اللا قرآنيون2: قطع الرأس علاجاً للصداع!..

اللا قرآنيون- 2-: قطع الرأس علاجاً للصداع!..

د.أحمد خيري العمري

لن نذيع سراً إذا ما قلنا إن وجود مشكلة في التعامل مع الحديث النبوي الشريف ليس أمراً طارئاً يعود إلى ظهور هذه الفئة التي تسمي نفسها بما نتشرف به جميعاً دون أن تملك به أدنى صلة، بل يعود حتماً إلى عصور مبكرة أسهمت في تقديم حلول مختلفة ومتنوعة للتعامل مع السنة النبوية..

الجذر الأصلي لمشكلة التعامل مع الحديث النبوي يعود ببساطة  إلى ضرورة التثبت منه.. لقد تنبه الفقهاء العاملون، ومنذ مرحلة مبكرة جداً، قد تعود لعصر الخليفة الفاروق على الأقل، إلى اختلاف طبيعة المصدر الأول (القرآن الكريم المحفوظ عبر تواتر عام وشامل لا مجال فيه لثغرة واحدة) وبين المصدر الثاني الذي قد يشمل جملة قالها عليه الصلاة والسلام في حضور عدد قليل من صحابته، وقد يكون فهمهم لما قال متفاوتاً وبالتالي نقلهم لما قاله عليه الصلاة والسلام متأثرا بهذا الفهم..

و هكذا نشأت آليات مختلفة للتعامل مع الحديث النبوي، تهدف هذه الآليات في عمومها إلى التثبت من صلة الحديث بالرسول الكريم عليه الصلاة والسلام أساساً، ومن ثم يتم تثبيت الفهم الصحيح للحديث..

وعندما نقول “التثبت” فإن هذا يعني ضمناً أن الأصل والأساس في التعامل المباشر مع أي حديث هو الحكم بالضعف إلى حين إثبات العكس وذلك ابتداء من عصر ما بعد الصحابة..

هذا الميل المسبق إلى رفض كل ما لم يتم إثباته عنه عليه أفضل الصلاة والسلام عبّر عن حالة من الدقة العلمية (لا أرى تناقضاً كذلك إن سميتها بالورع ) وهي جزء صغير من حالة أكبر من الدقة أو الورع التي  غمرت المجتمع الإسلامي ككل نتيجة تشبعه بالمفاهيم التي غرسها الإسلام عموماً والقرآن خصوصا.. كل ما في الأمر أن هذه الحالة أنتجت آثاراً صار يمكن تتبعها إلى يومنا هذا، لكن نفس الحالة كانت ولابد موجودة في تفاصيل الحياة اليومية، في البيع والشراء والمعاملات بين الناس ..

مما يلاحظ على الورع والدقة العلمية في موضوع التثبت من أحاديثه عليه الصلاة والسلام (والتي لا بد أن تكون قد طغت على الأمثلة الأخرى) أنها كانت حالة ورع إيجابية، إي إن  موقف الرفض تجاه ما لم يثبت كان يؤدي إلى البحث والتثبت رفضا أو قبولاً، وكان أهل الحديث يرحلون بين الأمصار والبلدان لأشهر طويلة لأجل التحقق من أمر حديث واحد، وهذا هو الورع الايجابي ما دام يؤدي إلى العمل، إلى الدقة.. بينما نجد أحدهم اليوم يهز كتفه غير مبالٍ وهو يقول: لو كان هذا مهما لجاء في القرآن، الأحاديث مليئة بالكذب!

تميَّز هذا الورع العلمي في هذه الجزئية بأمرين في غاية الأهمية..

أولهما: أنه كان عملاً جماعياً صرفاً، تجلت فيه معاني الجماعة بأفضل ما يمكن، لا يمكن تخيل عمل الرواة وهم يتناقلون الأحاديث من واحد لآخر وعمل علماء الجرح والتعديل وهم يقيمون كل واحد من هؤلاء الرواة، لا يمكن تخيل هذا المشهد إلا كما لو كان ورشة عمل جماعي منظم بأدق القواعد والقوانين.. وهو أمر نفتقده بشدة اليوم ( ولا أستطيع أن أجزم إن كان اختفاؤه نتيجة لانسحابنا الحضاري أم إن انسحابنا الحضاري كان نتيجة له!).

الأمر الثاني: هو أن هذه الدقة كانت دقة آليات ووسائل ولم تتعدَّ حدودها المرسومة إلى “متن الحديث”.. وهذا الأمر قد يبدو للوهلة الأولى غريباً لكنه وفّر للجميع الحياد المهني اللازم الذي جعل الرواة ينقلون عن رجال ينتمون إلى الفرق الأخرى –مادامت تتوفر فيهم حدوداً معينة حددها أهل الجرح والتعديل- كما نقلوا أحيانا أحاديث يمكن أن تؤول لصالح تلك الفرق لكنهم وجدوا أن شروط نقلها حسب قواعد عملهم صحيحة.. هذه المهنية في التعامل  ظاهرة لها معانٍ حضارية كثيرة، والسؤال السابق أيضا يمكن طرحه هنا مجدداً..

كل هذه الآليات التي تمثّلت بعلم ضخم له أقسامه العديدة هو علم الحديث لم تنشأ في حقيقة الأمر إلا استجابة للمشاكل الناتجة عن التعامل مع الحديث الشريف، أي من أجل التثبت منه قبولاً أو رفضاً… وهكذا فإن انتهاء الأمر بوجود عدد من الأحاديث الصحيحة الذي لا يتجاوز العشرة آلاف (بعد حذف المكرر منها) هو أمر طبيعي جداً ومتوقع ومحاولة (استكثاره) والتهويل من الأمر محاولة سخيفة جداً ولا يمكن اعتبارها بريئة على الإطلاق، فلو أنه عليه الصلاة والسلام نطق بجملتين فقط يوميا بعد الهجرة إلى المدينة وبقي ساكتاً طوال اليوم بعدها لتجمع لدينا عدد مماثل من الأحاديث، علما أن بعض هذه الأحاديث لم تكن “أحاديث” بالمعنى المباشر بل كانت وصفا لما قام به عليه أفضل الصلاة والسلام دون أن ينطق.. وهذا كله على فرض أننا حذفنا الثلاث عشر سنة الأولى من الدعوة.

هل يعني كل هذا أن علم الحديث ونتاجه لم تتخلله أخطاء؟ قطعا لا، فهو جهد بشري في النهاية، وما دمنا نفخر بأننا لا نؤمن بعصمة أحد بعد الأنبياء، فإننا يجب أن نعتبر وجود أخطاء في هذا الجهد أمر محسوم نتيجة للطبيعة البشرية، ولا يجب أن نسمح باعتبار هذه الأخطاء الطبيعية مطعناً على من بذل تلك الجهود (كما يجب ألا ننجرّ كرد فعل إلى إنكار هذه الأخطاء وإنكار حتمية وقوعها)..

الأخطاء البشرية متى تكون مقبولة ومتى ترفض؟

ما يجب أن يكون واضحاً بخصوص هذه الأخطاء (أي أخطاء وليس فيما يخص علم الحديث) أي بشريتها وكونها حتمية ولا يمكن أن تكون مطعناً، هو أمران اثنان:

الأول: أنها أخطاء ليست في صميم المنهج المتبع بل في تطبيقه فحسب، أي إن الخطأ ليس في القانون الأصلي أو القاعدة المتبعة بل في تطبيق هذه القاعدة…. بعبارة أخرى أن تكون قواعد صحة الحديث من حيث اتصال السند وعدالة الرواة صحيحة ومتماسكة ضمن منهجها نفسه، أما أن “تفلت” بعض طرق الأحاديث أو بعض الرواة من هذا المنهج، فهذا خطأ في التطبيق فحسب..

الثاني: ألاّ تكون نسبة هذه الأخطاء كبيرة بحيث تؤثر على النتيجة العامة لهذا الجهد، أي ألاّ تمرر كمية من الأحاديث الضعيفة بحيث تشوش على الصحيح وتناقضه..

وهذا هو بالضبط ما حدث مع الأحاديث: منهج علم الحديث بحد ذاته متماسك ويمتلك من الحيادية والموضوعية ما جعل أهل الجرح والتعديل لا يمنعون قبول رواية بعض من انتمى إلى “فرق أخرى” مخالفة في العقيدة (مثل الشيعة و الخوارج).. أو قبول بعض الأحاديث التي يمكن أن تؤول لصالح هذه الفرقة أو تلك..

أما أن تكون هناك نسبة من الخطأ، فهذا أمر حتمي ومفروغ منه، وهي نسبة مقبولة بل هي أفضل من نسبة الخطأ المقبولة في أدق التجارب العلمية المخبرية، ومن يجعجع اليوم بغير ذلك هو واحد من اثنين: إما جاهل يهرف بما لا يعرف أو متجاهل عامد لغرض في نفسه (أو لغرض في نفس مصادر التمويل  )..

في مختبر البخاري للدقة العلمية

مثال على نسبة الخطأ المقبولة (بل والممتازة( تلك التعقيبات التي وجهها الدارقطني وسواه على صحيح البخاري من ناحية وجود رواة لا يتناسقون مع المعايير العالية التي التزم بها البخاري نفسه في شروط صحة الرواية، عدد رواة البخاري من غير الصحابة 1484 راوٍ، عدد الرواة المجروحين (أي الذين هناك ما يقدح في عدالتهم ويجعلهم غير متناسقين مع شروط البخاري) 17 راوياً فقط، أي إن نسبتهم إلى مجمل الرواة لن تتجاوز 1.14%….(هل يوجد تجربة بهذه الدقة في العالم؟)

هؤلاء المجروحون لديهم ما يبلغ 23 حديثاً من أصل 7032 حديثاً أي نسبة هذه الأحاديث لا تتجاوز 0.4% ..!

