معيار القطيع:ألم ترى إلى الملأ من بني إسرائيل؟ بقلم أبو جعفر

معيار القطيع

ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل؟ (1)

إليه أهدي هذه المقالة, إلى صديقي (و, ح) ..

” كم أسرّ عندما أرى كثرة المصلين في صلاة الفجر في رمضان ” هذا كان تعبيره اليوم بعد خروجنا من المسجد, سرّ بالكثرة, سرّ بالعدد, ليته صلى معي المغرب!

قصة غريبة هي قصة الملأ من بني إسرائيل, غريبة من حيث وقعها على أسماعنا – أيعقل أن ينتكسوا كل هذه الانتكاسات ! -, لكنها في الوقت نفسه تتكرر باستمرار مع اختلاف في الشخصيات والأحداث الفرعية, إنها الفلاتر القرآنية والمصافي المنهجية والتي تبعد كل اغترار بالكثرة وتسقط كل دعوة جمعية… يمكنك بعصف ذهني بسيط ذكر عشرات الدعوات والدعاة تحت هذه العنوان ( الدعوة الجمعية! ).

إذاً تعالوا لنبحر مع قصة هذا الملأ, وهم قوم مؤمنون – فيما كانوا يظنون -, ضاقت عليهم الدنيا وساءت أحوال أمتهم وأرادوا أن يظهروا الحق ويعيدوا مظالمهم المستلبة فلجؤوا إلى نبي ذلك الزمان –والذي لم يذكر اسمه في الخطاب القرآني-, وقالوا: (( ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله )).. والنبي بمنهجه الرباني وحكمته الراشدة علم أنها مجرد دعوة, مجرد أمنيات, مجرد عزائم فارغة, فقال لهم: (( هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا )) ! .. فبرزت حميتهم وانخدشت مشاعرهم: (( وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا )) ! .. نعم, نسمعها كثيراً, سنقاتل من أجل إعادة الأرض, لتحرير الجزء المغتصب, سنعيد حقوقنا, سوف سوف سوف… ولكن (( فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلاً منهم والله عليم بالظالمين)) !

ما بقي منهم إلا القليل, لأن الكثرة كانت من أصحاب الشعارات الفارغة والرايات المبهرجة, كثرة اعتمدت على تجييش المشاعر دون توضيح التبعات, كثرة تحب الكلام والتنظير وتتكاسل عن العمل, تولت هذه الكثرة وبقي القليل..

لم تنته التصفية بعد, فمطبات النفس البشرية تختلف من شخص إلى آخر, إنه مطب شهوة الملك والسلطة, مطب أساسي في طريق التصفية.. ((وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً )).. وتذكر أن الخطاب القرآني كان للقلة التي ثبتت فاسمع جوابها: (( قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال )) ! فلتر السلطة أيضاً والنظرة المادية أوقع بالكثير من هذه القلة, والتصفية مستمرة..

مطب آخر, والعينة صارت أكثر نوعية, هم قلة من قلة من ملأ مؤمن وحيد بين البشر حينها, لكن المطب صعب والمصفاة ناعمة هذه المرة, مطب الصبر ومخالفة متطلبات النفس (( فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهَر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده )).. لو كان الأمر نظرياً لجزمنا بكفاءة هؤلاء الباقين ولعوّلنا عليهم كل أمل, فمطب كهذا لن يعيق من آمن, لن يعيق من تجاوز المطبين السابقين, ولكن النتيجة الواقعية مختلفة (( فشربوا منه إلا قليلاً منهم )) !! .. القليل من القليل من القليل من الملأ…

الامتحان النهائي لم يأت بعد, إنه كجهاز الرحلان (3) , لا يغره الحجم ولا اللون, إنه يعتمد على الوزن الجزيئي أو الشاردة, يعتمد على اتساق أفكارك مع بعضها وعلى أساسها ووجهتها, إنه مطب التضحية, مطب مواجهة الآخر, مطب النزال.. والعينة منتقاة أكثر والمصفاة أكثر انتقائية… (( فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده )) .. نتيجة مخيبة وأمر قد يصدم الكثيرين على الطريق, فالمتخاذلون هنا ليسوا عواماً, بل هم صفوة من صفوات سابقة !, لكنه الواقع والسنن, مناط الأمر يتعلق بالعقيدة, يتعلق بالفكر السليم (( قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين )).. هذا الفكر هو الذي ينتج أعمالاً صالحة, حسب الطريق الذي يجب أن تسير فيه (( ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين )).. عقيدة سليمة مع عزيمة ماضية وتوكل راسخ, حينها, وحينها فقط (( فهزموهم بإذن الله))… وحق لهذه البقية الباقية من الملأ أن تتبوأ الملك وأن يكون من أفرادها من يُصطفى للنبوة (( وقتل داوودُ جالوتَ وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء))..

ألا تحتاج نظرتنا لكثير من التعديل بعد هذه القصة, ألا تحتاج مشاعرنا لأن تتبرمج بالبرمجة القرآنية بعد هذا التأصيل, أي فرح بكثرة أعداد مصلي المساجد في رمضان إن كنا نفقدهم على صلاة المغرب مثلاً – وطبعاً بعد انتهاء رمضان!- , أي فرح بهم إن كانوا يحرصون على سنة التراويح أكثر من حرصهم على جماعة العشاء.. لا شك أن رمضان باب خير ومجال لتحول بعض هذه الكثرة إلى القلة النوعية, ولكني لا أرى الإعجاب بالكثرة محموداً أبداً, نشوة بإنجاز فارغ, ثم زهوّ بهذه النشوة..

” الكثرة ليست دلالة على صحة فكرة, ولا تحيل الخطأ إلى صواب, وليست معياراً صحيحاً للوصول إليه, هكذا تدل البرمجة القرآنية.. وبما أن الصواب لا يعرف بالكثرة لذلك فهو معيار لا يليق بالإنسان العاقل, لأنه معيار القطيع بما وهب من غريزة تجعله يتبع كثرته وتجمعه, حتى ولو كان ذلك إلى هلاكه وحتفه.. ” (2)

(( تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق )).. مثال مصلي المساجد في رمضان, مثال صغير لهذه الفكرة الكبيرة, رغم أن هؤلاء المصلين مأجورون بصلاتهم هذه – إن شاء الله -, ولا أبخس من قيمة طاعاتهم أبداً, ولكن الإعجاب بالكثرة قد يتحول أحياناً إلى هدف وغاية, أن نزيد عدد الأتباع, وأن نكثر من المريدين لنحقق الإعجاب وإعجاب الآخرين بنا.. وهنا تكمن المصيبة, أن نغير من المنهج لنستقطب العدد الأكبر, نحذف قيداً هنا, نمحو حداً هناك, ونغض الطرف عن تجاوزات هنا وهناك, لنصل إلى رضا أكثر ويزداد عدد المصفقين والمباركين, ويزداد بذلك رواد موقعنا لنصبح من الأوائل عالمياً… عندما تكون هذه المعايير هي أسس تقييم الصواب فاعلم أن الأمة لم تفهم قصة الملأ بعد…

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

كل رمضان والأمة أوعى وإلى الله أقرب

أبو جَــعفر

15/ رمضان / 1431 هـ

 

(1) قصة الملأ من بني إسرائيل, قصة قرآنية في سورة البقرة, ذكرت في آخر وجهين من الجزء الثاني, من الآية 246 حتى 252, وكل الآيات المقتبسة هي من هذه القصة, الآيات هي التي ما بين (( )), أنصح الإخوة بحفظ هذه القصة.

(2) من كتاب البرمجة القرآنية للعقل المسلم صـ 195 – تأليف الأستاذ محمد محمد منير- طباعة دار الهدى الرياض, ونشر دار الثقافة للجميع دمشق.

(3) جهاز الرحلان (phoresis), جهاز مخبري استقصائي, يستخدم في المجالات الطبية والفيزيائية.

اللا قرآنيون 6 : …وهل بعد “إنكار السنة” ذنب ؟

اللا قرآنيون 6: ..  وهل بعد “إنكار السنة” ذنب؟

د.أحمد خيري العمري

هل يمكن حقا أن نفصل سيرة شخص ما عن أفكاره ومبادئه ؟.. هل يمكن حقا أن نعتقد أن حياته وخياراته الشخصية تكون بعيدة عن أفكاره ومعتقداته؟ هل يمكن تصور أن أفكاره تنشأ بمعزل عن حياته؟ وهل يمكن تصور العكس أيضا.. ألا تؤثر عقيدة شخص ما على خياراته الشخصية؟

فصل كهذا غير ممكن إلا في حالات نادرة جداً، حتى المنافقين الذي يبطنون غير ما يعلنون لا يمكن عد موقفهم هذا انفصالاً بين أفكارهم وحياتهم بقدر ما يمكن عده عدم إعلانٍ لأفكارهم الحقيقية.. لكن حياة كلٍّ منا تمثِّل انعكاساً لما نؤمن به بطريقة أو بأخرى..

الأمر أكثر دقة ومصداقية مع المفكرين والكتاب، فهم لا يؤمنون بأفكارهم فحسب بل ينتجونها أيضا ويقومون بالترويج لها.. لن ننكر قط إمكانية وجود هامش فاصل بين هذه وذاك.. لكن الفصل التام أمر مستحيل حتماً..

لا نتحدث هنا عن “سيرة شخصية” لمن يسمى بزعيم اللا قرآنيين، بالمعنى الشخصي البحت، فنحن لا نعرف عنه شيئاً بين جدران بيته ولا يهمنا ذلك أيضا في شيء طالما لم يعلنه هو.. بل نتحدث عن سيرته “المهنية” والتي نرى أنها مرتبطة جداً بواقع ما يطرحه ويروِّجه من أفكار.. وقد يكون في هذه السيرة ما يفسِّر اللغة التي يستخدمها اللا قرآنيون في هجومهم على السنة النبوية.. كما أنه يفسر أيضاً سبب الدعم الخفي الذي يقدَّم لهم ولطروحاتهم..

لا يمكن أن نحدد نقطة معينة تحوَّل فيها هذا الأزهري إلى هذا الموقف المنكر للسنة، كانت رسالته للدكتوراه تتناول إحدى الشخصيات الصوفية[i] التي يتداول العوام عنها في مصر الخرافات ويتبركون بمقامه عبر بدع وشركيات لا يقبلها دين ولاعقل،.. اصطدم بالتيار الصوفي في الأزهر في هذه المرحلة لكن ذلك لم يكن سبباً لفصله على الإطلاق من الجامعة،.. بل فُصِل لاحقاً في منتصف الثمانينات، ولم يكن قرار الإيقاف عن التدريس مرتبطاً بإنكار السنة برمتها بل مسائل تفصيلية فقط مثل: عدم التفضيل بين الأنبياء، والشفاعة، وعدم التزامه بالمنهج الأساسي في التدريس[ii]، ويبدو أن فكرة إنكار السنة لم تكن قد تبلورت عنده آنذاك لأنه بقي عضواً فاعلاً في جماعة دعوة الحق الإسلامية حتى 1986 أي بعد إيقافه عن التدريس[iii].. وهي جماعة دعوية لا تنكر السنة النبوية إطلاقا..  كما أن كتبه المنشورة في هذه المرحلة لا تعكس أبدا مثل هذا التوجه..

في مرحلة ما بعد الأزهر، بدأ إنكار السنة النبوية يتبلور أكثر عند من سيكون لاحقاً “زعيم اللا قرآنيين”.. فبعد أن أغلقت الأبواب في وجهه، “لم يجد أمامه إلا الباب الذي فتحه له الدكتور رشاد خليفة[iv]-و التعبير مقتبس نصاً وبالحرف من موقعه الشخصي..

ورشاد خليفة لمن لا يعرفه هو مدعي نبوة وصاحب النظرية الرقمية في القرآن الكريم (مضاعفات الرقم 19) وهو أمريكي من أصل مصري، وقد رفض السنة النبوية والحديث الشريف، ورفض أيضاً أيّة آيةٍ في القرآن لا تنطبق عليها نظريته الرقمية!! .. كما أنه قرر أنه نبي وأن جبريل يأتيه دوماً، وأخبره أن التوراة والإنجيل والقرآن قد بشروا به (برشاد!).. وأن اسمه موجود رقمياً في القرآن الكريم.. وأطلق على  نفسه اسم “رسول الميثاق”..  مِن أُسس الإيمان بهذا النبي إنكار السنة النبوية!![v].. أي إنه “مجنون رسمي”..  لكنه امتلك تمويلاً ضخماً من مؤسسات قيل عنها أنها  يهودية وقام ببناء مسجد ومركز ضخم  في ولاية أريزونا.. ثم اغتيل لاحقاً في يناير 1990.

 إذن رشاد خليفة-منكر السنة النبوية ومدعي النبوة- فتح باباً لصاحبنا واستضافه في الولايات المتحدة في أواخر الثمانينات، ويقول الموقع الشخصي لأهل اللا قرآن: إن زعيم اللا قرآنيين تبرأ منه بعد ادعائه النبوة[vi]، وهذا طبعا كذب لأن رشاد ادعى النبوة منذ سنة 1981، كما أن زيارة “أمريكا” هذه كانت في سنة 1989 واستمرت 8 شهور أي إنها كانت في أواخر حياة رشاد خليفة وبعد سنوات من ادعائه النبوة..

ومن الواضح أن الأفكار الرئيسية لرشاد خليفة في إنكار السنة النبوية والهجوم المقذع على أهل الحديث ورواته انتقلت إلى زعيم القرآنيين في طريقة طرح الأفكار والاستدلالات التي يستخدمها.. لكن زعيم القرآنيين أذكى من أن يتورط بادعاء النبوة لأنه يعرف أن ذلك وحده كفيل بنسف أية دعوة من جذورها وجعلها قاصرة على بعض نزلاء المصحّات العقلية (بينما دعوته يكون كُتّابها فقط من ذوي الحاجات الخاصة وليس بالضرورة كل جمهورها)..  

بعد مرحلة علاقة زعيم القرآنيين برشاد خليفة تأتي مرحلة لا تقل أهمية وتثير ألف تساؤل عن مصداقية الرجل.. فكتابه “القرآن وكفى”-الذي يعد أهم مصدر للقوم وأهم كتب زعيمهم- تمَّت كتابته بتكليف من زعيم عربي مزمن  كان يحمل آنذاك راية إنكار السنة.. يعترف الكاتب  تفصيلاً بذلك في مقدمة طبعة لاحقة من الكتاب[vii]،.. ويزعم أنه كمفكر حرٍّ التقى لقاءً عابراً مع رغبات ديكتاتور من أجل نشر فكره التنويري.. لكنه لا يشرح لنا لم ينتظر “المفكر الحر” هذه الفرصة ليكتب كتابه الذي يلخص منهجه ورؤيته.. مفهومٌ مثلاً أن يكون قد كتب كتابه هذا لكنه لم يجد فرصة لنشره لأي سبب من الأسباب عندها يكون عرض الحاكم العربي فرصة يمكن فهم التحالف العابر فيها.. لكنه يؤكد أنه كتب كتابه هذا وفي فترة وجيزة بعد التكليف من قبل الزعيم ويردف أيضا بأسى أنه لم يستلم باقي أتعابه المادية حتى كتابته للمقدمة (بعد خمسة عشر عاما)!!….

لكن الحاكم العربي المعروف بتقلب وغرابة أطواره ما لبث أن ضجر من قضية إنكار السنة وتوقف عن دعمها.. لذلك كان توزيع الكتاب محدودا جدا.. (هناك كلام أيضاً عن دعم سابق من قبل الزعيم نفسه لرشاد خليفة في مرحلة ما.. !!)

اكتشف زعيم القرآنيين عندها أن الزعماء العرب لا يمكن الركون لهم، وموقعه الشخصي يقول بوضوح إنه انتقل إلى ” حقبة جديدة من النضال كانت أرضيتها هي الملعب العلماني من منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني[viii].. فلنتذكر هنا أن تلك الفترة هي مرحلة ما بعد حرب الخليج والحديث عن “النظام العالمي الجديد”.. إنها رياح التغيير تهب على المنطقة و”الملعب العلماني” سيكون ملعباً رابحاً يراهن عليه زعيم القرآنيين..

