سايكولوجيا المستبدين …القذافي نموذجا

سيكولوجية المستبدين …. القذافي نموذجاً

بقلم :عبد اللطيف حمزة

 


تبدو الحاجة ملحة اليوم لدراسة سيكولوجية المستبدين والطغاة وخصائصهم النفسية وأنماط سلوكهم الاجتماعي والسياسي بعد أن كان هناك إسهامات كبيرة تتحدث عن الاستبداد والمستبدين بداية من مبدعها الأول الكواكبي رحمه الله مرورا بكتابات الجابري ودراسات كل من عبد الغفار مكاوي في – جذور الاستبداد – وإمام عبد الفتاح إمام في- الطاغية -ثم عمقا وتحليلا مع مصطفى حجازي في سيكولوجية الإنسان المقهور والمهدور والتي كانت من أبدع الدراسات النفسية في عالمنا العربي .

السادية ، النرجسية ، الديداسكالوجينيا ، البارانويا ،جنون العظمة …. وغيرها من المصطلحات التي نُعت بها نظام القذافي والتي يمكن أن ننعت بها كثيرا من الأنظمة الديكتاتورية في العالم ، إلا أننا لا نكون مغالين إذا حفرنا في موروثنا المعرفي لنحصل على مصطلح سيكولوجي جديد يرتبط بثقافتنا ولغتنا ويكون أكثر تحريضا واستفزازا للشعوب التي تعاني من الاستبداد وهو ما نسميه ( نظرية التأله عند المستبد العربي ) .
إذ يرى المستبد العربي نفسه أنه الإله الضار النافع بيده الأمر وإليه المصير وقد يكون كما عبر عنه الدكتور حجازي : المستبد الذي لا شريك له عملياً، ولعلنا هنا نفهم لماذا يعادون الديمقراطية الحقيقية التي تحمل من معانيها المشاركة مع الشعب، وهو المعنى الذي يقدح في وحدانية المستبد عندئذ ، وكما لله من صفات الجمال والجلال التي يتجلى بها على عباده يحاول المستبد سرقة هذا المعنى فيتجلى على أعوانه وأنصاره بصفات الرحمة والعطاء مما يدعوهم لمزيد من الخضوع والفناء في شخص المستبد على حين يتجلى على معارضيه بصفات الجبار القهار المنتقم المعز المذل المحي المميت .

ليس عبثاً أن يبوب الكواكبي في طبائع الاستبداد باباً سماه : الاستبداد والمجد ، ثم نرى القذافي خطيبا في قومه قائلا : أنا المجد . ثم يقول الكواكبي : المستبد هو متمجد وليس له مجد أبداً، التمجد لا يكاد يكون له أثر في الأمم القديمة إلا في دعوى الإلوهية .
مما يؤكد توافق الكواكبي وهو فيلسوف دراسة الاستبداد مع نظرية التأله عند المستبد العربي في قوله : المستبد في لحظة جلوسه على عرشه ووضع تاجه الموروث على رأسه يرى نفسه كان إنسانا فصار إلها .
والمستبد يحب أن يكون القائد الأوحد لا يشاركه في صفاته مواطن من رعيته ولهذا يقول الكواكبي : وربما عدََّ المستبدون كلمة لا اله إلا الله شتما لهم ولهذا كانوا أبدا من أنصار الشرك وأعداء العلم .
لقد ساهم الجابري رحمه الله في دراسته العقل العربي وبين كيف انتقلت أخلاق الطاعة الكسروية إلينا ثم لتسحب هذه المفاهيم لتشمل مفاهيمنا الدينية ثم لتؤصل تلك المفاهيم بأحاديث ومرويات من قبيل اسمع وأطع وان تأمر عليك عبد حبشي ولو جلد ظهرك والتي يعارضها جوهر التوحيد والإسلام
ونظرية التأله تلك ليست مقطوعة الجذور إذن عن الكواكبي والجابري والحجازي وإنما هي محاولة للتوظيف والتوصيف معا كبديل عن مصطلحات قد لا تفي بالحقيقة الكامنة في نفوس المستبدين والطغاة ومن منا ينسى قول فرعون لقومه : أنا ربكم الأعلى .
ونظرية التأله هذه تتصف بالشمولية لأنه كما للإله الحق سبحانه وتعالى ملائكة يسمعون ويطيعون ، يحاول المستبد المتأله أن يكون له من شياطين الإنس والجن في الأرض من يسمع له ويطيع ويسبح بحمده وتقرب إليه القرابين ومنهم من يتقمص دور ملك الموت عنده فيحكم على فلان بالموت شنقاً أو رمياً بالرصاص
وجدير بنا أن نصف المستبد على لسان الدكتور حجازي : وهو ( المستبد ) ضمن عصبية يمارس المركزية المفرطة من خلال تقديم ذاته على انه القائد الضرورة الذي بدونه ينهار الكون وتقوم الحروب الأهلية . وهنا نتذكر جيدا كلمات القذافي : أنا المجد أنا التاريخ أنا قائد أممي وبدوني ستقع الحروب بين القبائل وبين الشرق والغرب وتتحول ليبيا إلى نار .
نحن إذن أمام ثورة معرفية فجرها الكواكبي وختمها مصطفى حجازي وكان القذافي التطبيق العملي لها قولا وعملا
إن القذافي يفتح لنا أفقا بعيدا لكثير من الدراسات السيكولوجية حول المستبدين والطغاة ونحن وإن أطلقنا عليه المستبد المتأله من خلال نظرية التأله فهذا لإيماننا أننا نعيش زمن المعرفة وقناعتنا أن المعرفة ستنتصر على القوة في يوم ما وبالتالي فنحن نعيش الفصل الأخير من حياة المستبدين وقصص الطغاة مما يعني سقوط الآلهة المزيفة ، وسيعلو الحق والخير والجمال وعندئذ نفهم معنى قوله تعالى : سبح اسم ربك الأعلى .
ومن صفات المستبد المتأله أنَّه يعيش لآخر لحظاته مكابراً معانداً مثنيا على نفسه ذاما لغيره فهو بطل السلم والحرب في حين أنَّ الخارجين عليه حفنة من الجراثيم والجرذان
ومن يدري لعلها مشيئة الله الحق العدل أن يصرف قلوب هؤلاء عن الهداية والاعتراف في آخر ساعاتهم ليلقوا وجه ربهم بخاتمة تليق بما صنعوه بحق شعوبهم وأوطانهم .
وبعد كل هذا ما نهاية القذافي ؟ ، بمعنى هل يمكن للمستبد المتأله أن تكون نهايته طبيعية ؟؟؟؟

ما الذي حدث لمفهوم العدالة االاجتماعية في الإسلام؟

مالذي حدث لمفهوم العدالة الاجتماعية في الاسلام؟

د.أحمد خيري العمري – العرب القطرية

28-7-2008

سمير أمين مفكر ماركسي رصين ومعروف، وهو من الفئة القليلة من المثقفين الماركسيين اليساريين الذين لم يتخلوا عن مبادئهم – عقب انهيار المنظومة الاشتراكية – ولم يتحول، كما فعل الكثيرون، من ماركسيي الأمس، من الوعظ عن الصراع الطبقي و دكتاتورية البروليتاريا  إلى التبشير بالليبرالية، وباقتصاد السوق وبجنة أمريكة الموعودة.

بعض ماركسيي الأمس تحول من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين بمنتهى السهولة، وبعضهم لم يفعل ذلك لكنه آثر الصمت وربما بكاء الأحلام القديمة. سمير أمين ليس من هؤلاء ولا من أولئك. إنه لا يزال مؤمناً بعقيدته ولا يزال يبشر بما يسميه “العولمة الاشتراكية” – وبحق الطبقات المسحوقة من كل الشعوب في نضالها ضد الطبقة الرأسمالية و “الامبريالية العالمية”، و ضد عملائها من “الكومبرادورية المحلية”!.. وهي ألفاظ صارت شبه مفقودة في الخطاب المعاصر. وهذا كله يحسب لسمير أمين لا عليه. هذا بالإضافة إلى أنه كاتب متميز فعلاً وأبحاثه عن العولمة، مثلاً، في غاية النضج والرصانة. ويمكن اعتبارها مراجعَ علمية بين أكوام الكتب التي أضيفت إلى هذا الموضوع.

لكن هذه الرصانة فارقت أمين في دراسته الأخيرة المعنونة “الإسلام السياسي في خدمة الإمبريالية” المنشورة في الـmonthly review  (ديسمبر 2007) – والتي أعيد نشرها مختصرة في الرأي الآخر اللندنية (عدد آذار 2008) وترجمت كاملة إلى العربية في بعض مواقع الشبكة.

ومضمون الدراسة واضح من عنوانها المثير! وطبعاً من المتوقع من مفكر ماركسي (و من أصول غير مسلمة ، ان كان هذا مهما هنا)  مثل أمين أن لا يحمل أي تعاطف مع “الإسلام السياسي “، لكن دراسته تتجاوز هذا إلى ما هو أبعد بكثير، ليس بالتعميم فحسب، ولكن أيضاً بنظرية المؤامرة التي يستخدمها الإسلاميون عادة ضد مناهضيهم (وبمهارة أكبر!) – فبالنسبة إلى أمين، فإن الإسلام السياسي “ليس ضد الإمبريالية“، بل هو حليفها الثمين أيضاً (!) وليس هذا فقط بل “الإسلام السياسي هو من فعل الإمبريالية الكامل مدعوماً بالطبع من قوى الرجعية الظلامية ومن الطبقات الكومبرادورية التابعة لها..”، بل إن أمين ينوه، إلى أن “البناء النظري الذي منح الشرعية للإسلام السياسي (التي يرجعها أمين للمودودي) كانت قد صيغت، بحسب أمين، “بالكامل على يد المستشرقين الإنكليز في خدمة صاحب الجلالة البريطاني!” وهكذا فإن أمين لا يكتفي بالتعميم، بل يذكر أسماء حركات الإسلام السياسي التي يتهمها أنها كانت صنيعة مباشرة للإمبريالية العالمية، وبضمنها، وبكل بساطة، حركة حماس التي يقول عنها ” إن إسرائيل دعمتها لإضعاف التيارات الديمقراطية والعلمانية في المقاومة الفلسطينية! ” وخلال كل ذلك، يختزل أمين قوة الشارع الإسلامي إلى أنه “الصورة المعكوسة لضعف اليسار المنظم”!! أي إنه لا يجد تفسيراً – حتى ولو من وجهة نظره الماركسية – لتنامي الظاهرة الدينية وتعدد امتداداتها، غير ضعف ” رفاق النضال في اليسار المنظم!”..

