قبول الآخر أم انتحار الذات؟

قبول الآخر أم  انتحار الذات؟

د.أحمد خيري العمري- العرب القطرية

الكل يتحدث الآن عن “قبول الآخر”، كما لو أنه صرعة الموسم، وكما لو أنه الحل السحري لكل مشاكلنا، وكما لو أن عدم قبول الآخر، هو السبب في كل ما نحن فيه، فواحد يشدد على ضرورة “قبول الآخر”، وآخر ينادي بنشر ثقافة “قبول الآخر”، وثالث يقيم دورة تدريبية لتعليم “قبول الآخر” وسط حضور وسائل الإعلام احتفاءً بالحدث الجلل، وهنا كاتبة تروج لروايتها الجديدة فتقول إنها تتحدث عن “قبول الآخر”، وهنا تربوي يتحدث عن ضرورة غرس “قبول الآخر” عند الأطفال، وهنا ممثلة ناشئة يسألها محاورها عن أهم ما تعلمته في تجربتها الفنية، فترد عليه بما يناسب كل الأسئلة هذه الأيام: إنه قبول الآخر!

حتى بعض المشايخ، هداهم الله وإيانا، انتقلت العدوى لهم، أو أنهم خافوا أن يعد سكوتهم عن الأمر “رفضا” للآخر والعياذ بالله، فانطلقوا يعظوننا عن القبول بالآخر، وكيف أنه أساس من أسس الإسلام، وكيف أن القرآن حثنا عليه، وكيف أن القبول بالآخر هو واجب أساسي من واجباتنا تجاه العالم، مستخدمين في خضم ذلك، نصوص قرآنية وأحاديث نبوية لا علاقة لها بالأمر لا من قريب ولا من بعيد، ولكن لا يهم ما دام الاستشهاد يضعها في موضع قبول الآخر، حتى أننا لن نستبعد أن يتحدث واحد منهم عن القبول بالآخر، باعتباره” رضي الله عنه”!.

“قبول الآخر” مصطلح فضفاض ومطاط، وهو خطر ليس لأنه كذلك فحسب، فكثير من المصطلحات تكون فضفاضة ومطاطة، ولكن خطورته في أنه يكاد يفرض على الجميع بطريقة تجعل اعتناقه بديهة، دون أي توضيح حقيقي لهذا المفهوم، مجرد ترويج للقبول بالآخر دون توضيح من هو هذا الآخر، أو ما هو هذا الآخر، ودون توضيح نوعية هذا القبول، وهل هو قبول مشروط بضوابط، أم أنه مفتوح بلا حدود واضحة. وهذا هو أخطر ما في الموضوع وأكثره تأثيراً وسلبية. ولو أن المقصود بقبول الآخر هو التعايش (وهو  مقصد الآيات القرآنية الكريمة التي تستخدم  غالبا في سياق الترويج لقبول الآخر) لكان ذلك ليس أمراً مقبولاً فحسب، بل مطلوباً بشدة، لأنه بالفعل يمثل أساساً من أساسات التعامل وضرورة من ضرورات الاستمرار. لكن “التعايش” له حدود، وله ضوابط، تكون بمثابة عقد ما بين المتعايشين، وتكون هوية كل منهم واضحة، بدون أي تخطٍّ لخطوط معينة، من قبل أي طرف..

حتى “التسامح”، وهو المصطلح الأقرب لمصطلح “قبول الآخر”، وربما يكون أساسه ومصدره، حتى “التسامح” يمثل معنى أكثر تحديداً ووضوحاً، وبالتالي قبولاً، من مصطلح ” قبول الآخر” هذا مع العلم أن هناك خلطاً في ترجمة العبارتين، فكثيراً ما تستخدم (tolerance) في النصوص الأجنبية، لكنها تترجم إلى ” قبول الآخر” بدلاً من التسامح، رغم أن الإيحاءات الداخلية لبنية الكلمتين مختلفة..

الجذر التأسيسي لمصطلح التسامح ولد في القرنين السادس عشر والسابع عشر في خضم الإصلاح البروتستانتي والحروب الدينية (المذهبية في حقيقتها) وتقسيم الكنيسة، وكرد فعل للاضطهاد و القتل و التنظير الكنسيين لهما،  نشأ الجدل والنقاش حول أهمية التسامح،  أهم ما أنتج في تلك الفترة حدث في بريطانية بعد الحرب الأهلية الإنكليزية، وأنتج مفهوماً للتسامح يخص من اعتبرهم المسيحيين واليهود، (ولم يعتبر أن ذلك يخص الكاثوليك، ولا الملحدين)، تطورت نظرية التسامح لاحقا وأدخلت فيها فكرة فصل (الكنيسة عن الدولة)، التي سيكون لها لاحقاً ما يكون من أثر، وكان قانون التسامح الذي صدر عام 1689م مثالاً على ذلك كله، حيث قدم القانون عفواً للبروتستانت البريطانيين الذين انشقوا عن كنيسة إنكلترا، ولكن ليس للكاثوليك الذين كرَّس القانون عزلهم الاجتماعي والسياسي، ومنعهم حتى من التعليم. فلاسفة التنوير (مثل فولتير) قدموا إضافات أخرى وسعت من مفهوم التسامح. لكن علينا أن ننتبه إلى نقطتين مهمتين هنا؛ الأولى: أن فكرة التسامح في جذرها الأصلي أسست من أجل الخروج بالمجتمع من حرب أهلية داخلية، و وجهت من أجل إحداث تماسك اجتماعي داخلي بين فئات مجتمع واحد.اي إن الأساس في كل ذلك كان لترسيخ و تقوية التعايش مع “الآخر ضمن المجتمع نفسه” و ليس مع الآخر الهلامي الذي قد يمثل كل الأمم الاخرى.

 الثانية: أن الترويج للتسامح في تلك الفترة كان ناضجاً وواقعياً بما فيه الكفاية ليسمي الأشياء بأسمائها، دون أن ينجر إلى التعميم والمجاملة، فقانون التسامح البريطاني، صنف المنشقين عن الكنيسة بتصنيفات  قريبة من تصنيفات الكفر و الايمان وليست هذه دعوى من أي نوع لاستيحاء أي تصنيف كان، لكنه تذكير بأن المواجهة الحقيقية للمشاكل تتطلب هذا النوع من تسمية الأشياء الذي يوضح ضمناً حدود العلاقات وطبيعتها..

وقد انتبه بعض المفكرين إلى أن هذا يشكل فرقاً أساسياً بين فكرة “التسامح”، وفكرة “الحرية الدينية” التي تطورت لاحقاً، فالتسامح يقدم من قبل الفئة الأكثر هيمنة، تجاه الفئات الأقل، وهو موقف قد ينطوي ضمناً على “رفض” لأفكار هذه الفئة أو عقائدها أو سلوكياتها، ولكنه ينطوي أيضاً على “السماح” لهذه الفئة باعتناق عقائدها وممارسة سلوكياتها، وهو موقف مختلف تماماً عن مبدأ “الحرية الدينية” اللاحق، الذي يتضمن نوعاً من المساواة بين كل العقائد، أو على الأقل اللامبالاة تجاهها جميعاً. ومن الواضح أن مبدأ “السماح” لا يتساوى أبداً مع “القبول”.. فهو ينطوي على تقييم معين، فيه سلبية نوعاً ما، ولكن فيه أيضاً تجاوز، وعفو، فالتسامح هنا يمتلك شروطه الداخلية، قد تختلف هذه الشروط من مجتمع إلى آخر، إلا أنه ليس في وارد الدخول إلى خانة المطلق، وقد انتبه فيلسوف مهم مثل كارل بوبر إلى أن هناك حدوداً للتسامح يجب الانتباه إليها، وإلا فإنها ستقود المجتمع الذي تسود فيه ثقافة التسامح إلى الانهيار، بالذات فإن عدم التسامح، مع أولئك الذين لا يؤمنون بالتسامح (النازية مثلاً في مثال بوبر) يدل على وجود “حدود” افتراضية لفكرة التسامح، وكارل بوبر ليس سلفياً، ولا هو ممن يسمونهم المتشددين، لكنه ينبه هنا إلى وجود شفرة اجتماعية داخلية لا ينبغي التضحية بها تحت شعار التسامح، علماً أنه هنا يتحدث عن “التسامح”، وليس عن “القبول” بالشكل المفتوح الذي يروج له عندنا.. والحقيقة أن فهم السياق التاريخي لنشوء فكرة التسامح بمفهومها الغربي، والجدل الدائر حتى ضمن المنظومة الغربية، يجعلنا أكثر تشككاً تجاه ما يروج لقبول الآخر، فموكب الزفة الإعلامية المصاحبة للمفهوم لا يجعلنا نفكر أو حتى نتساءل من هو هذا الآخر ؟ هل هو الآخر الذي احتل بلدي؟  هل هو الآخر الذي يتربص بي وبأولادي وبقيمي؟ ؟ هل هو الذي شرد الملايين؟ هل هو الآخر الذي انتخب رئيساً فعل كل كله؟ هل هذا الآخر هو منظومة القيم التي شرعنت ذلك كله؟ هل هو الآخر الذي وقف معي ضد هذا كله، وخرج بالملايين محاولاً منع ما وقع فعلاً؟ أم هل هو الآخر الذي وجد نفسه محايداً تماماً كما لو أن الأمر لا يعنيه؟ هل المقصود بالآخر هو إيجابيات العلم والتنمية والرفاهية التي أنتجتها؟ لكن ماذا عن التفاعلات الثانوية لذلك؟ ماذا عن سلبيات الحداثة؟

