أسمع أصواتهم , وأتأمل وجوههم متفحصاً وباحثأً عن مزيد من المعاني من خلال لغة جسدهم وانفعالاتهم ولكن السؤال يظل يطرق ويطرق

لماذا لم يتكلم ؟؟   لماذا لم يكن بطلاً لكل مشهد (رغم أنه الأحق بذلك من وجهة نظري) ؟؟

 لماذا لم يشارك بالرأي والتوجيه ؟؟

بل والتنظير ووضع الإستراتيجيات والمنهجيات وضبط البوصلة التي يفتقدها بنوإسرائيل ؟

كل هذه الأسئلة كان محور إثارتها شخص واحد هو نبي الله داوود عليه السلام …..

بنو إسرائيل يطلبون القتال بل يبحثون عن قائد عسكري يُحسن إستثمار هذه الملكات والمهارات والطاقات والحماسات { ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}

فكرى يطاردني يعكر على صفو متعتي بالقصة يقول لي بصوت متسارع  :- ( أُخرج عليهم يا داوود وقل لهم :- أُقدر حماستكم ومهارتكم وأسأل الله أن يبارك في هذه الطاقات ولكن عالم الأفكار لم يكتمل بعد رغم سماعي لقولكم )

{وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا}ولكنه لم يتكلم عليه السلام .

وحدث الحادث {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}

المشاهد تتوالى والأحداث تتسارع

{وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} ترى بماذا سيجيبون ؟!

فتأتي الإجابة :- {قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ}

فكرى يطاردني مرة أخرى بنفس السؤال المتسارع ؟ لماذا لم يخرج عليهم داوود عليه السلام حتى ولو

 لم يُنبأ ويقوم بحل هذه المحنة المفاهيمية , ما هذا الذي يقوله بنو إسرائيل !؟ ما علاقة الحرب بالمال ؟!

أخرج يا داوود وتكلم قم بدورك .

 إصبر يا عقلي واترك الآيات تتوالى … إنتظر قليلا !!

والحمد لله جاءت الإجابة من داوود عليه السلام :- {قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}

تحرك الجيش واقتربت المعركة ويالها من موجات نفسية تحتاج إلى ربان يبحر بسفينته فوقها {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ}

جاء دور داوود الخطيب عابد بنى إسرائيل الكفاءة الدعوية المنتظرة التي يتنبأ لها الجميع بالقيادة والسؤدد والمستقبل الدعوى البراق ليقول لهم :- جاء دور الإختبار اثبتوا, تهيئوا, أحسنوا تفلحوا,

ولكنه لم يتكلم {فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} الله المستعان ….. تساقط البعض.

{فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ}

محنة مفاهيمية أخرى ولكني لن أتكلم انتم تعرفون ماذا سأقول

ثم……………….

{قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}

قطعا كان داوود مع من قال هذا القول المنجى بإذن الله .

المشهد الأخير…………..

{وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ, فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ}

الله أكبر ها هو داوود عليه السلام قد ظهر بعد اثنتين وعشرين سطراً من كتاب الله.

القصة عن بنى إسرائيل والعبرة تكون لنا

 

 

فقه الجندية وفن الأدوار

نصف سطر أزعم أنه يهدم جدار كل سؤال بناه عقلي في عدم ظهور داوود عليه السلام طوال هذه القصة, لأنه يعلم فقه الجندية فمن لم يحسن الجندية لن يحسن القيادة ومن لم يفهم دوره فقد جنى على أدوار آخرين.

داوود عليه السلام كان يعمل ويتربى ويؤدى ويعمل, كان قائدا ولكن في مكانه في دوره ولكن القشرة الخارجية لعمله جندية, ما أسهل إطلاق الصيحات بل والتشغيب بل يتفنن البعض في أن يتحول إلى “مشروع فتنة

فيحرق الأخضر واليابس رغم وجود طالوت في كل موقف وأدائه العالي المجرب.

*لو فكرنا بتفكيرك هذا لما خرجت كفاءة دعوية واحدة ولصنعنا من القادة طواغيت في أبراج عاجية لا نفهم لغة الجماهير ولا تحسنها . (لعل هذا ما تفكر به الآن)

أجيبك وأتفق معك تماما فيما تقول ولكن لو تدخلنا في كل شئ مع إهمال ما تحت أيدينا من أعمال كلفنا بها من قبل القادة لأضعنا كل ثغرة ولصرنا كترس الساعة الصغير الذي قرر أن يكون في خدمة عقرب وحقر دوره لأنه لا يراه أحد فترك مكانه فتوقف العقرب وخربت الساعة.