خطوته الأولى في هذا الملعب كان في تأسيسه لحزب “المستقبل” [ix]مع (فرج فودة) الذي كان أبعد ما يمكن عن منهج “القرآن وكفى”.. لأنه كان صراحة ضد أي تطبيق لأية شريعة سواء كانت مستمدة من القرآن (الذي يدعي اللا قرآنيون أنهم يكتفون به).. أو من سنة نبوية.. وقد خاض فودة مناظرات مع أسماء لامعة أهمها الغزالي، وانتهت هذه المناظرات نهاية مؤسفة باغتياله، وأقول مؤسفة لأن هذا العمل الفردي الأحمق قد قوّى من موقف فودة الضعيف في المناظرات وصار “شهيداً”  بالنسبة لكل اللا دينين.. ويندر جداً أن  تمرّ مناقشة مع اللا دينين دون أن يأتي ذكر اسم فودة ويتم التباكي عليه، كما لو أنه يمكن أصلاً حصر أعداد الضحايا الإسلاميين الذين قتلهم العلمانيون كلما سنحت لهم الفرصة..  

لاحقاً التحق زعيم القرآنيين بمركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية[x] وهو مركز سيئ السمعة والصيت بسبب تأييده الصريح للتطبيع الثقافي مع الكيان الصهيوني، والذي اعتُبر كواحد من مراكز الاختراق الإسرائيلي للعقل العربي[xi].. (زعيم القرآنيين بالمناسبة لا ينكر تهمة التطبيع على الإطلاق..[xii]) بقي المركز مفتوحاً رغم فضائحه والتركيز الإعلامي ضده من قبل جهات كثيرة، وكان هناك حديث كثير عن أموال طائلة من مصادر مشبوهة  تدفع للعاملين فيه من أجل بحوثهم (من الأسماء الأخرى فيه جمال البنا.. !!).. في مرحلة لاحقة تم الإعلان أن جزءاً من المعونة الأمريكية للحكومة المصرية سيتم اقتطاعه وتحويله إلى المركز.. عندها فقط قامت الحكومة المصرية بإغلاق المركز ( أي بعد أن صار يهدد لقمتها من أمريكا !)..

منذ بداية العقد الأول في الألفية الثانية غادر زعيم القرآنيين إلى أمريكا وحصل فيها على حق اللجوء السياسي واحتفى به اليمين الأمريكي احتفاء يليق بترهاته (أقل من الاحتفاء بوفاء سلطان بكل الأحوال) وامتدحه منظر اليمين الأمريكي دانيال بايبس باعتباره “خبراً جيداً”[xiii] (خبراً جيداً لليمين الأمريكي ومخططاته حتماً).. كما تم استضافته كأستاذ محاضر في جامعة هارفارد وغيرها ليحاضر عن السلام! والديمقراطية !!.. (لم لا؟؟)..

لكن وظيفته الأهم في أمريكا هي إمداد تيار اليمين المتطرف الذي يستغل الإسلاموفوبيا(الخوف من الإسلام في الغرب) بكل ما يحتاجه من تعليقات ليغذي هذا الشعور ويذكي ناره.. يزور زعيم القرآنيين مسجداً[xiv] ويخرج مرعوباً مرتاعاً كما لو أنه التقى بأسامة بن لادن داخل المسجد، وهو يصرخ ( كتبهم التي في المسجد..  إنها مليئة بفكر الإرهاب.. !!).. بل إنه هاجم أهم منظمة إسلامية عاملة في أمريكا (منظمة كير) وهي منظمة معروفة باعتدالها وأعمالها الخيرية (اتهمها بأنها تملك ثقافة ابن لادن نفسها !!)[xv].. كما أنه كان من الموقعين على ” البيان الأممي ضد الإرهاب”[xvi] الذي أصدره من أطلقوا على أنفسهم  “الليبراليون العرب، وهو البيان الهزلي الذي قدم إلى مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة لغرض إنشاء محكمة دولية لمحاكمة القرضاوي والغنوشي والغزالي (كان الأخير قد توفاه الله منذ سبع سنوات أو أكثر عندما كتب البيان!).. وسبب إصدار هذا البيان هو أن هؤلاء العلماء أصدروا في فترات متباعدة فتاوى تؤيد قتال المحتلين  سواء في العراق أو فلسطين ( يكاد مريب الليبراليين العرب أن يقول خذوني!!).. وعندما أضاف زعيم اللا قرآنيين توقيعه على البيان طبّل وزمر له كتبة البيان وأشادوا به باعتباره الأزهري الأول (والأخير على ما يبدو) الذي يوقّع على البيان.. وقيل عن توقيعه إنه يقدم سنداً شرعيا للبيان!!..[xvii]

شارك زعيم اللا قرآنيين أيضا في تأسيس جمعية: “أميركيون من أجل السلم والتسامح”[xviii].. شريكاه الأساسيان في تأسيس هذه الجمعية هما شخصان يمكن لمجرد الشراكة معهما أن تقول عن الشريك كل شيء..

الشريك الأول هو تشارلز جيكوب[xix]، وهو ناشط يهودي صهيوني ،أسس وأدار مؤسسة “مشروع داود للقيادة اليهودية”  الهدف الرسمي للمؤسسة هو تكوين الأصوات المؤيدة لإسرائيل وتقويتها.. وشعار المؤسسة هو نجمة داود باللونين الأزرق والأبيض طبعا.. ومكاتبها في بوسطن ونيويورك وإسرائيل!

جيكوب المعروف أيضاً بأنه من ضمن تيار الإسلاموفوبيا هو شريك مؤسس لمؤسسة “هيئة الدقة في الإعلام الخاص بالشرق الأوسط” التي تختصر بـ “كاميرا”-التي تعتبر بمثابة كلب حراسة إسرائيلي على الإعلام الأمريكي حيث يتم الهجوم على أية مؤسسة إخبارية قد تمرر خبراً ضد إسرائيل[xx] (لا سمح الله).. كاميرا نشأت بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 لأن بعض وسائل الإعلام الأمريكية قد مررت صورا أساءت  لإسرائيل.. جيكوب أيضا كان من قاد حملة كبيرة للضغط على جامعة هارفارد لكي ترفض منحة قدمها الشيخ زايد لتأسيس مقعد للدراسات الإسلامية.. وقد رفضت المنحة فعلاً[xxi].. !.. كما أنه قام بحملة مماثلة لمنع برنامج يبث عبر قنوات الكيبل اسمه موزاييك[xxii] وهو برنامج يضم مقتطفات من قنوات الشرق الأوسط فقط لاحتمال وجود مادة تثير الكراهية ضد إسرائيل.. (هل يستغرب أحد بعد كل هذا أن يكون الرجل أيضا ناشطا في قضية دارفور؟؟)..

الرجل الثاني في المؤسسة هو دينيس  هيل[xxiii]، وهو عضو في الهيئة التدريسية لكلية بوسطن وناشط سياسي وإعلامي وإسلاموفوبي أيضاً، اسمه يتردد حالياً في وسائل الإعلام بسبب مشاركته في الحملة المضادة لبناء مسجد في نيويورك بالقرب من مركز التجارة العالمي[xxiv]، كما إنه قاد حملة مماثلة وأكثر عنفا ضد بناء مسجد في تقاطع روكزبري  بالقرب من مدينة بوسطن ولاية ماساشوسيتس، وكان زعيم اللا قرآنيين هو رأس الحربة فيها حيث قال عنهم أن القائمين على بناء المسجد “وهابيون” واستخدمت أقواله على طريقة “شهد شاهد من أهلها”.. القائمون على المسجد رفعوا لاحقاً دعوى قضائية ضد “الزعيم” ليثبتوا براءتهم !!..[xxv]

أسس الزعيم أيضا “المركز الإسلامي للتعددية” (!!)[xxvi].. مدير هذا المركز هو ستيفن شوارتز المولود لأب يهودي.. والذي يقول عن نفسه ببساطة أنه من “المحافظين الجدد”[xxvii]!!

ماذا تقول شراكات كهذه عن زعيم اللا قرآنيين؟ ربما تقول عنه كل شيء بالنسبة للبعض.. لكني أتساءل: هل بعد إنكار السنة ذنب؟ أم أن الأمرين مرتبطان؟.. (ربما يقول البعض إن كل هذه مجرد مصادفات..لكن يحتاج الأمر قدرا كبيرا من الغباء لقول ذلك فضلا عن تصديقه)..

نقطتان مهمتان أودّ أن أختم بهما..  

أولا-ليس كل أدعياء التجديد بالضرورة تنطبق عليهم المواصفات السابقة من ناحية الدعم والتمويل المشبوه، المؤسسات الغربية ليست جمعيات خيرية تنفق أموالها بلا حساب على كل من هب ودب ومسك قلما ليكتب في التجديد.. لكن على هؤلاء أولاً أن يثبتوا أنفسهم ويشقوا طريقهم منفردين وبعد أن يثبتوا جدارتهم -!!- واستحقاقهم للدعم يتم التقاطهم ودعمهم..

بالإضافة إلى ذلك فإن هناك نسقاً واضحاً في اختيار هؤلاء: الأسماء التي دُعمت غربياً حتى الآن هي دوماً من الشخصيات التي تحمل لقباً علمياً (ليس بالضرورة في الشريعة) وكذلك فإنها من الشخصيات التي لا يظهر عليها “جنون واضح“.. أقول ذلك لأن جبهة أدعياء التجديد تضم الكثير من أشباه المجانين و/ أو أشباه المتعلمين، ونصيحتي الأخوية لهم بالكف عن الكتابة إذا كان هدفهم النهائي تحصيل الدعم.. أما إذا كان هدفهم غير ذلك- تحقيق الذات مثلا؟- فليحققوا ما شاؤوا من ذواتهم.. مع الدعاء بالهداية للجميع..

ثانيا-يجب الابتعاد تماما عن أي حكم بالتكفير أو الارتداد أو الحكم بالزندقة على هذه النماذج أو سواها مهما قالوا.. أقول ذلك وأؤكده: التصدي لهم ولما يقولونه وما يخططونه واجب وضروري لكن هذا شيء مختلف تمام عن التكفير .. ليس فقط لأنه ليس من مهمتنا ولا مسئوليتنا، بل لأن كلمة الكفر- حتى لو لم تكن ضمن فتوى- تصبّ دوما لصالح هؤلاء في دعايتهم لأنفسهم في الغرب خاصة عبر العزف الحزين على ناي المظلومية..  بعض كتاباتهم تبدو كما لو كانت مخصصة أصلا للحصول على حكم بالردة أو التكفير.. لكن أي متتبع  لأحكام الردة والتكفير التي أصدرت في العقود الأخيرة –وبعضها كان لأهداف سياسية بحتة- يدرك أن المستفيد النهائي من هذه الأحكام كان من صدرت بحقهم.. إذ قدمت لهم فرصاً لم يكونوا يحلمون بها من الشهرة والأضواء والجامعات العالمية.. أقول ذلك وأكرر أن التصدي لهم واجب، وإن تجاهلهم لا يفعله إلا جاهل بخطرهم، لكن التكفير خطأ كبير يجب أن لا ينزلق إليه أيّ متصدٍّ لهم..

****************** 

أدرك طبعاً ما أحدثته هذه المقالات من ردود أفعال متباينة، ولن أكون مبالغاً إن قلت إني كنت أدرك ذلك مسبقا.. وأتحمل مسؤولية ما كتبته من قبل ومن بعد.. وآمل أن يغفر الله لي زللي ويؤجرني على صوابي..

نعم، سوف أحاسب على ما قلت.. كما سنحاسب جميعاً على ما نقول ونفعل..

لكن للتذكير فقط : نحن لا نحاسب  فقط على كلامنا.. بل نحاسب على سكوتنا أيضاً.. السكوت أيضا” فعل”  نحاسب عليه، رغم أن البعض ينسى ذلك.. ويفضل السكوت حتى لا يناله رذاذ من هنا أو من هناك.. أو فقط لأنه يتجاهلهم ..!..

سنحاسب جميعا.. المتكلمون والساكتون..

والسلام ختام..

 

 



[i] موقع أهل القرآن- التطور الفكري للشيخ أحمد صبحي منصور

[ii] المعرفةwww.marefa.org تعريف احمد صبحي منصور

[iii] نفس المصدر السابق

[iv] التطور الفكري…مصدر سابق

[v] http://en.wikipedia.org/wiki/Rashad_Khalifa

[vi] التطور الفكري مصدر سابق

[vii] مقدمة كتاب القرآن و كفى

[viii] التطور الفكري-مصدر سابق

[ix] http://en.wikipedia.org/wiki/Ahmed_Subhy_Mansour

 

[x] http://en.wikipedia.org/wiki/Ahmed_Subhy_Mansour

 

[xi] http://www.mounahada.org/modules.php?namepart=cutting&number=73

[xii] http://dostor.org/politics/egypt/10/june/30/20903

 

[xiii] http://www.nysun.com/foreign/identifying-moderate-muslims/5248/

 

[xiv] http://en.wikipedia.org/wiki/Ahmed_Subhy_Mansour

 

[xv] http://en.wikipedia.org/wiki/Ahmed_Subhy_Mansour

http://www.freemediawatch.org/24-041104/thadman.htm

 

[xvi]

[xvii] http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=30139

 

[xviii] http://en.wikipedia.org/wiki/Ahmed_Subhy_Mansour

 

[xix] http://en.wikipedia.org/wiki/Charles_Jacobs_(political_activist)

 

[xx] http://en.wikipedia.org/wiki/Committee_for_Accuracy_in_Middle_East_Reporting_in_America

 

[xxi] http://www.rense.com/general76/who.htm

 

[xxii] http://www.rense.com/general76/who.htm

 

[xxiii] http://en.wikipedia.org/wiki/Dennis_Hale

 

[xxiv] http://newenglishreview.org/blog_display.cfm/blog_id/29252

 

[xxv] http://en.wikipedia.org/wiki/Ahmed_Subhy_Mansour

 

[xxvi] http://en.wikipedia.org/wiki/Ahmed_Subhy_Mansour

 

[xxvii] http://en.wikipedia.org/wiki/Center_for_Islamic_Pluralism

كان يا ما كان… رمضان ! 4

 

 

كان يا ما كان.. رمضان !4 

د.أحمد خيري العمري

كلما شاهدت أو سمعت تعليقا عما يدور على جبهة “المسلسلات” التي تسمى زورا وبهتانا رمضانية تذكرت واقعة معينة و تعليقا سمعته قبل حوالي عقدين من الزمن..

كنت يومها في سنتي الجامعية الأولى، في جامعة الموصل، و وضعني ترتيبي الأبجدي على نفس طاولة مخبر الحاسوب مع فتاتين “موصليتين” كانتا نموذجا لكل ما هو مشرف وباعث على الفخر في أهل الموصل، يحضرني من هذه الصفات الحشمة والزى الشرعي و الجدية و تطابق ذلك كله مع السلوك عندهما بالذات..بالإضافة إلى ما لا أخجل من ذكره من مواصفات شكلية يعبر عنها المثل الموصلي الخبيث”قولي بيضا واسكتي و قولي سمغا(=سمرا) و امدحي” (و المثل يعني أن البيضاء لا تحتاج إلى مديح أما السمراء فيجب أن تمدح بذكر مزايا أخرى!!)..

وأهل الموصل- لمن لا يعرفهم- لديهم الكثير مما هو مشترك مع أهل الشام،..لديهم على الأقل ذلك الإحساس بأنهم الأفضل الذي يحتم عليهم أحيانا أن يحاولوا أن يكونوا الأفضل أو على الأقل يبدون كما لو إنهم كذلك!..و إذا كانت كل القصص تنتهي بالنسبة للشوام عند مدينتهم، فإن كل شيء يبتدئ من الموصل بالنسبة لأهلها،على الأقل  منذ أن رست سفينة نوح عندهم!. بل أني اعتقد أن لهم ما يكفي من الأدلة للاعتقاد عن آدم شخصيا كان من أهل الموصل.. و كما إن لدمشق سورها الذي زال مبناه و بقى معناه في خارطة تضاريسهم النفسية التي تقسم الناس إلى صنفين: داخل السور و خارج السور،..فكذلك للموصل سورها الذي نقش في أهلها صفات  وحكايات كثيرة من ضمنها حكاية “أهل البرة” و”أهل الجوة”..بالضبط كما في دمشق..(وإن كان الكلام عنها أقل مقارنة بالشام)..وعلى الرغم مما قد يبدو من “عنصرية” للوهلة الأولى عند أهل المدينتين إلا أن ذلك يتجسد في أحيان كثيرة في صفات إيجابية في داخلهم لا تجعلهم معتزين فقط بانتسابهم لمدينة عريقة بل تجعلهم أيضا يحاولون أن يكونوا على قدر تلك العراقة..(لكن للإنصاف، يتفوق أهل الشام بياسمينهم المتدفق لطفا على ألسنتهم وسلوكهم،.. من الفروق أيضا امتلاك أهل الشام قدرة كبيرة على جلد الذات ، بينما يفتقد أهل الموصل  ذلك تماما!..ويمتلكون بالمقابل موهبة استثنائية في الإصرار و المتابعة قد تسمى أحيانا : النق !)..