 لا أكتب هذا كله للدفاع عن الإسلام السياسي، فهذا التيار، له كبواته وسقطاته، كما أن له منجزاته ونجاحاته، لكن هذا لا يخص الإسلام السياسي فقط، بل يخص التيارات كلها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار..

الذي استوقفني في كل هذا هو شيئين اثنين: أولهما أنه بتجاوز التحيز الموجود في رؤية أمين، فإنه يمكن فعلاً ملاحظة تراجع حاد لخطاب “العدالة الاجتماعية” الذي استخدمه سابقاً الإسلام السياسي، حتى المصطلح نفسه، الذي كان عنواناً شهيراً لواحدة من أهم مؤلفات سيد قطب وأبكرها، اختفى تقريباً من الأدبيات الأحدث، ناهيك عن الاختفاء التام لمصطلح “اشتراكية الإسلام” – الذي كان عنواناً شهيراً أيضاً لواحد من مؤلفات  أهم مفكري الإسلام السياسي. والأمر لا يقتصر طبعاً على اختفاء المصطلحات من الخطاب السائد.، بل على تراجع الاهتمام بموضوع العدالة الاجتماعية بتداعياته كلها، لصالح موضوع الهوية وصراع الحضارات، والمشاركة الديمقراطية..الخ.

ثاني ما يجب الانتباه إليه هنا، هو أن أمين، حسناً فعل إذ صبَّ اتهاماته على “الإسلام السياسي” فحسب، لأن الإسلام أكير من أن يختزل بحزب او بحركة سياسية مهما حاولَ البعض اختصاره بذلك. فهناك إسلام “اجتماعي” شديد التجذر في الممارسات والوجدان الاجتماعيين، وهناك أيضاً “إسلام فكري وثقافي”، وهو ما يهمني أن أميزه هنا، ذلك أن “المفكر الإسلامي” ليس مضطراً أن يكون تابعاً للسياسي المسلم، وهو ليس مضطراً أيضاً لأن يصطدم به، لكن حسابات الإسلام السياسي قد تختلف عن حسابات الإسلام الفكري، السياسي المسلم قد يضطر، بحكم طبيعة السياسة، أن يسايس، أن يساير، أن يكون له أهداف مرحلية تختلف عن الهدف النهائي – وسيجد له حزمة من الأغطية الشرعية فيما يفعل، سواء اختلفنا أو اتفقنا معه في مصداقيتها – لكن ما وجه الاضطرار بالنسبة إلى المفكر المسلم؟.. إن مرجعيته الوحيدة يجب أن تظل للإسلام ولفكره ولرؤيته وليس لحزب أو تيار سياسي قد يغير من تكتيكه لهذا الظرف أو ذاك. لن ينتج هذا بالضرورة صداماً، بل قد ينتج “ترشيداً” على المدى البعيد.. فالسياسي المسلم قد يضطر، بسبب من قواعد اللعبة السياسية، أن يتحالف مع طبقة “رجال الأعمال”، لكن هذا لا يعني أبداً أن “إسلام رجال الأعمال” أو ما يسمى بالتدين الجديد المنتشر في الطبقات الأرستقراطية ونواديها الاجتماعية والمدعوم (فضائياً) يجب أن يكون هذا النموذج الوحيد – لا أحد يمكن له أن يسلب حق هذه الطبقة في تدينها وحتى في  امتلاك مظاهر  مميزة لهذا التدين ، لكن هذا يجب أن لا يؤثر على مفهوم العدالة الاجتماعية في الإسلام، المفهوم الذي هو أبعد وأعمق من مجرد “عمل خيري” و “جمع تبرعات” وصدقات وإحسان – بل هو مرتبط بمفهوم أكثر شمولية للعدالة يرتكز على منع احتكار تداول الثروة عند فئة محددة من الملأ، والتحكم بآليات تمنع تزايد الفجوة بين طبقات المجتمع، والتركيز على كون “الماء والكلأ والنار” – أي مصادر الطاقة والثروات الطبيعية في مجتمع ما – هي ملك للمجتمع ككل وليس من حق أحد، أو فئة الاستئثار بأرباحها، كما أن مفهوم الزكاة نفسه – ومنع الاحتكار – يعكسان “آلية تدخل” تشكل عتلة توازن ضد تدخل “الملأ” المستمر من أجل الاستحواذ على المزيد من الثروة ( في الوقت الذي يعد ذلك التدخل اليوم تحديا لقيم العولمة و قرارات الملأ العالمي و صندوق النقد الدولي).

مفهوم العدالة الاجتماعية إذن جزء أصيل من ثوابت إسلامية لا يمكن المساس بها في جوهرها، واختزالها إلى محض تكافل اجتماعي، أو حتى مجرد “أمن اجتماعي” – لا يجب أن يكون أكثر من تكتيك سياسي عابر، تمليها شروط لعبة سياسية على أمل أن تكون المشاركة، سبيلاً لتحسين الشروط نفسها.. وتساهم في بناء العدالة المنشودة..

إن الظرف العالمي كله قد جرَّ الإسلامين (السياسي، والثقافي) إلى التأكيد على “الهوية” الإسلامية في مواجهة التحديات الحضارية التي تستهدفها، ولكن العدالة الاجتماعية بالذات يجب أن لا يضحى بها على “مذبح الهوية” – بل على العكس، يجب التوكيد على أن ما يقع خلف هذه الهوية من قيم جوهرية، تشكل العدالة الاجتماعية أحد أهم أركانها وأبرزها..

في خضم التحالفات العابرة هنا وهناك، علينا جميعاً أن نتذكر أن “لب التغيير” الحقيقي، والنهضة المنشودة، لن تكون في نوادي النخب وتجمعات رجال الأعمال، بل عند تلك الطبقات الأدنى التي هي مادة التغيير الحقيقي، وهدفه.

ملخص ما جرى..

ملخص ما جرى..

 

(هذه الصفحات هي جزء من ختام الفصل الثاني في كتاب البوصلة القرآنية..وقد تمت كتابته في 15-5 2001  وفيها ملخص ما جرى..ثوار مصر وتونس الأبطال وعوا ذلك كله..و غيروا و تغيروا…)

 

قد تكون أيها القارئ بعد كل شيء أو قبل كل شيء مسلماً طيباً صالحاً على قدر استطاعتك.

قد تنوي دوماً وتضمر هذه النية في أن تكون أفضل.

وقد تتركز هذه النية على تطوير مستوى أدائك للشعائر خاصة: مزيداً من الخشوع في الصلاة، مزيداً من الصلاة نفسها، الفرائض على وقتها، وربما جماعة، وكأحسن ما يكون، والنوافل زيادة خير ومزيداً من القربى لله عزّ وجل.

والرغبة نفسها تتجه نحو كلّ الشعائر: الصوم مثلاً، الفرض خصوصاً، وستة شوال والليالي البيض من كلّ شهر، خصوصاً رجب وشعبان وبقية الأيام التي سنّ الرسول (ص) صيامها.

والحج؟ بالتأكيد تنوي أن تحج ليغفر الله لك ذنبك كله، وتمحو صفحة سيئاتك القديمة، وتبدأ من جديد كما لو ولدتك أمك للتو.

وقد تكون بشكل عام تريد أن تكون حياتك أقرب إلى مفهوم الالتزام، طاعات أكثر ومعاصي أقل ويشمل ذلك رغبتك نحو أسرتك: زوجتك خصوصاً، ملابسها وحجابها على الأخص وأولادك البنات منهن خاصة، ملابسهن وحجابهن خصوصاً.

وقد تتأثر بنسب متفاوتة بأوضاع إخوانك المسلمين في كلّ مكان: الشيشان وفلسطين وأفغانستان والبوسنة والجزائر وفي كل مكان، وقد تتحدث عن ذلك بتأثر حقيقي، ودونما رياء في مجالسك الخاصة، وقد لا تنسى أن تدعو لهم في صلاتك ولكلّ المسلمين في كلّ مكان.

قد تكون المواصفات السابقة تنطبق عليك أو على نواياك.

وقد لا تنطبق تماماً لكنها قريبة من فهمك وأدائك.

                                              * * *

وقد تكون أيها القارئ مختلفاً عن هذا النموذج الملتزم، قد تكون أكثر تهاوناً في أداء الفرائض وأقل انتظاماً في أداء الصلوات، ولكنك عموماً تؤمن بالدين وتحبه، لذلك تحاول أن تلزم العصا من النصف، كما تقنع  نفسك، فتتمتع بمباهج الحياة وملذاتها، وإن ارتكبت بعض المعاصي وحتى الكبائر، وتطمع بعد ذلك – في مواسم العبادات خصوصاً – حيث يزيد الأجر أضعافاً في مغفرة الله سبحانه وتعالى.

ولعلك لا تشعر بنفسك غريباً في فهمك وتطبيقك لهذا النوع من الحياة، على العكس إن فهمك هو الشائع وهو السائد منذ قرون ويمارسه أحياناً أشخاص يدل مفهومهم على التزام شديد، بكل حرفيات الهيئة والسنن، لكنهم مع ذلك يمسكون العصا من النصف في بعض الأمور، ولعلك تقول لنفسك وأنت ترى هؤلاء وغيرهم يفعلون ويفعلون تقول: «حشر مع الناس عيد».

ولعلك بقصد أو بدون قصد تجد تبريراً وسنداً لتصرفاتك هذه في نصوص نبوية – مجتزأة من سياقها العام كالعادة – تعدك بمغفرة مجانية لكبائرك ومعاصيك، إذا كنت موحداً أو قلت كذا ألف مرة أو أو إلخ، نصوص كهذه تزرع الرجاء فيك في مغفرة الله وجنته، وليس ذلك بعد كلّ شيء على الله بعزيز.

ولعلك أيضاً يحزنك وضع إخوتك المسلمين في كلّ مكان، لكن لا يصل الأمر لدرجة ذرف الدموع وإلقاء الخطب بالنسبة إليك، ولا حتى لدرجة أن تدعو لهم في الصلاة، إذ إن صلاتك أصلاً، إن أنت أديتها قد لا تعدو أن تكون نقرات سريعة لن تجد فلسطين أو الشيشان وقتاً فيها، لكنك عموماً تتعاطف معهم، عندما تشاهد نشرات الأخبار وتحس بالغيرة تجاه ما يحدث، وربما يصل الأمر بوعيك أن تشعر بأنك أنت أيضاً مستهدف كما هم مستهدفون، وأن الدور قد يأتي عليك ما دمت مسلماً، وقد تقول في نفسك أو أمام أصدقائك: إننا يجب أن نتحد مثلاً، أو يجب أن نفعل كذا إلخ.