إذاً وضح لي ماذا تقصد ؟      

 أقول لك :- * لا نجعل التفكير في الأمل المنشود يضيع منا الواقع الموجود (بل نفكر ونعمل بجد )

*(لا نجعل أحلام الغد وأمنياته تضيع منا الحاضر وإنجازاته)

* (بل نحلم ونتمنى ونعمل في الحاضر وننجز ونستعين بالله ولا نعجز)

* نشارك طالوت ونفكر معه وندعوا له وفى نفس الوقت نهيئ أنفسنا لقتل جالوت الغاشم……

* من لقتل جالوت إن لم يكن نحن حتى لو لم نظهر في المشهد طوال القصة ؟

فقه الجندية وفن الأدوار

فقه الجندية : يعنى أنه إن لم أجد لنفسي دورا أقوم به ساسعى لأصنع لنفسي دورا كنعيم بن مسعود رضي الله عنه في الأحزاب فأخذل ما استطعت , أو كأبي بصير في الحديبية فأرجح كفة أهل الإسلام

فقه الجندية : يعنى أن أكون على أتم الاستعداد على تلبية أعذب نداء (يا خيل الله اركبي)

حتى لو كنت مع عروس في أحلى اللحظات كحنظلة رضي الله عنه .

فقه الجندية : أن أثق في القيادة لا أقدسها وأن أدعوا لها بالسداد والتوفيق لا بالعصمة وأطيع في المعروف كالصحابة مع عمرو بن العاص رضي الله عنه في ذات السلاسل .

فقه الجندية : أن أتقن عملي وأؤدي من غير تشغيب أو سفسطة لعدم وجود المعطيات التي يمتلكها القيادة وليس مطلوبا من القيادة)على الدوام) أن تفصح لى عن كل صغيرة وكبيرة مثل موقف الصحابة يوم الحديبية (بالطبع مع وجود الوحي الأمر يختلف ولكن قصدي في المنهجية) .

فقه الجندية : أن أقدر عملي ولا أحقره حتى ولو كان صغيرا لأني لا أنظر إلى صغير العمل ولكن أنظر إلى العظيم ربى الذي أعمل له جل وعلا .

فقه الجندية : كلمة قالها نابليون جيش من الأرانب يقوده أسد خير من جيش من الأسود يقوده أرنب, نقول لنابليون شكرا على كلمتك ولكن عندنا في الإسلام جيش من الأسود يقوده أسد خير عندنا من كل جيش والأمثلة من المعارك الإسلامية كثير وتكفى حروب الردة في الإستدلال.

فقه الجندية : يتلخص في هذا الحديث الشريف قال صلى الله عليه وسلم”طوبى لعبد آخذٌ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة (مؤخرة الجيش) كان في الساقةرواه البخاري

أما فن الأدوار:

فيعنى جيش كبير يقوده قائد عظيم كخالد بن الوليد رضي الله عنه ربما كان فيه جندي عظيم اسمه معاذ بن جبل أو حلقة علم فيها عالم عظيم كمعاذ بن جبل فيها طالب عظيم اسمه خالد بن الوليد رضي الله عنه

فن الأدوار:

 يعنى أبو هريرة رضي الله عنه يحفظ وأبو بكر رضي الله عنه يقود وزيد بن ثابت رضي الله عنه يتعلم اللغات وعبد الله بن مسعود يقرأ القران ويعلمه وأبى بن كعب رضي الله عنه يعلم العلم

والأدوار واضحة, والكل رضي الله عنهم ورضوا عنه

 داوود جندي وطالوت قائد والنتيجة جيش ناجح {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ}

فقه الأدوار يعنى أن يجيد الكل دوره إما :

1- مفكر: يجيد التفكير والتحليل وعرض الرؤى .

2- مخطط : يأخذ وينتقي من هذه الأفكار ما يخدم الأهداف .

3- قائد : يجيد التعامل مع البشر والتواصل معهم والتأثير فيهم .

4- مروج : يحسن عرض الفكرة والدعاية لها .

5- منفذ : جندي مقاتل يؤدى ما عليه وينفذ بإتقان .

6- مراقب فقيه : يحفظ اللوائح والقوانين ويعدل الخلل ويوجه .

7- محب متربي : على هذه الأدوار الست يفهمها ويراها مجسمة في قدوات ليتيقن أحداها أو بعضها أو كلها بقدر توفيق الله وعونه واجتهاده هو .

سلمان رضي الله عنه رغم أنه حديث عهد بإسلام يقترح فكرة إستراتيجية يسخر لها الجيش .

والنبي صلى الله عليه وسلم ينصت لها بل وينفذها ويصبح الخندق (خندق سلمان) .

جنود مؤدون مبدعون وقائد ينصت ويحتوى ويحترم من تحته .

فقه الجندية وفن الأدوار

أن يقترح الخباب بن المنذر رضي الله عنه في بدر تغيير موقع الجيش والقيادة توافق دون تردد لوجاهة الإقتراح

(القيادة الشورية هي السبيل الأمثل لتعليم فقه الجندية وفقه الجندية هو السبيل الأمثل للقيادة الشورية)

الأمة تحتاج إلى طالوت وإلى داوود .

