ثقافة تمجيد الفقر: “الأخلاق” عكس “المقاصد”!

ثقافة تمجيد الفقر: “الأخلاق” عكس “المقاصد”!

د.أحمد خيري العمري- مجلة العمران -أونتاريو- كندا

19-5-  2008

 

                                                                    

                                                          

 

تمتلئ الأدبيات الإسلامية -خاصة أدبيات الأخلاق والزهد- بمفاهيم صارت جزءاً من العقل الجمعي للمسلمين، خاصة عامتهم وعوامهم، على الرغم من كون هذه “المفاهيم” لا تعدو كونها آراء ومواقف ووجهات نظر لبعض العلماء والزهاد، ضمن سياق اجتماعي وتاريخي معين، ويمكن فهمها -وحتى التعاطف معها- ضمن سياقها وظروف نشأتها، ولكن الإشكالية تنشأ عند إخراج هذه المفاهيم من سياقها المحيط بها، ووضعها في “خانة المطلق” من المفاهيم، وهو الحاصل حالياً للأسف.

 أتحدث عن ثقافة لا أجد مناصاً من تسميتها بثقافة ” تمجيد الفقر“، وهي تملأ كتب الأخلاق والزهد، وتتسرب من الكتب إلى المنابر ومن المنابر إلى مفاهيم الناس وعقولهم ورؤيتهم للحياة، ويحدث ذلك منذ قرون حتى صارت هذه المفاهيم محصنة داخل اللاوعي والوعي الجمعيين، وصارت تشكل جزءاً من بديهيات الرؤية الإسلامية، على الرغم من أنها لا تعدو أن تكون -كما ذكرنا- مفاهيم نتجت ضمن سياق تاريخي معين.

بذور هذه الثقافة بدأت أولاً في زهد معتدل وليس بعيداً عن النص الديني، وحتى هذا الزهد كان ضمن سياقه التاريخي أقرب ما يكون إلى الموقف السياسي – الاجتماعي، المعارض لسلطة سياسية بالغت – من جهتها – في الترف وأفحشت فيه، وحاولت شراء ذمم كل من يعارضها عبر العطايا والهبات، وهكذا يمكن فهم طبيعة “زهد” أئمة من أمثال الحسن البصري، حيث لا يمكن فصل زهده عن مواقفه السياسية المعارضة عموماً، ويمكن اعتبار زهده هنا، نوعاً من المعارضة الاجتماعية لنمط حياة مبالغ في الترف كان يتم بتكريسه عبر السلطة. لكن هذا “الزهد” كان معتدلاً تماماً، ولا يمكن أن نجد فيه أثراً لتمجيد “الفقر” كما سنلاحظ لاحقاً. بل يمكن اعتبار رسالته الشهيرة إلى الخليفة “عمر بن عبد العزيز” نموذجاً واضحاً على زهد في الدنيا هو في حقيقته “بيان للمعارضة” كان أكبر من مجرد رؤية سياسية، بل امتزج مع الجانب الاجتماعي بوضوح.

والذي حدث بالتدريج أن هذا المفهوم انفصل تماماً عن سياقه ودوره الإيجابي ضمن هذا السياق، وتحول ليصير بمثابة “رؤية مطلقة للعالم” متقوياً بمهابة وسطوة أسماء الأئمة والعلماء الذين أسهموا فيه (الذين لا نقلل من احترامهم بكل الأحوال) ومتداخلاً مع ازدياد تعقيد الظروف الاجتماعية والسياسية، ويمكن أن نقارن بين زهد الحسن البصري، الذي كان الاعتدال جوهره، وكان خالياً تماماً من “تمجيد الفقر” وبين ما تراكم لاحقاً عبر القرون التالية من تمجيد للفقر وتغنٍ بفضائله المطلقة!

ينبغي هنا أن نوضح أمرين: الأمر الأول أن النصوص الدينية بريئة تماماً من هذه الثقافة، بل مناقضة لها. لا نقول ذلك كموقف دفاعي ولكن انطلاقاً من النص القرآني الذي يجب أن يكون المدخلَ لفهم ما سواه، فالنص القرآني يحدد أن {الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ} [البقرة: 2/268] فهل يمكن أن تكون دعوة الشيطان إيجابية؟.. كل النصوص القرآنية الأخرى التي يرد فيها “الفقر” أو “الفقراء” لا تخرج عن كونها تحض على مساعدتهم، أو أنها تتحدث عن فقر الإنسانية المطلق إلى الله – وهو أمر يخرج عن موضوعنا تماماً، أما الأحاديث النبوية، فتقسم إلى قسمين: قسم صحيح وثابت، ولن نجد هنا أي تناقض مع النص القرآني، مثل استعاذته عليه الصلاة والسلام من الفقر في الدعاء المعروف (متفق عليه) وكون الحج والعمرة ينفيان الفقر (النَّسائي) وهل يمكن أن يتعوذ عليه الصلاة والسلام بالله تعالى إلا إذا كان شراً مما يستعاذ منه؟ وهل يمكن أن يمسح الحج الفقرَ إلا إذا كان أمراً مما يجب مسحه؟..

على الجانب الآخر، نرى كمّاً هائلاً من الأحاديث الضعيفة – وحتى الموضوعة – التي تمجّد الفقر وتروج له، وتناقض ما صح من أحاديث، وما ثبت من مقاصد، وللأسف فقد حدث التساهل مع هذه الأحاديث أحياناً، لأنها اعتبرت من أحاديث فضائل الأعمال، التي يتساهل في الضعيف منها، وأحياناً للسبب ذاته التي تم اختراعها من أجله: تمجيد الفقر باعتبار أن هذا التمجيد سيسهل التعايش مع واقع صعب. ولهذا سنرى امتلاء سلسلة الأحاديث الضعيفة بأحاديث من هذا النوع: (الفقر أزين على خد المؤمن من العذار على خد الفرس) و(تحفة المؤمن في الدنيا الفقر). و(الفقر شين عند الناس وزين عند الله يوم القيامة). وغيرها مما لا يصح ولا يعقل من المفاهيم.. وقد تراكم ذلك حتى وصل ذروته عند الإمام الغزالي الذي نجده قد “أرشف” لتمجيد الفقر، وكتب في فضل الفقر وفي مدحه في “الإحياء”.. حيث اعتبر أن الفقر هو من “المنجيات” واحتوى على عبارات مثل “إذا رأيتم الفقير فقولوا: مرحباً بشعار الصالحين” و”الفقر بركة والغنى شؤم” وينقل الإمام الغزالي أن الجنيد وبعض الخواص والأكثرون ذهبوا إلى تفضيل الفقر فقال ابن عطاء: الغني الشاكر القائم بحقه أفضل من الفقير الصابر. ويقال: إن الجنيد دعا على ابن عطاء لمخالفته إياه في هذا فأصابته محنة، إلى أن يصل بحسم (لم  يسترب من قرأ الأخبار والآثار في تفضيل الفقر)-!!-.

إن ثقافة” تمجيد الفقر” هذه التي خلفت لنا إرثاً طويلاً (وحياً) من مبالغات كهذه، لا يمكن أن تعزل عن سياقها الذي أنشأها، فالإمام الغزالي وغيره، لم يكونوا هنا (سبباً) بقدر ما كانوا مرآة عرضت لحال مجتمع فضل التعايش مع الأمر الواقع، والقبول بالانحطاط، وكرس لذلك نصوصاً دينية تساعده على تقبل الأمر، بدلاً من العمل على تغيير الواقع وتجاوزه..كما إن انتشار ذلك في الماضي والحاضر لا يمكن إلا أن يصب في صالح التحالف التاريخي-الموجود في كل زمان ومكان- بين رأس المال والسلطة..وجود ثقافة شعبية تتقبل  الفقر بل وتمجده سيكون بمثابة حزام أمني يقدم الحماية لتحالف الاستبداد والاستغلال الذي سيطر على سدة الحكم والقيادة لقرون متعاقبة..وحتى في عالمنا المعاصر..هذا التحالف لن يضره دعم الجمعيات الخيرية و توزيع الصدقات طالما إن ذلك سيعمد على تجفيف الغضب والنقمة-في حال وجودها- وفي الوقت نفسه لن يكون هناك مساس ببنية الاستغلال وثقافته ..وهذا يجعلنا نفهم سر العلاقة العميقة بين هذا التحالف وبين نشر ثقافة كهذه ودعم رموزها و مؤلفاتها وأفكارها..

الذي لا شك فيه أن ثقافة كهذه تنتج أخلاقاً سلبية أو محايدة، ترى في العالم مكاناً لا يستحق الالتفات إليه، ولا حتى من أجل الإصلاح.. وهي الأخلاق المناقضة تماماً للثقافة الأولى التي أنتجت جيلاً كان مشبعاً بروح “فتح العالم” بدلاً من الزهد فيه.. وكان من الواضح مع سيادة ثقافة “تمجيد الفقر” أن ذلك يعكس تخلي المسلمين تدريجياً عن دورهم الريادي في قيادة العالم..

وهذه الثقافة ليست تراثاً عابراً مر وانقضى، إنها ليست في بطون الكتب والمراجع فحسب، بل قائمة في عقل جمعي لا يزال يتغذى منها عبر المنابر ودروس الوعظ التي قد لا يلتفت خطباؤها كثيراً لسلبية هذا النوع من الأخلاق بل قد يعتبرونها أيضاً من فضائل الأعمال..

والذي لا أشك فيه أن عمر بن الخطاب لو اطلع على هذه الثقافة ولو رأى مروجيها لتعامل معهم بدرته الشهيرة.. ولقال لهم كما قال لسواهم :أمتّم علينا ديننا..!

رأيت فيما لا يراه النائم

رأيت فيما لا يراه النائم …

د.أحمد خيري العمري-القدس العربي

شيخ  يتمتع بسمعة واحترام كبيرين ، لعله الأكثر تأثيراً في بلده، قام مؤخراً بحملةٍ ضدَّ مسلسلٍ مسيءٍ للإسلام بثّ في بعض الفضائيات مؤخراً.. والحملة مبررة فعلاً، لأن المسلسل يتعمد الإساءة للمتدينين ويظهرهم في الصورة السلبية حصرياً.. وبعض المتدينين مسيؤون فعلاً.. لكن هناك منهم غير ذلك قطعاً.. والمسلسل جزء من هجمة إعلامية واضحة ضد الإسلام والتدين عموماً… والمطالبة بوقف عرض المسلسل ليست مجدية في عصر الفضائيات بل الحل المرحلي-في رأيي- هو المقاطعة الحاسمة للشركات المنتجة وللقنوات التي تعرض أعمالاً أخرى للمنتج أو المخرج …الخ.

لكني لا أريد التحدث عن هذا الآن.. أريد أن أؤكد أننا في الوقت الذي يجب أن نتصدَّى فيه لهؤلاء عندما يتصيدون المتدينين، فإن علينا في الوقت نفسه أن ننبَّه لبعض الثغرات الموجودة –عندنا-و التي تسهّل هجوم هؤلاء وتمنحهم الفرصة للهجوم والتضخيم..

لا أتحدث هنا عن سلوك معين مما ورد في المسلسل.. بل أتحدث عن نمط تفكير آن لنا أن نواجهه وقد برز صارخاً في جملة معينة قالها الشيخ  نفسه في حوار عن موضوع المسلسل.. حيث تحدَّث تفصيلاً عن منام رآه (بين اليقظة والنوم)- على حدِّ تعبيره- يحمل نذر السوء على شكل وباء سرطانيٍّ هابط من السماء، وفسَّره بأنه سخط إلهي قادم بسبب هذا المسلسل تحديداً…

المسلسل سيئ فعلاً و يستحقّ السخط الإلهي… ولكن قائمة مستحقات السخط الإلهي طويلةٌ جداً ولا يمكن أن تبدأ بهذا المسلسل أو تنتهي عنده.. مجتمعاتنا تغوص كلَّ يوم  أكثر فأكثر في مستنقع يستحقُّ السخط الإلهي جملة وتفصيلاً.. والتركيز على حدثٍ عرضيّ واحد باعتباره مجلبة لهذا السّخط سيقدم للمتلقي فكرةً خاطئةً وسلبيةً عن كون باقي الأمور جيدة وعلى ما يرام ولا مشكلة لدينا سوى هذا المسلسل (الذي أشدِّد على سوئه وعلى ضرورة التصدي الحاسم له ولمنتجيه ومخرجه)..

من ضمن هذه القائمة هذا النمط  من التفكير الذي يستند على المنامات والرؤى ليقدم تحليلاً للواقع ويجزم بوقوع كارثة ما خلال “أيام أو أشهر” –كما حدَّد الشيخ  في تصريح منسوب له وموجود على موقعه الرسمي..

الشيخ  لم يأت ببدعة حين تحدث عن هذا.. وحديثنا لا يتوجه له شخصياً.. فهو يتحدث بالنيابة عن نمطٍ من التفكير سائدٍ وشائعٍ وله جذوره القوية في موروثنا.. وهو ليس أول ولا آخر من تحدث وسيتحدث عن “المنامات”.. ولكن أظن أننا وصلنا إلى تلك النقطة التي يجب ألا يمنعنا فيها احترامنا للرموز-و لا خوفنا من عواقب انتقادهم- من قول الصواب..

كيف يمكن لأي منا أن يتحدث عن نهضةٍ ما إذا كانت رؤيته مبنية على منام؟ أو على الأقل شابت رؤيته “منامات”؟ بل كيف يمكن لأمة أن تنهض من سباتها –الذي امتد قروناً طويلة حتى الآن- إذا كانت تنتظر من رجالها الصالحين مناماتهم ورؤاهم لكي تفهم ما ينتظرها ومقدار بعدها أو قربها من السخط الإلهي..

أفهم مبررات البعض في عدم الخوض في حقل ألغام  تاريخيّ مزدوج كهذا.. فأيُّ انتقاد لنمط التفكير “المنامي” هذا سيفهم أنه انتقاد شخصيّ  للشيخ الذي تصطفُّ خلفه ألوفٌ مؤلَّفةٌ  في بلده .. كما أن انتقاد هذا النمط سيثير غضبة على “إرثٍ فكريٍّ ضخمٍ”  فقدنا قدرتنا على التمييز بين ما هو أصيل وثابت فيه وبين ما هو هجين وسلبي ولا جذور حقيقية له في ديننا (ويستحقّ بالتالي الاجتثاث بلا تردُّد).. أفهم كل الحساسيات وردود الأفعال الناتجة عن هذا، لكني رأيت فيما لا يراه النائم أن السكوت عن هذا لم يعد مجدياً.. رأيت فيما لا يراه النائم أننا إذا لم نغامر بالدخول في حقل ألغام كهذا فإنَّ نسبة الخطر ستكون أكبر.. مع حقل الألغام هناك فرصةٌ للنجاة.. لكنَّ “الوضع الراهن” والبقاء فيه والسكوت عليه هو موت محقَّق.. بل هو انتحار مع سبق الإصرار والترصد.. وبالوضع الراهن أقصد ثقافتنا كلها… ثقافتنا التي آمل أن الأوان لم يفت بعد في إعادة تقييمها وتكريرها بناءً على النصوص الدينية الثابتة وليس بناءً على تراكم في الفهم، البعض منه نشأ وازدهر في عصر انحطاط الأمة وابتعادها عن منابعها الأصلية..

هناك في موروثنا عدد كبير من الرؤى والمنامات المنسوبة لرجال صالحين، وهناك أيضا عدد  من النصوص الضعيفة التي تتحدث عن الرؤيا وتعبيرها..

وهناك عدد قليل جداً من النصوص الصحيحة عن الأمر ومنطوق بعضها يناقض تماماً ما يستخدم من المنامات.. لكن “العقل الجمعي” السائد يقوم بخلط الصحيح بالضعيف بالأقوال المنسوبة للرجال الصالحين، ويقدِّم فهماً بأثرٍ رجعيٍّ (رجعيٍّ بكلِّ المعاني!) ومضخّم  لموضوع المنامات والرؤى..

