العمري في المحروسة..إن شاء الله

العمري في المحروسة إن شاء الله

على هامش معرض القاهرة الدولي للكتاب يقوم الدكتور العمري بزيارة لأم الدنيا – مصر المحروسة- و ستكون هناك لقاءات متعددة مع القراء..

أولها لقاء في الاسكندرية – يوم الجمعة الموافق 28 /1/ 2011..في جمعية مصر للثقافة والحوار الساعة السابعة مساء بتوقيت مصر..

وسيعلن عن مواعيد اللقاءات الأخرى تباعا…

 

ليس بخبز “باب الآغا” تنهض الأمة

ليس بخبز “باب الآغا” تنهض الأمة..

د.أحمد خيري العمري

 لدينا في بغداد مثل يُضرب  لمن يريد حاجةً أو سلعةً معينة بأفضل وأنفس حال وأقلّ سعرٍ في الوقت نفسه، فيقال عنه إنه يريدها مثل “خبر باب الآغا، مكسب –أي ناضج- وحارّ ورخيص” وباب الآغا هي محلة بغدادية سُمِّيت باسم أحد آغوات الانكشارية في العهد العثماني، وكانت تُعرف بأن الخبز الذي يُباع فيها جيدٌ ورخيصٌ في الوقت ذاته.. وصار المثل يُضرب على كلّ مَنْ يُمنِّي نفسه بالحصول على أقصى ما يمكن بأقلّ ما يمكن… أي الأفضل بأقلّ وأبخس سعرٍ ممكن..

لم يبقَ من محلَّة باب الآغا الكثير، فقد صارت جزءاً من شارع الرشيد، ولا يعرف من هو الآغا الذي سمِّيت باسمه تحديدا.. ذهب الآغا وذهب الانكشاريون والدولة العثمانية ولكن بقيت ذكرى ذلك الخبز الجيّد والرخيص في آنٍ واحدٍ مضرباً للأمثال على تلك العقلية التي تريد أقصى ما يمكن بأقلّ ما يمكن..

وإذا كانت محلَّة باب الآغا تتموضع جغرافياً داخل حيِّزٍ ضيِّق من بغداد، فإن عقليَّة خبز باب الآغا  تمتدُّ من المحيط على الخليج على الأقلّ.. وربما أكثر من ذلك على المحور الممتدّ من طنجة إلى جاكارتا..

يذكِّرني بذلك حقيقةٌ مؤسفةٌ ألمسها لدى بعض الشباب الذين  يتصوَّرون أنَّ الدرب إلى النهضة معبَّد بالزهور وأنه يمرُّ عبر الدورات التدريبية في فنادق الخمس نجوم.. وربما ببعض الرحلات التي تجمع بين النشاط الدعوى والترفيهي –الحلال.. إنهم يريدون النهضة بلا شكّ، كيف لا، وهم الجيل الذي انتشرت المفردة على لسانه،…. لكن يريدونها كما يريد الزبون البغدادي خبز باب الآغا.. بثمنٍ هو أقرب للا شيء.. يريدون النهضة لكنهم يتصوَّرونها رخيصةً وسهلة المنال.. يمكن أن تُحقَّق بلا تضحيات من أيّ نوع كانت.. بل إنهم يريدونها حتى من دون أية مواجهات.. من دون أيِّ حريقٍ كان.. حتى من دون حرق أعصاب…!

لا يمكن لوم الشباب كثيراً في هذا، أو بالأحرى لا يمكن لومهم دون لوم المعطيات الثقافية التي شكَّلتهم وشكَّلت أحلامهم على هذا النحو..  فهذه العقليَّة سائدة عند الكثير من الناشطين والدعاة العاملين في مجالات قريبة من النهضة.. صحيح أن الأمر أوضح وأفصح عند الشباب لكن هذا جزءٌ من كونهم شباباً بالتعريف..

 

النهضة كما يريدها ويتمناها هؤلاء هي نهضة مهذَّبة ولا تُغضِب أحداً، ولا تمسّ أيَّ مفهوم من المفاهيم الموروثة.. هناك نظرة سائدة تعامِل هذه النهضة كما تعامِل الخاطبة التقليدية البنت التي تريد الترويج لها وتزويجها لأقرب عريس محتمل.. “لها فم بياكل ما بيحكي” -كما يقول الشوام- أي إنها لا تفتح فمها لتعترض على أيّ شيء مهما كان وإنما لتأكل فقط.. وهذه هي مواصفات الزوجة المثالية أيامها ( فقط؟!).. حيث سيطمئنّ العريس إلى أنها لن تعترض على كلّ ما سيفعله…

لكنّ المواصفات المنقرضة للزوجة المثالية لا يمكن أن تنطبق على النهضة بأيّ حالٍ من الأحوال.. لا يُمكِنك أن تُرضي الجميع وفي الوقت نفسه تنجز شيئاً يتناقض مع ما يريده البعض ممن حرصت على إرضائه .. وبالتالي لا يُمكِنك أن تنجز النهضة إن لم تُغضِب بعض مَنْ يريد قعودك.. أو مَنْ تَسبَّب في قعودك في المقام الأول..

بعبارةٍ أخرى، لا يُمكِنك أن تنهض دون أن تُزيح عن كاهلك ما تَسبّب في انحطاطك ولقرونٍ طويلة.. وهنا أقصد القيم السلبية التي تنكَّرت خلف فهمٍ خاطئٍ لنصوصٍ دينيةٍ أو خلف نصوصٍ ضعيفةٍ أصلاً.. قيم تعايشت مع حالة الانحطاط التي مرَّت بها الأمة وسوّقت لتعوُّدِ الناس عليها، وكانت جزءاً من حالة السلم والرِّضا العام بها.. .هذه القيم على سلبيتها وبُعدِها عن القيم التي أرساها الإسلام في الجيل الأول.. لها نوعٌ من القداسة المزدوجة أولاً لارتباطها بنصٍّ دينيٍّ.. وثانياً لأنّ قِدَمها يمنحها قداسةً إضافيةً.. فهي جزءٌ من التراث الذي يعتزُّ به الناس، ويعتقدون أن التخلي عنه تخلٍّ عن إرثهم وهويتهم.. فكيف إذا ارتبط في أذهانهم بنصٍّ دينيٍّ مقدَّس لا ينتبهون إلى فهمه الخاطئ.. أو نصٍّ استقرّ في أذهانهم أنه دينيٌّ دون أساسٍ حقيقيٍّ.. ومن الطبيعي أن هذه القيم السلبية لها حَرَسُها القديم الذي يؤمن بها عن حقّ.. وأيضا هناك مؤسساتٌ مكرَّسةٌ تعتاش على هذه القيم وتنتفع منها، وستحارب بلا هوادة من أجل الإبقاء عليها..

 سيبرز هنا سؤال مهم: هل يُمكِن غضُّ النظر عن هذه القيم السلبية، أو تأجيل الصدام معها وتكريس القيم الايجابية بدلاً عن ذلك؟

الحقيقة هذا أمر مستحيل رغم أن الكثيرين يحاولونه بنيَّةٍ طيبةٍ. لكن هذا لن يُجدي. القيم السلبية هي مثل الأعشاب الضارة في الحقل لا بد من اجتثاثها واستئصالها بلا هوادة لأنّ إبقاءها سيؤثِّر على نمو البذور، ستزاحم على الهواء والماء والسماد،.. وقد تلتفّ على البذور النامية وتخنقها في مهدها.. لا يمكن أن نبذر دون تنظيف الحقل أولا.. كذلك لا معنى في التركيز على القيم الايجابية دون استئصال القيم السلبية..

القيم السلبية لها أثرٌ أكبر من القيم الايجابية لأن الإنسان بطبعه منحازٌ للسلب وهي ظاهرةٌ معروفةٌ باسم الانحياز للسلبية   Negativity Bias.. هل من أمثلة؟ .. بالتأكيد كلُّ ما في ديننا ونصوصنا من قيمٍ إيجابيةٍ تمّت مواجهتها بقيمٍ سلبيةٍ تنكَّرت خلف فهمٍ مجتزئ أو نصٍّ ضعيف..

قيمة الاستخلاف مثلاً- التي نصَّبت الإنسان خليفةً لله في الأرض- والتي لا مثيل لها في أيِّ ديانةٍ سابقةٍ على الإسلام.. هي قيمةٌ مهمةٌ جداً وإيجابيةٌ، وتجعل المؤمن يسعى ليكون فاعلاً في الأرض.. لكن يُقابِل تلك القيمةَ مفهومٌ في غاية السلبية يعتمد على نصوصٍ مجتزأةٍ وأخرى ضعيفةٍ أو موضوعةٍ.. مفهومٌ يقول لهذا الإنسان إنه “عابر سبيل” في هذه الأرض بدلاً من أن يكون خليفة الله الذي يعمِّرها عدلاً وتوازناً ويسيِّرها كما أراد لها خالقها أن تسير.. عابر السبيل هذا لن يهتمّ لذلك.. إنه مجرد عابر سبيل بلا وظيفةٍ ولا هدفٍ في هذه الأرض.. كأيّ عابر سبيل.. وبدلاً من مفهوم فتح العالم والاستخلاف فيه.. نشأ مفهومٌ بديلٌ يزهِّد الإنسان في ذلك كلّه، بل ويجعل من الدنيا –التي هي دار الامتحان ومزرعة الآخرة، وهي التي سيتقرَّر من خلالها مصيرنا الأخروي- يجعل من هذه الدنيا مجمعاً لكلّ الصفات السلبية الذميمة المنفِّرة.. ويمجِّد في الفقر وفي ذم الغنى.. هو فَهمٌ ما كان يمكن للمسلمين أن ينطلقوا ليفتحوا العالم ويعيدوا بناءه لو أنهم امتلكوه.. كان يُمكِن لهم أن يبقوا في شعاب مكَّة أو أطرافها وهم يتعبَّدون ويزهدون في الدنيا الذميمة المذمومة التي هم فيها ليسوا أكثر من عابري سبيلٍ في انتظار الوصول إلى الجنة..

هذا الفهم السلبيّ يمتلك أثراً أكبر من نقيضه الإيجابي الذي رسَّخه مفهوم الاستخلاف.. لماذا؟.. لأنَّ البشر ينحازون فطرياً للسلب ما لم يقُدْهم وعيهم لما هو إيجابي.. أيُّهما أسهل على الإنسان أن يتحمَّل الأمانة –الاستخلاف- ويتجشَّم عناء ذلك وجهده وجهاده .. أم أن يقتنع أنه “عابر سبيل” في مكان موحشٍ مذمومٍ وكلُّ ما عليه هو الالتزام بأداء بعض الشعائر وتجنُّب بعض المحرَّمات وكان الله يحب المحسنين..

لا يُمكن أن تنمو بذرة الاستخلاف ما لم نستأصل ونجتثَّ بذرة تهميش دور الإنسان والحطِّ من مكانته – علماً أنها لم تعد بذرةً بل هي غابةٌ من الأدغال الضارَّة التي تجثم على صدورنا مسلَّحةً بأسماء مهمَّة لعلماء وحجج إسلام وأدبياتٍ قديمةٍ ولا تزال رائجةً لأنها ترسِّخ السكون والرضا بالأمر الواقع.. ويرضي ذلك الكثير من المؤسَّسات المنتفعة من بقاء واقع الاستغلال دون مساسٍ أو تغيِّيرٍ..

لا يمكن لنهضةٍ حقّاً أن تحدث وهي تُجامِل عوامل القعود والانحطاط وتؤجِّل مواجهتها.. لا يُمكن لنهضةٍ أن تحدث دون أن تفكَّ الأغلال والسلاسل التي تسبَّبت بالانحطاط .. لا يُمكن لنهضةٍ أن تحدث دون ثمنٍ باهظٍ يُدفَع.. ثمن مواجهة ما يجب مواجهته من قيمها..

ربما كان يمكن للبغداديّ أن ينال خبزه السَّاخن اللذيذ بأبخس ثمنٍ.. لكنَّ هذا عهدٌ ولَّى وانقضى.. وما يُمكِن مع رغيف خبزٍ لن يحدث مع  النهضة التي هي رغيف الأمة الحقيقيّ الذي طال انتظارها له..

عقلية “خبز باب الآغا” لا بدَّ أن تتراجع.. والباب الذي أُوصِد بيننا وبين قيمنا الحقيقية لا بد أن يُفتَح على مصراعيه..

دون ذلك لن يكون هناك نهضة..

وسنظلُّ نستورد حتى القمح الذي نصنع منه خبزنا كفاف يومنا..!!

 

في العلاقة بين النص والعقل ..أصول الفقه نموذجا: بقلم يحيى رضا جاد

في العلاقة بين النص والعقل .. أصول الفقه نموذجاً !

 

يحيى رضا جاد

باحث إسلامي

 

 

لقد عُني علم أصول الفقه أول ما عُني بإيضاح مصادر التشريع الإسلامي، وعلى رأسها : القرآن الكريم والسنة النبوية.

 

والركيزة الأساسية للتصديق بهذين المصدرين المقدسين هي (ركيزة إيمانية) .. وعلم أصول الفقه اقترب من هذا (المجال الإيماني) بـ (منهج عقلي) يتعلق (بالثبوت) .. والثبوت مسألة معرفية .. فالقرآن الكريم ثابت بطريق “التواتر”، والتواتر هو ما ينقله جماعة يستحيل تواطؤهم على كذب .. وهذا منهج عقلي أشد صرامة من “المعرفة الاجتماعية” – التي يقول الناس بها الآن- التي تصل للفرد منا ويصدق بها من غير أن يختبر بنفسه أدلة صوابها و/أو ثبوتها، مكتفيا بأنها تنتقل إليه من مصادر شتى

 

ثم أجرت علوم المنهج – أصول الفقه وعلوم الحديث- معايير (التحقيق العقلي) على الأحاديث السنة النبوية المطهرة التي لا تتوافر لثبوتها درجة التواتر؛ من حيث (الضبط) و(التحقيق) بمنهج أكثر صرامة في نسقها العقلي من أساليب تحقيق الوقائع التاريخية، بل من كافة أساليب التحقيق التي عرفها البشر على امتداد تاريخ الإنسانية .. وهنا نلحظ أن النصوص الأساسية هذه، وهي إيمانية في التصديق بها، قد صارت عقلية في ثبوتها (أي قد تخللها العقل من هذا الوجه المعرفي)، ثم بدأ هذا التخلل يفرض سلطانه – الشرعي- على ما يتلو هذين المصدرين من مصادر أخرى .. فمن المعروف أن النصوص – بمجرد الارتكان إلى ظواهرها- محدودة، سواء نصوص القرآن الكريم أو نصوص السنة النبوية المطهرة، فتفتقت أذهان العلماء عن مصادر أخرى فرعية -استنبطوها من مقررات الكتاب والسنة- تعمل كآليات معينة على استخراج الأحكام من نصوص الوحي .. وفي غالب هذه “المصادر- الآليات” – بل في جميعها- نلمس دورا نامياً وفعالاً للعقل في تفاعله مع الواقع المعيش [1] ؛

 

أ‌-        فـ “القياس” مثلاً، وهو منهج عقلي معرفي – مستمد من أصول التشريع الإسلامي- يتعلق بإدراك وجه الشبه الفعال بين الظواهر التي وردت فيها أحكام في القرآن أو السنة، والظواهر التي لم ترد فيها أحكام فيهما .. والمهم هنا هو المنهج المعرفي الذي وُضع لإدراك الشبه الفعال، وهو منهج يُعمِل الاستقراءَ لإدراك خواص الظواهر التي تعتبر “علة” للحكم، أي سبباً له، وهو ما يسمى بـ “المناط”. وهنا نلحظ وجوه تجريبٍ واستقراءٍ وملاحظةٍ، ثم استخلاصٍ للصفةِ العلةِ وبلوغٍ للمشتَرَكِ الحاكمِ لما يمكن أن نعتبره متماثلا. 

