نظرية الزبد:اعتقد ثم أستدل !

نظرية الزبد:اعتقد ثم أستدل !

د.أحمد خيري العمري- العرب القطرية  كانون الأول 2007/بتعديل على المقدمة

قديما قيل عن أصحاب البدع أنهم يتبعون منهج “الاعتقاد ثم الاستدلال”..أي أن لديهم فكرة  آو عقيدة مسبقة، و هم يحاولون تأصيلها عبر البحث عن دليل يسندها عبر إسقاطها عليه..قد يبدو الدليل متماسكا للوهلة الأولى..لكن التفحص العميق لهذا الدليل يكشف عكس ذلك..

مبتدعة اليوم من أدعياء التجديد و سواهم يتبعون نفس المنهج، بمهارات متفاوتة، بعضهم يختار قضايا  فقهية شائكة و  يستدل عليها بدليل من “المتشابه” فيثير زوبعة من النقد الذي يجعل تقبل فكرته صعبا..

البعض الآخر يختار قضايا أقل إثارة للزوابع،  بعيدة عن الفقه الذي يجد دوما من يتصدى له،و تمكنوا بذلك  من التسلل إلى أذهان الناس تدريجيا..حتى  و إن  كانت القضية المطروحة أكثر خطورة على المدى البعيد لارتباطها ببعد عقائدي..

من الأمثلة الواضحة على ذلك القراءة السائدة حاليا لآية الزبد:{فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} [الرعد/ 17]  و هي  التي يسميها البعض “نظرية الزبد” وهي قراءة تمرر عقيدة “الداروينية الاجتماعية” بامتداداتها   ذات الجذور العميقة في الفكر الغربي المادي..

و الداروينية الاجتماعية اتجاه فكري يربط بين نظرية داروين في علم الأحياء و العلوم الاجتماعية، داروين نفسه لا علاقة له بها من قريب أو بعيد،لكن هربرت سبنسر (صاحب الفكرة الأساسية ) حاول أن يجد في نظرية داروين دليلا يستند عليه في الربط بين عالم الأحياء و بين القيم الأخلاقية، فكما هو الحال مع الطبيعة التي “تقصي” الكائنات الضعيفة و تقضي عليها لصالح الكائنات الأقوى، فكذلك الأمر مع كل شيء في الحياة الإنسانية: من حق الشعوب و الدول القوية أن تستأثر بالثروات و تستعمر أو تسير الشعوب الضعيفة،و من حق الطبقات الأقوى أن تفعل الشيء ذاته بالطبقات الأدنى..

انتشرت هذه النظرية في عهد صعود الفكرة الاستعمارية والامبريالية كما إنها احتضنت و بقوة من قبل “النخب” في المجتمعين البريطاني و الأمريكي (  صعود و نجاح رجل رأسمالي مثل كارينجي صار حقيقة علمية و أخلاقية كما قال له سبنسر شخصيا!)..كما أن “الداروينية الاجتماعية” ساهمت في دعم نظرية “دعه يعمل،دعه يمر”  laissez fair التي تهدف إلى استقلال الصناعة عن الدولة بإلغاء الضرائب و التعرفة الكمركية، و التي تجد و منذ سبعينات القرن الماضي رواجا مع رواج  اقتصاد السوق المفتوح.. و هذا يعني إن النظرية رغم انحسارها في بعض الجوانب، إلا أنها لا تزال فاعلة في جوانب أخرى، كما أنها صارت جزءا من اللاوعي الجمعي الغربي خاصة بارتباطها بمبدأ البرغماتية..

كيف يرتبط كل ذلك بآية سورة الرعد؟..، كما أسلفنا،  منهج (اعتقد ثم استدل) يفعل ذلك و أكثر..فبعض من تأثر بالفكر المادي و حتمياته التاريخية( لا فرق في ذلك بين شقيه الغربي أو الشرقي) يبحث عن دليل لأسلمة الفكر الذي تأثر به حتى لو كان ذلك بشكل غير متعمد..

مفتاح كل ذلك هو الإيمان بأن كل ما يسود و يظهر هو  بالضرورة أفضل هو  مما سبقه ما دام قد انتصر فعلا، مسألة صلاحيته مرتبطة  بهزيمته و حلول  بديل آخر عنه  بمعزل عن أي ثوابت أخلاقية او عقائدية..بل أن مروجي هذه القراءة يحولونها عمليا إلى عقيدة جبر معاصرة، إذ إنها تروج للاستسلام للوقائع والأحداث والمتغيرات،..إنهم يرون عدم التصدي (و لو بكلمة أو مقالة ) لكل ما يمكن أن يكون مخالفا للعقيدة و ثوابت الشريعة، و لم التصدي أصلا ما دام الزبد سيذهب من تلقاء نفسه كما يزعمون..؟

عقيدة الجبر المعاصرة تتنكر خلف النص القرآني لسورة الرعد، لترسخ فكرة أن كل شيء مخالف للمشروع الإلهي، سيذوب ويختفي ويذهب مع الزبد، أما ما ينفع الناس (أي إنه موافق للمشروع الإلهي) فهو سيمكث في الأرض .. ونحن مطمئنين إلى النتيجتين طبعاً لكن المشكلة في هذه القراءة أنها توحي أن ذلك يحدث “بشكل تلقائي”.. دون تدخل من أحد .. وهذا يرسخ حتماً فكرة “أن لا داعي لعمل أي شيء”، لا داعي حتى للقلق أحياناً، نظرية الزبد كفيلة بكل شيء.. وما علينا سوى أن ننتظر.. حتى لو لم نرَ أي تغيير ضمن حياتنا.. لا بأس.. نظرية الزبد تحتاج بعض الوقت.

* * *

يستوي أمام نظرية الزبد كل أنواع التحديات المخالفة للمشروع الإلهي: الأيدلوجيات والأفكار الحديثة وأنماط الحياة كما الجيوش والقوة العسكرية ونتائجها، كل “الباطل” بالنسبة لهم خاضع لنظرية أنه سيذهب تلقائياً..( أو إنه ليس باطلا ما دام لم يذهب..و هو الأخطر..)

إذا قلنا مثلاً: إن الحروب الظالمة تصبغ وجه العالم، وإن الملايين يشردون كل عام، وأن “الرق الجديد” يضم شعوباً كاملة بدأت تفقد حريتها دون أن تدري ذلك، قالوا: لا داعي للقلق، هذا كله مجرد زبد سيزول بينما يسير التاريخ إلى الأمام، وإذا قلنا لهم: إن الفساد الخلقي بدأ يتسلل ليدمر بنية الأسرة والمجتمع سواء، اعترفنا بذلك أو أنكرناه، وإذا ذكرناهم أن تيارات التجديد الديني المزعوم صارت تستخدم النص الديني من أجل إلغاء النص وقتل مقاصده.. وأن وسائل الإعلام بمخالبها الأخطبوطية صارت تقوم بعملية إعادة تشكيل العقول بحيث تنتج تسطيحاً للعقل وتتفيهاً للفكر وتحويلاً للإنسان إلى” إنسان ذي بعد واحد..”

على الرغم من كل ذلك سيقولون: لا بأس، كل ذلك زبد.. كل ذلك سيزول.. كما يذهب الزبد، لا داعي للقلق، فقط اتركوا السيل يأخذ مجراه.

وكل ما نراه هو أن الزبد يربو أكثر وأكثر، ويتكاثر، مثل دغل شيطاني يمنع نمو أي نبات مثمر.. ويقول أصحابنا، و على وجوههم ابتسامة الواثق من النصر: لا شيء يهم، إنه فقط زبد.