داوود الجندي من أحسن الجندية وقام بالدور .

وتحتاج إلى طالوت القائد الذي يسمع وينصت ويكون قويا أمينا لقيادة أمة .

لذا لابد من التنبه المستمر من فيروسات التدمير لمنظومة (داوود طالوت) في القيادة والجندية فهي أخطاء يقع فيها كل طرف

أولاً :- من جهة الجنود :-

1- سوء الادب في التعبير عن الراي مع التحدث من غير علم او معطيات .

2- التسرع المتهور والحماس العشوائي .

3- النفاق المقنع بداعي الأدب أو أن القيادة تعرف كل شيء عن أي شيء فينتج عنه السكوت عن الحق . 4- روتينية المهام حين تؤدى من غير روح .

ثانياً :- أما من جهة القيادة :-

1- عدم الإنصات او الإنصات الإنتقائي .

2- إحتكار الرأي .

3-الحرص على تربية النسخ لا القادة وأزعم أن القائد الذي لا يخرج قادة ليس بقائد .

4- مرض (الشخصنة) وهي ان يبنى النظام على مزاجية القائد لا فاعلية النظام وحلها أن يبنى النظام على المنهجية لا على المزاجية وما يحدث في غياب القائد مؤشر لاستمرار المرض او الشفاء منه .

أخي طالوت … القيادة ليست هي تأثيرك وأنت موجود بين أفراد فريقك . بل هي ما يفعلهأافراد فريقك في غيابك “  ولعلنا نطلق على هذه القاعدة ( أم القواعد القيادية )

أما المشترك فهو :-

1- عدم التجرد واتباع حظ النفس ( الاجندة الخاصة ) .

2-   الخلافات الشخصية التي إن لم تحتوى تتحول بطول العهد إلى خلافات منهجية فكرية

ولعل قاعدة “وامرهم شورى بينهم ” هي العلاج الأنجع  لهذه الامراض

أدعوا نفسي بمثل ما أدعوا به شباب أمتي

(مضى زمن الأقوال ولا صوت يعلوا على صوت الأفعال)

أخى داوود كفى كلاماً فالعامل متكلم ولو سكت

أخي داوود كن مشروعاً أو فكر في مشروع أو شارك في مشروع أو كن بعضها

 أحسن جنديتك وقم بدورك

أخى داوود لا تخذل طالوت ( لو خضت البحر لخضناه معك) سعد بن معاذ رضي الله عنه يوم بدر

أخي طالوت أفهم داوود واغتنم كل ذرة من طاقته

والله لأنسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد (أبو بكر الصديق رضي الله عنه)

أخي داوود كن أنت الإنجاز الذي تريد أن تراه في دعوتك

أخي طالوت كلنا ثقة بك فاعمل بإذن الله

(واعلم أن القائد لا يستحق لقب قائد ما لم يكن مستعداً لأن يكون وحده أحيانا )

ولكننا لن نتركك بإذن الله ………..

قال تعالى على لسان عيسى {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}

نحن أنصار الله بإذن الله  .

داوود……. هل تراك تقتل جالوت وتكون عوناً لطالوت؟؟

وكم من جالوت قادم

طالوت……. هل تراك تؤهلنا  وتصبر علينا وتنصت لنا ؟!

وكم من طالوت عالم              

فنحن بين قادم…. وعالم والله المستعان

 

توقيع : (داوود منتظر)

الشيخ يوسف القرضاوي ..أراك فيهم وأراهم فيك: د.شيماء الصراف

الشيخ يوسف القرضاوي

أراك فيهم وأراهم فيك

 

شيماء الصراف

 

هم؛ أحرار النفس . العدل هو البوصلة، زهرة عباد الشمس يدورون معها أينما استدارت، لا يعترفون ولا يعرفون غيرها .

لم يؤاثرو السلامة بإطباق الفم.

لم يعرفو الشيخوخة، موت الروح المتجلّي في انكسار العينين.

في عصر واحد؛ القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي

أبو حنيفة النعمان من العراق يمتنع عن تولّي عمل للسلطة، لا يقف عند هذا بل يحرِّض الناس للخروج مع زيد بن علي الثائر في المدينة، لعدالة ما يدعو اليه، ويصف خروجه بخروج جدّه (الرسول الكريم) يوم بدر. يدعم ثورته بالمال، فهو كما يقول : تاجر ليس بمقدوره حمل السلاح، يُضرب بالسياط حتى ينتفخ وجهه ولا شيئ يثنيه . وفي العصر العباسي اصطفّ أبو حنيفة إلى جانب العلويين أيضاً في ثورتهما : محمد ذو النفس الزكيّة وأخيه إبراهيم بن عبد الله بن الحسن . رفض تولّي القضاء للسلطة، هذه المرّة أيضاً ضُرب بالسياط  ومات في السجن ويُقال إنه مات مسموماً . هو الذي يقول للخليفة المنصور العباسي دون خوف ووجل : أنه تولـّى السلطة دون انتخاب له من الناس، وتعيين الحاكم يكون باجتماع الناس عليه ومشورتهم .

