القرآن لفجر آخر….على قناة الرسالة و قناة القرآن الكريم الجزائرية

القرآن لفجر آخر…على قناة الرسالة

القرآن لفجر آخر برنامج مختلف قدم فيه المهندس طلال القدسي رؤية فنية مبهرة لنص كتبه الدكتور العمري في أربعين حلقة في جزئه الاول..

البرنامج يعرض في الأوقات التالية (بتوقيت مكة المكرمة-غرينتش +3)

العرض الأول- السبت الساعة الخامسة و النصف مساءا

الإعادة الثانية-الأحد الساعة الثانية و النصف من بعد الظهر.

الإعادة الثالثة-الرابعة فجرا الخميس (أي الأربعاء متأخرا..!)

الإعادة الرابعة- الثامنة والنصف صباح الجمعة

 

كما ان البرنامج يعرض على قناة القرآن الكريم الجزائرية الساعة التاسعة  و خمس وعشرين دقيقة مساء و يعاد الساعة الواحدة إلا ربعا صباحا من كل يوم.(بتوقيت السعودية..)

ترددات قناة القرآن الكريم(الجزائرية الخامسة)


الترددات
HOTBIRD
11034
v
27500
__________

AB3 عربسات  غربا 5 درجه
11065
H
27500
———–
نايلسات (Nilesat 7W)

10930
H
27500

نتمنى للجميع مشاهدة مثمرة..

علما إن البرنامج بوشر بعرضه منذ 18/9

أي إن الإعادة ستكون بالأوقات المذكورة

والحلقات التالية بنفس المواعيد في الأسابيع التالية…

 

(ما ملكت أيمانكم)… تحت المجهر : سهير أومري

 

 

(ما ملكت أيمانكم)… تحت المجهر

دراسةٌ إعلاميةٌ لما ظهر وما خفي فكان كلٌّ منهما أعظم…

الإعلامية: سهير علي أومري

لا يخفى على أحد الزوبعة الإعلامية التي حدثت حول مسلسل “ما ملكت أيمانكم” وكيف أن المخرج نجدت أنزور طلب التريث في إطلاق الحكم على المسلسل ريثما ينتهي عرضه مؤكِّداً على أن رسالة المسلسل إيجابية يريد من خلالها تسليط الضوء على أخطاء فئة من المتدينين الذين لا يحجبهم الدين عن منكر أو فاحشة، ويتذرعون بالدين لمنافعهم الشخصية وشهواتهم الآثمة… فكان هذا المسلسل الذي حمل في عنوانه تحدياً كبيراً للقيم الإسلامية، وكان منذ اختياره يعزف على وتر حساس لدى المسلمين لكونه جزءاً من آية كريمة يشار من خلالها إلى الرقيق… ولقد أردت أن أمتثل لطلب المخرج وأتريث في تقييم رسالة المسلسل وهدفه وآثاره ريثما ينتهي بعد أن تابعته بنفسي، ومن منطلق الأمانة التي أجدني أحملها أمام أمتي وديني (ولم يكلفني بها إلا مولاي وخالقي توفيراً على من سيطالبني بإغلاق التلفاز إذا كان المسلسل لا يعجبني) لذا فقد رأيت أن الوقت قد حان لتفنيد هذا العمل وتحليل أفكاره وآثاره على المجتمع…

بسم الله أبدأ

في البداية وقبل الشروع في الدراسة يجب توضيح أمرين هامين وهما:

الأول: أن المسلسل يتناول قضايا إسلامية وشرائح إسلامية عديدة وبشكل صريح ومباشر لذا فالرد سيكون على مستوى الطرح بمعنى آخر: لن يجد أعداء الدين والملحدون وكارهو الإسلام لكلماتي منفذاً لا إلى عقولهم ولا إلى قلوبهم لذا أنصحهم أن يوفروا وقتهم في قراءة هذه الدراسة، وإن لم يفعلوا فهذا اختيارهم ولن أستغرب هجومهم أو انتقادهم…

الثاني: أن الشريحة التي تم انتقادها لا تمثل مهنة كالطب أو التعليم وبالتالي فتسليط الضوء على أخطائها ليس كتسليط الضوء على فساد الأطباء أو المعلمين ذلك لأن هذه الفئة تمثل أيدلوجية فكرية وعقيدية كاملة تتعلق بها جذور البنية الحضارية والتاريخية لأمتنا (شئنا أو أبينا!!)…

والآن ستكون دراستي مبنية على نقاط محددة كلٌّ منها يتناول جانباً من جوانب المسلسل بادئة بما قدمه المسلسل من أفكار إيجابية بناءة تفيد المجتمع وذلك لأكون منصفة وهذه الأفكار هي:

الفكرة الأولى: تسليط الضوء على جرائم الشرف التي لا تمت للدين بصلة وما فيها من ظلم كبير للضحية.

الفكرة الثانية: تسليط الضوء على عقائد فاسدة تتعلق بمبدأ لا يمت للدين أيضاً بصلة وهو: الغاية تبرر الوسيلة، وكشف الزيغ والزيف عن قضية الجهاد والتفريق بينه وبين جرائم قتل الأبرياء وسلب أموالهم وتحديد العدو الحقيقي لأبناء الأمة…

أما الأفكار السلبية فهي:

1- التعرض لمعنى قرآني عمل الإسلام على إلغائه وهو الرق بإسقاطه على حالات اجتماعية سيئة الإسلام بريء منها:

فأحداث المسلسل تتناول فئة من الفتيات اللواتي تحكَّم بهن الجهل والخوف وظروف المجتمع البعيد عن تعاليم الإسلام حتى وصلن إلى ما هنَّ عليه من الضياع والعبودية، وتسمية هؤلاء بعبارة من القرآن أطلقها الله تعالى على فئة في المجتمع وهن الإماء أمرٌ فيه ما فيه من الإساءة لأحكام الدين وتعاليمه، وخاصة أن الإسلام كان أول من وضع قدماً على طريق تحرير العبيد قبل أي أحد في العالم، (ولستُ الآن بصدد الخوض في هذه التفاصيل)، ولكن كان في هذا العنوان إساءة ربما لم يقدرها السيد المخرج أو السيدة الكاتبة… فأيُّ مقاربة كانت بين هذه العبارة وبين قصص بطلات المسلسل؟!، ولو كان المقصود استخدام أي تعبير عن الجواري والإماء لكان الابتعاد عن الدلالة القرآنية أولى…

2-             الرابط السلبي والجرعة السلبية المدمرة فيما يتعلق بالمتدينين:

فقد قضينا مع المسلسل 30 ساعة من المشاهد السلبية التي تصور بشاعة تلك الفئة التي تلتزم بالدين ظاهراً ولكن في الحقيقة تتحكم بها ثلاثة أمور هي: الشهوة والجهل والسلطة…

الشهوة التي جعلت ليلى تقترب من الحرام وصديقتها ديمة تقع في الحرام وتعاشر الشباب مع أنها منقبة مثلها ومن هؤلاء الشباب كان توفيق أخو ليلى، كما جعل توفيق يقارف الحرام مرات ومرات، والجهل الذي جعل توفيق أيضاً يقتل الأبرياء ويختلط عليه مفهوم الجهاد، ويسرق ويجلد أخته دون وجه حق، والجهل الذي جعل ليلى تدمي جسدها لتتخلص من شهوتها، وجعل الآنسة هاجر (الشيخة) تشجع على جلد ليلى وتحرض عليه، والسلطة التي جعلت توفيق يساعد نسيب الهشيمي في وصوله إلى مجلس الشعب مقابل المال ومقابل كسب الدعم ليبقى هو قائداً في جماعته قادراً على الحل والربط والتحكم بالعباد، والسلطة التي جعلت الآنسة هاجر تفرح بتحلق الطالبات حولها فتجنح إلى غسيل أدمغتهم لتضمن اتباعهم لها والتمسك بمرافقتها والالتفاف حولها…

وهنا تكمن خطورة المسلسل في أن هذا الكم الكبير من المشاهد السلبية والمواقف المنفرة على مدى هذه الحلقات الطويلة قد شكلت لدى المشاهد رابطاً سلبياً تجاه أيِّ أحدٍ يشبه هؤلاء… أي أحد (ملتحي – ترتدي حجاباً– حجاباً أبيض مربوطاً حجاباً كحلياً– منقبة…) أي أحد كهؤلاء سيبدو لأفراد المجتمع شخصاً سيئاً منفراً قيد الاتهام ريثما تثبت براءته، وهو شخص غير مرغوب فيه في المجتمع، وهذا كما أسلفت لأن ما يمثله هؤلاء ليس مهنة كالطب أو التعليم بل هم يعبرون عن ثقافة فكرية وتوجه عقيدي ترتبط به الأمة ارتباطاً وثيقاً… وفي هذا ضرر وأي ضرر على الأجيال والمجتمع ككل في كونه يعمق الهوة بين المتدينين المعتدلين القائمين على الحق والذين لهم شكل هؤلاء ذاته، وبين عامة الناس من أفراد المجتمع والأجيال الناشئة.. حتى إن إحدى الفتيات وهي شابة في الـ 20 من عمرها قالت لي في العيد: بعد هذا المسلسل أصبحت كلما رأيت منقبة أو ملتحي أرتجف وأبتعد عنهم لا شعورياً… والسبب الأساسي في هذا الأمر هو ما سيأتي في ثانياً

3-              غياب البديل الإسلامي الإيجابي وما في ذلك من اتهام مباشر بانتشار النقيض:

لقد ترسخ التنفير من فئة المتدينين بسبب أن المسلسل لم يقدم البديل الإسلامي الإيجابي عدا شخصية الشيخ عمار الذي عمد المخرج من خلاله إلى تقديم الموقف الإسلامي الصحيح في قضية الجهاد وجرائم الشرف، ولكن الشيخ عمار لم يكن إلا كتاباً متحركاً يحكي الرأي الإسلامي ويقدمه…. بمعنى آخر لم يكن له أي بعد نفسي أو اجتماعي فلم نره أباً ولا زوجاً ولا شخصاً منتجاً في المجتمع لذا لم يكن نموذجاً إيجابياً للمسلم الحق… أما فيما يتعلق بمحمود والشيخ عبد الوهاب فأي صورة إيجابية قدمها كل منهما!!!

محمود الذي وافق زوجته على نزع الحجاب واكتفى بأن طلب منها أن تختار لحياتها ما تريد وأن تعرف ماذا تريد وأنه سيبقى معها يساعدها بكل ما أوتي من قوة…!!

هل هذا يعني أن الحجاب ليس فريضة!!

محمود الذي اعترض وبحزم على دخول زوجته إلى البار وجلوسها مع الذين يشربون الخمر ثم سكت عندما طلبت منه أن تجرب الحياة لتختار هي ما تريد!!

هل هذا يعني أن على المسلم المعتدل أن يجرب المعاصي ليختار الطاعة!!

محمود الذي عمل على انتقال بيتهم من الحي الإسلامي لتعيش زوجته مبتعدة عن التيار الإسلامي المنتشر في الغرب ولتتخلص من نصائح المسلمين القاطنين فيه وانتقادهم بسبب نزعها الحجاب!!

هل هذا تأكيد على تعنت المتدينين في الغرب والسعي للابتعاد عنهم ليعيش الفرد بسلام!!

والشيخ عبد الوهاب السلبي الذي لا حول له ولا قوة، والذي استطاع ابنه تنفيذ حكم جاهل غبي بحق أخته فلم يفعل شيئاً ولم يحرك ساكناً!!

الشيخ عبد الوهاب الذي لم يملك الجرأة ليواجه ابنته بعد أن ظلمها أخوها فلم يودعها ولم يقبل رؤيتها قبل سفرها!!

الشيخ عبد الوهاب الذي لم يستطع أن يربي ابنه على نحو يميز من خلاله بين الحلال والحرام ولا حتى على نحو يلتزم فيه العفة…!!

الشيخ عبد الوهاب السلبي الذي لا عمل له إلا الجلوس في الجامع!!!

الشيخ عبد الوهاب الذي يتحدث بالفصحى حتى في بيته حتى نرى فيه نموذجاً جافاً وغير عملي للحياة الأسرية!!

الشيخ عبد الوهاب الذي استقبل ابنته دون حجاب واعتذر منها عن جلد أخيها لها وفي النهاية يذكرها فيقول لها: أين العهد يا ابنتي؟؟ دون أن يصرح بكلمة الحجاب فتؤكد له: أن العهد هو عهد الإيمان والذرية الصالحة وأن ورده ما زال معها وستحتفظ به لابنها عبد الوهاب حتى يكبر!!! فيسكت ويصمت وينتهي الموقف!!!