مشكلة هذه الرؤية أنها تعتبر أن “المشروع الإلهي” هو مشروع يقصي الإنسان من الفعل ومن البناء، وأن الأحداث تسير وحدها، دون أن يكون في إمكان الإنسان، المكلف أصلاً بالبناء والاستخلاف، أي شيء سوى مراقبة ما يدور، والتنظير له باعتبار الزبد وذهابه.. إلخ.

والحق أن المشروع الإلهي في أصله قائم على استخلاف الإنسان واستخلاف إرادته الحرة على هذه الأرض، والإنسان الذي سيحترف انتظار أن يذهب الزبد لن يكون جزءاً من هذا المشروع.. بل إنه سيكون برؤيته هذه، وربما بحسن نية، ودون قصد، جزءاً من مشروع آخر، ما دام يعوق التفاعل الإنساني، ويحوله إلى محض انتظار سلبي..

* * *

ولأن هذه الرؤية تتحصن خلف نص قرآني مقدس، نؤمن نحن أن الباطل لا يأتيه من أمامه أو من خلفه، فإننا نؤمن أيضاً أن القراءة الإنسانية للنص المقدس، هي قراءة يمكن أن يأتيها الباطل من مختلف الاتجاهات، وإذا كانت قراءة النص تؤدي إلى اتخاذ موقف السلب والانتظار – مخالفة موقع “الفعل الإنساني” الذي هو أصل التكليف بالاستخلاف – فإنها لا يمكن إلا أن تعتبر “قراءة مجانبة للصواب” كائناً من كان مطلقها ودون الدخول في حسن أو سوء نيته.

إنها قراءة “تبريرية” في أحسن أحوالها.. تبرر العجز والكسل وحالة اللافعل.. تبرر أن الزبد هو الرابي، وهو المهيمن، وهو الذي يكاد يغرقنا ويكسحنا.. وتقول لنا: لا داعي للقلق.. إنه سيذهب جفاء.. بينما يقولون لك ذلك، فإن الآية الكريمة بريئة تماماً من ذلك.. فالآية تقول طبعاً إن الزبد يذهب جفاءً، لكنها لا تقول أبداً: إن ذلك يجب أن يمنعنا من الفعل والعمل بحجة “انتظار” ذهابه، ذلك أن الجزء المتمم للآية الذي لا يمكن أبداً أن نفهم الصورة كاملة إلا به، هو أن ما ينفع الناس يمكث في الأرض، وهذا يعني بوضوح أنه يمكث في باطنها، وأن الناس لن ينتفعوا به إلا إذا استخرجوه منها، أي إذا امتلكوا الوعي والإرادة والفعل اللازم للتدخل.. وهكذا فإن الزبد قد يذهب، بعد أن يكون قد علا، لكن زبداً آخر سيأتي، ويأتي .. ويظل يأتي، ما لم يحدث تدخل يخرج ما ينفع الناس من مكوثه في باطن الأرض.

والذي يحدث الآن أن “الباطل” لم يعلُ فحسب، بل إن هناك تدخلاً واضحاً لاستبقاء الزبد وجعله هو الرابي دائماً وهو المهيمن.. أي إن أهل الحق لا يتدخلون باعتبار أن الزبد يذهب جفاءً، أما أهل الباطل فهم يعملون على إبقائه في القمة.. وهذا يفسر تزايد الزبد و علوه طبعاً..

* * *

أكثر من هذا أن الآية الكريمة نفسها توضح أهمية الفعل الإنساني في إذهاب الزبد وإزالته، فما تشير إليه الآية: {ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله} فلفظة: {مما يوقدون عليه} تشير إلى وجود “فاعل” هو الإنسان الذي سيوقد من أجل تنقية المعادن من الحديد أو النحاس أو الذهب أو الفضة، ابتغاء الحلية أو المتاع كما توضح الآية، وكلها يعلوها “زبد” لن يذهب إلا بالفعل الإنساني الملتحم بالمشروع الإلهي وأوامره.

مفهوم الآية إذن، هو العكس والضد التام مما يرونه فيها، الآية تقول: إن الباطل يعلو (يربو) ولو لفترة من الزمن، ويعني ذلك، أن عليك أن تتصدى لكي تفهم الآخرين أن ليس كل ما يعلو التيار هو صحيح، ذلك أن السيل سيأتي بزبد آخر، وآخر، و آخر، كل ذلك سيكون (رابياً)، كذلك فإن كثيرين سيخدعون به..
أما (الحق) {ما ينفع الناس} فهو يحتاج أيضاً إلى فعل وتدخل، لأنه غالباً ما يكون يحتاج إلى إظهار، في باطن الأرض.. يحتاج إلى استخراج وتنقيب وتمحيص وعمليات تنقية..( علما أن نفس التيار الجبري المعاصر يمتلك مشكلة كبيرة في فهم “النفع” فهو يفهمها بمعناها  البرغماتي الغربي الذي يفهم المنفعة بمعنى فردي و آني، بينما مفهوم النفع القرآني يتجاوز ذلك الى مفهوم الجماعة و على المدى البعيد)

وفي الحالتين، فإن المؤمنين بنظرية الزبد، ممن يقولون:أن لا داعي للقلق، سيجدون أنفسهم وقد جرفهم السيل، قد يعتري بعضهم بعض القلق، لكنهم سيتهامسون أن لا شيء يهم، إنه فقط الزبد.. بينما الآية الكريمة تقول لنا، في الحقيقة، أن نعمل على إذهاب الزبد..كي لا نذهب كزبد..

مشكلة البحث العلمي : بقلم محمد حسين عمرو

بسم الله الرحمن الرحيم

مقالات في مخاطبة العقل

محمد حسين محمد

مشكلة البحث العلميقراءة نقدية

( تجربتي في البحث العلمي )

هل للبحث العلمي مشكلة …؟ ام ان البحث العلمي اصبح عندنا مشكلة بحد ذاته …؟ البحث العلمي في بلادنا يعاني من مشكلة … و انها لمشكلة كبيرة … فما هي مشكلة البحث العلمي في بلاد العرب … ؟ دعونا نناقش هذه الاسئلة بشكل منهجي …

هذا البحث يهدف الى وضع تصور جديد للمشكلة … و يدعونا جميعا للاحساس بمشاكل مجتمعنا … يدعونا جميعا للتفكير … يناقش هذا البحث مشكلة البحث العلمي باسلوب ناقد لتجربة صغيرة عاشها طالب خلال دراسته في كلية الصيدلة في جامعة النجاح الوطنية … و يتكون هذا البحث من ثلاثة اجزاء : اولا يقوم بتعريف البحث العلمي … و بعدها يشخص مشكلته … و اخيرا يحاول محاولة جادة ان يضع حلولا و لكنه يترك المجال مفتوحا للتفكير … فهيا بنا نبدا … و هيا بنا نفكر …

اولا : ماذا نعني بالبحث العلمي ؟

عندنا مشكلة في تعريف مشاكلنا …

التعريفات و المصطلحات توضع عادة للتعبير عن الافكار بصورة مبسطة و سهلة … حيث يختصر فيها منظومة من الافكار و منظومة من العمل … فعندما نقرا مصطلحا او نسمعه فاننا نتصور كل الافكار الموضوعة فيه … و لكن التعريفات و المصطلحات في بلادنا كلمات تقال و تردد دون ان ندرك ما ورائها من افكار و دون ان نحس … التعريفات في بلادنا اصبحت قوانينا معقدة معدة للحفظ دون ان نفهم … لكن فهم المصطلحات و الشعور بها و الاحساس بما تحويه من افكار هو الذي يجعلها جاهزة للترجمة الى عمل لذلك سنعرف البحث العلمي بناء على الاحساس و بعيدا عن التعريفات اللغوية و الاصطلاحية التي داب الطلاب على حفظها كانها نصوص كتبت لتحفظ …

نتساءل هنا و نقول كيف يبدا البحث العلمي يتفاعل في نفس الباحث …؟ لا بد ان يشعر الباحث اولا بوجود مشكلة ما او قضية معينة غير واضحة و يشعر ايضا انها بحاجة الى توضيح … فيتولد عنده دافع الى ايجاد حل لهذه المشكلة و دافع الى ازالة عدم الوضوح … فينطلق باحثا عن الحقيقة وفق منهجية علمية و عقلية مبنية على البرهان ، و بعد العمل المتواصل و العاقل يتوصل الى نتائج علمية مبنية على علم ولا تخضع الى هوى و لا الى تعصب … فمشكلتنا اننا لا نشعر بمشاكل مجتمعنا بل نشعر انه لا دخل لنا … لذلك لا يتولد عندنا اي دافع لاي شيء و لا ننطلق للعمل و لا نتوصل لشيء .