جعفر الصادق في المدينة يختار المقاومة والعصيان المدني مقتصراً عليهما ومكرّساً نفسه لهما تماماً، متّبعاً مافعله أبوه محمد الباقر من قبل ؛ التوعية وخلق اساس التعاون والتضامن وصولاً إلى ثورة منظّمة تشمل الناس كبيرهم وصغيرهم . يفتي الإمام ان ليس فقط المتعاون مع سلطة ظالمة شريك لها في ظلمها بل الراضي والساكت عن الحالة شريك في الظلم أيضاً. لقد نهى عن تولّي أبسط الأعمال للحكّام حتى لو كانت ” بناء أو كراية الأنهر”. جعفر الصادق كان مسموع الكلمة، محل التفاف الناس، تقديرهم واحترامهم  ليس لأنه حفيد الرسول الكريم (ص) ولكن لعلمه وورعه وزهده، فهو التطبيق والمثال الحي لقول الرسول الكريم لأهله وعشيرته : أن لايأتوه الناس بالأفعال ويأتونه هم بالأنساب .

في المدينة أيضاً ينحى الإمام مالك بن أنس منحىّ آخر تماماً؛ عدم الإنقطاع عن السلطان، إنه ينصح، يعض ، يأمر بالمعروف فيجد فيه مطيعاً، متقبّلاً، منفِّذاً، يمضي الوقت وتحدث المواجهة فهناك حدود لايمكن تجاوزها، المساس بسلطة الحاكم ، يقابلها اختيار مالك بين الحق والباطل. ولا مجال للتردّد ؛ يقف الإمام مالك بجانب محمد بن عبد الله ذو النفس الزكيّة في ثورته على الخليفة المنصور العبّاسي ويفتي الناس بأنّ بيعتهم للمنصور باطلة لأنها تحصّلت  بالإكراه ، يُضرب الإمام مائة سوط ، تُمد يداه حين ضربه فتنخلع كتفاه . في رواية أنه أفتى ان طلاق المُكرَه باطل ، فمن يُكره على تطليق زوجته فطلاقه باطل.فتوى استُعملت  كتورية لإبطال البيعة للمنصور العباسي، فكل أمر أستُحصل جبراً وبالإكراه باطل . حُلق الإمام وطِيف به على بعيرفي المدينة بعد ضربه، كان ينادي : يُعرِّف بنفسه وبفتواه .

 

***

أراك في الإمام عبد العزيز بن عبد السلام (ت 660 -1262 م) . من على منبر المسجد في دمشق أنكر على السلطان فعله ونال منه (سبّه) لإعطائه قلاع الصَفَد والشقيف (انظر معجم البلدان لياقوت الحموي) للفرنجة طوعاً واختياراً، عُزل وحُبس وحين أطلقته السلطة رحل إلى مصر، عيّنه سلطانها قاضياً، ولم يُهادن أحداً ولم يتوقّف عن تغيير المُنكر بلسانه ويده ، هذه المرّة عزل نفسه بنفسه عن القضاء ، وأقام في بيته يفتي ويُدرِّس. حين بلغ السلطان خبر موته قال:” لم يستقر مُلْكي إلاّ الساعة، لأنه (ابن عبد السلام) لو أمر الناس فيَّ بما أراد لبادروا إلى امتثال أمره” .

أراك في الإمام ابن تيميّة  (ت728 – 1328 م) . هذا الرجل ناضل ضدّ آفات المجتمع من الداخل كما ناضل ضد ما يعرض للأمّة  من بلاء من الخارج .

 في حملتين وفي سن الكهولة، خرج الإمام حاملاً سيفه يُقاتل التتار الهاجمين.