بربكم أهذه هي الشخصيات الإسلامية المعتدلة التي قدمها المسلسل لتقدم الصورة الحقيقية للإسلام المعتدل والمسلمين الإيجابيين؟؟؟ وهل ما قدمته هذه الشخصيات تمثل الدين الحق أم الدين كما يراه السيد المخرج والسيدة الكاتبة!!…

ربما سيقول قائل الآن: وهل يُفترض أن يتم ذلك؟ لم لا يشاهد المشاهد الصورة السلبية فقط؟!! هل إذا قدم المسلسل نموذج رجل الأعمال الفاسد كان عليه أن يقدم نموذج رجل الأعمال الصالح كي لا يقال إن هذا تأكيد على أن كل رجال الأعمال فاسدون؟؟!! أقول: لا بالتأكيد إن هذا ليس ضرورياً فالنقد والإصلاح يمكن أن يكون بتقديم الصورة السلبية فقط بطريقة منفرة لتعزيز كرهها والتنفير منها… ولكن عندما تكون هذه الصورة السلبية تتعلق بمن يمثل تياراً فكرياً أو عقيدة معينة وليس مهنة معينة أو وضعاً اجتماعياً فإن الموضوع عندها يكون قد لامس خطاً أحمر وخاصة إذا كان هذا التيار الفكري أو العقيدة تتعلق بها البنية الحضارية والتاريخية لأمة ما…

4- تمييع المفاهيم وتحريف أسس الدين والطعن على الجماعات الإسلامية:

إن كل عمل إعلامي يتضمن عرضاً لأحكام شرعية أو فقهية يذكر عادة مصدر توثيقها، وقد أشارت الكاتب في إحدى لقاءاتها الصحفية أنها استعانت في كتابة المسلسل بمشايخ وفقهاء ممن يعيشون في مكان إقامتها في لندن لتوثيق الأحكام التي ضمنتها في المسلسل، فإذا كان الأمر على هذا النحو أفلم يكن توثيق ما جاءت به  في المسلسل بذكر أسماء الفقهاء والمشايخ ونسب الأحكام إليهم أولى احتراماً لعقل المشاهد وثقافته أم أن أي أحد كان يملك رؤيا في الدين وأحكامه يأتي ليقدمها للناس ويشيعها!! وخاصة أن الكاتبة نوهت في صحيفة الأهرام المصرية ( السبت 26 من شعبان 1431 هــــ   7 أغسطس 2010 السنة 135 العدد 4516) في حوار أجراه معها محمود موسى فقالت: “وسأكون كاذبة إذا قلت إن نساء ما ملكت أيمانكم ليس منهن شيء مني‏…..‏لسبب بسيط جدا‏…‏أنا امرأة مثلهن وعكست من خلالهن كيف تفكر المرأة‏…‏ كيف تشعر‏…‏ كيف تغضب وكيف تحب‏….‏ كيف تشتهي الرجل‏,‏ وربما في كل شخصية منهن شيء مني للحظات كثيرة مثل ندين بعلاقتها مع والدها أمين‏….‏هناك مشاهد وهي تعانق ذراع والدها وتمشي تعكس ذكرياتي مع والدي‏……‏ رغبة ليلي بجهاد‏….‏ و نظراتها له‏…‏ ورغبتها الأنثوية به‏…‏ربما انعكاس لرغبتي الأنثوية أنا كامرأة بالرجل وما أحبه بالرجل ولا أقصد جهاد هنا بل الرجل بشكل عام‏…..‏وربما حساسية عليا تشبهني‏….‏” فهل تقديم عمل تعكس فيه الكاتبة حالها وأوضاعها يبرر لها أن تقدم أحكام الله تعالى كما يحلو لها بحيث يغدو الحجاب ليس فرضاً وأحد عوامل التحرر من ربقة العبودية والخنوع يكون بالابتعاد عن الحجاب وتركه… وليغدو أيضاً الإيمان كما جاء في كلمات أغنية الشارة (بالقلب لا بالمظاهر) مع أن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل وكان التزاماً بالظاهر والباطن معاً وليس بالقلب فقط…

ولتغدو الجماعات الإسلامية النسائية (كما تريد الكاتبة) جماعات متخلفة يحكمها الجهل والاتباع والتقوقع والكبت وانحراف الفتيات الملتزمات وجنوحهن لممارسة الزنا والعادة السرية (كصديقة ليلى ديمة التي زنا بها توفيق، والطالبة الثانية المحجبة التي أخذت تشكو حالها للآنسة هاجر وتوحي إليها بشهوتها ورغبتها ثم ارتبكت الآنسة هاجر وغادرتها مغادرة غريبة وغير طبيعية) هذه الجماعة النسائية التي قدمها السيد المخرج والسيدة الكاتبة تمثل تياراً فكرياً دينيناً لذا فإنني أعود فأقول إن تصوير الجماعة النسائية الإسلامية بهذه الصورة يرسخ التعميم ما لم تعرض الصورة الإيجابية المعتدلة لأن هؤلاء لا يمثلن مهنة كطاهيات طعام مثلاً بل يمثلن تياراً فكرياً ودينياً ترتبط به الأمة وهذه الجماعة الدينية لم نر بديلاً لها معتدلاً يصور الحقيقة السائدة في مجتمعنا هذه الحقيقة التي قدمتها الجماعات الإسلامية النسائية في مجتمعنا، والتي تتمثل في جهود طيبة ومباركة على مدى عشرات السنين لتربية الفتيات وتحصينهن من الفساد والفجور وقد نجحت في ذلك فقدمت للمجتمع شخصيات متزنة ومتفوقة اجتماعياً وفكرياً وعلمياً وثقافياً ونفسياً وعلى علم واف بالدين وأحكامه، وعلى قدر من التوازن الاجتماعي الحقيقي والنفسي والسلوكي حتى إن منهن من تسلمت مراكز مرموقة ومناصب رفيعة في العديد من مؤسسات الدولة ووزاراتها كما قدمت الكثيرات منهن للقنوات الفضائية وللمكتبة الإسلامية زاداً غنياً مليئاً بالعلم والحكمة والوسطية والاعتدال والانفتاح… وإنني لا أنكر أن ما عرض في المسلسل من أخطاء في الجماعات الإسلامية النسائية موجود في مجتمعنا بالتأكيد ولكنه إن وجد فهو أخطاء فردية قليلة وقليلة جداً بل تكاد تكون نادرة…. لا يجدر بنا تضخيمها على هذا النحو، وعلى فرض أننا أردنا تقديمها والإشارة إليها للتحذير منها ولكن كان من الواجب عدم الاقتصار عليها وتقديم الصورة الأخرى الإيجابية كي لا يكون الأمر تعميماً وطعناً وتشويهاً… والأمر ذاته يتعلق بالجماعة الإسلامية التي ينتمي إليها توفيق والتي يسود فيها الجهل والانصياع على نحو غير واقعي وغير حقيقي فيما يتعلق بواقع الحال في مجتمعنا…

5-         الدعوة إلى التغريب:

وهي السلبية الرابعة والمدمرة التي أتى المسلسل على ترسيخها والدعوة إليها حيث إن المسلسل جاء ليقول للمشاهد والمشاهدة العربية: إن أحد أساليب التخلص من استعباد المرأة وذلها وتحررها من الكبت والخوف يكون بترك الوطن الشرقي المسلم والسفر إلى الغرب (فرنسا) هناك حيث استطاعت ليلى التخلص من خوفها وكبتها وخنوعها فنزعت حجابها وتعلمت وانطلقت…. هناك أيتها الفتيات وأيتها النساء المسلمات تتخلصن من الرق والاستعباد، وتصبحن قويات قادرات على تحمل مسؤولية الحياة ولو مات زوجك وعشت وحيدة، ولكن شرط أن تبتعدي عن الأحياء الإسلامية وعن أجواء المسلمين هناك فهم لا يختلفون كثيراً عن مسلمي بلدك لا في تشددهم ولا في انغلاق فكرهم وأفقهم… أليس هذا ما قدمه المسلسل!! (للأسف!!!!)

6- التأكيد على انتصار الباطل وترسيخ ثقافة الخنوع واليأس:

فالطالب الشاذ جنسياً يعتدي على صديقه الفقير مقابل المال ويتحدى معلمه الذي كشفه، وينجح في طرده من عمله، ويُكرَّم في مدرسته من قبل المدير ويهتف له زملاؤه ويرفعونه على الأيدي ويصفقون له لأن والده مسؤول كبير، ثم كيف تكون عقوبته في نهاية المسلسل؟ يكشفه والده فيمسكه من يده وينزله على الدرج بقوة ويضربه، ولماذا؟ لأنه اعتدى على ابن أخته الصغير وهذا يعني أننا لم نعرف سبب ما ناله الفتى من عقوبة (بسيطة بكل الأحوال) هل لأنه اعتدى على ابن أخته أو لأنه يقوم بهذا الفعل الشاذ!!!! على كل حال ضربه والده وسبه وانتهى الأمر هكذا كانت عقوبته!! (بسيطة يعني!! ) وإن ختم المخرج المسلسل بعبارة أن المدرس قدم طلباً إلى وزارة التربية وطلب إعادة التحقيق في القضية ولكن ماذا كانت النتيجة الله أعلم!!

والمسؤول الكبير نسيب الهشيمي تقول عنه الكاتبة في اللقاء الصحفي السابق نفسه: (ولقد تم استخدام اسم‏’‏ هشيمي‏’‏ تيمنا بقول الله تعالى‏’‏ واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله علي كل شيء مقتدرا‏’‏ للترميز لتحول ثروته إلى هباء منثور حيث أن عائلته مفككة ونسله متعفن مثل ابنه شادي الذي يعطي لنفسه الحق في استغلال سلطة والده ليستغل صديقه الفقير جنسيا‏.‏) وإنني أستغرب هذا الربط فما قدمته الكاتبة والمخرج في المسلسل لم يوحِ بشيء عن هزيمة هذا المسؤول أو خسارته، فقد استطاع أن ينال من الفتاة الفقيرة (عليا) ويقضي مأربه منها بعد أن صمدت أمامه فترة طويلة، ثم رمى لها مبلغاً من المال ومضى، وتعاون مع الجماعات الإرهابية وموَّلها مقابل أن تدعمه ليصل إلى مجلس الشعب، ثم وصل بين تصفيق الناس وتهليلهم، وانتهى المسلسل بنظرة يلقيها على الناس وهو يدخل حرم مجلس الشعب مع السادة النواب والأعضاء!!! فأين خسارته وأين عاقبته هل نفهم من هذا أن نتعظ فنتحاشى الوقوف في وجه أمثاله من حيتان الأرض وأباطرة المال لأن الوقوف لن يجدي والنصر حليفهم بالتأكيد!!!!! ثم هناك تساؤل أطرحه على استحياء: (أهكذا هم أعضاء مجلسنا الموقر مثلاً!!)

إلى الدكتور هالة دياب المحترمة:

لقد بينتِ في حوارك لصحيفة الأهرام المصرية دوافعك لكتابة المسلسل فقلت: نظرية الخوف‏…..‏هي التي دفعتني للفكرة‏…‏نحن نعيش في قوقعة الخوف في مجتمعنا العربي‏….‏و هذا ما يجعلنا إماء وجواري‏….‏نحن نخاف من كل شيء لا نستطيع تغييره‏….‏نخاف من السياسة ومن الدين ومن الجار ومن المجتمع ومن الزوج ومن الأب حتى من الحب ومن الرغبة ومن الجنس نخاف‏…‏ ونخاف أيضا من الحلم‏….‏

فهل يا عزيزتي تجدين نفسك قد أزلت أسباب الخوف عن بنات المجتمع ونسائه ودفعتِ بعجلة مجتمعنا نحو الأمان والجرأة بهذا الطرح الذي قدمته في المسلسل؟!! وهل مساواة طرق الرق والعبودية التي تمارس ضد المرأة في مجتمعاتنا تتساوى فيها العاهرة والمتدينة!!! فتكون كل منهما عبدة وأمة ما لم تتحرر من خوفها وتثق بنفسها وتجعل الدين عبارة عن مشاعر قلبية فقط وبعض العبادات التي ليس الحجاب واحداً منها على الإطلاق، ولن يكون هذا متاحاً إلا في بلد أجنبي منفتح تحصلين فيه على حريتك كفرنسا ولندن….

أليس هذا ما قدمته في المسلسل أم لك تحليل لما رأيناه آخر!!!

طلب ورجــاء:

وفي الختام: أقول إن ما قدمه المسلسل من إساءات كبيرة للإسلام والمسلمين أكثر بكثير من الفائدة التي حققها، والتي كان من الممكن تأديتها بأسلوب آخر أكثر وعياً وأكثر حرصاً على واقع الجيل ومستقبله… وإن كانت النوايا وراء هذا المسلسل حسنة وقد كبا الفرس هذه المرة بالقائمين على إنتاجه، فإننا نرجو وننتظر من طاقم العمل نفسه عملاً آخر يقدم الصورة الإيجابية الحقيقية والمشرقة للإسلام والمسلمين المتدينين المعتدلين الذين تزخر بهم مجتمعاتنا على نحو يتم تقديمهم لكل الأجيال والتعريف بهم وحثهم على الاقتداء بهم… ننتظر عملاً آخر يقدم القدوة الإيجابية التي تعيش بسلام وأمن نفسي وتصطلح مع واقعها وتشيع الخير والمحبة حولها وتمسك بيد الأجيال نحو الخير والصلاح لا نحو التشتت والضياع لأن إعلامنا الكريم إن بقي على هذا الطريق فالقادم بالتأكيد سيكون أسوأ ربما أسوأ من أسوأ ما نتخيل….