قلَّة عدد النصوص الصحيحة وقلَّة عدد رواتها من الصحابة (كلُّها أحاديث آحاد) تشير أولاً إلى أن هذا الأمر لم يشغل بال الصحابة أكثر مما يجب (وهو أمر طبيعي جداً.. فالمجتمع الناهض لا ينشغل أفراده بمناماتهم وتفسيرها بل بتحليل الواقع من أجل إعادة بنائه)..

لكن ما هو أهمّ من ذلك كون هذه الأحاديث الصحيحة تتفق في مضامينها على تحديد خطوات معينة للتعامل مع الرؤى والمنامات بمعزل عن ما ورثناه من الفهم السائد  للأمر..

أول هذه النقاط هو تعدُّد مصادر الرؤيا بغض النظر عن كون متلقيها رجلاً صالحاً أو دون ذلك فالحديث الصحيح يقول: “الرؤيا ثلاث، فالبشرى من الله وحديث النفس وتخويف من الشيطان..” (رواه مسلم واحمد والترمذي) ويقول حديث آخر:” الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ ، وَالْحُلُمُ مِنَ الشَّيْطَانِ..” (متفق عليه) ويوضِّح حديثٌ ثالثٌ أكثر فيقول فيه عليه الصلاة والسلام: “لم يبق من النبوة إلا المبشّرات، قالوا: وما المبشّرات؟ قال الرؤيا الصالحة “(رواه البخاري) .. وهذه الأحاديث –وألفاظها كثيرة وإن اتفقت بالمعنى- تحدِّد أن “الرؤيا الحسنة” حصراً هي التي تستحق أن تؤخذ على نحوِ جديّ لأنها من الله .. أما غير ذلك فهو إما حديث نفس ( ترسبات لأمر يشغلك في صحوك وهو أمر طبيعي جداً ولعل أغلب المنامات تندرج  ضمنه)..

أو أن تكون رؤيا سوء، ويكون مصدرها عندئذ الشيطان بحسب الحديث الصحيح، ولما كان “الشيطان يجرى من الإنسان  مجرى الدم” بحديث صحيح آخر (متفق عليه)، فإن وقوع رؤيا –أو حلم في حديث صحيح آخر- من الشيطان لا يعني أبدا أن الشخص الذي وقعت له الرؤيا قد خرج من عداد الصالحين..

كذلك فإن استخدام لفظ “المبشّرات” لوصف الرؤيا الصالحة الحسنة التي هي منه عز وجل يوحي بمضمونها وبتفسيرها الايجابي، فهي تحمل بشارة تساعدك على المضي قدماً في العمل.. ويقابلها لفظ “التخويف” الذي استخدمه عليه الصلاة والسلام في وصف ما يأتي من الشيطان.. فالتخويف هنا دلالةٌ واضحةٌ على المعاني السلبية المثبّطة التي قد تأتي من” الرؤيا السيئة”.. كما أن ذلك كله يمكن فهمه بشكل أوضح في سياق حديثٍ صحيحٍ آخر عن التعامل مع الرؤيا الصالحة والسيئة:فإذا رأى أحدكم رؤيا تعجبه فليقصّها إن شاء، وإذا رأى شيئا يكرهه فلا يقصّه على أحد، وليقم يصلي“(مسلم واحمد والترمذي) كذلك :” ..فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ حُلُمًا يَخَافُهُ فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا، فَإِنَّهَا لاَ تَضُرُّهُ» (رواه مسلم) وهذا يعني بوضوح أن نعمل على تجاهل ما يسيئنا مما نراه في المنام والمضي دون الاكتراث أو التوقف عنده، وأن نعمل على العكس من ذلك على الاحتفاء بالرؤية الصالحة –البشرى-لإشاعة جو إيجابي حريص على العمل..

كذلك يدلُّنا حديثٌ آخر على العلاقة بين “تفسير” الرؤيا وبين وقوعها الفعلي لاحقاً..إن الرؤيا تقع على ما تعبر(=تفسر) ومثل ذلك مثل رجل رفع رجله فهو ينتظر متى يضعها فإذا رأى أحدكم رؤيا فلا يحدث بها إلا ناصحاً أو عالماً”(أبو داود والترمذي وأحمد).. فهنا إشارة واضحة إلى الأثر النفسي الذي يحدثه تفسير الرؤيا على الشخص.. فإذا كان التأويل إيجابياً أدّى ذلك إلى أثرٍ ايجابيٍّ على الشخص وإذا كان التأويل سلبياً تخويفياً أدّى إلى تثبيطه وإحباطه، ولذا يكون الحديث صريحاً في ضرورة أن يكون من يفسِّر الرؤيا عالماً (أي ملمّاً بالضوابط التي وضعها عليه الصلاة والسلام وليس عالماً بالأحلام مثلاً!!)

أمورٌ أخرى يجب توضحيها، أولها مشاهدة النبي عليه الصلاة والسلام في المنام، فقد ورد في الصحيح أن الشيطان لا يتمثل به، دون أن يبنى على ذلك أيُّ حكم شرعي يتعلَّق بما قد يقال في المنام، فالحديث لم يشر إلى أن ذلك يعني أن ما سيقوله في المنام سيكون منسوباً له، الحديث كان عن الشكل والهيئة فقط..

ثانيها إن سورة يوسف، وتأويله عليه السلام لرؤيا الملك التي أدت إلى تغيير السياسة الاقتصادية للبلاد، لا تعني قطّ أنه يمكن الركون إلى المنامات وتأويلاتها في تغيير الاستراتيجيات… القصة بأكملها تتعلق حصرياً بنبيٍّ كريمٍ وبقصةٍ تمكُّنه وتمكينه في الأرض، وهذا يظلُّ خاصاً به وبسيرته فقط.(والأمر ذاته يتعلق برؤيا إبراهيم وذبح ابنه).

ثالثها إن صلاح أيِّ رجلٍ وتقواه لا يمنحه بالضرورة الصواب في تأويل المنامات كما أن ذلك لا يمكن أن يعد مثلبة في حقه، فقد ثبت أن أبا بكر أوّل رؤيا لرجل في حضوره عليه الصلاة والسلام وسأل النبي إن كان قد أصاب أو أخطأ فقال له عليه الصلاة والسلام (أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا) وعندما طلب أبو بكر أن يحدّد له فيم أصاب وفيم أخطأ نهاه عليه الصلاة والسلام عن ذلك، لأن الأمر كله غير مهم.. ونحن هنا نتحدث عن أبي بكر الذي هو ثاني اثنين في الغار.. ورغم مكانته فإنه لم يصب تماما في التأويل.. ولم يكن ذلك كبير مشكلة في أيّ شكلٍ من الأشكال..

هذه باختصار الخطوط الرئيسية في التعامل مع المنامات بحسب النصوص الصحيحة.. تعاملٌ في منتهى العقلانية مع ظاهرة لا يمكن إخضاعها للعقل تماماً.. تعامل عقلانيّ بالمعنى القرآنيّ الإسلاميّ وليس بالمعنى الغربي الوضعي: أي يركِّز على الجانب الإيجابي ويستثمر فيه لما فيه مصلحة الإنسان، ويحاول أن يدفع ما هو سلبيّ ومثبّط.. ويبقى رغم ذلك كله ضمن هامش ضيّق لا يتجاوز حدوده ولا يطغى على مساحة اليقظة الأكثر أهمية والأكثر استحقاقا للتحليل والتفسير..

 كان هذا هو ما أسسه الإسلام بنصوصه الصحيحة بخصوص المنامات، لكن تقاطعات السياسة والعقيدة في تاريخنا الإسلامي أفرزت ثقافة لا عقلانية –لا عقلانية بالمقارنة مع  ما أسسه الإسلام ابتداء-.. واستطاعت هذه الثقافة أن تتراكم وتبرز بالتدريج مع البعد عن منابع الإسلام الأصيل، وبروز النصوص الضعيفة والهرم التدريجي الذي أصاب الأمة.. وانتهى الأمر بالمنامات في موروثنا وهي تحتلّ مساحة أكبر بكثير من الهامش الذي وضع لها أساساً بل وهي تناقض الضوابط التي حددها عليه الصلاة والسلام..

 تعج كتب الرقائق والزهد وحتى العقائد بمنامات لرجال صالحين ظهروا في المنام  لرجال صالحين آخرين بعد موتهم ليخبروا بأخبار تتعلق بصلاحهم أو تعلن تأييدهم لعقيدة معينة أو حتى فتوى معينة.. لقد وصل الأمر بأحد كبار علماء المسلمين في القرن التاسع الهجري إلى أن يصحّح حديثاً موضوعاً بحجة أنه عليه أفضل الصلاة والسلام ظهر لأحدهم في المنام وأكّد أنه قاله!!.. كما أن أحد أكثر الكتب رواجاً في التاريخ الإسلامي والذي يفترض أنه يحيي علوم الدين -!!- كان مليئاً بمنامات الصالحين حتى إنها صارت فيه من موارد الشرع والاستدلال..، علماً أن رجلاً صالحاً آخر قد رأى في المنام أنه عليه الصلاة والسلام قد باهى موسى وعيسى عليهما السلام بواضع هذا الكتاب تحديدا.. وهكذا!!..

قد يستغرب البعض من حجم التناقض بين ما أرساه الإسلام وبين ما ورثناه من مفاهيم متراكمة تنسب نفسها إلى الإسلام.. لكن لا غرابة في الحقيقة.. فالأمثلة السابقة أفرزت في ظروف انهيار الحضارة الإسلامية وولوجها في عصور انحطاطها ( تدوين الموسوعات في هذه الفترة لن يغير ذلك!)… وهل من شيء أنسب لعصر الانحطاط غير عقلية المنامات والإكثار منها.. أليس النوم وسيلة للهروب من واقع صعب؟ أليس الإبحار في المنامات والرؤى أسهل طريقة للتخلص من واقع يجب تغييره.. هل نستغرب اليوم استمرارنا في ذكر المنامات واهتمامنا البالغ بتأويلها.. (يوجد قناة فضائية عربية مختصة بتفسير الأحلام، أكرر.. مختصة بتفسير الأحلام أي أن كل برامجها تدور حول هذا، عدا البرامج الخاصة في الفضائيات الأخرى وهناك أيضا خدمة هاتفية لتفسير الأحلام، وطبعا كتب تفسير الأحلام تبقى أكثر رواجاً من أي كتاب يحاول تحليل وتفسير الواقع….).. أليس هذا كله منطقياً تماماً مع واقعنا المتردي.. أليس هناك ربط حتميّ بين ثقافة كهذه وبين هذا الواقع…؟

أدرك جيداً حساسية الخوض في كل هذا.. لكني رأيت فيما لا يراه النائم أن كلّ حديث عن نهضة لن يكون سوى عبث إن لم نجتثّ موانع النهوض والمثبطات التي ألصقت ظلماً بديننا عبر عصور الانحطاط.. كلّ محاولة لزرع بذور النهضة لن تجدي ما لم نستأصل الأعشاب الضارّة التي تعجّ بها أرض أفكارنا…

رأيت أيضا فيما لا يراه النائم جبهتين لا مفرّ من أن تفتحا في آنٍ واحدٍ: جبهة ضد كلّ من يحاول المساس عمداً بثوابت الدين سواء عبر عمل إعلاميّ أو عبر أدعياء التجديد أو..أو.. وجبهة أخرى لا مفرّ من فتحها لتنقية وتكرير موروثنا مما يناقض نصوص ديننا الثابتة والصحيحة..

أدرك قطعا خطورة الجبهتين.. وخطورة المشي على حقل ألغام تاريخيّ تمتدُّ جذوره بعيدا في العقل الجمعيّ.. لكني رأيت فيما لا يراه النائم أن الأمر يستحق!..

في الحقيقة لقد رأيت فيما لا يراه النائم أنه لا خيار غير هذا…

 

 

المجتمع العراقي: حياة عشناها ونعيشها ..وسنعيشها..بقلم شيماء الصراف

  المجتمع العراقي : حياة عشناها ونعيشها وسنعيشها *

 

 

شيماء الصراف 

 

تحتفظ الذاكرة بصور، بمواقف نسترجعها، نسستحضرها في مناسبات أو تنتصب أمامنا عفويا دون جهد منّا . لِمَ هذه من بين العشرات إن لم يكن المئات ؟ لِمَ استقرت في الرأس؟ بما ارتبطت؟ أسئلة بعضها يظل بدون جواب لعدم القدرة عليه.

لمن اكتب هذه المقالة ؟ له.. لأبي الذي رحل ولم يرحل قط، لنا معا نحن الاثنين:أنا وهو؟  لثلاثتنا بإضافة شاهد حي.. المجتمع العراقي بأكمله؟ إنها لثلاثتنا والثالث هو المقدّم .

هذا الحشد من المواقف في ذاكرتي سببها أبي؛ الجزء الأكبر في حياته قسمان : عمل لدى الدولة في السلك القضائي، ثم تقاعد ومارس المحاماة هذا النشاط المهني الحبيب إلى قلبه.  هناك نشاط ذاتي شخصي لديه : الأدب ، إنه الأديب الكاتب .

الذكريات الإنسانيّة الثريّة هذه أدين له بها، رجل قانون وأدب، حر الضمير، ذو مروءة  لا يعرف في تعامله غير الإنسان، لا عرق ولا لون ولا دين ولا مذهب وهذا يفسّر كل علاقاته وتعامله مع الناس بمطلق الكلمة. أدين له بمفاهيم ومنطلقات نظرتي إلى الغير ومن ثمّ تعاملي معه.

سأتحدّث عن أمور عشتها معه وعايشتها بقربه.

المودّة، لغويّاَ، أعلى مراتب الحب، حتى قيل ” المودّة نسب” ، هذه الكلمة مفتاح علاقة الصرّاف  بمير بصري، إنه عالم الإقتصاد، الأديب الشاعر رئيس الطائفة اليهوديّة في العراق . إنه دائم التعبير عن مودّته لأبي فهو الذي كتب قصيدة شعرية احتفاءً بمولد شَمول أختي وهو الذي رثى جدّتي لأُمّي بأجمل الرثاء بعد موتها ، باعتبارها آخر الأحفاد المباشرين لأبي الثناء الألوسي صاحب  تفسير ” روح المعاني”.

حين غادر مير بصري وعائلته العراق بعد السماح له بالسفر ( عام 1974) لم يخبر أحداً عن قراره بعدم الرجوع، ذهب إلى مكتبة المثنّى حيث يجتمع بعضاَ من أُدباء بغداد نهاية كل صباح ليرى أصدقائه فقد لا يراهم قط بعد هذا [1]. احتضن أبي بشدّة ، قال له : ماذا ترغب ان أجلب لك عند رجوعي؟ طال الحال، وكأنه يحتضن العراق المفارق له ويشمّ رائحته .رجع أبي يومها ظهراً سمعته يقص على أمّي باستغراب، عدويّة (اسم أمّي) شنو قصته مير بصري ، هوّ فقط رايح مكان قريب وراجع بعد  أيام، لِمَ دمعت عيناه وهو يحتضنني بهذه القوّة وحتى يرفض أن يخلّي عني.

لم يلتقيا بعدها قط ، استقرّ مير بصري في لندن وهناك عاش منصرفاً إلى التأليف ، وحين كتب عن أدباء العراق كتب أجمل الكلام في ترجمة صديقه الصراف، مات متجاوزاً التسعين من العمر. كنت اتصل به من باريس(حيث أقيم) بين الحين والحين وخصوصاً في الأعياد، ترد زوجته، أقول :خالة آني شيماء، ثم أسألها عن أحوالها وصحّتها وبعدها أقول أحجي ويّه عمّي، أسمعها: مِيرغ (مير) قوم احكي مع شيماء، يأتي، اللهفة والسؤال عن الأحوال ، التمنيّات والأمنيات.