أين كنا؟ ..كنا في الموصل..وكان يا ما كان..رمضان في الموصل..بالذات في مخبر الحاسوب،..كانت قواعد السلوك الموصلي تحرم تماما الحديث بين الطلاب و الطالبات على الأقل في السنة الجامعية الأولى!..لكن أحكاما مخففة صدرت بحقي ربما بسبب ما كان يعد يومها “غربة!”…(سألت الزميلتين مرة عن وصفة “الكبة اللبنية”-التي هي مشترك آخر بين الشام و الموصل-..فأخبرتني أحداهما لاحقا إن جدتها بكت علي تعاطفا مع غربتي …كان العراقيون آنذاك يتصورون إن 400 كيلومترا تعني الغربة ..لم يكونوا يدركون في أي أصقاع بعيدة سينتهون خلال أقل من عقدين فقط!..)

المهم،..مرة أخرى، أين كنا؟..كنا في رمضان،و كان يا ما كان في الموصل و مسلسلات رمضان..

يومها التفتت لأسال بشكل عابر تماما عما يعرض في التلفاز هذه الأيام (في رمضان)..طبعا كان ذلك قبل القنوات الفضائية و عندما كنت تقول التلفاز كنت تقصد شيئا واضحا ومحددا وليس كما هو اليوم..

حركت واحدة منهما رأسها بأسف و قالت عبارة واحدة باللهجة الموصلية – ستذهب بالنسبة لي و لعائلتي لتكون مثلا-..قالت “كِن جَنوا”..أي “لقد جنوا..”..

مالذي جعلها تقول ذلك؟..كانت تلك هي المرة الأولى التي يعرض فيها التلفاز “الفوازير” المغناة..وكان ذلك آنذاك يعد تعديا خطيرا على حرمة الشهر الفضيل لاحتوائها على الرقص و الاستعراض…

“كِن جَنوا“..من أجل الفوازير..لم يكن ذلك قبل قرون..لم يكن هناك ديناصورات تلعب في الباحة..كان ذلك قبل عقدين فقط..أي مقارنة مع ما يدور الآن سيقول لنا كم تدهور كل شيء و في غضون فترة قصيرة نسبيا (سيقول آخرون أنه دليل على تطورنا!)..و كم ستكون الأمور أكثر تدهورا و انحطاطا خلال فترة قصيرة قادمة أيضا..بحيث قد يبدو بعد عشرين عاما إن مسلسلات اليوم كانت نموذجا للحشمة..لا تستبعدوا ذلك ..فهذا هو المنطق الذي يتحكم بالأمور عندما ينسحب منها من يجب أن يتحكم بها..و ما حدث في الإعلام، كمّاً و نوعا، خلال هذين العقدين ، يدل على ذلك أكثر مما يدل أي شيء آخر…

                       يتبع

اللا قرآنيون 5 : أبو جهل متأخرا عن صلاة العصر !

 

د. أحمد خيري العمري

 

 

أيُّ مسلم حريصٌ على دينه لن يملك إلا يسأل القرآنيين سؤالاً بديهيا عن الكيفية التي يمكن بها للمسلم أن يؤدي صلاته بمعزل عن السنة النبوية.. وسيؤدي جواب القرآنيين إلى الدخول في دهاليز ومتاهات تؤدي عمليا إلى سؤال آخر أهم: هل يصلي القرآنيون أصلاً..؟! هل الصلاة فرض عندهم كما هي عند المسلمين؟ وهل لها شكل محدد ؟..

يدرك القرآنيون حساسية الأمر لارتباطه يما يعده المسلمون ركن دينهم الثاني (طبعاً القرآنيون لا يؤمنون بذلك لأن هذا يعتمد على حديث!) لكنهم يتصرفون كما لو أنهم أولى بذلك التحسس و يردون بما معناه (نقول لكم القرآن كاف ولا يحتاج إلى شيء وتقولون لنا ماذا عن الصلاة، يا لكم من مشركين، لقد تمكن إبليس اللعين من تجنيدكم..) وهكذا يتحول السائل في غمضة عين (أو غمضة بصيرة وعقل بالأحرى..!) من موقف السائل الحريص على دينه إلى قفص الاتهام بكونه من جند إبليس المشركين.. وسنعرف لاحقاً أن كل تعريفات الشرك تتمحور عند القوم ( هل عليّ أن أقول هداهم الله أو شفاهم الله..؟؟) على إشراك السنة مع القرآن.. كما لو كان القرآن قد نزل خصيصا ليفكّ الاشتباك بين القرآن والسنة.. لم يعد الشرك مُنصَباً على الأوثان أو الطواغيت أو المفاهيم التي يخضع لها الناس.. بل صار الإيمان بالسنة النبوية!!…

وحتى لا أُتَّهَم بالمبالغة أترككم مع الاقتباسات وأعتذر مرة أخرى عن رداءة وركاكة المحتوى..

 

(..منذ أن بدأت مناقشة التراث السنى ونقد كتب البخارى وغيره وكان السؤال الذى أواجهه دائما : إذن كيف نصلى ؟ وأين عدد الركعات وكيفيتها ومواقيتها فى القرآن الكريم ؟؟.
فى كل خطبة جمعة كنت ألقيها فى أواخر الثمانينيات فى مصر كنت أضطر ـ فى مناقشات ما بعد الصلاة ـ الى الاجابة على هذا السؤال. ومللت من كثرة الاجابة، وأصبحت ملزما أمام كل فرد غير مقتنع بالقرآن لأن اخلو به جانبا لأقول له نفس الاجابة ، وفى غمرة ضيقى أقترحت لنفسى ساخرا أن أسجل الاجابة واصطحب جهاز التسجيل معى أينما سرت حتى إذا ووجهت بنفس السؤال أدرت جهاز التسجيل وأرحت نفسى من عناء التكرار. ثم قررت أن اكتب كتابا صغيرا فى الموضوع
..) وهذا هو الكتاب الذي سنعتمد عليه في هذا المقال وعنوانه: “الصلاة في القرآن الكريم” وهو لنفس مؤلف كتاب: “القرآن وكفى” وهو موجود على موقع أهل القرآن….

(..المكذبون بالقرآن الكريم لا يتوانون عن اتهام رب العزة وقرآنه الكريم بالتفريط والعوج والنقص والغموض، ويسارعون بالسعي في آيات الله تعالى معاجزين متسائلين أين تفصيلات الصلاة في القرآن ؟ أين كذا وكذا في القرآن.
نقول منذ البداية إن هذا الكتاب لن يفلح في إصلاح اعوجاجهم مهما تكاثرت الآيات القرآنية فيه لأنهم ببساطة لا يؤمنون بالقرآن الكريم
..)

هكذا نصبح مكذبين بالقرآن تلقائيا بمجرد أن نسأل عن تفصيلات الصلاة.. ليس هذا فقط بل نحن “نسعى في آيات الله معاجزين!!” أي إننا من أصحاب الجحيم مباشرة .. وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ  الحج(51)..

ليس هذا فقط…. ( تسلط إبليس على عقول أولئك ” المسلمين ” يتجلى في مواقفهم المختلفة حين قراءة هذا الكتاب.
منهم من يشعر بالملل من كثرة الآيات القرآنية، وتسارع عيناه بالهروب من قراءتها ضجرا أو إعراضا عن الفهم ناسيا عنوان الكتاب ( الصلاة في القرآن الكريم ) وما يستلزمه منهج البحث في هذا الكتاب من الاعتماد أساسا على القرآن ولو كره الآخرون
!!)..أي إن شعورك بالملل من الكتاب سيكون دليلاً ليس على كون الكتاب مملاً، أو أسلوب الكاتب ممل، أو عدم تعودك على أسلوبه أو أي من الأسباب الذاتية التي تجعل لكل قارئ مزاجه الخاص.. بل يعود فقط إلى تمكُّن إبليس اللعين منك..(لذا حذار من الملل أثناء قراءة الكتاب!)..

بكل الأحوال لن تكون مشكلة الكتاب قط إثارته للملل أو الضجر، بل على العموم لن يكون هناك أيٌّ منهما، على العكس سيكون هناك بعض الضحك على المنطق المعروض والكثير من الاستغراب.. لكن ليس الضجر..

بعد أن يقرر الكاتب أن مجرد السؤال هو نوع من المعاجزة الجحيمية لآيات الله لذا فإنه يضطر لمحاججتهم والرد على تساؤلاتهم بخصوص الصلاة، وهو يدرك قطعاً أن جوابه لن يقنع عاقلاً (أو حتى نصف عاقل) ولكنه يستبق ذلك بقوله: إن الكتاب لن يُصلِح اعوجاج السائل، وهكذا فإن عدم إقناعه لنا سيتحول إلى حجة بيده، بالضبط كما يفعل حواة الـ”ثلاث ورقات” في الموالد الشعبية (هذا الشعور راودني كثيراً عند متابعتي لمنهج القرآنيين، شعور أن منهجهم هو منهج الثلاث ورقات)..

الحجة التي يسوقها صاحبنا هنا، ليبرر عدم وجود كيفيات الصلاة في القرآن هي بالتأكيد “غير مسبوقة” وأسجّل له هنا أنه لابد وأنه بذل جهده ليجدها، وأسجل له أيضا أن غرابة حجته ونشازها عن كل منطق أو منهجية علمية تجعلها تستحق أن تكون في سجلٍّ ما من سجلات العجائب والغرائب..

الحجة هي باختصار أن القرآن لم يذكر كيفيات وهيئات ومواقيت الصلاة لأن عرب الجاهلية ومشركي قريش كانوا يعرفونها كلها، وبالتالي كان المسلمون يعرفونها أيضاً، لذا كان ذكرها في القرآن أمراً ليس مجدياً برأيه (إضاعة وقت!)..

ما هو دليله على ذلك؟..لا شيء..لا شيء سوى أن القرآن الكريم لم يتحدث عن الصلاة بقدر ما تحدث عن إقامة الصلاة، لذا فقد قرّر، من عند نفسه، وعملاً بمبدأ (اعتقد ثم استدل) أن هذا يعني أن عرب الجاهلية بمن فيهم أبو جهل وأبو لهب وكل الأسماء الباقية كانوا يصلون خمس صلوات كتلك التي نصليها اليوم، لكنهم كانوا لا يخشعون فيها، كما كانوا غير محافظين عليها ( ربما أبو جهل كان يؤخِّر صلاة العصر مثلاً!).. وهذا هو المعنى الذي طلبه القرآن منهم عبر الأمر بإقامة الصلاة.. والإقامة هي (الخشوع + المحافظة).. وتنتهي المشكلة هنا..

(يقول تعالى عن إسماعيل: ” وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولا نَّبِيًّا وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا. مريم 54-) وتواترت الصلاة بكيفيتها إلى عصر محمد الذي كان ينفذ أوامر ربه جل وعلا ووصية جده إسماعيل وهى: ” وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا. طه 132) والمحافظة على الصلاة في السلوك والقلب هو معنى الاصطبار عليها.
وبين إسماعيل ومحمد عرف العرب الصلاة بنفس الكيفية التي علّمها الله تعالى لإبراهيم وإسماعيل حين سألا الله تعالى – وهما يبنيان الكعبة- قائلين له جل وعلا :” رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا ” البقرة 128 ) والصلاة أهم المناسك …)

لاحظوا منهجية الثلاث ورقات، يخرج ورقة كتب عليها آية عن النبي إسماعيل عليه السلام ووصيته لأهله بالصلاة.. ثم يخرج ورقة أخرى عليها نفس معنى الآية الكريمة وهي تخاطبه عليه أفضل الصلاة والسلام ، وبعدها يقوم بإخراج ورقة ثالثة لا علاقة لها إطلاقا بكل من الآيتين السابقتين حيث يقرر أن العرب بين إسماعيل ومحمد (هكذا!)( أي عبر آلاف غير محددة من السنين) قد عرفوا “الصلاة بنفس الكيفية”..كيف عرفت أنت أنهم عرفوا؟

(..ولأن العرب في الجاهلية وقريش في عهد النبوة كانت تصلى وتعرف الصلاة ولكن لا تقيم الصلاة لذا نزلت الأوامر لهم في مكة بإقامة الصلاة، أي بالمحافظة عليها بعدم الوقوع في الشرك والمعاصي والخشوع أثناء تأديتها. على سبيل المثال جاء الأمر بإقامة الصلاة في الفترة المكية في السور الآتية ( فاطر 18 ، 29 ) الشورى 38) (الروم 31)...سنفترض أولاً وجدلاً فقط ومرحلياً فقط، أن هذا الكلام صحيح، ولكن من حقنا أن نسأل: إذا كان عرب الجاهلية يعرفون “الصلاة”وهيئاتها وتفصيلاتها ومواقيتها، فهل عرفوها بكتاب سماوي بين أيديهم “صحف إبراهيم مثلاً” أم عرفوها عن طريق ما تناقلوه من أقوال وتعليمات الأنبياء (إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام في هذه الحالة).. الجواب عن هذا واضح طبعا-وإن كان الأمر كله افتراضي-لكن لِم يحق لعرب الجاهلية أن يتبعوا سنة إبراهيم وإسماعيل ولا يحق لنا أن نتبع سنة خاتم النبيين؟ مجرد القبول بالمبدأ يعرض عقيدة القرآنيين كلها للنسف.. إذا كان عرب الجاهلية يؤدون الصلاة بنفس الكيفية التي أداها عليه الصلاة والسلام فهذا يعني وجود قبول بما نقل عن طريق الرواية و التلقين جيلاً عن جيل ومن غير “كتب سماوية”.. والقبول بهذا المبدأ لمرة واحدة يحتم القبول به في كل مرة.. ونحن أولى بسنة نبينا من مشركي مكة!..

لم تعلمهم الصلاة لأنهم كانوا فعلا يعرفونها ويؤدونها. أمرتهم فقط بفعل ما لم يكونوا يفعلون وهو إقامةالصلاة بالخشوع فيها والمحافظة عليها لكي تقوم الصلاة بدورها في سمو السلوك الخلقي وتهذيبه…)

ثانياً، وجدلاً فقط، لأن الأمر كله قائم على ما اتفقنا أنه من قبيل (العجائب والغرائب)، إذا كان عرب الجزيرة قد عرفوا الصلاة وكيفياتها وهيئاتها كما يدّعي أصحاب هذا المنهج، فما ذنب مسلمي البلدان الأخرى ممن لم يكونوا يعرفون هذه الهيئات؟!،.. ألم يأخذوها هم لاحقاً أيضاً عن طريق النقل من المسلمين “الأقدم منهم”؟… أي إن طريق النقل سيكون هنا على هذا النحو – ما نقله أتباع النبي إبراهيم أو إسماعيل إلى الأجيال التي تلتهم جيلاً بعد جيل وصولاً إلى الرسول الكريم – ثم ما نقله أتباعه عليه الصلاة والسلام من نفس هذه الهيئات إلى أصقاع الأرض.. وكل ذلك دون أن تكون موجودة في كتاب سماوي.. أفلا يمنح ذلك كله المزيد من المصداقية لمصدر النقل الشفهي لأفعال وأقوال الرسول الكريم بمعزل عن الوحي الذي أنزل عليه؟.. وهو المصدر الذي يحاول هؤلاء نسفه تماما..

ثالثاً وجدلاً أيضاً، الصلاة ليست هيئات ركوع وقيام وسجود ومواقيت خمسة فقط، إنها أيضاً “قرآن يتلى”.. إنها أيضاً-على الأقل- فاتحة كتاب تقرأ في كل ركعة.. فهل يعتقد الحواة حقاً أنّ مشركي مكة كانوا يعرفون الفاتحة؟.. هل يتصورون حقا أن القرآن كان معروفاً في مكة قبل نزوله على الرسول الكريم؟..إذا كانوا يعتقدون أنها أضيفت إلى ما كان معروفاً أصلا من هيئات، فهذا يستوجب بحسب عقيدتهم أن تكون هناك آية قرآنية تعلم المسلمين هذا.. (هذا على فرض أنهم يؤمنون بأن الفاتحة يجب أن تقرأ في الصلاة.. ولا أعرف حقيقة أي شيء عن هذا).

هذه الافتراضات الثلاثة –وكلها مبنية على حجة أن مشركي العرب كانوا يعرفون الصلاة بالشكل الذي نعرفه نحن- كفيلة بنقض الحجة من جذرها.. أؤمن طبعاً أن لا عاقل يمكن له أن يؤمن بهذه الحجة.. لكني أؤمن أيضاً أن الأهواء قد تزين لأصحابها كل ما لا يؤمن به عقل..