حارب ابن تيميّة الحشيشة بشراسة ؛ هاجم المتصوّفة الذين يدّعون أنّ تعاطيها هو تقرّب من الله وأنها تحرّك الإرادة الساكنة إلى أشرف الأفعال، وحكم انهم، باعتبار تنظيرهم لها، أشد خطراً ممن يقول ان الحشيشة حلال والذين اعتبرهم مرتدِّين وكفرة. شخّص الإمام بدقّة خطر الحشيشة في مرحلة كان التتار يخرِّبون المجتمعات يقتلون ابناءها وينهبون خيراتها، كان على الجميع التكاتف ضدّهم وهو أمر لم يكن بمقدور متعاطي الحشيشة لفعلها التخريبي في جسمه وذهنه. قال الإمام عبارته الشهيرة :” … فإنها خرجت وخرج معها سيف التتار”، وأيضاً :” وإنما حدثت في الناس بحدوث التتار” . لم يكن غرضه أن يؤرِّخ لانتشار الحشيشة إنما أراد ابن تيميّة أنْ يقرن خطرها بخطر التتار، أراد ، بمقارنتها بسيفهم أن يثبّت في اللّاوعي تأثيرها المُدمِّر ، فسيف التتار يحصد الأرواح والحشيشة تخرّب الأبدان والعقول . مات ابن تيميّة سجيناً في قلعة دمشق .

 

***

أذكر قولين :

الأول للإمام جعفر الصادق : ” ما ضعف بدن عمّا قويت عليه النيّة” .

الثاني للإمام أبو حنيفة النعمان :” هي موتة واحدة” . قالها الإمام حين حلف والي الأمويين على العراق بضربه بالسياط إلى أن يموت إنْ هو استمرّعلى رفضه تولّي القضاء .

 

***

الشيخ يوسف القرضاوي

كتبت هذه المقالة القصيرة معنْونة بإسمك؛ وراءك وبجانبك يصطف الكثيرون، مع ذلك فأنت الطليعة والمثال الحي على شجاعة النفس وقوّة العزيمة والمثابرة .

 

المراجع : أخبار أبو حنيفة وأصحابه، القاضي الصيمري – البداية والنهاية ،ابن كثير – ترتيب المدارك وتقريب المسالك، القاضي عياض – زهر العريش في تحريم الحشيش، بدر الدين الزركشي-  شذرات الذهب ،ابن عماد الحنبلي – الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ،اسد حيدر – صِفة الصَفْوة، ابن الجوزي – فوات الوفيات،ابن شاكر الكتبي – المعارف، ابن قتيبة – مجموع الفتاوى الكبرى، ابن تيميّة – مناقب الإمام الأعظم، ابن البزاز الكردري – النجوم الزاهرة، ابن تغري بردي – وفيات الأعيان، ابن خلكان .

 

 

 

 

 

 

 

 

من غار حراء إلى “بارنز أند نوبلز “..

غيرة 2

من غار حراء إلى “بارنز أند نوبلز “..

د.أحمد خيري العمري

غيرتي الثانية من أمريكا كانت غيرة يجب أن يشعر بها كل كاتب عربي…. ويمكنني أن أضيف فأقول: كل كاتب مسلم.. وأستدرك فأقول: كل مسلم… ثم أستدرك مجدداً فأقول: إن كلمة غيرة مخففة أكثر من اللزوم.. ربما  كلمة قرحة هي الأنسب.. أو ربما كانت كلمة جلطة “كامنة” أكثر تعبيراً عن الأمر.

نعرف جميعا الأرقام الكارثية لمعدلات القراءة في الوطن العربي، وكما مع كلّ ما هو كارثي عندنا، فإن الإحصاءات لا تحرّك فينا قيد أنملة من رد الفعل.. نعتبرها دوما تخصّ أشخاصاً آخرين ونتجاهل مدلولاتها… لكن هذه الأرقام ستصبح مثل أشباح تطاردنا عندما نرى الفرق الكبير بين أرقامنا وأرقامهم مجسّداً في أشخاص نراهم يتحركون قربنا، ويمشون في الشوارع، ويأكلون الطعام في الأسواق.

طاردتني تلك الأشباح في كلّ مكان في واشنطن العاصمة.. في المترو.. في الحافلة.. في الشارع.. في كلّ مكان.. أشباح لا يراها غيري ولا تخيف أحداً سواي.. لكنها كانت تخيفني لأنها كانت تقول لي كم نحن بعيدون عما يجب أن نكونه!.. وكم هم قريبون- ولو شكلياً- من بعض ما كان يجب أن يكون جزءاً أساسياً من عاداتنا اليومية!.. فإذا بالواقع يكون بعيداً لدرجة أن من يفعلها عندنا قد يبدو غريباً وقد يوصم  بكلمات من نوع “معقّد” أو حتى “مجنون”..

أتحدث عن عادات القراءة عند الأمريكيين، رغم أنهم قلقون أيضاً على انحسارها مقارنة  بمعدلاتها قبل عقود، ولكنها لا تزال كفيلة بإثارة الغيرة واستنبات القرحة والحسرة عند كاتب عربي يعرف أن كلمة كتاب ناجح في بلاده تعني خمسة آلاف نسخة، وكلمة كتاب ناجح في أمريكا تعني خمسة آلاف نسخة في اليوم!