لا أستطيع إلا أن أقرّ بوجود إيجابيات للآخر، إيجابيات مهمة ويمكن أن تساعدني في مشروعي ونهضتي وفهمي وأدائي لهما، لكن هذا يجب ألا يغيب عن بالي وجود “سلبيات” لهذا الآخر، والتمييز بين ما هو إيجابي وما هو سلبي لا ينتج عن “قبول  الآخر“، بل عن “معرفته“، وفرق كبير بين “معرفة الآخر” التي تتضمن رؤية نقدية متفحصة للآخر بإيجابياته وسلبياته، وهي هنا جزء من إشارة الآية إلى “ جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا” –الحجرات 13- وبين قبول للآخر كما هو، وتقبله دون تقييم كما توحي النغمة المروجة للقبول..

ولكن الأخطر من هذا كله، هو أن الاستخدام الفلسفي لمصطلح” الآخر“، الذي تأسس على يد “هيغل”، كان يؤسس ضمناً لنظرة أخرى أكثر قرباً من الحقيقة، وأبعد عن نغمة الترويج الوردية، فالآخر عند هيغل، في (ديالكتيك السيد – العبد) كان يرمز للعبد، بينما كانت الذات تمثل السيد، المنتصر، صحيح أن استسلام العبد للسيد، حسب هيغل، هو الذي جعل من السيد سيداً، وإن الخادم صار جزءاً من السيد، أي إن السيد يحتاج الخادم، وإن الآخر هنا صار جزءاً من الذات، لكن اللحظة الهيغلية هنا هي لحظة ما قبل الاستعمار، والسيد الهيغلي كان مهذباً بالمقارنة مع ما حدث بعدها، والمقارنة هي للمفكر الفرنسي فرانز فانون، فديالكتيك الذات والآخر، عند هيغل هو في تكامل حتى لو كان بين السيد والعبد، أما ديالكتيك الذات والآخر في لحظة الاستعمار التي حللها فانون فهو قائم على الهيمنة والتسلط. و في الحالتين فأن استخدام المصطلح يشير إلى مغايرة نسبية، فإذا كان “الآخر” بالنسبة لهيغل ممثلاً في الخادم، و بالنسبة لفانون “العبد المستعمر”، فإن “الآخر” بالنسبة لهذا الخادم والعبد، هو “السيد” وهو “المستعمر”، والعلاقة بينهما، من موقعه على الأقل، هي علاقة الخضوع لهذا الآخرـ خضوع قد يجمّل بأسماء أخرى، ويروج تحت شعارات براقة لتخفيف الذل ووطأة الكلمة الصريحة..و هو أمر يذكر ايضا بمقولة هيغل الأساسية “كل وعي بالذات يطارد موت الآخر”.. فهل قبول الآخر بهذا المعنى هو تجاوز مرحلة الذوبان في الآخر الى التماهي فيه وصولا  إلى انتحار الذات؟

لا أستطيع إلا أن أتذكر كل هذا ، وأنا أشاهد هذا الترويج للقبول للآخر، الذي يصر منذ لحظة الاستعمار صعوداً على تقمص الدور الفرعوني،” أنا ربكم الأعلى” و”ما أريكم إلا ما أرى”، هل سيكون  قبول هذا الآخر ألا تدريباً للعبيد على أن يكونوا أكثر طاعة وتهذيباً وعبودية. أستطيع أن أفهم التعايش، التعارف، المعرفة – عندما تكون أساساً للعلاقة مع الآخر، لكن هذا القبول المفتوح بلا حدود واضحة لا أراه إلا استسلاماً غير مشروط وغير محدود الأجل حتى لو كان يروج بحسن الظن والنية من قبل البعض..وعلى ذكر حسن الظن والنية، هناك بعض الكتاب، يحاولون الترويج لثقافة قبول الآخر عبر تأصيلها قرآنياً. ويحاولون أن (يخوفوننا) من مصير رفض الآخر، باعتبار أن إبليس كان أول من رفض الآخر!! وعلينا أن نتخلص من كل مظهر من مظاهر رفض الآخر باعتبارها أثراً إبليسياً لعيناً.

المشكلة في هذه الرؤية، أنها تظهر، دون أن ينتبه المروجون إلى أنها تعتبر أن التعبير الحقيقي عن قبول الآخر هو السجود له!..(حيث إن إبليس رفض السجود والملائكة الذين قبلوا الآخر-!-حسب هذا التفسير قد سجدوا له!!)

ومن حيثيات كل ما سبق، أعتقد أن الكثير من مروجي (قبول الآخر) يهدفون فعلا إلى ترسيخ فكرة السجود للآخر، مع تنزيه الآية القرآنية عن أن يكون لها أي ربط بذلك..

وبالمناسبة:  أتمنى من ظرفاء (قبول الآخر)، أن يعتبروا  إني أنا الآخر (هذه المرة فقط)، وأن يحاولوا قبولي بنفس الطريقة اللامحدودة، أم أن هذا الشرف محصور بمن هو أشقر فقط؟!..

 

ربما ليس جيل “صلاح الدين” هو الحل..

ربما ليس جيل “صلاح الدين” هو الحل..

د.أحمد خيري العمري- القدس العربي

 

بعض الزعامات التاريخية تتحول مع الوقت لتصير بمنزلة “أيقونة” تمارس دوراً عاطفياً في إلهاب مشاعر الجماهير، خاصة عندما ترتبط هذه الزعامات بنصر تاريخي تفتقده الجماهير  وتتوق للحصول على ما يماثله في حاضرها..

 هذه “الايقونة ” توظف  شخصية الزعيم المعني خارج سياقها التاريخي تماما، بل خارج أي سياق إنساني أحيانا، بطريقة تمجد الصفات الشخصية للفرد وتجعله فرداً خارقاً “سوبرمان” عجزت الأمهات عن ولادة مثله (أو تربية مثله).. و قد يحدث أحيانا أن الجيل- الذي ينتمي له الفرد-  سيوظف بأكمله داخل سياق تاريخي – شخصي  حيث سيعتبر أن الفرد هنا جزء من “جيل” كامل، وجد ظروفاً معينة لتنشئته، مما رفع مستوى الجيل ككل وأنتج ذلك الفرد – البطل..

ورغم أن المقاربة الأخيرة  قد تبدو أكثر واقعية، إلا أن تطويبها نحو المطلق، وجعل ظروف تنشئتها صالحة لمشاكل أجيال جاءت بعد ألف سنة، يجعل من هذه المقاربة لا تقل إشكالية عن المقاربة الأولى، ففي الأولى يتحول الفرد إلى رجل خارق لا يتوقع استنساخه إطلاقا ، وفي الثانية، يتحول الجيل ومنظريه ومفكريه إلى “الحل” الذي يجب التواصل معه – باعتبار أنه أنتج ذلك البطل..

ولعل صلاح الدين الأيوبي هو  من أهم هذه الشخصيات الزعامية التي تركت تأثيراً على وجدان الجماهير، وتركت أيضاً “عقدة” واضحة عند بعض الزعماء العرب المعاصرين الذين حاولوا (أو على الأقل تظاهروا أنهم حاولوا) استلهام النموذج الأيوبي.. وانتهت محاولاتهم، ليس بالفشل في تحقيق انتصار بحجم انتصار صلاح الدين فحسب ، بل انتهوا إلى جر بلدانهم وشعوبهم إلى المزيد من الهزائم والخيبات والويلات…

بكل الأحوال، فإن استلهام و استثمار النموذج الأيوبي تحديداً، سواء كفرد، أو كجيل، كان أمراً مغرياً دوماً من قبل المؤسسات السياسية والدينية والثقافية ، ويعود ذلك  “الاستثمار” إلى عوامل تجعل من الوضع الذي (غيّره) صلاح الدين شبيهاً بالوضع الذي نعيشه اليوم وبالتالي سيبدو (الترياق) الأيوبي هو الأنسب لوضعنا الحالي…

أول هذه العوامل واقع التفتت والتجزئة الذي كان سائداً قبل صلاح الدين، وهو واقع يشبه إلى حد كبير واقعنا المعاصر، كانت الدولة الإسلامية قد تفتت إلى دويلات وإمارات صغيرة بعد ضعف الخلافة العباسية ، وكانت هذه الدويلات متناحرة ومتحاربة فيما بينها رغم وجود مظاهر شكلية لولاء مشترك للسلطان (السلجوقي في تلك الفترة) و الدعاء له على المنابر، وكان أمراء هذه الدويلات كثيراً ما يتحالفون مع الأعداء ضد بعضهم البعض ، رغم ان بعضهم كان ابناء عمومة.