من هذه الأحاديث الـ 23 هناك متابعات بأسانيد قوية حسب معايير البخاري لـ21 حديثاً… أي إن البخاري أورد عدة طرق لنفس الحديث، وأورد أولاً الطرق القوية والخالية من العلة ثم أضاف الطرق الأقل قوة.. وهذا يقلل نسبة الخطأ إلى 0.03%..

الحديثان المتبقيان لا يتضمنان أية عقيدة أو سلوك، واحد منهما عن اسم فرس للنبي عليه الصلاة والسلام والآخر يروي جانباً من حادثة الإفك وهي حادثة مروية بعدد كبير من الأحاديث في البخاري وغيره ولن يؤثر عليها حتى لو حذف هذا الحديث!

وهذا يزيد طبعاً من نسبة دقة البخاري ويجعلنا أكثر ثقة بالآليات التي أوصلت لهذه الدقة والتي جعلته دوناً عن سواه الأكثر قبولا عند الأمة..(دون أن يعني ذلك الإيمان بعصمته أو قداسته فنتاجه جهد بشري وصل لدرجة عالية من الدقة والإتقان لكنه يظل جهداً بشرياً)..

سقت كل ما سبق لا لتبجيل البخاري أو سواه من رجال الحديث بل لتوضيح الجهود الكبيرة التي بذلت لمواجهة المشاكل التي يمكن أن تنتج عن الأخذ بحديث ضعيف أو موضوع أو ترك حديث صحيح.. أكرر: كل علم الحديث، بكل ضوابطه وأقسامه، كان الاستجابة العلمية الأدق والأفضل لمواجهة مشاكل كهذه..

نقد متن الحديث و سلسلة الدومينو تباعا..

اليوم، يتصور البعض، أنه بالإمكان حرق المراحل، وتجاوز أسانيد الرواة، والحكم على الحديث بالصحة والضعف بناءً على ما يتصوره هؤلاء أنه “العقل” (علماً أن مصطلح العقل مطاط جداً ويعامل كما لو كان مطلقاً بينما هو يتغير بحسب المؤثرات الثقافية المحيطة)..

 نقد متن الحديث بمعزل عن سنده ليس ظاهرة حديثة، فقد كتب فيها ابن القيم كتاباًً مهماً هو “المنار المنيف في الصحيح والضعيف” حدد فيه أربعاً وأربعين علامة يمكن من خلالها معرفة ما إذا كان الحديث ضعيفاً قبل النظر في سنده، واستخرج بعض الباحثين عشر قواعد ذهبية في نقد متن الحديث عند ابن تيمية… هذا الجهد المؤصل لم يهدف إلى تضعيف حديث ثبتت صحته سنداً، بل كان بمثابة التعضيد للأول، أي الوصول إلى النتيجة ذاتها عبر طريق وقواعد مختلفة..

لكن ما الذي يحدث عندما يبدو لنا أن هناك تناقضاً ما، أو خللا ما بين متن حديث صحيح ومنطوقه وبين نصوص أخرى أو مبادئ عامة مستمدة من نصوص قاطعة..؟

حلّ التناقض عبر القول إن الحديث ضعيف –حتى لو صح سنده- ليس حلاً، بل هو انتحار،.. لأننا نفتح أبواب مشاكل أكبر تباعاً.. فالحديث صحيح سنداً، وإذا حدث وضعّفناه فإن لا شيء عملياً سيمنع تطبيق هذا التضعيف على كل حديث نراه مغايرا لما نفهمه من مبادئ عامة.. سيكون هذا التضعيف بمثابة إسقاط لقطعة دومينو تجر وراءها سلسلة الأحاديث الصحيحة كلها (وهذا هو بالتأكيد ما يريدونه!)

ما هو أسلم وأكثر علمية هو بذل بعض الجهد (بعد التأكد من صحة الحديث سندا) في فهم السياق المحتمل الذي ورد فيه هذا الحديث الذي يناقض غيره من نصوص، فلنتذكر هنا أن الحديث النبوي ليس قرآنا حفظ كلمة بكلمة وحرفا بحرف، بل هو أحياناً رواية لصحابي عن واقعة ربما شهد جزءاً منها، وربما رواها بالمعنى لا باللفظ وهو أمر مقبول عند أهل الحديث، وهذا كله يحتم علينا-ما دام السند صحيحاً- أن نبحث عن تفاصيل ساقطة من السياق أو سبب يمنح الحديث خصوصية، عبر البحث عن كل ما يمكن إيجاده عن الواقعة..

إرضاع الكبير:زوبعة في فنجان حليب!

على سبيل المثال: حديث إرضاع الكبير الذي عرف شهرة كبيرة مؤخراً لأسباب لا تخفى، الحديث صحيح وهو في البخاري ومسلم، يمكن أن ينجرّ البعض بسهولة إلى رفضه لأسباب واضحة، لكن ذلك سيفتح باباً ما لا يمكن معرفة عواقبه من أبواب عديدة ومختلفة لرفض أي حديث صحيح بناء على أنه لا يتوافق مع فهمنا لنصوص أخرى.. وهكذا سيتم تضعيف وإقصاء نصوص صحيحة لصالح نصوص أخرى تتسق مع رؤية معينة يريد أصحاب أجندة معينة تمريرها.. لا أتحدث هنا عن حديث “إرضاع الكبير” على الإطلاق بل عن المبدأ ككل.. أيُّ تضعيف لحديث صحيح بناء على ما نعده غرابة متنه سيفتح الباب مشرعاً أمام أصحاب الأهواء ليمرروا ما يريدون..

وما دمنا في حديث إرضاع الكبير، فإن البحث عن تفاصيل السياق، التي قد لا تظهر في الحديث مجردا، وبالتأكيد لا تظهر في وسائل الإعلام التي تصطاد في الماء العكر، سيدلنا على خصوصية القصة ضمن سياقها الطبيعي المتدرج في المرحلة التي تلت تحريم التبني، فسالم كان ابناً لأبي حذيفة بالتبني قبل أن يحرم الإسلام التبني، كانت امرأة أبي حذيفة قد ربت سالماً على حجرها كما لو كان ابناً لها،.. إلا أنها لم ترضعه، فصار زوجها أبو حذيفة يتحرج من وضع سالم الجديد بينهم (لم يعد ابناً لهم بل صار مولى).. وهكذا كان إرضاعه(بالواسطة حتما أي دون تماس بين البشرتين) هو الحل الذي يخص سالما وحده ولا يخص أيَّ أحد سواه ولا يمكن أن يبنى عليه حكم فقهي يتجاوز هذه المرحلة الانتقالية..

وهذا أكثر علمية ودقة من مجرد رفض الحديث لأن متنه لم يوافق ما نفهمه..

ليتهم كانوا مثل الغزالي..

لكن ليس كل من ينقد متن الحديث ويرفضه يقصد الطعن بالسنة بالضرورة، ولا يمكن أن تغيب عن بالنا هنا محاولة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله في كتابه (السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث) التي رفض فيها بضعة أحاديث صحاح لما وجد فيها من معانٍ عدّها شاذة.. وأنا أودّ أن أسجّل هنا احترامي للشيخ الغزالي وتقديري بل وتأثري الكبير به، ومَن مثله لا يحتاج لثناء مَن هو مثلي، لكني أثبت هذا كي أؤكد أن عدم اقتناعي بوجود شذوذ حقيقي في الأحاديث لا ينبع من موقف مسبق من الشيخ الغزالي رحمه الله.. ولكي أثبت فقط أن البحث عن سياقات محتملة للحديث بين سطوره، أو التأويل إن شئتم، يبقى أسلم وأدق..

على سبيل المثال، اعترض الشيخ على متن حديث “إن أبي وأباك في النار” وتساءل عن الحكمة والفائدة  في زجّ والده عليه الصلاة والسلام في النار وقد توفي قبل بعثته الشريفة؟.. لكن متابعة نص الحديث قد تجعلنا نفهم شيئا آخرا غير ما فهمه الشيخ الغزالي و استصعبه،حيث أن أحدهم قد سأل الرسول عليه الصلاة والسلام عن أبيه (أي أبي السائل) فقال له الرسول: في النار، فلما انصرف الرجل، ناداه الرسول ليقول له “إن أبي وأباك في النار” (الحديث في صحيح مسلم) والسياق  العام هنا –كما هو واضح- لا يشير إلى شخص والد الرسول ابتداء بل جاء ذكره عرضا أي أنه من المحتمل إنه يشير إلى ضرورة التخلص من التفكير غير المجدي في الآباء، في ضرورة إحداث قطيعة تامة لإرث الجاهلية، في ضرورة البدء من جديد والانسلاخ من كل ما يعطل ذلك،.. تقبل فكرة أن كل ما مضى سيكون في النار، مهما كنا متعلقين عاطفيا به، سيؤهلنا لإحداث هذه القطيعة الضرورية للبدء والبناء بمعزل عن أنقاض الماضي.. هكذا فإن جملة ” إن أبي وأباك في النار” يمكن أن تفهم في سياق لا يمس شخص والد الرسول بقدر ما يمس مفهوم الآبائية برمته..