دمشق: 14/ 9/2010م

رمضان (8) متاع قليل من حبيب مفارق…

رمضان (8)…متاع قليل من حبيب مفارق..

د.أحمد خيري العمري

هو الوداع إذن..

أكاد استشعر النهاية..بل أكاد استشعر القيود وهي تفك عن الشياطين..و أرى جليا كيف يؤثر ذلك على سلوكنا..على الأقل مجرد إيماننا بذلك يؤثر سلبا علينا..على توقعاتنا من أنفسنا..

يرحل رمضان و نحن لا نعرف حقا مكاسبنا منه..لا ندرك إن كنا قد  اعتقنا..أم إننا لا نزال ننتظر دورنا..دورنا الذي قد لا يأتي أبدا..

كل ما يبقى من رمضان هو حسرة أيام جميلة و حميمة..”متاع قليل من حبيب مفارق“..نفارقه على أمل لقاء قادم، وأمل آخر أن نكون قد استفدنا من تجربتنا فيه ،أن نكون قد مررنا بدورة تدريبية لكي نصبح أفضل..

في ليل الوداع أتأمل ذكريات رمضان كما لو كانت تذكارات من زمن جميل بعيد،كما لو كانت كل ما بقي من علاقة حب لم تعكرها معصية و لم يكدرها “واقع معاش”..تذكارات رمضانية خاصة لا يمكن أن تستحضر في غير رمضان : لمة الإفطار ،..التراويح، البشر المقبلون على الله أفواجا، ..القيام جماعة في المسجد ،و الناس يتركون أسرتهم في منتصف الليل..حرقة الدعاء..كلها “متاع قليل من حبيب مفارق”…كلها متع من نوع مختلف تفتح لنا أبعادا أخرى من الحياة غير الدنيا ، (أقول ذلك بالرغم من أن “كِن جنوا” و “جنون التسوق” تحاول إفساد ذلك و تعكيره)..

 انه درس آخر من دروس رمضان : كل شيء “جميل” في الحياة ، لا بد أن يحول عليه حول و ينتهي..وكل ما نملكه إزاء هذا هو التمسك بمحاولة جعلها أفضل ريثما تنتهي..

 نعم ، متاع قليل من حبيب مفارق..،لكنه متاع مهم و مثمر عندما نخرجه من خانة الذكريات و إطارها الزجاجي..عندما نحاول استثماره على الوجه الصحيح في الأشهر المتبقية من السنة..

متاع قليل و لكنه أكثر مما نحتاج ، أو  فلنقل إنه بالضبط بقدر ما نحتاج بالنظر إلى كرم العاطي و طمع المعطى إليه…المهم هو وضع هذه التجربة في إطار الاستثمار و إعادة الإنتاج..لا في انتظار تكرارها عام تلو آخر دون أن تترك أثرها- الذي كان سبب تشريعها أصلا- على مجمل حياتنا ، شهر تلو آخر و عام تلو آخر..

نعم ، متاع قليل ، و من حبيب مفارق..و بعضنا قد يفارقه فلا يلاقيه مجددا..لكن ذلك لا يجب أن يكون سببا للتعلق بالذكريات و التذكارات..بل في العمل على أن نترك أثرا..نترك ما يكون تذكارا لغيرنا ..علامة على الطريق لما هو أفضل..

************* 

قبل رمضان بأيام ،أتصل بي الأخ أحمد خليل ، الأسكندراني الجميل الذي تحول من قارئ عزيز أعتز به  إلى صديق قريب أستشيره في الكثير من الأمور.. ( أشفق على ميزانية بيته من فواتير مكالماته الدولية لي)..قال لي بلهجته المحببة “بالله عليك يا دكتور عاوزين أفكار جديدة لرمضان!”..

حمّلني أحمد حملا فوق حملي ، لكني فكرت طويلا فيما قال..أولا للتملص من الحمل بأي حجة! ، و ثانيا لأن ما قاله أثر في بطريقة ربما لم يدركها..تخيلوا إن رمضان لا يزال منتجا و مثمرا و ولآدا بعد كل هذه القرون..تخيلوا أننا لا نزال ننقب فيه و لا يزال يعطينا..

لست واثقا إن هذه الرمضانيات كانت بالضبط ما يريده أحمد..و لم أكن انوي أن تكون كذلك..لكني كلي ثقة إن هذا الشهر سيظل يرفدنا بمعان طالما بحثنا عنها فيه..و الأهم أن نستطيع “تحقيق المعاني” و إسقاطها على أرض الواقع..

*************

..أتمنى للكل عاما جديدا قد استفاد من تجربة رمضان..و اعتذر ممن كان يجب أن أذكره بقلمي و قصرت في ذلك..اعتذر بلا عذر حقيقة، سوى إن المصائب عندنا تتنوع و تختلف أشكالها (فيضانات و سيول ، احتلال ، استبداد ..الخ) لكن جذور كل ذلك تلتقي في مرض واحد متعدد الأعراض..و علاجه يبقى في نهضة لا يمكن أن تقوم إلا بالقرآن..

أقدم أيضا “لا اعتذار ” لكل من أزعجته في رمضان عبر مقالات “اللا قرآنيون”..لم أقصد الإزعاج قطعا لكنه لم يسوؤني أيضا..للأسف ، تمسكي بما أراه صوابا أهم عندي من محبة الناس وقبولهم ..

يتبع إن شاء الله، بطريقة ما …مختلفة هذه المرة..

كان ..يا ما كان رمضان (7)!

كان يا ما كان …رمضان ! (7)..

د.أحمد خيري العمري

لرمضان أسماء و ألقاب كثيرة..لكني اكتشفت لقبا جديدا له هذه السنة..لقب لم أكن أعرفه و قد لا ينسجم مع توقعاتنا عن الشهر..لكن تجربتي الشخصية  هذه السنة جعلتني أتعرف على جانب من رمضان لم تتسن لي معرفته من قبل..رمضان الذي تعرفت عليه لم يكن المغفرة والكرم والجود و العودة و العودة الجميلة إليه عز و جل فحسب..بل كان رمضان “الجبار”..وهي المرة الأولى التي يشرفني فيها هذا الجانب من الشهر العظيم..