ما هي مشكلة البحث العلمي ؟

ايضا عندنا مشكلة كبيرة في تشخيص مشاكلنا …

يقولون ان مشكلة البحث العلمي في بلادنا سببها عدم وجود دعم مالي حقيقي للابحاث العلمية من قبل الدولة ، و عدم توفر الوسائل و الاجهزة و المختبرات القادرة على القيام بابحاث علمية قوية ، لذلك نكتفي بعمل ابحاث رخيصة ماديا (غير مكلفة ماديا ) و رخيصة علميا ( لا تحظى بقوة في الوسط العلمي غالبا ) فنحن نكتفي بعمل ابحاث مبنية على توزيع استبيانات و على استطلاع الراي …

فالمشكلة كما يقولون في عدم توفر ميزانيات وعدم توفر معدات ، فهل هذا الكلام صحيح …؟

لنفترض ان هذا الكلام صحيح … و لنقفز خطوة استباقية الى الامام ونتساءل ، هل تحل مشكلة البحث العلمي لو اننا وفرنا ميزانية ضخمة للابحاث العلمية في جامعة النجاح و وفرنا كل الاجهزة اللازمة و المتطورة…؟ هل نتوقع ان نرى طلاب الجامعة يهجمون على المختبرات هجمة رجل واحد … ؟ و واننا سوف نرى المختبرات مكتظة بهم …؟ و هل نتوقع ان نراهم يشتغلون على الابحاث كخلية نحل…؟ و انهم لن يتركوا بحثا علميا يعتب عليهم الا و عملوه …؟ هل سيحصل هذا الامر حقا …؟

فنحن كما ندعي ان الطلاب العرب اذكى بكثير من الطلبة في الغرب … و مشكلتهم انه لا يتوفر لهم دعم مادي ، و ليسوا مزودين بالاجهزة … كما يرددون دائما … فهم عندما يهاجرون الى الغرب للتعلم و البحث نراهم يتفوقون على اقرانهم من الطلاب الغربيين … فهذا دليل على اننا اذكى منهم … هل حقا هذا دليل …؟

دعونا نحاكم دليلهم هذا الى منطق البحث العلمي و نتساءل هل هذا التفوق مقصور على الطلاب العرب المسلمين ام هو ينطبق على كل الوافدين من الدول الفقيرة الى اوروبا …؟ فلو ان طالبا هنديا او افريقيا درس في اوروبا لتفوق ايضا … فالاقليات كلها تتفوق كانت يهودية او مسلمة … كانت عربية او هندية … لذلك نستنتج انه لا علاقة للعروبة بهذا التفوق …

لنضع قاعدة جديدة اشمل … لنقل ان ابناء الدول الفقيرة اذكى من ابناء الدول الغنية لانهم عندما يسافرون الى الدول الغنية فانهم يتفوقون… فهل هذه القاعدة الجديدة اصح من القاعدة الاولى …؟ ام ان هذه الظاهرة يجب ان تفهم في اطار علم الاجتماع …؟ و هي ظاهرة الاقليات … ذلك ان الاقيات في اي مجتمع تكون متفوقة على بقية طبقات المجتمع … و دائما تسعى هذه الاقليات الى التفوق لانها تشعر بالنقص … فالدافع للتفوق هنا هو الشعور بالنقص … و الطلاب الغربيين اهتمامهم بالتفوق اقل من الاقليات الوافدة ، لانهم قد اطمانوا الى وضعهم الاجتماعى و وضعهم المالي و وضعهم الاسري و وضعهم القانوني و ارتاحوا ، اما الطلاب العرب فمن دون المكانة العلمية المرموقة فانهم لا يساوون شيئا في المجتمع الغربي … فلا بد لهم ان يتفوقوا ( ليس بخاطرهم لكن غصبا عنهم ) .

لنفصل اكثر …

نرى ان الطلاب الفقراء يتفوقون على الطلاب الاغنياء لشعورهم بنقص مالي يتغلبون عليه بالتفوق العلمي … نرى ايضا الاقليات المسيحية عندنا في فلسطين متفوقة في العلم او فى المهن ، فمثلا اشطر خياط في جنين مسيحي نراه يبدع في مهنته لانه يشعر بنقص في المستوى الاجتماعي … و في تاريخ الحضارة الاسلامية نلاحظ ان العلماء الذين ابدعوا فيها في الغالب لم يكونوا عربا ، و انما معظمهم من اصول اعجمية ، فالاعاجم و الموالي كانت مكانتهم الاجتماعية متدنية ، فيعوضون هذا النقص بالعلم مقارنة بالعرب اصحاب السلطة و النفوذ فالعرب كانت لهم السيادة و المكانة الاجتماعية المرموقة و كانت العلوم و المهن اقل من مستواهم بل هي من مستوى الاعاجم ( اصلا يسمونها مهن من المهانة استهزاء بها و تنقيصا من قيمتها ) … ايضا ابناء العائلات الصغيرة يتفوقون غالبا على ابناء العائلات الكبيرة لانهم يعوضون النقص الاجتماعي بالعلم ، و اضرب مثالا :  عائلة (*****)عائلة صغيرة في جنين و معظم افرادها متعلمون و من حملة الشهادات العليا و من اصحاب المكانة الاجتماعية الممتازة .

و هنا يبرز سؤال مهم هل الشعور بالنقص شيء جيد …؟ هل الشعور بالنقص شيء ايجابي …؟ و هل يمكن ان يكون حلا لمشكلة بحثنا …؟ دعونا نترك مناقشة هذا الامر الى قسم الحلول …

 انا لا اقول هذا الكلام لاسخر من العروبة او الدين على العكس انا اتكلم هذا الكلام لاني حريص على الدين … و من شدة حرصي على الدين … لاني اعرف ان ديننا واضح … شديد الوضوح … مبني على الوضوح … كله وضوح … لا يقبل ان نكون مخادعين لانفسنا … فنحن اصبحنا نردد هذه الشعارات دائما … اننا اذكى من الغرب … نرضي بها انفسنا … و نخدع بها انفسنا … اصبحنا نتخذها وسيلة للتاقلم مع المشكلة … و وسيلة للتعايش مع المرض ….

قبل ان نقفز للامام دعونا نتعامل مع ما هو موجود مع ابحاث الاستبيانات و ابحاث استطلاع الراي … التي لا تحتاج ميزانيات و لا مختبرات فهل تحقق هذه الابحاث هدف البحث العلمي و ترسخ في نفوس الطلاب حبا للبحث … ام ان الطالب يقوم بها بشكل تقليدي و هي ايضا عبئ ثقيل عليه يلقيه عن ظهره باي شكل ولا يلقي له بالا … و لا تغير هذه الابحاث طريقة تفكير الطلاب و لا تضع فيهم توجها نحو البحث العلمي ؟ اذن المشكلة ليست في الميزانيات و لا في الآلات لان ابحاثنا هذه لا تحتاج ميزانيات و لا آلات و مع ذلك الطلاب لا يقومون بها بالشكل الصحيح .