اعترض الشيخ أيضا على الحديث المتفق عليه من أن ملك الموت عندما أمره الله أن يقبض روح موسى عليه السلام فإن موسى رفض ذلك ولطمه على عينه وفقأها.. والشيخ الغزالي لا يعترض على تمثل ملك الموت بل على عدم رغبة موسى في الموت ولقاء ربه وهو ما يعده الشيخ شاذاً إذ إن العباد الصالحين يكونون مشتاقين للقاء الله فكيف بنبي كريم بل من أولي العزم من الرسل مثل موسى؟

لكن لِمَ لا يكون موسى قد تمنى عدم الموت في تلك الفترة -بغضّ النظر عن تمثُّل ملك الموت وحادثة لطم العين التي قد تكون مجازاً- لأنه ببساطة كان يودّ إكمال مهمته قبل الموت، كان موسى آنذاك في طريقه لا يزال يقود قومه خروجاً من التيه إلى فلسطين، وكان يودّ كأي صاحب رسالة أن يلاقي ربه وقد أتمّ مهمته.. أي إن عدم رغبته في الموت كان رغبة في المزيد من العمل وإصلاح قومه.. ولا علاقة للأمر بنظرتنا التقليدية للعبد الصالح الذي يشتهي الموت أكثر من أيّ شيء آخر..(كما إن نص الحديث في بعض طرقه يشير إلى ذلك صراحة،إذ يطلب موسى منه عز وجل أن يقربه من الأرض المقدسة).

أنا هنا لا أقول إن هذه القراءة لما بين سطور الأحاديث هي قراءة نهائية وقاطعة، بل هي مجرد أمثلة على تأويل أراه متماسكا مع بقية النصوص وأعتقد أنه يبقى أسلم من فتح باب “رد الأحاديث الصحيحة”..

 موقف الغزالي رد فعل طبيعي تجاه تطرف”السنة قاضية على الكتاب”

 ينبغي هنا أن نثبت أن موقف الشيخ الغزالي رحمه الله كان “رد فعل” تجاه تطرُّف لا يمكن إنكار وجوده تجاه الحديث النبوي، تطرُّف ساوى بين القرآن والسنة، وقرأ القرآن بعيون السنة بدلاً من العكس، وجعل “السنة قاضية على الكتاب”-صراحة وبصوت عالٍ- بدلاً من أن يكون الاحتكام إلى الكتاب هو الأساس في فهم الأحاديث ووضعها في موضعها المناسب وبحجمها المناسب.. هذا التطرُّف ليس وليد اليوم ولا هو ظاهرة حديثة، فهناك أثرٌ واضح له في التراث ، لكن العقود الأخيرة شهدت ازدهارا كبيرا لهذه الظاهرة لأسباب لا مجال للخوض فيها الآن ولا يمكن أن تعالج هذه الظاهرة إلا بنظرة  جذرية تعيد ترسيم العلاقة بين القرآن والحديث النبوي وتضع كلاً منهما في مجال فاعليته الرئيسية.. أي دون إفراط في مساواة الحديث بالقرآن أو تفريط في رفضه لمجرد أنه لا يناسب ما نتصور أنه العقل..

(بالمناسبة،كتاب الغزالي يبقى أثرا مهما جدا رغم هذه الملاحظات، و اقترح قراءته بالتكامل مع كتاب  الشيخ القرضاوي في الموضوع ذاته بعنوان”كيف نتعامل مع السنة النبوية؟” ففيه ما لا يمكن لمسلم معاصر أن يستغني عنه من القواعد في التعامل مع السنة النبوية خصوصا في ظل الهجوم اليومي الذي تتعرض له السنة من طرف خفي وغير خفي عبر وسائل الإعلام..)..

القرآنيون:رد فعل..أم فعل مع سبق الإصرار والترصد؟

لكن أين من يطلقون على أنفسهم اسم “القرآنيين” من كل ذلك؟ وهل يمكن اعتبار موقفهم كرد فعل تجاه هذا التطرف في مساواة القرآن بالسنة على سبيل المثال؟ هل يمكن اعتبارهم رد فعل على ما يفعله الإعلام الموجه من تضخيم لفتاوى شاذة من أشباه علماء لغرض تشويه النظرة إلى الدين ورجاله؟..

الحقيقة هذه النظرة تبالغ في حسن الظن، فتعامُل القرآنيين مع الحديث الشريف أبعد ما يكون عن ذلك، وسنرى في مقال لاحق نماذج من التعامل المليء بالدس والتدليس مع صحيح البخاري على سبيل المثال..

كما أن “فوضاهم” تفوق بمراحل كل ما عرفناه من تطرف في الفتاوى عند البعض من أشباه العلماء..(تخيلوا أنهم مختلفون بشدة على كون الخمر حراماً أم حلالاً!..البعض منهم يرى حرمتها –جزاهم الله خيرا على ذلك!، البعض الآخر يرى أن لاشيء فيها !.. والبعض منهم يرى أن الأذان للصلاة بدعة!!.. إلى آخر هذه المهازل التي تمس حياة الفرد اليومية بينما فتوى إرضاع الكبير مثلا غير قابلة للتطبيق أصلاً..)..

تعامل هؤلاء مع الحديث الشريف والمشاكل التي يمكن أن تنتج عن الأخذ بحديث ضعيف أو ترك حديث ضعيف، يشبه وصفة تقدم لشخص يعاني من  بعض الصداع.. كل الوصفات السابقة التي قدمها المختصون كانت تركز على علاج المرض وأسبابه وإزالة أعراضه (وهذا هو علم الحديث ورجاله وكل جهودهم المستمرة حتى اليوم)..

أما وصفة القرآنيين للتخلص من الصداع فهي تحل مشكلة وجع الرأس عبر قطع الرأس..! إنها تقضي على الصداع فعلا.. ولكنها تقتل في الوقت نفسه المصاب بالصداع….

هذه هي وصفة القرآنيين لنا..إنهم يقترحون حلاً لا يقبله عاقل..و نسف السنة النبوية والحديث الشريف هو انتحار يخسر من يقوم به الدنيا والآخرة على حد سواء..

وللكلام بقية..

 

 

 

“اللا قرآنيون”-1-:الاسم على غير المسمى..

 

“اللا قرآنيون”-1-: الاسم على غير المسمى..

د.أحمد خيري العمري

أريد أن أكون أكثر فجاجة من المعتاد هذه المرة ، لست منزعجا على نحو شخصي، ولا أكتب نتيجة لرد فعل، ولكن في بعض الأحيان علينا أن نسمي الأشياء بمسمياتها، ونترك الاحتمالات المفتوحة التي من ضمنها “الاجتهاد الخاطئ الذي يؤجر صاحبه عليه”.. بعض الآراء تحتمل ذلك فعلا( قليلة بالمناسبة!) ولكن البعض الآخر لا يحتمل ذلك بالمرة، ومعاملته بحسن نية يتجاوز السذاجة أحيانا إلى التواطؤ والمشاركة المباشرة في الجريمة..

سبب حديثي عمن يسمون أنفسهم بالقرآنيين(والقرآن منهم براء طبعاً) هو رسالة استلمتها من سيدة فاضلة ومثقفة تشكو لي تأثر أكبر أبنائها بهذا التيار.. عمليا ما كنت لأهتم كثيرا بذلك لأن انحراف البعض مع تيارات التخريب والانحراف أمر حتمي، لا يمكن عمليا منع ذلك، بعض البشر يختارون ببساطة وبملء إرادتهم أن يكونوا حطبا لجهنم.. ولا شيء سيمنع ذلك مهما كان، حدث ذلك عبر التاريخ وحتى مع الرسل الأنبياء ومعجزاتهم وأخلاقهم وسيرهم الكريمة، ولذا فلا يمكن عمليا أن نركض خلف كل من يتأثر بدعاوى الانحراف ونجره جرا إلى جادة الصواب.. يكفي فقط أن نبين مدى انحراف الدعوى..

وكنت أعتقد، حتى وصول رسالة السيدة الفاضلة أن انحراف هذا التيار شديد الوضوح ولا يحتاج إلى بيان بسبب التناقضات الهائلة المترسخة فيه أولا، وبسبب افتقاده إلى أية منظومة قابلة للصمود أمام أي نقاش ودحض ثانيا.. وبذلك كنت أعتقد أن كل من يتبع هذا التيار يجب أن يكون واحدا من اثنين: أن يكون أولاً من أصحاب الأهواء الذين يريدون أي مسوغ ومبرر لجعل أهوائهم محمية عبر من يسميه أتباعه عالما (لدينا مثل شعبي في العراق  يعبر عن حالة سلوكية عامة في عموم بلاد المسلمين للأسف، يقول المثل:خلها براس عالم، واطلع منها سالم، أي ضع خطيئتك في رقبة من أفتى لك، واخرج سالما من الإثم يوم القيامة..) وهؤلاء عموما غير جادين بكل المعايير وهمهم الوحيد الجدل من أجل الجدل فحسب بغض النظر عن أي وصول لحق والالتزام به، إنهم النموذج الموجود في كل زمان ومكان الذين ينطبق عليهم قوله تعالى: قَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا الفرقان(8)”

أي إنهم سيستمرون بالجدل والرفض بكل الأحوال، وإتباعهم هذا التيار المنحرف ليس سوى شكل من أشكال هذا الجدل.