بدأت القصة قبل بضعة أشهر ، يوم كنت لا أزال في الفردوس المستعار، في بطن الحوت،..يومها سقطت أرضا على الثلج المخادع و تعرضت لرض شديد في قدمي لازمتني آثاره لأكثر من شهرين… اتضح لاحقا، وقبل رمضان بأسابيع إن تلك السقطة تركت “أثرا” نائما في ظهري..أثر لم يظهر إلا قبل رمضان بأسابيع: كسر بسيط في فقرة من فقرات العمود الفقري..(كان ذلك هو تذكاري الشخصي من أمريكا..كما لو إني سأنسى .. كما لو كنت أحتاج تذكارا لكي لا أنسى ذلك الكسر الآخر الذي أحدثته في بلدي..والذي كان-عمليا- كسرا للعمود الفقري للملايين من أبناء بلدي..بل و لبلدي نفسه)

في البداية بدا الأمر مجرد “شدة خارجية” ثم اتضح لاحقا و مع وصولي الإمارات إن الأمر أكثر من ذلك بكثير..

مازحني الطبيب الهندي و هو يتمعن في نتائج الفحص ألشعاعي..مالذي حملته يا ترى على ظهرك؟..سكتت و أجبت بما يقال عادة (..لو يدري ما أحمله!)..

قلت للطبيب و أنا أسحب ظهري خارجا:هذا ما نحصله من أمريكا!..

أيدني بشدة ، وقص علي إنه ذهب للمشاركة في مؤتمر لثلاث أيام و انتهى في صالة العمليات بعد منتصف الليل في اليوم الأول!( كمريض و ليس كطبيب!)

كانت مشكلتي الأولى في رمضان هي الصوم عن المسكنات و ليس عن أي شيء آخر..بدت حقيبة الحاسوب المحمول كما لو أنها حقيبة شخص يتعامل بالحبوب المخدرة (أو يتعاطاها بشدة على الأقل..)..

لم يكن ممكنا بالنسبة لي الالتزام بعدم الحركة إلا لفترة بسيطة جدا، لا يمكنك أن تأخذ إجازة من عمل بدأت فيه للتو..لا يمكن أيضا أن تأخذ إجازة من مسئولياتك..من كونك أب وزوج مسئول عن استقرار أسرته في مرحلة انتقالية من دولة إلى أخرى..

لكن شيئا آخرا يضاف إلى كل هذا: إنك ببساطة لا تريد أن تأخذ إجازة من السجود في شهر السجود..و كان السجود غير ممكنا من الناحية “الصحية”..و اعني بالسجود هنا معناه العملي المباشر دون أي تصعيدات لغوية في المعنى…

أتفهم كل ما يقال في ظرف كهذا عن لا يكلف الله نفسا إلا وسعها و المشقة و التيسير و أهمية التمسك بالمعنى الشعوري للسجود–بل وأؤكد إني سأقوله فيما لو شكا لي أحد ذلك..لكن كلنا نعرف إن الأمر مختلف، لا شيء حقا مثل الشعور في الشعائر كما هي ،..بشكلها الذي حددت به ،..لا شيء مثل أن تهبط للأرض و تلتحم بها خضوعا للذي خلقك و خلقها..كما أمرك و أمرها..(أقدر شعور غير القادرين على السجود ولا أريد نكش جروحهم..و لكني أنفّس فقط عن مشاعر لا أشك في أن الكثيرين يعتبرونها ليس أقل ألما من الحالة الصحية التي أقعدتهم أصلا..)..

قال لي طبيبي إن الأمر يحتاج وقتا يتجاوز رمضان بكثير، ثم أردف مواسيا “تحدث أشياء سيئة في الحياة، و علينا دوما توقع الأسوأ!!”..

تحدث أمور سيئة في الحياة؟..هل على أي أحد أن يخبر “عراقيا” بالأمر كما لو كان اكتشافا جديدا..بدا الطبيب متمسكا بأخلاقيات المهنة و هو يحاول أن يقويني و يظهر تعاطفه مع ما أسماه “وضعي الجديد”..وجدت نفسي أهون عليه و أؤكد له أني “مررت بما هو أسوأ بكثير”!.

وهكذا دخلت رمضان و أنا أسحب ظهري و معي كرسي أجلس عليه للصلاة و أرتدي ثلاث “أحزمة طبية” للظهر و حفنة من المسكنات بكافة أشكالها من حبوب و مغلفات و حقن..وكنت أجد نفسي محروما من السجود في شهر السجود،..بالضبط كمحروم جائع أمام ثمار لا يستطيع مد يده ليقطفها..و كان من “المفترض” طبيا أن يستمر الأمر لفترة تتجاوز رمضان و ما بعد رمضان بفترة..

لكن سبحان الله !،..فجأة لم اعد أشعر بالحاجة إلى حقنة المسكن في منتصف النهار،و من ثم قلت عدد الحبوب التي أتناولها،وصرت أؤخرها تدريجيا إلى ما بعد تناول الإفطار (كانت أولا بعد التمر و قبل الماء!!)..ثم انتبهت إلى أني صرت أنسى تناول المسكنات..ويعني ذلك ضمنا إن الألم صار أقل فلم يعد يذكرك بتناول ما يسكنه..

وهكذا وجدت نفسي  اقترب من العشر الأواخر و قد صارت مشيتي معتدلة،..وجيوبي خالية من المسكنات، و بحزامين للظهر بدلا من ثلاثة ثم بواحد.. ثم بلا حزام.. و ..بلا كرسي في الصلاة!

احتضنت الأرض مجددا في مطلع العشر الأواخر..وجدتني أفعل ذلك بشوق ولهفة كما أفعل عندما أحرم من أن أغمر زين أو آمنة أو أروى..شعرت إن الأرض شريكة لي في السجود، و أن العلاقة بيننا –بين و بين الأرض- قد عادت لطبيعتها الآن و الآن فقط (صدقا: توقعت  في سجودي الأول أن اسمع صوتا من ظهري، بين الفقرتين الرابعة و الخامسة،صوتا مثل “طق”!!..الحمد لله لم يحدث!)..

لا أتحدث هنا عن معجزة أو كرامة أو شيء مقارب..كما لا أشك بصحة التشخيص ابتداء و لا بكون الحالة- طبيا و شعاعيا- لا تزال قائمة و لا يزال أمامها فترة طويلة قبل أن تلتئم ..لكنها رجعت إلى نومها كما كانت لأشهر طويلة..كيف ؟ ولماذا؟..لا أدري حقيقة..و لا أملك هنا سوى أن أقول أنه رمضان “الجبار”..

قد تقولون ما علاقة هذا بذاك؟..صحيح ..تعودنا إن اللفظ يكون مرتبطا بالقوة و الجبروت، لكن “الجبار” يحتوي أيضا على معنى آخر: معنى جبر ما هو مكسور فينا..جبر الخواطر  المكسورة أو النفوس المكسورة ..أو حتى الفقرات “المكسورة”..