 

ب‌-     و”الاستصحاب”، وهو منهج عقلي معرفي – مستمد من أصول التشريع الإسلامي- ومؤداه هو بقاء الحال على ما كان حتى يقوم دليل يغيره، فهو يتعلق “بالإدراك” البشري للواقع، ومؤداه أنه عند التيقن من وجود أمر ما، فنحن نتصرف على أساس أنه موجود بعد ذلك حتى يتبين لنا أن ثمة تغييرا أو تعديلا حدث. وما ثبت باليقين من ذلك لا يزول إلا بيقين مغاير.

 

ت‌-    و”الاستصلاح” أو المصالح المرسلة، وهو منهج عقلي معرفي – مستمد من أصول التشريع الإسلامي- وحاصله هو التصدي المباشر للواقع الحادث والعمل بما فيه مصلحة الناس، وذلك فيما ليس فيه أمر أو نهي ديني ورد بالقرآن أو السنة. والنظر في هذا الشأن يكون بملاحظة أن كل الأوامر والنواهي الدينية إنما قُررت من الله سبحانه لنفع الناس ولإصلاح شؤونهم.

 

والفقه الإسلامي – كما هو معلوم- يقوم على نوعين من المبادئ:

 

أ‌-        مبادئ مستقاة من الوحي: قرآنا وسنة (باعتبارها – أي هذه المبادئ- مجسدةً للشريعة مقاصداً وضوابطاً)

 

ب‌-    ومبادئ مستمدة من الخبرة التاريخية (لما تفيده في تعيين آليات تحقيق المقاصد وإعمال الضوابط)

 

وكلا الأمرين يتدخل فيه العقل (بمعنى أن للعقل في تلك الأمور عملاً يؤديه) بشكل كبير؛ بدءً بفهم الوحي قرآناً وسنة، ومروراً باستلهام المبادئ المستمدة من الخبرة التاريخية (العلمية والعملية، النظرية والتطبيقية، الأكاديمية والواقعية) لتحقيق المقاصد وإعمال الضوابط.

 

وإنما قصدت سوق الأمثلة للأساليب والمناهج التي يتفاعل بها الفكر الديني (بنصوصه الثابتة)، مع مناهج إعمال العقل من ناحية، ومع أساليب التعرف على الواقع ومناهجه من ناحية أخرى .. وذلك كله ينفي قطعاً توهم وجود إشكالية في العلاقة بين (النص) و (العقل)، بل يؤكد أن للعقل أهمية كبرى في التعميق التأسيسي والتأصيلي والتفريعي للفقه الإسلامي [2] .

 

أرأيتَ منزلة العقل والتعقل والتفكر والتدبر في دين الله، إنها واللهِ لعظيمة !

 

وأما من يضع (العقل) نداً (لله) تعالى، فهو (مُؤَلِّهٌ لعقله) لا (مطيعٌ لربه) ! ولا أعلم لماذا آمن بالله أصلاً ؟!

 

نعم، «العقل» ملكة من أعظم ملكات الانسان، ونعمة من أعظم نعم الله سبحانه وتعالى عليه، لكنه على عظمته وضرورته ـ ككل ملكات الانسان ـ «نسبي» الادراك، ولذلك، فإن الاعتماد على العقل وحده ـ دون «الوحي»، الذي هو علم الله المطلق والكلي والمحيط ـ يقف بالانسان عند «النسبي» و«الظني»، اللذين هما غاية الاجتهاد الإنساني، ويحرم الانسان من «اليقين» الذي سبيله العلم الإلهي ونبأ السماء العظيم.

 

وأزيد على ذلك فأقول : إن من نعم الله علينا أن جعل العقل هو الذي يدرك بنفسه عجزَه وقصورَه عن إدراك بعض – أو أكثر- ما حوله (ذواتاً أو ماهيات)، وبذلك عرفنا عجز العقل بالعقل نفسه، فكان هذا أشد إقناعاً وألزمَ حجةً .. نعم، إن العقل هو الذي يكشف الحقيقة، ولكنها – في كثير من الأحيان- حقيقة نسبية مقيدة بظروف الزمان والمكان.

 

العقل، على عظمته وضرورته، إنما قصاراه – في كثير من الأحيان، بل في أغلب الأحيان- أن يدرك الأعراض والظواهر والخصائص والآثار، أما إدراك الكنه واليقين فسبيله الإيمان والعلم الإلهي الكلي والمطلق والمحيط [3] .. ولذلك اختُص المنهاج الاسلامي في المعرفة بتزامل وتكامل آيات الله في كتابيه: كتاب الوحي المسطور وكتاب الكون المنظور .. واختل هذا التوازن في معارف الحضارات التي أخذت بشق منهما دون الآخر؛ فغرق البعض في «المادية» وحدها، واستغرق البعض في «الباطنية» دون سواها ! [4]

 

نعم، العقل مناط التكليف، وغير العاقل لا ينال شرف التكليف من الله تعالى؛ إذ التكليف لا يكون إلا لمن أمكنه علم الحق والعمل به، ومعرفة الباطل واجتنابه، وهذا لا يمكن إلا من أهل العقول.

 

نعم، العقل هو إحدى الضروريات، أو الكليات، التي لا قوام للحياة ولا استقرار لها بدون حفظها.

 

نعم، لقد أرسل الله تعالى رسله وأنزل كتبه لإبلاغ الناس دينه الحق، مبيناً لهم بالحجج والبراهين أن ذلك الدين حق، وأن ما خالفه باطل، ملجئا عقول البشر جميعاً – بتلك الجج والبراهين- إلى التسليم الاختياري بأن دين الله حق، وأنه الهُدى والرشاد، وأنه جالب لمصالحهم في الدارين، واقٍ لهم من المفاسد فيهما .. فأقام الله قضية الإيمان – وهي رأس القضايا- على الحجة والبينة التي يدرها العقل – دون سواه- بالتأمل والتفكر والتدبر !

 

نعم، كل ذلك لا ننازع فيه، بل ونجهر به، فمقامُ العقل في الإسلام مقام لا يخطئه البصر ولا تخطئه البصيرة؛ وكيف لا نجهر به، بله أن نازع فيه، والقرآن الكريم لا يذكر العقل إلا في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به والرجوع إليه، ولا تأتى الإشارة إليه عارضة ولا مقتضبه في سياق الآية، بل هي تأتى في كل موضع من مواضعها مؤكَّدة جازمة باللفظ والدلالة، وتتكرر في كل معرض من معارض الأمر والنهى التي يحث فيها المؤمن على تحكيم عقله، أو يلام فيها المنكر على إهمال عقله وقبول الحجر عليه؛ قال تعالى: “ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون” [الأنعام 151] .. “يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون” [آل عمران 65] .. إذن الغاية من وجود العقل أن يدل الإنسان ويعرفه على الطريق السليم، ويفرق به بين الحق والباطل، ويقيم به الأمور، وهو حجة على الإنسان يوم القيامة .. وإلا فكيف سيحاسبنا الله إن كان العقل ليس بحجة ؟! ؛ فالإسلام قد جعل العقل مناط التكليف، أي جوهر إنسانية الإنسان .. والقرآن وهو المعجز لم يأت ليدهش العقل، فيشله عن التفكير كحال المعجزات المادية، وإنما جاء القرآن معجزة عقلية، تحتكم إلى العقل في فهمه وتدبره، وفي استنباط الأحكام من نصوصه، والتمييز بين المحكم والمتشابه في آياته، بل لقد جعل القرآن الكريم من البراهين العقلية السبيل للبرهنة على وجود الخالق، وعلى الخلق في هذا الوجود؛ فالمنهاج القرآني يقدم الإيمان بوجود الخالق الواحد على الإيمان بالنقل وبالرسالة التي حملت إلى الناس هذا النقل، وذلك لأن الإيمان بصدق النقل متوقف على الإيمان بصدق الرسول، والإيمان بصدق الرسول متوقف على الإيمان بوجود من أرسل هذا الرسول، فلا بد من الإيمان أولا بوجود الخالق، الذي بعث الرسول، وأنزل عليه الكتاب .. وطريق ذلك هو العقل، الذي يتدبر المصنوعات فيؤمن بالصانع القدير لهذه المصنوعات .. و”ربنا عرفوه بالعقل” كما يقول الناس جميعاً !!

 

كيف لا نجهر بذلك، وآيات القرآن الكريم التي تحض على العقل والتعقل تبلغ 49 آية .. أما الآيات التي تتحدث عن “اللُّب” بمعنى عقل وجوهر الانسان فهي 16 آية .. كما يتحدث القرآن عن “النُّهى” بمعنى العقل في آيتين، وعن الفكر والتفكر في 18 آية .. ويذكر الفقه والتفقه بمعنى العقل والتعقل في 20 موضعاً .. ويأتي العقل بمعنى التدبر في أربع آيات، وبمعنى الاعتبار في سبع آيات .. أما الآيات التي تحض على الحكمة فهي 19 آية .. ويذكر القلب كأداة للفقه والعقل في 132 موضعً .. ناهيك عن آيات العلم والتعلم والعلماء التي تبلغ في القرآن اكثر من 800 آية.. وبهذا يتضح – بمجرد دليل الإحصاء لا غير- لكل مَنْ له عقل أن النقل الاسلامي – وهو الشرع الالهي- هو الداعي للتعقل والتدبر والتفقه والتعلم، وأن العقل الإنساني هو أداة فقه الشرع، وشرط ومناط التدين بهذا الشرع الالهي.

 

كل ذلك أجهر به وزيادة؛ فلا أثر للشرع من دون العقل، ولكني أجهر كذلك بأنه لا غِنى للعقل عن الشرع – وخاصة فيما لا يستقل العقل بإدراكه من أمور الغيب وأحكام الدين- ؛ لأن العقل مهما بلغ من العظمة والتألق في الحكمة والإبداع هو ملكة من ملكات الانسان، وكل ملكات الانسان – بحكم “الخبرة التاريخية” و”المعاصِرة”؛ أعني بحكم “الاستقراء” و”الواقع”- هي نسبية الإدراك والقدرات؛ تجهل اليوم ما تعلمه غداً، وما يقصر عنه عقل الواحد يبلغه عقل الآخر. [5]

 

ونُذَكِّر في الختام بالقول البليغ لعلمائنا – والذي ركبتُهُ من أقوال الغزالي وابن تيمية وابن خلدون والشاطبي، على الترتيب- : “مثال العقل : البصرُ السليم عن الآفات والآذاء، ومثال الشرع : الشمسُ المنتشرة الضياء؛ فالعقل مع الشرع نور على نور .. العقل شرطٌ في معرفة العلوم وكمال وصلاح الأعمال، وبه يكمل العلم والعمل، والأحوال الحاصلة مع عدم العقل ناقصة، والأقوال المخالفة للعقل – أعني قَطْعِيَّهُ- باطلة .. العقل ميزان صحيح، وأحكامه القطعيةُ يقينيةٌ لا كذب فيها، غير أنك لا تطمع أن تزِن به كل ما وراء طوره أو أن تعلم به ما يفوق حدود معرفته؛ فللعقول في إدراكها حدود تنتهى إليها لا تتعداها؛ إذ ليس للعقل سبيلٌ إلى إدراك كل مطلوب” [6]

 

وبهذا البيان نؤسس لـ (عقلانيتنا المؤمنة)، وندفن إلى الأبد (صيحات عبيد التنوير الغربي) التي تقول : لا سلطان على العقل إلا للعقل وحده دون سواه !

 

 

 

والله تعالى أعلى وأعلم

 




[1] ملامح البنية الأساسية للتفكير الإسلامي، أستاذنا وشيخنا الجليل المستشار/ طارق البشري، موقع إسلام أون لاين، 5/ 9/ 2004م.

[2] نفس المرجع السابق.

[3] إن عقل رسول الله صلى الله عليه وسلم أكمل العقول على الإطلاق، وقد أخبر سبحانه أنه قبل الوحي لم يكن يدري الإيمان كما لم يكن يدري الكتاب؛ فقال تعالى : “وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا” [الشورى 52] وقال تعالى: “ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى” [الضحى 7] .. فإذا كان أعقل خلق الله على الإطلاق إنما حصل له الهُدى بالوحي – مصداقاً لقوله تعالى : “قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي” [سبأ 50]- فكيف يحصل لغيره من ذوي العقول الاهتداء إلى حقائق الإيمان والغيب – إذ تصوُّرُ ماهيتها وكنهها فوق طاقة البشر- بمجرد عقولهم دون نصوص الوحي. نعم، مجرد إثبات وجود قوة خفية موجِدَةٍ وحاكمة ومديرة للكون قضيةٌ يمكن البرهنة عليها بطريق عقلي صرف، ولكن أين هذا من تصور تفاصيل حقائق وماهيات الإيمان والغيب ؟!. اهـ بتصرف – زيادةً وحذفاً وتعديلاً وتحويراً- من كلمة لابن القيم.

[4] مستفاد بتصرف – زيادةً وحذفاً وتعديلاً وتحويراً- من حوار مطول مع أستاذنا وشيخنا الجليل د/ محمد عمارة.

[5] نفس الهامش السابق. وفي فقه الاجتهاد والتجديد – دراسة تأصيلية تطبيقية، يحيى رضا جاد، تقديم د/ محمد عمارة، (ص 135، 167) ، ط 1 ، 2010م ، دار السلام – الأزهر/القاهرة.

[6] إحياء علوم الدين للغزالي، ومجموع الفتاوى لابن تيمية، والمقدمة لابن خلدون، والموافقات للشاطبي.

علم فهم الاستعمار الجديد بقلم د.محمد موسى باباعمي

بسم الله الرحمن الرحيم

“علم فهم الاستعمار الجديد”

أو

الفتن في العالم العربي، هل تملك العلوم تفسيرا لها؟!

 د.محمد موسى باباعمي

سبق أن قرأتُ للمسيري في مذكراته مقولةً تؤكِّد أنَّه يَخشى أن يطالع مؤلفاتِه العلماءُ الرسميُّون، الذين ألِفوا الانضباط في إطار علمٍ واحدٍ، بصرامةٍ موضوعيَّة متلقِّية، وبمنهجية أُحادية رَتيبة؛ فقال المسيري ما معناه: “إنني أؤلِّف لأولئك الذين يملكون رؤية كونيةً واسعة، عابرةً لحدود العلوم الكلاسيكية، ومتجاوزة للتدقيقات المعرفية المألوفة”.

فهل هذه دعوة للتمييع والتبسيط؟

وهل هي محارَبة للدقَّة والاختصاص والالتزام العلميِّ؟

يبدو أنَّ الأمرَ أعقدُ من ذلك، فالتخصُّص بدايةً، وفي فترة التحصيل العلميِّ، ضرورةٌ وواجبٌ على كلِّ ممارس للعلم؛ ثمَّ إنَّ التحرُّر من قيود التخصُّص، نهايةً، وفي مرحلة العطاء، كذلك، ضرورةٌ وواجبٌ.