لكننا حقيقة لا نحتاج إلى الجدل والفرضيات لنبطل ما يزعمونه، فمنهجية الثلاث ورقات تستوجب خفة الحركة وإخفاء بعض “الآيات” المناقضة لما يزعمونه من اقتصار القرآن الكريم على الحديث عن “إقامة الصلاة”..

أولا- آيات إقامة الصلاة كانت موجهة للمؤمنين والمسلمين فحسب، لأنه لا معنى أصلاً في الحديث عن ذلك مع المشركين والكفار إلا بعد انفصالهم من منظومة الكفر والوثنية.. هل يمكن أن يصدِّق أحد دعوة الكفار إلى الصلاة أو إقامة الصلاة قبل أن يدخل الإيمان إلى عقولهم وقلوبهم؟

ثانيا-فرضية أن إقامة الصلاة تعني تعديلها مما دخلها والمحافظة عليها –مع معرفتها مسبقاً-ستجعل هذه الصلاة تعود إلى عهد ما قبل سيدنا إبراهيم.. أي سيعني هذا أننا نصلي نفس صلاة قوم إبراهيم وهيئاتها ومواقيتها (وهم قوم كفار ولا يوجد أي احتمال على كونهم غير ذلك) وإلا فلا معنى لقول إبراهيم لله عز وجل ” رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ” إبراهيم(40).. فإبراهيم هنا يسأل أن يكون مقيما للصلاة وليس مصلياً، وهذا يعني بحسب رؤية القرآنيين أنه كان يعرف الصلاة قبل ذلك عن طريق قومه!! J

ثالثا-إن اختيار معنى “الخشوع والمحافظة” ليكون رديفاً للإقامة هو اختيار انتقائي متعمد لتقزيم معان نهضوية عملاقة لعبارة إقامة الصلاة.. للأسف ليس هنا مجال ذكر هذه المعاني..

رابعا-خاطب القرآن الكريم –الذي يدّعي هؤلاء أنهم أهله زوراً وبهتانا- الكفارَ بقوله عز وجل “ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ” الكافرون(6). وهذا يعني وجود منظومتين منفصلتين تماماً دون وجود مشترك شعائري بينهما..أي إن حديث شيخ القرآنيين الذي يوحي أن مهمة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام كانت مهمة إصلاحية فقط تتم عبر إزالة بعض الشوائب هو حديث لا معنى له إطلاقا بالنص القرآني: لكم دينكم ولي دين!

خامسا-وهي النقطة الأهم: أطلق القرآنيون كذبة وصدقوها.. من قال أصلاً إن الحديث كان عن إقامة الصلاة فقط.. في آية مبكرة جداً نرى “ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى .عَبْدًا إِذَا صَلَّى  العلق9-10).. وهو أمر سيكون لا معنى له بحسب رؤية القرآنيين، إذ لِمَ ينهى كفار مكة عن الصلاة إذا كانوا يعرفونها كما يدعون؟.. في آية أخرى مبكرة نرى” فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى . وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى” القيامة(32).. هل هناك معنى في ذكر هذا إذا كان الكفار يصلون أصلا كما نصلي نحن؟؟.. وفي آية مبكرة أيضاً..إلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ . فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ. عَنِ الْمُجْرِمِين .َماسَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ “(المدثر39-42) المصلين! وليس مقيمي الصلاة.. والحديث عن “المجرمين”، أي عن الكفار.. الذين سيذهبون إلى سقر..

 لكن ماذا إذن عن الصلاة التي يؤمن بها القرآنيون؟ على الأقل من خلال هذا الكتاب الذي ننقل منه؟..

للإنصاف لم يقل الكاتب أبداً إن الصلاة هي حالة وجدانية وخشوع بمعزل عن هيئاتها من ركوع، هناك حديث متكرر عن كون الصلاة “وسيلة” وليست “غاية” وهو حديث يمكن أن يكون صواباً، ويمكن أن يكون غير ذلك بحسب السياق، لكنه يحرص على تحديد الوسيلة بكونها “السمو الخلقي” فحسب، وهو أمر فيه نظر.. فغايات الصلاة أبعد من أن تختصر بالسمو الخلقي فقط، خاصة إذا ما عرفنا ما يعنيه بهذا بالضبط..

أكرر: لا أدعي هنا أن القرآنيين أو زعيمهم قد دعوا إلى نسف هيئات الصلاة بالشكل الذي نعرفه.. لكن اسمحوا لي أيضا أن أكون سيئ الظن(سيقول البعض: كالعادة!!) فأقول إن ذلك قد يكون مرتبطا بحقيقة أن “نسف الصلاة” سيكون له أثر جماهيريٌّ سلبيٌّ جداً على دعواهم ككل (أكثر من دعوى نسف السنة).. يقوي سوء ظني هذا أن كلمة الحق التي قالوها (عن كون الصلاة وسيلة وليست غاية) وردت ضمن سياق يثير الشكوك…

(..إن إقلاعهم عن الاعتداء والظلم هو إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. وهذا هو المقياس البشرى الذي نستطيع الحكم عليه. فلا نستطيع مثلا أن نعرف إن كان الله تعالى سيقبل صلاتهم وصدقاتهم أم لا، ولا نستطيع أن نعرف إذا كانوا يخشعون في صلاتهم أم يراءون الناس. ليس ذلك لنا ولا نملكه. الذي نملك الحكم عليه فقط هو سلوكهم الخارجي، هل هم مسالمون أم معتدون، هل هم أبرياء أم مجرمون. فالمسالم الذي لا يظلم أحدا – في رؤيتنا البشرية الظاهرية – هو المقيم للصلاة والذي يؤتى الزكاة. والفاجر الظالم عندنا هو الذي يضيع الصلاة مهما كان مصليا. ونفس الحال فى التعرف على المسلم والكافر أو المشرك. فالمسالم هو المسلم بغض النظر عن عقيدته ، والكافر أو المشرك هو المجرم المعتدى الارهابى بغض النظر عن الدين الذى يزعم الانتماء اليه…)

(..ولذلك فان المشركين المعتدين حين نقضوا العهود وأغاروا على المسلمين المسالمين أوجب الله تعالى قتالهم حفظا للحقوق البشرية، وجعل مقياس الاسلام الظاهرى هو التزام السلام.

 

ووفقا لمصطلحات القرآن التي غفل عنها أئمة التراث !!فان الإسلام له معنيان:

..المعنى الأول” السلام ” أو المسالمة، وهو هنا معنى سلوكي يستطيع أن يحكم عليه البشر حسب الظاهر في التعامل مع الناس، فكل إنسان مسالم فهو مسلم بغض النظر عن عقيدته ودينه، وليس لأحد أن يحكم على عقيدة أحد أو درجة ما في قلبه من إخلاص أو رياء أو نفاق أو إشراك. مرجع ذلك لله تعالى وحده يوم القيامة.
…..
وطبقا لمعنى الإسلام الظاهري فان الذي يقيم الصلاة ويؤتى الزكاة هو كل إنسان مسالم لا يعتدي على أحد ولا يظلم أحدا بغض النظر عن عقيدته أو صلاته. المهم ألا يعتدي على أحد أو لا يظلم أحدا.

الشرك أو الكفر معناهما واحد في المصطلح القرآني ( التوبة 1-2 -17 )( غافر 42 ) ولهنا أيضا معنيان:

1– سلوكي ظاهري في التعامل مع البشر ويستطيع أن يحكم عليه البشر، والكفر والشرك هنا يعنيان الاعتداء والظلم للبشر, ولذا تأتى من مرادفاتهما في القرآن مصطلحات مماثلة مثل الظلم – الفسق – الإجرام – الاعتداء. كل من يرتكب جرائم القتل ويظلم الناس ويستحل دماءهم فهو مشرك كافر حسب سلوكه ، ولا شأن هنا بعقيدته. ..من المكن أن تصف بالكفر والشرك أسامة بن لادن ومن هم على شاكلته ممن يقتلون الأبرياء ويعتدون على من لم يعتدي عليهم– طالما لم يتوبوا..)..

هل يكون غريباً بعد ذلك أن يتم تعديل السؤال الأول عن كيف يصلي القرآنيون بلا سنة نبوية إلى: هل يصلي القرآنيون أصلا؟

الكلام واضح جدا.. فمقيم الصلاة في رأي شيخ القرآنيين هو ليس من يلتزم بشكلها ومضمونها ومعانيها الأخلاقية في آن واحد.. بل هو “المسالم فقط”..!!

هكذا إذن !.. وفي هذه الفترة التي يستهدف فيها المسلمون تحديداً؟..هل هناك توقيت ما في هذا التعريف لإقامة الصلاة..؟؟ هل هو جزء من مستلزمات مرحلة جديدة؟..

عن ذلك سيكون هناك مقال آخر وأخير هذه المرة..

 

 

 

 

 

 

كان يا ما كان …رمضان ! (3)

 

 

كان يا ما كان.. رمضان 3

د.أحمد خيري العمري

..جاءني رمضان هذه السنة في موقع مختلف جدا عن موقع لقائي به السنة الماضية..

جغرافيا كان اللقاء أقرب إلى قلبي حتما من أمريكا(بكثير!)..وهو أمر كاف لوحده..لكن شاء الله عز وجل أن يكون الأمر أكثر من مجرد الجغرافيا،..وشهدت الأيام القليلة التي سبقت رمضان التقائي أخيرا بأسرتي على أمل الاستقرار سوية هذه المرة و ليس على أمل الزائر الذي يأتي لأسبوعين ويرحل ومعه المزيد من الحسرة..

التقينا أنا وأسرتي ورمضان في عنق زجاجة..لم نتخيل،لا أنا ولا زوجتي ، أن يأتي رمضان وأنا في الفندق(لأسباب لا مجال للخوض فيها ولكون عملي الوظيفي لم يكن قد بدأ رسميا بعد ) ..وهي والأطفال عند أقارب..

كان ذلك الوضع الطارئ يبدو أكثر شذوذا عندما يكون رمضان جزءا من الجو..مررت بالغربة وبرمضانها، لكن هذا الوضع “الافتراضي”  كان خارج قدرتي على التخيل..(إفطار في الفندق؟!)..

عنق الزجاجة هذا و رمضان الذي على الأبواب يكاد يطرقها جعلني أكون أكثر حسما في قطع التردد و المنزلة المحيرة الواقعة بين منزلتين (الاستقرار واللا استقرار)..جعلني رمضان أكثر قدرة على المخاطرة،بل وحتى التسرع،..وبدلا من انتظار توقيع ما يسمح لي بعقد الإيجار..

وضعني رمضان أمام الأمر الواقع..وجعلني أضع نفسي-والجميع أمام الأمر الواقع..علي أن أستقر وأولادي تحت سقف واحد وان نفطر معا و نتسحر معا و نذهب إلى التراويح معا..لا أتحدث هنا عن مجرد بقاء معاً تحت سقف وبين جدران أربعة..بل عن المعنى الأصلي للمسكن الذي يحتوي حتما السقف والجدران ولكن يبنى أيضا على السكن..على السكينة..على المعنى الأهم والأدق للمسكن ..على الانتماء معا قبل تناول الطعام معا..

وضعني رمضان أمام تلك الحقيقة، اخبرني،بل أمرني حقيقة،أن “أعدل وضعي” بسرعة..أن أسرع لأجمع نفسي وعائلتي بكل ما يمكنني القبض عليه من المعاني ومن وسائلها أيضا..

وهكذا قابلني رمضان، سنة تلو أخرى،في مكانين مختلفين تماما..وجعلني أتعرف من خلاله على معاني مختلفة تماما ولكنها أساسية تماما في الوقت نفسه..كما لو إن رمضان يمتلك حزمة من المعاني تكون كافية لأي وضع يمكن إن يكون فيه الإنسان..هل هناك وضع يمكن أن يقابلك فيه رمضان، فلا يحمل معه فيه كل ما تحتاج من معاني..هل سيجيئك رمضان يوما و أنت على حالة لا يكون له فيها ما يجعلك أقوى و أكثر قدرة؟؟

يأتيك في الغربة فإذا به صديق الصمت والعزلة،يأتيك في مفترقات الطرق فيجعلك تحسم  و تحزم أمرك،يأتيك وأنت في مرحلة انتقالية فيمنحك الصبر وقد يكون كل ما تحتاجه،يأتيك و خيوط حياتك تتجمع حولك كخيوط العنكبوت فإذا به يقطعها ويمنحك فسحة جديدة من الضوء والتغيير..يأتيك وقد تقطعت أواصر ما كان يجب أن تقطع، فإذا به الحجة التي  من خلالها تعيد الربط والارتباط..

على أي وجه تكون و أي وجهة..يمكن لرمضان أن يصحح وجهتك..

هذا طبعا،إن فهمته كما يجب أن يكون..وليس كما هو عند البعض:شهر المسلسلات..

المسلسلات..أوف..!

يتبع

 

كان يا ما كان..رمضان ! (2)

كان يا ما كان …رمضان!  2

 

د.أحمد خيري العمري

في السنة الماضية قابلني رمضان في مكان لم أكن أحب أن التقي به فيه..

لا أقصد الجغرافيا(رغم إن ذلك صحيح أيضا..لم أحب لقاؤه لي في أمريكا)..لكنه فوق ذلك جاء  وأنا بعيد للمرة الأولى عن أسرتي ..كان ذلك رمضاني الأول في الغربة..(والأخير كما آمل)..و لم أكن أتخيل أني سأجد رمضان يستقبلني كل يوم وأنا وحدي.. إفطارا  وسحورا و قياما وقعودا..كنت قد تبرمجت على جملة من المعاني الرمضانية التي تكون فيها “الجماعة”  أساسا و تكون العائلة الركن الأهم فيها..

لكن رمضان الذي زارني في الغربة أفهمني أن هناك زوايا أخرى كانت غائبة عني..زوايا قد تكون أقل ظهورا و ضجيجا..لكنها ليست أقل أهمية..اكتشفت يومها إن رمضان هو أيضا صديق الغرباء والمغتربين، وإنه لا يترك غريبا إلا و يشاركه لقمته ويقاسمه جوعه وعطشه ووحدته، بل أنه يربت على كتفيه بحنان و يمسح تلك الدمعة السرية التي تنام بين أهدابه..

تعرفت  يومها على رمضان آخر لم أتعرف عليه من قبل.. عرفته صديقا للصمت وأنيسا للوحشة،لا أنكر أني كنت أتمنى رمضانا بالقرب من أولادي حيث لا يعرف الهدوء دربا أو سبيلا للكيلومتر المربع المحيط بنا، لكن في غيابهم على الأقل كان رمضان الآخر خير بديل..وأدهشني تماما أنني لم أتعرف عليه من قبل وأن أحدا لم ينوه به..

لا أقصد بصديق الصمت هنا جو التأمل الروحاني الذي أقر إني لم أتقن دخوله يوما بالطرق التقليدية التي يدخل من خلالها الناس (وبالتالي لا فرق كبير هنا في الموضوع)..بل أقصد به جو الألفة والسكينة الذي أحاط بي من خلال رمضان،..جو غريب مختلف تماما عن المظاهر الجماعية لرمضان (التراويح ،صلاة الجماعة..الخ).. في الغربة  وجدت جوا رمضانيا  في الانفراد والعزلة..وجدته مثل صديق قديم يجلس معي في الغرفة ولا ينطق بكلمة واحدة ولكن مجرد وجوده يثير دفئا و يشيع أمانا..

كنت واثقا إن كل الغرباء تعرفوا على هذا النوع الخفي من الرمضان الذي يزورهم مرة في السنة في قارات غربتهم..لكل منهم غربته وأسبابها ..ولكن لهم جميعا يأتي رمضان فيخفف عنهم وحدتهم و يزيح غربتهم ويؤنس وحشتهم..قد يأتي بصمت ويجلس بصمت.. لكن مجرد حضوره كفيل  بإزالة شرنقة الغربة عنهم..

تخيلت أن نوعا خاصا منه يكون مع المساجين في زنازينهم ، مع الأسرى في معتقلاتهم..لكل منهم رمضانه الخاص به الذي لا يشابه رمضاننا المليء بالشعائر الاحتفالية..لا أشك أن كلا منهم يود رمضانا يشبه ما تعودناه من رمضان، أي رمضان بالحجم والبعد العائلي،لكني لا أشك أيضا أنهم يستشعرون ذلك البعد الخفي من رمضان..البعد الذي يؤنس وحشتهم ويخرجهم من زنازينهم..

لا أشك أيضا إن هناك من يعاني الغربة والاغتراب وهو في بلده و في زحام أهله وناسه،أو طليق يستشعر جدران الزنزانة الافتراضية  وهي تضيق عليه أكثر فأكثر حتى تكاد تخنقه..