الاحتمال الثاني أكثر تعقيدا، ويضم أناسا من أصحاب الاحتياجات الخاصة، ولا أقصد هنا بالاحتياجات الخاصة نواحي فيزيائية في المشي أو السمع والنطق أو التخلف العقلي بمعناه المباشر، بل أقصد أنهم أصحاب احتياجات خاصة بالمعنى النفسي، معظمهم متعلمون والبعض منهم موهوبون بطريقة ما، وهم يؤمنون بأنهم أفضل من سواهم بشكل عام.. لكنهم في الغالب فاشلون اجتماعيا عاجزون عمليا عن تحقيق أي شيء مما يمنحهم  مكانة اجتماعية، وفشلهم هذا جزء من فشل الحكومات العربية والإسلامية عامة  في استيعاب الجيش الهائل من الخريجين الذين أنتجتهم سياسات التعليم الجماعي، اصطدامهم بصعوبات الحياة وعدم تمكنهم من إثبات جدارتهم ولّد عندهم إحباطا شديدا تجاه المجتمع ككل..

النتيجة المعتادة لهذا الإحباط وفي الحالات الاعتيادية تكون إما إفراطا (تيارات العنف والتكفير الجماعي المنفلتة من أي ضابط والموظفة بإتقان لخدمة مصالح سياسية) أو تفريطا( الانحراف والمخدرات والجريمة).. لكن هؤلاء ليسوا من الحالات الاعتيادية، إنهم أصحاب احتياجات خاصة وهم يعتبرون أنهم أفضل من سائر المجتمع عقلا وتميزا وإدراكا.. لذلك فحقدهم على المجتمع وشعورهم بالإحباط يتخذ شكلا مختلفا تماما، وهم يتجهون بالذات نحو الأسس العميقة للمجتمع، والرموز التي لا يُختلَف على مكانتها التاريخية لكي يصبوا عليها جام غضبهم وإحباطهم..

هؤلاء هم ضحايا من نوع خاص للمجتمعات المعاصرة، ولعلهم كانوا موجودين دوما دون أن ينتبه لهم أو يسمع بهم أحد.. لكن “الانترنت” اليوم منحهم صوتا ومنابر افتراضية جمعتهم ونظمت من شتاتهم ، وشيئا فشيئا صار هناك من يقرأ لهذيانهم، لا شك أن خطرهم أقل من دعاة العنف ومنفذيه مثلا، لكن دعونا لا ننسى أن ذاك العنف يمتلك من القبح ما ينفر الناس منه، أما هؤلاء فقبحهم أخفى وبالتالي قد يكون أشد ضررا على المدى البعيد..

كنت أعتقد حتى وصول تلك الرسالة، أن لا أحد يتبع هؤلاء إلا إذا كان من الصنفين السابقين، لكن هذه الرسالة، ولأني أعرف السيدة وأعرف تقييمها لابنها، صححت لي أوهامي عن الأمر، يبدو أن الصنفين المذكورين (أصحاب الأهواء+ أصحاب الاحتياجات الخاصة) يمثلان المنبع الأساسي الذي ينتج “الكتاب” في هذا التيار، أي أولئك الذين لديهم وقت كافٍ من الفراغ، ولوحة تحكم مربوطة بشاشة حاسوب واتصال بالانترنت.. هؤلاء هم من يسودون الصفحات في الانترنت (يسودونها بكافة المعاني) ويعلقون على نتاج بعضهم البعض وعلى تعليقات بعضهم البعض، وبالتالي يشغلون مساحة من الانترنت تتيح لغيرهم أن يتبعوهم..

هذا (الغير) –الذي لا ينتمي عمليا لأي من الصنفين، هو ما يدفعني للكتابة، وهو الذي يجب توفير الحماية له.. على الأقل يجب توفير وسائل المناعة التي تجعل انحرافه أكثر صعوبة وبالتالي يكون هذا الانحراف عندما يحدث على بينة أكثر..

بماذا يؤمن هؤلاء الذين يسمون أنفسهم بالقرآنيين(والقرآن منهم براء).. هم يقولون طبعا إنهم يؤمنون بالقرآن الكريم فقط، ويقصدون بذلك أنهم لا يعترفون بالسنة النبوية بالمطلق، ولا بأي شيء منها وهم يشددون على ذلك على نحو غريب( من شروط المشاركة بموقعهم على الانترنت ما يلي: موقع ( أهل القرآن!) يفتح أبوابه لكل فكر حر بشرط ألاّ  يسند الكاتب حديثا لخاتم النبيين محمد عليه السلام عبر ما يعرف بالسنة، أو أن ينسب قولا لله تعالى خارج القرآن عبر الأكذوبة المسماة بالحديث القدسي) هكذا إذن، الشرط الأول هو أن لا يستعمل الحديث النبوي بغض النظر عن صحته أو ضعفه أو تواتره أو أي شيء.. (ممنوع استعمال الحديث النبوي وانتهى).. أي إن الأمر هنا لا علاقة له بكون الحديث النبوي له حجة تشريعية أو لا، بل هم ينسفون أي سند للرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، كما لو أنه جاء إلى هذه الدنيا ورحل دون أن يتحدث ولو كلمة واحدة..

مهما قالوا عن أسباب تحييدهم للحديث النبوي، وهي أسباب سنأتي لشرحها لاحقا، فإن كونهم لا يعتمدون إلا على القرآن كذبة سخيفة، بل إن تحييدهم للسنة النبوية ليس سوى وسيلة لإدخال مفاهيم أخرى من منظومات ثقافية مختلفة، وبالتالي فإن إدعاءهم (القرآن وكفى مصدرا للتشريع) ليس سوى وسيلة لتمرير مفاهيم أخرى(على سبيل المثال،الديمقراطية عند كبيرهم تعد قدس الأقداس، بفعل الموضة -أو بقوة مصادر التمويل-، فهل وجدها في القرآن أم من التجربة الغربية.. ) ولست هنا بصدد مناقشة تناقض الديمقراطية أو توافقها مع الإسلام، لكني فقط أناقش شعارهم (القرآن و كفى مصدرا للتشريع).. فهم يؤكدون ذلك تبريرا لاستغنائهم عن الحديث النبوي، لكنهم عمليا يقرؤون القرآن عبر منظومات ثقافية أخرى، أي إنهم يستندون إلى (الكتب الأخرى) في قراءة القرآن، وهذا يجعل هذه الكتب مصدرا مشاركا للتشريع..

لغة القرآنيين واضحة عند أغلب (كتابهم).. وهم يستثمرون في قارئ لا يدقق كثيرا لهذا السبب أو ذاك (الكسل، عدم القدرة على التدقيق بسبب القراءة التلقينية التي تعودنا عليها..الخ).. إنهم يُغرقون القارئ بسيل من الانتقاءات القرآنية وتتخللها بعض التعليقات والتحذيرات من ترك القرآن والسير خلف كتب الحديث! فمثلا هذه الآيات:

(أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ)العنكبوت 51

(فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ )الطور 34

(اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)  الزمر(23) (و يعلق الكاتب، كيف نترك أحسن الحديث إلى سواه!)

(فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ المرسلات) (50) والأعراف 185

هذه الآيات التي يعرفها كل مسلم يقدمها القرآنيون في صياغة مختلفة، فبدلا من السياق الذي نزلت فيه، ومن خلاله، أي سياق حوار الإيمان والكفر، الحق مع الباطل، وهو السياق الذي لا يزال مستمرا في أوجه ومظاهر عديدة، والذي نملك من القرائن والأدلة أنه سيستمر، نجد القرآنيين يقدمونها في سياق مواجهة مزعومة بين القرآن والحديث النبوي !.. وهكذا يتم حشر تعليقات موحية بذلك بين الآيات المذكورة وسواها..

فلنقرأ هذا المثال المنقول حرفيا من أهم كتبهم..

(.. والنبي أيضاً ليس لديه إلا القرآن ملتحداً وملجأ ﴿واتل ما أوحى إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا﴾ هذا بالنسبة للنبي عليه السلام.. فكيف بنا نحن؟…)   ( انتهى!)

.. وذلك الذي يعرض عن آيات الله شأنه أنه يتمسك بأحاديث أخرى غير القرآن سماها القرآن ﴿لهو الحديث﴾ يقول تعالى: ﴿ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين. وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم﴾ (لقمان 6: 7).

أي إن الكاتب يعتبر أن الحديث النبوي هو “لهو الحديث” الذي يحذر الله منه وليس حديثا كحديثه مثلا !.. ويقحم خلال ذلك كله لهجة تحذر القارئ وتتوعده سوء المصير إذا أصر على تفضيل الحديث النبوي (و كتبه!)..على القرآن الكريم وتحثه على الكف عن ذلك قبل أن يأتي الأجل المحتوم ولا ينفع الندم!

من السهل على القارئ الذي نشأ في رحم ثقافة التلقين، وتعود أن يخاف من نفس التحذيرات (في سياق آخر أكثر عراقة وموضوعية ) أن يسقط في الفخ الذي ينصبه هؤلاء بهذا الأسلوب، خاصة إذا كان لديه مآخذ وردود أفعال تجاه السلوكيات السلبية لبعض المتدينين وبعض مشايخهم (الذين يهاجمهم  من يسمون أنفسهم بالقرآنيين بين سطر وآخر)..

العلة الأساسية في الموضوع هنا هو أن من يسمون أنفسهم “القرآنيون” يعاملون القرآن كما لو كان “مجرد كتاب“.. مجرد كتاب يتألف من صفحات ورقية وغلاف يضمها.. اختزال القرآن إلى هذا المعنى هو الذي يسهل كل ما سبق من ما يعقدونه من مقارنات، وما يزعمونه من تناقضات.. القرآن، قبل أن يكون كتابا بهذا المعنى، هو منظومة ثقافية كاملة، دستور،عقد بين البشرية وخالقها، وجوده على الورق وبين الغلافين ( أو كنسخة الكترونية على الجوال أو الكمبيوتر) هو مجرد إجراء تنفيذي لا أكثر.. وبالتالي فإن تشابهه مع ما نقرأه ونتداوله من مطبوعات هو تشابه لفظي فحسب، بعبارة أخرى، عندما نضع القرآن في مواجهة، ونحن نؤمن سلفا أنه سيتفوق حتما، فإن الطرف الآخر في المواجهة لا يمكن أن يكون مجرد كتاب (رواية مثلا، أو كتاب شعر، أو كتاب في علم التربية أو حتى أحد كتب الحديـــث الشريف)..