ولنُعطِ مثالا بطبيب متخصِّص في إحدى الفروع الدقيقة لعلم الطبِّ، فإنَّه ولا شكَّ مطالَبٌ بالتحكُّم في دقائق تخصُّصه، ومدعوٌّ للعمل وفقًا لأصول ذلك الفنِّ؛ لكنَّه ما إن يلتقي بالمريض، يستحيل عليه أن يجده “مادة جوفاء صمَّاء” قابلةً للتحليل من منظور ذلك التخصُّص فقط؛ بل سيجده “مركَّبا” من مداخل كثيرة: جسديةٍ، ونفسية، واجتماعية، وعقدية، وفكرية، وفنية… بحيث يؤثِّر كلُّ جانب على الجوانب الأخرى بالضرورة، ولا ينفصل عنها؛ وهنا يتعيَّن على طبيبِنا المتخصِّص أن يخلع المعطف الأبيض الرسمي “médicale blouse“، ويستعيد حقيقته الإنسانية المركَّبة، ثم يحاول أن يعامل مريضَه معاملةَ “إنسانٍ لإنسان”، لا معاملة “مادة لإنسان”، أو “آلة لإنسان”.

إذا كان هذا صادقًا في شأن إنسانٍ واحد، فما بال المجتمعات المركَّبة، التي يستحيل أن يُنظر إليها من نافذة واحدة، ومن تخصُّص يتيم، بصورةٍ باهتةٍ مختزَلة قاتلة؛ بل المطلوب هو التحرُّر من حدود التخصُّص، بعد استيعابها والاستفادة منها؛ ومن ثمَّ إعمالُ “العقل التوليدي”، و”الإدراكِ المستنير”، أي إعمال “الحكمة” بكامل دلالاتها ومعانيها، “ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا”.

وهنا أجدني أمامَ تعليق طريفٍ، في هامش كتابٍ تُرجم مؤخرا إلى اللغة العربية، بعنوان “الجمهورية الإمبراطورية، في سياسة الدول العنصرية“، لمؤلفه “أوليفي لوكور غرانميزون“، حيث يورد مقولةً “استعمارية” لعالِم متخصِّص في “الاقتصاد” أساسًا، هو “شارل جيد”، مما ورد فيها: “إنه ينبغي تجريد السكان الأصليين – في المستعمَرات – من أملاكهم، لأسباب المنفعة العالمية!“.

ويعلِّق صاحب الكتاب “أوليفيي” على صاحب المقولة “شارل”، متحديا أن نقدِر على تصنيف مقولته ضمن علم معيَّن، فيقول: “تُرى إلى أيِّ مادة – تخصُّص – تنتمي هذه المقولة؟ إلى الاقتصاد؟ أم التاريخ؟ أم القانون؟ أم الفلسفة السياسية؟“.

ثم يذكُر “أوليفيي” أنَّ دُعاة الإمبراطورية الفرنسية الاستعمارية “تحرَّروا من حدود التخصُّص، لتحقيق النفع المباشر لمعارفهم” حتى إنَّ الحدَّ الفاصل بين العالِم والسياسيِّ والعسكريِّ، قد زال وتحطَّم وتهشَّم، بشكل فاضح فادح!.

ثم إنَّ “أوليفيي” وهو الكاتب المنصِف، المُعادي للروح الاستعمارية، والمبيِّن لعوَرها وخُبثها، وهو الناقد للامبريالية الفرنسية، والمنافح عن حقوق الشعوب المستعمَرة… حاول أن يستعمل نفس السلاح المعرفيِّ الذي استخدمه خصومه من دعاة الإمبراطورية، فقال: “للإجابة على التساؤلات – حول الاستعمار وروح الاستعمار – ولتمحيص شتى المفاهيم، والأفكار، والمؤلَّفات، والخطابات السياسية، والممارسات التي أنتجها معاصرو تأسيس الإمبراطورية، ارتأينا مرَّة أخرى انتهاج مقاربة لا تتقيَّد بأية مادة من مواد التخصُّص، وهي مقاربة ليست غريبة عن مقاربات أولئك الاختصاصيين في العلوم الاستعمارية”.

ويعلِّل “أوليفيي” اختياره لهذه المقاربة بقوله: “إنها مقاربة تفرض نفسها علينا لطبيعة الموضوعات التي نتطرَّق إليها، ونظرا لضخامة مدوَّنة المواضيع التي تم حشدُها، ولذا سنحاول، قدر المستطاع، تجاوزَ الحدود الفاصلة بين العلوم الإنسانية؛ لأنَّ الفصل غالبا ما يحجب الرؤية الصحيحة، ويحول دون استشفاف المستقبل”.

*ألسنا هنا أمام وضعية شبيهة، ونحن نحاول فهم ظاهرة التخلُّف، وتحليل حقيقة الفتن الداخلية، والانقلابات الاجتماعية، في عالمنا العربي؟

*ألسنا أمام اختبارٍ صعبٍ يحاول فكَّ شَفرة النموذج الغربي، بروحه الاستعمارية، في دول العالم الإسلامي؛ هذا النموذج الذي صنع ممثلين له، وأذيالا وأبواقا، بعضُهم من النخب العلميَّة، وآخرون من الساسة، والبعض الآخر من أصحاب القرار في المالية، كذا من حقل الإعلام، والفنِّ، والتربية… الخ. حتى إنَّ بعض الأبواق تنزِل إلى الشارع مع الغاضبين، مندسَّة في جموع الشعب الصادق، وتزرَع الفوضى والحماقات، وتهتف بسقوط الأوثان، وهي عميلة للأوثان!

*ألسنا بحاجة، من خلال ما تقدَّم منهجيًّا، وما نحن بصدده واقعيًّا، إلى علمٍ جديد، يكسِر حدود الرتابة الموضوعية والتخصصيَّة، ويستفيد من كلِّ ما هو مُفيد فيها، ويزيد عليها؛ علمٍ قد نسميه “علم فهم الاستعمار الجديد” بكلِّ أبعاده، وهو علمٌ يُعنى بالفهم، وبصناعة الأفعال، وتخطيط المواقف والرؤى، بفعالية وفاعلية؟

*أليس الخوض في شأن الاستعمار الجديد، دون علم، أو من نافذة علمٍ واحد – مما نشاهد يوميا في الكثير من الحصص الإعلامية النمطية – كارثةً وطامَّة كُبرى، تُودي بمصالح أمتنا، أكثر مما تحقق لها من تقدم وانتصار؟

*أليس الحديث هنا – منهجيا – أقرب ما يكون إلى “نموذج الرشد“، الذي يكسِر الحواجز، ليس فقط بين تخصُّص وتخصُّص، ولكن بين العلم والعمل، وبين الفكر والفعل، ويضع كلَّ ذلك في نسق واحد، متكامل، فاعل، مبدع، غير منفصم، ولا منفصل؛ مثلما الظاهرة الإنسانية غير منفصلة ولا منفصمة؟!

لا ندَّعي أنَّ هذا العلم جديد كلية، ذلك أنَّ معالمه ضاربةٌ جذورها في القرآن الكريم، وكذا السنة النبوية الشريفة؛ من خلال التدقيق في عداوة الشيطان لنا، وعداوتنا للشيطان؛ فمثلا، قال تعالى: “إنَّ الشيطان لكم عدوٌّ فاتخذوه عدوا”؛ ومن ثم ليست المشكلة في كون الشيطان عدوًّا، وهو أمر واقع لا محالة؛ لكنَّ المشكلة في عدم اتخاذه عدوًّا، وعدم التفكير بناء على ذلك، وعدم العمل خلاف تلك العداوة…

ثم إنَّ هذا العلم – الذي ندعو إليه – يستمدُّ من العقيدة بابَ الولاية والبراءة، أو الولاء والبراء، كما في بعض الاصطلاحات؛ ومن الفقه باب أحكام أهل الذمَّة، وغيرها من الأبواب؛ ومن التاريخ، ومن الجغرافيا، باعتبار طرح جمال حمدان، ومن بعده أحمد داود أوغلو… وغيرهم كثير.

ولعلَّ “طبائع الاستبداد وطرائق الاستعباد” للكواكبي يكون مصدرا هامًّا لهذا العلم الجديد القديم.

ولا يمكن القفز على مؤسِّس هذا العلم بحقٍّ، أي مالك بن نبي، من خلال “نظرية القابلية للاستعمار”، ومن خلال “الصراع الفكري في البلاد المستعمَرة”، كما لا يجوز التغافل عن علم “اليهود واليهودية والصهيونية”، الذي أرسى قواعده عبد الوهاب المسيري، في موسوعته المعرفية العميقة.

ولهذا العلم صلة بعلم الاستشراق، وبتاريخ الاستعمار، وبعلم التغيير، وبعلوم الحضارة عموما… وبغيرها من العلوم ذات الصلة، وهي كثيرة ومفيدة.

وباحثون آخرون، وتخصُّصات أخرى، كلُّها تصبُّ في “فهم ظاهرة الاستعمار الجديد“، والعمل على اجتثاث أصولها من نفوسنا، ومن عقولنا، ومن مجتمعاتنا، ومن أممنا، ومن دولنا، لعلَّنا نبلغ مرتبة الاستخلاف في الأرض، والتمكين لدين الله، والشهود الحضاري المنشود.

المسألة للحوار والنقاش والإثراء، والله ولي التوفيق.

 

د. محمد موسى باباعمي

الإثنين, 12 صفر 1432هـ / 17 يناير 2011  

يوسف الصديق في تونس الشقيق

يوسف الصديق في تونس الشقيق

 كتبه : أحمد خليل خير الله

( الأخ أحمد خليل خير الله من القراء الذين صاروا أصدقاء مقربين..أثار فرحتي يوم أرسل هذا المقال بقلمه فإذا به قلم سيال وفكر نهّاض..أقدم لمقاله اليوم بكل فخر واعتزاز..

أحمد خيري العمري)

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبعد..

 

لعل الوضع قد تغير تمامًـا ، أو ازدادت الأمور وضوحـًا وربما تعقيدًا وأنا أكتب هذه الكلمات ، لا أدري …. والله أعلم إلى أين ستستوي سفينة تونس ولكن دعوني أخرج ما في صدري … والله المستعان.

قطعاً في وصف الله غنية عن كل وصف ، ولما لا وقد قال عن هذه السورة أنها (أَحْسَنَ الْقَصَصِ) وكفى ….

سورة قريبة من قلب كل مسلم وخاصة من كان في بلاء هذه الدنيا وكلنا هذا الرجل:

       محن الزمان كثيرة لا تنفضي                         وسروروه يأتيك كالأعياد

على الأغلب لا تجد في القرآن المكي كثير أوامر ولانواهي (1) وأزعم أن القرآن المكي ـ لمن قرأه بوعي يبني شخصيته الفعالة ذات المرجعية الداخلية والفعل السوي ربما دون أن يشعر ـ فهو يدفعك دفعاً إلى الفعل من غير أن يوجه لك الرسالة المباشرة، وربما خطابًـا للاوعي فينا، فيخبز عجين التدبر وينضج داخل القلب والنفس فيخرج رغيف الفعل طازجاً من غير تدخل خارجي ، وسورة يوسف من أوضح الأمثلة على ذلك.

تدفعك دفعـًا إلى العمل ، تنقلك من التبرك إلى التحرك ومن التدبر إلى التدبير, تنقلك إلى مراعاة المقارنة من غير أيما جهد أو عناء .

دعونا نتفق أن يوسف عليه السلام: رجل أنقذ العالم .

يوسف عليه السلام: نموذجاً إيمانياً وعمرانياً وأخلاقياً يُغري بالإقتداء

وإذا أردنا أن نأتي برجل لمهمة كمهمة يوسف عليه السلام في زماننا , فربما تعطل العقل عن التفكير والتدبير  فاجتماع الإيمان والعمران والأخلاق عزيز ؟ !

فالله الله عن توكله وإخلاصه عليه السلام

 قال تعالى (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) يوسف 24 هذا إيمانه .

وأما عمرانه(2) : قال تعالى (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) يوسف 55

وأما أخلاقه : قال تعالى (نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) 36 يوسف

(1)مثال سورة يونس ربما لا تجد فيها أمرا ونهيا وكذلك الأنعام ومافيها من أوامر مدني ناهيك عن قصار السور كالماعون مثلا .

(2) أقصد بالعمران .. اسم جامع لكل ما يجعل هذا الكون مكان أفضل للعيش من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة وترك ماينافي ذلك .

 

نقل البغوي عن الضحاك بن مزاحم – رحمهم الله- قال: [أما إحسانه في السجن كان إذا مرض في السجن إنسان عاده وقام عليه وإذا ضاق عليه المجلس وسع له وإذا احتاج جمع له شيئاً وكان مع ذلك يجتهد في العبادة ويقوم الليل كله للصلاة ](أ.هـ) هكذا المؤمن ربما تختلف الظروف ولكن الأداء واحد.

الله أكبر ما هذه النفسية الصلبة

دعونا نعترف أن بلاءات يوسف عليه السلام عظيمة ومتنوعة ولعل عناوين استراتيجيات أهل الباطل والبطش والظلم في كل زمان تتلخص في قصته عليه السلام

فإستراتيجيتهم الأولى (الإنهاء) : ويندرج تحتها التصفية الجسدية والقتل والسحل وقد حدثت معه عليه السلام في مشهد إلقاءه في الجُب .

الإستراتيجية الثانية (الإغواء) : وهي استراتيجية تبنى لإخراج أهل الإيمان والعمران عن جادة الطريق إما بسلطة أو بمال أو بنساء أو دعونا نُجمل فنقول (الدنيا) وقد حدثت معه عليه السلام في فتنة المراودة .

والثالثة (الإلغاء) وتعتمد على إبقائهم على قيد الحياة ولكنهم أموات وكما قال أحدهم (لم أرى أصعب من الموت إلا العيش كالأموات) ويندرج تحتها النفي أو السجن أو الحبس المنزلي وهذا واضح جلي في فتنة السجن قال تعالى (فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) ذكر القرطبي بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال (اثنتا عشرة سنة)

وأخيرا ( الإلهاء ): وهي تعتمد علي إستخدام المباح في صرف أهل الإيمان والعمران عن غايتهم وهدفهم الرئيس ( وما أهل تفسير الأحلام والرقية والأعشاب عنا ببعيد )

وهذا ظاهر جلي في سؤال عن تفسير الرؤي فكلموه عن الرؤيا والأحلام فدعاهم إلي الملك العلام ، وتم تعيينه علي رأس فريق إنقاذ العالم ، فلم يلهه عن قومه وأبيه و دعوته عليه السلام.

قال تعالي (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) الأنفال 30

    وما الدهر إلا هكذا فاصطبر له                             رزية مال أو فراق حبيب

أخي في طريق التمكين :

سورة يوسف ترسل إلينا رسالة عبر الزمان والمكان تقول لنا أن الإلغاء والإنهاء والإغواء والإلهاء لا يجعلنا نتوقف عن البناء.

إذا أردنا عنونا لقصة يوسف عليه السلام فليكن :

( مؤمن يبني في وسط زلازل الفتن )

ولعلها واضحة في كل آية

قال تعالي: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ )يوسف 22 في الآية التي تليها (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا ) وقبلها (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ ) وقبلها (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ) تأمل الكريم ابن الكريم ابن الكريم صار عبدا ،، ثم في وسط هذا الجو النفسي الأليم (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ) والأهم (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) نعم والله (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ )

ماهذه الحياة التي عاشها عليه السلام؟ ابتلاء في كل مشهد وضغط نفسي في كل لحظة ولكن لعله كما يقول البابيدي ( يقتضي الخلود أن لا يعيش المرء حياة طبيعية )

وفي وسط هذا كله يبني ويؤهل ويصنع ليكون مؤهلا لإنقاذ العالم (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ ) إقتصاديا وإداريا واستراتيجيا .