وقد ينطبق عليك هذا الوصف أو لا ينطبق بنسب متفاوتة.

لكن بالتأكيد فيك شيء من هذا الوصف.

* * *

وسواء كنت أقرب إلى الفهم الأول أو الفهم الثاني.

فإنك ولا بدّ، تستشعر بأن ثمة شيء خطأ في واقعنا، وفي حياتنا بشكل عام.

لا بدّ أنك تشعر بأن الأمور ليست على ما يرام، ولا كما يجب، ولا كما تتمنى أن تكون.

وقد تكون في أعماقك تحس بأن ثمة حاجة ملحة إلى فهم جديد للدين على الأقل في بعض الأمور المعاصرة المستجدة، إن لم يكن في الكثير من الأمور المختلف عليها مذهبياً.. ولعلك أكثر من هذا تكون قد أحسست عبر رحلتنا مع الخطاب القرآني وتشكيله للعقل المسلم أن التاريخ والسياسة قد أسقطتا بعض العناصر من فهمنا للقرآن وأننا فعلاً خسرنا بعض الجوانب الإيجابية من تفسيرنا وتأويلنا للقرآن.

ولعلك مقتنع أو أنك قد اقتنعت بأننا نحتاج إلى رؤية جديدة ومتجددة للدين، من أجل النهوض بمجتمعاتنا وأمتنا.. خاصة في مواجهة التحديات العالمية الجديدة المتمثلة بقوى العولمة التي تطمس – ضمن ما تطمس – الهوية القومية والدينية والشخصية المحلية بل والأممية.. ولعلك تقول بأن الإسلام هو السبيل الوحيد لمواجهة ذلك كله.

ولعلك تردد أيضاً عبارات شديدة الرواج حالياً مثل (الإسلام هو الحل).. (والمستقبل لهذا الدين).. وتضعها في إطار المشاكل الحالية، التي تواجه الفرد والمجتمع المسلمين.

وكلّ ذلك جيد جداً.

لكن المشكلة هي أنك خلال ذلك كله لا تزال خارج الموضوع، تراقب وتشاهد التطورات، كما لو كانت مجرد أحداث في مسلسل شائق أو غير شائق. تعلق أحياناً على الأحداث، تستنكر هنا وتصفق هناك، لكن لا دور لك في أحداثه، ويفصل بينك وبين أبطاله شاشة التلفاز الجامدة الباردة. إن الأحداث هنا قد انتهت عملياً، رفعت الأقلام وجفت الصحف، وعرضها عليك لن يغير فيها شيء. إنك مجرد متفرج.

المشكلة أنك تحس أن الأمر لا يعنيك بشكل مباشر، لا دور لك فيه، لا يمكن لك أن تتصور أنك أنت العبد الحقير لك دور في كلام كبير كهذا: تجديد الدين أو تجدد فهمه.

إنك تعي أن الواقع وإرهاصاته وظواهره سيئ جداً، وأن التغيير عبر الدين صار حتماً ولا فرار منه، لكن لا مكان لك على خارطة هذا التغيير.

ولعلّ المسألة في النهاية، ولنعترف، لا تهمك بشكل كبير شخصياً، لأنك لا تحس بكبير ربط بينها وبين حياتك الشخصية. نعم! إن الواقع المرير يفرض شروطاً صعبة عليك ويحاربك في لقمة رغيفك، وحليب أطفالك، ويتركك وأنت تلهث خلفه من أجل أن تسايره وتماشيه، ومع ذلك فأنت بالضبط لا تستشعر كيف سيؤدي تجديد الدين إلى أن يغير من هذا الواقع الشخصي جداً.

فلنعترف أكثر: حتى هذا الواقع لم يعد بالنسبة إليك شخصياً جداً.

بمعنى أن تغييره ليس هماً من همومك، فلقد تعودت عليه بالرغم من الصعوبات والمشاق التي تصل لدرجة الذل والمرار.

لم تتعود عليه، بالضبط لقد عودوك عليه: الصبر الطيب، والله يحب الصابرين، والقسمة والمقدر والمكتوب، و {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} والصبر مفتاح الفرج إلخ من النصوص والمقتطفات الصحيحة في سياق آخر بالتأكيد، وليس في سياق الذل والهوان والاستسلام.

لقد اعتدت واقعك. لا يخلو الأمر من تذمر هنا واحتجاج هناك، لكنك تعودت حالك حال مئات الملايين المستغلة في كلّ مكان، وربما يكون استغلالك في عالمنا الإسلامي أكثر من أماكن أخرى لكنك تعودت وانتهى الأمر.

لقد نمت فيك وبقوة غريزة القطيع، غريزة (حشر مع الناس عيد) وما دامت الناس مستسلمة لهذا الواقع تلهث خلفه لتحسن وضعها، فأنت معهم حالك حال القطيع الصامت بالرغم من أنه يعي تهيئته للذبح.

حتى الواقع المر تعودته، ولم يعد يثيرك أن تفكر في تغييره، كلّ ما تفكر فيه وضع أفضل ضمن الواقع نفسه، لكنك لا تفكر بتغيير الواقع كله، لا بإمكانية ذلك، ولا بإمكانيتك ضمن ذلك، ولا حتى بإمكانية أن يحدث ذلك ضمن جيلك أو في حياتك.

لا فائدة منا، من جيلنا، لقد انتهينا.. فلننظر بأتجاه آخر.

* * *

بالرغم من أن أولادك يكونون أحياناً شياطين صغار، فإنهم على الأغلب لن يكونوا كذلك أثناء نومهم.

اذهب إليهم وتأملهم أثناء ذلك، إذ ربما لا مجال للتأمل في أي شيء إلا وهم نيام.

اذهب إليهم وانظر إليهم. وتأملهم.

سواء كانوا نياماً في أسرة وثيرة دافئة وغرف منفصلة مليئة بالهدايا والألعاب، أو كانوا يتكومون الواحد فوق الآخر على الأرض في حجرة واحدة، قد تكون الحجرة نفسها التي تنام أنت فيها أيضاً.

سواء كانت غرفتهم مكيفة طيلة السنة، أو كنت لا تملك شتاءً سوى مدفأة واحدة تبيعها في الصيف لتشتري مروحة.

وسواء كانوا يلتحفون بأغطية تفوح منها رائحة الأحلام الوردية أو كانوا يتغطون بملاحف قديمة بالية لا تكاد تقيهم من البرد.

وسواء كنت تعود إليهم بعد يوم عملك بهدايا ثمينة غالية، أو كنت تعود خالي الوفاض، حتى من حلوى رخيصة.

وسواء كانوا جميلين فعلاً وليس بعينيك فقط، أو كانوا دون ذلك، لكن عيونك تبصرهم أجمل الأطفال.

وسواء كلّ هذا وكلّ ذاك: إنهم أولادك! وأنت تحبهم أكثر من أي شيء، وبالرغم من كل المثاليات فإنهم عملياً الشيء الوحيد الذي يستحق بالنسبة إليك، فأنت تضحي بنفسك من أجلهم.

انظر إليهم وتأملهم. عجيب كيف يتحول شياطين النهار إلى ملائكة صغار أثناء النوم.

قد تنحني بهدوء على جبين واحد منهم لتقبله، قبلة واحدة فقط، إذ إنك تخاف لو استرسلت في عواطفك أكثر أن يقوم الشيطان الصغير بقدرة قادر، ووقتها قد يصعب عليك إرجاع الملاك النائم.

انظر إليهم وتأملهم. إنهم أجمل أحلامك لا شيء عندك مهما كنت غنياً أو فقيراً أغلى منهم، من صحتهم وعافيتهم وضحكتهم.

إنهم رصيدك كله!

لكنك لو فكرت وأنت تتأملهم بما يحاك لهم وما يرصدونه لهم من مستقبل مظلم، فإن الصورة الوردية لملائكتك الصغار ستختفي، وستحل محلها صورة أكثر قتامة، تتطلب منك أن تمعن النظر فيها.

إنك على العموم تتمنى لهم مستقبلاً أفضل من حاضرك، تقول ذلك بصورة عمومية ومن دون تفاصيل. لكنك لو حسبتها (حساب عرب) كما يقولون، لوجدت أن الأمور ليست كما تتمنى، ولن تكون كذلك، فالأمور تتدهور باستمرار وأنت نفسك تدهورت على عهدك الأمور بشكل واضح، بل إن معدل التدهور يتسارع باستمرار، وعندما يكبر ملائكتك الصغار سيواجهون واقعاً صعباً ومريراً بشتى المقاييس. حتى حاضرك المرير الذي لا تتمناه مستقبلاً لهم، سيكون بالنسبة إليهم ماضياً جميلاً مريحاً مقارنة بأوضاعهم وقتها.

في عهد أولادك عندما يكبرون، سيزداد نضوب الثروات المعدنية التي كانت تشكل الغطاء النقدي لاقتصاد معظم البلدان الإسلامية، وسيعني ذلك أن معظم الخدمات التي توافرت لك في عهد طفولتك وربما حتى الآن ستختفي، أو لن تصير بالمجان كما كانت من قبل.

وستكون مقولة (التعليم كالماء والهواء) التي نشأ عليها جيلنا، والتي كانت تعني مجانية التعليم، مقولة مضحكة، فالتعليم لن يكون مجانياً لأنه منذ الآن لم يعد كذلك.

ولعلّ المقولة لن تكون مضحكة جداً بعد كلّ شيء، فالماء أيضاً لن يكون مجانياً أو شبه مجاني كما هو الآن، ها هم اليوم يقتسمون دجلة والفرات، ويخططون لاقتسام النيل أيضاً كخطوة أولى لما هو آت، بل ويبشروننا أيضاً بأن حروب العصر القادم ستكون حروب المياه كما لو كانت حروب الأراضي قد انتهت!

ولعلّ المقولة ستكون صادقة تماماً وحتى الهواء سيتعرض لضريبة تلوث أو أوزون.. أو.. أو.. وستأتي تلك الشركات العملاقة عابرة القارات لتبيع لأولادنا حتى الهواء الذي يستنشقونه بعدما باعت لهم قبل ذلك الماء والتعليم والدواء والحليب وكل ما سيبدو ضرورياً للحياة بفعل وسائل الإعلام: من البيبسي كولا إلى جهاز التلفاز.

حتى الحق في العيش ستبيعه لهم شركات العولمة!