المواجهة أصلا غير موجودة في حالة كهذه، ولذا فإن افتراض من يسمون أنفسهم بالقرآنيين باطل أصلا، لأنهم يضعون كتب الحديث في المواجهة، يفترضون أن المواجهة ممكنة ومن ثم يبنون على هذا الافتراض كل ما ينتج عن ذلك…

الكتب التي يمكن أن تكون في المواجهة هي الكتب التي تعبر عن منظومة ثقافية مغايرة، الكتب السماوية مثلا، أو مدونات وأدبيات الديانات الوثنية (ريج فيدا للهندوس ،تيبتاكا للبوذية…الخ)،. كتب كهذه يمكن أن تكون في المواجهة لأنها تعبر عن رؤية للحياة،.. منظومات ثقافية أخرى قد لا يعبر عنها كتاب واحد بل مجموعة كتب (المنظومة القيمية الغربية على سبيل المثال لا يعبر عنها كتاب واحد، بل هناك مجموعة من الكتب التي تكوّن هذه المنظومة: العقد الاجتماعي لجان جان روسو، مقال عن المنهج لديكارت، رسائل لوثر الخمس والتسعون، ثروة الأمم لأدم سميث، الماغنا كارتا.. عصر المنطق لتوماس بين.. مؤلفات فرويد وايمرسون وتوكوفيل..الخ)..هذه كلها يمكن أن تضم بمجموعها لتكون الكتاب المضاد على الطرف الآخر.. باعتبار أنها تمثل رؤية حياة.. أما أن يتم اعتبار كل كتاب مطبوع أو منتج ثقافي مهما كان تصنيفه على أنه في المواجهة المقصودة في سياق الآيات فهذا سخف في أحسن الأحوال، وتزوير في أغلبها..

هذه الطريقة في النظر إلى القرآن باعتبار أنه مجرد كتاب، التي يمررها من يسمون أنفسهم قرآنيين، هي التي تؤدي إلى النظر إلى كتب الحديث النبوي والسنة النبوية كما لو أنها (كتب أخرى).. أي كما لو كانت مستقلة عن المنظومة التي يمثلها القرآن.. وهو ما يؤدي إلى ما يزعمونه من مواجهة وتناقض…الحديث النبوي يجب أن ينظر إليه على أنه بمثابة الحواشي والهوامش على الكتاب الأصلي.. على القرآن، وبالتالي فإنه جزء لا يتجزأ من المنظومة الثقافية التي أنتجها القرآن، لا يمكن التعامل معه على أنه مستقل عن المتن الأصلي.. ولا معنى لقراءة الهامش والحاشية فحسب-بل لا معنى لقراءة الهامش بمعزل عن النص،هذا النوع من العلاقة بين القرآن الكريم والحديث النبوي تجعل من المستحيل وضع الاثنين في مواجهة كما يزعم هؤلاء.. لن نقول إن العلاقة بينهما هي علاقة تكامل لأن التكامل يكون بين ندين يحتاج أحدهما الآخر، والأمر هنا مختلف، فالحديث النبوي وسنته عليه أفضل الصلاة والسلام تابعة للقرآن الكريم ولا يمكن أن يكون لها وجود مستقل عنه.. علاقة الحاشية والهامش بالمتن هنا هي بمثابة متابعة للتطبيق العملي للقرآن الكريم على أرض الواقع البشري.. لا يمكن أن نفهم آليات التطبيق ما لم تكن لدينا هذه الحواشي التي تقدم لنا الصورة الواقعية لهذا التطبيق وما استلزمته أحيانا من قوانين لم تذكر في القرآن لكنها كانت ضرورية لتنفيذ تشريعاته…

سيقول من يسمون أنفسهم قرآنيين إن هذا يعني إن القرآن يحتاج إلى بيان وتفصيل وهو ما يناقض  ما جاء في القرآن نفسه من أن فيه تبيان وتفصيل لكل شيء (نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لكل شيء) النحل 89 (وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ  الأعراف(52)…لكنهم في الوقت ذاته يتجاهلون أمرين اثنين..

الأمر الأول: أن هذا الكتاب الذي نزل بالبيان والتفصيل لكل شيء لم ينزل في قرطاس من السماء أو لوح حجري، بل نزل عليه أفضل الصلاة والسلام، وهذا يجعل من سيرته ومن حديثه ومن كل ما فعله مرتبطا بما أنزل عليه بشكل مباشر..(قالت السيدة عائشة في الحديث الذي لا يعترف به هؤلاء عنه عليه الصلاة و السلام:كان خلقه القرآن..أي أنه كان يمثل تجسيدا عمليا لما أنزل على صدره عليه الصلاة و السلام،فكيف يمكن لنا أن نترك شيئا كهذا و هو امتداد طبيعي للقرآن؟)

الأمر الثاني: إن الكتاب ذاته، الذي يدعون الاحتجاج به، يحيلنا إليه عليه الصلاة والسلام في أكثر من موضعيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا النساء(59)“، فهل يكون في هذه الإحالة إليه ما يتناقض مع معنى اكتمال البيان والتفصيل أم إن هذه الإحالة تعزز هذا البيان وتمنحنا فرصا أخرى في الفهم المفصل من خلال الحديث النبوي وسنته عليه الصلاة والسلام؟

لدى من يسمون أنفسهم بالقرآنيين حيلة (غير شرعية !) للخروج من هذا المأزق.. وهو ما سنتابعه لاحقا معهم..

تمام الأمر مؤشِّر لبدء نهايته : د.شيماء الصراف

 

 

تمام الأمر مؤشِّر لبدء نهايته

د. شيماء الصراف

 

إذا تمّ أمر بدا نقصه    ترقّب زوالاً إذا قيل تمّ

بيت الشعر هذا تذكّرته وأنا أقرأ في ” العود الهندي” للسقَّاف . في بعض صفحات كتابه يتحدّث عن أنّ بلوغ الكمال مؤذن بزواله، وبدءً يروي ماحصل مع الإمام ابن جرير الطبري حين أُبلغ بتولّي ابن المعتز العبّاسي الخلافة في بغداد وأنّ الحسن بن الحسن تولّى القضاء، ومحمد بن داود الوزارة، قال :” إنّ هذا الأمر لا يتم ( لا يستمر) لأنّ كل واحد متقدِّم في فضله والدُّنيا مولِّية، فما أراه عائداً إلاّ إلى الإضمحلال” فكان كذلك .

الكمال : درجة التمام في أمر ما.

الإكمال : التمام الذي تجزّأ منه أجزاؤه .

تمّ على الشيء : أكمله.

تمّ على الأمر : استمرّعليه .

بلوغ التمام مؤذن بزوال الشيئ، ويستوي في الأمر سيئه وحسنه، “….والدنيا مولّية، فما أراه إلاّ عائداً إلى الإضمحلال”. فما بعد الوصول إلى التمام، القمّة، الذروة ؟ إنه الوقوف والتوقّف، وبدأ التأرجح، كم يدوم ؟؟ تبدأ دورة أُخرى : الهبوط.

 إنه قطع مراحل نقارنها بتلك التي يمر بها الجسد البشري وآخرها  الشيخوخة والهرم، وقد  ينتهي والعقل والنفس فيه تحملان علماً وخيراً، كما قد ينتهي وهو يحمل الجهل والشر .هذه هي القاعدة وما عداها استثناءت مهما تعدّدت وتنوّعت .

ولكلّ شيئ نهاية ولكلّ أمر مآل .

أنشأت إسرائيل دولة باغتصاب فلسطين وتشريد أهلها، لم تكن لتنشأ دون قرار من دول الغرب.

توزّع الفلسطينيّون في البلدان العربيّة المجاورة على الأخص، كان هناك متسوِّلون، من النساء خصوصاً، يطرقون الأبواب، وكما كان هنالك تعاطفاً معهم كانت هناك شعوراً ضدّهم يمارسه العوام من الناس، شاهدت وسمعت هذا بنفسي في العراق، الأردن، سوريا، لبنان : الفلسطينيّون سبب مصائبنا، لا يعرفون إلاّ الإستجداء، ليرجعوا ويحرِّروا  أرضهم، هم باعوها لليهود….جزءاً من هذا الحال هو رد فعل لمتاجرة حكوماتهم بالقضيّة الفلسطينيّة ؛ التّظاهر بالوطنيّة وابتزاز الناس .

 ان استمرار اسرائيل واستقوائها يعود للغرب وأمريكا بالخصوص في العقود الأخيرة، وبالقدر نفسه لتخاذل حكومات العرب ومنذ البداية، وحرب  1948 بينت بوضوح سيطرة الغرب على حكومات هذه الدول الحديثة التي

ظهرت بتفتّت الدولة العثمانيّة .

السلطان العثماني عبد الحميد رفض بيع أرض فلسطين لزعماء الحركة الصهيونيّة، قال :…إنّ فلسطين ليست ملكي، إنّما هي ملك الأمّة الإسلاميّة، فكان كلامه هذا من أقوى أسباب إزاحته.