وكأننا نحكي عن أحد الدعاة في  1432 – 2011 يؤذى في الله ويطارد وينفى ويمنع من الصلاة في المساجد ويمنع الحج من بلده ويصمت الأذان بين أهله ورغم ذلك يحصل علي الدكتوراة في الإقتصاد الدولي من هارفرد (بالطبع مع الضوابط )وليسانس في الشريعة ويطلب العلم ويصلي بالليل، تحارب اللعبة ( فلة ) في بلده ( من مضحكات زين الهاربين المبكية ) لأنها محجبة ، فماذا عن زوجته الحاملة لكتاب الله؟

ورغم ذلك يصنف كتابا في آية الحجاب !!

تمر به لحظات يموت فيها حقًا ولكنه موت ماركة ( هنري تراويا ) حين يقول ( كنت أموت لأولد من جديد علي نحو أفضل )

ربما لم تر بلد إسلامي ما رآه أهل تونس الحرة المسلمة من كبت وقهر وظلم للإسلام والمسلمين مثلما رأوا حتي بلغت القلوب الحناجر وزلزلوا زلزالا شديدا

ولكن السؤال الذي نطرحه لنا ولهم (مع عذرهم سددهم الله وأعانهم ) هل كان كل صحويّ تونسي مستعد ومؤهل للحظة (  اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ ) رغم إنهاء وإغواء وإلغاء وإلهاء زين الهاربين هل كان (حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) هدفا إستراتيجيا غير معلنا  رغم طول فترة الجب  ، أقصد الظلم ؟

بإذن الله مؤهلين ونسأل الله ذلك .

ولكن نداءنا ليس لهم فقط، إنما لكل يوسف في كل بقعة مسلمة أو غير مسلمة

هل أهلت نفسك إيمانيا وعمرانيا وأخلاقيا حين يحتاج الناس إليك ، سورة يوسف دورة تدريبية تؤهلك لذلك عبر رسائل عدة:

  • سورة يوسف تقول لنا حي على النفسيات الصلبة التي تبني وسط الزلازل.
  • سورة يوسف تقول لاتحقرن من العلم شيئا عمرانيا كان أم إيمانيا فربما كان مدخلنا للتمكين.
  • سورة يوسف تقول لنا ربما سقطنا في أكثر من جب ولكن ليس المهم السقوط ولكن المهم الصعود مع أول دلو ينزل إلينا.
  • سورة يوسف تقول لنا لا لإتقان دور الضحية ونعم للتحدي والتفرغ للبناء فالشكاية يحسنها كل فرد والبناء لا يحسنه إلا من استحضر في وعيه أنه مستخلف في هذه الأرض.
  • سورة يوسف تقول لنا التمكين يبدأ ( بحلم و طفل ومربي وعقبات ) ولعل تفاعلها هو خليط التمكين.
  • يوسف عليه السلام نموذج يغري بالاقتداء إيمانيا وعمرانيا وأخلاقيا يقول لنا لابد أن يري الناس عمراننا أوأخلاقنا حتي يؤمنوا بإيماننا ، نكون محسنين في كل مكان وحال طالما نستعين بالله ذي الجلال
  • سورة يوسف تقول لنا إن مكننا الله فالتسامح عقيدتنا ومنهجنا واستراتيجيه لا تكتيك ، فلا تجتمع سيادة مع انتقام للنفس …

   لما عفوت ولم أحقد علي أحد                       أرحت نفسي من هم العداوات 

 

أخي يوسف أينما كنت

في الجب…في قصر العزيز…في السجن… وليتك علي خزائن الأرض…

لا يضرك ما أنت فيه من نصب ،  فاللؤلؤ بين التراب لؤلؤ والألماس في وسط الطين ألماس.

أخي يوسف:

سورة يوسف تقول لنا لابد أن يتقدم أهل الإيمان والعمران وإلا تقدم أهل الظلم والبهتان والمؤمن لا يمنع الناس خيره ولا يمنع أمته عطاءه الإيماني والعمراني

قال الأحنف بن قيس رحمه الله: ” شر أخلاق الكريم أن يمنع خيره “

فتقدم إلي خزائن الأرض واستعن برب السموات والأرض

المحرك الأساس لرحلة الإيمان والعمران التعلق بالله الولي الرحمن قال تعالي في ختام أحسن القصص ولعله التعليق النهائي ليوسف عليه السلام (  رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101) ) لما حرم من صحبة الصالحين في الدنيا سأل الله أن يلحقه بهم في الآخرة.

أخي يوسف:

اليوم هو بداية لبقية العمر

فكن حامل منهج الإيمان والعمران والأخلاق

أخي يوسف (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) )

أخي يوسف

لا راحه في الدنيا إلا بالعمل لأمتنا والاستعداد لآخرتنا

قيل : يارسول الله ماتت فلانة واستراحت ! فغضب صلي الله عليه وسلم وقال ” إنما يستريح من غفر له “ [السلسلة الصحيحة 1710]

فنتعب ها هنا لنستريح هناك ونسأل الله أن يغفر لنا.

 

أخي يوسف اقرأ سورة يوسف في رحلتك ولكن بعدسة جديدة ولتكن منهجيتك هي:

 

المنهجية 108

 


 

أقصد الآية 108 من سورة يوسف ولم أكتبها لتفتح المصحف وتقرأ تفسيرها ولعلها مفتاح السورة وسرها

وأخيرا أقول لنفسي ولك ولأهل تونس قال تعالي (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120) وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (121) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (122) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123) )

أعتذر،، توقف وأقرأها مرة أخري ولكن بقلبك

هذا ختام آيات سورة هود لنبدأ في السورة التي تليها في ترتيب المصحف والنزول مباشرة بنفسية مافيها من عبر.

ابدأ…

بسم الله الرحمن الرحيم

                                                                         توقيع

  يوسف في مكان ما 

 

 

 

 

 

تونس، مصر، السودان…. والفتنة بقلم معتز فيصل

تونس، مصر، السودان…. والفتنة

 

بقلم معتز فيصل  

 

ثلاثة أحداث مصيرية وقعت في العالم العربي في أواخر العام الميلادي الماضي وبداية العام الجديد 2011، وهي ثورة تونس المباركة، وجريمة كنيسة القديسين في مصر، واقتطاع جزء كبير من السودان لصالح الصليبية العالمية ومن ورائها إسرائيل.

 

يربط الأحداث الثلاثة ببعضها أنها تؤشر إلى خط سياسي عالمي خطير جداً بدأ منذ غزو أفغانستان وانتشار فكرة الشرق الأوسط الجديد ومازال مستمراً وبخطى متسارعة، وبوضوح يزداد شدة كلما ازدادت الأنظمة العربية تغافلاً واستهزاء بمصالح أوطانها وشعوبها، وترامياً في أحضان الغرب واستجداءً منه واستقواءً به.

 

من ناحية تسلسل الأحداث كانت الانتفاضة الشعبية في تونس والتي بدأت يوم 17.12.2010 عندما أحرق الشاب محمد البوعزيزي نفسه في سيدي بوزيد، هي الأولى، وجاء بعدها التفجير على باب الكنيسة في الإسكندرية، وأخيرا جاء الإنفصال عن طريق الاستفتاء في هذا الأسبوع.

 

أحداث تونس مازالت تتوالى وتتناقلها وكالات الأنباء بعد أن وجدت أن الصمت لم يعد ممكناً، حفاظاً على المصداقية الكاذبة التي عودنا عليها الغرب بإعلامه المنحاز، فقد قررت فرنسا وهي أعلم الناس بما يجري أن تتكلم بعد أسبوع من بدء الأحداث وبعد أن اقتنعوا أن ما يحدث لن يتوقف وأن النظام التونسي لم يستطع أن يسيطر على الوضع بالسرعة المطلوبة، وكذلك فعلت وكالات الأنباء الإسبانية، أما الألمانية فقد وصلت إلى الطلب من مواطنيها الاحتراز عن السفر إلى تونس، وسمعنا بعض الأصوات من الاتحاد الأوروبي تناشد بن علي بعدم استخدام العنف بعد أن سقط خمسون قتيلا برصاص الشرطة الحي.

 

في أحداث مصر كانت ردود الأفعال أسرع من الفعل نفسه وجاءت من جميع أنحاء العالم الغربي ثم العربي والإسلامي، ربما لشناعة الحدث واستهدافه لأناس خارجين من صلاتهم وعبادتهم، وربما لأن القتلى من نوع آخر، وربما لغايات غير نبيلة في نفوس المنفعلين. المهم أن الجميع كان يعرف الجاني ويعرف أنه مسلم متطرف ولكن الغريب أن كل التحقيقات حتى اليوم لم تصل إلى متهم واحد تنطبق عليه هذه الصفات!

 

أما انفصال الجنوب في السودان فهو مثال حي على ديمقراطية الغرب وحرياته التي يسوّقها في بلادنا والتي يخبئها لنا، ومثال على كيفية تمزيق بلادنا بأيدي حكامنا ونخبنا ومثال على اهتمامات الحاكم العربي الذي لا يكترث بأن يُستقطع جزء كبير هام غني بالثروات من بلده طالما أنه وأسرته مازال في الحكم، ومثال على تعاضد حكام العرب عند الكوارث والأزمات فقد زار الحاكمان المعمِّران القذافي ومبارك السودان قبل الاستفتاء بأسبوع ليطمئنوا البشير بأنهم معه حتى لو فقد كل السودان وحتى لو لم يبق من السودان سوى القصر الذي يحكم منه.

 

هذا عن الأحداث الثلاثة ولكن ماذا عن الفتنة؟

 

هناك اتجاه واضح يدعم بقاء حكام العرب ويمنع كل تحرك سلمي أو عسكري ضدهم يقوده صنفان من الناس: الأول هم المنتفعون من هذه الأنظمة مهما علت مراتبهم أو سفلت تجمعهم المصلحة الآنية والأنانية المطلقة ومبدأ نفسي نفسي ومن بعدي الطوفان. (مثال الدكتور الإعلامي مدير قناة المستغلة بالغين، والذي يميل مع المال حيثما مال) وسنخصص له مقالاً قادماً بإذن الله تعالى.

 

أما الفريق الثاني فهم للأسف قسم كبير ممن يطلقون على أنفسهم “السلفيون” ومبدؤهم هو تربية الناس على الإسلام حتى ينصلح حال المجتمع لوحده بإرادة ربانية ومعجزة إلهية وحاكم عادل يهبط من السماء أو يخرج من السرداب يبعثه الله كمكافأة لهؤلاء العلماء الربانيين الذين استطاعوا أن يقنعوا الشعب كله بالإسلام ويعيدوه إلى ربه، مع اختلافهم هم أنفسهم في الوسائل والمبادئ والطرق والأهداف وأحيانا في العقائد، ولكن يجمعهم جميعا الخوف من الفتنة. والفتنة هنا هي قيام الشعب في وجه الحاكم الظالم وتغييره لأنها قد تؤدي إلى استقدام حاكم أسوأ، أو قد تؤدي إلى خسائر في الأرواح والممتلكات وفوضى في البلاد يعتقدون أنها ستحرق الأخضر واليابس ولا يبقى شيء وخاصة أنهم يعرفون أنهم سيكونون من المتضررين لأن جماهيرهم ستنفض عنهم بعد أن تتبين خطأ مقولاتهم وأنهم لو لم يستمعوا لهم لما لبثوا في العذاب المهين.

 

العجيب أنهم لا يرون في أحداث في مصر والسودان فتنة، ولا يرون في تقسيم البلاد الإسلامية على يد المجرمين الذين يحكمونها فتنة، ولا يرون في الحاكم نفسه فتنة، ولا يرون في نداء الأقباط في مصر لقيام دولة قبطية ذات حكم ذاتي فتنة، ولا يرون في الدماء التي تسيل في دارفور مثلا فتنة، ولكن الفتنة كل الفتنة هي في القيام في وجه الحكام وتغييرهم، منطق لا أدري كيف يقتنع به شباب مثقف متعلم فقير جائع لا يملك أن يتزوج ولا أن يعيش ولا أن يعمل ولا أن يأكل حتى، ولكنه يجلس بين يدي هؤلاء كالمخدر يفتح فمه ويلغي عقله وينتظر إصلاح ثمانين مليون مواطن ليخرج من بينهم من يحكمهم بعدل الإسلام ويخرجهم من جور الحكام!

 

يتحججون دوماً بما حصل في العراق، تماماً كما يخوف الحكام شعوبهم به، فهم يقولون إما أن تصمتوا وتقبلوا وترضخوا أو سيكون مصيركم مصير العراق وأهل العراق، ولكنهم لا يقولون لنا ماذا كان سيحصل لو قام العراقيون بما يقوم به التونسيون الآن واستطاعوا تغيير حاكمهم قبل أن تأتي أميركا لتغيره، حتى لو خسروا عشرات الآلاف من أبنائهم ومئات الملايين من أموالهم؟ هل خسائرهم الآن أقل؟ ألم يكن بالإمكان تغيير أكبر طاغية في العالم بمعشار هذه الخسائر التي حصلت الآن والتي يراها كل ذي بصر؟ ولكنه المنطق المعكوس الذي لا يستحي أن يستخدم الدين لتكريس الظلم، ولا يستحي أن يستخدم الأحاديث بعد أن يلوي أعناقها لمعارضة أول مبادئ الإسلام وهو مبدأ إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. ولا يستحي أن يقول للناس إن البدعة في الدين أن تصوم وتصلي بالطريقة الفلانية أوأن تذكر الله بالطريقة الفلانية، أما أن تطيع أحبار الحاكم ورهبانه فهو محض الإيمان والإخلاص حتى لو لاحق اللحية والحجاب وحتى لو باع البلاد وقسمها وجعل أهلها شيعاً يقاتل بعضهم بعضا ويفجر بعضهم كنائس ومساجد وصوامع بعض.

 

يتحججون بأنهم لا يريدون استبدال حاكم بآخر طالما أن الحكم في الحالين ليس للإسلام، ولكن لا يريدون أن يفهموا أن دولة الإسلام لن تقوم قبل أن يتهيأ لها المناخ الحر الذي يستطيع فيه الناس أن يختاروا الإسلام، وأن كل ما يفعلونه من إصلاح لا يساوي معشار ما يقوم به الحاكم من فساد وإفساد، وأن حمل الناس على المكارم لن يكون قبل تأمين أساسيات الحياة الكريمة لهم، وأن تخدير الناس عن حقوقهم سيجعلهم مخدرين عن واجباتهم أيضا.

 

يقول أحدهم تعليقاَ على أحداث تونس: هذا لا يهمنا لأنه يحدث من أجل الدنيا!!!!! فالناس هناك تطالب بالطعام والعمل والحرية ولا تطالب بإقامة شرع الله لذلك لا نتدخل في هذه الأمور!…. هكذا لا يتدخل لا هو ولا مريدوه لأن الشعب التونسي لا يطالب بإقامة الشريعة! وكأن ما يقوم به الرئيس بن علي من إغلاق المساجد ومنع الحجاب وملاحقة المصلين هو الشريعة، وكأن الشعب إذا انتصر واستطاع إنهاء حكم هذا الطاغية سيحضر مثلا أبا لهب أو أبا جهل ليحكمه بدل بن علي! وكأن العيش الحر والحق في الغذاء والعمل والدواء والسكن ليس من الشريعة وكأن العيش الذليل والقبول بأن ينهب الحاكم وأسرته وحاشيته كل مقدرات البلد وثرواتها هو الشريعة.