وسيكون هناك أجهزة وخدمات تقنية متطورة، حتماً كما هو اليوم وأكثر تقدماً، وأشد انتشاراً، لكن الجانب الآخر لها سيكون أنها ستفيض المزيد من الأيدي العاملة، وسيزداد طابور البطالة طولاً ..وبما أن معدلات الولادة والنمو السكاني ستكون في ازدياد مستمر، فإن أعداد العاطلين عن العمل المركونين على الحائط ستكون أكثر من أي وقت مضى، وقسم من هؤلاء سيكونون أولادك أو أولاد غيرك حتماً، ملائكة صغار أيضاً يحلم لهم آباؤهم اليوم بمستقبل أفضل من الواقع المرير.

ولأن للعولمة قوانينها الخاصة، فإن هناك سيكون أغنياء غنى فاحشاً لكن نسبتهم ستكون أقل، وسيكون هناك فقراء، كما في كلّ زمان ومكان لكن نسبتهم ستكون أكثر.

ولأن ثنائية الغنى الفاحش والفقر المدقع لا يمكن إلا أن تصحب معها الجريمة، فإن معدلات الجريمة كظاهرة اجتماعية ستزداد، وفي كلّ جريمة يكون هناك مجرم وضحية، وأي واحد من هؤلاء الملائكة الصغار – أولادك أو أولاد غيرك – قد ينتمي لأي من الفئتين المجرم أو الضحية.

وفي بلاد كبلداننا عندما يختلط الظلم الاجتماعي والفقر المدقع والاستغلال بالنعرات الطائفية والأحقاد الدموية القديمة، فإن المنطقة كلها تصير معرضة للانفجار.

وسيكون ثمن ذلك كله باهظاً جداً!

وسيكون على الأغلب مدفوعاً من سائل أحمر اللون، عندما يسير الدم ولو قليلاً جراء سقوط بسيط على الأرض تهلع أنت زوجتك وتهرعان إلى المستشفى.

نعم سيكون الثمن من ذلك السائل الأحمر الذي يسري في عروق أولادك، أغلى ما عندك.

انظر إليهم وتأملهم ستحتضنهم بشدة، ولن تبالي لو أيقظتهم من نومتهم.

ستفعل أ ي شيء حتى لا يحدث ذلك.

أترى؟ الآن فقط صار الأمر شخصياً جداً.

* * *

من أقاصي اليأس يولد منتهى الأمل

عندما تصل لدرجة مرعبة من اليأس يولد في نفسك ذلك الأمل، الذي يبدو للوهلة الأولى خرافياً أسطورياً مثل نبتة الأقاصيص.

من أقاصي اليأس، عندما تحاصرك رؤيتك لمستقبل أولادك وهم يختارون أن يكونون  مجرمين أو ضحايا في مجتمع سيكون ضحية بلا شك، تلك الرؤية التي ستدفع بك إلى أن تحتضنهم، كما لو كنت تحاول أن تحميهم منها …من تلك النقطة البعيدة الموغلة في أقاصي اليأس يتولد عندك الأمل، منتهى الأمل، الأمل بأن هناك خياراً آخر. الأمل بأن هناك طريق آخر للغد سيسلكه أولادك. الأمل بأن الحتميات التي يرصدونها لها ليست حتمية بعد كل شيء، وأنهم بالرغم من كلّ شيء ليسوا الواحد القهار، وأن الأمور قد تخرج عن سياقاتها المرسومة.

من أقاصي اليأس سيولد عندك الأمر بأن في مقدورك شيء.

 

ولأنك يائس وتحتضن صغارك مثل قطة مذعورة في ليلة قصف مجنون، فإن الأمل الذي يتولد من يأسك ليس أمل الشعارات الرنانة ولا الخطب الحماسية ولا الأناشيد.

بل أمل العمل والقدرة على التغيير، أمل الكفاح والتشبث الحقيقي بالحياة.

الأمل الذي يتحد مع الوعي الجاد والبصيرة المنفتحة على شتى الاحتمالات.

الأمل الذي يولد من أقاصي اليأس يكون أملاً متعايشاً مع حقيقة أن الغد الذي نريده لا يأتي فجأة، ومن دون مقدمات، الغد الذي نريده ليس يوماً جديداً نلاقيه، عندما نستيقظ صباحاً، بل هو الغد الذي يبدأ صنعه في يومنا: نصنعه، نحن نخطط له، ونرسمه في يومنا هذا، وقبل أن يبدأ الغد بزمن طويل.

إنه الأمل الذي يعي تماماً بأن الحاضر المرير الباعث على اليأس لم يبدأ فجأة، بل بدأ في أمس بعيد جداً وأن المستقبل الذي يرصدونه لأولادك هو الامتداد الطبيعي للأمس واليوم.

إنه الأمل الذي يدرك بأن دواء المستقبل يجب أن يستخرج من أمراض الحاضر، ومن تشخيص عوامل الأمس التي أدت إلى أمراض الحاضر. إنه الأمل الذي ينمو في بوتقة ينصهر فيه الأمس واليوم والغد في ترابط لا فكاك عنه.

عوامل الأمس، أمراض اليوم ودواء الغد هي التركيبة التي يتكون منها هذا الحل.

لعلك تقول إنه أمل صغير؟ نعم أمل صغير، مثل أولادك الصغار.

وكما تتمنى أن تراهم وهم يحبون، ويمشون ويكبرون، راقبه وهو يحبو ويكبر.

لكن الأهم ألاّ يظل مجرد أمل، بل ينمو ليصير ، مشروع حضارة وفكر..مشروع نهضة

بيان من الشباب العربي في الفيسبوك من الجنسين إلى جيل ثورة 25 يناير

بسم الله الرحمن الرحيم

 

من الشباب العربي في الفيسبوك من الجنسين 

 

إلى الجيل القائد..جيل شباب ثورة 25 يناير..الذين عبدوا درب التغيير والثورة بهمتهم وعزيمتهم وسقوه بدماء شهدائهم الأبرار

 

 

الحمد لله القائل (( ونُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَْرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ)) سورة القصص. والقائل (( وقُلْ جاءَ الحقُّ وزَهَقَ الباطلُ إنَّ الباطلَ كانَ زَهُوقاً )) سورة الإسراء

 

 والصلاة والسلام على القائل:”أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر“ـ

 

يا أحرار الميدان

 

تحية أولا لشهدائكم.. لورد الجناين الذي تفتح في أرض مصر بعد طول جدب وقحط ..لكل أم وأب قدم أبنه أو ابنته في ملحمتكم التي أعادت لمصر وجهها الحقيقي..وألغت من تاريخنا صفحات الهزيمة و التفرق..لكل من ذرف دموعا على غال سقط شهيدا..ومهدت شهادته لأكبر وأصدق فرحة عرفتها الأمة منذ عقود

 

يا أحرار الميدان

 

في الوقت الذي يبارك لكم فيه العالم أجمع انتصاركم الذي حققتم من خلاله واحدة من معجزات العصر الحديث، فإن رسالتنا لكم هي أبعد بكثير من مجرد التهنئة،بل هي تعبير عن امتناننا العميق لفعلتكم التي قلبت كفة الموازنات ، وغيرت من عناصر المعادلات السائدة .. لقد أحدثتم صدعا كبيرا في جدار السكون والسلبية الذي كان يلف عالمنا العربي..وإذا بنور الأمل يتسرب منه و تنشق الأرض عن عملاق قادر على صنع المستحيل

 

يا أحرار الميدان

 

لقد كانت ثورتكم ثورة لنا ، صار ميدان التحرير بيتا لنا.. كل ميدان خرجتم إليه من الإسكندرية إلى أسوان صار متنفسنا وملاذنا..في أرجاء هذه الميادين حررتمونا من كل ما كان يقيدنا.. ثرنا معكم على كل ما يستعبدنا ..بكم عرفنا إمكانياتنا…بكم وعينا أن لا مستحيل ما دمنا واثقين بربنا متمسكين بحقنا

 

يا أحرار الميدان

 

صار “ميدان تحريركم” بمثابة غرفة عمليات جراحية,,تستأصلون فيها كل أورامنا الخبيثة التي تعايشنا معها طويلاً ..أورامنا التي أقعدتنا عن دورنا الريادي في الفعل والسيادة.. تنفسنا من خلال أنفاسكم عبق الحرية لأول مرة..أمتلأت رئاتنا لأول مرة بأوكسجين الحرية والأمل

 

يا أحرار الميدان

 

بينما كنتم ترددون شعاركم الأثير”الشعب يريد إسقاط النظام” فإننا كنا نردد معكم نفس الشعار..لأن النظام الذي تريدون إسقاطه لم يكن نظام مبارك المخلوع فحسب..بل كان كل ما يماثله من أنظمة في كل مكان في هذا العالم..بل كان منظومة الأفكار التي سهلت وصول هذه الأنظمة لتتبوأ سدة الحكم في بلادنا ودولنا

 

يا أحرار الميدان

 

إذا كنتم قد نلتم شرف الريادة والنصر ..فاسمحوا لنا أن ننال شرف الاتباع والمساندة..ولقد كنا معكم منذ الساعة الأولى لانطلاقتكم المشهودة  .. وقفنا في وجه المثبطين والمخونين ودعاة التهدئة الزائفة التي ما كانت لتصب إلا لصالح النظام المخلوع..وفضحنا كل من حاول أن يتصيد لكم الأخطاء  .. وسنبقى بالمرصاد لكل من يحاول أن يتربص بثورتكم من انتهازيي الفرص ولصوص الثورات

 

يا أحرار الميدان

 

نعرف حجم المسؤولية الملقاة عليكم..ونعلم تربص كل الخاسرين بأخطائكم..إنهم ينتظرون فشلكم لكي يكون رصيدا لهم بعدما أفلسوا.. لكن كلنا ثقة بوعيكم و بقدرتكم على الخروج من المرحلة الحالية إلى مرحلة تزدهر فيها مصر وتحقق ما يعيد لها ما تستحقه من نهوض وتقدم وكرامة

 

يا أحرار الميدان

 

الثورة ثورتكم.والنصر نصركم.والتغيير تغييركم.الدم الذي سال هو دمكم وأنتم أصحاب النسبة الغالبة بين شعبكم.. فلا تجعلوا  أحداً يسرق ثورتكم.ولا تتركوا حرساً قديماً يفرض وصايته عليكم.أنتم أمل مصر وأمل الأمة.. فلا تتركوا لهم ثغرة ينفذون لها منكم.. شعبكم يريد أن يراكم تنتصرون في معركة بناء النظام كما انتصرتم في معركة إسقاط النظام..والفرق بين النظامين هو اختباركم الحقيقي