كان أهم مايميِّز علاقة أبي بطبيبه كرجي ربيع هو هذه الثقة التي لا يحتويها أي أطار وشكل، إنها بلا حدود على الإطلاق، مايقوله كرجي ربيع هو القانون الفصل ولا نقاش به أو بعده . المودّة هنا هي المحسوسة، كنت مع أبي مرّة في عيادة الطبيب لم يكن أبي مريضاً أو يشكو من شيئ لا أتذكّر لماذا ذهبنا ربما فقط لرغبة أبي رؤية أحد أصحابه، أتذكّر فقط محادثة تشع بالصداقة والأُلفة: سأله أبي عن الشاي خصائصه كان الطبيب مسروراً لوجود أبي أمامه مستنفَر الحواس منتبهاً، أتذكّر أنّ كرجي ربيع قال لأبي في معرض التدليل على قوة الشاي وفاعليّته: يعني من يطبخون باجة ( رأس الخروف) يحطّون شويّة شاي بقطعة قماش مَلمَل ويدندلوها بالقدر حتى الباجة تنطبخ زين… .

السرور ذاته على وجه آخر ، وجه عزرا قحطان له محل قماش وخياطة واعتاد أبي الذهاب عنده، كنت معه ذات مرّة، تهلّل وجه عزرا قحطان عند رؤيتنا قال لمساعديه هذا حامد بك أجه، أعرب أبي عن رغبته في قاط (بدلة) ، ازداد حبور الرجل ستكون فرصة لمداعبة أبي في أنّ الأزياء تتبدّل لوناً وشكلاً والأمر لا يعنيه فهو يتخيّر من نفس ألوانه المفضّلة والتفصيل والشكل هو نفسه.

كانت ملكيّة سينما الرشيد (في شارع الرشيد) ليهود ولا أعرف إن كان المالك شخصاً واحداً أو أكثر، الذي أعرفه أن أصحاب السينما من المثقّفين الأدباء كان أبي يسر بمجالستهم وصحبتهم، فالمكتب الذي يقع ضمن البناية ككل ويفصل بينه وبين بناية السنيما حصراَ حوش (باحة) ليس بالواسع،هذا المكتب يمثّل نادياً صغيراً للأدب والشعر والتاريخ واللغة ، يصحبنا أبي صغاراً ،أنا أكبر الأبناء وآخر أصغر مني ، يجلسنا في “لوج” وينزل هو لمجالسة أصحابه، وشاهدت أعظم أفلام الطفولة : الكاوبوي (العصابة كما نسمّيها) ، طرزان، فلاش كوردن….

من ذكرتهم هنا صمدوا ولم يتركوا وطنهم، قاوموا مسرحية التهريج المؤلمة التي حدثت في بداية الأربعينات و” الفرهود” لحمل اليهود على ترك العراق إلى فلسطين المحتلّة .

لا أعرف من مات في وطنه العراق أو من مات في الغربة، الذي أعرفه هو سبب هجرة مير بصري . إنه رجل هادئ صبور يفلسف الأمور ، ولكن لكل أمر حد ودرجة احتمال فقد كفّت السلطة عن معاملته كمواطن ؛ زارنا مرّة مع عائلته زوجته وابنته، كنا جالسين في صالون بيتنا جرى الحديث عن المدرسة قال مير بصري ان ابنته  اكملت الثانويّة بمعدّل فوق السبعين، دار حديث آخر، ثم التفت أبي قائلاً للبنت : عمّو بأي كليّة ستدخلين؟ كانت فترة التقديم للجامعة، لم تردّ إلاّ بهمهمة، قال أبوها إنه ممنوعة من ذلك، لم يفهم أبي قال ان معدّلها ممتاز، حينها شرح مير بصري الأمر، لحظتها وجم أبي ولم تصدر عنه كلمة، بينما ابتسم أبوها ابتسامة خالية من أي تعبير ورفع وجهه وعيناه ينظر إلى الأعلى . وكأنه يريد التأكيد على عدم استغرابه لما يصدر عنهم (السلطة) التفت إلى أبي، قال : إنهم يعلمون جيداً أن لا نشاط لديّ سوى النشاط العلمي، مع ذلك السائق الخاص لسيّارتهم هو من جهاز المخابرات ينقل أخباره ، قال:  هكذا يحس الإنسان بالغربة في وطنه .

في حرب 1967 الأغاني الوطنية والأصوات في الراديو تعلو بما يشبه الصراخ ، تحرير فلسطين، إخراج اليهود منها……كنت يومها عند خالة أديبة أخت جدّتي ، كان وجهها طافح بفرح طفولي وهي تستمع ، قالت : سترجع ( ذَكرَت أسمها ونسيته)، وسنعوّض مامضى من الأيام ، تسترسل وهي ترى مايرتسم على وجهي من أسئلة، إنها  جارتي وصاحبتي، بنت اوادم، خاتون ، وكالسابق ، ستأتي العصريّات قوري الشاي حاضر بالمنقلة، وسنأكل معه الخبز والجبن والنعناع ، ونأخذ بالحديث . تعود لتأكّد : سترجع ،سترجع.

 ولم ترجع قط .

 

***

إن كان الحب، الفخر والإمتنان لسيد البشر النبي والرسول الكريم محمد يملأ قلب أبي بحيث لا أستطيع وصف وجهه إلاّ بأن هناك إشراقة ونور يعمه حين يردّد قول نبينا في منازلة المشركين : أنا النبيّ لا كذب، أنا ابن عبد المطّلب، فإنّ للمسيح عليه السلام في قلب أبي مكانة وحب لا ينافسهم فيها إلاّ ما يحمله لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) .

كان من أشدّ ما يحبّه أبي هو سماع التراتيل الكنسيّة التي تشدو بحب النبي عيسى المسيح إبن الصدّيقة مريم العذراء، لم يذكر لي ولكنه  ربما كان يحضرها في الكنيسة منذ شبابه المبكر، أرادنا نحن أولاده أن نتعلّم حبها، إنها كلمات حب ، طيبة ورحمة والإنصات إليها يشيع الهدوء والسكينة  في النفس، فكان يأخذنا إليها بين الحين والحين : يالله يالله بابا انروح للكنيسة راح تبدي التراتيل، ولا أعرف على أي مذهب كانت . في كل صيف تقريباً كنا نذهب كعائلة إلى لبنان ، صيف منها توجّهنا إلى زحلة مباشرة ، الفندق يقع قرب شلاّلات ماء، كنا صغاراً متعبين من السفر، ولكن الغد كان يوم الأحد، صحونا على صوت أبي مقترناً بهدير الشلاّلات : يالله بابا كعدوا البسوا هدومكم انروح للكنيسة نسمع التراتيل، وذهبنا .

..وأنا أعيش في باريس منذ عقود من الزمن لم أتخلّ عن الذهاب إلى الكنيسة من وقت لآخر، ليس لسماع التراتيل ولكن لدقائق هدوء مقتطَعة من الزمن أمضِّيها أقرأ ماجاء في كتاب الله العزيز بشأن نبيِّه عيسى ، أقرأ كلام ابن الصدّيقة مريم :” إنّي عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيّاً، وجعلني مُباركاً أين ماكنتُ وأوصاني بالصلاة والزكاة مادمت حيّاً ،وبَرَاً بوالدتي ولم يجعلني جبّاراً شقيّاً، والسلام عليَّ يوم وُلدتُ ويوم أموت ويوم أُبعث حيّاً” (سورة مريم . الآيات من 29 إلى 33) .

في العراق، بغداد وهو أمر عرفته وعايشته كان هناك من الناس من يذهب إلى الكنائس كذهابهم إلى المساجد وخصوصاً تلك التي تضم أضرحة آل البيت في النجف ،كربلاء، سامراء…

… هناك من العوام ـ والعوام مؤشّر لعقليّة لا لطبقة اجتماعيّةـ من يجعل بينه وبين ربه، واسطة وهذا الأمر حرام ومحرّم .

حضرت حادثة تبعث على الإبتسام: كنت في صحن الإمام موسى الكاظم ، كان صيفاً،النساء من مختلف الأعمار يتحلّقن في حلقات ، التعارف قد يكون آنيّاً . الحديث ؟ إنه همومهنّ وابتساماتهنّ..  ومن حين لحين تستدير الأم من النساء لتلقي نظرة على الأبناء ، فهم غالباً ما يأتون برفقتهنّ، الأطفال يلعبون فرحين . كنت قرب إحدى هذه الحلقات ، كنّ خمس نساء ريفيّات من شريحة شعبيّة ( وهذا وصف لهنّ وليس تقييماً) واحدة منهن على ما يبدو كانت محرومة من الإنجاب لسنين عديدة، ثم حملت وولدت بنتاً كما تمنّت ، الأربعة يلمنَها ويُعاتبنها : جا اشلون تسمّينه مريم وما تسمَّينه فاطمة اشلون؟؟(أي كيف تسمينها مريك وليس فاطمة؟) إنها تدافع عن نفسها بقناعة وقوّة : شنهي هاي ؟ اشبيجن؟ طلبته من فاطمة ونذرتله ومانطتنيّاها، رحت للكنيسة طلبته من مريم نطتنيّاها، وسمّيته على اسمها. (أي ما بالكن ؟ طلبته من فاطمة و ام تمنحني إياه! و طلبته من مريم وفعلت!)..تركْتهنّ ومضيت ولم يزل العتب مستمرّاً .

 

***

 

لم يكن لأبي مكتب محاماة؛ كان يستقبل الناس الراغبين في توكيله في دعوى، في البيت . كنت أرى أعيان الصابئة من كبار السن يأتون منزلنا، كان لباسهم عربيّاً تقليديّاً، في العادة لا أعرف من في الصالة، فقط أعرف أنّ من واجبي أن أُنبّه على عمل قهوة لهم، بابا إنسوي كهوة؟ لا بابا الناس صُبّة (صابئة)، ولا يشرح، فأنا لديّ علم أنهم لا يأكلون ولا يشربون في بيت ناس لا يحملون نفس ديانتهم. كان شيخ الطائفة عبد الله بن الشيخ سام يأتي أحياناً لوحده لرؤية أبي، رجل مربوع القامة نحيفها يميل إلى القِصَر، لباسه عربي زبون وعكال، طلق الوجه لطيفه، ذو لحية صغيرة .إنه والد عالمنا الجليل الدكتور عبد الجبار عبد الله عالم الفيزياء الكبير [2]. في يوم صيف شديد الحر جاء لوحده وكالعادة لم يشرب شيئاً، كنت بالقرب منهم، وهو يتهيّأ للخروج قلت لأبي بصوت خافت ألا نطلب له تاكسي ، ردّ : لا لن يقبل، سيرجع مشياً لن يركب باص ولا تاكسي، لا تقلقي، إنه هكذا وبنيته القويّة تحتمل، سكت أنا، معنى ذلك انه سيذهب من الأعظميّة حيث نسكن إلى بيته الذي يطل على النهر في الصالحيّة مشياً على قدميه.

في يوم جاء حوالي العشرة منهم وكان من بينهم شباب بلباس أفنديّة وبدون لحى، سألت أبي عن تقديم القهوة، قال ربّما، وفعلاً الشباب أخذوا أقداح الماء والقهوة وامتنع الشيوخ .

وفي كل الأحوال من غير المستطاع تفرقتهم عن المسلمين؛ فعلاوة على اللَّباس، لحى أو بدونها فإن ملامحهم عربية وأسمائهم عربيّة/إسلاميّة صرفة .

كان لأبي أجمل وأقوى العلاقات بهم، أُناس طيبون مسالمون، دمائهم معجونة بتربة وطنهم العراق منذ قرون سحيقة فهم نتاجه .الصياغة حرفة برعوا بها، والفضّة على الأخص وتزيينها بالميناء بنقش صور وآثار العراق : أسد بابل، الثور المجنّح، النخيل…في كل سوق صاغة هناك الصورة التقليديّة المعتادة: الصابئي الصائغ جالس على قطعة حصيرة أو بساط على الأرض، زبون وعكال ولحية وأدواته بيده وحوله يعمل صامتاً مطرقاً يرفع رأسه عند الحاجة، صورة عراقي منذ عهود بعيدة [3]. أبناءهم جيل السبعينات اختلطت بهم في الجامعة وفي العمل لاحقاً بمجالات متعددة، ومهما كانت اختصاصاتهم فقد ظلّت علاقاتهم بفن الصياغة قويّة، ففي العطلة الصيفيّة يرافقون آبائهم إلى محل الصيّاغة لمساعدته والعمل بإشرافه، وهكذا كان حال هشام طبيب الأسنان العراقي الصابئي،وهو مثال لا غير، كنا معاً في المدينة الجامعيّة في باريس كلٌّ من أجل اختصاصه، فهشام لم ينس على مر السنين مهاراته البسيطة ـ مقارنة ًبأبيه ـ في الصياغة والتي اكتسبها منه خلال عطل المدارس الصيفيّة .

اشتهر المحل الجديد لأبي نادية الصائغ ( نسيت اسمه، وهو معروف بإسم ابنته) ، إنه افندي المظهر، لا يعمل  وإنما يبيع فقط، ومحلّه منظّم بطريقة حديثة ويقع في وسط بغداد . كان يهرع لرؤية أبي حال وقوع مشكلة له، أبي لم يكن يأخذ أتعاباً في المقابل، فالأمر لا يخرج عن إطار تمرين مسلّي له . جاءه مرّة ،قال إنّ إمرأة من بين عملائه رغبت في قلادة ذهبيّة قالت ستلبسها أيّاماً ثم إنْ اقتنعت ستشتريها وذلك بسبب سعرها العالي، اتّصل بها أبو نادية بعد أيام فأنكرت أخذها لها، أنّبه أبي لعدم أخذ وصل باستلامها، قال لم يستطع فهي تشتري منه منذ سنين كثيرة وهناك ثقة. طلب أبي وصف دقيق جداً للقلادة، في المحكمة أمام القاضي يوم المرافعة واصلت المرأة انكارها، لم تأخذ قلادة اطلاقاً بل ولم تر شيئاً كهذا في محل الصائغ. في لحظة ما استدار أبي وقال لها ان الضرر الحاصل كبير فالقلادة غالية جداً بسبب كمية الذهب فالقلوب المتدلّية منها كبيرة الحجم تفصلها عن بعضها قلوب صغيرة، ثم استرسل في الوصف، كان حماساً مفتعلاً ولكن المرأة صدّقته فقاطعته محتجّة بغضب: ليست قلوب وإنما كرات متوسطة الحجم، سكت أبي ونظر إلى القاضي الذي ابتسم وانتهت القضيّة.

 

***

يُقال عن أبي انه ” حنفي المذهب علوي الهوى بلا غلو و لا تطرف”، وهو كان كذلك شأنه شأن الكثيرين ، إنما هي هذه الزيادة ” الشافعيّة” في حبهم . موقع أبي كأديب، قدراته كخطيب، ذاكرته ومن ثمّ حفظه للتاريخ هي التي جعلته يخطب في أيام  عاشوراء في الكاظميّة على الملأ في مجلس الشيخ الخالصي لا غير .

إنها سنين خير وعطاء وبركة.

كان العلماء والفقهاء سنيّهم وشيعيّهم، عربيّهم ،كرديّهم وتركمانيّهم ….على علاقة علميّة وشخصيّة طيّبة ببعضهم البعض. كان الشيخ فؤاد الألوسي[4] يُدرِّس في  جامع مرجان، يحضر دروسه الشيعة والسنّة على حد سواء. حين خانه قلبه مال وسقط في حجر أقرب طالبي علمه من الجالسين ، إنه حجي جواد الجوهرجي الشيعي المذهب، كان يحضر عندنا في البيت ، أُمّي تحبه ، تقول مات خالي في حضنه . في جنازته خرج محمد مهدي الخالصي وكان كفيف البصر، لتوديعه وقد أصرّ على ذلك بالرغم من حالته الصحيّة المُتعبة، المودّة تجمعهم ووحدة الهدف .مات الخالصي في الشهر الأخير من عام 1963 ،بعد شهور من وفاة الآلوسي الذي توفي في العام نفسه .