يقرأ الأمريكيون في كل مكان.. ليس في انتظارهم فقط بل حتى أثناء مسيرهم لمكان ما.. بمعنى أنك قد تصادف في طريقك شخصاً ما يسير مسرعاً وهو يذهب لعمله أو جامعته، وبدلا من أن يركز في الطريق، أو يتأمل في المارة (والمارات!)؛ فهو يحمل كتاباً في يده ويقرأ فيه (كما يفعل الطلاب عندنا مع كتبهم الدراسية في مواسم الامتحانات).. وتكون متأكدا من أن هذا الكتاب لا   علاقة له بامتحان على الإطلاق.

هل أحتاج إلى أن أقول إن ما تسبّب في غيرتي الأولى (النظام والانتظام) قد نتج أصلاً عن عادات القراءة.. هل أحتاج إلى أن أصرّح أن القراءة وإن عوملت كعادة أو هواية  –مثل الرياضة والتسوق وغيرها مما يملأ وقت فراغ الأمريكيين- إلا أنها كانت سبباً أساسياً في نشوء أمريكا القوية.. كما كانت وستكون دوماً سبباً في نشوء أي مجتمع قوي بغض النظر عن رأينا في ثوابت هذا المجتمع وفي قيمه..

ولدت أمريكا كأمة مستقلة في منحنى تاريخي مهم، شهد انتشار واحدة من أهم مخترعات البشرية: الطباعة… لا أقول اختراع.. بل انتشار هذا الاختراع .. وقد كان لانتشاره في أوروبا أولاً وأمريكا ثانيا –قبل استقلالها- أثرٌ كبيرٌ يفوق بكثير أثر الكهرباء والانترنت على حياتنا اليومية.. قبل الطباعة كانت الكلمة المكتوبة محتكرة من قبل فئة معينة تمتلك المال، وتتمكن من القراءة.. الطباعة حررت الكلمة من هذا الاحتكار، صارت الكتب أكثر انتشارا وأقل كلفة.. ولولا الطباعة لما كان يمكن للإصلاح الديني الذي قاده لوثر أن ينتج ما أنتجه.. قبل لوثر كانت الكنيسة تحتكر فهم الكتاب المقدس، وكان عموم الناس ملزمين بهذا الفهم لأنهم ببساطة لا يملكون الكتاب المقدس ولا يستطيعون قراءته.. الطباعة –التي بدأت قبل خمسين سنة من حركة لوثر الإصلاحية مهدت للحركة، ما كان يمكن لأفكار لوثر أن تهزم الكنيسة لو كان الكتاب المقدس لا يزال محتكراً من قبلها.. لكن خمسين عاماً من الانتشار للكتاب المقدس بين عموم الناس كانت رصيداً إضافياً للوثر.. (يشبه ذلك إلى حد بعيد ما يحدث من نتائج كبرى بسبب ثورة التواصل الاجتماعي كالفيس بوك والتويتر والانترنت عموما.. فقد تحررت المعلومة هنا من قيد المؤسسات الرسمية.. فكان أن أحدثت أثراً مختلفاً جداً)

ولدت أمريكا في خضم هذا الغليان.. الكلمة المطبوعة تنتشر، الأمية تقلّ، ولأن أمريكا  كانت بعيدة جداً عن كل أشكال السلطات السائدة والمتناحرة في أوروبا، فقد كان هناك نوع من الحرية سهّل من طباعة ونشر الكتب التي كانت تعاني من القيود في العالم القديم..

“الكلمة المطبوعة” و أمريكا ولدا  في وقت واحد تقريبا.. وهذا جعل ارتباطهما وثيقاً للغاية..

كانت الدولة الناشئة تستورد من الكتب أكثر مما تستورد من أي شيء آخر.. وسرعان ما صارت مبيعات الكتب فيها تفوق مبيعاتها في الدولة -الأم: بريطانيا.. وكذلك صارت معدلات الأمية أقل من مثيلاتها في العالم آنذاك.. كانت تجمعات المستوطنين الجدد تناقش كتباً عميقة مثل “المنطق العام” لتوماس بين… وكان تشارلز ديكنز-على سبيل المثال- يعامل كما يعامل اليوم نجوم السينما والاستعراض…

دخلت القراءة في صلب الأمة الناشئة ، فصارت جزءاً من “عقل جمعي” جديد كان يتشكّل بالتدريج.. هل كان محض صدفة أن حق التصويت والانتخاب في الانتخابات منذ مرحلة ما بعد الاستقلال قد اقتصر على القادرين على القراءة والكتابة فحسب أولا؟ .. أليس ذلك تحديداً لمواطن تلك الدولة الجديدة بكونه ذلك القادر على القراءة؟.. هل يمكن إلا أن ينتج ذلك شعباً يقدر القراءة و يعتبرها من أساسات حياته اليومية؟.. صحيح أن منع الأميين من التصويت عُدَّ إقصاءً ضد السود وسكان أمريكا الأصليين (وهو أمر صحيح إلى حدّ بعيد) لكنه في الوقت نفسه شكّل ولابد دافعاً لهؤلاء لتقييم أنفسهم من جديد بناء على هذا المعيار..