ثاني هذه العوامل أن (العدو ) – (الآخر) في النموذج الأيوبي كان الفرنجة، (وهو الاسم الذي كان المسلمون يسمون  به ما عرف لاحقاً بالحملة الصليبية)، وكان الفرنجة هنا يمثلون “احتلالاً” أجنبياً، يشبه في نواح ظاهرية عديدة، ليس أقلها الدين ولا الانتماء القارّي،  الاستعمار الغربي الذي واجهته شعوبنا في العصر الحديث.

أما ثالث هذه العوامل وأكثرها حساسية وتأثيراً في الوجدان المسلم فترتبط بالقدس، التي تحتل مكانة مقدسة لا مثيل لها بين المدن الإسلامية، بعد مكة والمدينة طبعاً، فهي اولى القبلتين، وهي مسرى النبي عليه الصلاة والسلام، وهي التي تضم مسجد الأقصى الذي الصلاة فيه تعدل خمسمائة  صلاة في غيره من المساجد.. إلخ وكل هذا يجعل لها أمراً جارحاً للكرامة والوجدان المسلمين..

هذه العوامل المشتركة الثلاثة (التجزئة، الآخر الغربي- الفرنجة، واحتلال القدس) جعلت من الأوضاع التي تمرد عليها صلاح الدين شديدة الشبه بأوضاعنا المعاصرة، وجعلت من نجاحه (في تحرير القدس على الأقل) وهزيمته لجيوش الصليبيين، نموذجاً يجب أن يحتذى للوصول إلى انتصارات مماثلة. وهكذا، تم استثمار النموذج الأيوبي (الكردي أساساً!) لصالح فكرة القومية العربية إبان مدها في فترة الخمسينيات والستينات من القرن الماضي، وتم استثمار صلاح الدين في الشعارات والأناشيد والخطب، وتم صنع فيلم سينمائي بإنتاج ضخم عن حياته بإيحاءات واضحة تربط بينه وبين زعيم عربي كان في أوج مجده آنذاك، وطبعاً تم وضع على لسانه عبارات طارت من أوائل القرن العشرين الميلادي ومن لسان سعد زغلول، لتحط على لسان صلاح الدين الأيوبي رغماً عن كل السياقات التاريخية لفكرة و مفهوم المواطنة.

وهكذا أيضاً، وكتجسيد للحلم بإنجازات صلاح الدين وانتصاراته (الوحدوية) فقد اتخذت أكثر من دولة عربية رمز الدولة الأيوبية (العُقاب) الذي عرَّف خطأ أنه النسر، والذي صار الشعار الجمهوري المعروف كرمز لأكثر من دولة عربية إلى يومنا هذا..

انكسار التيار القومي لاحقاً، وبعد فترة وجيزة جداً من أوج مده، لم يؤدِّ إلى استبعاد النموذج الأيوبي على الإطلاق، لأن التيار الإسلامي الذي انتشر وساد عقب انكسار التيار القومي وجد أنه أحق بصلاح الدين من أولئك  العلمانيين، فصلاح الدين كان كردياً بعد كل شيء، دولته بنيت على الإسلام، وليس على العرق أو القومية.. وإذا كان هناك من يحق له استثماره، فالإسلاميون أولى بذلك، خاصة وأن انهيار التيار القومي وصعود التيار الإسلامي تزامن مع ضياع كامل للقدس، ولمسجد قبة الصخرة خصوصاً، بعد هزيمة 1967 م..

وهكذا تم استلهام تجربة صلاح الدين من جديد، واستثمارها لصالح إيقاد مشاعر الحماس والثقة بالنصر..

مما لا ينكر هنا ، أن التيار الإسلامي كان أكثر موضوعية في استلهامه للتجربة الأيوبية، ليسَ فقط لاتساقه مع تاريخية التجربة وشعاراتها الأصلية، بل لأن التيار القومي، في خضم انشغاله بتمجيد زعمائه، ركّز على صلاح الدين الفرد، ربما كتبرير وتفسير لتصنيم الزعيم الفرد”المعاصر”.. أما التيار الإسلامي، و على الاقل في  واحدة من أهم الأدبيات التي تحدثت عن الأمر وأكثرها رواجاً، فقد تجاوز مسألة صلاح الدين كفرد – وركز على جيل صلاح الدين، أي على القيم التربوية والعقائدية التي تربّى عليها الجيل الذي أنتج صلاح الدين، والذي تمكن صلاح الدين من قيادته نحو الانتصار.

والانتقال من صلاح الدين – الفرد – إلى صلاح الدين الجيل، نقطة تحسب حتماً للتيار الإسلامي، رغم أن التنظير لذلك أبدل الزعيم الفرد، بالمفكر الفرد (الإمام الغزالي في هذه الحالة) باعتبار أنه الذي أنتج المدرسة الإصلاحية التي تربّى عليها هذا الجيل، ورغم إشكالية الوقوع في الفرد مجدداً، إلا أنه لا شك أن المفكر الفرد، أفضل بكثير من الزعيم الفرد مهما كانت  مآخذنا على الفكر وعلى المفكر..

 و شخصياً لا يمكنني أن أتجاوز بعض الملاحظات الأساسية على الأمر، منها عدم وجود دليل واضح على الربط بين ما أنتجه الغزالي (على أهميته من جهة تنوعه خاصة) وبين ما فعله جيل صلاح الدين، ومنها أيضاً أن نتاج الغزالي كان يحتوي ضمناً على “مثبطات” سلبية لا يمكن تجاوزها، ولا يمكن تجاوز آثارها السلبية أيضاً على المجتمع فيما لو اتيح لها التأثير الواسع ، و هو الامر الذي يتعارض مع فكرة “الاصلاح الغزالي” الذي تبنته الدراسة الرائجة ، ومنها أيضاً أن الترويج لهذا الآن يبدو ترويجاً لمنظومة أشعرية العقيدة شافعية المذهب  و لست واثقاً أن هذه المنظومة يمكن لها أن تكون فعالة اليوم كما كانت في السابق. كما إن التركيز على نجاحات الانتصار العسكري و تحرير القدس يجعلنا نغفل عن بعض  اخفاقات التجربة و الذي تمثل في سرعة تفتت الدولة الايوبية على أيدي أبناء صلاح الدين مباشرة..

لكن تحفظي الأساسي أسبق من ذلك كله، تحفظي الأهم  يستوجب إعادة النظر في كون أوضاعنا المعاصرة تشبه الأوضاع إبان وقبل صلاح الدين الأيوبي..و هو الامر الذي عدّه التيار الاساسي مسلمة لا جدال فيها .. وهذا الأمر، يؤدي طبعاً، إلى إعادة النظر  في مسألة استلهام النموذج الأيوبي ككل.

ما أقصده هنا، هو أن أمراضنا الحالية قد تشبه في بعض أعراضها الأمراض التي كان النموذج الأيوبي علاجاً لها، لكن أمراضاً كثيرة قد تتشابه في أعراضها دون أن يجعل ذلك منها مرضاً واحداً.. وإذا كان التشخيص خاطئاً، فإن الترياق الأيوبي، الذي نجح في سياقه، لن يعود ناجحاً ولا ناجعاً الآن، وهذا قد يفسر جزئياً على الأقل، السبب في الفشل المزمن الذي حاق بكل من حاول استلهام النموذج الأيوبي في الوقت الحاضر.

والحقيقة أن الأعراض وإن تشابهت إلا أنها في حقيقتها تملك جذوراً مختلفة، جذوراً ربما تحتاج منجلاً آخر غير منجل التجربة الأيوبية لكي تستؤصل وتجتث.

فواقع التجزئة والتفتت إلى دويلات، وإن بدا مماثلاً للوهلة الأولى، إلا أن جذوره مختلفة تماماً، فالتجزئة آنذاك كانت واقعاً سياسياً ناتجة عن هرم وضعف الدولة العباسية في مرحلتها تلك، كانت الدولة قد مرت بمراحل نشوئها وازدهارها، ولم تستطع أن تؤخر تدهورها وانهيارها أكثر من ذلك، وكان التفتت وتعدد السلطات السياسية، مظهراً من مظاهر ذلك الضعف.. رغم ذلك، فإن التجربة لم تكن قد كرست بعد، ولم تتعد المظهر السياسي، وكان حتى هذا المظهر السياسي يحتوي على مظاهر لا تخلو من مغزى، مثل الدعاء للسلطان، أو للخليفة، حتى وإن كان ذلك مجرد شكليات، إلا أنها صبت عموماً في داخل ذلك الشعور العام للمسلمين أن دولتهم دولة واحدة، وأنها كلها “دار إسلام”…

تجزئتنا اليوم من نوع مختلف جداً، وإذا كان لا بد من تشبيه، فهي لا تشبه أبداً تفتت الدولة الضعيفة من بعد قوة وازدهار، بل لعلها تشبه إلى حد كبير التفرق الأساسي الذي يسبق الوحدة والاتحاد، أي يشبه وضع القبائل العربية الممزقة في الجاهلية، قبل أن يوحدهم الإسلام..