ينبذ العراقيون المغالاة في الدين، ينبذون الروافض والنواصب؛ إسمان يطلقان على المغالين من الشيعة والسنة في كرهههم للصحابة (الخلفاء الراشدون) أو الإقبال عليهم . الإمام الشافعي محمد بن إدريس الهاشمي القرشي (ت 204 هـ  ـ 820 م) يدعو هؤلاء بـ ” ذوي الجهل”، فهذه المغالاة موجودة منذ القرن الأول للإسلام .يقول الإمام الشاعر :

إذا  نحن  فضّلنا  عليّاً  فإنّنا          روافض بالتفضيل عند ذوي الجهلِ

وفضل أبي بكر إذا ما  ذكرته         رُميت بنصب عند  ذكري  للفضل

فلا زلت ذا رفض ونصب كلاهما   بحبيهما  حتى  أوسد  في  الرمل

وهو يقول معبّراً عن حبّه لأهل بيت نبينا الكريم :

يا آل  بيت رسول الله  حبكم    فرض من الله في القرآن أنزله

يكفيكم من عظيم الفخر إنكم   من لم يصلِّ عليكم لا صلاة  له 

 

الصْلبة أيضاً

 

في إحدى أيّام الجُمع ، بداية أعوام الستّينات، كنت برفقة أبي في سوق الكاظميّة الرّئيسي المسقوف؛ دكاكين لكافّة أنواع البضائع على الإطلاق للرجال والنساء ، كان هناك من الباعة من يفترش الأرض يعرض عليها بضاعته، ومن بينهم الرجال الذين يأتون من بلدان أخرى لزيارة أضرحة آل البيت، كانوا يجلبون معهم أحجار كريمة مثل العقيق ،الكهرب ، بايزهر… يبيعونها للمتاجرة لغرض الربح فتكون السّفرة مُربحة ومن ثمَّ مريحة. كان جزء من برنامج يوم الجمعة في الكاظميّة إن قرّر أبي، هو الذهاب إلى السوق للتفرّج على الأحجار وربما الشراء أيضاً . كنت أتفرّج كالعادة، على كل شيئ، جلب نظري رجل جالس على الأرض أمامه قطعة قماش كأنها بساط مربّع الشكل وضع عليه بضاعته للبيع، لم تكن البضاعة تتميّز بشيئ؛ معظمها باقات صغيرة لأعشاب تمّ تنشيفها،البائع هو الذي استحوذ على انتباهي : رجل أشقر الشعر طويله يصل إلى حد كتفيه، بشرته بيضاء اللون، عيناه زرقاوان، نحيفاً طويل القامة كما يبدو من هيئته، كان هادئاً صامتاً، يلبس زي العرب من البدو دشداشة يميل لونها إلى البياض يعلوه نوع من ” السترة” بدون أكمام ولا أزرار، كانت عيني قد علقت معصم يده من الداخل، كان هناك وشم للصليب، قلت لأبي : بابه انظر الرجل: شكله ووشم الصليب، من هو؟ ردّ أبي : بابه هذولة الصْلـُبـَة، بقايا الحروب الصليبيّة ، بقوا في المنطقة ولم يغادروها إلى أوربا، يعيشون في صحراء العراق، بدواً، لا يعرفون من الدين شيئاً وما ترينه من وشم الصليب تقليد توارثوه . يمارسون الطب الشعبي وما ترينه أمامه هي أعشاب أدوية سيبيعها بعضها أو كلّها ويرجع إلى موطنه الصحراء.

 

الإستطراد : سبع هذا الولد سبع

ونحن، أبي وأنا، أمام الصْلـُبي تعالت أصوات ، التفتُّ شباب يمشون بسرعة تقرب إلى الركض باتّجاه مخرج السوق الذي يؤدّي إلى مسجد موسى الكاظم ، وهم ينادون الله أكبر ويؤشِّرون بأيديهم طالبين من الناس التنحّي للموكب المار، الناس اصطفّوا عفويّاً على جانبي الطريق وهم يعرفون الأمر ومعتاديه . رأيت شابّاً في العشرينات من عمره يلبس اللباس التقليدي من جبّة سوداء وعمامة، كان يمشي بخطى قويّة واثقة مرفوع الرأس، يرافقه رجال يمشون ورائه وبجنبه، لاحظ أبي التساؤل على وجهي، قال لي : بابه هذا مهدي الخالصي، إنه يذهب للصلاة. أردف أبي بإعجاب وفخر: سبع هذا الولد سبع [5].

لم يكن الخالصي الوحيد الذي وصفه أبي بذلك ، هناك أثنان آخران وإمرأة شابّة، إنهم يختلفون تماماً في الميول والإتِّجاهات الفكريّة، ولكن فكر الشخص ومعتقده يحتل حيّزاً محدوداً تماماً  في التقييم ، الثبات على المبدأ الذي هو أداة بناء للمجتمع ، احترام الآخر وعدم إلغائه، انعدام المناداة بـ ” الأنا”، انعدام النفاق أمور يرجع إليها أبي في تقييم الشخص، لذا فوصفه للشخص بالسبع أو المرأة بالسبعة غاية في الندرة .

المرأة السّبْعة : كانت شابّة في العشرينات من عمرها، صابئيّة الدين، شيوعيّة الفكر، قُبض عليها وسُجنت ـ وهذا أيضاً في أعوام الستّينات التي أعقبت انقلاب 1963 في بغدادـ هرع أبوها لرؤية أبي، إنه يتوسل: انريد البراءة على يدّك، ابّختك، هذي بنيّة صغيرة قشمروه (خدعوها)، ذهب أبي بصفته محامي، لرؤيتها كانت مهمّته أن يتكلّم معها، فلكي يستطيع إخراجها عليها أن تكتب براءة من معتقدها والحزب الشيوعي، وهو أمر مقرّر من الدولة، البنت نحيفة شاحبة اللون تجلس أمامه. بتصميم هادئ شجاع، قالت أنها تعرف الأمر ولن تكتب براءة، تحاور معها أبي شرح لها وضع عائلتها قلقهم وخشيتهم، البنت ظلّت على هدوئها لم يبدُ عليها أي ملامح أسف، أسى تراجع… يعيد أبي الشرح والكلام والجواب نفسه . تعددت مقابلات عائلتها لأبي وتعدّدت محاولاته معها والحال نفسه رفض هادئ حازم ، شهدت محادثة لأبيها مع أبي ربما كانت الأخيرة : انفجر أبي غاضباً لتوسّل الأب ، غضب أبي للبنت لا عليها ، غضب لعجزه عن فعل شيء لهذه الشابة التي يحمل لها تعاطفاً يتجاوز به حدود مهنته كمحامي . إنه يثمّن هذا الموقف لها : رفضها كتابة ورقة بخطّها تتبرّأ به من الفكر الذي تؤمن به مقابل إطلاق سراحها، بعدها قال أبي بفخر خفي : بابه هذي بنت سبعة سبعة  .

 

***

يمرض أبي ويلازم السرير، ثم يشفى ويدخل في مرحلة النقاهة وأصبح باستطاعته استقبال الناس، ولأجل ذلك وضعنا له سريراً في غرفة الضيوف .فكأنّما العراق بأديانه وأعراقه يروح ويغدو عليه زائراً متفقّداً.كان هناك من يستقبل الزوّار يُجلسهم، وهناك من يهيّأ الشاي والقهوة والمرطّبات لهم، كنت أنظر من الشبّاك الكبير للصالون والمطل على البوّابة الحديديّة التي يدخل منها الزوّار، أزياءهم تدل عليهم؛ عباءات، جبب (جمع جُبّة) وعمائم سوداء إنهم وجهاء علماء رجال الفقه من الشيعة، جبب وعمائم بيضاء أو تميل للّون الأسمر، إنهم رجال فقه وعلماء من السنّة  ، أميِّز شيوخ الصابئة بملابسهم العربية التقليديّة، يأتي دور رجال الدين النصارى بملابسهم الدينيّة التقليديّة ذات اللون الورديّ الغامق المائل إلى اللون القرمزي، هناك الأفنديّة خليط من الأُدباء، المحامين، الأطبّاء…. إنهم من جميع الأديان والملل والمذاهب على الإطلاق، لا انتماء عقيدة ولا عرق ولون يعزل بعضهم عن بعض. هناك جامع لهم إنه الانتماء  المخلص لوطنهم العراق، إنهم عراقيّون .

مرض آخر لأبي ألزمه السرير ، ثم تحسنت حالته بحيث أصبح بمقدوره استقبال عائديه .أثنان منهم على الأخص أتذكّرهم تماماً لمجالستي إيّاهم ولأني أراهم كلّ يوم بقربه صباحاً أو مساءً، الدكتور مصطفى جواد عالم العراق في التاريخ واللّغة والأدب، خليل الله خليلي الشاعر الأديب الأفغاني كان سفير بلاده في العراق وكان يسكن بقربنا فهو جار لنا . ورأيت من الألفة والمودّة شيئاً هائلاً من الجمال؛ كان الزائران يختاران من الحديث أجمله ، وينجح مسعاهم حين يرون الإهتمام مقروناً بالسرور على وجه أبي، وكان مصطفى جواد لا يغادر المنزل حين رؤية أبي نائم ، يجلس مع أمّي في صالون البيت ويتحادثان منتظراً استيقاظه. في هذه المرّة تعرّفت على الشيخ هاشم الخطيب، رأيته للمرّة الأولى سمع بمرض أبي  فجاء يعوده، علاقتهم ترجع إلى عقود من الزمن في سنين العشرينات حين كان أبي مدير مدرسة في كربلاء والخطيب مدرّساً فيها، إنه رجل وضيئ الوجه في زي رجال الدين السنّة.          لا حالة لقاء بعد غربة في رؤيته لأبي بل كأنه قد رآه بالآمس وإنما شوق كبير وفرح طاغ على وجوه الأثنين ، الخطيب يذكّر أبي بأهم، بأجمل الأمور التي حصلت منذ حوالي نصف قرن ،عمر علاقتهم، في المدرسة. قصّ حادثة علقت في ذهني ولم أنسها قط ، كان يقطع الجمل بكلمة تتذكر؟ تتذكّر؟ يوجهها إلى أبي وكان أبي يهز رأسه بالإيجاب أخذهما الحماس وكان هناك الفرح والضحكات المتقطعة من اثنيهما .

يحكي الخطيب : كانت هناك مناسبة، احتفال ما استدعى حضور القنصل الإيراني للمدرسة يومها . يقول الخطيب : كان الصلف والتكبّر سمة وجه القنصل وهيئته، ومن حين صعوده إلى المنصّة ليلقي كلمة بحضور الطلاّب المحتشدين والهيئة التدريسيّة أخذ يتحدّث عن الحضارة الفارسيّة التي سبقت الفتح العربي للعراق بتكبّر، بفخر،بتعصّب أخذ منحىً قطعياً وهو يتحدّث عن تأثيرها في تمدين العرب المسلمين القادمين من الجزيرة. ثم يقول الخطيب لأبي: انتبهنا لتقاسيم وتعابير وجهك فقد بدأت تتغيّر وتتلوّن غضباً؛ عيونك تبرق بحدّة وشفتاك تتقلّص، تنفرج….أنهى القنصل كلامه خطبته ، في الحال أخذت مكانه وبأعلى صوتك وبقدراتك على الاستحواذ على انتباه الناس أيّاً كانوا بدأت بالقول مشيراً بيدك للقنصل : لا تصدِّقوا ماقاله، العرب من أذكى أُمم الأرض ، ثم أخذت بالكلام عنهم حتى انتهيت إلى  بعث نبيهم الكريم ليبلّغ رسالة ربه ويكون قدوة للعالمين ، فقلت: هذا الذي تصدّع إيوان كسرى وانطفأت نار المجوس المُوقدة فيه عند ولادته . يقول الخطيب : الكلمات التي كانت تصدر كالشرر من فمك أصبحت وكأنها اللهب وأنت تقول انسانيّة الفُـرْس وحضارتهم الحقيقية بدأت بدخول الإسلام بلادهم واعتناقهم أياه ، ثم بأت تذكر الشواهد على ذلك….. يقول الخطيب: أخذنا نتبادل النظرات فيما بيننا ، نحن أعضاء الهيئة التدريسيّة، نظرات خوف وقلق، فقد توقّعنا إنهاء خدماتك كمدير للمدرسة في الأيام القادمة . لم يحصل شيئ؛ الذي أجرى هذا السيل من الكلمات على لسانك حماك من الأذى .

 

***

لا حارات مخصّصة لمنتسبي عرق أو دين؛ نعم قد تحمل بعض الحارات أو الأزقّة أسماء معيّنة، وهذا يحدث في بغداد العاصمة؛ فحين يقدم الكردي لأول مرّة من شمال العراق لتجارة أو عمل وغيره يبحث عن مكان تنزله عائلة أو أكثر كرديّة وهذا طبيعي للغاية إنه الشعور بالغربة للابتعاد عن الموطن ومن ثم البحث عن الإطمئنان ورد الوحشة، وهكذا كان يفعل القادمون من راوة وعانة وغيرها….وقد يرشد بعضهم بعضاً إلى مقاهي يرتادها أهل هذه المدينة أو تلك فيبدأ الشخص بارتيادها لرؤية أبناء بلدته . الحارات تأخذ في الغالب أسماء الصناعات والحرف . ليس هناك من جيتو ghetto لطائفة دينيّة أو عرقيّة .المسلمون سنّة وشيعة، النصارى بمذاهبهم المختلفة، اليهود، العرب، الكرد،التركمان …تتجاور بيوتهم، الجيرة تخلق أجمل الروابط إنها نسب ثاني كما سبق لي القول. الصابئة يختارون الإقامة قرب الأنهار بسبب ديانتهم لا غير [6] .

تحكي لنا أُمّي، تقول كنا نرجع من المدرسة ظهراً إلى بيوتنا ، وكانت هناك جارة يهوديّة تجلس على عتبة دارها يوم السبت حيث لا تستطيع العمل أو إيقاد نار فهي تنتظر مرور شخص ، جار تعرفه للاستعانة به، فمن حين رؤيتها للبنات تقول: أي بدالكن (كلمة ملاطفة) تدخل واحدة منكن لإيقاد النار لكي تستطيع تسخين الطعام ، البنات معتادين على طلبها هذا، تقول أمي فكنا نتسابق من تدخل أولاً الدار لمساعدتها.

في المحلّة هناك هذا الفضول الإجتماعي المعتاد والشرعي تماماً في معرفة ساكنى الدار التي أُعلِنت للإيجار أو البيع، من هو الجار الجديد؟ فيُقال أكراد ، شيعة، سنة، أرمن…سؤال يُطرح بحيادية وبنفس الحياديّة يُرد عليه .وقد لا يكون هناك سؤال ولو أن هذا الأمر نادراً، فتُعرف العائلة من لهجة أفرادها خصوصاً في حالة قدومهم من مدن أخرى واستقرارهم في بغداد، كذلك من ملابسهم أو نوع حليهم وغيرها . وقد تتم معرفة الانتماء المذهبي للجار بسبب أمر ما. أتحدّث عن تجربة شخصيّة مُعاشة ، يرغب أحد أولاد عائلتنا إقامة حفل لنجاحه في المدرسة ، أو عيد ميلاد أو أي مناسبة أخرى ونسهو إنها فترة عاشوراء ، سيكون هناك موسيقى وغناء، حينها كانت أمي تذكّرنا به بحزم لا جدال فيه: لا، عيب، جيراننا شيعة ، يسمعون غناء وموسيقى وهم حزانى يتخبّث خاطرهم، يخلص عاشوراء واعملوا الحفلة.