 دعونا نعد الى القفزة التي قفزناها اول مرة … لنتخيل معا مالذي سيحصل …؟ دعونا نسال السؤال مرة اخرى هل ستمتلئ مختبرات الجامعة بالطلاب ان وفرنا ميزانيات و آلات …؟ من الواضح ان ذلك لن يحصل … انا اتخيل ان الصورة ستكون كالتالي :

ستكون المختبرات فارغة ( الا ما رحم ربي ) الا من وجود بعض الاساتذة الذين يدفعهم للبحث حسهم العلمي ، و مكانتهم العلمية ، و احيانا المكافئة المنتظرة من البحث … و ربما وجدنا طالبا او طالبين شذا عن قاعدة مجتمعهم … مجتمعهم اللامبالي … الفاقد للدافعية نحو العمل … و هم لا يقاس عليهم … و لا يقال ان مشكلة البحث العلمي قد حلت بهذه الثلة القليلة … ثلة قليلة من اصحاب اليمين و المجتمع كله من اصحاب الشمال … اذن الصورة شاحبة … و ما زالت شاحبة … و ستبقى شاحبة … ان بقينا نفكر بالطريقة السابقة لانها اصلا طريقة ليست علمية …

جاءوا في جامعتنا ليحلوا مشكلة البحث العلمي باضافة هذا المساق الى الخطط الدراسية في كل الكليات في الجامعة … و يقولون انهم اضافوا هذا المساق لحل مشكلة التعليم التقليدي و الارتقاء بالطلاب الى مستوى البحث … الى مستوى الفهم … و لكن احدا لم يتغير … و لكن احدا لم يتطور … و لكن احدا لم يرتق … اذن المشكلة لم تحل … و حتى انها لم تتحسن … و ربما ازدادت تعقيدا … جاؤوا ليحلوا مشكلة التعليم التقليدي ولكنهم لم يستطيعوا تعريف المشكلة ولم يشخصوها بشكل صحيح لذلك لم يستطيعوا حلها … لم يغيروا شيئا في النفوس… يجب ان نغرس حافزا في نفوس الطلاب للبحث و ننمي هذا الحافز و نفعله … فكيف السبيل الى ايجاد هذا الحافز …؟ حقا كيف…؟

انا لا اريد ان اعادي احدا و لا اريد ان يفهم هذا الكلام على انه اتهام لاحد ( لا سمح الله ) … بل هو صرخة في ضمائرنا … في وعينا… و لا وعينا … في شعورنا … و لا شعورنا … في تفكيرنا … علنا نتغير … هذا الكلام لا يهدف الى انتقاد الاساتذة الافاضل في الجامعة و لا يسخر من قدراتهم … و لا يسخر من الجامعة و لا من سياساتها … و لكنه محاولة للتفكير و محاولة للبناء …

انا اعرف ان الاساتذة سيدافعون عن انفسهم و سيقولون انهم شرحوا المساق بطريقة علمية منهجية متبعة عالميا في الغرب … و لكن هل يكفي ان نتبع طريقة صحيحة … و نستورد طريقة علمية مثبتة للتعليم … و نطبقها على تربة ليست خصبة و ليس عندها استعداد للبحث و ليس عندها استعداد للتغيير … ام اننا يجب ان نحسن التربة اولا و نجعلها مستعدة و متحفزة لقبول فكرة البحث … لقد قاموا باضافة مساق البحث العلمي الى قائمة المساقات التقليدية فازدادت مساقاتنا التقليدية مساقا تقليديا جديدا و تزينت به … اصبح الطلاب يتعاطون مع البحث العلمي بطريقة تقليدية فاختل تعريف البحث العلمي لديهم و اصبح فهمه خاطئا و تكونت فكرة خاطئة لديهم عن البحث و كيفية البحث فاصبح البحث العلمي مشكلة بحد ذاته … لكن كيف اصبح البحث العلمي مشكلة بحد ذاته …؟ كان الطلاب قبل مساق البحث يحسنون نقل المعلومات من الانترنت دون قراءتها ( copy and paste ) فاصبحوا يتقنون هذه العملية و يجيدونها بشكل اسرع بعد مساق البحث العلمي … جميل!!

اذن المشكلة ليست في الميزانيات و لا في الآلات … المشكلة فينا … فينا جميعا … حتى المساقات العملية و المختبرات التي تدرس في جامعتنا يحضرها الطلاب وهم لها كارهون … يلعبون … و يتسلون … و لا يدركون لها قيمة … الا يوحي ذلك ان المشكلة مو جودة فينا في نفوسنا و ليست في المختبرات … المختبرات مجهزة و جاهزة ولكن نفوس الطلاب ليست جاهزة …

اضرب هنا مثالا للتقريب … لنتفترض ان بلدية في احدى المدن الفلسطينية لاحظت ان شوارع المدينة متسخة و مليئة بالنفايات … و ان سكان المدينة لا يهتمون بنظافة مدينتهم … فرات انه من المناسب ان تزيد عدد حاويات المهملات … فاضافت حاويات جديدة و متطورة على احدث طراز ( حاويات تضاهي بجودتها تلك الحاويات في الدول المتقدمة ) و انزلت الى شوارع المدينة 500 حاوية اضافية ، فهل نتوقع ان مشكلة النفايات ستحل و ستصبح الشوارع نظيفة …؟ و ان الناس سيهجمون الى الحاويات هجمة رجل واحد و لن يتركوا اية نفايات في الطرقات… لان الذي كان ينقصهم هذه الحاويات المتطورة … فهم لا يحبون الحاويات القديمة على الطراز القديم … ام ان المشكلة اكبر من ذلك …

الحقيقة ان المشكلة في نفوسنا … المشكلة فينا … في داخلنا … بحاجة الى علاج …

لنقترح حلا آخر لمشكلة النفايات … و نقول ان المشكلة يمكن ان تحل بان تضع البلدية قوانينا عسكرية … و ان تزيد عدد افراد الشرطة الذين يحملون عصيا و اي شخص يلقي نفايات على الارض فان الشرطي سيكون له بالمرصاد … و عصا الشرطي ستكون ايضا له بالمرصاد… ستنزل على راس ذلك المخالف للقانون … هل هذا حل …؟ ام ان الحل لا يكون بالاكراه و الجبر و التهديد …. اليس من الانسب ان يشعر الشخص الذي يلقي النفايات على الشارع انه يقلل من قيمته … ؟ و انه يصغر في نفسه و كانه يقول للناس انا شخص تافه … انا شخص صغير … اليس من الاحسن ان يشعر هذا الشخص بالاعتزاز بنفسه عندما يلقي هذه النفايات في الحاويات …؟

اذن هناك مشكلة … وهناك خطا في تشخيص هذه المشكلة …

لكن ما الحل ؟

هذا السؤال بحد ذاته يعبر عن (عقلنا العربي المستقيل ) حسب تعبير الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه سلسلة نقد العقل العربي ، فعقلنا العربي يريد حلولا جاهزة … و ينتظر غيره يحل له مشاكله و لا يريد ان يتعب نفسه و يفكر … في العادة الحلول التي نضعها تكون خاطئة و العلاجات لا تكون صحيحة لانها غالبا ما تكون مبنية على تعريف خاطئ و تشخيص خاطئ و ما بني على خطا فهو خطا .