التجزئة اليوم لم تعد مجرد مظهراً سياسياً، لقد صارت واقعاً ثقافياً واجتماعياً لن ينفيه   التعاطف الذي يستفز عند المحن هنا وهناك،  لقد كانت الحدود  ابتداءً مجرد خطوط رسمها الاستعمار، لكن ظروفاً أخرى حفرتها وعمّقتها وحولتها إلى واقع لا يمكن تجاوزه عبر الشعارات، هناك التباين الشاسع بين معدلات الدخل الذي جعل من بعض الدول الغنية بمنزلة (أولاد الست) وأخرى بمنزلة (أولاد الجارية) – وهناك طبعاً طرق مختلفة للتنمية والتعليم جعلت من أبناء شعوب متجاورة ينشئون بطرق متعاكسة، ويصيرون مختلفين باختصار، صحيح أن هناك أشياء مشتركة لا يمكن حذفها  مهما حدث، لكنها أشياء لا تجعل منا واحداً، بل تجعلنا نملك أشياء مشتركة، فحسب!..

ولقد أبلى المنادون بالوحدة ما غيرهم، وقبل غيرهم، في جعل الوحدة أمراً شبه مستحيل عبر مغالاتهم في العداء لبعضهم ولغيرهم في الوقت نفسه.. وهكذا تحولنا أحياناً، بسبب من تلك السياسات ونتائجها – من  شعب واحد الى عدة شعوب متجاورة، إلى شعوب متناحرة.. فليس صحيحاً تماما ما كنا نقوله سابقاً من أن العداء هو عداء أنظمة فقط، لقد صارت هناك نزعة قطرية عند الشعوب أيضاً، وأمعنت وسائل الإعلام في تكريسها وتحريشها عند الأزمات..

أي حديث عن النموذج الأيوبي غالبا ما يتجاوز هذه الحقائق التي تراكمت وتفاعلت، الوحدة في النموذج الأيوبي ضمن سياقه التاريخي كانت تأسيساً على ما سبق، كانت امتداداً لما كان موجوداً أصلاً وإن تعرض لثغرات وهنات.. وكان وجود قيادة سياسية طموحة وقوية مثل قيادة صلاح الدين كفيلة بإرجاعها إلى ما كانت عليه..

أما اليوم، ومع كل ما تكرس فإن الوحدة يجب أن تتأسس من جديد، تبدء من نقطة جديدة،مستندة إلى “مشترك” بدأ يقل يوماً بعد آخر.. وهو أمر لا يمكن لأي قيادة سياسية أن تفعله وحدها، لأنه لا يدخل في إمكاناتها، وإنما يدخل في البنية التحتية الثقافية والاجتماعية..

الأمر الثاني الذي له أهمية قصوى هنا هو أن (الآخر) في الحالتين، رغم أن لون بشرته بقي نفسه ، إلا أن كل شيء عدا ذلك قد تغير كثيراً، كان الفرنجة أيام النموذج الأيوبي، يمثلون أوربة قبل أن تمر بنهضتها وتنويرها، كانوا لا يزالون في عصورهم المظلمة، في قرونهم الوسطى، كانوا لا يزالون ممالك متفرقة ومتناحرة، تمكنت دعوة البابا من أجل إنقاذ قبر المسيح من أيدي “الكفار” من تجميعهم وتنفيذ تلك الحملات الصليبية التي تختلف كثيراً – في جوهرها – عن الحملات الاستعمارية لاحقا ، فقد كان الفرنجة آنذاك في  درجات  متدنية من السلم الحضاري مقارنة بالمسلمين الذين كانوا في اعلاه ، صحيح ان ضعف الدولة الاسلامية و تفرق المسلمين أغرى الفرنجة على الغزو لكن ذلك حدث مرارا و تكرارا مع أقوام مختلفين  تمكنوا من إحداث خرق هنا و هناك  ثم ما لبثوا ان هزموا أو ذابوا في المحيط المسلم الاكثر تحضرا  ..

 بعبارة اخرى  أي مقارنة على كافة الاصعدة الحضارية كانت ستكون لصالح المسلمين، صحيح إن حضارتهم كانت قد شاخت و أصابها ما يصيب الحضارات من تدهور و إنحلال إلا ان تراكم الخبرة الحضارية كان يجعلهم في وضع أفضل بالمقارنة ، خاصة عند توافر القيادة السياسية التي تستثمر تراكم الخبرة هذا..كما ان مفهوم “العدة و الاسلحة” في تلك الفترة لم يكن يشبه مفهومها اليوم و اسلحة الطرفين لم تكن تختلف كثيرا إن لم تكن لصالح المسلمين.

أما “الآخر” اليوم ، و منذ ان جاءنا منذ حوالي قرنين فقد اختلف كثيرا و لم يبق فيه مالم يتغير سوى لون بشرته ، لقد إختزن اللحظة الصليبية في لاوعيه لكنه اضاف الى ذلك نهضته و تنويره و قيما أخرى كثيرة قد نختلف قي تقييم منطلقاتها و أهدافها لكن قد لا نختلف أن هذا الاخر قد تمكن من تحقيق هذه الاهداف و انجز خلال ذلك ما لا ينكر على اصعدة مختلفة ، المهم ان هذا الآخر قد خرج بنجاح من عصوره الوسطى المظلمة و انجز قطيعة شبه تامة معها نحو عصر تنويره..

أما نحن فقد أنجزنا قطيعتنا مع عصور إزدهارنا و نهضتنا وولجنا في قرون وسطى لن يكون من المبالغة القول انها لا تزال مستمرة حتى ألان.. كان الفرنجة يشعرون بالنقص تجاه المسلمين رغم انهم عدوهم كفارا و أعملوا فيهم السيف و الذبح و لعل الادبيات الغربية التي اشادت بفروسية و نبل صلاح الدين كانت جزءا من الانبهار بالاكثر تحضرا.. لكن عودتهم الثانية كانت بمقاييس مختلفة : نظرتهم لنا صارت فوقية ، بينما الانبهار صار من نصيبنا و عقدة النقص سكنتنا نحن ، الآخر الذي رفس بقدمه قبر صلاح الدين و قال “ها قد عدنا يا صلاح الدين” كان قد عاد مدججا ليس بأسلحته فحسب ، بل بنهضته و تنويره التي انتجت تفكيره الجديد بالاضافة الى تلك الاسلحة..

بسبب من كل ذلك لا يمكن إعتبار سقوط القدس في الحالتين  متشابها ، سقوط القدس الاول كان نتيجة لضعف سياسي  و شيخوخة دولة ، اماالسقوط المعاصر فهو نتيجة حتمية لمسلسل انهيار حضاري وثقافي طويل، وسقوط القدس يمثل كل تخلفنا أمام كل حضاراتهم، فإسرائيل في النتيجة النهائية هي جزء من الحضارة الغربية بقيمها ومنطلقاتها، وإن امتلكت خصوصيات أخرى…

الطريق إلى القدس اليوم إذن، ليس على الإطلاق هو نفسه الطريق إلى القدس يوم حطين.. إنه لا يمر بالإصلاح السياسي ولا حتى بالمنظومة القيمية نفسها التي ساعدت في هذا الإصلاح، الأمر صار أعقد الآن، الطريق إلى القدس يجب أن يمر بكل ما هو نحن، بإعادة نظر شاملة في كل ما تراكم حتى الآن ، في إعادة بناء الذات على أسس هي نفسها الأسس التي حققت الفتح العمري للقدس، وليس التحرير الأيوبي لها.. فالنموذج العمري هنا يمثل ما يجب أن نستلهمه، إنه نموذج النهضة الشاملة التي حققها ذلك الجيل، النهضة التي حققت قطيعة مع ما سواها وأنجزت منطلقاتها وأهدافها..النهضة التي هي أكبر بكثير من مجرد نصر عسكري أو تنمية اقتصادية ..

ليس الإصلاح إذن على طريقة صلاح الدين (الناجحة بالتأكيد في سياقها)، لأن سياقنا الآن تجاوز تماماً إمكانية الإصلاح من هذا النوع، صار آيلاً للسقوط بطريقة لا يجدي فيها الترميم الذي يقترحه  الترياق الايوبي..