 

نتاج التقارب والتجاور الاجتماعي روابط وصلات متبادلة ، ولا نتحدّث عن علاقات الصداقة فهي بديهيّة ، إنما نقصد وجود عادات اجتماعيّة واحدة . الشيعة لا يأكلون لحم الأرنب ويقولون بتحريمه ، السنّة لا يأكلونه بالرغم من عدم تحريمه في فتاوى فقهائهم . وهو لايُباع في الأسواق . فإن تحدّث رجال من السنّة بأنهم قد أكلوه فهم سيكملون في أنهم قد اصطادوه بريّاً قرب الصحراء ثم شووه وأكلوه بسبب الجوع أو فضولاً ليعرفوا مذاقه .الشيعة لا يأكلون السمك ” الجرِّي” ، إنه يُباع في الأسواق وهو أرخص أنواع السمك فليس هناك إقبال عليه ، إنما هو طعام الفقراء من السنّة على الأغلب .

 

شموع خضر الياس . شموع زكريا

 

عند العراقيين أعراق وأديان و هناك طقوس، احتفالات تتم  باسم الرجل الصالح العابد خضر الياس .

في تلّعفر التركمانيّة يُحتفل بعيد خضر الياس ، وعلى بعد 4 كيلومترات من المدينة هناك مزار تعلوه قبّة ينسبها الناس إليه وتُزار في آخر شهر شباط من كل سنة ،إنه انتهاء فصل الشتاء وبداية الربيع، يستمر الإحتفال ثلاثة أيام  خميس، جمعة، سبت. تُعمل أنواع الحلاوات، الدبكة للشباب في الغالب…  البعض من الطائفة اليزيديّة يحتفلون به في أول خميس من شهر شباط ، وقد يصوم البعض منهم الثلاثة أيام التي تسبقه الأربعاء، الثلاثاء، الأثنين ،أو يوم واحد . عيد مار بهنام عند النصارى يقابل عيد خضر الياس ويُحتفل به في وقت واحد مع عيد  اليزيديّة هذا، يصوم النصارى ثلاثة أيام  ويسمّون صومهم ب” الباعوثة”. في بغداد هناك محلّة خضر الياس في جانب الكرخ، وتعرَّف بمسجد خضر الياس أو تكية الدراويش ، وتُسمّى بتكية الخضر، تتميّز المحلّة أيضاً بمدرسة شيّدها الشيخ محمد أمين السويدي في 1823 .

في كل بقاع العراق تقريباً يجري الإحتفال بخضر الياس ، من الشمال حتى أقصى الجنوب، فيُحتفل به عند التقاء دجلة والفرات في شط العرب .

لدى جميع من ذكرتهم أعلاه طقوس شعبية متّبعة في أيام العيد يرثها جيل عن الذي سبقه .

أذكر أمراً أُسطّره  لكم  وكنت وقتها قد تعدّيت الطفولة : أخذتنا أمي لنرى الإحتفال بخضر الياس على شاطئ دجلة من جهة الأعظميّة، كان وقت الغروب ، احتشد الناس وأكثرهم من النساء والأطفال، على امتداد الشاطئ، وفي الشاطئ المقابل من جهة الكاظميّة كان هناك حشد مماثل . كانت الكرب قد بدأت في مسيرها، انحدارها على سطح الماء قبل مجيئنا. الكربة (مفرد كرب) هي قطعة خشبيّة من النخلة تُثبّت بها شمعة ثم توقد وتوضع على سطح الماء لتأخذ مكانها قرب عشرات إن لم يكن المئات من الكرب التي تبدأ بالإنحدار مع جريان الماء. شموع النذور لمن تتمنّى أمراً أيّاً كان . وكأن أنوار الشموع سحراً يجعل العيون لا تحيد عنها في غروب انتهى وعتمة مساء بدأت وأخذت تشتد، ولكن هناك سحراً آخر جالباً للنظر ما أن نعرفه حتى نحار من ننظر ، إنه وجوه النساء الحالمة الآملة ، يطفو على بعضها شبه ابتسامة متفائلة أو خيط من حزن يخالطه أمل بالفرج والإنفراج.

لم تتوقّف هذه الإحتفالات قط ولن تتوقّف فهي تعبير عن طبيعة بشرية آمالها وأمانيها.

 

احتفالات خضر الياس عنوان من عناوين التلاحم الإجتماعي للعراقيين، وهو ليس بالوحيد، فهناك شمعة زكريّا، إنه النبي زكريّا أحد أنبياء بني إسرائيل، استجاب الله دعائه في أن يهب له ولداً فحملت إمرأته ووضعت يحيى إنه النبي يحيى الذي عمّد ، لاحقاً، عيسى المسيح في نهر الأردن[7]. احتفال زكريّا يقع في شهر شعبان في أول يوم أحد فيه .وقبلها بأيام تزهو الدكاكين بمناظر جميلة من شموع ضخمة طويلة مزوّقة بالألوان ،تُهّيأ لحاجة الناس في إقامة الاحتفال، إنها الشمعة الرئيسية الأكبر حجماً ستأخذ مكانها في وسط الصينيّة أو إلى جانبها ، هذه الصينيّة التي تحفل بمواعين صغيرة مملوءة بكل مايطيب للنفس أكله من المكسّرات فستق وجوز ولوز، وطاسة بها حنّة معجونة، ولا يُغفل قط ما يسر الأطفال بالخصوص : مواعين الحامض حلو .

” يا زكريّا إنا نُبشرِّك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سَمِيّاً” ، “يا يحيى خُذ الكتاب بقوّة وآتيناه الحكم صبيّاً، وحناناً من لدُنَّا وزكاة وكان تقيّاً، وبرَّاً بوالديه ولم يكن جبّاراً عصيّاً، وسلام عليه يوم وُلِد ويوم يموت ويوم يُبعث حيّاً” ( سورة مريم، الآيات 7،12،13،14،15).

 

***

 

إنهم جميعاً أنبياء الله، رسالتهم واحدة : التبليغ بوحدانيّة الله، وتبليغ رسالته : إقامة العدل ومنع الظلم .رسالة هي الأساس والهدف والجوهر ومن ثم المرجع والمصدر. وهذا تفسير لقول الرسول الكريم “: نحن معشر الأنبياء أولاد علاّت (ضرائر) ديننا واحد. نعم دينهم واحد : التبليغ برب واحد وإرادته في محو الجور، وقد تختلف الشرائع في بعض التفاصيل الصغيرة ولا ضير فالمراد واحد  .

وفي هذا يقول ابن كثير في تفسيره ” من كذّب برسول فقد كذّب بجميع المرسلين” [8] .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

       

 

 


 


[1] ـ وتقع في شارع المتنبّي، صاحبها قاسم الرجب

[2] ـ د.عبد الجبار عبد الله، أول رئيس لجامعة بغداد في العصر الجمهوري 1958 . اعتقلته السلطة عام 1963 بتهمة انتمائه السياسي الماركسي. هاجر إلى امريكا ـ حيث كان قد أتمّ  دراسته ـ عام 1964 وفيها اشتغل في حقل اختصاصه، وفيها تُوفي عام 1969.

[3] ـ وقد تكون دكاكينهم ضمن الأسواق العامة التي تبيع الخضرة واللحم… كما في سوق الكمب في الأعظميّة .

[4] ـ الشيخ فؤاد الألوسي هو حفيد مباشر لإبي الثناء الألوسي صاحب تفسير ” روح المعاني” .

[5] ـ السَّبُع اسم يُطلق على الأسد، النمر، الفهد….يُستعمل في العراق كوصف للشخص الشجاع شجاعة أدبيّة في المقام الأول، شجاعة مرتبطة بمفاهيم الثبات والجرأة الشريفة والإلتزام بالكلمة . والكلمة تؤنّث: السَّبعة هي اللّبـُوءَة . لسان العرب

[6] ـ في ماء النهر الجاري يتم تطهّرهم . مراسيم الزواج تقع في النهر على الجرف منه، ينزل الكاهن إلى الماء أمامه ،في الماء أيضاً ،يقف العريس والعروسة .في العادة يحتفظ الكاهن ببدلة عرس نسائيّة واخرى رجاليّة يلبسها العروسان للقيام بطقوس عقد الزواج ثم يرجعانها إلى الكاهن بعد الإنتهاء .

[7] ـ إنه النبي يوحنّا المعمدان . وهو نبي الصابئة .

*صفحات من كتاب آمل أن يصدر

[8] ـ تفسير ابن كثير ج 4 . ص 170 .سورة الحجر، آية 80

في حوار مع مركز الأصالة:مقبلون على فترة انحسار حقيقي وكبير..

في حوار مع مركز الأصالة للدراسات

 العمري :مقبلون على فترة انحسار حقيقي  وكبير

 

http://www.assala-dz.net/ar/index.php?option=com_content&view=article&id=589:2010-12-13-21-04-26&catid=11:2010-08-15-10-18-09&Itemid=7

 

قام الأستاذ طارق بوحبال من مركز الأصالة للدراسات بالحوار التالي مع الدكتور العمري الذي نشر في الرابط أعلاه…

1-  ماهي طبيعة الأزمة التي تعيشها الأمة الإسلامية بمختلف تياراتها و توجهاتها؟  

 

الأزمة الأساسية التي تعيشها الأمة الإسلامية – في رأيي-هي أنها لا تعيش حقا كأمة.. وجودها –ومنذ قرون!- اقتصر على الوجود البيولوجي دون الوجود الحقيقي الذي تحدده المعايير التي أنشأت هذه الأمة أصلاً.. معايير استخلافها في الأرض وفاعليتها وقيامها بدورها الذي لم يكن للأمة أن تقوم لولا أنه أسند إليها..

 بشكل عام هذه هي الأزمة التي تشترك فيها كل التيارات والتوجهات.. بعض التوجهات تستثمر في ذلك.. بعضها تقاوم ذلك… بعضها لا تلاحظ ذلك.. لكن بشكل عام هذه هي الأزمة الأساسية في رأيي..

على نحو أكثر تفصيلاً.. أعتقد أن الأمة خرجت من دورها لأسباب داخلية تتعلق أولا بتقاطعات تاريخية بين الدين والسياسة، وتجلى  ذلك في فهم خاطئ لنصوص دينية.. فهم كرس التعايش مع الواقع السلبي والصبر عليه ( تحت شعار الرضا بالقضاء والقدر أو طاعة ولي الأمر.. أو أمور أخرى مشابهة).. بالتدريج صارت هناك قيم سلبية لصيقة بالموروث وتبدو كما لو كانت جزءاً أصيلاً منه رغم أنها دخيلة عليه.. لاحقاً تفاعل هذا المرض الداخلي مع عوامل خارجية صارت تُستثمر فيه، و تجد فيه ثغرات يمكن من خلالها اقتناص الأمة وتحقيق المزيد من الاستغلال..

العوامل الخارجية في رأيي لم تكن “عسكرية” فقط.. بل لعل أقلها خطورة كان الجزء العسكري البحت، فهو واضح ويستفزّ كل فطرة أي إنسان طبيعي..

أخطر نوع من العوامل الخارجية هو الذي يتعلق بالفكر.. سواء أكان فكراً واضح التوجه يحاول استبدال قيمنا بالكلية (كما حدث ذلك في النصف الأول من القرن العشرين) أو كان فكراً يحاول أن يضع صبغة إسلامية سطحية لتمرير مفاهيم تمسخ ما في ثوابتنا تماما (كما هو حاصل اليوم).. خطورة هذه العوامل أنها تكرس التبعية والشعور بالنقص وبالتالي تعمل على  تكريس “العوامل الداخلية” بشكل أو بآخر حتى لو نادت بغير ذلك…

البعض يطرح سؤالاً وهو: أيهما أولى في المواجهة؟، وهناك من يروج هنا وهناك بأنه لا جدوى من مواجهة الخطر الخارجي لأن المشكلة هي “فينا”.. وفي رأيي إن مجرد طرح السؤال يعكس رؤية غير واضحة لطبيعة المشكلة..

لديك مريض بمرض عضال وهناك من يحاول قتله بالرصاص.. ليس من المنطقي أبدا أن تتركه يتعرض للفتك بالرصاص بحجة أن الأخطر هو المرض العضال.. الخطران قائمان وليس من المنطقي تجاهل أيٍّ منهما.. كما أنه ليس من المنطقي المساواة في طبيعة كلٍّ منهما..

 

2-   ما السبب في تباين وجهات نظر المفكرين في ذلك، وكذا هذا التخبط وعدم القدرة إما على التزام خط النهوض أو عدم وضوح الرؤية أصلا؟

السبب الرئيسي في هذا التخبط –كما تسميه- هو في عدم وجود تشخيص للمرض الذي أصاب الأمة.. الكثير من الجهود –الفكرية والعملية – تنصبُّ غالباً على معالجة الأعراض وليس الجذور الأساسية للمرض.. وهذا يجعل الجهود مشتتة وضائعة في كثير من الأحيان.. السرطان قد تصاحبه أعراض حمى، لكن معالجة الحمى بمخفضات لن يكون أكثر من معالجة عابرة مؤقتة للعرض دون المرض ولن تؤخر تقدمه..

لذا فإن كثيراً من الرؤى تركّز على الإصلاح والترميم.. رغم أن الأمر قد لا يحتمل ذلك لأنه قد لا يكون هناك جدوى كبيرة من مجرد الترميم.. إذا كانت الأساسات قد أصابها الوهن فلا بد من إعادة البناء ولن ينفع كثيرا طلاء الواجهة..

الكثير من الطروحات الرائجة تمتاز بحسن نية أصحابها ومروجيها لكنها في الحقيقة ليست أكثر من طلاء للواجهة في بيت آيل للسقوط..

3-  كيف لإنسان الأزمة أن يتحول الى إنسان النهضة، عوامل و شروط التحول؟ أم أن الأمر ليس فيه تحول و إنما هو نشوء من الأصل؟

“إنسان الأزمة” هو المرشّح الأهم لكي يكون” إنسان النهضة”.. بل إني لا أعرف ظروفاً أخرى يمكن للنهضة أن تنشأ فيها وفي خضمها إلا من خلال الأزمة.. الأزمة هي الرحم الحقيقي والشرعي لكل الرؤى النهضوية .. لا أتخيل إنسان النهضة خارجاً من مجتمع التخمة والترف و البطر على الإطلاق.. بل أراه مولوداً من مجتمع الأزمة لكن بفكر يخرج من الأزمة..

4-  نشأت مختلف الحركات الإسلامية تبعا لتحديات الواقع، بعد كل العجز الملاحظ على أدائها رغم ما حققته من مكاسب هل استنفذت مبرارت وجودها؟ وهل من ضرورة لإيجاد صيغ جديدة في الشكل والمضمون لإحداث التغيير؟ كيف تنظرون لهذه القضية؟

اسمح لي أن أعترض على صيغة السؤال التي تفترض ما لا أوافق عليه ثم تطلب مني الدليل عليه..لا يمكن تقييم الحركات الإسلامية بالجملة على هذا النحو و تقرير ملاحظة “العجز على أدائها” هكذا.. الحركات الإسلامية متفاوتة في الأداء لأسباب كثيرة.. أهمها الظروف المحيطة والتي قد تكون أكبر من هذه الحركات ولا يمكن إلقاء اللوم عليها نتيجة ذلك. هذا مبدئيا.. أما كون هذه الحركات الإسلامية تحتاج إلى صيغ جديدة شكلاً ومضموناً فهذا حتمي ولا يحتاج إلى نقاش ولن يكون ردّ فعل للعجز المفترض..

ما أودّ أن أضيفه هنا هو تصوري أننا مقبلون على فترة انحسار حقيقي وكبير نتيجة لتغيرات جوهرية في الوضع الدولي والإقليمي…الظروف التي سمحت للصحوة الإسلامية بالنشوء والتمدد قبل  ثلاثة أو أربعة عقود من الزمان لم تعد موجودة، وحلت محلها ظروفا في منتهى القسوة على كل ما هو إسلامي (مع استثناءات سطحية مظهرية هدفها التعايش مع هذا الوضع و نزع فتيل الشعور بأن الاسلام هو المستهدف).. لن ننكر هنا أن بعض الحركات الإسلامية أسهمت بدأب في الوصول إلى هذه النقطة لكن هذا كان جزءا من مجمل الظروف التي ساهمت  في ذلك.