لا أقول كل هذا لتمجيد أمريكا.. فالقراءة وسيلة وليست غاية بحدّ ذاتها.. صحيح أنني ككاتب أفضّل القراءة على سواها، وأقول في نفسي “ونعمت الغاية!”.. ولكن ذلك محض تحيز فلا تلقوا له بالاً.. أود من خلال كل ذلك أن أنوّه إلى أن هذه الوسيلة لعبت دوراً في قوة أمريكا وفي نشر وتكريس أفكارها ومبادئها و ثوابتها الأساسية (بغضّ النظر عن توافقنا أو اختلافنا مع هذه الثوابت) إلا أن انتشار القراءة في أمريكا ساهم في تكريس ما قامت أمريكا عليه من قيم ومبادئ.. كانت القراءة هي “الحقنة” التي تم من خلالها نقل كل ما يجب نقله من معايير وقيم للأمريكان.. ولعل الانحسار –النسبي- لمعدلات القراءة (تبقى عالية جدا بالمقارنة معنا!) وتغير نوعية الكتب المقروءة يعكس تغير المرحلة الحضارية.. فعندما كانت أمريكا في مرحلة النمو، كانت الكتب الرائجة تعكس القيم التي ستكون سبباً في قوتها ( وهو ما لا يشترط أن يكون سبباً في قوة غيرها بالضرورة): المنطق العام لتوماس بين (الذي قيل إنه لولاه لما كانت هناك أمريكا )، الكتاب المقدس (الذي قُدم دوما بقراءة مختلفة جعلت من أمريكا هي أرض الميعاد التي تحدث عنها الكتاب المقدس)، سيرة بنجامين فرانكلين، مستوطنة بلايموث (يوميات المهاجرين الأوائل)، أوراق الاتحادي (الذي يحكي قصة الدستور الأمريكي)..، حتى الروايات مثل: كوخ العم توم، ذهب مع الريح، كلها شكّلت أمريكا على النحو الذي جعل منها قوة عظمى بكل ما لها من إيجابيات وسلبيات… وكلها عكست قيماً معينة استندت عليها أمريكا في نهضتها..

أما اليوم فالكتب الرائجة تعكس طوراً مختلفا جداً من أطوار الحضارة الأمريكية.. طور الترف والانهيار (لا يعني ذلك أن أمريكا ستنهار غداً ولكنه يعني أنها استنفذت الكثير من قيمها الأساسية).. الآن الرائج من الكتب يرتكز غالباً على الإثارة (هاري بوتر) والتشويق(دان براون) والصرعات الفكرية العابرة التي لن تصمد لعقد قادم، والتي يصل البعض منها لحدود الدجل الصريح ( كتاب السر مثلا).. والكثير من الترهات التي تعامل عندنا كما لو كانت علماً محسوماً، وهي مجرد صنعة يغلب عليها الحيل والحذق أكثر من أي شيء آخر…

طبعا لا ينفي ذلك كله وجود كتب مهمة فكرياً وأدبياً لها قراؤها ولها جمهورها.. لكن الرائج أو ما يعرف بأفضل المبيعات حالياً يكون في خانة “التسلية” بتنوع تصنيفاتها.. وهو نتيجة نهائية لخضوع النتاج المطبوع لمتطلبات صناعة التسلية التي سيطرت على كافة وسائل الإعلام في الولايات المتحدة والعالم تباعاً..

أين نحن من كل ذلك؟ نحن أسوأ بكثير. لقد مروا هم على الأقل بمراحلهم من القوة والنمو إلى الترف والضعف، وهذا شأنهم.. فما بالنا نحن نحرق المراحل ونتجه فوراً إلى “ثقافة التسلية” والدجل المعاصر مثل “أستطيع أن أجعلك مليونيرا”.. ..الخ.. كما لو أننا تخلصنا من كتب الدجل والشعوذة الخاصة بنا ( تراثية و معاصرة!).. وحتى هذه تبقى أرقامها هزيلة بالمقارنة مع عدد المتحدثين بالعربية.. مصطلح “الأفضل مبيعاً” عندنا قد لا يعني أكثر من بضعة آلاف نسخة، وعندما يتجاوز كتاب ما هذه الآلاف فإن هذا هو الاستثناء الذي  يوضع غالباً في خانة “كتب الجنس وأدب الفراش” أو “تفسير المنامات” أو “كتب الطبخ” أو “الغرائب والعجائب والنوادر” التي تلهي القارئ عن واقع غريب عجيب لكننا تعودنا عليه لدرجة التبلد وموت الإحساس…