لكن لنقترح حلولا و نجعلها خاضعة الى مزيد من النقاش و مزيد من التفكير …

كما راينا سابقا ان المشكلة ليست بالميزانيات ولا في الآلات المشكلة في النفوس التي ليس عندها دافعية للبحث هذه الدافعية هي التي توجد آلات و ميزانيات و تفعل كل امكانات المجتمع و لا يكون الحل بشراء آلات و مزيد من الآلات لنكومها و نكدسها ثم لا نجد من يستغل هذه الآلات استغلالا صحيحا و لا نجد من يفعلها … فالسؤال الاساسي هنا هو كيف نوجد هذا الدافع في نفوسنا …؟

هناك مشكلة في كوننا لا نثق بقدرة انفسنا على ايجاد حلول … و اعتدنا دائما ان نلقى هذه المشاكل على شيء نسميه ( النخبة ) لتفكر بدلا منا و تريحنا من التفكير و لتعطينا حلولا جاهزة … لا ادرى ما هذا الشيء الذي نسميه ( النخبة ) اهو شيء وهمي نلقي عليه مشاكلنا و نرتاح … ام هو شخص خيالي يخلصنا من مشاكلنا و بعدها نكلفه بحلها …

هل الحل يكمن في وضع سياسات عقابية و ان الطالب الذي لا يبحث فانه سوف يعاقب و سوف يقل رصيده من العلامات في المساق فيخاف الطالب و يولد الخوف دافعية عنده للبحث … هل صحيح ان الخوف ينتج باحثا و يبني مبدعا و يؤسس عالما هل هذا صحيح …؟ ام ان الخوف يربي نفوس الطلاب على الذل و يرسخ فيهم انهم اشخاص صغار لا يكبرون ولا ينتجون ولا يبني لهم نفوسا قوية قادرة على الادارة و البحث … الخوف يجعل من الانسان شخصا تابعا مقلدا … و المقلد لا ياتي بجديد و لا يبتكر … اذن سياسة العصا ليست حلا … يجب على المدرسين و المربين ان يشعروا طلابهم و ابناءهم انهم كبار و بوسعهم ان يفعلوا اي شيء ان عملوا و فكروا و خططوا …

هل الحافز المادي يحل المشكلة …؟ الحافز المادي و المكافئة المالية يمكن ان يكون لها دور … لكن المكافئة المالية تشجع دافعا موجودا في نفوسنا و تعززه … و لا توجد دافعا من الصفر … اذن المشكلة لا تحل بالمال مع اننا لا ننكر ان المال يمكن ان يكون عاملا مساعدا ثانويا … لكنه لا يكون حلا باية حال …

هل من الممكن ان تكون المشكلة في ان الطلاب لا يشعرون بان الابحاث التي يقومون بها ان لها جدوى و لا يشعرون انها ذات فائدة و لا تستحق ان يتعبوا من اجلها او ان يضيعوا اوقاتهم فيها …

اذن يجب ان يشعر الطلاب بجدوى الاعمال التي يقومون بها لكن كيف …؟

ربما الذي يولد دافعا في النفس ويجعلها تشعر بجدوى ما تقوم به هو ان يكون في النفس شغف للبحث … وللمضي قدما … للتوصل الى شيء جديد … الى اكتشاف علمي جديد … شعور انه لا بد ان تمر على هذه الحياة و تخرج منها و قد حققت انجازا عظيما يشار اليه … و يحكى عنه … بان تترك دويا في الدنيا لا مثيل له …

شعور بمشاكل المجتمع … شعور انه لا بد ان ننهض بمجتمعنا … شعور انه لا بد ان نتغير … لا بد ان نتطور … لا بد ان نتغير لنشعر بالعزة … و نشعر بالقوة … شعور يجعلنا نصرخ … يكفينا ذلا … يكفينا تخلفا … يكفينا ضعفا… شعور يجعلنا نقبل على العلم بنهم و حب … شعور يجعلنا ندرك قيمة العلم … لاننا ببساطة لا ندرك قيمة العلم و لا ندرك قيمة الصناعة … يجب ان ندرك ان الحضارة في زماننا هذا لا تنطلق الا من المصنع و تقوم على الصناعة و لن تقوم لنا حضارة من دون صناعة نبنيها بايدينا …

في الحقيقة ان النقص و الشعور بالنقص يمكن ان يولد ردة فعل في اتجاهين … اما باتجاه اليمين فيولد دافعا للعمل و التفكير لتعويض هذا النقص و التغلب عليه و تطوير النفس و النهضة بها … و اما ان تكون ردة الفعل باتجاه الشمال بان يولد هذا النقص كبرياء مزعوما و فارغا و مكابرة تجعل الشخص يتوقف عن العمل و يخدع نفسه و يدعي الكمال و انه احسن من الجميع فيجعل نفسه بخداعه هذا تتاقلم مع النقص فلا يتقدم و لا يتطور … و لسوء حظنا اننا من اصحاب الشمال كلنا من اصحاب الشمال … فالحل يكون في ان نتوقف عن خداع انفسنا و ان نصارح انفسنا بالحقيقة المرة … نعم بالحقيقة المرة باننا اناس ناقصون و مخادعون … و لكننا اناس مخيرون الله اعطانا عقلا و هدانا الى كلا النجدين … فايهما نختار …؟

لكي ننجح في امتحان الدنيا و لكي ننهض و نتطور لا بد ان نكون من اصحاب اليمين … تعالوا بنا نكن من اصحاب اليمين …

منطق المؤامرة أم منطق التخطيط : د.وائل ميرزا

منطق المؤامرة ومنطق التخطيط

وائل مرزا
لا تكاد تمر أزمةٌ من الأزمات المتلاحقة التي تحلُّ بالعرب والمسلمين في مختلف بقاع الأرض إلا ويظهر منطقٌ في تفسير تلك الأزمة يؤكد على أن ما يجري إنما هو “مؤامرة”، سواء كان ذلك مُتعلقاً بأسباب الأزمة أو وقائعها أو نتائجها العملية . وربما يختلف حجم القناعة بذلك المنطق والإصرار عليه من موقعٍ لآخر ومن جهةٍ لأخرى ، لكن المؤكد أن هذا المنطق لا يزال يتحكّمُ في طريقة تفكير شرائح واسعة من العرب والمسلمين في قضاياهم ، خاصةً حين يتعلق الأمر بالقضايا السياسية التي تمس وجودهم في هذه البقعة أو تلك من العالم.

والمشكلة في هذه العقلية لا تكمن بطبيعة الحال في ما يمكن أن ندعوه الاجتهاد الخاطىء في تفسير الأحداث والتاريخ ، وإنما هو أعمق من ذلك بكثير لأنه يمثل خطأً في منهجية وطريقة التفكير والتحليل من الأساس ، على عكس الاجتهاد الخاطىء الذي ينبني على منهجية تفكيرٍ سليمة ولكنه يُنتجُ الخطأ بسبب نقصٍ في المعلومات أو غير ذلك من العوامل . والخطأ في منهجية التفكير أمرٌ بالغ الخطورة لأنه يضع الأفراد والجماعات على (السِّكة) الخطأ منذ اللحظة الأولى ، بحيث لا يعود هناك بعدها مجالٌ للتصحيح و التصويب ، وبحيث يصبح هذا الخطأ الأساسي الخطوة الأولى في سلسلةٍ متتاليةٍ من الأخطاء على صعيد اتخاذ المواقف والقرارات وغيرها من ردود الأفعال النظرية والعملية .