هذا الانحسار القادم سيكون تحديا كبيرا على الحركات الإسلامية أن تواجهه بمضمون مختلف جذرياً.. لقد تعودت الحركات الإسلامية في العقود المنصرمة المفاخرة بكثرة العدد خلفها واستثمرت أكثر مما يجب في هذا على حساب “النوع” و”المضمون”… الانحسار القادم سيسحب العدد.. وسيعمل على جعل العدد المتبقي مفرغاً من المضمون أكثر فأكثر.. ومن السذاجة تجاهل الحقائق المتعلقة بذلك..

من الأمثلة على ذلك: الحجاب في الجامعات.. لقد ظل ذلك يُعَدّ “رمزا ما ” من قبل الحركات الإسلامية ومن قبل خصومها على حد سواء.. كان الخصوم يثيرون الزوابع حول تمدُّد التيار الإسلامي داخل الجامعات وخطورته وكانت الحركات تفاخر بالعدد وبكون ذلك يدل على كون الجماهير معها (وكان ذلك حقيقة لفترة ما).. مع الوقت ومع حدوث تغيرات إقليمية وظهور معطيات جديدة لم يعد العدد دليلا إلا على العكس.. فقد ظهر نوع جديد من الحجاب ليس سوى غطاء للرأس لا يخفي المفاتن بل يبرزها مع سلوك لا يمت للحشمة بصلة أحيانا.. وصار ذلك يمثل تيارا متعاظما يُبرز تمدُّد تيار اجتماعي جديد هو في حقيقته “رأس حربة ” الانحسار وأوضح مظاهره.. وإستراتيجيته الأساسية هي المحافظة على قشرة رقيقة من الواجبات الشرعية (مثل غطاء الرأس و الشعائر) والعمل على تفريغها من مضمونها وإبداله بمضمون مناقض تماما.. ومن نافلة القول هنا أن التفاخر بالعدد الذي مورس سابقا كان خاطئاً، وكنت أستغرب كثيراً حشر ذلك في نقاشات من نوع “هل الحجاب فريضة؟”. .ماذا لو لم يكن هناك إمرأة واحدة في العالم ترتدي الحجاب، هل سيغير ذلك من النص القرآني المرتبط بذلك؟

حديثي عن الانحسار القادم لا يجب أن يعدّ نشرا لثقافة يأس.. لكني أعتقد أن التفاؤل الساذج قد يكون أخطر على الشباب من الحقيقة المرة لأن التفاؤل السطحي الساذج  يزوّر لهم الواقع ويسلب منهم الحصانة التي تلزمهم للتفاعل مع معطيات الواقع.. الحديث عن انحسار قادم هو حديث عن “سنن تداول” علينا أن ندرك تغيراتها من أجل أن نغير خططنا لها لا لكي نركن إلى اليأس.. عندما تؤمن بأن الفترة القادمة ستكون فترة انحسار فإنك ستكون مستعدا لها بعدة أفضل و تحاول الحفاظ على قيمك وثوابتك.. أما عندما تكون منتشيا بالنصر القادم –بمعزل عن كل سننه وأسبابه غير المتوفرة-فإن الجزر سيطيح بك بسهولة أكثر..

5-  يلاحظ أنه مر زمان لم تكن فرص الاتصال متاحة بالشكل الحالي، غير أن مستويات التدين والالتزام كانت جد مقبولة وهو ما أنتج صحوة إسلامية لا ينكرها إلا جاحد. إلا أنه و بتوفر الوسائل و تضخمها من انترنت وفضائيات ونشر باستعمال مختلف الوسائط  ظهر نوع من فقدان الاهتمام لدى قطاعات من الشباب وحتى الملتزم منه، و كأن بركات الوعظ و الإرشاد افتقدت. ما هي أسباب ذلك؟

ليست “ثورة الاتصالات” هي المتغير الوحيد الذي دخل الواقع كي يمكن تفسير ذلك بناء عليه.. كما إن التيار الإسلامي أو تيار الوعظ و الإرشاد كما أسميته ليس وحده في الساحة، فهناك جبهة” الفساد والإفساد” أيضا و هي صاحبة خبرة متراكمة في مجال الإعلام كما أنها مدعومة من لاعبين كبيرين: اللاعب الأول هو اللاعب الدولي  الذي له مصلحة كبيرة في نشر مفردات الفساد والإفساد، واللاعب الثاني هو العامل الغرائزي الذي يلعب عليه هذا التيار..

لا شك في وجود تقصير كبير من طرف التيار الإسلامي.. لكن لا يمكنني تخيل وجود حل لهذا التقصير بمعزل عن حلول شاملة وجذرية لكل الأزمات الفكرية التي نعيشها..البعض يعتقد إن إنشاء المزيد من المواقع –بحلة بهية!- و إطلاق المزيد من القنوات الفضائية هو الحل.. شخصيا لا أعتقد أن هذا سيقربنا خطوة واحدة من ذلك فالقنوات الدينية الرئيسية –وهي ثلاث أو أربع لا أكثر- تسد مسد عشرين قناة ما دام المضمون واحدا..

المسألة تتعلق بالمادة المقدمة نفسها والتي أرى أنها  في أغلبها  معالجة للأعراض لا الأمراض كما أسلفت في الأجوبة السابقة.. إذا كانت حبة الدواء غير مجدية فلن يفرق كثيرا لونها الزاهي البراق أو اسم الشركة المنتجة وحجم الدعاية المصاحبة لها.. إنها ببساطة لا تجدي.. وأرجو ألا يُفهم ذلك على أنه تقليل من جهود الدعاة العاملين في بعض هذه القنوات والمواقع.. لكن مودتنا لهم وتقديرنا لجهودهم يجب أن لا تمنعنا من التقييم والنقد.. فكوننا في تيار واحد (شئنا أم أبينا!) يجب أن يجعل نقدنا “ذاتيا”.. أي بمثابة نقد شخص لذاته..

بكل الأحوال: الغلبة الإعلامية حاليا هي لتيار التفاهة، وهو واقع عالمي ولا يختص به الإعلام العربي فقط ، فالمؤسسات الإعلامية الكبرى في العالم تعامل الإعلام بوصفه جزءا من “صناعة التسلية”، وهو أمر له خصوصية أخرى في عالمنا العربي إن هذا التيار متماهٍ حاليا مع التيار الليبرالي لأسباب لا تخفى…

 

6-  تبعاً للسؤال السابق، هناك توفر بشكل كبير للمعلومات وهو ما أنتج مشكلة في التعامل معها بسبب مشكلات موجودة لدينا سلفا منها سوء التنظيم (كيفيات العمل، استغلال الوقت…) فوقعنا فيما يذكر من أن كثرة المعلومات تقتل المعلومات كيف تنظرون إلى هذه القضية؟

كثرة المعلومات لا تعني المعرفة بالضرورة.. وهي قد تشوش فعلاً في غياب منظومة قيمية ومعرفية واضحة المعالم.. كثرة المعلومات قد تتحول إلى غابة من القش ومتاهة من الدهاليز المتداخلة ما لم تكن هناك بوصلة واضحة تحمي الثوابت و تميز ما هو طارئ وعابر مما هو أصيل وثابت..

ثورة الاتصالات والشابكة العالمية مدت جسورا لا يمكن إنكار أهميتها بين الكتاب وقرائهم.. وسيكون من الجحود نكران تأثير ذلك.. صرنا نتواصل متحدّين خطوط الطول والعرض والحدود السياسية والرقابة الأمنية.. وهو أمر كان في عداد المستحيل قبل عقد واحد من الزمان تقريبا.. لكن ذلك يجب أن لا يجعلنا نتجاهل وجود أعراض جانبية لثورة الاتصالات هذه.. فنحن اليوم لدينا عددٌ أكبر من القراء لكن الكثيرين منهم ينتمون إلى نمط جديد أفرزته هذه الثورة: إنه نمط النصف قارئ أو حتى الربع قارئ.. كما أنها أفرزت كُتابا أيضا من نمط “النصف كاتب” و”الربع كاتب”.. والعلاقة بين الاثنين متبادلة جدا وأحيانا مستنزفة للوقت والجهد.لا بد من تقبُّل هذه الأعراض الجانبية طبعا لكن لا بد أيضا من تحديدها لكي لا تبدو أكبر من حجمها..

 

7-  بخصوص الاحتلال الأمريكي للعراق ما هي قراءاتكم لهذا الحدث؟..

قبل أن أقرأ “حدث” احتلال العراق أود أن أعبر عن تحفظي على تسميتك له بالحدث..

مباراة كرة القدم التي جرت أمس “حدث”.. المؤتمر الصحفي الذي عقد قبل يومين هو حدث.. مؤتمر القمة الذي يعقد دوريا هو “حدث”.. أما احتلال العراق فهو ليس كذلك على الإطلاق.. هذا أولا.

ثانياً، لا أفهم أبداً وجود تعدد قراءات لاحتلال العراق.. هناك قراءة واحدة لا غير، تتمثل في رغبة دولة كبرى في الهيمنة والاستحواذ على مقدرات دولة صغيرة  بغض النظر عن أيّ نتائج كارثية.. أي قراءة أخرى تتجاوز هذا سيحتاج صاحبها إلى ضمير جديد..

8-   ألا ترون أن المسلمين يقعون ضحية للمخططات الأجنبية بسهولة ملفتة للنظر، وهو ما لاحظناه في أفغانستان وغيرها في عمليات استدراج وتصفية حسابات؟ أين الخلل؟

لا أعتقد إن الأمر يمكن اختصاره هكذا “بوقوع المسلمين ضحية للمخططات الأجنبية” أو سهولة استدراجهم.. هناك بالتأكيد مؤامرات.. لكن لا يمكن عزو كل شيء لها… هناك أفعال وردود أفعال.. وهناك حراك اجتماعي ينطلق من “عقل جمعي” و”ثقافة سائدة” وليس من السهل اختزال كل شيء بالاستدراج وتصفية الحسابات..

9-  ما هي مسؤوليات العلماء والمفكرين وأصحاب الرأي في العالم الإسلامي عن انخراط الشباب الإسلامي بسهولة ضمن هذه المخططات والمؤامرات؟ ولماذا لا تتوفر جرأة لدى هؤلاء العلماء وغيرهم لتوضيح الرؤية في الوقت المناسب؟

وهذا سؤال آخر يفترض جواباً ويريدني أن أؤيده!.. لا أعتقد أن الأمر بهذه السهولة.. وفي الوقت نفسه في ذاكرتي أكثر من اسم لمفكرين حاولوا التحذير من مغبات التمادي في ردود الفعل لئلا يستغل ذلك من قبل الأعداء.. لكن تحذيراتهم ذهبت كصرخة في واد..

10-                     فشلت محاولات التغيير باستخدام العنف على امتداد الزمان والمكان في العالم الإسلامي، غير أن هذا الخيار يعاود الظهور في كل مرة، ما هو سبب عدم تخلي الجماعات عن العنف؟

يعتمد الأمر على ما تقصده بمفردتي “التغيير” و”العنف”، فإذا كنت تقصد بالأولى “التغيير الفوقي “- أي تغيير نظام الحكم وقمة السلطة فأنت على خطأ طبعا.. لم ينجح سوى العنف في هذا النوع من التغيير السطحي في العالم العربي، لكنه لم يكن على يد الإسلاميين بل على يد سواهم،.. محاولات الإسلاميين في هذا النوع من التغيير أُحبطت ربما لعدم كفاءتهم “المؤامراتية” أو عدم وجود دعم خارجي لهم أو لأي سبب آخر..

أما إذا كنت تقصد بالتغيير “الثورة الشاملة” التي تعيد بناء المجتمع من قاعدته إلى قمته فهذا لم يحدث لا بالعنف ولا بسواه ولا عبر الحركات الإسلامية ولا عبر سواها.. كما أن إلقاء عبء ذلك على حركة سياسية أمر يعني أننا نبالغ في وظيفة هذه الحركات السياسية..

فيما يخص المفردة الثانية.. ماذا تقصد بالعنف…؟..هل هو الاستخدام المفرط للقوة بمعزل عن أية ضوابط شرعية- والذي تتورط فيه دول كما يتورط فيه بعض الإسلاميين وبعض خصومهم أيضا؟..

أم تقصد بالعنف أي استخدام للسلاح حتى لو كان هذا الاستخدام ضمن حزمة الشروط والضوابط الشرعية.. أي ذلك الاستخدام الذي تقره الفطرة الإنسانية أصلاً..؟ .. أم أن هناك من يتصور أن على التيار الإسلامي تبني غاندي زعيماً ومرشداً عاماً له؟

 في الوقت نفسه أرى تعميماً بالغاً فيما قلته عن عدم تخلي الجماعات عن العنف.. فالكثير من الجماعات الإسلامية تخلت عن العنف أو على الأقل قننته واتبعت وسائل أخرى للوصول إلى التغيير (أحيانا استُخدم العنف ضدها عندما كادت أن تصل للسلطة بغير العنف)..

11-                     ما هي أسباب عدم تمكن المسلمين من إيجاد طريق النهوض أو الالتزام به؟ فهم إما انخرطوا فيما هو موجود أو لجؤوا إلى الحلول العنيفة، لماذا يفتقد المسلمون الصبر والنفس الطويل، رغم أن الأدبيات الإسلامية تعج بالدعوة لعدم التعجل والصبر والبناء على المدى البعيد؟

لا أعتقد أن من انخرط في العنف كان هدفه النهضة في الأساس، فكر النهضة بطبيعته -حتى لو برر اللجوء”المقنن” لاستخدام القوة باعتباره جزءاً من سنن التغيير- فإنه من الصعب بالنسبة لمعتنقيه “الانخراط في العنف”.. اللجوء إلى العنف يتم غالباً من قبل الحركات السياسية من أجل التغيير الفوقي-الانقلابي- أو في خضم ردود الأفعال المتبادلة..

لا أعتقد أن المسلمين يفتقدون الصبر.. في الحقيقة أعتقد أن لديهم الكثير منه و لكن بفهم خاطئ لمفهوم الصبر.. لقد صبروا على واقعهم المر كالعلقم ومنذ قرون.. وكان من الأفضل لو أنهم لم يفعلوا!..

أما بخصوص الأدبيات التي تحث على “البناء على المدى البعيد” فهي أدبيات تحاول غرس قيم إيجابية دون أن تجتث القيم السلبية المتراكمة في الموروث.. قيم من نوع “لا تفكر لها مدبر!!”..

وهذا يرجعنا إلى السؤال الأول..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

       

حوار مع مجلة “غدي” اللبنانية..صانع الأنفاق في حوار عن النهضة والتجديد

صالون غدي

الدكتور أحمد خيري العمري

يسرنا في مجلة غدي الشبابية أن نلتقي بكم في صالون غدي،  لنسلط الضوء على تجربتكم ونفيد شبابنا وقراءنا من خبراتكم، فأهلا ً وسهلا بكم

 

 

1 – لو تحدّثون قراءنا عن نشأتكم الأسرية، وهل كان للأسرة دور في صقل شخصيتكم؟

نشأت في أسرة تنتمي للطبقة الوسطى العراقية، والدي رحمه الله كان قاضيا ومؤرخا وله عدة مؤلفات مهمة في تأريخ العراق الحديث. والدتي كانت ولا تزال مولعة بالثقافة والأدب. جدران البيت كانت مكتبات ضخمة، وبعد أن بدأت الحروب التي مررنا بها في العراق كانت والدتي تتندر أننا قد نموت مثل الجاحظ مدفونين بين الكتب إذا ما تعرض المنزل للقصف..

رغم ذلك، فهذه الظروف ليست هي المسؤولة حتما عن شخصيتي، إذ يحدث كثيرا أن ينشأ أشخاص في بيئة مشابهة، ولكن يتجهون اتجاها مختلفا تماما..أعتقد أن الأسرة هي عامل واحد من عوامل متعددة تلعب دورها في تكوين شخصية الإنسان، ومن ضمن ذلك مكونات فطرية نولد بها لكن تفاعل البيئة معها هو ما يوجهها نحو هذه الجهة أو تلك.