ويمر الزمن وظلم إسرائيل يترسّخ ويستقوي؛ القتل، بل المجازر، التجويع، المزيد من اغتصاب مال الغير وأرضه في المقدّمة. وسائل الظلم متوفِّرة، نظريّاً : التبهيت والبهتان أعلى مراحل الكذب، وكل ما يندرج تحته من دجل وخداع وتزوير…ثم التطبيق . التهمة جاهزة لمن تبدو في عينيه ذرّة شك: معاداة الساميّة، والنتيجة الصمت وهو اشتراك في الجرم وعون عليه. هذا هو الحال في الغرب. صمت حكومات العرب ؟ إنه الخوف على كرسي الحكم، لم تنتخبهم شعوبهم بل نصّبهم من احتلّ بلادهم ولا يزال، وكل مانراه على الإطلاق من ذلة أمام اسرائيل/ أمريكا وقمع لشعوبهم هو نتيجة تمسّكهم بالسلطة.

التمام هو تكامل الأجزاء. هل هنالك ثغرة، مساحة لم تملئها إسرائيل في لوح الظلم اليوم ؟

اسرائيل تحمل عوامل انهيارها منذ أن وّجدت…. ومن جانبنا ؟

نحتاج رجالاً يحاربون الظلم لا السكوت عليه وإيثار السلامة، رجال يعرفون معني الشرف، المروءة، الذمّة والتذمُّم. صلاح الدين الأيوبي ـ القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي ـ وأيضاً معاصره الملك العادل نور الدين زنكي . أضع أسم الملك المظفَّر قُطُز، الملك الظاهر بَيْبَرس، القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي، وهم أمثلة لا غير، كلّهم حاربوا الغزاة المعتدين من التتار والإفرنج، صدّوهم، وقهروهم مسترجعين أرض شعوبهم وحقوقها. سنرى هؤلاء يوماً فأمثالهم يولدون زمن الضيق والعسرة .

فلسطين تنادي، أرضها تستصرخ، إنه عموم البلاء وبلوغه الغاية.

نادت المرأة : وامعتصماه ، فهرع الخليفة العبّاسي لنجدتها ، وقبله فعلها الحجاج بن يوسف الثقفي والي الأمويين على العراق ، صرخت إمرأة مسلمة سُبيت في الهند، ياحجّاجاه، بلغه الخبر فصاح لبّيك لبّيك:” …وأنفق سبعة آلاف ألف درهم حتى افتتح الهند واستنقذ المرأة وأحسن إليها” .

 

 المصادر

 ـ شذرات الذهب لابن عماد الحنبلي

ـ العود الهندي، مجالس أدبيّة في ديوان المتنبي، لعالم حضرموت ومفتيها عبد الرحمن السقّاف .

ـ فوات الوفيات لابن شاكر الكُتُبي

ـ لسان العرب لابن منظور

ـ معجم البلدان لياقوت الحموي

ـالنجوم الزاهرة لابن تغري بردي

ـ الأعلام للزركلي

 

 

 

 

 

فور شباب..من اجل شباب “صنع في القرآن” !

ضمن فعاليات مؤتمر فور شباب الثاني،الذي حمل عنوان “صناعة الوعي”،شارك الدكتور العمري في فعاليات اليوم الأخير بمحاضرة بعنوان “صُُنع في القرآن”..و التي ستكون جزءا من كتاب قادم له..

كان مؤتمر هذه السنة مميزا بحضور الكثير من المفكرين والدعاة مثل الدكتور عبد الكريم بكار و الدكتور محمد العوضي الذي كانت محاضرته في اليوم الأخير أيضا…و الذي أمتع الحاضرين بقوة حضوره و تجربته الثرية في صناعة الوعي..

كما تميز المؤتمر بحضور شباب مميز من مختلف الدول العربية،شباب يحمل أمته و نأمل أنه سيتمكن من تغيير واقعها…

الحجاب واللا إكراه.. مرة أخرى!

الحجاب واللا إكراه.. مرة أخرى!

د.أحمد خيري العمري


ما هو رأيك بإرغام القاصرات على الحجاب؟”

هذا هو السؤال الذي تم طرحه من قبل أحد المواقع العربية الرائجة على اثنين يمتلكان “خلفية إسلامية”.. (أحدهما أستاذ شريعة ويحمل درجة الدكتوراه في الفقه، والأخرى سيدة ترأس منتدىً فكرياً في عاصمة عربية مهمة، وأكنّ لها احتراماً شخصياً لن يمنعني من مخالفتها على نحو جذري فيما ذهبت إليه في ردها على السؤال).

السؤال كما هو واضح يحمل تحيزاً مضمراً عبر العبارة الأساسية فيه “إرغام القاصرات”، فالتعبير يستدعي على الفور صورة ذهنية لإجبار “القاصرات” على ارتداء الحجاب، وبما أن الموضة اليوم هي الظهور بمظهر مساندة الحسناء المعذبة و تمكين المرأة ( تمكينها من ماذا..؟ ) فإن السؤال معد سلفا لكي يقود الضيفين إلى خلاف مثير للجدل، وبالتالي يساهم زوار الموقع في الأخذ والرد بهذا الاتجاه أو ذاك..

أستاذ الشريعة ابتلع الطعم بأسهل من المتوقع، وأيّد رأياً فقهياً متشدداً وشاذاً ، وهو تعويد الفتاة على الحجاب من سن السابعة قياساً على تعويد الأطفال على الصلاة في هذا السن، ورغم أن هذا القول هو من قبيل الفقه الذي لا أتدخل فيه من قريب أو بعيد، إلا أني لا أفهم كيف يمكن لقياس أن يكون له وجود أمام نص صريح ربط الحجاب بسن التكليف وليس قبله تحت أية ذريعة: “حديث يا أسماء إنّ المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا.. وأشار إلى الوجه والكفين وهو حديث حسن”.

وإذا كان رأي دكتور الشريعة قد بالغ في التطرف، فإن الرأي الآخر لم يكن أقل تطرفاً ولكن على الجهة الثانية، أقول هذا وأنا مدرك أن البعض ينادي بإلغاء الحجاب أصلاً، لكن هذا البعض لا يمكن أن يحسب على التيار الإسلامي من الأساس (دون أن يعني هذا أنه ليس مسلماً!!).. أما الطرف الثاني في هذا النقاش، فهي سيدة محجبة ولها خلفية إسلامية لا شك فيها، وقد ذهبت إلى القول-إن صح ما نقله عنها محرر الموقع-:

“يجب أن لا نبدأ النقاش مع القاصرات حول الحجاب إلا في سن الثامنة عشرة” ومن غير الواضح في هذا السياق اتجاه النقاش ضد أم مع الحجاب أم حيادي يترك الباب مفتوحاً لآراء أخرى لتتسلل وتفرض سطوتها: أي إن الحياد في هذه الحالة هو تمهيد لرأي معين يمتلك سطوة الإعلام وسطوة الصورة..

لا أريد أن أناقش هنا فريضة الحجاب، بل أود أن أناقش ثلاثة مفاهيم وردت عرضاً في الحوار، وأدى استخدامها على نحو معين إلى الوصول إلى النتيجة التي وصلت إليها السيدة التي أؤكد احترامي الشخصي لها، و النقاش هنا ليس موجها لها و لا لموضوع الحجاب تحديدا ،بقدر ما هو موجه لمجموعة مفاهيم موجودة على الساحة و يمكن أن تؤدي إلى الترويج إلى تعطيل أي ثابت شرعي كما مع الحجاب حاليا…

هذه المفاهيم هي مفهوم “الآبائية”، ومفهوم “اللا إكراه”، وأخيراً مفهوم “سن الرشد”..

هناك خلط شديد في استخدام هذه المفاهيم، وهو خلط لا يمكن إلقاءاللوم فيه على من يتداول هذه المفاهيم اليوم، بل اللوم يقع على من روّج لهذه المفاهيم أصلاً بشكل مشوش ودون أية محاولة لتأصيل منهجي..

لقد تحولت كلمة الآبائية عند البعض إلى ما يشبه الشتيمة (شتمتني إحداهن مرة فقالت أنني آبائي، وهو قول يرادف عندها  أسوأ ما يمكن تخيله عند الناس الطبيعيين..)..

أصل المفهوم هو محاربة القرآن الكريم لإصرار المشركين على البقاء على دين آبائهم لا لشيء إلا لأنهم وجدوهم كذلك: “قالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ”..

لكن القرآن لم يحارب اتباع الآباء فقط لأنهم آباء، بل حارب ذلك عندما يكون إصرارا على الخطأ لمجرد أن الآباء فعلوه ولم يعتبروه خطأ، فالمسألة ليست باتباع الآباء، بل باتباع الخطأ.. المسألة ليست في صراع أجيال يقف القرآن فيه دوما مع الجيل الأصغر ضد الجيل الأكبر.. بل هو في صراع الحق والباطل،.. وقد يكون الجيل الأصغر مع الحق، ولكن قد يكون أيضا مع الباطل.. فالإتباع الخاطئ ليس منحصرا فقط بالآباء، بل ربما يكون أحيانا موجها لخطوات الشيطان، أو للذين كفروا، أو لأهل الكتاب (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) أو إتباع الأهواء ببساطة (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ).. أي إن مصادر الخطأ متعددة ولا يمكن أن تختزل إلى تقليد الآباء فقط،.. خاصة أن القرآن الكريم قد حدد المشكلة مع الآباء عندما يكونون (أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) لكن الأمر يختلف عندما نكون مرجعية الآباء صحيحة( قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق)

لكن  شعار محاربة الآبائية بعمومه يغري كل من يريد أن يحارب ثوابت المجتمع ( أيا كانت).. ويمرر أفكاراً من مصادر الخطأ الأخرى التي ذكرها القرآن، ويحتمي في الوقت نفسه بالقرآن عندما يعارضه أحد: أنتم آبائيون! لقد جاء الإسلام خصيصا ليحاربكم!..