إذا كانت أمريكا قد ولدت مع ولادة الكلمة المطبوعة، وحملت بصمة ذلك معها.. فإن أمتنا (أقصد الأمة التي كنا ذات يوم ننتمي لها) قد ولدت تحديدا مع الكلمة المقروءة.. ولدت عبر الكلمة المقروءة وليس بالتزامن معها.. لا يوجد أمة في التاريخ تماهت مع كتاب ما كما حدث مع أمتنا.. لا يوجد دين في تاريخ الأديان كانت كلمته الأولى هي “اقرأ”.. لا يوجد تجربة إنسانية حررت الأسرى لقاء تعليمهم القراءة والكتابة.. (هل من معنى أعمق من هذا لفكّ الرقبة؟…أن تفكّ رأسك وعقلك من ما يمنعه من الحركة؟ أن يكون فكّ الحرف مقدمة لفتح العالم ..).

اقرأ –الكلمة الأولى- وهي أيضا جذر للفظ “القرآن ” – الكتاب الخاتم.. كانت بمثابة فكّ لرقبة الإنسان الجديد قيد التكوين من كل ما يمكن أن يقيّد هذه الرقبة – وما فوق هذه الرقبة- لصالح مؤسسات الاستغلال والملأ الحاكم التي يمكن لها أن تقنع هذه الرقبة بأن حريتها هي في عبوديتها لأهوائها الشخصية في سبيل أن تزيد أرباحها وتمتلئ جيوبها…

اقرأ التي هبطت في الغار كانت قراءة جديدة للعالم، رؤية جديدة للعالم و لكل ما فيه عبر أبجدية جديدة.. أبجدية تمنحك الحصانة والمناعة، فلا تخاف من أفكار جديدة أو أيدلوجيات غازية.. لأنك لن تقرأها إلا من خلال “اقرأ” القرآنية.. لن تقرأها إلا لتجعل تفاعلك مع هذا الجديد يزيدك قوة وتأخذ ما يفيدك وتلفظ ما يضرك..

“اقرأ” التي نزلت في الغار، كانت عدسة جديدة وضعها الوحي الخاتم على عين الأمة الجديدة قيد التكوين..

صار القرآن هو العين الذي ترى هذه الأمة من خلالها  كل شيء.. تقيّم من خلالها كل شيء..

وبعدها يصبح كل شيء مختلفاً..

*******

حدث هذا في “غار حراء”..

فماذا عن بارنز أند نوبلز؟؟؟

أغلب القراء العرب  لن يعرفوا “بارنز أند نوبلز” إلا إذا كانوا قد زاروا أمريكا. الأمر ليس سواء مع ماكدونالد أو  بيرغر كنغ أو هارديز أو سب واي أو كي أف سي.. أو  تيفاني أو سيفواي .. أو غيرها من المتاجر والمطاعم الأمريكية المنشأ التي نتعثر بها في بلداننا أكثر مما نجدها في أمريكا.. لكن لا “بارنز أند نوبلز” في بلادنا..

بارنز أند نوبلز هو المكان الوحيد الذي أفتقده حقا في أمريكا. أفتقد خفق قلبي عندما أدخله فأجد تلك الصفوف اللامعة البراقة مما يثير لعاب ديدان الكتب وقوارضها من أمثالي..

بارنز أند نوبلز هي أكبر سلسلة مكتبات في الولايات المتحدة، بما يزيد عن 1500 فرع في عموم الولايات المتحدة.. يمكنك أن تذهب وتقرأ وتتصفح الكتب، وتقرض فيها كما تشاء من الصباح حتى المساء دون أن يأتي الموظف المختص وهو يسألك “أية خدمة؟” ويقصد: إما إن تشتري أو تخرج من هنا قبل أن أطردك.

تستطيع أيضا أن تحصل على عروض تفاوضية بأسعار مخفضة.. وأن تشترك لتحصل على تخفيض.. وأن تحصل على عروض خاصة..

لا أريد أن أتمادى أكثر في الدعاية لبارنز أند نوبلز.. ولا أن أبين افتقادي الكبير لفرعه في أرلنغتون حيث كنت أسكن وأقضي أغلب أوقات فراغي.. (ورصيد حسابي!!)..

كل ما أريد أن أقوله هو أن هذا كان يجب أن يكون عندنا..عندنا.. وليس عندهم.. أو على الأقل عندنا كما عندهم.. عندنا قبل عندهم.. نحن من ابتدأ ديننا باقرأ.. نحن من ولدنا باقرأ.

كان يجب أن يكون و لكن.. ولكن.. ولكن…

جواب “لكن” لن يمر دون أن يفجّر تلك القرحة.. وأؤكد لكم أن هذا  أمر لا تريدون مشاهدة (أو قراءة) نتائجه..