 

يا أحرار الميدان

 

كنتم المثل والقدوة في الثورة..فكونوا المثل والقدوة في البناء.. بناء لا يفرق بين أبناء الوطن..بناء يعيد العدالة الاجتماعية والحقوق المنهوبة و يحفظ لشعب مصر هيبته ومكانته.. استفيدوا من حكمة وخبرة الشرفاء الأخيار .. الأمناء الأقوياء .. الأتقياء الأنقياء الأخفياء .. من أبناء مصر .. الذين هم معكم قلبا وقالبا .. فمجتمعكم وحد .. وقضيتكم واحدة .. وهدفكم واحد

 

يا أحرار الميدان

 

نشكر كل شرفاء العالم الذين ساندوكم..ونخص بالذكر قناة الجزيرة  ووسائل الإعلام الحر التي أوصلت قضيتكم إلى كل مكان..ونالها ما نالها جراء ذلك

 

يا أحرار الميدان

 

 ثورتكم لم تولد بها مصر من جديد فحسب..بل لقد ولدت بها أمتنا من جديد عبرها..لقد ولدنا جميعا من جديد بكم…كنا مجرد جيل آخر تتخبطه الرؤى والفرص الضائعة..والآن نحن جيل قد ولد للتو..جيل يعرف ماذا يريد..ويعرف حقا ماذا بإمكانه أن يفعل..لقد ولدنا للتو بكم

 

 

فشكراً لكم..ونعاهدكم أن شيئا ما لن يبقى على حاله الرديئة بعد اليوم

 

 

وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم <وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون 

أغبى صهيوني في التاريخ بقلم معتز فيصل

أغبى صهيوني في التاريخ

 بقلم معتز فيصل

 

حرق أعصابنا مبارك البارحة ونحن ننتظر خطابه التاريخي، وحرق أعصاب الشعب المصري كله وخاصة المعتصمين في ميادين مصر كلها من شمالها إلى جنوبها، حرق الله أعصابه عصباً عصباً في نار جهنم، ثم خرج علينا بكلام من المريخ لا علاقة له لا بمصر ولا بالعالم العربي  ولا بالكرة الأرضية التي نعيش عليها.

 

أثبت مبارك في هذا الخطاب غباءه وغباء من يقف وراءه ومن مازال يسانده من الخونة لأمتهم وشعبهم وأماناتهم، أثبت أنه فرعون الجديد الذي لا يعتبر الناس إلا عبيداً له يفعل بهم ما يشاء دون رقيب ولا حسيب، أثبت أنه فعلا من الدواب التي لا تسمع ولا تعقل ولا تبصر بل هو أضل، وأثبت أن كل من يطالب ببقائه بدءاً من مساعده المجرم عمر سليمان إلى وزيره أحمد شفيق إلى البدراوي الذي قبل أن يكون ممسحة يمسح بها الرئيس والحزب كل نجاساته ورجسه الذي لوث به مصر منذ ثلاثين سنة، أثبت أن كل هؤلاء لا يقلون عنه غباء ولا حماقة ولا عمالة. لم يفهم كل هؤلاء بعد أسبوعين كاملين أن الشعب لا يريد أن يسمع باسم أحد من أركان هذا النظام ولا باسم الحزب الوطني ولا باسم الرئيس السابق الساقط.

 

أنا متأكد من أن الذي يكتب له خطاباته هو موظف في المخابرات الإسرائيلية، لأن هدف الخطاب كله وهدف تأخير بثه كان واضحاً جداً. كان الهدف هو تأجيج الشارع المصري ليخرج عن خطه السلمي ويتجه نحو العنف مما سيشوه صورة هذه الثورة الفريدة في تاريخ المسلمين والعرب منذ أن عرفت البشرية عرباً أو مسلمين.

 

المراد الصهيوني الإسرائيلي من هذا العميل الممتاز والذي أعلنت عمالته إسرائيل نفسها عندما سمته صديقاً حميماً لإسرائيل، ونحن نعرف من هم الذين تعتبرهم إسرائيل أصدقاءها وماذا يجب أن يفعلوا ليحوزوا على هذا اللقب، المراد من هذا الإنسان (وأنا هنا أعتذر لجنس الإنساننة) أن يخربها قبل رحيله، لن ترضى إسرائيل بأن يحكم مصر إنسان شريف لأنها تدرك قبل غيرها ماذا يعني هذا، لن ترضى إسرائيل أن يحكم مصر، أكبر دولة عربية لها حدود مع إسرائيل، إنسان يعمل من أجل مصر أو من أجل شعب مصر أو من أجل مصلحة مصر، لذلك كان اختيارهم المباشر لعمر سليمان العميل البديل بدل الصهيوني الأول، لن ترضى إسرائيل بالحرية لشعب مصر لأنها تدرك تماماً ما معنى الحرية لشعب تعداده ثمانين مليوناً فيهم ستون بالمائة من الشباب.

 

أكتب هذه الكلمات والدم يغلي في عروقي كما يغلي في عروق كل مصري في ميدان التحرير وفي غير ميدان التحرير، وكما يغلي في عروق كل إنسان شريف يرى ما يحصل، كان الكلام كله استفزازاً للناس واستخفافاً بعقولهم واستهزاءً بثورتهم ودمائهم وجراحهم وعرقهم ونبضهم وأحاسيسهم. كان كلاماً يراد منه أن ينفجر هذا الجمع لتتحول الثورة إلى كارثة.

 

لن ينفع هنا أن ننادي الناس بضبط النفس، ولا أن نذكر الشباب الذي صنع هذه الثورة بالمحافظة على الهدوء والسلم فالأمر سيتطور بسرعة كبيرة، والناس بدأت فعلاً بالتوجه إلى قصر الرئاسة، وانفجار الغضب بدأ، ولا عاصم إلا الله.

 

نلجأ أولاً إلى الله أن يعصم أهل مصر وأن يحميهم وأن يريهم الحق حقاُ ويرزقهم اتباعه وألا يضيع جهود هؤلاء ا لشباب المخلصين الصادقين وأن يحفظ دماء الناس وأن يحفظ أعراضهم وكرامتهم وأن يعينهم على الاستمرار بالثورة على منهاجها الأصلي الذي بدأته منذ أسبوعين ولم تنجح كل المحاولات المخابراتية التي قادها الرئيس المخلوع ونائبه من بعده في تحويل مسارها.

 

ثم ندعو الجيش الذي أعلن البيان الأول أن يعلن البيان الثاني عن اعتقال مبارك وسليمان وأحمد شفيق والبدراوي واستلام المجلس العسكري الحكم إلى أن تتشكل وزارة جديدة تسير الأمور إلى حين استمرار العملية السياسية والدستورية.

 

هذا هو الضمان الوحيد لبقاء هذه الثورة وبقاء الأمن في مصر وبقاء الحياة الطبيعية فيها، وهذا هو الحل الذي سيرضي المتظاهرين وسيحقق كل مطالبهم دفعة واحدة.

 

هذا الرجل لا يستمع إلا لما تقوله له إسرائيل ولا يعمل إلا لمصلحتها لذلك لا يجوز أن نتهاون معه ولا أن نتركه يظن حتى مجرد ظن أنه مازال رئيساً لدولة عربية، من الممكن أن يعمل بقية حياته في الكنيست الإسرائيلي إن أحب أن يتابع خدمة إسرائيل، ولكنه لن يبقى في مصر إلا في السجن ثم في محكمة عادلة ثم على حبل المشنقة، لنحقق له أمنيته الأخيرة أن يعيش في مصر وأن يموت في مصر. ثم يمكن لإسرائيل أن تطالب بجثته لكي يتم تكريمه هناك بما قدم من خدمات لأمة صهيون.

 

أناشد كل شريف في الجيش المصري قائلاً: لقد أوكل الله إليكم هذه المهمة العظيمة اليوم، لن يمر بكم يوم في تاريخكم تستطيعون فيه أن تخدموا مصر، التي أقسمتم على خدمتها والوفاء لها، مثل هذا اليوم، إنه يوم الملحمة الكبرى، إنه يومٌ أعظم من يوم العاشر من رمضان، إنه يوم الفصل في حياة الشعب المصري، الذي هو أهلكم وأمهاتكم وأخواتكم وبناتكم وأولادكم، لن يسامحكم الله إن قصرتم في هذا اليوم لأنه سلمكم مفتاح الحل، فليس أمامكم عذر لا أمام الله ولا أمام الشعب ولا أمام التاريخ. قوموا بعملكم واثقين أنكم على الحق وأن الله معكم ولن يتركم أعمالكم.

 

 

معتز فيصل / ألمانيا

 

10.02.2011

الممثلون الجدد وصلوا، والمسرحية مستمرة…

الممثلون الجدد وصلوا، والمسرحية مستمرة…

 

معتز فيصل 

 

 

منذ بداية الثورة المصرية المباركة، والنظام المصري المتعفن يتحفنا كل يوم بمفاجأت جديدة، صحيح أن الصدمة كانت عنيفة جدا يوم الثلاثاء المبارك الخامس والعشرين من كانون الثاني، ولكن النظام استفاق بعد ثلاثة أيام وبدأ يحشد العدة للرد على الثورة ومحاولة إجهاضها.

 

بدأت المسرحية بخطاب مبارك الأول والذي كان فاشلاً إلى أبعد الحدود وأدى إلى مزيد من الغضب في الشارع، وإلى المزيد من الدعم للمتظاهرين، وإلى ردود فعل متشددة من المجتمع الدولي، عدا إسرائيل.

 

الفصل الثاني كان محاولة إرهاب المتظاهرين الشباب، بالوسائل التي شاهدها العالم كله على شاشات التلفاز، والتي زادت في تشويه صورة النظام المشوهة أصلاً ورفعت عنه الغطاء الدولي تماماً، ودفعت المتظاهرين والشعب بشكل عام إلى المزيد من التصلب ورفع سقف المطالب، ودفعت بالجيش إلى تغيير موقفه، من الحياد السلبي إلى الحياد الفاصل الذي يحاول الفصل بين المجرمين والمتظاهرين.