إنها النهضة إذن، النهضة المستمدة من تلك القيم القرآنية التي شكلت ذلك الجيل الأول الذي أنتج ضمن ما أنتج  رجالاً أمثال عمر، وأبو عبيدة، وسعد.. النهضة التي تحتاج منا ان نفهم كيف تفاعل ذلك الجيل مع القرآن و قيمه و انجز قطيعته الحاسمة مع مفاهيم الجاهلية و دخل عصر نهضته و تنويره..نحتاج الآن، في مفترق طرقنا الحاسم اليوم، أن نبحث عما يمكن أن نقول عنه: هكذا ظهر جيل “الفتح”.. هكذا ظهر جيل عمر..

 

ما بعد البوصلة …:بقلم أ.مي عباس

بسم الله الرحمن الرحيم

 

ما بعد البوصلة…

أ.مي عباس

 

بعد قراءتي لـ”البوصلة القرآنية” حدث شيء غريب حقا…فقد أصبح قلبي أكثر خشوعا…و عيني أكثر إستعدادا للبكاء!

لم أعقل في البداية أو لم أربط بين قراءتي للبوصلة و بين خشوعي! فهو كتاب أقرب للبحثي منه الى الوجداني…فلماذا إذن؟ و إذا بالرد يهزني من الأعماق…لقد كنت بشكل او بآخر ألوم تعاليم الإسلام من قبل…لم يكن الأمر بهذا الوضوح طبعا…لكنه نسج بداخل عقولنا عبر السنين ليكون قناعة ما أن الإسلام قد أتي بالجبرية علي حساب السببية و أن الإسلام ربما أدى بشكل أو بآخر لانتشار الاستبداد في بلادنا العربية ووأد التساؤل ف “كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار”…و استخدم عبر كل هذا آيات قرآنية تبرر كل ما يقوم به…

كنت ألوم الإسلام إذن …حتي وأنا أصلي و أنا أبكي …لكن القناعة تكون أحيانا غير واعية و غير واضحة بحيث يصعب الإمساك بها…فهي تنفلت دائما هاربة منك تاركة ذلك الشعور أن الإسلام دين رائع و جميل و ما شاء الله و الله أكبر …لكن هناك ثغرات …نعم…ثغرات غير محددة و غير معروفة الأسباب في الدماغ…فلم أقم يوما و أقول:

الإسلام ربما يحرض علي الجبرية و الاستبداد و الدليل علي هذا تلك الآيات القرآنية!

و لكن هذة القناعة تكون أحيانا مترسبة داخل كل فرد منا…مترسبة في أنسجة الدماغ…فنبكي و نبتهل  بل و يعلو صوتنا بالتضرع…

و تنتهي الفورة و يسكن الجيشان و نحن ننظر لله نظرة متسائلة:

كيف أدعو الله و أبتهل اليه أن ينجيني و هو الذي يصنع الأفعال و نحن محلها؟ كيف أتحمل مسؤولية قراراتي الخاطئة و ما حدث لي نتيجة لها و هو الذي كتب كل شيء و كان قادرا على أن يحميني؟

كيف ادعو الله و أخضع للإسلام و تعاليمه و هي التي حرمت علي التساؤل و رسخت أن الفقير هذا قدره و الغني غني لما أعطاه الله له..هل الأمور تدار بهذا العبث اذن؟

كيف أطمئن في سجودي و آيه “أطيعوا الله و الرسول و أولي الأمر منكم” تساعد علي بقاء حكامنا علي كراسيهم مغتبطين بما ترسخه تعاليم الإسلام من طاعة و خضوع و سكينة و صلاة هنا و تسبيح هناك …صلاة بلا “دور اجتماعي” و تمتمات حمد مزيفة يعلوها الشك و اللوم و التساؤل الذي يقف عند تخوم السلبية ولا يثب أبدا ليكون أي قناعة إيجابية؟

لم تكن الأمور واضحة في عقلي علي الإطلاق…بل و أزعم أنها كانت المرة الأولي التي أقرا فيها عن:

الجبرية ضد السببية

التساؤل ضد الاستبداد

توظيف الآيات القرآنية المجتزئة ضد شمول المعاني و تكاملها..

و لكنني وجدتني ألتهم الكتاب التهاما…أجلس لأقرأ بعض الصفحات قبل النوم فاذا بي لا أفرغ منه الا عند آذان الفجر..

لقد فجر هذا الكتاب الشكوك الكامنة و التي ربما ترسبت في جيناتي منذ” لحظة معاوية”[i]

لقد نسف الشكوك …هدمها ليترك بين الأنقاض عين دامعة و قلب خاشع…قلب كان منذ فترة قليلة أقسى من الحجارة…

لقد كنت دائما أعزي قسوة القلب الي ورد لم يكتمل هنا و تسبيح لم انهه هناك…و إن كان هذا واردا … لكن جذور القسوة أعمق…و أن أستشعر معنى الورد و جوهر التسبيح من خلال معرفتي بمبدأ السببية و التساؤل و السياق التاريخي للآيات فهو ما لم أتوقعه أبدا!

نعم نسج هذا الكتاب نسيجا جديدا داخل الدماغ…نسيجا جعلني أنظر الى السماء فأعقل…و أنظر الي العمل الصالح الفاعل البناء (الذي هو السبب الذي لابد أن ننتهجه قبل البحث عن النتائج…فالنتائج لا تهبط علينا من السماء بكثرة السجود و التسبيح) فأعرف أنه في اتصال دائم بصلاتي و تسبيحي…جعلني أدرك أن التساؤل هو روح الإيمان و جعلني أدرك المؤامرة في اجتزاء آيات القرآن التي تعرضنا لها كشباب يعتقد-بدون وعي-أن الإسلام لربما يحرض بشكل غير مباشر علي أننا غير مسؤلين عن أفعالنا و أننا لابد و أن نرضى بالأمر الواقع…

جعلني أواجه أساتذتي العلمانيين بقوة و بثقة منقطعة النظير…و هم الذين طالما استخدموا ما يعتقدون أنها ثغرات في الهجوم علي الإسلام…بل و جعلني أواجه طلبتي –وأنا المعيدة التي تدرس لهم الأدب الإنجليزي و المقارن-بعقل أصبح قادرا علي مواجهه ما ترسب في عقولهم هم ايضا من فهم خاطئ للإسلام…و الانبهار بكل ما تمثله الحضارة الغربية من استخدام للعقل و العمل البناء…و كأني أقول لهم لا تذهبوا بعيدا…ما تنبهرون به هناك…هو بين أيديكم بل و أكثر مائة مرة!

أكثر من أي كتاب في الوجدانيات…

زلزل هذا الكتاب أوتاد الشك و اللوم و الحنق و الغضب و التساؤل السلبي من قلبي…

بعد قراءته أستطيع الآن أن أقرأ في وجدانيات (“غريب في المجرة” مرة أخرى مثلا؟) بدون علامات استفهام مستترة تحمل جمرات الشك السلبي…

نحن نعتقد أحيانا أن قسوة قلوبنا سوف تزول بسجود أكثر…و هو وارد بالفعل…و لكن ماذا نفعل في تلك الجذور؟ جذوررفض ما اعتقدنا أنه يمثل اساس هذا الدين…نعم قناعات متجذرة في أعماقنا تملأنا شكا و يأسا و خيبة…

حتي أننا في قمة الفورة و القرب و الأقتراب…يواجهنا حاجز يمنع تلك اللحظات من أن تمتد لتكون عمرا بأكمله…

هذا هو ما يفعله هذا الكتاب…

 انه يحيل لحظات فورة و قرب و ابتهال..

الى عمر بأكمله…

تحية الي أستاذنا و معلمنا الدكتور أحمد خيري العمري…

 

 

 

 


 


[i] لحظة معاوية تعبير استخدم في البوصلة القرآنية للدلالة على انتهاء الفترة الراشدة ولا علاقة لها بأي دلالات ضد شخص معاوية بن أبي سفيان بل ضد ما رسخ في فترة حكمه فحسب.

كي لا تكون فورة عابرة..!

 

 كي لا تكون “فور شباب” فورة عابرة..!

 د.أحمد خيري العمري

 مجلة فور شباب

أول مرة سمعت بـ” فور شباب” أخفيت بصعوبة تقطيبة على وجهي تشي بسوء ظن مسبق بسبب التسمية ، قلت في نفسي إنها قناة أخرى  تساهم في تغريب الشباب المسلم ، و كان ذلك يعود إلى كلمة” فور” في العنوان..

لاحقا ، و عندما سنحت لي فرصة التحقق ، وجدت إن شكوكي  ليست في محلها –على غير العادة!- لم أجد شيئا يمكن أن يثبت ذلك، قد يختلف البعض في موضوع الإنشاد و استخدام الآلات الموسيقية، لكني لست من هذا البعض ، هذا أولا، وثانيا إن النقاش في هذا الأمر لا علاقة له بمخاوفي الأصلية التي أثارتها لفظة فور ، بإيحاءاتها التغريبية..