 

أما الآخر فهو يحذر أبناء بلده التعساء من أن يفعلوا ما فعل أهل تونس الشرفاء وينصح أهل بلده (وأهل تونس أيضا) بأن لا يلجأوا لمثل هذه المظاهرات والإضرابات ففيها ضرر كبير، أما حياتهم التي هي أشبه بحياة الحيوانات وفقرهم الذي يجعلهم يأكلون من المزابل ويعيشون في المقابر فهو قدر الله الذي لا يرد وإرادة الله الذي خلقهم ليكونوا عبيدا  للحكام وكل محاولة لتغيير هذا الواقع لا تجوز ولا تصح وليس عليهم إلا الانتظار بعد إصلاح أنفسهم وإلا فإن مصيرهم الفتنة.

 

العجيب أيضاً أننا نعلم جميعاً أن هؤلاء السلفية اتخذوا الصوفية من ألد أعدائهم وهم يحذرون الناس منهم ومن بدعهم وأفكارهم، وقد تعلمنا من إخوتنا السلفيين أن من أشد مصائب الصوفية أنهم تركوا الجهاد وقعدوا في الزوايا والتكايا يصلحون أنفسهم ويصلحون الناس وتركوا ما لقيصر لقيصر وكانوا يخدرون الناس بفكرة القضاء والقدر عن الجهاد والوقوف في وجه الحكام، فماذا يفعل السلفيون الآن غير هذا؟؟؟ الفرق الوحيد أنهم يعتقدون أنهم على مذهب السلف وعلى سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وأنهم أصحاب العقيدة الصحيحة وأن الآخرين كلهم مخطؤون. وهل كان الصوفية يعتقدون غير ذلك؟؟؟

 

رجائي إلى هؤلاء العلماء، الذين لا نشك في إخلاصهم ولكننا نشك كثيراً في فهمهم وعلاقتهم بالسياسة: أعيرونا صمتكم إلى أن تنتهي الأحداث وإلى أن يقوم الشعب التونسي (الجاهل برأيكم والبعيد عن العقيدة الصحيحة التي احتكرتموها لأنفسكم)، بتغيير هذا الفرعون الصغير وبإقامة حكومة وطنية (وأقول هنا عمداً وطنية وليس دينية) تعمل من أجل إنقاذ هذا البلد من الفقر والجهل والفساد والطغيان ، ومن أجل توزيع الثروة بين الناس بالعدل والمعروف وبفتح المجال أمام النور ليدخل تونس بعد أن  عمها الظلام، ثم قوموا بعد ذلك بإطلاق رسائلكم ومواعظكم فالشعب الحر عندها سيتفاعل معكم أكثر لأنه يستطيع أن يفعل يومها ما يعتقد أنه الحق أما الآن فهو محروم من أن يطبق أفكاركم ونداءاتكم له بالإنصلاح لأنه يفكر في قوت يومه ويمنعه حاكمه من تأدية واجباته الدينية التي تدعونه إليها. بهذا ستكونون أنتم الرابحون، أما إذا فشل الشعب لا سمح الله في التغيير، فستربحون أنتم أيضاًُ لأنكم بالأصل لا تريدون تغيير هذا الحاكم الذي يمثل إرادة الله في الأرض بنظركم.

 

أعيرونا صمتكم فقد مللنا الفقر والبطالة والجوع والحرمان وكل ما تأمروننا أن نصبر عليه بانتظار الجنة، وكأن الجنة حكر على الفقراء وكأن الجنة حكر على العاطلين عن العمل الذين يرون أولادهم يموتون بين أيديهم وهم لا يملكون ثمن الدواء. تعالوا ياأيها العلماء وعيشوا أسبوعا في سيدي بوزيد بدون ماء ولا كهرباء ولا فضائيات ولا مريدين يملآون مساجدكم ويتسابقون في تلبية حوائجكم (دون أن تطلبوا أنتم ذلك طبعاً فأنتم الأعزة المتعففون) عيشوا شهرا في مقابر القاهرة وفي مزابل الخرطوم وفي مدابغ الرباط وفي مخيمات غزة ولبنان وسوريا والضفة، وبعدها سنرى كيف تتغير الأحكام بتغير الأوقات والبلدان، نحن لا نطلب أن نتعالج ولا أبناؤنا في ألمانيا وأوروبا وأميركا ولكن نريد أن نحصل على الدواء الذي لم يكتبه لنا الطبيب لأننا لا نملك أجرة الطبيبب. نحن لا نريد من يحمل لنا نعلنا عندما نخرج من المسجد لأننا أصلاً جئنا المسجد بلا نعل، ونحن لا نحرق أنفسنا ونتعرض للرصاص الحي بصدورنا العارية حبا في الموت أو طلباً للشهرة في الفضائيات ولكننا نموت من الجوع والفقر والحرمان وقلة الدواء، فإن كان عندكم دواء لنا غير الصبر الفارغ المتستر بالدين والدين براء منه، وغير المواعظ والكلام الفارغ والجعجعة من فوق المنابر فأفيدونا أفادكم الله.

 

ختاماً إن كنتم تخشون علينا الفتنة فلا تخافوا إنما الفتنة هي عيش الذل والخنوع والخضوع والأحلام المعسولة أما نحن فقد وجدنا الطريق ولن نحيد عنه إلى أن يحكم الله بيننا وبينكم وبين حكامنا بالحق.

 

 

 

معتز فيصل ـ ألمانيا

 

13.01.20

اصدع بحقّك؛ فالظلم يحيا بالسكوت ! بقلم يحيى جاد

 

على هامش بيان اتحاد العلماء المتضامن مع غضبة الشعب التونسي 

 

اصدع بحقّك؛ فالظلم يحيا بالسكوت !

(تأملات في فقه الاستبداد والشورى والتغيير !)

 

يحيى جاد

باحث مصري

 

 

1- إن الاستبداد هو نتيجةُ التخلف وعلامةٌ عليه، مثلما هو سببٌ ومضاعِفٌ له .. وكلُّ مجتمعٍ مستبدٍ سياسياً هو حتماً مجتمعٌ متخلف .. وكلُّ مجتمعٍ متخلفٍ هو، لا مفر، مجتمع مستبد سياسياً .. فالاستبداد والتخلف صنوان مقترنان، مثلما أن الشورى (= الديمقراطية) [1]  والتحضر لا يفترقان.

 

2- إن مبعث الاستبداد – دائماً وأبداً، وفي أي زمان ومكان- هو (غفلة الأمة) .. فالأمة التي لا تقيم من نفسها رقيباً على حكامها؛ تحاسبهم على عن صغيرة وكبيرة أشد الحساب، سيستبد بها حتماً وكلاؤها؛ إذ الاستبداد أمر طبيعي في الحكام؛ فالحكم حلو الرضاع، مُرُّ الفطام .. وما من حكومة، حتى ولو كانت عادلة، تأمن من المساءلة والمؤاخذة – بسببِ غفلة الأمة أو إغفالها، توهانها أو لا مبالاتها- إلا وتسارع إلى التلبس بصفة الاستبداد، ومن ثم – بعد أن تتمكن فيه- لا تتركه.

 

إن الطغيان لا يصنعه الطاغية، وإنما الأمة هي التي تصنع الطاغية والطغيان معاً .. فالأمة مسئولة عن الطغيان مسئولية الطاغية عن نفسه وزيادة .. “قال: يا فرعون, مين اللي فرعنك ؟ قال: ما لقتش حد يصدني” .. فالأمة هي المسئول الأول والأخير، الأصلي والأصيل، حتماً وبالضرورة، عن طغيان الطغاة واستبداد  المستبدين.

 

3- وبناءً عليه، فإن الأمة ليس لها إلا أن تلوم نفسها مبدأً ومنتهىً إنْ هي وقعتْ فريسةَ الاستبداد .. فهي الجاني مثلما هي المجني عليه .. هي الفاعل والضحية .. هي الظالم لنفسه والمظلوم بحاكمه .. ومن ثم، فإن الأوضاع السيئة التي تتردى وستتردى فيها وإليها كل يوم هي عقاب طبيعي مستَحَق لتفريطها في حق نفسها, وتهاونها في الدفاع عن حريتها وكرامتها وعزتها وسيادتها .. فالحاكم الطاغية إنما هو عقاب تلقائي وذاتي لأمته التي سمحت له بالاستمرار في الحكم .. إن الطاغية – وهو فردٌ أو حتى طبقةٌ ما- لا يمكن أن يكون أقوى من الألوف والملايين لو أنها شعرت بإنسانيتها وكرامتها وعزتها وحريتها .. لا يمكن أن يطغى أحدٌ – كائناً من كان، فرداً أو طبقة- في أمة كريمة أبداً .. ولا يمكن أن يطغى أحد في أمة رشيدة أبداً ..

 

ومن ثم، فإن خير عقاب لأيةِ أمةٍ على ما هي فيه من استبداد: هو ما هي فيه بالفعل .. وكأنها تعاقب نفسها بنفسها بانتظام .. تَذَكَّر: “كما تكونوا يُوَلَّ عليكم“، و”قل لي من حاكمك, أقل لك من أنت”، و”قل لي من الحاكم, أقل لك من الشعب”.

 

4- ويمكن اختزال المشكلة برمتها في معادلة جامعة مانعة، ذات حدين وطنيين: الأمة – كقطب موجب- والحاكم – كقطب سالب- .. وليس العكس على الإطلاق.

 

وبناءً عليه، فالمسألة – مسألة الاستبداد- داخليةٌ بحتة، وعائليةٌ يقيناً .. ومن ثم، فالخطر الحقيقي على الأمة، أيةِ أمة، إنما ينبع من داخلها، من جماعتها نفسها، لا من خارجها، من الأجانب والغرباء والغزاة .. فالخطر الحقيقي هو في بطش الحاكم أو عجزه من جانب، وفاعلية الجماعة وإيجابيتها أو سلبيتها من جانب آخر.

 

5- وجماع الأمر كله هو أن حجم الحاكم ونفوذه ودوره إنما يتناسب تناسباً عكسياً مع يقظة الأمة وحميتها وقوتها وصلابتها ومقاومتها ؛ إذ الذي يطيل عمر الظالم هو فساد المظلوم نفسه (فساده مادياً ومعنوياً) !

 

6- وبسببٍ مِن خطورة ومحورية مسائل السلطة والحكام والشورى والاستبداد، وجدنا القرآن الكريم قد تحدث – حديثاً في غاية الأهمية والدلالة والعمق- عن (أولي الأمر) في موطنين اثنين: “أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم” [النساء:59] .. “ولو ردوه إلى الرسول وإلى أوالي الأمر منهم” [النساء: 83] .

 

ولنا على هذين الموطنين ملحظان :

 

الأول : أن التعبير القرآني لم يتحدث عن (ولي الأمر) بصيغة الإفراد الانفراد، وإنما تحدث عن (أولي الأمر) بصيغة الجمع .. الأمر الذي يزكي، بل ويوحي بضرورة, جعل السلطة – في الدولة والمجتمع- جماعية شورية؛ كي لا يغري ويفضي الانفراد بالسلطة إلى الاستبداد والطغيان .. فغير وارد عن الله، ولا هو من شرع الله، سلوك سبيل التفرد والانفراد بأمر المسلمين .. “كلا, إن الإنسان ليطغى؛ أن رآه استغنى” [العلق: 6-7] .. فالانفراد والاستغناء – وخاصة بالرأي أو بالقرار أو بالسلطان أو بالمال- هو المقدمة الطبيعية، والسبيل المستقيم، والقرين الصدوق، للطغيان والفساد والإفساد.

 

الثاني : أن القرآن الكريم قد اشترط لطاعة (أولي الأمر)، ولتخصيصهم بما اختصهم به، أن يكونوا (من) الأمة؛ بمعنى أن يكونوا موضع اختيارها، ومصدراً لثقتها، وأهلاً لقيادة حياتها .. وفي الدلالات القرآنية تأكيد على وجوب اشتراك الرعية – بالشورى- في اختيار (أولي الأمر)، وإلا لما جاز وصفهم بأنهم (من) الرعية .. فليس (منا) من هو (مفروض علينا) بالغلبة أو القهر أو الاستبداد أو التزوير .. كما أن في تلك الدلالات القرآنية تأكيداً على وجوب أن تكون الشورى هي السياسة التي ينتهجها الحكام؛ لأن وجود مقاليد الأمور بيد الجماعة – (أولي الأمر)- لا يستقيم بغير اعتماد (الشورى) سبيلاً واحداً ووحيداً لإنضاج رأي هذه الجماعة، ووصولها، بحكم ولايتها للأمر، إلى مرحلة القرار الصالح للتنفيذ.

 

7- وبناءً على ما سبق، فإن (الدولة) في الإسلام – بجهازها ورجالها- ما هي إلا (وكيلة) عن الأمة، و(مستخلفة) من قبلها .. تختارها الأمة، وتراقبها، وتحاسبها، بل وتعزلها عند الاقتضاء؛ إذ الحكام (عُمالٌ) عند المحكومين و(أُجراءٌ) لديهم .. فالحكم – في الدولة الإسلامية- هو لله، بواسطة الأمة المستخلَفة مِن قِبَل الله، وليس حكمَ فردٍ أو حزب أو طبقة تحتكر الحكم باسم الله، أو دوناً عن بقية الأمة .. إذ الأمة هي (مصدر) الدولة، والمشتق لا يجٌب المصدر، بل هو تابع له .. وهي (مصدر) تقنين النصوص وتشريع ما لا نص فيه .. وهي (الرقيبة) و(الحسيبة) على الدولة ومؤسساتها وسياساتها .. كما أنها (صاحبة) السلطة والسلطان في الاختيار والمحاسبة والتغيير والعزل، وفق مصلحة وأعراف الزمان والمكان، غير مقيدة بأية قيود سوى أحكام الشريعة ومقاصدها.

 

8- ولنا كذلك مع سنة رسولنا الأكرم (التي هي البيان القولي والتطبيق العملي للبلاغ القرآني)، الثائرِ الإصلاحي الأعظم، محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وقفةُ تأمل .. يقول عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم : “من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان” [2] .

 

فمقاومة الشر والفساد والإفساد في المجتمع – بحسب هذا الحديث الشريف- إنما تكون بتغييره باليد، ثم باللسان، ثم بالقلب .. على هذا الترتيب في الوجوب بحسب (السلطات) و(الصلاحيات) المخولة لأيٍّ منا؛ أي بحسب (دائرة تمكين) كل فرد في المجتمع ؛

 

فمرتبة التغيير العملي هي لمن توفرت لديه وسائل النفوذ والسلطان.

 

ومرتبة التغيير باللسان هي مهمة الدعاة والمرشدين والخطباء ووسائل الإعلام؛ أي كل من يملك أدوات التعليم والبيان والتربية والتوعية والإرشاد.

 

ومرتبة التغيير بالقلب – التي هي أدنى الوسائل وأضعف الإيمان- هي مهمة جماهير الناس فيما لا يندرج تحت دائرة التمكين العملية أو اللسانية لأيٍّ منهم.