لا شك أن في موروثنا الفكري تراكم أخطاء هائل لا يمكن السكوت عنه، لكن هذا لا يمكن التعميم فيه على الإطلاق، وبالذات لا يمكن ربطه هنا بموضوع الحجاب، فمرجعية الخطأ والصواب يجب أن تعود إلى النص وليس إلى مجموعة أهواء تبحث عن تسويغ وتبرير ومخرج شرعي..

على سبيل المثال: أحدهم يفتي منذ بضعة قرون بأنه لا يجب على العبد طلب الرزق ولا الأسباب!.. ولا يزال يجد من يروج له ويستثمر في مؤلفاته لهذا السبب أو ذاك، بل يعده البعض علامة مهمة لنهضة قادمة.. أيّة نهضة يمكن أن تقوم على فكر يؤصل السلبية كهذا؟. النهضة لن تقوم حقا إلا بعد أن نتمكن فعلا من اجتثاث فكر كهذا –بكل روافده وجذوره- من العقل الجمعي مهما كان الاسم المعني محصناً.. ومهما كان هناك ألقاب رنانة قبل اسمه وبعده (حجة الإسلام وإمام الأمة..الخ).. عندما يتم التمسك بالدفاع عن هذا، وتبني أفكاره رغم وضوح خطئها ومخالفتها للنصوص الصريحة، فإن هذه آبائية يجب محاربتها..

أما أن نحارب مفاهيم تستند على نص ديني قرآني (وأشدد أنه مفصل، إذ يذكر تفاصيل محددة نادرا ما استعملت في القرآن الكريم)، أو نص ديني متواتر بالمعنى أو اللفظ عبر الحديث النبوي، فهذا ليس حرباً ضد الآبائية، بل هو حرب على الدين نفسه.. لكن من يفعل ذلك يحاول إقناع نفسه أولا والآخرين ثانياً أن حربه هذه مدعومة بالقرآن الكريم، عبر قراءة تتعمد اختزال مصادر الخطأ بكونه قادماً من الآباء فحسب، رغم أن مصادر الخطأ الأخرى التي حددها القرآن تكاد تكون مفصَّلة على ما يفعلون.. ولا أشكك هنا في إخلاص الأخوة والأخوات المنخرطين في حربهم المقدسة ضد الآبائية (كما لا أؤكده، فالأمر خارج اختصاصي للأسف!) لكني أحب أن أذكر أن صدقهم في ذلك لا يمنح الأمر أية قوة، فمعيار الصواب والخطأ لا علاقة له بإيمان الناس أو صدقهم في ذلك.. بل هو يستند إلى مرجعية أخرى تماماً..

مفهوم اللا إكراه تعرض أيضا لعمليتي اجتزاء وتضخيم في الوقت ذاته، الاجتزاء تم عبر فصله عن سياقه في الآية القرآنية، والتضخيم تم عبر “اختزال الإسلام كله به”….

دون مبالغة، إحدى السيدات من الناشطات في هذا التيار تقول بكل فخر إنها تختزل “الإسلام إلى اللا إكراه“..هذا عدا عن أن معادلة (الإسلام= اللا إكراه) تعد من ثوابت هذا التيار وتعتبر منطقية وبديهية تماماً بالنسبة للتيار بالضبط كما القول أن الشهادة هي الركن الأول في الإسلام بالنسبة لعموم المسلمين، و هي ثابتة في السبورة الموجودة في المجلس الشهري لأهم روادهم ،  بل إن الناشطة ذاتها قالت في حوار نشر على الانترنت: إن اللا إكراه هو الفريضة السادسة، ثم استدركت قائلة: ( بل هو الفريضة الأولى!!!)..

تجزئة الآية يتم عبر إخراجها من سياقها، فالآية تقول وبوضوح “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ“.. فاللا إكراه هنا ليس صنواً لحرية فكرية مطلقة -على النحو الفولتيري- تسمح لمعتنقها بالإيمان بما شاء دون أن تحدد الصواب والخطأ، فالآية لا تنفي اللا إكراه إلا بعد أن تبيَّنَ “الرشد” من “الغي”..، وكذلك تسمي الكفر باسمه والإيمان باسمه، أي إنها امتداد طبيعي لآية (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا)- فحق المعتقد الشخصي مكفول ولكن في الوقت نفسه على كلٍّ أن يتحمل مسؤولية خياره الخاطئ وما يترتب عليه.. ولا تترك الأشياء معلقة ونسبية من غير حدود ومسميات أو تصنيف كما يفعل هذا التيار الذي ينسب نفسه اللا إكراه.. حيث لا يكتفي فقط بعدم تحديد موقف من أي تيار جديد أو فكر تغريبي (فكل شيء مسموح تحت غطاء اللا إكراه) بل يقوم دعاة هذا التيار ونشطائه علنا بتعنيف كل من يحاول التصدي لهذه الأفكار أو بيان جذورها المختلفة عن المرجعية الإسلامية..  أي إننا نراهم “لا إكراهيين” عندما يتعلق الأمر بمن يحاول طرح فكرة تزيل الحجاب أو تعتبر الخمر ( ليست حراما ولا حلالا!) أو يعتبر أن الله خلقنا لكي يحقق ذاته!!!! (تعالى عز وجل عن هذا علواً كبيراً)- والمقولات الثلاث قالها د.محمد شحرور ضمن أشياء أخرى كثيرة، ولكنهم يتحولون إلى “إكراهيين” فورا عندما يحاول أحد أن يتصدى لمثل هذه المقولات، أي إنهم لا ينتقون الآيات تجزيئاً وتضخيماً فحسب، بل ينتقون أيضا الأشخاص الذين توجه تجاههم هذه المواقف..

الفكرة الجديدة التي ظهرت في اللقاء الذي أشرت له، والتي أعتقد إنها تعكس تخبطاً عميقاً يعيشه “ضحايا” تيار اللاعنف، والذي أسجل هنا أن بعض عقلاء التيار يتحفظون عليه، هي أن فكرة الترهيب والترغيب أصبحت تصنف ضمن “الإكراه” أيضا.. (الترهيب والترغيب وليس الثواب والعقاب فقط!!) كلام السيدة واضح جداً-إن صح ما نسب إليها، و آمل أن لا يكون صحيحا- فالترغيب إكراه ايجابي، والترهيب إكراه سلبي وكلاهما عنف حسب رأيها إن صح ما نقل عنها.

من الناحية التربوية، هذا الكلام لا معنى له، فنظريات التربية الحديثة لم تلغ مبدأ الثواب والعقاب، بعضها غيرت من نمط العقاب والثواب بلا شك، وبالذات في استخدام العنف مع الأطفال ولكن المبدأ نفسه لا يزال راسخاً،.. النظريات المتطرفة في إلغاء المبدأ كليا لا تعدو أن تكون صرعات يثبت فشلها ميدانياً وتغدو دليلاً على العكس مما يريد لها منشئوها…

من الناحية العملية، هذا الكلام مستحيل، نادر جدا هو السلوك الذي لا يكون نابعاً من ثواب أو عقاب ولو بطريقة خفية وغير واضحة،..لا أقصد هنا الثواب بمعنى الجائزة المادية أو الوعد بالجنة، بل على الأقل كلمات التشجيع التي ترضي ذات الإنسان ورضاه عن نفسه، أو كلمات التوبيخ أو الرأي السلبي الذي سينقص من تقدير الذات.. في الحالتين الأمر ثواب وعقاب، ترهيب وترغيب وإن اختلفت الوسائل عما تعودناه من فهم الأمر (الجنة والنار).. لكن المبدأ سيبقى ثابتا، وفكرة “الإرادة الحرة ” يجب أن تبقى في ظل إطار فهم السلوك الإنساني المحكوم بتقاطعات مختلفة..(على سبيل المثال فكرة كرسي العقوبة naughty chair،  الرائجة حاليا هي نموذج حديث من العقوبة و الترهيب بشكلها القديم)

فلنحاول هنا أن نوافق السيدة الفاضلة في قولها بعدم إتباع مبدأ الثواب والعقاب- أو الترهيب والترغيب-في موضوع الحجاب، واتخاذ جانب الحياد وتأجيل النقاش لحين سن الثامنة عشرة.. هل سنتوقع أن الفتاة ستنشأ في أنبوب مفرغ من الهواء بحيث يمكن لها أن تتخذ قرارها “العقلاني الحر” عن الحجاب فور بلوغها سن الرشد؟.. في الحقيقة إن هذا ضرب من الخيال، لأننا إذا حيِّدنا أنفسنا عن التأثير، فإن هذا لن يحيِّد الوسائل الباقية التي لا تقل تأثيرا في نفس الفتاة، الإعلام سيمارس الترغيب والترهيب –الثواب والعقاب- بطريقة حاذقة، سيقنع الفتاة أن عليها أن تساير الموضة إن رغبت أن تكون مرغوبة وجميلة في نظر المحيط (ثواب، ترغيب) وسيقنعها عمليا أنها ستكون معزولة ومنبوذة إن لم تفعل ذلك (عقاب، ترهيب)..