لاحقا أكثر، تشرفت بمعرفة بعض الأسماء الفاعلة في “فور شباب” فوجدتها بعيدة أيضا عن كل توقعاتي المسبقة..

لا أقول هذا كمقدمة للحديث عن حسن الظن، فلا أزال عند موقفي من التسمية و من كونها قد توحي بمضامين مختلفة وسلبية، لكني بعدما تعرفت على المضامين المحتواة،  صرت أنظر نظرة مختلفة قليلا عما سبق..

لا يعني هذا قط  أنكر أهمية الهوية  في التوازن الحضاري للفرد و المجتمع، لكننا  رأينا جميعا ، أشخاصا ملتزمين تماما بالهوية لكنهم يقدمون مضمونا تغرييبا لن تخفيه مظاهر الهوية المحافظة، كما شاهدت أناسا هويتهم محايدة –إلى حد ما ودون مساس بالنصوص الشرعية طبعا- و مضمونهم في غاية الالتزام…

لا يجب أن  يفهم ذلك على إنه تقليل من أهمية الهوية ، و لا من خطر استخدام الألفاظ الأجنبية ، لكني أؤمن بأن  المرحلة الحالية ( مرحلة الصفر الحضاري التي نعيشها بامتياز) قد تكون لها أولويات مختلفة، لا أقصد هنا أولوية المضمون و الجوهر على الهوية والمظهر، فهذا مما لا أؤمن بانفصاله حقيقة، و لا أقصد أيضا استخدام هذا الأمر كطعم لاجتذاب الشباب (فهذا ما يتحول ليصير هدفا بحد ذاته بدل أن يكون وسيلة)..لكني أقصد هنا إن هذه المرحلة (الصفرية، التي تكالبت  فيها علينا مراحل الآخرين ) قد تجعلنا نغض النظر –و لمرحلة ما- عن بعض ما لا يجب أن نغض النظر معه عندما نكون في “مرحلة حضارية منتجة”...على سبيل المثال ، التزام الجندي بقواعد الانضباط أمر لا يناقش في الأحوال الاعتيادية ، لكن عندما يكون الجندي في مرحلة حرجة، في تدخل سريع، في حصار ما، فهل يعقل أن يحاسب على قيافته وهندامه العسكريين؟ هل يعقل أن يحاسب على طول ذقنه بينما هو يخوض معركة مصيرية؟..أجد أن هناك نوعا جزئيا  من التشابه بين الأمرين..خاصة مع حقيقة إن بعض الظروف البيئية المحيطة قد تضطر الجنود إلى استخدام  إلى تقنية “التمويه”..

اليوم و أنا على وشك أن التزم مع “فور شباب” بمقال شهري ،..أحاول أن أعيد النظر بالتسمية على ضوء ما سبق، بل أحاول أن استثمر في لفظ “الفور” بلسان العرب كي يكون أقرب إلى الذهن من اللفظ الأجنبي..فأجد فيه كل ما أريد وزيادة: فهو الغليان و الوهج و الانتشار ..وهل هناك معان ترتبط بالشباب أكثر من هذه المعاني؟..هل نريد أكثر من أن يكون ذلك كله في إطاره الصحيح..أن يصب الغليان في طريق إنضاج التغيير ..أن يكون الوهج  نابعا من نور حقيقي لا من ظلام متنكر بضوء مزيف..أن يكون الانتشار مبنيا على قواعد سليمة لا على بنيان متهالك..

أطمح إلى أن يأتي يوم تتداعى كل هذه المعاني في ذهن المتلقي عندما يسمع أو يقرأ لفظ “فور شباب”..بدلا من المعنى المرتبط باللفظ الأجنبي..ولن يحدث ذلك قط إلا عندما نتجاوز مرحلة الصفر الحضاري إلى الانجاز الذي خلقنا من اجله..

أطمح أيضا إلى أن يؤدى كل ذلك إلى وضع نقطة على حرف الراء….

فيصبح فور الشباب.. فوزا للشباب..!

 

شريطان لرهائن الكنيسة ….

شريطان لرهائن الكنيسة ..

د.أحمد خيري العمري

عندما أخبرتني والدتي بأن مسلحين اقتحموا[i] كنيسة ما وسط بغداد، واحتجزوا رهائن فيها، وجدت نفسي فوراً معلقا بين الهاتف –للاطمئنان على الأصدقاء والمعارف- وبين شريط الأخبار الذي أتابع فيه ما يعلن من أحداث (وليس بالضرورة الأحداث على حقيقتها)..

كلما ارتكبت مجزرة بحق المسيحيين في أي مكان من العالم الإسلامي، يسارع الكتاب   الإسلاميون إلى الشجب والتنديد والاستنكار والتأكيد على “أن لا علاقة للإسلام بما جرى”.. لا يمكنني أن أضيف الكثير إلى هذا، خاصة وأنني كاتب “نصوصي” حتى النخاع، وأدرك تماماً أن كل النصوص لن تحرّم فقط ما حدث بل إنها أيضاً تؤكِّد على كونهم “الأقرب مودة” وتحضّ على حماية أولئك الذين هم في ذمة الله ورسوله..

لا إضافة نصوصية هنا إذن، ولا أرى أصلاً داعياً كبيراً للدفاع عن “الإسلام الحقيقي”، ليس فقط لقناعتي أن مُنفِّذي هذه المجازر لا يتحركون عبر دافع النصوص الدينية من قريب أو بعيد، بل لأنه صار من الصعوبة بمكان التصديق بكل ما يقال في الإعلام، حيث يمكن لأية جهة أن تفبرك تصريحاً ما ينسب تبني جهة ما للمجزرة، ثم تقوم باستثماره لصالحها في سوق المزايدات السياسية الرخيصة، حيث الدم الحرام هو البضاعة الأرخص…

لكني لا أريد التحدث عن هذا أيضاً، بل أريد أن أدع قلمي ينزف عن الأمر بعيداً عن “تبويس اللحى” المعتاد في هذه الحالات، أريد أن أتحدث عن جانب شخصي جداً وحميمي جداً، عن علاقتي المميزة بالعشرات من المسيحيين العراقيين، علاقة لم تؤثر يوماً في التزامي وتديني وثوابتي بل لعلها كانت ذات أثر ايجابي.. من السهل جداً على من يدَّعي متانة علاقته بالمسيحيين ويكون غير ملتزم في الوقت ذاته أن يبعث برسالة خاطئة مفادها إن سبب مرونته هو “عدم التدين” .. وأن التدين يؤدي بالضرورة إلى الانغلاق في العلاقات مع  المسيحيين أو عموم الأديان الأخرى.. كما أنه من السهل جداً على متديِّني التمييع من ظرفاء  “قبول الآخر” أن يبعثوا برسالة خاطئة أخرى تخلط بين التعايش الصحي الحقيقي وبين التماهي الذين يروجون له تحت شعار “قبول الآخر”..

بعيداً عن كل هذا، أريد أن أثبت- أنا الكاتب الذي يصنف بأنه  إسلامي، والذي طالما كتب عن الثوابت الإسلامية، وطالما خاض حروباً في سبيلها-  أريد أن أثبت أن كل ذلك لا علاقة له من قريب أو بعيد بعدم الاختلاط أو عدم وجود علاقة مودَّة بنَّاءة مع المسيحيين.. بل إني أجد الأمر غريبا وفجَّاً ويحتاج إلى استجواب كل شيء منذ البداية..

قبل نزيف قلمي أودُّ أن أثبت أيضاً أمرين:

الأول: أن انتقاد قيم التغريب لا علاقة له بالمسيحية عموماً، ، وبالمسيحيين العراقيين بالأخص  ، كل من يخلط ذلك يعني أنه لا يفهم الكثير لا عن القيم الغربية الحالية، التي ولدت أصلا بالانفصال عن الكنيسة- ولا عن المسيحيين العراقيين عموماً (الذين عرفوا بالتزامهم الأخلاقي العالي وحشمتهم).. فلنتذكر فقط أن رؤوس الحراب الحاليين في الترويج  للتغريب هم من مسلمين لا جدال في نسبهم ونشأتهم..

الأمر الثاني الذي أرى لا بد من توضيحه: هو أن المسيحيين العراقيين لم يكونوا قط أقل وطنية من بقية  العراقيين، أقول “لم يكونوا أقل وطنية”، ولكن تستحضرني مواقف كثيرة كان فيها بعض المسيحيين أكثر وطنية من أغلب العراقيين.. المسيحيون العراقيون لديهم شعورٌ عالٍ بأنهم “أهل البلد” الأصليين قبل الفتح الإسلامي، وهي حقيقة لا شك فيها من الناحية التاريخية إلى حدٍّ كبير، قد لا يكون للأمر أهمية كبيرة بفعل التقادم، لكنها رغم ذلك  منحتهم أيضاً شعوراً بعراقيتهم دفعهم إلى أن يكونوا مع العراق ضد محاولات الانفصال والتقسيم، وهو ما جعلهم يدفعون ثمناً غالياً (وهو ثمن مسكوت عنه أيضاً.. لا أحد يتحدث عن ذلك للأسف..) ..