ولكن .. هل يعني هذا الرفض لاستعمال منطق (المؤامرة) في تفسير الأحداث والقضايا أن نقع بالمقابل في فخ السذاجة الفكرية والطفولة السياسية التي تفترض أن تلك القضايا تقعُ وأن أحداثها تتالى بِمَحضِ العفوية الكاملة دون أن يكون وراءها تخطيطٌ وتدبير؟ لا بالتأكيد.. فمنطق (المقابَلَة) و (المتعاكسات) و (الثنائيات) هو بحدّ ذاته خطأٌ آخر بل وشكلٌ آخر من أشكال الإصابة الفكرية التي يتخبط فيها أحياناً العقل العربي والمسلم في هذا العصر ، وهذا منطقٌ لا يرى إلا وجهين لكل قضيةٍ ومسألة ، فإذا نفيتَ له أحد الوجهين قفز إلى استنتاجٍ مؤكدٍ بأنك بالضرورة تُثبتُ الوجه الآخر وتؤكدهُ وتوافقُ عليه .

و مفرق الطريق للخروج من هذه الإشكالية إنما يتمثل في تحرير الفرق بين معنى (المؤامرة) بالشكل والتعريف الذي يُصاحبُ استخدام المصطلح عند العقل العربي والمسلم خاصةً ، وبين مسألة التخطيط والتدبير كما يمكن فهمها وتعريفها بناءً على الرؤية الموضوعية لهذه المسألة .

أما منطق المؤامرة فإن من الممكن رؤية تجلياته في الواقع العربي بطريقتين أو على مستويين .

فعلى المستوى الأول ينظر المرء إلى الأحداث الكبرى التي تقع من حوله فلا يجد تفسيراً لها إلا أن وراءها مجموعةً من العوامل التي تتفاعل و تُحرِّكُ الأحداث بأشكالٍ عجيبةٍ و طُرُقٍ مُعجزةٍ تستعصي على الفهم والإدراك . وبتحليل مثل هذه الرؤية ، نجد في خلفيّتها أشخاصاً يتحركون في الظلام كالأشباح ، ونجد جهاتً خفيّةً مجهولةً تمسك بالخيوط وتحركها مباشرةً من وراء السُتُرِ الكثيفة لتصل إلى غاياتٍ لا فكاك ولا مهرب منها وكأنها قدرٌ من الأقدار . من هنا تأتي مصطلحاتٌ وتعابير من مثل (المخططات الجهنمية) وما إليها .. لتَختصر وتَختزل المعاني السابقة وتُعبّر عنها في لفظٍ أو لفظين ، بحيث يصبح من السهل استدعاءُ تلك المصطلحات مع أي حدثٍ جديد من الذاكرة الثقافية واللغوية واستعمالها في أي وضعٍ تنطبق عليه الرؤية السابقة . الأمر الذي لا يترك أي فرصةٍ لمحاولة التفكير في الحدث الجديد بُغية تحليله بشكل منهجي و موضوعي .

أما على المستوى الثاني ، فإن تفسير الحدث المُعقّد يصبح مُنصَباً على عاملٍ واحد مُحدّد عنده قدرةٌ هائلةٌ على التأثير في كل شيء و بالتالي على تفسير كل شيء . ويمكن أن يكون هذا العامل شخصاً (مثل زعيمٍ أو قائد معين) أو جهة (مثل أمريكا أو السي آي إيه) أو معنىً عاماً مجرداً (مثل الاستعمار أو الصليبية العالمية أو حتى الرأسمالية العالمية) . وبنفس الطريقة، تتواجد في خلفية هذه الصورة قوةٌ جبارةٌ مخيفة تُحركُ الأحداث وتتحكم في الأمور وتُسيّرُ مصائر البلاد والعباد دونما قدرةٍ منهم على الرفض أو المقاومة . ولكن الفرق بين هذه الصورة والصورة السابقة أن القوة المسيطرة هنا مُحدّدةٌ معروفة إلى حدٍ ما ، وليست متمثلةً في مجموعةٍ من العوامل المجهولة الخفية .

وفي كلتا الحالتين يتضح لنا أن استخدام منطق (المؤامرة) ليس منبثقاً من فراغ ، وإنما يأتي من حاجةٍ إنسانيةٍ غريزيةٍ لتفسير كل شيءٍ يجري من حوله في هذه الحياة . وفي هذه الحالة بالذات يشعر ذلك الإنسان بالحاجة إلى اللجوء لاستخدام هذا المنطق لأنه ينطلق من خلفية إنسانٍ عاجزٍ عن الفعل تماماً.. إنسانٍ يشعر في أعماقه أن تلك الأحداث خارجةٌ كُلياً عن إطار سيطرته وقدراته .. فإذا أضفنا إلى هذه المشاعر إشكاليتي التعتيم والتزييف اللتين تُحاصران العقل العربي والمسلم فيما يتعلق بمسألة المعلومات، خاصةً منها ما يتعلق بدقائق السياسة ودهاليزها، وأضفنا كذلك ضعف – وأحياناً انعدام – قدرة ذلك العقل على ممارسة عملية التركيب والتحليل الحساسة لما لديه من معلومات للوصول إلى رؤيةٍ أقرب للصواب لما يجري من حوله في هذا العالم.. فإن من الممكن لنا حينذاك رؤية عناصر المزيج الثقافي والنفسي الذي تنتج عنه العقلية التي تعتمد على منطق المؤامرة في تفسيرها للأحداث .

وإضافةً إلى هذا ، فإن من الممكن لنا أن نلمح الدور الذي تلعبه مسألة تجاوز أهل التخصص والعلم في مختلف المجالات لفهم هذه المشكلة . فعندما يحاول الإنسان تحليل وفهم كل أمرٍ من الأمور من منطلق تجاربه الشخصية ومعرفته المُحددة ، وعندما تعجز عدّتهُ الذهنية والعلمية عن تقديم الجواب ، فإنه يستسهل اللجوء إلى تفسير القضية بمنطق (المؤامرة) . في حين أن تعاليم القرآن على سبيل المثال تعلم العرب والمسلمين أن اللجوء إلى أهل الاستنباط هو الواجب في مثل هذه القضايا عبر آيات عديدة منها الآية الكريمة التالية {فاسأل به خبيرا} . إن العلم بالأسباب الكامنة وراء أمرٍ من الأمور يُمكِّنُ الإنسان من الصبر على مقتضياته ، بينما الجهل يدفع إلى الظن والتخمين ، وبالتالي إلى الثورة العارمة أو الاستسلام الكامل . ولذلك قال “الخضر” للنبي “موسى” عليه السلام {إنك لن تستطيع معي صبرا} وفسَّر ذلك بقوله “وكيف تصبر على ما لم تُحِط به خبرا”..

والأمر الذي لا شك فيه أن منطق المؤامرة هذا ليس حصراً على العقل العربي والمسلم ، فمن طرائف الأمور أننا وجدنا وسمعنا في قنوات المذياع والتلفزة الأمريكية منذ سنوات ، وخلال عمليات حلف “الناتو” في “صربيا” كثيراً من الصرب الأمريكان ينطلقون في رؤيتهم وتحليلهم للأحداث من عُمق منطق المؤامرة حين كانوا يؤكدون بكل قناعةٍ وإصرار أن من أهداف أمريكا إعادة الامبراطورية العثمانية إلى غابر مجدها في أوروبا !! رغم ذلك ، فإن ما نريد التركيز عليه هو أن شيوع استخدام منطق المؤامرة بين العرب والمسلمين بشكلٍ عام، بلغ درجةً مَرَضيَّةً أصبح يُشكّل معها عائقاً أساسياً أمام إمكانية فهمٍ صحيٍ سليمٍ للعالم وتعاملٍ فعالٍ معه .