 

وههنا وقفة طويلة؛ إذ كثيرٌ من الناس – خاصةً في عصور الانحطاط وعهود الاستبداد- يظن أن (التغيير بالقلب) معناه (مجرد الكراهية الباطنية)؛ أي أن تَكره الشر فيما بينك وبين نفسك، فلا ترضى عنه بقلبك – اللهم إنه منكر لا يرضيك ! – دون أن يبدو عليك أدنى أثر لهذه الكراهة وعدم الرضا.

 

والحق أن في هذا الموقف تحريفاً مزدوجاً؛ تحريفاً للكَلِم في العربية، وتحريفاً لمقاصد الشريعة الإسلامية ؛

 

ذلك أن (الإنكار القلبي المجرد عن كل مظهر إيجابي أو سلبي) لا يُسمى (تغييراً للمنكرِ بالقلب)، وإنما هو (إقرارٌ سكوتي) له و(تشجيع) عليه؛ إذ النبي (ص) لم يقل : “فلينكره بقلبه” وإنما قال : “فليغيره بقلبه”؛ فالذي يسكت على المنكر دون إبداء (وجه اعتراض) أو دون إبداء (مظهرٍ من مظاهر الإنكار) ليس (مغيِّراً للمنكر) بل هو (مقرٌّ به ومؤيده).

 

ثم إن (استبطان الكراهية) للمنكر مع (بقاء المعاملة لصاحبه على وجه البشاشة والمجاملة العادية، ومع المحافظة على تحيته وتكريمه كما يُكرَّم المحسِنون) – أي: إن (استبطان الكراهية) مع (إظهار الرضا)- هو (صريح النفاق) وليس (أضعف الإيمان)؛ إذ الرسول (ص) قد جعل (التغيير بالقلب) مرتبةً من مراتب الإيمان – وإن كانت أدناها وأضعفها- فكيف ننزل نحن به – بسوء تأويلنا- دركتين : إقراراً سكوتياً للمنكر، وإظهاراً للبشاشة في وجه من ارتكبه.

 

لقد أصبح أمر الشارع الحكيم لنا بالاستمساك بأدنى مراتب الإيمان أمراً بالنفاق – بسوء تأويلنا- .. ارجع البصر فيما قلنا كرةً أخرى، تتبين صدق قولي.

 

إن المقصود بـ (التغيير بالقلب) هو (المقاومة السلبية الأدبية)؛ بالمقاطعة الاجتماعية أو الثقافية أو الاقتصادية، أو بالعصيان المدني والثورة الشعبية السلمية المحافظة، قدر الإمكان، على الأرواح الإنسانية والممتلكات العامة ..

 

فالتغيير بالقلب – كما ترى، وكما يجب- (موقف متحفظ) بل و(موقف سلمي مشتعل) يَشعُر فيه المسيء والمجرم بأنه كمية مهملة، وبأنه محروم من التكريم والتعظيم الذي قد تعوده ..

 

موقفٌ يُشعِرُه باستياء الآخرين من سلوكه، وبأنه في وحشة وعزلة بسبب هجرانهم له ومقاطعتهم إياه ..

 

موقفٌ نَشعُر فيه نحن بأننا بدلنا موقفنا الفاتر المائع المتراخي – موقفَ المجاملة الكاذبة لكل أحد ولو على حساب الحق والفضيلة- واتخذنا موقفاً آخر؛ شعوراً بمسئولية كلٍّ منا عن الحقوق والآداب العامة ..

 

إنه موقف لا يتطلب منا أكثر من العزم والتصميم والشجاعة الأدبية في سبيل كرامة أمتنا وكرامة أنفسنا ..

 

موقفٌ لا يكلفنا شيئاً من المجهود البدني ولا المالي، بل هو راحةُ بدنٍ وضمير، وكبحٌ لجماح الفاجر، وصفعةٌ على وجه المسيء.

 

على أنه لا يكفي أن يقوم بهذه المهمة فردٌ أو بضعة أفراد, بل لابد من التعاون في كل مجتمع، وكل بيئة، وكل حي، وكل قرية، على مجانبة المفسدين ومقاطعتهم، وإلا فكلنا آثمون .. يجب أن يحمل الجميع راية التناصح والمصارحة والتواصي بالحق فيما بينهم، ثم مقاطعة من لا تنفع فيه النصيحة ويصر على الإثم والعدوان.

 

وأكرر، دونَ خوفِ مَلال، أن كراهية المنكر بالقلب دون أي مظهر إيجابي أو سلبي، مشاركةٌ في المنكر والإثم .. يقول تعالى : “وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين” [الأنعام 68] .. “وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً” [النساء 140] ..

 

انظر كيف جعل الله أقل ما يخرج به المرء من المشاركة في هذه الآثام هو أن يُعرض عن صاحبها ويهجر مجلسه .. إن الساكت عن أي جريمة شريكٌ فيها، ولا مخرج له من الإثم في السكوت عنها إلا بعمل ما : أقله (العمل السلبي)؛ بمقاطعة صاحبها وهجرانه، هذا أضعف الإيمان، وليس وراء ذلك حبة خردل منه : “إنكم إذاً مثلهم” [النساء 140] .. ألم تسمع باللعنة التي نزلت على بني إسرائيل ؟! .. ألم تعلم أنهم “كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه” فاستحقوها بذلك عن جدارة ؟! ؛ إذ ليس يكفي إغماض العينين، والاستمرار في المعاملة الطبيعية للآثم، فكن من الذاكرين.

 

إن التواصي بالحق، ومنه، بل في صلبه، مقاطعةُ الظلمة المستبدين، وإعلان العصيان المدني في وجه أنظمتهم الشائهة، والثورة الشعبية السلمية عليهم .. إن التواصي بهذا الحق، والتواصي بالصبر عليه، سلاح بتار ليس فيه شيء من الخطورة على من يستعمله؛ لأنه موقف سلبي خالص لا يؤاخِذُ عليه قانون، ولا يحظره أدب .. ومن عجز عن استعمال هذا السلاح الضعيف، فهو عن استعمال غيره أعجز !!

 

إن أســـوأ الشعــوب في ظني : شعوبٌ تمسك بها النيران من كل جانب ولا تحاول حتى أن تصرخ .. وتحيط بها النكبات من كل مكان ولا تحاول حتى أن ترفض .. ويحكمها الشر وترضى .. ويسود فيها الصغار وترضخ .. ويذبح فيها الشرفاء كل يوم : وتضحك ! .. ومن ثم، كانت، ولا تزال، وسوف تظل، سفوحُ الجبال مستقرهم الطبيعي ومقرهم الدائم؛ إذ هي مقابر المترددين المرتعشين !

 

وتذكر دوماً أن العبيد هم الذين يصنعون الطواغيط؛ إذ الحرية لا توهب لأنها ليست صدقة، وإنما تؤخذ لأنها حق .. والذي يولد ليزحف لن يتمكن يوماً من الطيران .. ولن يستطيع أحدٌ ركوب ظهرك إلا إذا كنتَ منحنياً ..

 

اصدع بالحق؛ فالظلم يحيا بالسكوت

 

اللهم بلغت .. اللهم فاشهد !

 

المصادر والمراجع

 

 

1-      الإصلاح بالإسلام: معالم المشروع الحضاري للإمام محمد عبده, د/ محمد عمارة, ص (203), ط 1, 2006م, مكتبة نهضة مصر- القاهرة

 

2-      الإسلام والاستبداد السياسي, حكيم الدعوة الإسلامية/ محمد الغزالي, ص (144), ط 1, 2003م, دار القلم – دمشق

 

3-      الإسلام والتعددية: الاختلاف والتنوع في إطار الوحدة, أستاذنا الجليل د/ محمد عمارة, ص (225, 236), ط 1, 1997م, دار الرشاد- القاهرة

 

4-      الإسلام وحقوق الإنسان: ضرورات لا حقوق, د/ محمد عمارة, ص (44- 45), ط 1, 2005م, دار السلام- القاهرة

 

5-      حصاد قلم, العلامة الإمام د/ محمد عبد الله دراز, جمع وإعداد وتحقيق الشيخ/ أحمد مصطفى فضلية, مراجعة وتقديم د/ عبد الستار فتح الله سعيد, ص (290), ط 1, 2004م, دار القلم – القاهرة والكويت

 

6-      دراسات إسلامية في العلاقات الدولية والاجتماعية, د/ محمد عبد الله دراز, ص (149- 151, 152- 153), ط 5, 2003م, دار القلم – القاهرة

 

7-      شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان, إمام الجغرافيا الحضارية العلامة د/ جمال حَمْدَان, (2/590, 594- 599), بدون تاريخ, دار الهلال – القاهرة

 

8-      الفكر المقاصدي: قواعده وفوائده, د/ أحمد الريسوني, ص (115), ط 2, 2008م, دار الهادي – بيروت

 

9-      في النظام السياسي للدولة الإسلامية, د/ محمد سليم العوا, ص (154- 155, 160), ط 2, 2006م, دار الشروق – القاهرة

 

10-  في فقه الاجتهاد والتجديد – دراسة تأصيلية تطبيقية, يحيى رضا جاد, تقديم د/ محمد عمارة, ص (197- 200، 235- 237), ط 1, 2010م, دار السلام – الأزهر/القاهرة

 

11-  معالم المنهج الإسلامي, د/ محمد عمارة, ص (145- 146, 149), ط 3, 1998م, دار الرشاد- القاهرة

 

 

حافلة وسفينة وغسان كنفاني…!

غيرة (1)

     حافلة وسفينة وغسان كنفاني…! 

إهداء خاص لحملة القراءة حياة 

http://amrkhaled.net/newsite/books-news.php?id=MTM4MA== 

د.أحمد خيري العمري

 

أخفي في داخلي غيرتين سريِّتين من” أمريكا” حرصت على عدم الكشف عنهما.. وربما آن الأوان للكشف عنهما.. بعدما كتبتُ كثيراً عن السلبيات فيها…

نشبت فيَّ الغيرتان منذ أيامي الأولى.. كانت أقرب إلى  الشعور اللاعقلاني بأن “هذا يجب أن يكون لي.. لنا.. وليس لهم“.. كنت أشعر كما لو أني أبٌ سلبوه ابنه وهو رضيع، ثم قُدِّر له أن يراه وقد صار شاباً يافعاً محطّ الأنظار..

 كنت بالضبط كـ (سعيد) بطل رائعة غسان كنفاني “عائد إلى حيفا”.. حين يترك سعيد وزوجته صغيرهما (خالد) في البيت لوهلة ثم لا يتمكَّنان من العودة إليه، ويأخذهما التيار بعيداً عنه.. وبعيداً عن كل حيفا.. ويعودان بعد عقدين من الزمان ليجدا أن وليدهما لم يعد ابنهما بل صار ابن امرأةٍ يهوديةٍ بولونيةٍ استولت على المنزل برضيعه.. عادا بعد عقدين إلى حيفا ليجدا أن خالداً لم يعد خالداً.. بل صار “دوف”…

كذلك كنت أشعر.. وكان يخنقني شعوري.. كان هذا يجب أن يكون لنا.. نعم، يمكن أن يكون لهم.. ولكن كان يجب أيضا أن يكون لنا… قبل أن يكون لهم..

لا أتحدث عن العلو في البنيان.. فذلك أمر سهل استيراده.. ولا أتحدث عن السيارات الفارهة ولا المنتجات الحديثة.. ففي بعض بلداننا ما يفوق ما هو موجود عندهم (مستورد منهم طبعا!!)… لكن كل ذلك محض قشور زائلة ولمعانها لن يغير من ذلك..

أتحدث عن ما جعل ذلك البنيان ممكناً.. وتلك المنتجات حقيقةً.. (بغضّ النظر عن كون البنيان مبنياً على قواعد خاطئة.. وعن كون معظم تلك المنتجات لا تلبّي حاجاتٍ حقيقيةً بقدر ما تملأ جيوب الملأ الأعلى المهيمن فيها..)

كنتُ في أيامي الأولى في واشنطون العاصمة لا أزال أتعثّر بالأماكن وأتصرّف كما لو كنت طفلاً في أول يوم في المدرسة.. (بفارق أن أمي لم تكن تنتظر عند الباب للطوارئ!).. لم أكن أعرف أحداً في واشنطون.. وكنت أحفظ “على الغيب”  ألوان “المترو” الذي يجب أن أستقلّه والمحطة التي يجب أن أنزل عندها ورقم الحافلة التي يجب أن أنتظرها..

وهناك في “ويست فولز تشيرش”west falls church .. وتحت رذاذ المطر، وبينما كنت أركض لألحق بحافلة الساعة الخامسة (كي لا أنتظر لساعة كاملة) وجدت  للمرة الأولى ذلك المنظر الذي أثار غيرتي وذلي وهمومي.. وجدت الناس قد وقفوا صفاً.. الواحد تلو الآخر.. كما لو أنهم يصعدون الحافلة.. رغم أن الحافلة لم تكن قد وصلت بعد.. كلّ من يأتي يقف خلف الآخرين الذين وصلوا قبله في تلقائيّةٍ مذهلةٍ.

أصدقكم القول: اكتأبت يومها… وقفت خلفهم وأنا أحمل على ظهري غيرةً غير معقولة الحجم بالنيابة عن الأمة كلها وبالأصالة عن نفسي.. أردت أن أصرخ بهم وبنا أن ثمة خطأً كبيراً هنا.. هذا الصف كان يجب أن يكون عندنا.. كان يجب أن نصدره لهم.. لا أن نقف أمامه مذهولين مذلولين.. لماذا؟.. لأنّ ديننا هو الدين الوحيد في العالم الذي احتوى كتابه المنزَّل على سورة اسمها سورة الصف.. هل هناك شيء يمكن أن يكرّس النظام في أوضح مظاهره وأبسطها أكثر من سورة تتحدث عن “الصف”.. هل أسمع المتململين يقولون: إن ذلك خاصٌّ بالقتال فقط؟.. في الحقيقة إذا كان ذلك قد نزل في القتال.. حيث تعمّ الفوضى غالباً فإنه من باب أولى في الحالات الأخرى.. إذا كان الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص.. أفلا يحب الذين يبنون في سبيله صفاً كذلك؟… والذين يعيشون في سبيله.. ويعلّمون ويتعلمون في سبيله.. أليس كلُّ ما نفعله في حياتنا يمكن أن يكون في سبيله؟.. أليست حياتنا –كما يجب أن تكون- جهاداً مستمراً في سبيل الحقّ؟.. أليس الصفُّ هو الشكل الأمثل لذلك.. كما حدَّد هو عزَّ وجلَّ..؟

لم يكن “الصفّ” خطةً عسكريةً فقط.. وما كان يمكن لخطة كهذه أن تنجح أصلاً لو كانت مقتصرةً فقط على ساحات القتال.. بل هي لا تنجح في ساحات القتال إلا  إذا سبقها مجتمعٌ تدرَّب على الصفّ في كل خطوةٍ يقوم بها أفراده.. وكان المجتمع قد خاض دورةً تدريبيةً على الصفِّ والصفوف والاصطفاف منذ أن دخلت الصلاة فريضة وركناً من أركان المجتمع.. هل يمكن أن نتخيَّل تدريباً على النظام أكثر من الصلاة التي تجعل العشرات ينتظمون تلقائياً، في صفوفٍ دونما تدافعٍ أو اضطراب.. بالضبط كما يحدث التنفس تلقائياً.. دونما تخطيط أو تفكير مسبق..