هل يعني ذلك أنهم كانوا محصنين من الانخداع بالوعود الأمريكية؟ لا طبعا، لكن نسبة المنخدعين لم تكن أكثر عنها في بقية المكونات، ولعلها كانت أقل إذ إنهم أدركوا مبكراً أن وزنهم النوعي –الذي يفوق بكثير وزنهم العددي- سيتعرض للإهمال في ظل نظام” ديمقراطي عددي” لا يفرق بين صوت صاحب أعلى الشهادات والخبرات وبين صوت الشخص الأمي..

جرني شريط الأخبار إلى شريط آخر في ذاكرتي، شريط حافل بالعشرات من الأسماء لمسيحيين عراقيين، لا أتحدث عن أسماء لامعة وبارزة تركت أثرها في مختلف الميادين، فذلك ليس مجاله هنا، بل أتحدث عن أسماء عرفتها وخبرتها على نحو شخصي..

في شريط الذاكرة معلمتي الأولى في الصف الأول الابتدائي في مدرسة المنصور التأسيسية، الست كريمة، ضاع مني لقبها ولم يضع وجهها الأليف، علمتني أبجديتي الأولى، ولم تكن تدري أنها تزرع في داخلي ألغاماً، وعلمتني  أيضا كيف أرسم العلم العراقي فزرعته في قلبي و ليس في دفاتري فقط، ..(عرفت لاحقاً أنها كانت معلمة زوجتي أيضاً..)…

وفي شريط الذاكرة تحضر من موتها السيدة الفاضلة سعاد فرنكول، كانت توصلنا كل صباح إلى المدرسة بينما نقوم نحن بإيصال ابنتها هبة في الظهيرة، كانت مربية فاضلة و ذات حديث شيق لا يمل..و كانت تقول لي كلما رأتني ، بلهجتها الموصلية الأصيلة”شميت طولك..”.

في شريط الذاكرة تحضر تلك السيدة الأرمنية الأصل التي احتضنها العراق بعد هجرة الأرمن، والتي كانت مربية لوالدتي ومن ثم مربية للأحفاد بمرتبة “جدة”،  كانت عراقية تماماً بكل وجدانها ومشاعرها (عندما قال لها بعض أقاربها إن منزلها سيؤول إلى الحكومة العراقية بعد وفاتها لأنها بلا وريث، قالت بحزم: الحكومة العراقية هي التي آوتني  يوم كنت مشردة، فلتأخذ البيت لها..).. قبل وفاتها أوصت دادي كما كنا نسميها  بكل مصاغها لكنيسة الأرمن.. “لكي لا يقال عنكم إنكم أخذتم ذهبي..” ..في شريط الذاكرة أيضا يمر الأب الشاب( فازكين) الذي جاء من الكنيسة وأشرف على تفاصيل المراسيم والدفن، لا أزال أذكر دهشته وامتنانه عندما وجد أن تلك السيدة كانت فرداً من العائلة بكل ما في الكلمة من معنى.. ظل الأب فازكين بعدها يتفقد، ويسأل كما لو أن الحدث قد أضاف صلة ما بيننا.. وبقيت والدتي تتبع  باهتمام أخباره وأخبار زوجته، وإن كانت قد أنجبت صبيا أم لا ( كان لديه ثلاث بنات).. ثم انقطع كل شيء مع الاحتلال حيث صار التواصل خطيراً وصعباً في الوقت نفسه ( انقطعت كل خطوط الهواتف تماماً، وصار عليك إن أردت أن تتفقد شخصاً ما أن تذهب له بلحمك ودمك، وكان هذا صعبا جداً في ظروف منع التجول والانفجارات..)

يتقاطع شريطا الذاكرة والأخبار مع طبيبتين كانتا ضمن الرهائن، ولهما في شريط الذاكرة موقع أيضا.. (أ.ع) و(و. ر)[ii].. الأولى تركت في داخلي أثراً لا ينسى يوم أنَّبتني بحزم على تقصير قمت به وأنا في بداية حياتي المهنية، فتعلَّمت درساً في أخلاقيات المهنة والوظيفة بشكل عام.. أما (و.ر) –التي أصيبت في الحادث ولا تزال ترقد في المستشفى- فلا شيء يمكن أن يعبر عن احترامي لها وتقديري لرقيها الشديد في كل ما تفعله.. ذهب زوجها الطبيب ضحية انفجار عبثي قبل بضع سنين.. وبقيت هي صامدة كما لو كانت نخلة “برحية”[iii] تأبى الانكسار، حتى إصابتها في الحادث لم تتسبب في كسر هذه النخلة.. فقط “فطر” في  عظم الحوض..!

في شريط الذاكرة أيضا  طبيبان كانا زميلين لي، ممتاز جوزيف، وسامر قسطو، روى لي كلٌّ منهما –على حدة- عن ردة فعله الأول عندما شاهد “الدبابة الأمريكية”.. وفي الحالتين كان الكلام متطابقا.. لقد دمعت عيناهما عندما شاهدا” ذلك الشيء” فجأة على أرض الوطن الذي انتميا له منذ آلاف السنين.. لم يخفف بالنسبة لهما أن دين الجندي في الدبابة هو على الأغلب مثل دينهما.. لم يكن ذلك مطروحا بالنسبة لهما..

في شريط الذاكرة أيضا ردة فعل الزملاء المسيحيين عندما انتشرت أنباء –بعد فترة وجيزة من الاحتلال- عن قيام بعض الجمعيات الأجنبية بتوزيع أناجيل مصورة على مرضى مستشفى الأطفال في منطقة شعبية ذات أغلبية مسلمة.. لم يشعروا مثلا بالانتصار والاستقواء –الذي نسمع أنه يحدث في أقطار أخرى- بل كانوا قلقين من ذلك.. أذكر ما قاله (ر. ك) تحديداً: قال “لقد كنا دوماً في أمان، هذا الأمر سيُفسد علاقتنا بالمسلمين..”. لا أعتقد إن هذا هو ما حدث اليوم، فالأمر أشد تعقيداً من كل ذلك، لكني أنقل فقط ردة فعل المسيحيين العراقيين تجاه ذلك..

تعرض لاحقاً (ر. ك) لتهديد بالخطف اضطر معه إلى دفع “فدية” استباقية !..، أي أن تدفع فدية قبل أن تخطف كي لا تخطف.. كما هي الأمور في دوائر العبث واللامعقول العراقية.. كنت قد غادرت العراق وقتها، لكني تابعت الأمر (كل نصف ساعة) هاتفياً..

في شريط الذاكرة مديري المزمن (س.إ).. مثال الانضباط والنزاهة، قلت له مازحاً وبجدية تامة، -ولا أزال أقول وأنا الكاتب الإسلامي الموقع أدناه وأعلاه-: إنه لو رشح لرئاسة العراق لانتخبته،.. كان مديراً مثالياً منضبطاً وفي الوقت نفسه لم يسقط في فخ الروتين التعقيدي الذي هو صفة لازمة لمعظم الإداريين المنضبطين.. كان (س.إ) يتدبَّر أمور المركز في فترة الحصار الذي شحَّت فيه الأدوية، -و فترة ما بعد الحصار الذي “سرقت” فيه الأدوية !!-كان يتدبَّرها بحركية بالغة.. يشمّ خبراً: إن المستشفى الفلاني لديه كمية من المخدر دون أن يكون لديهم طبيب أسنان، فيخاطبهم بالوسائل الرسمية وغير الرسمية ليقوم بسحب هذه الكمية، يجامل هنا ويتحمل ثقل الدم هناك في سبيل أن يوفر الخدمات للمواطنين (بغض النظر عن دينهم..).

لم ينزعج مرة من ذهابي أنا أو زيد لصلاة الظهر في الجامع القريب أثناء فترة العمل الرسمي (بينما أنبني على ذلك مدير مسلم!!)..بل إنه كان أحياناً ينبهنا بنفسه للذهاب إلى الصلاة..!

وفي الشريط أيضاً (ب.س).. المثالية إلى درجة كنت شخصياً لا أصدقها في البداية، ثم خبرت صدقها بالتدريج، كانت لكي تتأكد أن المواد الطبية لا تتسرب، تقوم بتفتيش “سلة المهملات” وتحسب كم “عوداً من أعواد حشوة الجذر”.. ثم تقارن العدد مع السجلات..!!