2 – يولد الكاتب في ظروف تختلف باختلاف الزمان والمكان، متى برزت لديكم موهبة الكتابة، وهل ساهمت الظروف الأليمة التي حلّت بالعراق في تنمية هذه التجربة؟

 الكتابة برزت مبكرا في الصف الثاني الابتدائي ووجدت دعما وتشجيعا من والدتي أمد الله في عمرها ولولا ذلك التشجيع المبكر لربما اتخذت الأمور منحى آخر.

 الظروف التي مرت بها العراق أسهمت حتما في كل إبداع عراقي في شتى المجالات،.. المبدع  هو مثل المرآة التي تعكس ما يدور في مجتمعه ووطنه.. كل ما نمر به يؤثر بنا سلبا أو إيجابا.. فكيف بمحنة بحجم الهم العراقي؟؟..

3 – اتجهتم في الدراسة الجامعية إلى التخصص العلمي، وتحديداً الطب، فيما برزت مؤلفاتكم في الفكر والأدب، كيف جمعتم هذه الجوانب في قلم واحد؟ وكيف انعكس هذا الدمج على حياتكم العلمية والعملية، ثم أين يُصنّف / يرى الدكتور أحمد العمري نفسه بين هذه الجوانب الثلاث (الطب/العلم، الأدب، الفكر)؟..

في الحقيقة لم أر يوما أي تعارض أو تناقض بين الأمرين.. ربما يمكن للتناقض أن يبدو جلياً لأي مراقب خارجي، لكن عندما تكون في خضم الأمر فالموضوع مختلف جداً.. كان اختيار طب الأسنان شبه حتمي بالنسبة لبيئتي ومحيطي، ولكني لم أشعر يوما أنه يتعارض مع ميولي الفكرية، على العكس أشعر أنه خدمها كثيرا ولو بطريقة غير مباشرة، ليس فقط عبر الحصول السريع على احترام الناس (وهو ما لا يمكنني إنكاره) ولكن أيضا عبر وضعي في المحك مع الناس العاديين، الذين هم التغيير ووسيلته في آن واحد..

الكثير من التخصصات الأكاديمية تكون بعيدة عن هموم الناس وتطلعاتهم وقد  تصب المفكر في قالب من البرج العاجي الذي ينتج لغة متعالية أو فكرا مبالغا في الاغتراب..”الطب” لا يسمح  بهذا…إنه يضعك في موقع قريب من الناس ويحتم عليك الحديث بلغة مفهومة..والظهور كذلك بمظهر يفرض الاحترام.. وكل هذه أسهمت حتما ايجابيا في نتاجي “القلمي”..

4 – (أحمد خيري العمري «صانع الأنفاق»)، كتاب صدر عن دار الفكر – دمشق في سياق تكريمها لكم عن شخصية العام 2010، ماذا يعني هذا التكريم بالنسبة لكم، وماذا عن اسم الكتاب ومضمونه؟

التكريم كان حلقة أخرى من مسلسل الدعم الذي وفره لي الأستاذ عدنان سالم مدير دار الفكر. وهو يعني مسؤولية إضافية علي أن أكون عند مستواها .

العنوان مأخوذ من مقالة الدكتور محمد عباس التي ضمنها الكتاب.. والدكتور يحملني مسؤولية أخرى لا تقل عن مسؤولية التكريم. “صانع الأنفاق” هي عبارته الجميلة التي أعتز بها والتي يصف بها أسلوبي في الكتابة..

5 – هلاَّ عرَّفتم قراءنا باختصار بمضامين بعض مؤلفاتكم لا سيما تلك التي لها صلة بالشباب؟

لا أؤمن بالتصنيف العمري للقراء (لقرائي على الأقل!)، كل ما كتبته يصلح للشباب ولسواهم أيضا، ربما قد تكون بعض العناوين جذابة أكثر من غيرها.. لكن هذا غالبا ما يكون طُعما لكتب أخرى قد يكون حجمها مخيفا للبعض..

“البوصلة القرآنية”: كتابي الأول ومشروعي الأساسي، محاولة للبحث عن خارطة قيمية للنهضة في القرآن الكريم وبمعزل عن الفهم السائد الذي تكوَّنَ جزءٌ كبير منه في عصور الانحطاط..

“الفردوس المستعار”: هو محاولة لوضع تلك الخارطة على عالمنا المعاصر الذي تحتله القيم الأمريكية أكثر  وأخطر مما تحتله الدبابات والبوارج..

“ليلة سقوط بغداد”: هو غوص حميم في جرح السقوط الأليم وأسبابه التاريخية .. إنه نوع من تصفية حسابات شخصية بيني وبين الحدث.. لو لم أكتب هذا الكتاب عن “السقوط”.. لظهرت التجربة في كل ما أكتبه !..

سلسلة “ضوء في المجرة”: هي سلسلة  دعوية من ست أجزاء، كتبت بأسلوب حميم عن أمور تعودنا على تقديمها بأسلوب مختلف.. وهي الطعم الذي تحدثت عنه..

سلسلة “كيمياء الصلاة“: هي محاولة لفهم نهضوي للصلاة باعتبار أنها الدورة التدريبية التي ندخلها كل يوم لنكون أشخاصا أفضل..

“أبي أسمه إبراهيم”: و“ألواح ودسر”: محاولتان روائيتان لتقديم فكر إسلامي..

 5ب -كيف يمكن لشبابنا الموهوبين الخروج من طور التجربة الناشئة إلى الممارسة العملية لصَنعة الكتابة؟

لست متأكدا من كون الكتابة “صنعة” كي يمكنني أن أنصح  الشباب الموهوبين بهذا المجال. بل لعل نصيحتي الأساسية هي ألا يعدوا الكتابة صنعة! الكتابة أشبه بعملية “رهبنة” من نوع خاص لا يمكنك أن تتخلى عنه أو تتركه بمجرد ولوجك إليه..هذا على الأقل عندما تحمل “قضية” على أكتافك و تدخل هذا السلك..

6 – برزت فكرة النهضة بشكل واضح في كتاباتكم، كما كانت شعار موقعكم الإلكتروني (القرآن من أجل النهضة). بماذا تُعرّفون النهضة، وما رؤيتكم الشخصية لها؟ وهل تأثرتم فكرياً بأحد من مفكري العصر؟

لا أكتمك أني بدأت أشعر أن مفردة النهضة في طريقها إلى أن تصبح مثل الشعارات الثورية الرنانة  التي خدعت أجيالاً تلو أجيال وجعلتها الخديعة لاحقاً ترفض حتى المضامين الصحيحة في تلك الشعارات..

هناك سوء استخدام واضح للمفردة، والبعض يخلط بينها وبين التنمية على نحو شديد الفجاجة (وإن كان بحسن نية!). .بعض الدعاة يعتقد أن النهضة هي ناطحة سحاب ومعدل تصنيع مرتفع.. ولا ينتبه إلى أن هذه المظاهر هي مجرد نتائج لنهضة سابقة قد تكون مرت على هذا المجتمع قبل قرنين من الزمان.. وأن هذا المجتمع قد خرج من طور النهضة منذ زمن بعيد إلى طور آخر ليس بالضرورة أن يكون نهضوياً ولسنا ملزمين أصلا بتتبع نتائجه..

النهضة تحتوي على ثلاثة عناصر أساسية:

 العنصر الأول فكري: أعتقد أن له الأولوية على ما سواه والعنصر الثاني سياسي: يتضمن الدعم –على الأقل ، إن لم يكن تبنياً- لفكر النهضة ، والعنصر الثالث رأس مال يستثمر في فكر النهضة برجاء أرباح مؤجلة وذات طابع مختلف..

شخصياً أعتقد أننا لا نزال في طور تكوين العنصر الأول.. ولا يزال الدرب طويلا..

 

تعريف النهضة كما أفهمه هو “قيام” أمة ما بدورها الذي يتحدد من خلاله هويتها ووجودها.. هل دورنا هو أن نكون مستهلكين؟ تابعين؟ هل دورنا هو أن نعيش في بلدان صارت تبدو مجرد “محميات استهلاكية”؟..هل دورنا هو أن نتطور ونتقدم  لنصدر بضائع استهلاكية كانت الحياة تمشي دونها لآلاف السنين دون كبير مشكلة؟..

نعرف جيدا ما هو دورنا في هذه الأرض.

النهضة هي باختصار أن ننهض من واقع السبات لنباشر بما خلقنا من أجله.. وإذا كان هناك أحد يجهل عمَّ أتحدث فليراجع سورة البقرة ، الآية 30.

7 – ما هو تفسيركم لمصطلح (التجديد)، وما مدى حاجة الأمة إليه؟

التجديد كما أفهمه هو: التنقيب في النص الديني لتشخيص ما يعانيه العصر من أمراض وبالتالي بما يمكِن من علاج لهذه الأمراض.. وهو يفرق كثيرا وجذريا عن ما يقدمه أدعياء التجديد الذين يبحثون في جزئيات هنا وهناك  لغرض تمرير الفكر التغريبي…

حاجة الأمة إلى التجديد بقدر حاجة أي منا للأوكسجين..و ليس أقل من ذلك!

8 – كيف تُشخّصون دراستكم لما يسمى بالحضارة الغربية، وما الحلول المتاحة والمرجوة لإنقاذ شبابنا من براثن قيمها السلبية المُفسدة لهم والمشوّهة لقيمنا؟

الحضارة الغربية نتاج معقد جدا لتجارب تاريخية متراكبة وسيكون من الظلم جدا تلخصيها بعجالة. للغرب إيجابياته بلا شك، لكن يداخلني شك كبير في كل من يتحدث عن هذه الإيجابيات دون أن يوضح جذورها ودون أن يذكر سلبياتها التي لا أعتقد شخصيا أنها تقل عن إيجابياته في بعض المجالات..

في النهاية الأمر المهم هو  أن يكون لدينا مقياس قرآني واضح نقيم من خلاله نتاج هذه الحضارة و ثوابتها و أركانها..

بالنسبة للشباب ، لا أزال أؤمن شخصياً بقدرة هذا الدين العظيم على منحهم الحصانة والمناعة اللازمة لجعل علاقة الشباب بالغرب علاقة صحية بالمقياس القرآني للأمور..

لكن ذلك حتما هو مجرد “حصانة”، ما هو أكثر أهمية أن نقدم بديلاً حقيقياً -مستمدا من هذا الدين-  عن النموذج الحضاري الغربي.. الغرب لم يكن قوياً فقط بإطاره النظري، بل لقد قدم نموذجاً عملياً براقاً وجذاباً.. لذا  فالتنظير المضاد فوائده محدودة على المدى البعيد، والأهم هو تقديم تجربة عملية واقعية تضع النظرية على محك التطبيق…

9-يعتبر الانتماء العقدي  والفكري هو العنصر الأهم في تكوين الذات بغض النظر عن الزمان والمكان..لماذا تعلو اليوم أصوات  تقزم هذا الانتماء ليكون جغرافيا مصلحيا فحسب بينما يوسم المنتمي إلى عقيدته بالتعصب و الانغلاق؟

 

لماذا تجتاح العالم أصوات كهذه؟

لأنها تعبر عن “عقيدة” جديدة تعتبر الانتماء المصلحي هو الأصل وهو الأولى بالإيمان والاعتناق..أي أن هذه الأصوات تمارس الشيء ذاته من الترويج لعقيدة ما و لكن بتبني عقيدة أخرى..ولأن “الذات” التي يروجون لها هي “ذات” مختلفة تماما عن معناها المتكون عبر الانتماء إلى عقيدة وثوابت أمة ما..هذه الذات الجديدة لا هوية محلية لها بل هي هوية عولمية الطابع عولمية الثقافة…وهي مجيرة حتما لصالح شركات الملأ العابر للقارات التي تستفيد من هوية كهذه..

10-

 هل هناك علاقة بين مفهوم الهوية و عنصر القوة بإبعادها السياسية والاقتصادية و العسكرية والثقافية ؟

بالتأكيد، هناك علاقة بين ما ذكرت  لكن الأساس هو للعامل الثقافي الذي أراه هو الأهم والمولد لكل العلاقات الأخرى..لقد هزم المسلمون على يد المغول مثلا لأسباب كثيرة،لكن قوة ثقافتهم و علوها آنذاك جعلت المغول يذوبون في الثقافة الإسلامية..بينما ألأمر ليس مماثلا في حالات هزيمة معاصرة لم يكن انكسارنا فيها انكسارا عسكريا فحسب بل كان استلابا للهوية و لكل مكونات الثقافة..كان سقوط بغداد على يد المغول محض سقوط سياسي للقيادات آنذاك،لذا فإن الثقافة الاسلامية –وأعني بها الفكر الجمعي السائد- ما لبثت أن تمكنت من الانتصار رغم فداحة ما منيت به من خسائر..أما سقوطنا اليوم فهو مختلف و لعله يمثل إعلانا عن تدهور ثقافي مروع عن كل ثوابتنا ،وهو التدهور الذي أوصلنا لكل ما وصلنا له..

لا شك إن للقوة العسكرية المباشرة إبهارها و تأثيرها و لكن هذا النوع من التأثير يكون على الأغلب عابرا فيما لو كانت الهوية الثقافية متينة و ممكنة وقادرة على الاستجابة للتحديات..

 

 

11– تصديتم للرد على من يسمون أنفسهم (القرآنيين) أو من تسميهم بـ (اللاقرآنيين)، ما مدى خطرهم على الأمة وشبابها، وما هي الوسائل الأفضل في التعامل معهم؟

اللا قرآنيون هم مجرد نموذج من أدعياء التجديد، ولعلهم ليسوا الأخطر، إذ أن لغتهم البذيئة مع السنة النبوية والحديث الشريف تجعل كل من هو سويّ يعف عن إتباعهم.. لكنهم بالمقابل-و عبر التشكيك بالسنة النبوية- يقدمون ثمارهم الخبيثة لأدعياء تجديد آخرين – ليسوا من اللا قرآنيين- لكنهم يقومون بعملية انتقاء كيفية للحديث بناء على معايير تشي بالمنظومة الغربية التي يتبنونها..

الوسيلة الأفضل ليست فقط في فضحهم والتوعية  بتناقضاتهم بل أيضا في الإصرار على طريق  التجديد الحقيقي-غير الجمود وغير طريق أدعياء التجديد- الذي هو التجديد الملتزم بثوابت الأمة وبضرورة نهضتها وبالذات عدم التناقض والاصطدام مع أي نص ديني ثابت..

 

12– لا شك أن عوامل عدة تساهم في نجاح الإنسان، ما الفرص والظروف التي ساهمت في نجاحكم؟ وماذا تقولون لشباب الأمة اليوم الذي يرزح تحت ظروف قاسية على كل المستويات، وبمَ تعدونهم؟

الرد على هذا السؤال سيعني ضمنا إني أقر بنجاحي، وهو فخ لا أحب الوقوع فيه، إذ أنه سيعني أني قد قدمت ما أبغي تقديمه وحققت أهدافي وهو أمر لا يزال بعيدا تمام البعد..

هذا لا يتناقض طبعا مع إقراري الأكيد بوجود نجاحات مرحلية ونسبية حققتها بتوفيق الله وحمده.

 أؤمن أن الجهد والدأب والتمسك ببوصلة قيمية واضحة هي العوامل الأساسية لأي نجاح.. أؤمن أيضا أن التوفيق الإلهي يتوج الجهد البشري ويمنحه بعدا آخر.. بالنسبة لي تمثل التوفيق في أشكال عديدة من أهمها في أشخاص سهلوا الدرب وعبّدوه، وقدموا الدعم والإسناد المعنوي لكاتب ناشئ من دون سابق معرفة.. دون هؤلاء كان الدرب سيكون أكثر صعوبة بلا شك..