لهؤلاء أيضا رمضان من نوع خاص..يخفف عنهم وحدتهم و يسهل عليهم التفلت من قيودهم..

مشكلتهم الوحيدة هي أن عليهم أن يعرفوا بوجود هذا النوع من الرمضان لكي يتمكنوا من استقباله..

أما غرباء القارات فهو يدخل عليهم بلا استئذان…

يتبع..

 

 

 

اللا قرآنيون 4: الحيل غير الشرعية لهدم الثوابت الشرعية

اللا قرآنيون 4: الحيل غير الشرعية لهدم الثوابت الشرعية

د.أحمد خيري العمري

http://www.quran4nahda.com/?p=1778

رغم إيماني أن البحث عن أدلة لإثبات حجية السنة هي من قبيل لزوم ما لا يلزم، لأنها محاولة للبرهنة على ما يستحق أن يكون برهاناً وبديهة ، إلا إني سأضطر هنا للتذكير ببعض هذه الأدلة، ومن ثم عرض حيل القرآنيين للالتفاف عليها عبر نهج معين يعيد فهم وتركيب كل شيء ليجعل هذه الحيل تبدو متماسكة مع رؤيتهم المتفلتة من كل التزام شرعي..

من هذه الأدلة مثلا قال الله تعالى: ( من يطع الرّسول فقد أطاع الله )

وقوله تعالى: ( يـا أيّها الّذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرّسول )، والآية الكريمة: (فليحذر الّذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عـذاب ألـيم) والآية الكريمة: (فلا وربك لا يؤمنون حتّى يحكمُّوك فيما شجر بينهم ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مـمّا قضيت ويسلموا تسليماً)، (فإن تنازعتم في شيء فردّوُه إلى الله والرّسول) إلخ… هذه الآيات ومثيلاتها كثير..[i]

كيف يمكن لأيٍّ كان أن يهرب من الدلالات القاطعة لهذه الآيات التي يفهمها من كان له أبسط معرفة باللغة العربية وحدٌّ أدنى من العمليات العقلية التي تعني أنه مؤهل للتكليف؟.. كيف يمكن أن يهرب القرآنيون وهم يدَّعون إنهم يكتفون بالقرآن من الآيات القرآنية التي تحيل إلى السنة؟ وهي الآيات التي يمكن من خلالها ومن خلال تكاملها مع بقية الآيات-التي يحاول القرآنيون اجتزاءها- فَهْم كيف يمكن للكتاب أن يكون كافياً وفيه تفصيل وبيان كل شيء، إذ أنه يتكامل مع الآيات التي تحيل إلى التجربة النبوية  التي تمثل التطبيق القرآني المباشر على أرض الواقع (وهذا هو الجواب الأساسي الذي يجب أن يستخدم عندما ينوح ويندب هؤلاء وهم يستخدمون هذه الآيات للتشكيك بالسنة، إذ ينبغي التذكير بالآيات التي تحيل إلى الرسول الكريم والتأكيد على عدم التناقض بين الأمرين بل تكاملهما..)

الحيل التي يستخدمها هؤلاء تتمحور حول نقطتين أساسيتين، وهما نقطتان تؤديان إلى إعادة تفسير كل شيء لينسجم مع هذه الحيل وتكون النتيجة في النهاية تركيبة تشبه حذاء الطنبوري: كلها رقع!..

يقدم هؤلاء فرضيتهم (الخاطئة) دون برهان، لكنهم يبنون عليها كل شيء فيكونون كمن افترض أن الأرض مسطحة وأنه عندما يصل إلى طرفها الأقصى فإنه سيسقط في الفراغ المروع..!

وقبل أن أسرد حيلهم الشرعية من مصادرهم أود أن أستميح القارئ عذرا في نقلي لهذه الركاكة التي لا علاج لها إلا بالنسف التام لطريقة التفكير التي أنتجتها،  كما أود أن أؤكد على جديتي التامة  في النقل إذ إن بعض ما يردده هؤلاء يمكن أن يفهم على أنه مزحة لا أكثر..

الحيلة الأولى: الطاعة للرسول ولا طاعة للنبي!

تهدف الحيلة الأولى إلى إجراء عملية جراحية للفصل بين محمد الرسول ومحمد النبي ( هل يجب أن نقول صلى الله وسلم عليهما في هذه الحالة!!!) فمحمد الرسول هو محمد الذي نطق بالرسالة (أي بالقرآن؟) وهو من يجب أن نطيعه حصراً أما محمد النبي فهو محمد في حياته الشخصية ولا تلزمنا طاعته في شيء!

مرة أخرى مع نصٍّ مقتبس من أهم كتبهم..

(..يخطئ الناس فى فهم الأمر بطاعة الرسول واتباع الرسول،  وذلك لأنهم يخطئون فى فهم الفارق بين مدلول النبى ومدلول الرسول..
“النبى” هو شخص محمد بن عبد الله فى حياته وشئونه الخاصة وعلاقاته الإنسانية بمن حوله،  وتصرفاته البشرية.
ومن تصرفاته البشرية ما كان مستوجباً عتاب الله تعالى،  لذا كان العتاب يأتى له بوصفه النبى،  كقوله تعالى ﴿يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك؟ تبتغى مرضات أزواجك؟!..﴾ (التحريم 1) . …. وكان الحديث عن علاقته بالناس حوله يأتى أيضاً بوصفه النبى ﴿يا أيها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ (الأحزاب 59)  ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبى إلا أن يؤذن لكم﴾ (الأحزاب 53) ﴿ويستأذن فريق منهم النبى يقولون إن بيوتنا عورة﴾ (الأحزاب 13). وهكذا فالنبى هو شخص محمد البشرى فى سلوكياته وعلاقاته الخاصة والعامة،  لذا كان مأموراً بصفته النبى باتباع الوحى…
أما حين ينطق النبى بالقرآن فهو الرسول الذى تكون طاعته طاعة لله ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله..،  .. وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾ (النساء 80،  64) والنبى محمد بصفته البشرية أول من يطيع الوحى القرآنى وأول من يطبقه على نفسه.. وهكذا ففى الوقت الذى كان فيه (النبى) مأموراً باتباع الوحى جاءت الأوامر بطاعة (الرسول) أى طاعة النبى حين ينطق بالرسالة أى القرآن ﴿قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول..﴾ (النور 54). ولم يأت مطلقاً فى القرآن “أطيعوا الله وأطيعوا النبى” لأن الطاعة ليست لشخص النبى وإنما للرسالة أى للرسول. أى لكلام الله تعالى الذى نزل على النبى والذى يكون فيه شخص النبى أول من يطيع..كما لم يأت مطلقا فى القرآن عتاب له عليه السلام بوصفه الرسول.)
انتهى الاقتباس .من كتاب القرآن وكفى.الفصل الثاني المعنون “القرآن والنبي والرسول”.

إستراتيجية هذه الحيلة قائمة على ما يلي:

أولا-افتراض إن الفرق بين لفظتي(الرسول والنبي) يستلزم الفصل بينهما.. وهي فرضية خبيثة لا دليل عليها لكنها أساسية في هذا المنهج الذي سيفقد كل معنى له في حالة نسفت هذه الفرضية. وهو متهاوية كالقول أن تعدد الأسماء الحسنى لله تعالى تعني تعدده عز وجل، تعالى جل جلاله عن هذرهم..

ثانيا-بناء كل ما يلي بناء على هذه الفرضية، وإغراق القارئ بما سيوحي له أن الفرضية الأولى صحيحة،  فإذا بالعتب كان يوجه دوما إلى شخص النبي دون شخص الرسول وهذا يعني أن النبي يمكن أن يخطئ بشكل روتيني وبالتالي فإن طاعته غير واجبة.. ويتم هذا عبر الآلية نفسها التي يمكن أن تثمر في نوع معين من القراء أو المتلقين (القارئ الذي نشأ في ثقافة تلقينية جامدة غير قادرة على النقاش، القارئ الكسول، القارئ الذي يمتلك أهواء يريد شرعنتها بكل الأحوال)..

وهذه الآلية تعتمد كالعادة على انتقاء تبعيضي لآيات معينة تخدم المعنى الذي رغب في تكريسه هؤلاء وتجاهل تام لآيات أخرى تتناقض مع ذلك..

على سبيل المثال، يتم الحديث عن كون آيات الطاعة لم تأت إلا مع لفظ الرسول للوصول إلى أن طاعة النبي غير ملزمة لأنها ببساطة غير موجودة،  ولفظ النبي هنا في مفهومهم لا يشمل فقط “السنة النبوية” التي يرومون نسفها وإلغاء اتخاذها منهجا، ولكن تشمل أيضا كل سياق قرآني ورد فيه لفظ النبي!!

فهؤلاء مثلا يتجاهلون عمداً ما يلي..

1. الجمع بين المفردتين في آية واحدة كما في “الذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ ” الأعراف(157) و“قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)”“، فالرسول الذي أُمرنا بطاعته هو ذاته النبي بنص القرآن، ولم يوجد هناك فاصل أو حاجزٌ بين الاثنين من أي نوع (مجرد الكلام في هذا يشعرني بأني أضيع وقتي في تفسير ما لا داع لتفسيره).

2. إن مفهوم الاتباع -الذي ورد في الآية الكريمة مرتبط بلفظ النبي هو أقوى من مفهوم الطاعة، فالطاعة مرتبطة بأمر واضح موجه إلى شخص بعينه، أما الإتباع فهو انقياد غير مشروط بأمر.. تطيع فلاناً إذا أمرك، لكنك عندما تتبعه، تسير خلفه وخلف خطاه حتى دون أن يقول لك ذلك .. مرة أخرى: نحن لا نفرق فعلياً بين شخص الرسول وشخص النبي، بحيث نجعل الطاعة للرسول والإتباع للنبي ولكننا فقط نناقش حجة القرآنيين الأساسية، ونؤكد بطلانها من حيث الدلالة اللغوية لكلمة الاتباع.

3. أيهما أقوى؟ طاعة الرسول الكريم أم كونه “أولى بالمؤمنين من أنفسهم“؟ فالمعنى الأخير يتجاوز معنى الطاعة حتماً إلى آفاق أكثر التصاقاً وتماهياً معه عليه الصلاة والسلام، وقد شاء الله عز وجل أن يختار لفظ النبي في هذا السياق تحديداً بدلاً من لفظ الرسول النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا الأحزاب (6).

4. كما أنه عليه الصلاة والسلام أولى ليس بالمؤمنين فقط بل من إبراهيم نفسه، وهو من هو، ومرة أخرى يختار السياق القرآني أن يكون هنا لفظ النبي وليس لفظ الرسول “ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ” آل عمران(68) .

5. جاء السياق القرآني ليتحدث مع النبي بصفته الشاهد والمبشر والنذير، والسراج المنير..يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ  شاهدا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا  الأحزاب(46)” فهل هذا السياق يتحدث عن نبي في شؤون حياته الشخصية التي لا تلزم أحداً من أتباعه أم أنها على العكس صريحة تماماً في وجوب اتباعه وطاعته والانقياد لخطواته؟

6. أكبر مكانة له عليه الصلاة والسلام ستكون مع لفظ النبي وليس لفظ الرسول: “إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا”  الأحزاب(56).. فهل جاء لفظ النبي هنا في هذه الآية الكريمة اعتباطا؟ علماً أن الصلاة عليه لا تعني التلفظ بالكلمة فحسب بل هي إتباعه والاقتداء بسنته عليه أفضل الصلاة والسلام (وردّ الأذى عنه أيضا بوجه من يحاول إلغاء حجية سنته).

7. لأنه لا فرق حقيقة بين الرسول والنبي، فإن بعض الآيات الكريمة خاطبته عليه الصلاة والسلام مباشرة دون أن تشير في السياق إلى أي من اللفظين: ” فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا” النساء(65) “إن الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ” الفتح(10)..و في الحالتين “التحكيم والمبايعة” فإن المعنى يشتمل على الطاعة في التحكيم وما فوقها في المبايعة علما أن سياق آخر ذكر المبايعة مع لفظ النبي (وهي فوق الطاعة حتما) “يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ” الصف(12)..

كل واحد من هذه الأدلة كافٍ لدحض شبهة أن الطاعة للرسول منفصلةٌ عن طاعة النبي وعن الالتزام بالسنة النبوية، فكيف إذا اجتمعت كلها ؟

لكن لِمَ نزل العتب في الآيات القرآنية مقرونا بلفظ النبي وليس لفظ الرسول؟

الحقيقة أن هذه ليست شبهة “ضد” الاحتكام لسنته عليه الصلاة والسلام بقدر ما هي دليل على تأييدها فعندما يكون “التصحيح” معدود ومحدود بما ذكر في القرآن الكريم، فهذا يعني وجود موافقة ضمنية على سائر ما قاله عليه الصلاة والسلام، هذا بالإضافة إلى أن واقعة العتب في “لِمَ تُحرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ” –مثلا-لم تكن تشير إلى حكم تشريعي عام أطلقه عليه الصلاة والسلام بل كان قد حرم شيئاً على نفسه فحسب.. كما أن العتب جاء أيضاً في سياق آخر لم يُذكَر فيه رسول أو نبي “عبس وتولى أن جاءه الأعمى”..

لكن هذا كله يجب أن لا يصرفنا عن مناقشة معنى لفظي النبي والرسول دون انفصام مزعوم بينهما، فلفظ النبي في الغالب لم يطلق عليه (عليه الصلاة والسلام) إلا في المرحلة المدنية باستثناء مرتين في سورة الأعراف متزامنا مع لفظ الرسول، كما أنه عليه الصلاة والسلام كان الوحيد بين الأنبياء الذي أطلق عليه القرآن الكريم لفظ “النبي” مع أل التعريف.. بينما ورد ذلك مع لفظ الرسول مع رسل آخرين.. كل هذه القرائن، وخاصة استقرار لفظ النبي في المرحلة المدنية من القرآن تجعلنا مطمئنين إلى أن مفهوم النبوة يمثل ترقياً في مراتب الرسالة، فإذا كان “مَا عَلَى الرَّسولِ إلا البلاغُ المُبِين” فإن النبي سيكون عليه أشياء أخرى تتضمن البلاغ المبين حتما ولكن تتضمن أيضاً ومن دون شك واجبات ومهام أخرى (يمكن فهمها عبر فهم الاختلاف بين المرحلتين المكية والمدنية)..

وهكذا فإذا كانت الطاعة للرسول واجبة بنص القرآن، فإن الطاعة للنبي هي تحصيل حاصل، لأن مرحلة النبوة تتضمن مرحلة الرسالة، والطاعة للنبي هي جزء من الطاعة للرسول بلا انفصال بين الاثنين.. يشبه الأمر –بلا تشبيه- الحصول على شهادة في الطب العام، ومن ثم الحصول على شهادة في تخصص أكثر دقة وصعوبة، ألقاب الشهادة الأولى لن تلغى بل ستُضَم وتُحتَوى ضمن الألقاب الجديدة.. وهكذا فإن الطاعة للرسول تعني من باب أولى الطاعة للنبي[ii]..

الحيلة الثانية: ..لا يوجد رسول أصلاً!!

هذه الحيلة أكثر ركاكة وضعفاً من الحيلة الأولى.. تعتمد هذه الحيلة على إلغاء شخصية الرسول والنبي بالكلية، وتفسير كلمة الرسول بأنها تعني القرآن، وبذلك يرتاح هؤلاء من آيات طاعة الرسول مرة واحدة وكلما أوحت الآيات بإتباع الرسول وسنته عليه الصلاة والسلام..

( الرسول بمعنى القرآن أو الرسالة،  وبهذا المعنى تتداخل معنى الرسالة مع النبى الذى ينطلق بالوحى وينطبق ذلك على كل الأوامر التى تحث على طاعة الله ورسوله.. فكلها تدل على طاعة كلام الله الذى أنزله الله على رسوله وكان الرسول أول من نطق به وأول من ينفذه ويطيعه.
والرسول بمعنى القرآن !! يعنى أن رسول الله قائم بيننا حتى الآن وهو كتاب الله الذى حفظه الله إلى يوم القيامة،  نفهم هذا من قوله تعالى ﴿وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله؟ ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم﴾ (آل عمران 101) أى أنه طالما يتلى كتاب الله فالرسول قائم بيننا ومن يعتصم بالله وكتابه فقد هداه الله إلى الصراط المستقيم . ينطبق ذلك على كل زمان ومكان طالما ظل القرآن محفوظا،  وسيظل محفوظا وحجة على الخلق الى قيام الساعة..
وكلمة الرسول فى بعض الآيات القرآنية تعنى القرآن بوضوح شديد !! كقوله تعالى ﴿ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله﴾ (النساء 100).
فالآية تقرر حكماً عاماً مستمراً إلى قيام الساعة بعد وفاة محمد عليه السلام. فالهجرة فى سبيل الله وفى سبيل رسوله- أى القرآن!!- قائمة ومستمرة بعد وفاة النبى محمد وبقاء القرآن أو الرسالة.)انتهى وعلامات التعجب مني.