وفيه أيضاً (س.إ)، التي عرفتها أولاً عندما كنت طبيباً متدرباً، ثم صرت زميلاً لها، كانت تعامل الجميع بأمومة رغم أنها لم تكن تكبرهم بكثير، وكانت أمومتها هذه تجعلها قريبة من الجميع حتى عندما تحاسبهم أو تحاسبهن.. في كل مرة تحكي لنا عن شقاوة ابنها (ميلاد) وكيف أنه صلَّت له في الكنيسة كي يهديه الله، كنا نضحك بخبث أنا وزيد، ونقول لها أن تحذر من دعوات كهذه.. لأن الدعاء قد يستجاب ويصير ميلاد مسلماً.. فكانت تغرق في الضحك، ويمر الأمر بلا تصعيد أو تأزُّم من أي نوع..

أستطيع أيضاً أن أحدِّثكم عن (ش.ف)، ونقاشات لا تنتهي إلا بضحكة ومرح مهما كان فيها من المنغِّصات، أو عن “سوزان هنودي” وزوجها جراح الأدمغة “عمار مجيد”  الذي لو كان في بلد آخر ( أو في العراق في وقت آخر) لما أهدر وترك ليهاجر كما فعل.. (كانت آراؤنا أنا وسوزان شديدة الاختلاف، وقد حدث أكثر من مرة أن تصادمنا وإن انتهى الأمر ببكائها..-وهو أمر ليس نادراً معي  !!-.. لكن ذلك لم يقطع قط حبال الودّ والاحترام والتفقد حتى بعدما تفرقت بنا السبل كل في اتجاه.. ربما كان إصرارنا على هذا التفقد بمثابة تحدٍّ لكل ما يتربص بنا من استهداف لهذا التعايش..)

في شريط الذاكرة حتماً رفيق دربي اليومي إلى عملي في كربلاء، عامر نافع،.. الذي خطف لاحقاً من عيادته على يد مسلحين “يرتدون ثياب الشرطة !”، ودفع جني العمر لكي لا يقتل، ترك العراق بعدها وانتهت به الرحال إلى أمريكا.. وأستطيع أن أعاير به الكثير من مسلمي الهوية عندما أقول لهم إنه هو، المسيحي الموصلي العراقي الأصيل، يصرُّ على أن يتحدث مع ابنه (فيصل!!) باللغة العربية.. بينما نجد متحجبات( ومتحجبين!)  يلوون ألسنتهم ويتحدثون باللغة الإنجليزية مع أبنائهم، ويحرصون على ألا تشوب اللفظ الانجليزي شائبة لكنة عربية لا سمح الله..

تمرُّ في شريط الذاكرة (أ.ج)، موظفة الأفراد الطيبة في تعاملها مع الجميع (بينما يفترض التوصيف الوظيفي لموظفي الأفراد أن يكونوا عابسي الوجه طول الوقت).. وتمرُّ في الشريط أسماء أخرى غيبتها السنون والمنعطفات: رافل فائز تبوني، سرمد عزيز، بشار غانم، فرانك بولص، فراس نائل،نينوس بولص،سامر كلو ،فادي فائز، وسام جنان وأسماء أخرى أعتذر منها إن سقطت سهواً دون أن تسقط مودتها.. وتمر في الذاكرة زميلات دراسة عرفن بأخلاقهن وحشمتهن ومحافظتهن: تحضرني  بان رسام، وفرح زهير، وصدى حكمت، وبلسم،هيام كرم .. ومي خالد دنو ( قام المعيد في مختبر علم أمراض الفم بتسريب أسئلة الامتحان تقرباً من مجموعة الفتيات ورغبة في نيل ابتسامة منهن، لكنه نال كلاماً كالصفعة من مي دنو صاحبة الضمير المستيقظ دائما، قالت له موبخة: كيف تبيع ضميرك؟ بينما  أسرع هو  ليغير الأسئلة مذعوراً ربما خوفاً من أن تكمل مي الصفعة وتخبر رئيسة القسم!..)

يرتبط الشريطان في ذهني، شريط الأخبار الدامي المروع، بكل ما فيه من عبث وجنون، وشريط الذاكرة بكل ما فيه من صدق وتعايش ومودة.. أدرك بهلع أن شريط الأخبار له الغلبة في الواقع، وأن شريط الذاكرة قد اختفى من الواقع، وصار مجرد ذكريات، ببساطة لم يعد أولادي الذين يكبرون خارج العراق يعرفون شيئاً اسمه “مسيحي عراقي”.. وأظن الأمر مشابهاً للمسيحيين العراقيين في الخارج حيث يكبر أبناؤهم وهم لا يعرفون ” أي عراقي مسلم”.. لقد كان التعايش حقيقة يومية بلا تنظير ولا مزايدات، وصار اليوم مجرد شعارات لا يصدقها حتى من يستخدمها، بل بالذات من يستخدمها في مزايدات السياسة الرخيصة.. فعندما يُسلَب “العيش المشترك” لا يعود للحديث عن التعايش أية قيمة حقيقية… بل يصبح مجرد كلام جرائد لا يساوي ثمن الورق الذي طبع عليه..

لم يكن المسيحيون العراقيون وحدهم من دفع الثمن، فقد دفع الجميع الثمن، ولو فتحنا ملفات الجروح والضحايا لما انتهينا، لكني أريد أن أثبت هنا أن التدين والالتزام لا يتناقض قط مع التعايش والمودة الصادقة الحقيقية، بل على العكس يمكن أن يكون أساسا لعلاقة بناءة… وهي حقيقة يغيظني مجرد اضطراري للتذكير بها..

لست من فريق “ماكو[iv] فرق” ، فالفروق موجودة عقائدياً ودينياً، ومن الطبيعي جداً، بل من البديهيات أن يؤمن كلٌّ بأن دينه هو الأفضل والأصح.. هذا هو الإيمان بالتعريف، الهندوسي يؤمن بذلك والسيخي واليهودي وكذلك المسلم والمسيحي، ومن السخف تسطيح الفروقات والادعاء أنه لا فرق (إلا بالنسبة لمن لا دين له، وهذا أمر آخر)..

نعم هناك فرق، ولكني أزعم أنه فرق لا يؤثر على التعايش، ولا يؤثر على التعامل ولا يؤثر على المواطنة، بل إن الإيمان بوجود “فرق” هو ما حفظ للمسيحيين هويتهم عبر القرون، وجعلهم  يحرصون على التميز والإنتاج من خلال هذا التميز(وهو درس علينا أن نعيه اليوم نحن المسلمين لأن هويتنا تتعرض للتذويب بوسائل مختلفة، والإيمان بأن تميزنا  وقوتنا هو في اختلافنا أمر مهم للحفاظ على هذه الهوية..).

نعم هناك فرق، والمهرجون الذين يقولون شيئا آخر لا يعون أنهم بادّعاء إلغاء الفوارق يلغون تمايز المسيحيين وهويتهم التي حافظوا عليها عبر القرون، الفروق أمر طبيعي، ومن المهم الإيمان بها والإيمان أنها لا تفسد للود قضية..

كل النزيف الماضي كان دليلاً شخصياً على ذلك.. صرخة وفاء عابرة لزمن التعايش  الجميل  الذي علينا أن نقر أنه مفارقنا بلا عودة…

استدراك :بعد نشر المقال ،اتصلت والدة زوجتي الدكتورة نهلة الشابندر لتعاتبني و زوجتي على عدم ذكر واقعة أخرى لها علاقتها في السياق،لم أذكر الواقعة لأني لم أعرفها..

عندما صامت زوجتي رمضانها الأول ،نالت كما يحدث عادة الكثير من التشجيع من الأقارب و الاصدقاء-المسلمين عادة- لكنها نالت هدية استثنائية غالية(قلب ذهبي) من الدكتورة رمزية توما صديقة والدتها الحميمة..و الدكتورة كما هو واضح مسيحية و لم يمنعها ذلك من تلك العلاقة الحميمة مع والدة زوجتي التي لم تكن مسلمة فقط،بل كانت ولاتزال داعية و هي أول طبيبة محجبة في العراق..

تلك الهدية-القلب الذهب-  في تلك المناسبة هي أجمل رمز لذلك التعايش الصحي الجميل الذي تحدثت عنه



[i] بتاريخ 31/10/2010 وفي أثناء قداس الأحد، اقتحم مسلحون كنيسة سيدة النجاة في منطقة الكرادة وسط بغداد و قاموا بتفجيرها واحتجاز المصلين فيها كرهائن، بعد بضعة ساعات أعلن مسئول أمني حكومي نجاح عملية تحرير الرهائن،ثم أتضح أن النجاح لم يكن أكثر من مجزرة راح ضحيتها 58 فردا…

[ii] الأحرف ألأولى للأشخاص الذين لا زالوا في العراق ، لأسباب أمنية.لا أحد  يعرف بالضبط مالذي يمكن أن يزعج الميليشيات.

[iii] البرحي،أفخر أنواع النخل العراقي، يتميز بلونه الأصفر الذي يجعل النخلة تبدو شقراء.

[iv] ماكو تعني باللهجة العراقية الدارجة لا يوجد، و اصلها “ما يكون”