 

أما الفصل الثالث فكان مشوقاً جداً، وصل فيه الممثل الجديد الذي يريد أن يلعب دور البطولة بالنيابة والذي اختارته إسرائيل وأمريكا ليواصل المسرحية في حالة غياب البطل الأصلي. الممثل الجديد والذي يلعب دور الحاكم الإسرائيلي العام في ولاية مصر الصهيونية (مع الاعتذار لكل الشعب المصري)، أصر أن يرينا أنه سيكون أعنف وأشد وطأً على الشعب من سلفه، وأنه قادم إلينا من قيادة المخابرات الشهيرة، وأن يديه الملطختين بدماء الفلسطينيين والمصريين على حد سواء، لن تتورعا عن المزيد من سفك الدماء على أرض مصر الطاهرة في سبيل إكمال المخطط الصهيوني الذي بدأ بمعاهدة السلام، واستمر لمدة ثلاثين سنة ويراد له الآن أن يتواصل مع تغيير الممثلين وتبديل الأدوار. كلامه كان عنيفاً جداً ولكنه مبطن، كشخصيته المخابراتية تماماً، ولكن المشكلة أنه لم يكن يملك من الأوراق أكثر من تلك التي كان الممثل القديم يملكها: وعود فارغة، وأموال جاهزة للتوزيع، وتهديدات كلامية مع أمثلة عملية، مثل الدهس بالسيارت واستمرار البلطجة في الشوارع واختطاف الصحفيين، وتكسير مكاتب أجهزة الإعلام الدولية التي تحاول نقل صورة صحيحة وواقعية للأحداث.

 

إذا قبل الشعب المصري والشباب بعمر سليمان فسيكونون قد أوصلوا مصر إلى ما وصلت إليه تونس بعد بورقيبة، ففي تونس رحل الرئيس الفاني ليستلم بدلاً منه رئيس مخابراته، الذي أذاق الشعب التونسي هوان ثلاثين عاماً. فهل سيرضى الشعب المصري برئيس المخابرات بدلاً من الرئيس الفاني ليذيقهم سوء العذاب ثلاثين عاماً أخرى؟ لا نعتقد هذا ونراهن على وعي الشباب وتجربتهم مع هذا النظام بكل مؤسساته وخاصة مؤسسة المخابرات.

 

هذا الفصل أيضاً كان فاشلاً جداً بعون الله تعالى وبإصرار الشعب المصري كله والشباب قبل كل شيء على مواصلة النضال، فكان الرد الشعبي العارم يوم الجمعة بالمظاهرات المليونية والتي لا أقول إنها تعبر عن رأي ثمانية ملايين مواطن مصري خرجوا إلى الشوارع في جميع أنحاء مصر، ولكنها تعبر عن رأي أربعين مليون مواطن على الأقل، لأن خلف كل واحد من الملايين الثمانية التي خرجت إلى الشوارع يوم جمعة الرحيل، خمسة أشخاص على الأقل من أسرته وأصدقائه وقريته يؤمِّنون حراسة بيته وحراسة مكان عمله ويمدونه بالطعام والشراب ويرعون أطفاله أو أسرته من ورائه، كل هؤلاء رأيهم من رأيه وكل واحد منهم يود لو أنه كان مكانه. إذا عندنا استفتاء حقيقي من أربعين مليون مصري شريف يقولون للنظام ولرأس النظام إرحل.

 

الغرب أيضاً تغيرت لهجته وأصبح يطالب بالتغيير الفوري، بدل الانتظار إلى موعد الانتخابات القادمة في سبتمبر/ أيلول المقبل، أربعة إجتماعات رئيسية على مستوى الرؤساء والقيادات في أوروبا وأمريكا كان همها الأول التدارس حول الوضع في مصر (بالمناسبة هل سمع أحد منكم عن إجراءات عربية أو مشاورات عربية؟ أم أن الأمر لا يهم العرب؟ على كل عمرو موسى متواجد الآن مع المتظاهرين ويلعب كومبارس في لجنة الحكماء لذلك لن تستطيع الجامعة العبرية أن تجتمع) المهم أن الغرب ممتعض جداً من الوضع المصري ومن أداء النظام المتخلف، ويبحث بجد عن حلول، لأن مصر ليست تونس بالنسبة لهم ولن يتخلوا عنها أبداً بهذه السهولة التي تمت في تونس.

 

الفصل الرابع ظهر فيه أيضاً الممثل الجديد الفريق أحمد شفيق، وهو من زملاء مبارك القدامى في الجيش، ومن مساعدية غير المشهورين ولكن الآساسيين طوال سنوات حكمه، يتقاسم معه المسؤولية عن كل مصائب الشعب المصري منذ ثلاثين سنة، لا يشفع له بعده عن الأضواء، ولا عدم اشتراكه مباشرة في جرائم القتل والفساد والاتصال بالإسرائيليين والتنازلات المستمرة المقدمة لهم.

 

حاول الممثل الجديد الظهور على الفضائيات وإيجاد المبررات والحلول الكاذبة، ولكنه هو أيضاَ يتمتع بميزة عدم الفهم أو عدم إرادة الفهم، فبعد كلام طويل وجميل ومعسول عاد لينقض غزله أنكاثاً عندما قال: إن مصر بحاجة لمبارك في هذه الفترة لإتمام الإصلاحات. يعني بالكلام الصريح أنا من النظام السابق والنظام السابق مني ونحن نلعب معكم لعبة كسب الوقت ولن نرحل وسنسومكم سوء العذاب بعد أن تنتهي هذه الأزمة وستعلمون أينا أشد عذاباً وأبقى.

 

الفصل الخامس اليوم السبت: ممثلون رئيسيون يرحلون ويتركون مناصبهم لكومبارس مؤقت، مثل حسام بدراوي بدل جمال مبارك وصفوت الشريف، كما ذهب كل أعضاء الأمانة العامة للحزب الوطني. والكومبارس جاهز في غرف المكياج.

 

أتعجب فعلاً من وزراء وسياسيين وضباط في الجيش، يقبلون في مثل هذه الظروف أن يكونوا خِرَقاً لستر عورة النظام، أو خرقاً لمسح أوساخ النظام، ماذا يطمع هؤلاء؟ ما هي الضغوطات والابتزازات التي تمارس عليهم؟ ما هي الوعود التي تقدم إليهم؟ كيف يبيعون دينهم ودنياهم في سبيل بقايا دنيا غيرهم؟ أنا أحسد مبارك وأمثال مبارك على هؤلاء الحمقى والمغفلين المخلصين إلى أبعد درجات الإخلاص، او المنافقين إلى أبعد درجات النفاق، أو الطامعين إلى أبعد درجات الطمع. هؤلاء عادة يكونون أكبر الخاسرين في مثل هذه الظروف لأنهم الأوراق الأخيرة التي يلعب بها النظام الدكتاتوري الراحل، هؤلاء غالبا ما يفوتهم قطار الرحيل فيداسوا على أرصفة المحطة بالأقدام.

 

الفصل الأخير اليوم أيضاً يلعبه رؤساء أحزاب ما كان يسمى بالمعارضة كالوفد والتجمع والناصري، هؤلاء ذهبوا للتفاوض مع عمر سليمان، أو بالأحرى نستطيع أن نقول أحضرهم عمر سليمان للتفاوض مع نفسه، فهم صدى لأقوال الحزب الوطني الحاكم كانوا يُستخدمون كديكور في المشهد السياسي المصري قبل الأحداث، وسبقتهم الأحداث بعشرات السنين الضوئية، ويحاولون بهذه الطريقة السخيفة أن يصلوا إلى شيء، ولكنهم لم يكونوا ولن يكونوا مؤهلين لأي تغيير حقيقي كالذي نراه حادثا اليوم في مصر. أكثر ما يمكن لهؤلاء أن يصلوا إليه أن يقبل الشباب الثائر في مصر أن يتركوهم كديكور في المستقبل ولكنه سيكون بألوان شاحبة جداً. يضاف إلى هؤلاء لجنة الحكماء التي لم يوكلها أحد ولم يسألها أحد وأكبر مصائبها أنها توافق على تخلي مبارك عن سلطاته لسليمان، يعني من الهروب من نار جهنم إلى الحطمة، وهنا السؤال السابق كيف نثق بسليمان؟ وهل يستطيع الرئيس إستعادة هذه السلطات بحسب القانون؟ وما هي مدى شراكة سليمان في كل مصائب مصر التي يطالب الناس برحيل الرئيس من أجلها؟ هنا أجد أن على حركة حماس في فلسطين المحتلة (وعلى كل من يعرف جرائم سليمان) أن تنشر ملف سليمان، فهم أكثر الناس معرفة به وهذا واجب شرعي في حقهم يستطيعون أن ينفذوه بكل الطرق الممكنة، لأنهم إذا تركوا الشعب المصري نهباً لهذا الإنسان يكونون قد قصروا في النصيحة وورطوا الشعب المصري في أكبر ورطة عرفها في تاريخه.

 

في الختام كلمة إلى الشباب الرائع في مصر وإلى الشعب المصري البطل، يجب أن تتشكل قيادة سياسية مؤقتة من كل الفرق الصامدة في الميدان وعلى الأرض لتقطف ثمار هذه الثورة الرائعة، ولا يجوز بحال من الأحوال ترك هذه الثمار في أيدي أزلام النظام ولا في أيدي الأحزاب الديكوراتية ولا في أيدي لجنة الحكماء ولا في أيدي الغرب. بارك الله فيكم وغفر لكم ونصركم وآواكم وأيدكم وأعزكم وأعز مصر على أيديكم وجزاكم عن كل الأمة العربية والإسلامية خير الجزاء.

 

معتز فيصل / ألمانيا

 

أصبع سليم في جسد سقيم- بقلم سهير أومري

على عتبات 2011م….. إصبع سليمٌ في جسد سقيم

بلد أم أمّة؟!! نكون أولا نكون

سهير علي أومري

2011م سنةٌ جديدة أقلّ ما يقال في حقها سنةٌ عاصفة ما طرقت باب دهرنا إلا بسلسلة من العواصف التاريخية والرعود السياسية التي ستبقى ماثلة تحفرها أنامل الأيام في جبهة تاريخنا….

تاريخنا!! الذي أكل الدهر على حضارته، وشرب على مجده نخب الهزائم والانكسارات، ولبس في أعياده ثوب الفرقة والاستسلام، وغنى على أطلاله (فات المعاد، وأنساك ده كلام أنساك يا سلام)

تاريخنا الذي استلمناه زاداً دسماً لكتبنا فأعليناه على رفوفوف مكتباتنا، وحفظنا بعضه في أقراص مضغوطة في محطاتنا وقنواتنا… بغض النظر عن مصداقية تجسيده وتقديمه….