تخيلوا!!..هكذا وبكل بساطة ومن دون أية محاولة –ولو من باب ذرّ الرماد في العيون- لتفسير ذلك يتم تحويل معنى الرسول إلى القرآن.. لماذا؟ ..هل كان هناك إشكالٌ أصلاً في أن تفسَّر هذه الآيات بكونها تشير إلى الرسول بشخصه في حياته وسنته بعد وفاته؟.. أو أن تكون الهجرة إلى الله-بمعنى أوامره وكتبه- والرسول بمعنى سنته عليه الصلاة والسلام؟..

لا إشكال طبعا في ذلك، إلا أنهم مستعدون لفعل أي شيء لتمرير أكبر الغرائب والأكاذيب في سبيل هدفهم الذي لا يقبلون أيّ شيء دونه: هدفهم في نسف سنته عليه الصلاة والسلام ليخلو لهم الجو في تمييع المفاهيم، ووضعها في قوالب مطاطة بقدر ما يحتاجون.

تخيَّلوا إنَّ كل ما يُمكِنهم تقديمه من براهين بخصوص أنَّ لفظة الرسول تعني القرآن هو مجرد ضميرين في آيتين كريمتين (وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على افتقادهم للضمير)..

(..وأحياناً تعنى كلمة “الرسول” القرآن فقط وبالتحديد دون معنى آخر. كقوله تعالى ﴿لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا﴾ (الفتح 9)
فكلمة “ورسوله” هنا تدل على كلام الله فقط ولا تدل مطلقاً على معنى الرسول محمد!.. والدليل أن الضمير فى كلمة “ورسوله” جاء مفرداً فقال تعالى ﴿وتعزروه وتقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا﴾ والضمير المفرد يعنى أن الله ورسوله أو كلامه ليسا اثنين وإنما واحد فلم يقل “وتعزروهما وتوقروهما وتسبحوهما بكرة وأصيلا”. والتسبيح لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى وحده . ولا فارق بين الله وتعالى وكلامه،  فالله تعالى أحد فى ذاته وفى صفاته ﴿قل هو الله أحد﴾…
ويقول تعالى ﴿يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾ (التوبة 62)
ولو كان الرسول في الآية يعنى شخص النبى محمد لقال تعالى “أحق أن يرضوهما” ولكن الرسول هنا يعنى فقط كلام الله لذا جاء التعبير بالمفرد الذى يدل على الله تعالى وكلامه..)أنتهى ، المصدر نفسه.

هذا كل شيء.. ليس لديهم في جعبة أدلتهم شيء آخر: ضمير هنا وضمير هناك،  وهذه المجادلة المتنطعة السخيفة: لِم لَم يقل تسبحوهما؟..إذن لا فارق بين الله ورسوله!.. ولا فارق بين الله وكلامه!.. تعالى الله وكلامه عن هذا الهذر كله.. لو فرضنا جدلاً أن المقصود هنا بالرسول كلام الله وقرآنه، فهل سمعنا قبل هذا إيراد لفظ التسبيح على القرآن؟ هل سيستقيم هذا المعنى؟..والصواب هو ما أوجزه علماء التفسير بلا تكلف ولا تكليف: فكل ضمير يرجع لمن يليق به الفعل: التعزير له عليه الصلاة والسلام، والتسبيح له عز وجل، ولا مانع من أن يكون التوقير لهما معا.. الأمر ذاته يخص تطبيلهم المشار إليه في الاقتباس حول “والله ورسوله أحق أن يرضوه” بدلا من يرضوهما.. فَرِضا الرسول تابعٌ لرضا الله حتما، كما أنه لا معنى أصلاً لكون هناك إرضاء لكلام الله أو لقرآنه.. وهل هناك معنى في أن يكون الرسول يعني القرآن في آية كهذه مثلا: “ وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ” الفرقان (7)

أثبت هنا على مسؤوليتي الشخصية وأتحمل ذلك كاملا وسوف أحاسب عليه يوم لا ينفع مال ولا بنون ولا مشجعون أو منددون، أثبت أن من يبحث عن ضمير هنا أو هناك ويتسلل كالأفعى بهدف نسف سنته عليه الصلاة والسلام هو ممن ينطبق عليه حتما قوله تعالى: “ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ” آل عمران 7

والحديث لم ينته بعد..




[i] علما أننا سنقتصر هنا على نوع معين من الأدلة التي تشير إلى الرسول صراحة ولن نتطرق إلى ما لا خلاف عليه من معان السنة النبوية مثل الحكمة والذكر وذلك لأن القرآنيين سيرفضونه بكل الأحوال.

[ii] يمكن الاستزادة من هذا الموضوع في الجزء الخامس من كيمياء الصلاة بعنوان سدرة المنتهى.

كان يا ما كان…رمضان ! (1)

كان يا ما كان…رمضان(1)

د.أحمد خيري العمري

 كل مرة يفاجئني رمضان وأنا متلبس بجرم “اللا استعداد”…

 كل مرة أكون في زاوية ما ..بعيدا  عن المكان الذي يجب أن أكون فيه..

لم أتقن قط ترقبه وعد الأيام التي تفصلني عنه،.. أترك نفسي لأفاجئ (أو ربما أترك نفسي فأفاجئ!!).. وفجأة إذا برمضان يكاد يدخل..( هل نسيت… رمضان الأسبوع القادم!) تقول زوجتي.. أكاد أصرح بدهشتي علنا، معقول؟… كما لو أنني لم أكن أدري.. كما لو أنه سيؤخر أو يقدم مجيئه.. كما لو أن شعبان يستمر شهرين!

لن أنكر أيضاً، أكثر من مرة  تمنيت بطريقة ما لو يتأخر رمضان يوماً أو يومين لأدخله وأنا أكثر استعداداً، أقبض على نفسي دوماً متلبساً بهذا الشعور الذي له طعم يشبه طعم الخطيئة، الشعور بأني غير مستعد له كما يجب وإنني أحتاج المزيد من الوقت للتحضر له.. ودوماً لا يكون هناك وقت، دوما تشعر –أو أشعر!- أنك تحتاج المزيد من الوقت، أن يتوقف الزمن ولو لأيام لكي تدخل رمضان وأنت على “أهبة الاستعداد”.. لكن ذلك لا يحدث أبداً، على الأقل ليس معي.. وربما لا يحدث مع الجميع، بل ربما كان من الأفضل أن لا يحدث أبداً.. ربما “أهبة الاستعداد” بالنسبة لرمضان هي أن لا تكون مستعداً قط..

ربما من الأفضل أن نترك لرمضان،  بينما هو يدخل، أن يُتِم استعدادنا له بنفسه، أن يأخذنا على “حين غرة”.. متلبسين بجرم اللا انتباه.. واللا استعداد..(الجرم الذي تضيع فيه حياتنا!!) ولكن بمجرد صدور البيان إياه من الهيئة إياها، التي تعلن  مثلا أنه “غداً” وليس “بعد غد”.. فإنك تلقائياً ودون أن تشعر ودون أن تدرك كيف ، تدخل إلى رمضان وجوه وكل ما يتعلق به (اعترف.. بعض ما يتعلق به يجب أن لا يكون محسوبا عليه..، والبعض الآخر يجب أن لا يقتصر عليه..)

كما لو كان الأمر بكبسة زر، تدخل في جو رمضاني خاص، كنت تتصور أنك بلا مؤونة تماماً، وأنك بحاجة إلى التزود بالوقود الملائم له، لكنه يأتي ومعه وقوده.. بينما تتفقد مؤونة العدس والبقوليات وتتأكد من كفايتها، تكتشف أن المؤونة الأخرى التي تحتاجها لرمضان لا تحتاج إلى مشوار لسوق الجملة لكي تحصل عليها..

تلك المؤونة الأخرى الدرب إليها أقصر وأصعب في آن واحد.. وهي موجودة بطريقة ما في أعماقك.. كل ما عليك أن تفعله هو أن تقترب منها وتصل إليها..(وهو أمر قد يكون أقل إغراءً من الذهاب للتسوق مثلاً ولكن مغرياته على المدى البعيد أكثر دواماً وإمتاعاً)..

لماذا يفعل رمضان هذا بنا؟ هل هي الشياطين المصفدة؟ هل هو إيماننا أنها مصفدة؟ (هل هناك فرق؟!) هل هو الجو الجماعي الذي يغلف رمضان؟ هل هو ما نتوقعه من رمضان؟.. هل هو كل ذلك معا وبلا استثناء..

ربما.. المهم أنه يأتي وسواءٌ كنا على أهبة الاستعداد أو لم نكن.. فإنه يأتي.. ونجد أنفسنا فيه..

(ربما فعلا هذا هو ما يجب أن يحدث أن نجد أنفسنا فيه!)..

بالمناسبة: كل رمضان وأنتم بخير..

يتبع..

 

 

 

اللا قرآنيون-3-:مسيلمة تلميذ عندهم !

 

 

القرآنيون -3-:  مسيلمة تلميذ عندهم !

د.أحمد خيري العمري

http://www.quran4nahda.com/?p=1753 

 

تتلخص خطة القرآنيين (عفوا، خطة من يطلقون على أنفسهم القرآنيين والقرآن منهم براء)  في الإيقاع بضحاياهم عبر تشويه كتب الحديث المعتمدة والعلماء الذين قاموا بتصنيفها تشويهاً يهدم كل ثقة يملكها القارئ العادي بهذه المصنفات.. وعندما أقول تشويهاً فإني هنا لا أقصد  التقليل من قيمتها العلمية أو المطالبة بإعادة النظر في بعض مكوناتها (وهو أمر يبقى مقبولاً طالما بقى ضمن إطار علمي).. لكن هذا ليس غايتهم على الإطلاق بل هم يركزون على نسفها تماما وبالكلية، وحرقها حرقا نهائياً بأثر رجعي غير قابل للنقض..

هم مثلاً، أو على الأقل في كتبهم المعتمدة والأساسية عندهم وكما سنأتي على ذكر الأمثلة تفصيلاً، يعتبرون أن كبار أهل الحديث كانوا يقودون مؤامرة ضد الرسول عليه الصلاة والسلام بغرض تشويه سيرته والحطّ من مكانته، وذلك عبر الافتراء عليه ووضع أحاديث ينسبونها له ووقائع يتهمونه بكونه جزءاً منها، وكل ذلك ليس سوى جزء من خطة معدة مسبقاً ضد الإسلام ورسوله..

 نركّز هنا، كما سنأتي على أمثلة مقتبسة نصاً من أهم كتاب للقرآنيين، على أنهم لا يتحدثون عن خطأ غير متعمد –مثلاً-وقع فيه البعض من رواة وجامعـي الأحاديث- بل يتحدثون عن سبق إصرار وترصد مزعوم، ويكررون ذلك كثيراً وبإصرار كما  فعل ويفعل كل محترفي التزوير عبر التاريخ..، أي كما عبّر بالنيابة عنهم جميعا “غوبلز”-وزير الإعلام في ألمانيا النازية: عندما تكذب كذبة كبيرة وتستمر في ترديدها، فإن هناك احتمالية كبيرة أن يصدقك الناس..

أي إن الكذبة يجب أن تكون كبيرة أولاً، ويجب أن تستمر في ترديدها طول الوقت لكي تجعل البعض يصدقك بالتدريج.. وهذا ما يفعله القرآنيون، كذبتهم كبيرة بحيث إنها تحوِّل البخاري إلى سلمان رشدي وأسوأ (بلا أية مبالغة.. وسنقتبس منهم مباشرة).. ثم إنهم بعد ذلك يرددون كذبتهم في كل حين، ويزعمون الدفاع عنه عليه الصلاة والسلام ضد العصابة المزعومة المكونة من البخاري ومسلم (وهي الفئة التي يتمنى أن يحشر معها كل مسلم عاقل محب للرسول عليه الصلاة والسلام)..

لماذا يعمد هؤلاء أصلاً إلى ذلك؟ وما الهدف من إستراتيجية الكذب والتزوير هذه؟

الهدف عندهم هو إجراء مناورة يلتفون فيها حول حجية السنة، (أي حول كون السنة حجة ثابتة ومصدر أساسي في التشريع).. إنهم يدركون تماما صعوبة إلغاء هذه الحقيقة (كما سنأتي في مقال لاحق) لذلك فهم يحاولون إلقاء قنابل دخانية-صوتية، لا على حجية السنة بل على محتواها، فيزعمون أنه محتوى مكذوب على الرسول عليه الصلاة والسلام، وبالتالي لا يكون للحديث عن “حجية السنة” معنى ما دامت السنة التي وصلتنا نفسها جزء من مؤامرة ضده عليه الصلاة والسلام بزعمهم..

التشكيك الجزئي، خاصة عندما يكون عبر أكاذيب كبيرة، يبقى أسهل تنفيذاً وأكثر استجلاباً للنتائج بالنسبة لهم من النقاش النظري حول حجية السنة، لذا نراهم يبذلون جهداً اكبر في هذه الحملة وينفقون جزءاً كبيراً من جهدهم فيها..

سنرى أيضا تركيزهم في هذا على البخاري تحديداً أكثر من سواه، والهدف في ذلك واضح، عندما يشككون بالبخاري-وهو من هو في دقته العلمية-لا يعود هناك معنى أصلاً لبذل أي جهد للتشكيك بحديث في الترمذي أو ابن ماجة.. البخاري هو “الحلقة الأقوى” التي يدرك هؤلاء أن النيل منها سيؤدي إلى النيل من الحلقات الأقل قوة، أي من كل الأحاديث ضمناً..

لكن  ما هي آليات النيل والتشكيك بالبخاري واتهامه بكل هذا وهو تلك القمة السامقة في علم الحديث؟

تدور آليات هذه الإستراتيجية حول محورين أساسيين يمكن أن نجدهما في كل التهم..

المحور الأول: يركز على أحاديث صحيحة وموجودة فعلاً في البخاري وغيره، وهي أحاديث تدور حول الحياة الخاصة بالرسول الكريم، أو علاقاته بأقاربه وقريباته، ويتم نقل النصوص غالباً من دون إحداث أي تزوير في نصوصها، ولكن إما بإخفاء بعض الحقائق، أو بالتعليق عليها على نحو يحرض القارئ على اتخاذ موقف ضدها.

المحور الثاني: يعمل على إحداث تحريف في الأحاديث، غالباً ما تكون هذه التحريفات بسيطة جداً لكنها كفيلة بتغيير معناها تماماً ويصاحب ذلك تحريض القارئ في الأسلوب ذاته ضد البخاري. وهذا المحور أشد خبثاً وخطراً على القارئ الكسول الذي لا يحاول التدقيق فيما يسمع، ولكن من الناحية العملية هذا المحور يفضح القرآنيين، ولا يترك أي مجال لحسن الظن،.. يمكن للبعض أن يحسن الظن تجاه بعض هذيان القرآنيين (أن يعتبر أنهم ممن رُفِع عنهم القلم مثلا!).. أو أن يعدّهم مجرد ردّ فعل تجاه تيار ساوى بين القرآن والسنة دون ضوابط أو شروط.. لكن عندما يصل الأمر إلى وجود تحريف وتزوير متعمد فإن ذلك يقوّض أية إمكانية لحسن الظن بهم بل يجعل من يحسن الظن بهم في دائرة الاتهام المباشر..

نماذج من المحور الأول: فرضية إن الرسول لم يكن إنسانا !

من الأمثلة على النموذج الأول مجمل الأحاديث التي تتحدث عن العلاقة بينه عليه الصلاة والسلام وبين زوجاته، فالقرآنيون، من أجل نسف هذه الأحاديث، يفترضون أو يزعمون أن الرسول الكريم يجب أن يكون مشغولاً –طول الوقت،24/7 كما يقال اليوم، ببناء الأمة صباحاً وبالتهجد ليلاً، ولا وجود لعلاقة زوجية حقاً كما لو أن كل زيجاته عليه الصلاة والسلام هي زيجات شكلية مع وقف التنفيذ.. لذا فهو يستغرب ويستنكر ويستهول أي حديث يتحدث عن مرور الرسول  الكريم صلى الله عليه وسلم على زوجاته في ليلة واحدة، وننقل هنا نص ما كتب[i]..