تعرفت في رمضان هذه السنة، على رمضان الذي يحمل لنا جبيرة نصلح بها كسرنا ..جبيرة أقوى و أعمق من أي تداخل جراحي..و أشد وأوثق من أي حزام ظهر آخر..

( أليس الأيمان ، في جانب من جوانبه،..”حزام ظهر” يسندنا و يشد عودنا..بل أليس في حقيقته هو عمودنا الفقري الذي نكون بدونه زواحف مشلولة..الا نكون مكبين على وجوهنا دونه ،حتى لو كانت الأشعة تقول غير ذلك؟)..

سعيد أنا بجبيرتي الرمضانية..سعيد أيضا إن معاني “الجبار” الأخرى توفرت أيضا في رمضاني لهذه السنة..كان رمضان هو الأكثر نتاجا لي بالمقارنة مع رمضانات سابقة..و قد  كان واضحا في  سلسلة “اللا قرآنيون” معاني القوة و التجبر أيضا ..فلا يلومني أحد عليها..إنه رمضان الجبار..

بل فليلمني من شاء أن يلوم..

و لكن ليمت بغيظه أيضا..

 

يتبع إن شاء الله

كان يا ما كان..رمضان !(6)

 

كان يا ما كان…رمضان (6)..

د.أحمد خيري العمري

في حياة كل منا قصة حب أول منسية ومهملة..لا يحتفل بها كما يجب و كما يفعل مع قصص “الحب الأول” عادة..أي تلك القصص التي  توضع في متحف الذاكرة خلف الواجهات الزجاجية –مهما كانت تلك القصص أوهاما في حقيقتها (بل بالذات عندما تكون أوهاما !)..

لكن قصة الحب الأول التي أتحدث عنها ليست وهما يحنط في متاحف الذكريات،بل هي قصة حب حقيقي و مستمر..وربما هذا هو السبب في عدم الاحتفاء بها و بذكراها،.. وربما لأننا نمر بها دون أن ننتبه إلى أنها قصة حب إلا لاحقا وبالتدريج و بعد سنوات طويلة من “العشرة”..وهكذا تمر ذكراها بصمت لا يليق بها..

أتحدث عن “أول رمضان” يمر في حياة كل منا..عن أول تجربة صوم خضناها ونحن صغار..لعلنا لم ندرك يومها أن هذا سيكون “حبنا الأول”..لم يخبرنا احد ذلك، لكن أعراض الحب الأول ظهرت علينا..ألا يتحدثون عن الحب-عادة- فيكون فيه من المشقة الشيء الكثير؟..ألا يتحدثون عن أعراضه فإذا بها سهر وأرق وقلق وفقدان للشهية ؟؟..كذلك “رمضان الأول”..فيه حتما مشقة بالنسبة لطفل صغير السن..لكن فيه أيضا مشاعر فرحة غامرة يغوص فيها مع نداء “الله أكبر” التي يركض بعدها إلى الماء فيبدو  طعمها  مختلفا عن كل ما شربه في حياته،كما لو إن هذا الماء  الرمضاني جاء من نبع مسحور..وهناك أيضا تلك الفرحة الضمنية التي يمنحها رمضان حتى وهو يغادرنا..فرحة العيد..

قد يكون هذا النوع من الحب “غير ناضج” بما فيه الكفاية بالنسبة للمعاني الحقيقية لرمضان،..بل قد لا يكون فيه فهم مطلقا لمعنى رمضان..لكن هذه هي صفات الحب الأول دوما.. فيه من المراهقة و المشاعر أكثر مما فيه من النضج والفهم..و مع الوقت، قد تقل فرحتك برشفة الماء الأولى وقد تكتشف أن لا نبع مسحور هناك.. لكن بدلا عن ذلك سيكون هناك مشاعر أعمق وأنضج..سيكون هناك رمضان الذي نفتقده و نشتاق إليه..

أتحدث عن هذا كله لأن أبنتي أروى،..تمر اليوم بقصة حبها الأول مع رمضان..

هذا هو رمضانها الأول ، وهي في السابعة الآن، ..وأعني برمضانها الأول إن صيامها جدي هذه السنة و ليس كما يصوم الأطفال “تجريبيا”..( يبدأ عند الساعة الرابعة عصرا و ينتهي مع ساعة الإفطار..!)..

أراقب قصة الحب هذه بجذل، بل و بإقرار أن حبها الأول أفضل من الحب الأول لأبيها، فقد سبقتني أروى في السن الذي بدأت فيه الصوم،رغم طول  نهار رمضان هذه السنوات (و كذلك كان وقت أبيها..).. أتساءل إن كانت نشأتها في جو مختلف هو ما يجعلها أفضل أم أنها هي فعلا أفضل كشخص؟..و أتذكر ما يقال عن إن إي أحد لا يتمنى لشخص أن يكون أفضل منه إلا أولاده..

لا يخلو الأمر أحيانا من مساومات تنتهي بحصولها على مكاسب معينة مقابل التحمل وعدم الإفطار-!!- و هي تجيد ذلك بكل الأحوال ..(سيصرخ ظرفاء اللاعنف هنا: هذا  ترغيب ! و الترغيب إكراه! و لا إكراه في الدين !! )..لكن لا بأس..لا يمكن أن نتوقع من أروى أن تفهم كل مآرب الصوم..و التحمل بحد ذاته درس مهم..

أجمل ما في قصة الحب الأول هذه إني تركت هنا علامة و تذكار لها..وبدلا أن تحال إلى النسيان المبكر، فإني أضعها في إطار شفاف معطر يمكن أن ترجع إليه أروى لاحقا..

أنصح كل منكم أن ينبش في ركام ذكرياته عن قصة حبه الأولى تلك..فربما يجد كنزا دفينا فيها..

يتبع

كان يا ما كان ….رمضان ! (5)

 

كان يا ما كان ….رمضان ! (5)

د.أحمد خيري العمري

..واجب الإنصاف يحتم علي أن أتحدث عن إن الطوفان ألتلفازي الذي يغرق الشاشات في رمضان يحتوي حتما على برامج إيجابية ربما لم يكن لها مماثل (من ناحية الإخراج على الأقل)..في عصر “كِن جنوا”..هناك مثلا “خواطر” تتمكن –للسنة الثانية على التوالي- من جذب انتباه ابني زين و جعله يحضر القناة المحددة قبل بدء البرنامج أصلا..(واستئثار اهتمام ابن الثالثة عشر في هذه الأيام مهمة صعبة جدا و لا بد إن من يفعل يملك موهبة استثنائية)…كان هناك أيضا عبر السنوات المتعاقبة “داعية” لا جدال على موهبته و جماهيريته،وقد تفاعلت مع طرحه في سنواته المبكرة، ولا يعيبه عدم تفاعلي اللاحق معه في شيء ..فقد يكون العيب في أنا و ليس في أسلوبه وطرحه و قد يكون في اختلاف الرؤى –المهم إنه لا يزال يمتلك قاعدة يمارس من خلالها تأثيرا إيجابيا على المتابعين، وتحفظي على الطرح لن يكون قط تحفظا على الشخص..