تاريخنا الذي رآه بعضنا في أحلامه فعاش له وفيه ومنه ومعه وظل ينادي في كل محفل وفي كل شارع: سجل أنا عربي… سجل أنا عربي….. سجل أنا عربي…. ولم يبصر ولو لمرةٍ أن من يطلب منهم التسجيل قد نفد مداد انتمائهم لهذه الأمة منذ عقود لا بل منذ دهور…

تاريخنا الذي جاءت أجيال تطأطئ رأسها عند ذكر تائه وقبل نطق خائه، فتراها تصاب بالدوار والغثيان لكنها سرعان ما تستعيد توازنها بجرعة ثابتة من سبِّه ولعنه ونعته بأقذع الأوصاف واتهامه بالخرف وعدم الصلاحية، وكيف لا وكلُّ علاّقاته قد امتلأت فلم يعد هناك ذلٌّ في حاضرنا، ولا نكسةٌ في واقعنا، ولا هزيمةٌ في أفكارنا، ولا تأرجحٌ في مواقفنا، ولا اختلال في عقولنا إلا وحملها….

تاريخنا القادم الذي هو حاضرنا اليوم، والذي يقف ليشهد واقعاً جديداً، ويُخطَّ تفاصيله بحروفٍ جديدة…. حروف سرقت مني حروفي منذ مطلع هذا العام، فوقفتُ عاجزةً لا أدري ماذا أكتب ولا ماذا أقول، وكل أصوات الحروف لن ترقى لأن تعبر عما في داخلي من تعجُّبٍ ودهشةٍ وخوفٍ وقلقٍ وارتباكٍ وأملٍ….

وكلُّ موضوع يتناول فكرةً لا علاقة لها بما يجري على الساحة سيكون تغريداً خارج سرب الأمة وهمومها، وهكذا تفقدت قلمي مراراً ورنوت إليه تكراراً ولا أدري أأمسكه لأبعث برسائلي لشعب تونس الحبيب، أم لأهل لبنان الشقيق؟! أأكتب عن مأساة السودان أم ثورة الغضب والعنفوان في أم الدنيا محروسة الرحمن؟! أأقف لأواسي أهل جدة بما أصابهم أم أحزن على شباب يحرقون أجسادهم بعد أن أحرق الظلم أرواحهم؟! أأقف لأذكِّر نفسي وأذكِّر الدنيا بأهل غزة الأبية أم بمواقف قادة السلطة الفلسطينية المخزية؟!!!…..

المهم أن فداحة الأحداث كبلتني وألجمت لساني ولم أعد أدري أيّ خبرٍ من حولنا هو الأهمّ… إلى أن أخذت تصوب نحو ناظري على موقع التواصل الاجتماعي (الفيس بوك) بعض الجمل التي يكتبها صحفي إماراتي شاب جمع في صفحته ما يقارب (800) صديق…
جمله هذه كانت تتعلق بالأحداث الجسام التي تمر بها أمتنا وكان منها:
  • ·         “الوقت مناسبٌ للحديث عن الاستبداد، ولكننا ننسى أحيانا بأننا نستبد بأنفسنا عندما نحبسها أمام نشرات الأخبار
·         ومن لم يكن مصريا فلا حاجة لثورته، ويكفيه أن يدعو للمصريين ثم يمضي في حياته
·         هُناك فرقٌ بين التفاعل مع الأحداث وبين الانفعال معها
·         قبل 60 عاما تفاعل العرب بطريقة مشابهة مع الثورات العربية، واليوم، أخاف أن تُعاد الكَرّة. لا أدري لماذا نستعجل الفرح
·         طبعاً بعد انقطاع بث قناة الجزيرة لن يجد العرب من يثورون عليه إلا أنفسهم..
·         الأخبار السلبية هي حِبرٌ مسموم يقتل البهجة على الصفحات، ويسمم الأمل في القلوب
·         لابد أن تتفاعل مع الأحداث التي تدور حولك، ولكن إن لم تكن تسكن في قلبها فلا تجعلها تسكن في قلبك”
 
ولكن بعد ذلك جاء هذا الصحفي الشاب ليتوِّج رأيه بمقال نشره في إحدى الصحف الإماراتية سماه: (جيل نكسة جديد) يتحدث فيه عن فظاعة وفداحة وشناعة وقبح انشغال الناس بما يحدث في تونس ومصر وفلسطين واستغراقهم في تفاصيل الأحداث وتعاطفهم معها حدَّ الاستغراق لما في ذلك من إحباط ويأس وحزن يعود عليهم ويجعلهم يمتنعون عن أيّ إنجاز أو عمل أو إبداع أو تنمية، في الوقت الذي لن تستفيد هذه الدول من تعاطفنا شيئاً ناهيك عن حزننا وألمنا… وأخذ يشبِّه أجيالنا الحالية التي تتأثر بالأحداث وتتابعها وتنفعل بها بجيل النكسة الذي كان في الستينيات من القرن الماضي…
 
كلام أيقظ قلمي من سبات الألم وأوقفني مع واقع عام لا يتمثل في فحوى هذا المقال بالذات أو رأي هذا الكاتب تحديداً بل يتعداه إلى توجه فكري يدعو إلى تجزئة الهَمّ وتقزيم المساعي والجهود الحضارية في بناء البلدان وفصلها عن قضية وطننا الأكبر أو أمتنا الكبيرة….. واقع أعتقد أنه صار من اللازم أن يتمَّ نقاشه…
فقد كنت –وما زلت- أعتقد أن المستنكَر والغريب أن يشغل اهتمامَنا أيُّ أمرٍ مهما كان مُهِمّاً أو نتكلَّم في أيِّ موضوع وأمتنا تتعرَّض لرياحٍ عاتية وعواصف تمطرها بألمٍ هنا وجرحٍ نازفٍ هناك…
 
فأيُّ عمل وأيُّ إنجاز وأيُّ بناءٍ وأيَّة تنميةٍ ستكون وستقوم بها الأجيال بمعزل عن واقع أمتنا (الكبيرة) وليس بلداننا (الصغيرة)؟!
وأيَّة تفرقة حدودية تجعلنا نقول: ما لمصر لمصر وما للإمارات للإمارات، فنمضي مكتفين بالدعاء نستثمر الأموال، ونكتب الشعر في وصف النساء، ونفتتح مطاعم العشر نجوم في أعلى بناء شهده التاريخ من قبل ومن بعد، وربما حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ونحن نتغنى بإنجازاتنا وحضارتنا ونرجو لأهلنا في غزة وفلسطين الفرج العاجل القريب!!…
 
ثم ما تعريف العمل النافع البنّاء والمثمر الذي نبتغيه من أجيالنا؟!! هل هو النجاح الشخصي لدولنا فقط على مبدأ: ومن بعدي فليكن الطوفان!!…
 
وهل التنمية المحلية المعزولة عن قيم الحق ودفع الظلم والاستفادة من دروس الواقع والبعيدة عن هَمِّ النهضة –نهضة الأمة وليس نهضة البلد – هل ستكون تنمية حقيقية ومكسباً وطنياً؟!!
 
هل تقزيم مفهوم النهضة لتكون نهضة قطرية مبنية على حدود سايكس بيكو هو هدف يجب أن تؤمن به الأجيال وتعيش لأجله!!
 
وكيف تكون أجيالنا أجيال نكسة وهي تقف اليوم لتصنع مستقبلها وتاريخ أحفادنا وأحفادها ؟!!
 
كيف تكون أجيالنا اليوم أجيال نكسة وهي تعرف ماذا تريد ولماذا تريد وكيف تحقق ما تريد… ؟!!
 
كيف تكون أجيالاً محبطة مشلولة وأملها بتقرير مصيرها يجعلها تبصر النور في قلب العتمة، فتقوم لتقول كلمتها، وخير مثال على ما أقول هو الواقع والواقع الذي نراه فقط!!
 
كيف نتعامل مع أحداث تغيُّر وجه الخارطة الزمانية والمكانية لأمتنا على أنها أحداث سلبية ستبعث فينا مشاعر سلبية… وهل هناك سلبية أكثر من المضي في حياتنا والاستمرار فيها وكأن شيئاً في أمتنا لم يكن!!
 
إنني أدرك تماماً أن إشعال شمعة أفضل ألف مرة من لعن الظلام، ولكن واقع أمتنا اليوم يعلمنا أن الشمعة لا يمكن أن تشعل إلا بأيدي أجيال يمينها الألم وشمالها الأمل، وما لم تتحقق هذه المعادلة لن يتم إيقاد الشمعة أو استمرارها…
فلا الأمل بالمستقبل والبناء والازدهار المعزول عن واقع أمتنا سينفعها ولا التقوقع والندب والنواح على حالنا دون العمل والبناء سينفعها، ولكن ما نشهده على الساحة اليوم خير مثال على أنّ أجيالنا لم تكتفِ بالندب ولا بالنواح….
فالألم والأمل مكونان لا ينتجان إلا بعد تفاعل طويل الأمد مع الأحداث وإدراك أبعادها وما وراء سطورها…
سيقول قائل الآن إن ما يجري على الساحة اليوم ليس إلا فوضى عارمة وفتنة كبيرة يتحدد حجمها بحجم نتائجها التي لا يمكننا رؤيتها على المدى القريب، وإنني أقول صحيح هذا الكلام، ولكن على الأقل فقد صارت هناك نظرة أخرى للأجيال علينا جميعاً أن ندين لها ونؤمن بها، فأجيالنا اليوم ليست أجيال نكسة أبداً …. أجيالنا اليوم يضعون نقطة في آخر سطر واقعنا ليقولوا للدنيا بأسرها:
أمتنا بعد الشهر الأول من عام 2011م ليست كما كانت عليه من قبل…. إنها أمة جديدة علينا أن نصوغ وفق دروسها أبجديةً جديدة إنها أبجدية نهضتنا وعملنا وبنائنا القادم…. أبجدية مبنية على قوله صلى الله عليه وسلم:

(مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).

هذا إذا اشتكى منه عضو فكيف إذا كان المشتكي ثلاثة أرباع الجسد بما فيها قلبه وعينه ويده ورأسه!!
وإن أي محاولة لتجزيء إحساسنا بهذا الجسد سوف لن تثمر إلا صحة إصبع في جسد عليل سقيم ما يلبث أن يتداعى غير مكترث بصحة هذا الإصبع مهما كان يرتدي من خواتم أو يتزين من طلاء جميل!!

 

مرحبا بك في القاهرة..!

(يوم الخميس 27/1/2011 وصلت القاهرة..رحب بي يومها الدكتور محمد عباس بهذه المقالة التي أنشرها هنا بعدما نشرها على موقعه الكريم ومواقع اخرى..في اليوم التالي القت القاهرة التحية على التاريخ..