وهذا كلُّه مدعاةٌ أكبر للكآبة والاكتئاب.. لو أنّ ذلك كله لم يكن موجوداً في نصوصنا.. وفي تجربتنا التاريخية وكنّا الآن على النحو الذي نحن فيه.. لكان ذلك مفهوماً أو طبيعياً على الأقل.. دون أن يبرّر الاستمرار فيه..

لكن عندما نكون قد امتلكنا ما امتلكناه.. ثم وصلنا للدرك الذي وصلناه، فإن المسافة بين هذا وذاك تكون مؤلمةً ومذلَّةً.. وهذا بالضبط هو شعوري تلك اللحظة يوم وجدت الصفّ ينتظم تلقائياً، الواحد تلو الآخر.. وحافلة الساعة الخامسة لم تأتِ بعد..

وقفت أحمل عاري، كلي ثقة أن أحداً لم ينتبه لكلِّ ما يدور في بالي.. كنت مجرد شخصٍ كئيبٍ آخر في قافلة القطيع العائد من العمل، وفي ذروة أزمة الانحسار الاقتصادي.. أي أن قناع الكآبة كان شائعاً جداً..

في الدقائق المعدودات –إلى أن جاءت الحافلة- تذكَّرتُ أحوال صفوف الانتظار في معظم بلداننا.. لم يحزنِّي البون الشاسع  بين الصفّ عندهم واللاصف عندنا بقدر ما أحزنني  البون الشاسع الذي يفصل بيننا وبين ما يجب أن نكون عليه بغضّ النظر عن أحوالهم هم..

تذكَّرت الموظف الذي يأتي ولا يأتي بمواعيده الغامضة العصيَّة على الفهم والتوقُّع.. ومحاولات المواطنين لاسترضائه واستعطافه.. والتدافع بينهم على ذلك وعلى الدور، يتبعه تهديدٌ بالويل والثبور من قبله… تذكَّرت “بائع الشاي” أو الساندويتشات ” أو المكتبة  المجاورة لباب المؤسسة الحكومية، حيث يوجد هناك دوماً من يعرف أحداً في المؤسسة ومستعدٌّ أن يؤدي لك الخدمة لغير وجهه تعالى..

تذكَّرت الرُّتَب الكبيرة تأتي لتختصر الصف.. والبعض يدخل أحياناً بعدك بساعات ويخرج مظفراً سالماً غانماً قبلك بساعات.. تذكَّرت الموظَّف ينهر المنتظرين.. والتحايل المستمر من قبل بعضهم لتجاوز دور هذا وذاك.. تذكَّرت الحسناء قادمة لتنتظر وقد ارتدت ما يصلح أن يرتدى في حفل زفاف غير مختلط.. وموظف يقرّر أن يكون شهماً فجأة في لحظة حاسمة.. وهذا يقول إنه جاء قبل ذاك.. وأخرى تستعطف الآخرين بأطفال ينتظرون في البيت.. وزوج لا يحتمل تأخير الغذاء.. إلخ.

بدا رذاذ المطر كما لو كان مشاركةً كونيةً لي في حزني وكآبتي، بل بدا كما لو كان تغطيةً عليها.. تذكَّرت قول السيَّاب:

كم ذرفنا ليل الرحيل من دموع.. ثم اعتللنا خوف أن نلام… بالمطر!”

نعم المطر مفيد ليل الرحيل حتماً-اسألوني أنا عنه!!- وهو مفيد أيضاً لحظة اللقاء بالحقائق.. لحظة أن تكتشف الفروق المؤلمة بين ما يجب أن يكون وما هو أمر واقع…

في كل مرة كنت أصادف المنتظرين صفاً قبل أن تأتي الحافلة كنت أستعيد مرارة اللقاء الأول.. وتناقضات ما هو كائن مع ما يجب أن يكون.. وحسرة ما كان لنا وصار لغيرنا…

لا أنكر أنّ هذا “الصفّ” هو فتنةٌ كبيرةٌ لا تقلُّ عن أية فتنةٍ أخرى يمكن أن تسلب ألباب المغتربين الذين يذهبون إلى أمريكا  للدراسة مثلاً، وسرعان ما يذوبون في وعائها.. بل إنها الفتنة الأخطر في رأيي.. الفتن الأخرى التي تعودنا التحذير منها موجودةٌ دون شكّ.. لكنّها غزتنا بسلبياتها في عقر ديارنا.. (الكم أقل ربما لكن النوع ذاته).. أما فتنة الصفّ والنظام فلم يتمّ استيرادها لأنّ المعاهدات والمواثيق غير المكتوبة للعولمة لا تسمح بتصدير إلا ما هو استهلاكيٌّ وعابر..

كانت هذه الظاهرة – وأختها التي سأتحدث عنها في مقالٍ آخر- فتنتي المحتملة في أمريكا.. ليس بأيّ شيء آخر مما يروّج له..

لماذا لم أفتن إذن؟ كيف نجوت من الافتتان؟

الحرص على النظام في أمريكا-ممثّلاً في الصفّ التلقائي الذي تحدثت عنه- هو أمرٌ واضحٌ جداً  للعين القريبة.. للعين التي تشاهد الحدث المباشر.. التي تكون جزءاً منه.. عندما تبتعد عن عينك المجردة.. وتحاول أن تنظر للمجتمع  ككل.. برؤية شمولية لا تتعثّر بالتفاصيل بل تحيط بها.. فإن النظام لن يكون موجوداً.. بل ربما سيكون هناك العكس منه..

كيف؟.. من الأخير كما يقال.. النظام والانتظام والوقوف التلقائي في الصفّ لا يحدث في أمريكا إلا في الأمور التي ستبدو مساوئ عدم الانتظام فيها مباشرة.. وأقصد بكلمة مباشرة المعنى الحرفي.. أي عندما يؤدي عدم الانتظام إلى تدافع وضرر للمتدافعين.. إنه العقد الاجتماعي الذي بنيت عليه الحضارة الغربية، العقد الذي يقدّس “الحرية الشخصية” ومفهوم “الفردية”.. وينسّق في الوقت نفسه بين حريات وفردية الأشخاص المكوّنين لهذا المجتمع..

 سيقول بعضكم: ما المشكلة في ذلك؟.. أليس هذا هو مبدأ “لا ضرر ولا ضرار” ذاته..؟ وهو مبدأ إسلامي واضح..؟ الحقيقة التشابه لا يعدو أن يكون تشابها جزئياً أو هو مجرد تشابه بالأسماء.. لأن الضرر بالمفهوم الغربي يقتصر أولا على النتائج الآنية المباشرة.. وليس على تراكماتها ونتائجها النهائية.. بينما هو في المفهوم الإسلامي يركِّز على نتائجه النهائية “إنما الأعمال بخواتيمها”.. وهو ثانيا  فردي في المبدأ الغربي الذي يعتبر مذهب الفردية من أهم إنجازات الحضارة الغربية ( عن حق في بعض الجوانب فقط).. بينما هو في الفهم الإسلامي يركز على الناس” وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ” 17 الرعد     الناس.. وليس الفرد أو مجموعة الأفراد.. النفع والضرر هنا يرتبط بالمجموع.. وليس بالفرد الذي قد لا يسمح معدل عمره الشخصي أن يميّز الضرر والنفع الذي قد يتراكم ليؤثر على المجتمع ككل..

مثال على ذلك (وقد يبدو مثالا ًمكرَّراً لكنّ تكراره نابع من شيوعه).. الزنا.. أو العلاقات الجنسية الحرة قد لا تبدو مضرةً من وجهة النظر الغربية.. ما الضرر في الأمر ما دام  الشخصان المعنيان بالأمر راضيين ويمارسانه طوعاً وليس قسراً من طرف على آخر..؟..أو كما قالت كاتبة عربية شهيرة على لسان إحدى بطلاتها: ( ماذا يضر الرجل لو أني كنت لمائة رجل قبله ما دمت قد اغتسلت بعد ذلك؟؟!!).. هذا –أو المزيد من الوقاية الصحية- هو ما يجعل الأمر بلا ضرر.. لكن هذا هو الضرر الآني المباشر الذي لا تفقه سواه المفاهيم الغربية.. فللحرية الجنسية مضارُّ أكبر بكثير من “العدوى بالأمراض التناسلية” لكن آثارها لا تأتي سريعاً على شكل طفح جلدي أو تقرحات ,. والتهابات.. بل تأتي النتائج رويداً رويداً وبالتدريج وعلى نحو لا يجعل الأفراد منتبهين.. تأتي في نسب طلاق عالية.. نسبة ولادات غير شرعية.. نسبة عائلات بلا أب.. تأتي في انهيار مؤسسة الزواج، وبالتالي انهيار مؤسسة الأسرة ونشوء أطفال في جوٍّ هجينٍ يحملون معهم ترسباته عقداً تأخذهم يميناً وشمالاً…

هذا الأثر بعيد المدى وتراكميّ وهو لا يخصّ فرداً بعينه، ولكنه يخصّ “الناس” أجمعين.. يخصُّهم فرداً فرداً حتى لو لم يشتركوا في الأمر شخصياً.. الكلّ شركاء في جريمة الانهيار الاجتماعي.. لأنّ المجتمع هو تلك السفينة التي حدّثنا عنها الرسول عليه الصلاة والسلام.. السفينة التي إمّا أن ينجو أفرادها جميعا أو يغرقوا جميعا.. والتي لا يمكن لأيّ فرد فيها أن يكون محايداً “مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قومٍ استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً “(البخاري)

يمكن لأيّ فرد في السفينة، بحسب المفهوم الغربي أن يدقّ المسامير ليعلّق الصور في ركنه من السفينة.. هذا ركنه الخاصّ به وحريته الشخصية.. ولا ضرر واضح مباشر فيما يفعله.. لكنّ الضرر بالمفهوم الإسلاميّ هو ما يمكن أن ينشأ على المدى البعيد من المسامير الصغيرة التي تبدو غير مضرّة للوهلة الأولى.. لكن تأثيرها بالمجموع يكون مثل تأثير فأس أو معول يخرق السفينة و يسرّب الماء إلى داخلها.. لا حياد هنا.. لا يمكنك أن تكون محايداً تجاه المسامير الصغيرة حتى لو كنت لا ترى ضررها المباشر..

الأمريكيّون يرون المعول الكبير الواضح ويتفادونه بإتقان.. لكنهم تشكّلوا على عدم الاهتمام بأثر المسامير الصغيرة..

لذا تراهم حريصين تمام الحرص على عدم التدافع أمام الحافلة، والوقوف في صفٍّ منتظمٍ قبل وصولها.. لأن التدافع سيضرهم وقد يؤخّرهم.. لكنهم ليسوا بالانتظام والالتزام نفسه في علاقاتهم الشخصية.. إنهم لا يقفون صفاً هناك.. لأن أضرار ذلك لا تبدو مباشرة وآنية.. بل تتراكم ببطءٍ شديدٍ…

لا أتحدّث عن سلبياتهم هنا لأتغنّى بفضائلنا لأنها على وشك الانقراض.. فقد كان من سخرية وتناقض ما حدث معنا هو أننا فقدنا عقيدة الصفّ الذي رسّخه القرآن في الجيل الأول في كل شيء… فقدناه تماما في انتظار الحافلة وفي أنواع الانتظار الأخرى… ونكاد نفقده بالتدريج حتى في علاقاتنا الشخصية في خضمّ حمى التغريب التي تتسرب إلى تحت جلودنا..

 رغم ذلك.. نملك فرصةً أفضل من سعيد  –بطل رواية كنفاني- الذي لم يكن  يملك أن يعيد عقارب الزمن لأنْ خالداً كبر وصار اسمه دوف..

أما نحن فلا نزال نملك أن نسير عكس التيار ونعود إلى نصوص ديننا.. لقد صرنا “دوف”  ممسوخاً بطريقة أو بأخرى.. دوف الذي نشأ على غير قيمه وغير ثوابته.. وصار دوف بدلاً من أن يكون خالداً..

لكن هناك عند تلك النصوص يمكن أن نعيد اكتشاف ذواتنا ونولد من جديد…

السير عكس التيار-وصولاً إلى النصوص- لن يكون سهلاً.. ففي التيار أفهامٌ سلبيَّة للنصّ تراكمت وآن أوان استئصالها.. وفيه نصوصٌ ضعيفةٌ صارت جزءاً من عقل جمعيٍّ سلبيٍّ.. وهناك أيضا تيار التغريب الجارف الذي يجتاح كلَّ شيء…

لكنّ الخيار الآخر أكثر صعوبة: أن تدهسنا الحافلة القادمة.. حافلة السيدة البولونية التي جعلت خالدا يصبح “دوف” ..

 

 

 

 

 

الكعبة …الحلقة المفقودة -أبو جعفر البيطار

بسم الله الرحمن الرحيم

الكعبة الحلقة المفقودة

((جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للنّاس))

أبو جعفر البيطار

 

أرّقني تساؤل وأنا أشاهد الحرم المكيّ على التلفاز يؤمه المسلمون من أصقاع الأرض, ولا تجده خاوياً في ساعة من الساعات على مدى العام.. سؤال تدفقت منه المعاني الجميلة وانسلّت تجيب عنه أفكار بدأت بالتوالد فور طرحه فأحببت أن أسطرها حتى لا تضيع, ولا تكون مدعاة للسرور الآني لا أكثر..

مما لا شك فيه في العقيدة الإسلامية أن إبراهيم عليه السلام رفع قواعد هذا البيت المعظم وإسماعيل, وتضاربت الأقوال حول البناء الأول من الملائكة ثم من آدم وشيث وغيرهم, ولكن بناء إبراهيم وإسماعيل أمر متفق عليه مثبت بالنص القرآني الصريح: ((وإذ يرفع إبراهيمُ القواعدَ من البيت وإسماعيلُ ربّنا تقبّل منّا إنّـك أنت السّميع العليم )).. والآية توحي ونصوص غيرها تؤكد أن قداسة المكان راجعة لما قبل رفع القواعد من إبراهيم وابنه عليهما السلام, ورفع القواعد جاء لإثبات القدسية وإعلان الحج العالمي بالأذان الإبراهيمي الشهير ((وأذّن في النّاس بالحجّ )), ولتكريس فكرة العبادة في هذا المكان ((وطهّر بيتي للطّائفين والقائمين والرّكّع السّجود ))..

وإبراهيم عليه السلام, وهو أبو الأنبياء ومن أولي العزم في الدين الإسلامي, هو أيضاً محل تقديس من أهل الدينين السماويين الآخرَين, وخاصة اليهودية والتي تعده أول يهودي في الأرض – مع أنه عليه السلام كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين- وراجع أسفار التناخ المليئة بالقصص عن أبرآم في سفر التكوين والخروج وغيرهما إن شئت..

ولكننا لم نسمع أبداً أن موسى عليه السلام قد حج البيت الحرام, وكذلك عيسى لم يزر قط هذا المكان المبارك, لم يرد في كتب اليهودية والمسيحية الحالية أي ذكر للبيت الحرام أو لكعبة إبراهيم أو لقواعد موجودة في واد غير ذي زرع! غريب هذا الأمر بداية, ومثير لشكوك ضعاف النفوس, وقد وجدت بعضاً من هؤلاء المتصيدين بعد بحثي عن كتابات حول هذا الموضوع يستشهدون بهذا الأمر كدليل على اختلاق الدين الإسلامي وعدم ارتباطه بأصل الأديان السماوية الأخرى.. بل تجاوز بعضهم في الجهل وتجرأ على نسف التاريخ ليقول أن الكعبة بناء قرشي استثمره محمد صلى الله عليه وسلم ليربط وثنية قريش بسماء الأديان السابقة..!