لا يقتصر أمر البرامج الايجابية على هذين المثالين حتما، لكني ذكرتهما تحديدا لسبب بسيط و هو اعتقادي إن قاعدة تأثيرهما تتجاوز “الساحة التقليدية” التي  يؤثر فيها أغلب –و ليس كل- العاملين في الحقل الإعلامي..وأقصد بها ساحة “المتدينين” أصلا..أي الذين يقصدون البرامج الدينية و يتابعونها بدافع ذاتي بكل الأحوال..هذان النموذجان، استطاعا اختراق ذلك بتميز والانتقال إلى ساحة أوسع من غير المتدينين دون أن يعني ذلك إنها ساحة “عصاة” بالضرورة، ودون أن يعني إن ذلك الاختراق كان مقتصرا عليهما أيضا..

رغم ذلك، ورغم كثرة عدد القنوات “الدينية”..وساعات بثها المتواصلة، مقارنة بما كان يبث أيام “كن جنوا”..فأني لا أعتقد إن النتيجة النهائية لتلك الكثرة تتناسب مع ما حدث على الجبهة الأخرى من فساد وإفساد..أي إن محاولات المصلحين الإعلامية-على الرغم من كل ما حققته من نتائج- لا تزال غير قادرة على قلب الكفة لصالح “الإصلاح”..لا يعود ذلك في رأيي إلى خلل في عمل المصلحين أنفسهم بالضرورة،بل يعود إلى عوامل متداخلة بعضها أكثر تعقيدا من أن يذكر هنا..لكن النتيجة النهائية هي إن الجهة الأخرى تمكنت من إحداث ثغرات مهمة، و تسامح بعض المصلحين في هذه الثغرات لغرض إصلاحي دون أن يتصوروا إمكانية تحول هذه الثغرات إلى عائق حقيقي أمام الإصلاح الحقيقي..من بين هذه الثغرات ما يمكن أن يرى بسهولة كبيرة في رمضان بالذات ، ثغرة الفهم  المغلوط المنتقص للشعائر الذي يجعل منها “أوقات مستقطعة” خارجة عن مجمل الحياة و سائر أوقات الحياة اليومية، إنها محض “غسالة ذنوب” نمر فيها لدقائق معدودات-تزيد في رمضان-ثم نهب بعدها لمواصلة كل ما كنا فيه و كل ما كنا عليه..لا أقصد هنا مجرد آثار ذنوب تغسلها الشعائر فهذا ما لا جدال فيه،بل أقصد عندما يكون “نمط الحياة”..”طريق الحياة” بأسرها، يتجه إلى وجهة أخرى غير ما يريده الله عز وجل منا..وهو أمر لا يكفي لإصلاحه “غسل ذنوب” هي مجرد علامات على طريق خاطئ..بل يجب تصحيح الطريق بأسره…

ونحن نرى في رمضان-إذا أردنا أن نرى!!-نماذج لهذا الفهم المغلوط المنتقص،الذي يتسامح فيه المصلحون بحسن نية أحيانا و بسوء فهم لبعض النصوص في أحيان أخرى..و أقصد بهذا كله “تهافت” على الشعائر من قبل أبعد الناس عن الالتزام بها في سائر أيام السنة..و نحن  يجب أن نفرح طبعا بكل من يعود إلى الله وإلى أوامره في أي وقت و أي حين..و لكن فرحنا هذا يجب أن لا تغيب عنه البصيرة بما يدور حقا و ما يحدث حقا خلف كواليس هذا التهافت الموسمي على الشعائر..على الأقل نظرة لما يحدث سنة بعد سنة و موسم بعد آخر يجب أن تجعلنا أقل تفاؤلا بالعدد الذي يتهافت على التراويح و يهب بعدها لممارسة نوع خاص من رمضان هو بعيد تماما عن كل ما يريده رمضان منا..رمضان شعائري يجعل الشعائر وسيلة روحانية لتغيير الجو و المزاج لا أكثر و لا أقل..وليس وسيلة لتغيير الحياة..

جبهة  الفساد والإفساد من جهتها لا تعارض على الإطلاق في رمضان من نوع كهذا…على العكس هي تحاول ليس فقط التماشي معه ( وهو التماشي الذي يضمن عدم ظهورها بمظهر مضاد للدين) بل هي تعمد أيضا على استثماره باعتباره ضمانة لعودة الناس إلى حظيرتها بمجرد الانتهاء من الشهر الكريم..كما إن جبهة الفساد والإفساد تود حقيقة تكريس هذه الصورة الشعائرية للدين حيث يلعب الدين –بالصورة التي يريدونها طبعا- دور صمام الأمان الذي يخفف من أعباء الحياة المعاصرة ، أي بالضبط كما انسحب دور الدين في الغرب .

كل هذا يجعل كل الايجابيات –القليلة- الموجودة في المهرجان التلفازي الرمضاني ضائعة وسط الطوفان الموجه من قبل جبهة الفساد والإفساد..

بالمناسبة قرأت استبيانا عن نسب مشاهدة البرامج (البرامج و ليس المسلسلات) التي تقدم في رمضان..من ضمن البرامج العشرين الأكثر مشاهدة كان هناك برنامجان فقط دينيان.. قائمة القنوات الأكثر مشاهدة عربيا أيضا لا تسر حبيب (و يصفق لها العدو حتما)  حيث لا يوجد سوى قناة دينية واحدة ضمن القنوات العشر الأوائل و أخرى في العشرة الثانية..

يمكن أن يكون هناك انحياز ما في هذه الاستبيانات،هذا وارد، ولكن عندما ننظر حولنا من واقع مليء بالانحلال..سنصدق هذه الاستبيانات بعمومها و ليس بتفصيلها…( و إلا ما هو سبب المشاكل المالية التي تعانيها معظم القنوات الإسلامية إن لم يكن انخفاض نسب المشاهدة ؟)..

 ملحوظة فقط :الدرب إلى التغيير لن يكون حتما عبر تغيير قائمة القنوات الأكثر مشاهدة !!.

لكن وجود القنوات المناسبة، التي تقدم المادة المناسبة، قد يكون جزءا من ذلك ..!