وفي مقابل منطق (المؤامرة) ، بل وكَرَدِّ فعلٍ على المبالغة في استخدامه ، يمكن أن يقع البعض من العرب والمسلمين في إشكالية التبسيط البالغ ، إلى درجة إلغاء كثيرٍ مما يقع من التخطيط والتدبير اللذين يُحركان الأحداث في اتجاهاتٍ معينة ، ويؤثران إلى درجةٍ كبيرةٍ في صياغة الواقع . والحقيقة أن رفض منطق المؤامرة بهذا الشكل المُتطرف يمكن أن يؤثر سلبياً في فهم أمتنا للعالم وفي قدرتها على التعامل معه ، بنفس الدرجة التي يمكن أن تنتج عن الاعتماد الكامل على منطق المؤامرة لفهم العالم وأحداثه . بينما يمكن للرؤية المتوازنة الوسطية أن تعطينا القدرة النفسية والعملية المطلوبة لرؤيةٍ أكثر صواباً للواقع ، وبالتالي لفعلٍ بشريٍ إراديٍ فعّال ومؤثِّر .

فالتخطيط أمرٌ ما برحت المجموعات البشرية تمارسه منذ أزلٍ بعيد . والفارق أن قدرة الإنسان وطاقاته الفكرية والعملية في هذا العصر بلغت مبلغاً يُمكِّنُهُ من ممارسة هذا الأمر بأشكالٍ وعبر معطيات لم تكن تخطر على بال أجداده في العصور السابقة . والواضح أن التخطيط ممارسةٌ ذهنيةٌ وعلميةٌ معقدة ، وأنها أصبحت علماً قائماً له أصوله وقواعده ومقدماته ، وأن إطلاق كلمة التخطيط على أمرٍ معين لا يعني بالضرورة أن يستحق ذلك الأمر صفة التخطيط ، فالكلمة يمكن أن تكون في كثيرٍ من الأحيان مجرد كلمةٍ بلا مضمون . ومن أمثلة ذلك أن ترى (تخطيطاً) في كثيرٍ من البلاد تقوم به الحكومات وتُقامُ له الوزارات ، و لا تكون نتيجته الوصول إلى الأهداف في أحسن الأحوال ، هذا إن لم تكن النتيجة خراب البلاد وضياع العباد .. بل ربما كان هذا العامل نفسه هو ما أَفقدَ كلمة (التخطيط) معناها عند العقل العربي والمسلم ، حتى بات عاجزاً عن رؤية ما يمكن للتخطيط أن يفعله في حياة الناس على جميع المستويات ، وبات – بالتالي – عاجزاً عن رد الأحداث إلى ذلك المعنى الخطير ، ليكون خياره الوحيد المتبقي متمثلاً في اللجوء إلى منطق المؤامرة .

والأمر الآخر الذي يجب إيضاحه أن التخطيط قد يهدف إلى تحقيق أهدافٍ شريرةٍ وخسيسة، كما أنه قد يهدف إلى تحقيق أهدافٍ خيّرةٍ وصالحة . أو قد تكون الأهداف التي يُرادُ الوصول إليها بالتخطيط ضروريةً ومفيدةً لطرفٍ ما ، بينما تكون – في الوقت نفسه – ضرراً و وبالاً على طرفٍ آخر . وكذلك يمكن أن تكون للتخطيط أهدافٌ قصيرة المدى (ربما تنتج عنها نتائج سيئة) وأهدافٌ بعيدة المدى (تنتج عنها النتائج الجيدة المُنتظرة) ، والعكس صحيح . من هنا نجد أن مسألة التخطيط – بذاتها – ليست صفةً محايدةً كلياً ، وإنما هي مُجردُ أداةٍ تتحكم في أهدافها وفي غاياتها المنطلقات العقَديّةُ والفلسفية الأساسية لمن يستخدمها في جميع الأحوال .

وإضافةً إلى هذا ، فإن عملية التخطيط يمكن أن تُمارس في السر كما يمكن أن تُمارس في العلن ، وفي كثيرٍ من الأحيان فإنها تُمارس على المستويين . غير أن من ملامح هذا العصر أن حجم السرية ما انفكَّ يتناقص – لمن يعيش عصره حقاً – مع ثورة المعلومات والاتصالات الانفجارية المعاصرة ، بحيث باتت أهدافُ كثيرٍ من الجهات – خاصةً على الصعيدين السياسي والاقتصادي – معروفةً ، وصارت الإمكانات التي تقع تحت سيطرتهم مادياً ومعنوياً معلومةً ، بل وأصبحت نماذج الطرائق و (السيناريوهات) التي تُستخدم للوصول إلى الأهداف معروضةً وموثّقةً في الكتب والندوات والدورات العلمية .. ولم يبقَ في طيّ الكتمان إلا بعض الأمور التنفيذية والمداخلات الشخصية التي لا تمنع من يَفهمُ عصرهُ من استقراء ملامحها الأساسية ، ومن تحضير الأساليب والوسائل ورسم البدائل الممكنة للتعامل معها إذا كانت تمسُّ وجودَهُ وحاضرهُ ومستقبله ..

إلا أن من الطبيعي أن تظهر آثار التخطيط ونتائجه أضخم بكثيرٍ من حقيقتها وتأخذ صفتها الإعجازية حين يكون الطرف المقابل غائباً – إلى حدٍ بعيد – عن فهم عقيدته وفلسفته في الحياة من جانب ، وعن فهم العالم والعصر من جانب آخر . وقد اشتكت العرب قديماً فقالت “إن البغاث بأرضنا يستنسر” وأوضحت بأنه “استأسد الحمل لما استنوق الجمل” ! للدلالة على أن استصغار الإنسان لنفسه إنما هو الخطوة الأولى في طريق خوفه من الآخرين ورؤيته لهم أكبر وأقوى بكثير مما هم عليه في الحقيقة . ثم جاء القرآن الكريم ليوضح الخلفية النفسية من وراء العلاقة بين الاستكبار والاستصغار فوصف فرعون بقوله {فاستخفَّ قومهُ فأطاعوه} ، ليكون هذا معلماً من معالم حركة الإنسان الواعي على هذه الأرض يتمثل في أن رفض الاستخفاف والاستصغار هو المقدمة العملية ليعود الأعداء أو الكائدون إلى أحجامهم الحقيقية . ومعلومٌ أن رفض الاستخفاف والاستكبار ليست كلمةً تُقال ، وإنما هي ممارسةٌ عمليةٌ تبدأ وتنتهي بامتلاك الزاد المطلوب من عدة الإيمان والعلم والوعي والعمل .

وغنيٌ عن القول أن التخطيط يشمل فعاليات الحياة الإنسانية المختلفة ، فهو موجودٌ ومُلاحظٌ على الصعيد الاقتصادي كما على الصعيد السياسي والصعيد الاجتماعي .. والأمثلة في هذه المجالات أكثر من أن تُعدَّ وتُحصى . ففي مجال الاقتصاد والأعمال تخطط الشركات الكبرى لاقتحام أسواقٍ معينة عبر مخططات طويلة الأمد ، كما اقتحمت شركات السيارات اليابانية السوق الأمريكية منذ عقود ، وذلك عبر تخطيط يعتمد على دراسة شخصية الأمريكي الذي يرغب في استخدام سياراتٍ فارهةٍ ولكنها تكلف من الوقود أقل ما يمكن ، أو كما اقتحمت شركة الكمبيوتر العملاقة “مايكروسوفت” مجال تنسيق الخطوط العربية عبر مخططٍ تدريجي أدى تقريباً إلى انهيار الشركات العربية العاملة في هذا المجال أو انسحابها منه ، أو كما خططت بكل جدية ودأب “شركة التلغراف والهاتف الأمريكية / AT & T” لاقتحام أسواق الشرقين الأوسط والأقصى بناءً على دراسةٍ أظهرت أن مجال الاتصالات في العالم يسير باتجاه إلى أن تتحكم فيه في المستقبل مجموعةٌ محدودةٌ من الشركات . والأمر الذي ينبغي التفكير فيه لا ينحصر في ضرورة معرفة طرائق تلك الاقتحامات والاختراقات ، وإنما يتجاوز ذلك إلى التأمل في الآثار الحضارية و الثقافية والاقتصادية والسياسية التي نجمت وستنجمُ عنها في المستقبل ، والتي يمكن أن تترتب عليها اختراقاتٌ جديدة .. ربما يعود العقل العربي والمسلم إلى ردِّها مرةً أخرى آنذاك إلى وجود (مؤامرة) ..ناسياً الأسباب المنطقية التي أدت إليها في المراحل السابقة .