فليقولوا ما شاؤوا, ولا داعي هنا للخوض في الإثباتات التاريخية والنصوص الأثرية التي تثبت وجود بناء الكعبة قبل قريش بكثير لأن الله أثبت ذلك في كتابه الكريم ولا قول بعد قوله.. وخاصة أن رسالتي هذه ليست إلى هذا الجاهل وإنما إضاءات حول هذا المعنى أهديها لأولي الألباب..

تخيلت لو أن هذا البيت الحرام كان مقدساً عند جميع الأديان, وهو ما قد يروق لأصحاب السذاجة الداعين للتقارب, وأن كل دين من هذه الأديان ادعى حقاً في هذا الحرم وفي هذه الكعبة, فوجدت أن كل صيغة تنتج عن هذا الافتراض ستحوّل هذا الحرم عن وظيفته الأساسية, فهي إما ستكون حرباً بين الأديان عليه, كما المسجد الأقصى, فيذهب عنه وصف الأمن ((وإذ جعلنا البيت مثابةً للنّاس وأمناً )), أو أنه ستنتج بفضل أصحاب السذاجة صيغ توافقية تسمح للجميع بمشاركته فيصبح مزاراً أثرياً للبركة وليس للعبادة ويخرج حينها عن صفته الأساسية, وتفتعل فيه المخالفات الشرعية والتي تعد بوجهة نظر الآخر تعبداً وقربة, وليس جامع بني أمية عنا ببعيد!

الكعبة والتي رفع قواعدها إبراهيم وإسماعيل, كانت حلقة مفقودة في الدينين السماويين الذين نبعا بداية من نفس نبع الإسلام, وهما ربانيان في مصدرهما الأول, وكلاهما يقدس إبراهيم عليه السلام وكل ما يتعلق به, وفي هذا إشارة واضحة لكل مبصر, أن الله سبحانه لم يشأ الاستمرار لهذين الدينين وأنهما مؤقتان ومرحليان حتى يأتي زمان الإسلام ليستلم دفة القيادة ويأخذ العصا الإبراهيمية ليقود بها الناس الذين أُذّن بهم في السابق, الكعبة لا تصلح إلا أن تكون مقدسة في دين خالد, في دين يمتلك مشروعاً نهضوياً, مشروعاً يهدف لبناء مجتمع متكامل متوازن بعيد عن الحضارات الزائفة والأسس اللا ارتكازية..

استجاب إبراهيم لربه وترك أعظم حضارات وقته ليترك أهله في واد غير ذي زرع, في هذا الوادي ستنطلق الحضارة التي تقوم على الاستخلاف الحقيقي, على بناء المجتمع التكافلي الذي يضمن حق الجميع, والجميع يؤدي واجبه فيه, تركهم هناك, ثم عاد ليرفع القواعد من البيت ويعلن مركزية الكون دون أن يسلمها لربان بعده..

ويأتي محمد صلى الله عليه وسلم, ويقلب وجهه في السماء سائلاً المولى أن يحظى بالكعبة, أن يتابع المسيرة الإبراهيمية, فتأتي الاستجابة الربانية ((قد نرى تقلّب وجهك في السّماء فلنولينّـك قبلةً ترضاها فولّ وجهك شطر المسجد الحرام ))… وحظي بالكعبة, وحظينا بها متفردين عن كل الأديان السماوية الأخرى, سائرين على درب إبراهيم وإسماعيل ومن بعدهما محمد صلى الله عليهم وسلم تسليماً كثيراً..

الكعبة التي جعلت قياماً للناس بكل ما يحمله المعنى من صلاح وتقويم وإقامة, والمثابة بكل ما تذكرنا من عودة الكعبة لمحمد صلى الله عليه وسلم وشوقنا للعودة إليها وزيارتها وحاجتنا الدائمة للعودة للمنظومة الفكرية التي تمثلها والمنهج الرباني الذي تدل عليه, الكعبة القيام والمثابة صارت لنا من بين كل الناس, فلنهنأ بها ولنعطها حقها, ولنأخذ منها ما وضعت لتبثه فينا, أحجار فوق بعضها البعض في واد غير ذي زرع تعيد لنا فطرتنا وتجردنا عن عوالق الحضارة الزائفة, تقوّم لنا مسيرنا بتذكرنا لمسيرتها.. الكعبة التي جعلت قياماً ومثابة!

هذا بعض ما فاضت علي به رؤية البيت العتيق, البيت الذي أودعه إبراهيم بين تلك الجبال الجرداء ليستلمه محمد صلى الله عليه وسلم, أرسلها لكم لتشاركوني مشاعر التفرد الجميلة وهمّ المسؤولية العظيمة..!

 

أبو جَـعفر

فجر الأربعاء

 1 صَفَر 1432هـ

مقدماتٌ في نظرية “الوعاء الحضاري”! بقلم د.محمد موسى باباعمي

مقدماتٌ في نظرية

“الوعاء الحضاري”!

 د.محمد موسى باباعمي

حين يولد المرء تكون جملة من المحدِّدات قد رسمت معالم شخصيته، غير أنه في هذه السن المبكِّرة يتميَّز باستقلالية عالية وتحرُّر فريد؛ ثم يكبر الولد وتكبر معه “النمطية”، و”المألوف”، و”العادة”، و”التقليد”؛ وكلَّما توغَّل في “الدرس الرسمي” من خلال مدارس حكومية، وبرامج إعلامية وطنية، وخطابات محلية، ترسّخت تلك الصفات أكثر فأكثر، ولا ينجو من قيدها في الأخير إلاَّ النزر القليل.

لكنَّ النجاة لا تعني التحرُّر بالضرورة، بل قد تعني تبنِّي الرأي والموقف النقيض، فإذا كان النمط هو “أ” مثلا، كان النقيض ” ـ أ ” (ناقص أ)؛ ومن ثمَّ فحتى من كانت هذه حاله كان كالسمك، لم يغادر مسبحه البتة، ذلك أنَّ يسبح ضدَّ التيار وفقط.

وتحتد النمطية في المجتمعات المحلية التقليدية، بينما تخفُّ في المدن والتجمعات الكبرى، لكنها مع ذلك لا تذوب كلية، ذلك أنَّ لها طرقا مختلفة ووسائل متكاثرة تثبتها، منها: السياسة، والحزبية، والإعلام، والعلم، والاقتصاد، والسوق، والمصلحة… الخ. حتى إنَّ كثيرا من المجتمعات التي يبدو – ظاهريا – أنها متحرِّرة، هي في الحقيقة “قوالب جاهزة”، و”شخصيات اصطناعية”، و”أفراد على المقاس”؛ وليس أدلَّ على ذلك من المجتمع الأمريكي المفبرَك ثقافيا مِن قِبل جماعات الضغط المتحكِّمة، ومجموعات المصالح المسيِّرة للدواليب.

إذا كان الفكر هو “فصل الأشياء، ومحنة الفصل”، أي أنه “قلق العلاقة” عند هيغل، فإنَّ الإنسان حين تفكُّره في العلاقات التي بينه وبين ذاته، وبينه وبين غيره، وبينه وبين موجِده، ومحيطه، وبيئته… يتحوَّل – من خلال هذا التفكُّر في العلاقات بمنهج وجدِّية – إلى مرحلة “القلق المعرفي”، التي لا يبلغها إلا القلَّة من الناس، والذين يلِجونها قلًَّ منهم من ينجو منها بسلام.

في هذا المستوى الرفيع من التفكير، غالبا ما يحدث الخلط بين “المعتقَد” و”العقيدة”، وكذا بين “العلم” و”شبه العلم”؛ فالمرء إذا وقَف على أرض صلبة من العقيدة، يقلق معرفيا ولا يتخلَّى عن عقيدته، وهو مع ذلك حريص على أن لا يقع في “المعتقد” (dogm) ، وهو كذلك يجتهد أن يكون علميا، ويحذر من الوقوف في هشاشة اللاَّعلم، أو فيما يشبه العلم.

بناء على هذه الحيثيات – وغيرِها – وُلدت “نظرية الوعاء الحضاري“، باعتبار أنَّ العلم في حقيقته يبدأ من المسائل وليس من المشاهدات، وأنَّ المسائل محمَّلة بالنظرية سلفا، وقد وفِّق كارل بوبر في قوله: “إنَّ عمل رجل العلم هو اقتراح النظريات، واختبارها”.

فها أنذا أقترح نظرية، وأسعى لاختبارها، مستعينا بجملة من المعطيات، ضمن نموذج الرشد، وبخاصة منها ما كان من علاقة حلزونية بين الفكر والفعل، وبين العلم والعمل.

فما هي نظرية الوعاء الحضاري؟

تجيبنا العديد من الأحداث والوقائع، حين نلاحظها، من ذلك:

*أنني التقيت بشاب في تركيا، وقد ألَّف كتابا في السيرة النبوية العطرة، مكوَّن من جزأين، وطَبع منه في السنَة الأولى مائة ألف نسخة، وفي السنة الثانية أربعمائة ألف نسخة. فسألت مَن حولي: هل لو طُبع نفسُ الكتاب، بنفس المحتوى، من عالِم ذائع الصيت، وبنفس المواصفات… في بيئة أخرى، وفي محيط آخر، وليكن هو “العالم العربي، مثلا”… هل سيلقى نفس الإقبال، وهل سيطبع بنفس الكميات؟

وهل يكمن الفرق فقط في جودة العمل – ولا ننكرها – أم في اعتبارات أخرى، فنية وحضارية؟

هنا أجد الجواب في “الوعاء الحضاري“.

*باحث نشأ وترعرع في تخصُّص علميٍّ إنساني، غير أنه عوض أن ينصبَّ جهدُه في النتاج المعرفي، وفي “العلم العام”، وفي المسار البشري، ضمن خطِّه المكاني والزمني، أي “الآنَ” و”اليومَ”… عوض ذلك كلِّه، راح يعالج قضايا ومسائل علمية أملاها عليه محيطُه المحنَّط الضاغط… ذلك أنَّ هذه القضايا والمسائل مِن زمن غابر، غير زمانه؛ ومن بيئة أخرى، غير بيئته… ومِن سياق، وفي سياق آخر، غير السياق الذي خُلق فيه، وخلق له.

ما الجواب إلاَّ في نظرية “الوعاء الحضاري“.

*قطبُ الأيمة الشيخ اطفيش(1) – رحمه الله – عالِم وُجِد ضمن بيئة جغرافية مغربية، داخل ساحة سياسية هي الجزائر المتسعمَرة مِن فرنسا، وتحت إطار عرقي سابق هو انتماؤه البربري، ومذهب،  وبلدة، وعشيرة، وعائلة… ليست في الحقيقة من اختياره.

لو حلَّلنا القدرات العلمية لهذا العالِم لصنَّفناه في رتبة مرموقة بين عقول العالَم الإسلامي في القرن العشرين، غير أننا لو بحثنا عنه اليومَ في الدوائر العالمية، وقارناه بمحمد عبده – مثلا –، لوجدناه غائبا كلية عن الذكر، وعن الاعتبار… ولو طالعنا مؤلفاته لبهرنا بسعتها، لكنها ليست كلها في خطِّ الزمن الذي خلق فيه، وخلق له. أي أنها لم تعالج قضايا وإشكالات القرن العشرين، بروح ولغة ذلك العصر.

نقول إذن، إنَّ مجالات اهتمامات الرجل، ومبلغ أثره، ونسبة قرَّائه… كلُّ ذلك كان رهينة “وعائه الحضاري“، فلو كان من وعاء حضاري آخرَ لكان له شأن أكبر من هذا الشأن الذي نعرفه له اليوم.

مِن هنا نقول إنَّ الوعاء الحضاري هو كلُّ ما يؤثِّر في مسير الإنسان ومصيره – الدنيوي – أكيدا، والأخروي غالبا؛ فهو: جغرافيتُه، وتاريخُه، ومحيطُه، وبيئتُه، وخصائصُه الموروثة، وأحداثُ عصره، والمؤثرات في فكره، والمحرّكات لمشاعره… وهو – بلغة فن الرسم – الخلفيةُ التي يضع عليها الرسام لوحته، حجمُها، ونوعُها، وشكلها… وهو الحال النفسية التي يكون عليها ذلك الرسام، والطبيعة التي تحيط به، والأفكار التي تعتلج في خاطره… كلُّ ذلك ليس هو الرسم نفسه، ولكنه محدِّد ومؤثِّر فيما سيصدر من أشكال وألوان ورسوم.

فهل نقول إنَّ الوعاء الحضاري قدَر مقدور، أم هو من قبيل الاختيار؟

حسبُنا أن نعرف أنَّ المرء محاسَب – عند الله تعالى – عن الجانب الاختياري لا عن الجانب الاضطراري؛ فلا يَضير سيِّدَنا نوحا عليه السلام أنه بعدَ ألفِ سنة إلا خمسين عاما، “ما آمن معه إلا قليلٌ“؛ ذلك أنَّ ما يملكه هو الجهد، والفكر، والفعل… أمّا ما لا يملكه فهو “الوعاء الحضاري” المحيط به، والضاغط عليه… ومِن ثمَّ كان عند الله تعالى ناج، ومجازًى، ومبلِّغا لما أُمر به.

أمَّا مِن حيث الثمار الحضارية الزمنية فلا شكَّ أنَّ الوعاء الحضاري لسيدنا سليمان عليه السلام مثلا، قد مكَّنه من تسخير الجن والإنس والطير… ومِن بسط نبوته على الآفاق… وهو ما لم يتسنَّى لنوح عليه السلام، بسبب وعائه الحضاري المثبط. حتى إنَّه أعلنها أخيرا: “رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا، إنك إن تذرهم يضلوا عبادك، ولا يلدوا إلاَّ فاجرا كفارا!”.

فنوح وسليمان عند الله تعالى سواء، كلاهما قد بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح لله، فنال رضوانه؛ أمَّا “الوعاء الحضاري” لنوح -عليه السلام- فهو دون الوعاء الحضاري لسليمان -عليه السلام- بأشواط؛ ولا يمكن أن نعزو ذلك للمواهب، أو للجهد، أو لأيّ أمر آخر.

الموضوع للنقاش، والنظرية للتطوير والصقل… ولقد كتبتُ فيها مقالاتٍ، جنبا إلى جنب مع نظرية “النسيج الحضاري“، أدعو الله أن ييسِّر إخراجهما في صورة لائقة مقبولة، تحت إطار نظري واسع هو “نموذج الرشد“؛ واللهَ نسأل أن ينفع بكل ذلك البلادَ والعبادَ، وأن يسخِّر لنا “وعاء حضاريا” محرِّكا لا مسكِّنا، ميسِّرا لا معسِّرا.

د. محمد باباعمي

28 محرم 1432هـ- 3 جانفي 2011م

 

—————-

(1)    للتذكير، نحن نعيش ذكرى المائة لوفاة القطب اطفيش، سنة 1332هـ، ويجب أن تكون الذكرى لإعادة الإحياء، والبحث في أسباب الحضارة؛ لا على شاكلة مهرجانات قاتلة، لا طعم لها ولا لون.