ما يستوقفني هنا، لِمَ الحجاب تحديدا يجب أن يخضع لهذه المصفاة التي تعلن التأجيل والحياد لحين سن الرشد؟ هل سنعلن أن لا ترغيب أو لا ترهيب ولا ثواب ولا عقاب ولا إكراه فيما لو قرر أولادنا مثلا الامتناع عن التعليم!..أو الطعام..! أو الاغتسال !..لا أشك شخصيا أن كل الوسائل ستتبع بين الترهيب والترغيب وصولا إلى العيادات النفسية.. لكن عندما يكون الأمر متعلقا بالحجاب تحديدا..لا، لا داعي.. البنت صغيرة.. أجلوا النقاش إلى سن الثامنة عشرة..

سن الثامنة عشرة أيضا موضوع يستحق الوقوف عنده، ويحمل دلالات لا يمكن تجاوزها.. فقد تم اقتراح تأجيل الحجاب-بل حتى النقاش فيه- إلى سن الثامنة عشرة ( سن الرشد حسب ما جاء في الحوار)، وتم الخلط بينه وبين سن التكليف.. ما الذي سيستجد بالنسبة للفتاة في الثامنة عشرة لكي يجعلها مؤهلة لاتخاذ قرار الحجاب في هذا السن تحديدا؟..لا شيء.. من الناحية الفسلجية هي امرأة منذ بضع سنوات، نفسيا الأمر يعتمد على المحيط وكيفية تعامله معها.. النضج نسبي جدا ومتفاوت وبعض الأشخاص-رجالا ونساء- لا ينضجون ولو في أرذل العمر، فهل يعني هذا أنهم سيبقون خارج دائرة التكليف.. بينما النضج الفسلجي، أي البلوغ بشكل عام يرتبط بحقائق موضوعية يمكن قياسها والتقييس  عليها… وبالتالي فإن اختيار سن البلوغ ليكون سنا للتكليف من قبل الشارع الحكيم يمثل الخيار الأمثل، فالبالغ هنا سينظر إلى نفسه على أنه مكلف، وستكون هذه النظرة للذات بحد ذاتها عاملا حاسما في نضج هذا الفرد..

فلنتأمل في اختيار سن الثامنة عشرة تحديداً: لا شيء “عالميا” متفق عليه في هذا الخصوص، بل يتفاوت الأمر من ثقافة لأخرى، سن الثامنة عشرة هو سن التصويت في أغلب الدول الديمقراطية (لا يعنينا الأمر هنا!!، أم لعل الأمر من باب التفاؤل بالخير لا أكثر!)، مع العلم أن سن التصويت في النمسا مثلا  16 عاما، وهناك أكثر من دولة من ضمنها بريطانيا وبعض الولايات في الولايات المتحدة تدرس تخفيض سن التصويت إلى16.. ( والقرار هذا سياسي وتمريره أو رفضه يعكس غالباً رغبة السلطة التشريعية في كسب أصوات المزيد من الشباب الذين يتوقع أن أصواتهم ستكون لها، أو محاولة تقليل عددهم باعتبار أنهم سيصوتون ضدها..)

لكن هناك أعمال لا تقل خطورة عن التصويت وتشريع القوانين في مختلف دول العالم لتسمح لمن هم دون سن الثامنة عشرة بالقيام بها: يحق –مثلا- قيادة السيارة في بعض الولايات في أمريكا لمن عمره 14 سنة، وغالبا 16 سنة، .. في نيوزيلندا السن الأدنى للقيادة هو 15 سنة، وفي أوروبا عموما 18 سنة باستثناء بريطانيا التي حددت السن الأدنى بـ 17،.. وفي كندا 16 سنة.. هذه الاختلافات (التي تكون موجودة أحيانا في نفس الدولة في أقاليم مختلفة) تذكرنا بأن وضع سن ثابت لنضج الفرد أمر لا يمكن أن يكون بهذه الحدة، علماً أن قيادة السيارة تتطلب نضجا شخصيا لا يمكن تجاهله والتهور فيها قد يسبب ضررا للفرد ولسواه..

السن الأدنى المسموح به لتناول الكحول أو شرائها يختلف من بلد لآخر ويعكس هذا الاختلاف مرة أخرى عدم إمكانية وضع سن محدد بمعزل عن ثقافة المحيط.. أمريكا تضع سنا قانونيا (21 سنة ) أعلى من أغلب دول أوروبا (16- 18سنة) (ولا يعني هذا أن الأطفال لا يتناولون الكحول في أمريكا بل أن تناول المخدرات أمر شائع جدا في المدارس لكننا نتحدث عن القانون الذي يجعل قيامهم بشراء الكحول مثلا أمراً متعذراً)، وتضع المملكة المتحدة سن الخمس سنوات-!!- للسماح بالشرب في غير الأماكن العامة، وسن الـ 16 للشرب في الأماكن العامة لكن بوجود شخص أكبر ومع وجبة طعام!

القوانين تختلف أيضا فيما يسمى اليوم “سن الموافقةage of consent ” وهو سن الزنا الطوعي، الذي لا يعتبر فيه أي طرف مذنباً بالزنا مع “قاصر” طالما لم يكن الفرق بين الطرفين كبيرا.. العمر الأدنى المسموح به لممارسة جنس قانوني في المكسيك والفلبين والفاتيكان هو 12 سنة فقط!، و13 سنة في الأرجنتين وقبرص واليابان وكوريا الجنوبية وإسبانيا، و14 سنة في النمسا والبرازيل وبلغاريا والصين وكولومبيا وألمانيا والمجر وبيرو وبورتو ريكو وباراغواي وصربيا وكرواتيا وفي بعض الولايات المتحدة الأمريكية، أغلب الدول الأوربية المتبقية تسمح بالأمر في سن الـ15، وأغلب الولايات المتحدة تسمح به في سن الـ16 عاما وبعضها في الـ 18…

القانون في هذه الدول يعتبر أن سن الثانية عشرة أو الخامسة عشرة أو السادسة عشرة مناسباً لاتخاذ قرار الزنا وعلى الرغم من مخاطره المحتملة (وأقصد هنا المخاطر المحتملة دنيوياً أي آثاره الاجتماعية فحسب) ،.. أما نحن، فإننا نجد من يستهول قرار ابنة الثانية عشرة بالحجاب ويعتبر أن ذلك إكراها لها وأنه جزء من الآبائية والعياذ بالله!

سن الثامنة عشرة أيضا ليس هو السن الأدنى للعمل، معظم دول العالم تشرع العمل في سن أدنى، أي إنها تعتبر الفرد مؤهلا لخوض تجربة الحياة العملية بمعزل عن أية وصاية من طرف أكبر سناً، في انكلترا وفنلندا على سبيل المثال السن الأدنى للعمل هو الرابعة عشرة، في سكوتلندا السن الأدنى هو ثلاثة عشر، معظم الدول الأوربية الأخرى والولايات المتحدة تسمح به في سن الرابعة عشرة..

سن المسؤولية عن الجريمة أمام القانون يختلف أيضا من دولة لأخرى، ويتراوح بين الست سنوات في بعض الولايات المتحدة، وعشرة أعوام أو 14 عاما في معظم الدول الأخرى، ولا يعني هذا أن العقوبة ستكون مماثلة للجريمة فيما لو ارتكبها من هو فوق الثامنة عشرة، لكنه يعتبر مدركا بما يكفي ليحاكم على جريمته،علما أن بضعة ولايات في أمريكا تحاكم أطفالا دون الرابعة عشرة (العاشرة في ولايتي كنساس وفيرمونت أو الثانية عشرة في ولايتي ميسوري وكولورادو أو الثالثة عشرة في ولاية مينسوتا) بالضبط كما يحاكم من هو في الثامنة عشرة وذلك اعتمادا على  نوع جريمته.. (القتل مثلا أو الاغتصاب).

كل هذه الاختلافات والتفاوتات في تحديد سن لأهلية الفرد تجعلنا نؤمن تماما بصلاحية ما اختاره الشارع الحكيم من الجمع بين سن البلوغ وسن التكليف، فسن البلوغ  يختلف من عرق لآخر ومن مؤثرات بيئية لأخرى، ومن فرد لآخر أيضا ضمن نفس العرق والبيئة، أي إنه ليس خانة تصنيف عالمية موحدة للناس جميعا.. بل هو وضع خاص يرتبط بكل فرد ويعتمد أيضا على طريقة رؤيته لذاته ورؤية المحيط له..

لماذا إذن هذا الإصرار على الربط بين الثامنة عشرة والحجاب في هذا الحوار؟ هل هو مجرد إصرار مرتبط بمفهوم سن الرشد بشكل عام حتى لو تجاهل الاختلافات المطبقة عالميا؟ أم أنه مرتبط –مثلا- بقرار للأمم المتحدة الذي يعتبر كل من هو دون الثامنة عشرة طفلاً – وهو القرار الذي وقعت عليه جميع دول العالم باستثناء الصومال و…أمريكا..!!(القرار يتضمن منفذا للدول التي تتعارض قوانينها مع هذا وهو بند لن يستخدم من قبل نشطائنا بالتأكيد).

الجواب عن هذا السؤال ليس عندي بالتأكيد.. لكني أتمنى أن لا يكون الأمر مجرد تأخير لا أكثر.. لأن هذا التأخير لن يكون له دور سوى قيام المرجعيات الثقافية الأخرى بالسيطرة التامة وجعل القرار أكثر صعوبة لاحقا..

تأخير كهذا هو انحياز وتواطؤ، في أحسن الأحوال…

http://www.syria-news.com/dayin/jadal/itemarchiv.php?item_id=28