بخصوص الظروف القاسية، أعتقد أن الظروف القاسية أمر طبيعي جدا وجزءٌ لا يتجزأ من “أبجدية الحياة”..،  ولكن المهم هو أن لا تكون هذه الظروف أكبر من قدرتنا على التحمل…

 أكثر من ذلك: أعتقد أن هذه الظروف القاسية هي المبرر والحافز الأساسي الذي يجب استثماره من أجل التغيير.. “الظروف القاسية على كل المستويات” هي البيئة المناسبة والرحم المثالي الذي يمكن من خلاله بذر فكرة التغيير ومشروعه في عقول الناس وأفكارهم.. السؤال هو أي تغيير؟..و لأي اتجاه؟.. هل لتغيير سطحي نكون فيه مجرد عبيد تابعين لروما الجديدة بينما  نجهل عبوديتنا لها ..؟..أم لتغيير عميق نابع من ثوابت الأمة وقيمها…؟

 

مجلة غدي الشابية تشكر لكم تكرمكم بالإجابة على أسئلتنا، ومتمنية لكم دوام التألق والنجاح والتوفيق من الله تعالى.

 

بؤرة التفكير والخط المنهجي : د.محمد باباعمي

بؤرة التفكير، والخطِّ المنهجي

د. محمد باباعمي

صفة العلم هو النظر، ووظيفته التفسير والتنبُّؤ، وخاصيته الضبط والوضوح، وغايته تحقيق سعادة الإنسان، وآلته العقل، ومادته الوجود، ودليله القرآن، ومحطَّته الزمان والمكان… ومثاله المطلق سيد الخلق محمَّد عليه السلام.

العلم شرفٌ كلُّه، والعالِم كريم بذاته، والمتعلِّم سعيد بفعله متفائل بمستقبله، والجاهل شقيٌّ بتضييعه للفرص وملاحقته للسراب.

كيف نبدأ من حيث ينتهي العلم؟

وكيف نحوِّل مادة العلم إلى واقع؟

وكيف نركِّز تنظير العالم ليتحوَّل إلى طاقة فاعلة؟

كيف نجعل كلَّ الكتب، والمقالات، والمحاضرات، والمواعظ، والمقولات، والنظريات… تنتهي إلى آليات للتفعيل والفعالية، لا إلى توصيات ونصائح لا تمتُّ إلى الواقع بصلة؟

ما بعدَ العلم، وما بعد الفكرة، وما بعد النظر… حلقة فارغة في الفكر الإسلاميِّ اليوم، عموما.

تختمر الفكرة في ذهني، ويستحكم الإشكال، وتتوالى الافتراضات، فتتهجَّم عليَّ الاختبارات والاختيارات… وأستجمع ملكات الذهن، فأجمِّع الأفكار، وأكتب ما أظنُّ – أو أعتقد – في تلك اللحظة أنه الحلُّ الأخير، والجواب النهائيُّ، والدواء الأكيد لهذا المرض العضال!

ثم أنتهي بصياغة رأي، أو نموذج، أو نظرية متكاملة المعالم… ثم ألوذ إلى تأليف مقال، أو تنضيد كتاب، أو إلقاء محاضرة، أو إعداد دورة تدريبية…

ويكون آخر العنقود فكرة ناضجةٌ، مستساغة، طيبة، طاهرة، حلال… تُسبي الناظرين، وتريح المنتظرين.

في هذه النقطة بالذات، أتحوَّل إلى “راصدٍ” لِما كتبتُ فيه، وما نظرَّت له، وما حلَّلت به… أي أنتقل إلى “المستوى الثاني” من النظر، وإلى “السلَّم” الأعلى من الإدراك، وهو مستوى “ما حول“، وسلَّم “الميتا” كما يسمَّى (meta).

بهذه الرؤية الجديدة أجدُ أنَّني تحولت إلى مقترِح، وواعظ، وناصح… أدفع القارئ بالكلمات إلى تنفيذ ما كتبتُ فيه، وأحثُّ المستمع بالكلمات إلى تمثُّل ما ألقيت عليه…

ولكن، هيهات، ثم هيهات…

وأعود إلى البحث عن “ميلاد فكرة” جديدة، فأعيد نفس المراحل مرحلة مرحلة، بلا كلل ولا ملل… وهكذا، إلى ما شاء الله تعالى.

متى العمل؟ وكيف العمل؟

لولا المشاريع الأرضية، الواقعية، العملية، التربوية، والفكرية… التي تشغلني وأشغلها، والتي تغمرني وأغمرها، لكنتُ في قلق مميت، ولعشت في دوَّامة قاتلة؛ لكن ولله الحمد، فإنَّ الانتقال من فعل إلى فكر، ومن فكر إلى فعل… جعلني أؤمن بهذا السبيل، ولا أجد له بديلا.

هذه “بؤرة تفكيري“، وهذا “خطِّي المنهجي“، وهذا محطُّ جهدي، ومحلُّ جهادي، منذ أمد، وإلى حين، بإذن الله تعالى…

التفعيل، الفعالية، الإنجاز، العلم النافع، الواقعية… تعدَّدت الصفات، والمؤدَّى واحد… إنه: “الرشد” بكلُّ أبعاده، وبجيمع مواصفاته.

قد يطول الوقت، بل سيطول يقينا، لإيجاد الجواب المريح نسبيا، لكنَّ الانكباب والبحث والتنقيد، بعقلية العابد، وروح المجاهد، وأداء القائد، وخلُق الصادق… كلُّ أولئك ضرورة ولا ريب، وواجب شرعيٌّ ولا شك… فالجديد النافع دائما يولد من رحم المعاناة.

هل أنا في حاجة إلى مزيد من القراءة؟

أم إلى مزيد من الكتابة؟

أم إلى مزيد من التأمل؟

أم إلى مزيد من الإنجاز؟

أنا، وأنت، وهو، وهم، ونحن… جميعا، في حاجة ماسَّة إلى كلِّ ذلك، وإلى أكثر من ذلك… في حاجة أولا أن ندرك هذا البعد الحضاريَّ الدقيق، وأن نتحرَّك على أساسه…

وقبل ذلك، وبعده، نحن في حاجة ملحَّة وأكيدة إلى توفيق من الله تعالى، القائل في محكم التنزيل: “اتقوا الله” هذا عمل، “ويعلَّمكم الله” وهذا علم. والقائل في آية أخرى “واعلموا” وهذه علم، “أنَّ الله بما تعملون بصير” وهذا عمل.

عمل يسنده علم، وعلم يرفعه عمل… “والعمل الصالح يرفعه“.

والله الموفق للصواب.

د. محمد باباعمي

المسودة، سبتمبر 2008م،

والضبط، ديسمبر 2010م

 

تحطيم الرقم القياسي…في الفهم الخاطئ !

تحطيم الرقم القياسي.. في الفهم الخاطئ!

د.أحمد خيري العمري-مجلة فور شباب

يجد الكاتب نفسه أحياناً منزلقاً ليتلصَّص على قرّائه، فضولٌ فطريٌّ يدفعه لمعرفة لمن يكتب حقاً، كم فهموا وكم تفاعلوا مع ما كتب والأهم من ذلك كله بنظري.. كم تأثَّروا وكم تغيّروا بعدما قرؤوا..

 وجدت نفسي بناءً على ما سبق، أتلصّص على صفحة المعجبين الخاصة ببرنامجي” القرآن لفجر آخر[i] على الفيس بوك، مجرد متابعة لأسماء وصور الأشخاص الذين سجّلوا إعجابهم  بالصفحة، والذين تصلهم تحديثاتها على صفحاتهم الخاصة، معظم المشاركين كانوا أشخاصاً عاديين من أولئك الذين تتوقع منهم المشاركة وتكون مسروراً بهم لأنهم “الجمهور الذي استهدفته أصلاً”.. أي الجمهور الذي كان في بالي عندما كتبت العمل.. فجأة بين الأسماء والصور وجدت صورة لفتاة من الصعب جداً تصنيفها ضمن الفئة المستهدفة..، يمكنني أن أتصوّر وجودها في الكثير من الصفحات على الفيس بوك، ولكن “القرآن لفجر آخر..“؟ بدا لي الأمر مربكاً جداً.

 باختصار: كانت الفتاة ترتدي ما يكشف أكثر مما يستر في الصورة الخاصة بها، وتصورت للوهلة الأولى أنها فتاة أجنبية دخلت الصفحة بالخطأ (لا أعرف إن كان هذا ممكناً الحقيقة!) لكن اسمها العربي جعل ذلك احتمالاً بعيداً، ثم تصورت أنها يمكن أن تكون شخصية وهمية، كوسيلة لتمرير الإعلانات التجارية (ولا أعرف إن كان هذا يحدث في الفيس بوك أو لا).. ولأني لست من أنشا الصفحة، فلم يكن ممكناً لي حذف هذه الفتاة.. وإنما أرسلت إلى الأخ الذي أنشأ الصفحة ليمنحني صلاحيات تمكنني من فعل ذلك..

أثناء هذا، تلصَّصت أكثر لأعرف ما الذي تحبه أيضاً فتاة كهذه..

صعقت بقائمة اهتماماتها.. كان فيها ما هو متوقّع، ولكن كان فيها أيضا أخرى لا تتناسب مع ذلك..

كانت مثلاً عضوة في صفحة بعنوان: تحطيم الرقم القياسي في الصلاة على النبي…!

نعم، يوجد صفحة على الفيس بوك بهذا العنوان، وعدد محبي هذه الصفحة والذين يشاركون فيها يتجاوز الربع مليون شخص !..

تحطيم الرقم القياسي في الصلاة على النبي!.. تخيّلوا.. أيُّ إسفاف أن تتحوّل الصلاة على النبيّ، بكل المفاهيم العملاقة التي تتضمنها، لتصير وسيلة لتمضية  الوقت التسابق، وتحطيم الرقم القياسي!، “التحطيم” الذي يكرِّس الفهم العددي للشعائر عموماً بمعزل عن الصدق في الأداء والحرص على التدبر والمعاني، وهو أمر ينزلق إلى الترويج له أحياناً بعض الدعاة أيضاً…

سيبدو للوهلة الأولى أن مشاركة هذه الفتاة – وهناك كثيرات مثلها على ما يبدو في هذه الصفحة، وكذلك شبان على المستوى نفسه من المجاهرة بالمعصية-  سيبدو أن مشاركتهم في صفحات كهذه من قبيل التناقض، كيف يمكن أن نفهم حرصهم على الصلاة عليه – عليه الصلاة والسلام – بينما هم يختارون صورة تعبّر عنهم في غاية الخلاعة، أو أن يكونوا محبين في الوقت نفسه لصفحة مسابقات الرقص مثلاً؟

 قد يكون التناقض في أفعال البشر حقيقة إنسانية، كجزء من  المسافة الحتمية بين الفكر والسلوك التي تكون عند البشر ولا يجسرها إلا الرسل والأنبياء، لكن ما هو مقبول في هذه المسافة هو كونها جزءاً من الزلل والخطأ، وليس “سبق الإصرار والترصّد” الذي يبدو واضحاً في أن تكون “هنا ” وهناك –علناً ودون حتى محاولة انسحاب..

أقول: للوهلة الأولى سيبدو هذا تناقضاً، لكن نظرة أخرى سترى ربطاً كبيراً بين الضدين، الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، والانغماس في المعاصي والمنكرات، فالطريقة التي فهمت بها “الصلاة عليه”-و كذلك التي فهمت بها الأذكار والكثير من الشعائر-هذه الطريقة صارت تسهِّل الاستمرار في حياة المعاصي والتفاهة، لأنها عوملت بالضد من مقاصدها الأصلية، فقد تحولت إلى وسيلة لتصفير عدّاد الذنوب، ولما كنتَ تستطيع أن تصفّر العدّاد بمجرد أن تتلفظ بالصلاة على النبيّ أو الأذكار أو بعض الركعات- كما اختزل الأمر عند البعض للأسف- فقد صار من الممكن أن تستمرّ دوما بالمعاصي (ومن ضمنها المعصية الأكبر: معصية أن لا تفعل شيئا في حياتك على الإطلاق) ومن ثمّ تصفّر العدّاد وتعود من جديد لمعاصيك وهلّم جرّا..

جذور هذا الأمر موجودة حتماً في الفكر التقليديّ الذي اجتزأ نصوصاً نبوية معينة ( لا نشكّ في صحة سندها ولكن نشكّك حتماً في طريقة فهمها المتداولة).. لقد غرست هذه النصوص النبوية الشريفة في أرض سبق أن هيّأها وحفرها القرآن وزرع فيها- قبل هذه النصوص- مفاهيم كثيرة أساسية، جاءت بعدها النصوص النبوية كتطبيقٍ واقعيّ للتفاعل مع كلّ ما سبق.. أي إن النصّ النبويّ لم يأتِ من فراغٍ ويوجّه لشخص كان مثل الصفحة البيضاء( أو السوداء مفاهيم أخرى كما هو الحال اليوم!)، بل كان يأتي بعد أن تكرّست مفاهيم أساسية عند الناس الموجّه لهم النص النبويّ وتشكلت عقولهم عليها..

في موضوع الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، كان الأمر قد تكرّس قرآنياً في سورة الأحزاب، وكان الحديث موجهاً للمؤمنين بعد أن ساروا درباً طويلاً في إثبات جدارتهم بالإيمان، وكان السياق يعني اتخاذه عليه الصلاة والسلام قدوة في كل خطوة قام بها المسلمون، أي إن الصلاة عليه تعني الانقياد له ولسنته عليه الصلاة والسلام ( وسلّموا تسليماً..). 

تأتي الأحاديث بعدها لتكرّس أمر الاقتداء، وتقدّم المزيد من التحفيز عليه..أي إنها تصبّ في بيان أهمية الصلاة عليه – عليه الصلاة والسلام- بمعنى التذكُّر المستمر لاتخاذه قدوة..

اليوم انقلبت المفاهيم للأسف وصرنا ندخل إلى معنى الصلاة على النبي، ليس من المدخل الذي يجب الدخول إليه منه، أي من معنى الاقتداء الذي يكون التلفظ فيه عاملاً مساعداً، بل من باب التلفظ باللسان الذي يزيل السيئات ويزيد الحسنات.. وهو أمر لا معنى له من دون المعنى الأصلي: معنى الاقتداء..

الفكر التقليديّ هنا يتحمّل جزءاً كبيراً من المسؤولية، لكن التبرير الوحيد هو أنّ هذا الفكر عندما أُرسيَت قواعده وأصوله كان معنى الاقتداء لا يزال راسخاً، فجاء أمر التلفظ تحصيلاً حاصلاً مكملاً لا أكثر.. أما اليوم، فقد ضاع الاقتداء، وتحولت نصوصٌ كهذه بعيداً عن مقاصدها لتكون مجرد وسائل لتصفير عدّاد الذنوب والاستمرار في حياة هي بحدّ ذاتها ذنب كبير.. وما زلنا نتعامل مع واقعنا بالآليات والمفاهيم نفسها التي كانت ناجحة يوم كان الاقتداء حقيقة واقعة..

لا بدّ لنا من مواجهة مفاهيم كهذه بشجاعة، حادثة الفيس بوك هذه مجرد مثال على سلوك شائع في مختلف الأوساط نعرفه جميعاً ونغضُّ الطرف عنه لأسباب لا تخفى..

النهوض لن يحدث عبر “تحطيم الرقم القياسي في الصلاة على النبي”.. بل على العكس، درب النهضة لا بدّ أن يمرّ أولاً عبر تحطيم مفاهيم كهذه، مفاهيم حوّلت الشعائر لتكون مجرد غسّالات للذنوب وكرّست المعنى العددي لها بمعزل عن أيّ تأثير اجتماعي..

وأيضا لا بدّ له أن يمرّ عبر إعادة المفاهيم الأصلية: مفاهيم الاقتداء به عليه الصلاة والسلام.. على نحوٍ يكون فيه التلفُّظ اللساني عامل تذكير بالاقتداء.. وليس هدفاً بحدِّ ذاته..

 


 


[i] يعرض على قناتي الرسالة والقرآن الكريم الجزائرية