(“كيف كان النبي يقضي يومه:
لك يا عزيزي القارئ أن تتخيل الإجابة على هذا السؤال وستجدها مطابقة لما جاء فى القرآن الكريم. فمنذ أن نزل الوحى على النبى وهو قد ودع حياة الراحة وبدأ عصر التعب والإجهاد والجهاد، ويكفى أن أوائل ما نزل من القرآن يقول له ﴿يا أيها المدثر. قم فأنذر﴾ و﴿يا أيها المزمل. قم الليل إلا قليلا﴾ أى أن وقت النبى منذ أن نزل عليه الوحى كان بين تبليغ الرسالة والمعاناة فى سبيلها ثم قيام الليل.. وليس هناك بعد ذلك متسع للراحة التى هى حق لكل إنسان، وانتقل النبى للمدينة وقد جاوز الخمسين من عمره فزادت أعباؤه، إذ أصبح مسئولاً عن إقامة دولة وتكوين أمة ورعاية مجتمع، ثم هو يواجه مكائد المنافقين فى الداخل والصراع مع المشركين باللسان والسنان، ثم هو بعد ذلك يأتيه الوحى ويقوم على تبليغه وتأسيس المجتمع المدنى على أساسه.. ونجح النبى عليه السلام فى ذلك كله. وفى السنوات العشر التى قضاها فى المدينة إلى أن مات انتصر على كل أعدائه الذين بدأوه بالهجوم، ودخل الناس فى دين الله أفواجا.. ومع هذا فإنه فى حياته عليه السلام لم ينقطع عن قيام الليل ومعه أصحابه المخلصين الذين كانوا الفرسان بالنهار العابدين لله تعالى بالليل، رضى الله عنهم أجمعين..

هذا ما لا نشك لحظة يا عزيزى القارئ فى أنك تتفق معنا فيه. بل وكل عاقل من أى ملة ودين لا يملك إلا أن يسلم بأن الذى أقام دولة من لا شىء ونشر دعوة ونهضت به أمة لا يمكن إلا أن يكون قد وهب وقته كله لله ولدين الله وعمل كل دقيقة فى حياته لتكون كلمة الله هى العليا وكلمة الذين كفروا هى السفلى..

(….) إذن كان النبى يقضى النهار فى الجهاد وتبليغ الدعوة ورعاية الدولة ويقضى ليله فى قيام الليل للعبادة، وكان معه أصحابه. هذا ما يثبته الرحمن فى القرآن. وهذا ما ينبغى الإيمان به وتصديقه إذا كنا نحب الله ورسوله ونؤمن بكتابه وندفع عن النبى الأذى وما يشوه سيرته العظيمة.

وإذا بحثنا عن إجابة لنفس السؤال “كيف كان يقضى يومه” فى أحاديث البخارى وجدنا إجابة مختلفة وعجيبة..

نقرأ فى البخارى حديث أنس “إن النبى كان يطوف على نسائه فى ليلة واحدة وله تسع نسوة”.
(…….)

والآن.. هل نصدق حديث القرآن عن النبى وقيامه الليل مع أصحابه وانشغالهم بالجهاد أم نصدق تلك الروايات البشرية؟ نترك لك ذلك عزيزى القارئ. ولا حول ولا قوة إلا بالله..!!) انتهى باختصار –القرآن وكفى،الفصل الثالث..

وهكذا فالكاتب يفترض وجود تعارض بين قيام الليل والجهاد والتبليغ وبين العلاقة الزوجية، وهي نظرة رهبانية لا وجود لها في الاسلام، بل إنها مضادة تماما للتوازنات التي عبّر عنها الإسلام، والتي هي جزء أساسي من فاعليته ومن تميزه عن بقية الأديان.. بل هي نظرة مؤذية وسلبية جداً على صعيد تعليم الأجيال: إذ إنها تعطي انطباعاً خاطئاً عن القائد أو داعية التغيير بأنه “رجل خارق” تخلّص من إنسانيته واحتياجاته البشرية وعواطفه، وهي نظرة تؤدي عملياً إلى عدم ظهور “القادة الحقيقيين” وإلى التشويش عليهم عندما يظهرون فعلاً دون أن يكفوا عن كونهم بشرا.. وللحقيقة فإني هنا لا أؤمن أن من يُسمّون أنفسهم قرآنيين يؤمنون حقاً بالنظرة التطهرية، فمعظم من نكبت بمعرفتهم منهم كانوا متفلتين من أبسط الالتزامات الشرعية، لكنهم فقط يزايدون على البخاري.. بل على الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام..

(فلنتذكر هنا أن نص ما ذكره الكاتب كان تحت عنوان كيف كان الرسول يقضي يومه، ولكنه انتقى هذه الأحاديث فقط كما لو أن البخاري لم يروِ شيئا عن تعبد الرسول وعن جهاده وقيامه وخصفه لنعاله ومساعدته لأهله..الخ)

من الأمثلة الأخرى نطق الرسول بكلمة معينة لها معنى الجماع الصريح.. ومرة أخرى ننقل من نصوصهم…

(…”ولا تتورع -!-أحاديث البخارى عن نسبة الألفاظ النابية والتعبيرات المكشوفة الخارجة للنبى عليه السلام، وذلك حتى تكتمل صورة الشخص المهووس بالجنس والنساء التى أحاط بها شخصية النبى عليه السلام وسيرته فى ليله ونهاره.

فهناك حديث نسبه البخارى للنبى جعل النبى يقص قصة إسرائيلية يقول فيها “وكان فى بنى إسرائيل رجلً يقال له جريج كان يصلى جاءته أمه فدعته فقال: أجيبها أو أصلى فقالت: اللهم لاتمته حتى تريه وجوه المومسات” ..
إن الرجل المحترم لا يستطيع أن يتلفظ بهذه الكلمة (المومسات) فكيف برسول الله عليه الصلاة والسلام.. وتلك القصة لا تستند إلى منطق درامى فى عالم التأليف .واعتقد أن الهدف من صياغتها الركيكة هى أن يضعوا كلمة نابية على لسان الرسول بأى شكل..

وتفوح الإيحاءات الجنسية المثيرة من بعض أحاديث البخارى التى ينسبها للنبى مثل “لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يجامعها آخر اليوم”. (البخارى الجزء السابع ص 42) وما الذى نستفيده من هذه النصيحة الغير الغالية.

وأسوأ ما فى هذه الأحاديث المكشوفة هو لفظ أورده البخارى لا نجرؤ على كتابته ونترك للقارئ فهمه والبحث عنه بنفسه، يقول “لما أتى ماعز بن مالك النبى (صلى الله عليه وسلم) قال له: لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت: قالا لا… قال (…..)(2) لايكنى، قال فعند ذلك أمر برجمه”..
هل نتصور قائد أمة يتلفظ بهذا اللفظ النابى؟ فكيف بالرسول الكريم الذى قال فيه ربنا جل وعلا ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾!!! نعوذ بالله من الكذب على رسول الله… ) انتهى..الفصل الثالث باختصار..

هذه المزايدات السخيفة لا تزايد على البخاري ،ولا على النبي عليه أفضل الصلاة والسلام بل على رب العزة الذي ذكر في القرآن نفسه ألفاظا مثل عتل وزنيم في سياق التعريض بالمشركين..

ينبغى كذلك التفريق بين التلفظ بكلمة معينة لها مدلولها ضمن السياق، وبين الكلمة في سياق السب والتعريض بالأشخاص المنهي عنه حتماً.. حوار الرسول عليه الصلاة والسلام مع ماعز مثلاً هو بمثابة تحقيق يتطلب أن تكون فيه كل كلمة واضحة، فكلمة زنا مثلاً يمكن أن تكون بمعان مختلفة (كما في الحديث الشريف، زنا النظر، وزنا اللسان..الخ).. لذلك من أجل التأكد كان لابد من استخدام اللفظ المباشر الذي يؤكد وقوع ما يستلزم تنفيذ الحدّ الشرعي.. هذا بالإضافة إلى إن تحديد ما يكون أو لا يكون مناسباً للذوق العام أمر يختلف من منطقة لأخرى ومن زمان لآخر(الرجاء عدم تحويل ذلك إلى مسألة صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان فالحديث عن لفظ عابر وليس عن حكم شرعي) ومن الأمثلة المعروفة أن اللفظ الذي يشار به للمرأة في لهجة العراق أو المشرق العربي عموماً، يعد لفظا نابياً في مصر.. فهل يعني هذا شيء على الإطلاق.. هل يمكن أن نستهول اللفظ إذا نطق به عراقي ضمن بيئته؟.. أسجل مرة أخرى عدم اقتناعي بعفة لسان الكاتب لدرجة أنه يستهول وجود ألفاظ كهذه، فما نقل عنه من تصريحات سوقية في موقعه على الانترنت ينافي ذلك تماما “السنة دي ودت الإسلام في داهية.. والبخاري مليان بلاوي..!!) كما إن اعتراضه على ورود لفظ المومسات أو النهي عن ضرب المرأة ومن ثم مجامعتها، هذا الاعتراض مجرد تنطع سخيف لا محل له من الإعراب اللهم إلا بالبحث عن “ضمير غائب تقديره..هُم!

كل ما مضى يبقى أقل مما سيأتي، الرجل مرهف الحس ورقيق ولا يود أن يعرف أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان إنسانا بكل معنى الكلمة ويزعجه الحديث عن ذلك.. لكن لنر الآن هذا المقطع الخطير المنقول نصا من الكتاب ذاته..

“..يسند البخارى رواية أخرى لأنس تجعل النبى يخلو بأم سليم الأنصارية، تقول الرواية “إن أم سليم كانت تبسط للنبى نطعاً فيقيل عندها- أى ينام القيلولة عندها- على ذلك النطع، فإذا نام النبى أخذت من عرقه وشعره فجعلته فى قارورة ثم جمعته فى سك”

ويريدنا البخارى أن نصدق أن بيوت النبى التى كانت مقصداً للضيوف كانت لا تكفيه وأنه كان يترك نساءه بعد الطواف عليهن ليذهب للقيلولة عند امرأة أخرى، وأثناء نومه كانت تقوم تلك المرأة بجمع عرقه وشعره.. وكيف كان يحدث ذلك.. يريدنا البخارى أن نتخيل الإجابة.. ونعوذ بالله من هذا الإفك.

..ثم يؤكد البخارى على هذا الزعم الباطل بحديث أم حرام القائل “كان رسول الله يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت أم حرام تحت عبادة بن أبى الصامت فدخل عليها رسول الله فأطعمته وجعلت تفلى رأسه فنام رسول الله ثم استيقظ وهو يضحك فقالت: وما يضحكك يا رسول الله؟… إلخ” فالنبى على هذه الرواية المزعومة تعود الدخول على هذه المرأة المتزوجة وليس فى مضمون الرواية وجود للزوج، أى تشير الرواية إلى أنه كان يدخل عليها فى غيبة زوجها ويصور البخارى كيف زالت الكلفة والاحتشام بين النبى وتلك المرأة المزعومة، إذ كان ينام بين يديها وتفلى له رأسه وبالطبع لابد أن يتخيل القارئ موضع رأس النبى بينما تفليها له تلك المرأة فى هذه الرواية الخيالية، ثم بعد الأكل والنوم يستيقظ النبى من نومه وهو يضحك ويدور حديث طويل بينه وبين تلك المرأة نعرف منه أن زوجها لم يكن موجوداً وإلا شارك فى الحديث.

وصيغة الرواية تضمنت الكثير من الإيحاءات والإشارات المقصودة لتجعل القارئ يتشكك فى أخلاق النبى. فتقول الرواية “كان رسول الله يدخل على أم حرام..” ولاحظ اختيار لفظ الدخول على المرأة ولم يقل كان يزور والدخول على المرأة له مدلول جنسى لا يخفى،  والايحاء هنا موظف جيدا بهذا الأسلوب المقصودة دلالته. ثم يقول عن المرأة “وكانت أم حرام تحت عبادة بن أبى الصامت” فهنا تنبيه على أنها متزوجة ولكن ليس لزوجها ذكر فى الرواية ليفهم القارئ أنه كان يدخل على تلك المرأة المتزوجة فى غيبة زوجها، وهى عبارة محشورة فى السياق عمدا حيث لا علاقة لها بتفصيلات الرواية . الا أن حشرها هكذا مقصود منه ان النبى كان يدخل على امرأة متزوجة فى غيبة زوجها ويتصرف معها وتتعامل معه كتعامل الزوجين. وحتى يتأكد القارىء ان ذلك حرام وليس حلالا يجعل البخارى اسم المرأة “أم حرام” ليتبادر إلى ذهن القارئ أن ما يفعله النبى حرام وليس حلالاً. ثم يضع الراوى- بكل وقاحة- أفعالاً ينسبها للنبى عليه السلام لا يمكن أن تصدر من أى إنسان على مستوى متوسط من الأخلاق الحميدة فكيف بالذى كان على خلق عظيم.. عليه الصلاة والسلام، فيفترى الراوى كيف كانت تلك المرأة تطعمه وتفلى له رأسه وينام عندها ثم يستقيظ ضاحكاً ويتحادثان.. نعوذ بالله من الافتراء على رسول الله..

وقد كرر البخارى هذه الرواية المزعومة بصور متعددة وأساليب شتى ليستقر معناها فى عقل القارئ ) انتهى.المصدر ذاته.

البخاري إذن هنا وفي رأي الكاتب يتحول إلى سلمان رشدي بل أخطر من ذلك، فالأخير قوبل برفض من قبل  عموم المسلمين، أما المؤامرة البخارية في زعم الكاتب، فقد انطلت على المسلمين، وصدقوا جميعا هذه الافتراءات..

 فلنلاحظ محاولة الكاتب حشو النص الذي رواه البخاري بملاحظاته، فهو يقول إن الرسول الكريم بعد أن انتهى من “طوافه”على نسائه، ذهب لينام عند امرأة أخرى.. فهو يحاول قسرا إسقاط معنى الطواف على زيارة النبي عليه الصلاة والسلام لأم سليم (كما لو أن البخاري قد أورد الحديثين الواحد تلو الآخر!) وإدراج ذلك ضمن إيحاءات لم ترد في نص البخاري قط…. كذلك يكرر نفس الاتهامات في سياق قصة أم حرام، فهو يقرر أن كلمة حرام هنا كانت لتذكير القارئ بأنه عليه الصلاة والسلام كان يفعل الحرام..! كما إنه يقرر أن البخاري تعمد استخدام لفظ “الدخول” ليوحي لنا بما تعنيه الكلمة من معان جنسية.. كما يتهم البخاري بأنه تعمد ذكر اسم زوج المرأة ليذكر القارئ بأنها كانت امرأة متزوجة وأن الرسول كان يدخل عليها في غيبة زوجها!!

القارئ العادي، قليل الإطلاع أو حتى المتوسط الإطلاع ستؤثر عليه الشبهة، وسيجد نفسه أمام خيارين: إما أنه عليه الصلاة والسلام كان يفعل ذلك بكل ما يعنيه الأمر .. أو أن البخاري يكذب عليه، وهذا يعني أنه يمكن أن يكذب في كل شيء رواه عنه..

والحقيقة التي تعمد الكاتب إخفاءها والتي لا أشك أنه يعلمها علم اليقين، هي أن أم سليم وأم حرام (وهما شقيقتان بالمناسبة) هما خالتا النبي عليه الصلاة والسلام بالرضاعة، خالتاه..!(أي أنهما أختا والدة الرسول الكريم آمنة بنت وهب بالرضاعة،وهما من بني النجار نفس عشيرة آمنة بنت وهب..).. الرجل حشد الحديث بكل ما يمكن وما لا يمكن من إيحاءات، بل وأمسك طبلاً ليشهر ويفضح ويغمز ويلمز.. والنتيجة هي أنه لم يكن يغمز البخاري  فحسب بل كان عمليا يغمز الرسول عليه الصلاة والسلام.. هل هناك تزوير وكذب أكثر من هذا، من تمرير القصة وبهذا السياق دون ذكر أن المرأة كانت خالته، وأنها من محارمه عليه الصلاة والسلام..؟ هل هناك تعمد أكثر من هذا..؟ وهل يمكن تبرئة الكاتب والتصور أنه يهدف للدفاع عن الرسول عليه الصلاة والسلام..(الدفاع عنه ضد من؟ ضد البخاري!..)

قد يقول قائل: لِم لَم يقل البخاري أنها خالته وينهي المشكلة أصلاً ويردّ الشبهة.. أية مشكلة وأية شبهة؟؟!!.. هل كان على البخاري أن يعرف أي سوء سيأتي به أدعياء التجديد وأمثالهم، المرأة كانت خالته، وكان ذلك معروفا عند الناس، ولذلك لم يذكر ذلك وليس مطلوبا منه أن يرد على شبهات لم تطرح في وقته..