وكنت أمر من هناك..بقدر هو أفضل من ألف ميعاد.

شكرا للدكتور محمد عباس على المقال الذي لا أظنني استحقه..

وشكرا للقاهرة لما نأمل أن ننال استحقاقه)

 

لكم كنت سعيدا بلقائك  في القاهرة يا أحمد العمري، لكنها كانت سعادة ممتزجة بالألم والخزي ، ذلك أن القاهرة، التي طالما أحببتها، لم تعد هي القاهرة التي عرفها التاريخ، والتي عرفتها في شبابي. ولولا انتفاضة الشباب في الأيام الماضية لكان خزيي شاملا وعاري كاملا.

كان قلبي يوجف وأنا أتصورك حين تأتي تزورّ بعينيك بعيدا عني رحمة بي كي تداري عني صدمتك واستنكارك وتساؤلك النازف المندهش:

هل هذه هي القاهرة؟

هل هذه كعبة العرب الثقافية وقبلة المسلمين الفكرية؟.

لكن ما يمسح عاري ثورة الشباب المجيدة..

الثورة التي تنبأت بها في كتبك يا أحمد العمري.

لقد قام بها الجيل الذي تنبهت إليه وتوليته بالرعاية والاهتمام في كتاباتك ومقالاتك..

***

يا أحمد العمري لا تنظر في صحافتنا ولا في فضائحياتنا فهي عورة..

في الأيام القليلة الماضية كنت مشحونا بطاقة انفعال طارئ وتوقد شعلة أمل توهجت حين ظننت أنها خبت.كنت أقفز ما بين الفضائيات التي تتمتع بحد معقول من المصداقية والاحترام كالجزيرة والمستقلة والحوار. كانت الضمائر تتوهج و تكاد من فرط الانفعال  تضيء.

وبالرغم مني، كل آن وآخر كان ثمة مرور إجباري ببعض فضائياتنا حيث مذيعينا الذين يمثلون دور مذيعين حقيقيين  وليبراليونا التي اقتصرت الحرية عندهم على الشذوذ والبغاء وصداقة أمريكا والعداء للوهابية(الاسم الرمزي للإسلام). كانت سادرة في غيها، كأنها لو أغمضت أعينها عما يجري في شوارعنا كما فعلت مع ثورة تونس ستمنع الناس من معرفتها أو التأثر بها.  وكلما جرحت عيني وقلبي بتوقف الريموت عليها لثوان كنت أحس بشعور ممض. شعور بالدنس. تعبت ذاكرتي في استدعاء شعور مماثل منذ ما يقرب من أربعين عاما. كنت في مكان ما ومررت بمكان ما فوليت هاربا وأنا أشعر أنني غرقت في بحر من الدنس… أين كان ذلك المكان ؟ ومتى؟ .. آآآه.. الآن تذكرت.. كان ذلك في أمستردام في هولندا.. كنت في رحلة علمية.. وكنت أقيم في فندق أنيق في العاصمة اسمه كراسنابولسكي. إن لم تخني الذاكرة كان القصر الملكي في مواجهته. كان المكان أنيقا جدا، وخرجت منتشيا بهذا الإحساس أستكشف الشوارع القريبة، كانت الفخامة باذخة، والذوق عال جدا، وأنا أسير وأسير وأسير. قبل أن تخشوشن المفاصل كنت أهوى السير كثيرا. فجأة أحسست بمستوى الفخامة ينخفض. وأن فاترينات عرض المحلات أصبحت صغيرة جدا، كل واحدة منها تعرض شكلا واحدا فقط، تعودت على الفاترينات العريضة التي تعرض عشرات الأشكال من الملابس أو المنتجات. ضايقني عري الموديلات. تنبهت فجأة إلى أن العري كامل، دهشت، فمن المفروض أنهم يعرضون الملابس على الموديلات، لكن.. لماذا يعرضون الموديلات بلا ملابس.  بدأت أشعر بالدهشة والمفاجأة وبشيء من الخجل والتقزز، وقبل أن أفهم وأغض بصري ذهلت، كانت إحدى الموديلات تغمز بعينها. في البداية ظننت أنها لعبة كعروسة الأطفال التي تفتح عينيها وتغمضها وتبكي وتغني، لكنني لاحظت أنها لا تكتفي بالغمز بل تضحك وتتحرك. فطنت إلى الحقيقة الفضيحة، لم تكن موديلات، كانوا بشرا، رجالا ونساء، كل واحد منهم في قفص زجاجي، كان شارع البغاء في أمستردام، شعرت باشمئزاز عنيف لم يخفف منه ضحكات أصدقائي علىّ بعد ذلك وأنا أحكي لهم الحكاية مصعوقا وهم يشرحون لي أنه خلف هذه الفاترينة، وراء الستارة مباشرة، غرف قذرة صغيرة للممارسة.. ملأني اشمئزاز عنيف، استدعاه إلى الذاكرة اشمئزازي وأنا أمر بالصدفة ببعض فضائياتنا حتى أصل إلى الجزيرة أو المستقلة أو الحوار فأهرب منها فزعا كما هربت يوما من أوكار الدعارة تلك. تجسدوا أمامي على الشاشة، المذيعون وضيوفهم في فضائحياتنا، كانوا أشبه ما يكون بهاتيك النسوة وأولئك الرجال الذين أذهلني منظرهم في أمستردام منذ أربعين عاما. الآن أجزم، أن هاتيك النسوة وهؤلاء الرجال كانوا أشرف من مذيعي بعض فضائياتنا وضيوفهم، على الأقل، لم يدّع أي واحد منهم الشرف، ولم يتسربل بالفكر، ولم يخلط الدعارة بالاستنارة.

يخيل إلي أنه لو رفعت الستائر في الفضائحيات لشاهدنا فحشاء النخبة عيانا بيانا.

ولو رأيتهم من خلال السطور في الصحف لاشمأززت من عوراتهم البادية..

لا تنظر إلى فضائحياتنا يا أحمد العمري..

ولا إلى معظم صحفنا..

فمصر مستعمرة يا أحمد العمري.. محتلة كبغداد وربما أكثر..

ومن يكتبون ويظهرون على الشاشات فيها هم أعوان الطاغوت وخدمه.

فلا تنظر إليهم

انظر إلى الملايين من شبابنا في معرض الكتاب الذي حضرت من أجله ( والذي يشاع أنهم قد يغلقوه).

انظر إلى ذلك الشباب الفذ المعجز وهو يغير التاريخ ويقود التغيير..

واعلم: أن كل الأسماء الرنانة التي تسمع عنها مجرد خصيان  عند الطاغوت لممارسة الدعارة الفكرية.

لا تسع إلى أحد منهم.. فهم مدنسون.. وأفئدتهم هواء..

و..

أما أنتم يا رعاة معرض الكتاب: لا تدعوا الدكتور أحمد العمري في أي ندوة من ندواتكم..

لا تحتفلوا به أبدا..

تجاهلوه..

فهو إنسان شريف حر ..

وهو عبقري وموهوب..

وبهذا كله فهو لا يمتلك الحد الأدنى الذي تشترطونه في كتابكم..

وهو –تخيلوا- لا يؤيد الشذوذ ولا يعتبره حرية شخصية.. ولا يعتبر منع ختان البنات من أصول الدين.. ولا يعتبر الخروج على الحاكم كفرا وسباب الرسول صلى الله عليه وسلم تقدما واستنارة.. وهو رغم دراسته العميقة الشاملة للفلسفات الغربية غير مبهور بها.. وبدراسته العميقة الشاملة للحضارة الإسلامية لا يخجل منها..

وهو مع أمته ضد أعدائها..

فلا تدعوه إذن أبدا..

بل لو استطعتم أحرجوه..لأنه من قوم يتطهرون.

وإذا أردتم معرفة المزيد عنه أرجو مراجعة مقالي: “صانع الأنفاق” على هذا الموقع.

 

تعليقات متناثرة على ما لا يحتمل التأجيل

(تسارع الأحداث لا يحتمل التأجيل أحيانا..

وهذه مجموعة تعليقات كتبتها في الفيس بوك أبان تصاعد ثورتي تونس ومصر المباركتين..وأخترت أن اجمعها هنا لأن الفيس بوك على ما يبدو لي كثير النسيان رغم فاعليته)

من أقاصي اليأس يولد منتهى الأمل…
طالما آمنت بذلك لكني أجد هذه العبارة مجسدة اليوم في ثورة تونس المباركة
بوعزيزي -الشاب الذي أحرق نفسه- كان قد وصل حتما لأقاصي اليأس
لكن سبحان الله
أقاصي يأسه قادت لمنتهى الأمل…
والمسافة بين المرحلتين تعبدت بتضحيات العشرات من الشهداء و الألوف ممن كانوا على وشك أن يكونوا شهداء..

 

فرق كبير و كبير جدا
بين  إزاحة تحدث بالدبابة الأمريكية
وأخرى تحدث بالارادة الشعبية

في عام 1979 غادر الشاه إيران  هو وزوجته وأسرته ، رفض حلفاؤه الأمريكان استقباله و استقبله بعض العرب بضيافتهم المعهودة
في 2011 غادر بن علي تونس ومعه أسرته ،ورفض استقباله حلفاؤه الفرنسيون واستقبله  بعض العرب أيضا
السؤال هو :هل سنشهد تتمة الحكاية مع أسرة بن علي؟
هل سنرى أفراد اسرته يضيعون كما ضاع أولاد الشاه في أوحال المخدرات..
ليلى بهلوي انتحرت 2001 في لندن وكانت مدمنة مخدرات
وانتحر الشهر الماضي الابن الأصغر للشاه علي رضا في بوسطن باطلاق النار  في فمه
…اللهم لا شماتة
لكن فلنتذكر :هذه سنن إلهية..و الطغاة لايحطمون بلادهم فقط بل يحطمون حتى أقرب الناس إليهم

الفتنة ليست فقط في “الخروج على الحاكم”الذي يحذروننا دوما منه ومن عواقبه
الفتنة أيضا هي في “البقاء” فيما لا يمكن البقاء فيه..في الاستمرار فيما سيؤدي حتما إلى الهاوية

‫الرببع جاء مبكرا هذه السنة..
وحتى لو لم يثمر شيئا..
حتى لو لم تنجح هذه المظاهرات كما حدث مع تونس
فعلي الأقل سيكون درسا للحكومات كي تحاول استرضاء شعوبها
على الأقل الشعوب تقول : نحن هنا

 

الشعوب العربية على سطح صفيح ساخن…‬

 ‫مدن تغرق وأخرى تشتعل و أخرى تنير الطريق