(يحضرني هنا استغلال من نوع آخر للحديث ذاته، قام به أحد أدعياء التجديد،إذ إنه بنى على الحديث جواز الاختلاط والدخول على النساء الأجنبيات والنوم عندهن! ..)..

نماذج من المحور الثاني..نقاط على الحروف:

نماذج المحور الثاني أكثر خطورة وجرأة عبر إحداث تحريف بسيط جداً في نص الحديث لكنه تحريفٌ كافٍ ليغير المعنى ليتناسب مع التعليقات التي يحشدها على الحديث…

ومع النصوص..

(…. ونقرأ حديث أنس: “جاءت امرأة من الأنصار إلى النبى فخلا بها فقال: والله إنكن لأحب الناس إلى” والرواية تريد للقارئ أن يتخيل ما حدث فى تلك الخلوة التى انتهت بكلمات الحب تلك.. ولكن القارئ الذكى لابد أن يتساءل إذا كانت تلك الخلوة المزعومة قد حدثت- فرضاً- فكيف عرف أنس- وهو الراوى ما قال النبى فيها؟.

وفى نفس الصفحة التى جاء فيها ذلك الحديث يروى البخاري حديثاً آخر ينهى فيه النبي عن الخلوة بالنساء، يقول الحديث “لا يخلونّ رجل بامرأة إلا مع ذي محرم” وذلك التناقض المقصود فى الصفحة الواحدة فى “صحيح البخارى” يدفع القارئ للاعتقاد بأن النبى كان ينهى عن الشىء ويفعله.. يقول للرجال “لا يخلون رجل بامرأة” ثم يخلو بامرأة يقول لها “والله إنكن لأحب النساء إلى”

هل نصدق أن النبى عليه السلام كان يفعل ذلك؟ نعوذ بالله)انتهى الاقتباس.

حرف واحد فقط هو الذي اختاره الكاتب هنا،لكنه حرف يغير المعنى كليا.. فنص حديث البخاري قال في طريق آخر “إنكم لأحب الناس إلي” (علما أن الكاتب لاحقا غير كلمة الناس إلى النساء في سياق تعليقه ليتماشى أكثر مع تهمة الغزل)..!!

 بين إنكم وإنكن فرق كبير جدا.. فهو لم يكن يوجه حديثه إلى النسوة خاصة.. بل إلى الأنصار عموما، والكلام يحتوي على فرق كبير،خاصة أنه حشده بما شاهدنا من إيحاءات مثل (يمكن للقارئ أن يتخيل ما حدث في تلك الخلوة!).. والحقيقة  هي أن الرسول انتحى بالمرأة جانباً وقال لها ما لا خلاف عليه ولا إشكال فيه من تفضيله للأنصار..(وفي طريق آخر للحديث عند البخاري أيضا كان مع المرأة أولادها الثلاث أي أنها لم تكن خلوة أصلا) ولم ير أحد أي إشكال في الأمر حتى جاءت هذه النماذج لتحاول هدم مكانته عليه الصلاة والسلام تحت شعار محاربة البخاري.. كما إن وضع الحديث في نفس الصفحة مع حديث النهي عن الخلوة كان كما هو واضح لتعليمنا كيف يمكن للاختلاط أن يكون شرعيا، أي أن الخلوة هنا كانت أمام الناس بحيث إن الناس يرون ما يحدث ويسمعون على الأقل صوت أحد المتحدثين..أو ان تكون برفقة صغار من طرف المرأة.

نفس التغيير أحدثه الكاتب عندما روى قصة الجونية وصورها كما لو كانت قصة اختطاف ومحاولة اغتصاب ..فلنحاول أولاً أن نقرأ القصة مجردة عن تعليقاته..  

عَنْ أَبِى أُسَيْدٍ – رضى الله عنه – قَالَ خَرَجْنَا مَعَ النَّبِىِّ – صلى الله عليه وسلم – حَتَّى انْطَلَقْنَا إِلَى حَائِطٍ يُقَالُ لَهُ الشَّوْطُ،  حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى حَائِطَيْنِ فَجَلَسْنَا بَيْنَهُمَا فَقَالَ النَّبِىُّ – صلى الله عليه وسلم – « اجْلِسُوا هَا هُنَا » . وَدَخَلَ وَقَدْ أُتِىَ بِالْجَوْنِيَّةِ،  فَأُنْزِلَتْ فِى بَيْتٍ فِى نَخْلٍ فِى بَيْتٍ أُمَيْمَةُ بِنْتُ النُّعْمَانِ بْنِ شَرَاحِيلَ وَمَعَهَا دَايَتُهَا حَاضِنَةٌ لَهَا،  فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِىُّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ « هَبِى نَفْسَكِ لِى » . قَالَتْ وَهَلْ تَهَبُ الْمَلِكَةُ نَفْسَهَا لِلسُّوقَةِ . قَالَ فَأَهْوَى بِيَدِهِ يَضَعُ يَدَهُ عَلَيْهَا لِتَسْكُنَ فَقَالَتْ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ .

فَقَالَ « قَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ » . ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا،  فَقَالَ « يَا أَبَا أُسَيْدٍ اكْسُهَا رَازِقِيَّتَيْنِ وَأَلْحِقْهَا بِأَهْلِهَا.

وللحديث طريق آخر في البخاري أيضا حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى مَرْيَمَ حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ حَدَّثَنِى أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ – رضى الله عنه – قَالَ ذُكِرَ لِلنَّبِىِّ – صلى الله عليه وسلم – امْرَأَةٌ مِنَ الْعَرَبِ،  فَأَمَرَ أَبَا أُسَيْدٍ السَّاعِدِىَّ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهَا فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا،  فَقَدِمَتْ فَنَزَلَتْ فِى أُجُمِ بَنِى سَاعِدَةَ،  فَخَرَجَ النَّبِىُّ – صلى الله عليه وسلم – حَتَّى جَاءَهَا فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَإِذَا امْرَأَةٌ مُنَكِّسَةٌ رَأْسَهَا،  فَلَمَّا كَلَّمَهَا النَّبِىُّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَتْ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ . فَقَالَ « قَدْ أَعَذْتُكِ مِنِّى » . فَقَالُوا لَهَا أَتَدْرِينَ مَنْ هَذَا قَالَتْ لاَ . قَالُوا هَذَا رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – جَاءَ لِيَخْطُبَكِ . قَالَتْ كُنْتُ أَنَا أَشْقَى مِنْ ذَلِكَ . فَأَقْبَلَ النَّبِىُّ – صلى الله عليه وسلم – يَوْمَئِذٍ حَتَّى جَلَسَ فِى سَقِيفَةِ بَنِى سَاعِدَةَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ،  ثُمَّ قَالَ « اسْقِنَا يَا سَهْلُ » . فَخَرَجْتُ لَهُمْ بِهَذَا الْقَدَحِ فَأَسْقَيْتُهُمْ فِيهِ،  فَأَخْرَجَ لَنَا سَهْلٌ ذَلِكَ الْقَدَحَ فَشَرِبْنَا مِنْهُ . قَالَ ثُمَّ اسْتَوْهَبَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَعْدَ ذَلِكَ فَوَهَبَهُ لَهُ .

الرواية إذن عن امرأة ذكرت للرسول وجاء ليخطبها فامتنعت أو أنها خدعت فقيل لها أن تتعوذ منه (كما جاء في غير روايات البخاري) المهم أنها أظهرت تمنعا بغض النظر إن كان ذلك حقيقياً أو أنه كان تمنعاً “نسوياً”.. وأنه عليه الصلاة والسلام قد أكرمها وأرجعها إلى أهلها..(قيل إنها ظلت تلقط البعر وتردد أنا الشقية).

كيف تعامل  من يسميه أتباعه شيخ القرآنيين مع القصة؟

 


(..إذ يروى عن بعضهم حديثاً يقول “خرجنا مع النبى (صلى الله عليه وسلم) حتى انطلقنا إلى حائط- أى بستان أو حديقة- يقال له الشوط،  حتى انتهينا إلى حائطين فجلسنا بينهما فقال النبى: اجلسوا هاهنا،  ودخل وقد أُتى بالجونية فأنزلت فى بيت نخل فى بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل ومعها دايتها حاضنة لها،  فلما دخل عليها النبى (صلى الله عليه وسلم) قال: هبى نفسك لى. قالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة، فأهوى بيده عليها لتسكت فقالت: أعوذ بالله منك..

وبالتمعن فى هذه الرواية الزائفة نشهد رغبة محمومة ! من البخارى لاتهام النبى بأنه حاول اغتصاب ! امرأة أجنبية جىء له بها، وانها رفضته وشتمته باحتقار . فالراوى يجعل النبى يذهب عامداً إلى المكان المتفق عليه وينتظره أصحابه فى الخارج، والمرأة الضحية- واسمها الجونية- قد أحضروها له، ونفهم من القصة أنها مخطوفة جئ بها رغم أنفها. ويدخل النبى فى تلك الرواية المزعومة على تلك المرأة وقد جهزتها حاضنتها أو وصيفتها لذلك اللقاء المرتقب، والمرأة فى تلك الرواية المزعومة لم تكن تحل للنبى لذا يطلب منها أن تهب نفسها له بدون مقابل، وترفض المرأة ذلك بإباء وشمم قائلة “وهل تهب الملكة نفسه للسوقة؟” أى تسب النبى فى وجهه – بزعم البخارى – وبدلا من أن يغضب لهذه الاهانة يصر على أن ينال منها جنسيا ويقترب منها بيده فتتعوذ بالله منه،  أى تجعله- فى تلك الرواية الباطلة- شيطاناً تستعيذ بالله منه.. ولكن ذلك البناء الدرامى لتلك القصة الوهمية البخارية ينهار فجأة أمام عقل القارئ الواعى.. إذا كان الراوي للقصة قد سجل على نفسه أنه انتظر النبي فى الخارج فكيف تمكن من إيراد الوصف التفصيلي والحوار الذي حدث فى خلوة بين الجدران؟؟..)..

الشيء الوحيد الذي يريده شيخ القرآنيين أن ينهار هو كل ما يتعلق بسيرته وسنته عليه الصلاة والسلام.. حتى لو تطلب الأمر تحويل قصة الخطبة العادية إلى فلم جيمسبوندي تختطف فيه البطلة الحسناء.. قد تنهار هذه القصة إذا ما حاول القارئ أن يقرأ القصة الأصل في صحيح البخاري بمعزل عن تعليقات صاحبنا وقنابله الدخانية لكن هذا يتطلب أيضا قارئاً نفض عن نفسه الكسل وحاول تتبع القصة من مصادرها الأصلية وذلك رغم سهولته تقنيا في العصر الحالي إلا انه صار أصعب في عصر الثقافة الجاهزة وثقافة الوجبات السريعة.. وقد يزداد تعقيد الأمر عندما تخالط القارئ أهواء تزين له “ترك السنة” بكل التزامها..

التزوير في هذا القصة لم يقف عند شحنها وحشوها بالتعليقات فحسب، بل تجرأ أيضا على تغيير حرف واحد له دلالته، فقد قال “فأهوى بيده عليها لتسكت” والصحيح في رواية البخاري هو “لتسكن” أي ليهدئ روعها.. والفرق كبير بين اللفظتين.. فالإسكات هنا سينسجم مع قصة الاختطاف المزعوم بنية الاغتصاب.. كما لو أنه لا يريد أحدا أن يسمع صوت صراخها أثناء الواقعة.. بل إنه حذف عامدا لفظ ” يضع يده عليها” من جملة “ فَأَهْوَى بِيَدِهِ يَضَعُ يَدَهُ عَلَيْهَا لِتَسْكُنَ” وذلك لكي يربطنا فقط بكلمة أهوى يده عليها، بما في ذلك من إيحاء بالتهديد..

هل يمكن لشيء أن يبرر ذلك الكذب كله؟ هل يمكن لأحد أن يقتنع مثلاً أنه استخدم طبعة للبخاري تحوي تلك الأخطاء؟ هل يعقل ذلك في عصر صار كل شيء في متناول الباحث في كبسة زر؟ وإذا فهم ذلك في الطبعة الأولى من الكتاب مثلا.. فهل يمكن فهمه في طبعة تلو أخرى؟ بل وفي موقعه الشخصي على الانترنت الذي يمكن تعديل الخطأ فيه بكبسة زر أيضاَ؟

.. ألا يوحي هذا الكذب أيضاً أن هؤلاء يعرفون فعلا أنهم مخطئون.. لِمَ تكذب إذا كنت مؤمناً بقضيتك؟ لم تضطر للافتراء على البخاري إن كنت مؤمناً أصلاً أن “القرآن وكفى”..ألا يمكن أن يكون “القرآن وكفى”-كما تدعي، إلا إذا كان البخاري قد كذب على النبي عليه الصلاة والسلام؟.. فإذا كان لم يكذب، بل كذبت أنت في نقلك لما قال.. ألا يعني هذا أن نظريتك كلها قائمة على الكذب؟؟ وستتهاوى عند أول تدقيق؟

كل ما ذكر في هذا الكتاب، الذي هو المصدر الأهم للقوم، هو من قبيل هذه الأكاذيب، إما تحريف للشرح أو استهوال لما هو طبيعي أو جرأة في تغيير الكلمات..

الإفك في نسف حادثة الإفك

وإن تعجب من شيء فأعجب من إنكاره لقصة الإفك برمتها واتهامه البخاري بتلفيقها للنيل من سمعة السيدة عائشة.. كما لو أن القصة رويت عند البخاري فقط!.. (ألم نقل لكم إنه يحاول أن يجعل البخاري نسخة من سلمان رشدي؟).. تفسيره لآيات الإفك –بعد حذف قصة السيدة عائشة- فيه من الاضطراب ما يمكن أن يكون نموذجاً للكثير من التخبط الذي سيحدث فيما لو حذفت السنة.. فهو يقول مثلاً إن سورة النور كانت من أوائل ما أنزل في المدينة (كيف عرف؟! وهو مخطئ بكل الأحوال لكن على فرض أنه على صواب، كيف يمكن أن يعرف  ذلك بغير الحديث السنة؟)..

يقول بالنص:

(فلا يزال حديث الإفك وصمة تطارد عائشة وتنسج الخيالات المريضة حولها أساطير وروايات، ووجد فيه بعض المستشرقين مجالاً للطعن في شرف عائشة وفى اتهام النبي بأنه اختلق الآيات ليبرئها، وهذه إحدى أفضال البخاري والمصدر الثاني علينا وعلى ديننا الحنيف..!!

…. ولا ريب أن بعض المهاجرات كان حالهن أشد بؤساً فقد تركن أزواجهن المشركين فراراً بدينهن، ولا ريب أيضاً أنهن كن يتلقين مساعدات من بعض مؤمنى الأنصار الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.. ولا ريب أن المنافقين وجدوا فرصتهم فى تشويه ذلك العمل النبيل بإشاعة قصص كاذبة عن علاقات آثمة بين أولئك المؤمنين والمؤمنات من المهاجرات والأنصار..

….

ويؤكد ذلك أن آيات سورة النور تتحدث عن اتهام جماعة من أهل المدينة لجماعة من المؤمنين الأبرياء، تتحدث عن جماعة ظالمة اتهمت جماعة بريئة، تتحدث عن مجموعة ولا تتحدث عن ضحية واحدة وإنما عن مجموعة من الضحايا البريئات) انتهى.
هكذا يقوم شيخ القرآنيين بالتضحية بالمجتمع برمته في سبيل الدفاع عن السيدة عائشة ضد افتراءات البخاري..

لكن لحظة واحدة..

لَم يفعل ذلك؟ من قال أصلاً أنه كان هناك السيدة عائشة أو حفصة أو أبو بكر أو عمر.. لم ترد هذه الأسماء أبداً في القرآن.. وهو لا يعترف بسند، تحت حجة القرآن وكفى.. فلماذا أصلاً يعترف بوجودهم ويدافع عن أي منهم..

ربما كان التاريخ كله كذبة من أكاذيب الرواة وأهل الحديث..

لعل هذه النتيجة التي يرومها هؤلاء؟..

أن يُحذَف تاريخنا بكل ما فيه..

وللحديث أيضا بقية..

 

 

 

 

 

 




[i] كل الاقتباسات هي من كتاب “القرآن وكفى مصدرا للتشريع الإسلامي” ،مؤسسة الانتشار العربي.والكتاب موجود كاملا على موقع أهل القرآن.و هو يعد أهم مصدر للقرآنيين و كاتبه يعتبر “مؤسس الجماعة”.