وبنفس الطريقة ، يمكن أن نفكر في التخطيط السياسي للغرب بشكل عام ، وللولايات المتحدة بشكلٍ خاص . فأهداف السياسة مُعلنةٌ ومطروحةٌ كما ذكرنا ، تُدرَّسُ في الجامعات ، وتُشرحُ في الكتب والمراجع ، وتُناقشُ في الندوات والمؤتمرات وفي وسائل الإعلام . والملاحقة المنهجية لهذه الأمور تُمكِّن المُتابع لها أن يفهم بشكلٍ معقول ما يتعلق بالسياسة الأمريكية في العالم و أن يرسم إطاراً عاماً يفهم ويستقرأ من خلاله الوقائع والأحداث التي تجري عملياً على أرض الواقع ، وأحياناً حتى قبل أن تقع ، دون الحاجة إلى اللجوء إلى منطق المؤامرة السالف ذكره في فهم الأحداث .

وباختصار ، فإن ما نريد الإشارة إليه في هذا المقال هو ضرورة الانتقال في فهمنا للأحداث من استعمال منطق المؤامرة إلى استعمال العقل والعلم و المنهجية بغية البحث عن العلل والأسباب المنطقية الكامنة وراء تلك الأحداث .

وكما أشرنا سابقاً ، فإن إشكالية فهم الظواهر والأحداث وفقاً لذلك المنطق ليس مُشكلاً بحد ذاته فقط ، وإنما هناك إشكالياتٌ أخرى تنبع عنه على مستوى الفعل ، ربما تكون أكثر خطورةً في التأثير على مصائر الشعوب . ويتضح هذا أكثر ما يتضح حين يقوم منطق المؤامرة بإعطاء زخمٍ هائل لمشاعر العجز والاستسلام ، باعتبار أن القوى التي تحركُ الأحداث أكبرُ بكثير وأقوى بمراحل من مجرد التفكير بكيفية التعامل معها ومواجهتها مواجهة الند للند . بحيث تُدخِلُ العقلية التي تستخدم منطق المؤامرة أصحابها في حلقةٍ مفرغةٍ خائبة ، لأنها تَصدرُ – من ناحيةٍ – من واقع العجز والكسل والارتخاء والرضى بالدونية، ثم إنها تُنتجُ – من ناحيةٍ أخرى – مشاعرَ سلبية في قلب الإنسان وعقله من الخذلان إلى الخوف إلى اليأس ، تؤكد وتُرسِّخُ واقع العجز والكسل والارتخاء ذاك ، وتوحي للكثيرين على مستوى الشعوب والأنظمة أن ما يجري قدرٌ لا مفرّ من الرضوخ له بشكلٍ كامل .

وتلك هي المشاعر التي إذا ما سادت فإنها لن تسمح للمسلمين والعرب برؤية طريقٍ منطقيٍ ممكن لتفسير الأحداث ، ثم للتعامل معها بشكلٍ إيجابي يُوقف مُتتاليةَ الاستسلام والتراجع والانكسار ، ويعود في النهاية بالخير عليهم وعلى البشرية جمعاء .

وائل مرزا

مسلم مهزوم أمام كأس العالم

مسلم مهزوم أمام كأس العالم
             د.أحمد خيري العمري          


لم أحب كرة القدم يوماً، لكني لم أكرهها كما أفعل اليوم.. وكما أفعل على الأقل منذ أربع سنوات..
أدرك تماماً حساسية الخوض في هواية شعبية محببة للناس.. ولكن هذا بالذات ما يدفعني للخوض فيها: لقد صارت كرة القدم (أو صار هذا الهوس فيها تحديداً)، جزءاً من بديهيات الحياة المعاصرة، بل أضحت من المحرمات التي لا يجوز نقدها أو الاقتراب من أسوارها إلا عبر المخاطرة بسماع ما لا يُحمد من عقباه من التعليقات والانتقادات..
وأنا هنا لا أتحدث عن تحريم أو تحليل أو شيء من هذا القبيل، لا لأن الموضوع ليس من اختصاصي فحسب، ولكن لقناعتي أن الاستعانة بالفقه التقليدي في قضية من هذا النوع بمفهوم الحلال أو الحرام أو ما بينهما قد لا تكون مجدية جداً في هذا السياق.. ذلك لأن أغلب “المحرّمين” للأمر يرونه “تشبهاً بالكفار” (بالإضافة إلى ركبة لاعبي الكرة!) وأغلب “المحللين ” يرونه مرتبطاً بهواية رياضية لا ضير من متابعتها ما لم تؤخِّر عن أداء الفرائض والواجبات الدينية!
أرى الأمر لا يخلو من حسن للظن مبالغ به في حالتي التحليل والتحريم على حد سواء.. على ما قد يبدو في ذلك من تناقض.. فمن يحرم المتابعة لا يرى غير بضعة سنتمترات فوق الركبة أو تشبه منهي عنه.. ومن يحلل المتابعة والتشجيع لا يرى أكثر من رياضة ممتعة تحافظ على اللياقة في أجواء من التنافس المهني..
لكن هذا كله لا يمكن أن يصمد عندما يرى المرء أجواء الهوس المصاحبة لتشجيع الفرق المتنافسة على كأس العالم.. الأمر حتما تجاوز التشبه الذي يمكن فهمه أو تفهمه وفهم النهي عنه أيضا.. وهو لم يعد هوساً فردياً يمكن تهميشه .. بل صار ظاهرة جماعية تستحق الدراسة و الفهم..
ما معنى أن يرفع أي شخص علماً غير علم بلاده فوق منزله أو على سيارته أو على صدره.. ما معنى أن يجعل من شارة تلك الدولة هوية معرفة له في بريده الشخصي أو على المرسال أو في الفيس بوك أو أي وسيلة اتصال أخرى..؟.. وما معنى أن تتصدر أخبار هذه المباريات اليومية وتفصيلات تفصيلاتها قائمة اهتماماته الشخصية وتعليقاته ونقاشاته ( بل وشجاره وسبابه أحيانا كما شاهدت بعيني).. ويحدث ذلك كله أحياناً والمشجع المتحمس لم يزر الدولة التي يشجع فريقها ولا يعرف كلمة واحدة من لغتها ولم يتعرف على أي شخص يحمل جنسيتها.. ولكنه رغم ذلك يتعصب في التشجيع و يغالي في الانحياز ويعرّف عن نفسه من خلال ذلك..
قد يمكن فهم الهوس جزئياً عندما يكون فريق دولتك مشاركا في المباريات.. لكن كيف يمكن تفسيره عندما يكون وطنك خارج أي تنافس.. ناهيك عن كونه مليئاً بمشاكل لا تحتمل أولوياتها ترف متابعة مباريات الآخرين ومنافستهم ( أم إن الأمر مرتبط بأكثر مما يبدو وتشجيعك لفريق أجنبي وحماسك له هو جزء من عملية هروب جماعي من مواجهة مشاكل مجتمعك وواقعك؟..)
التيار الفرويدي في علم النفس يفسر الهوس بالرياضة بكونه تنفيساً عن “الطاقة التخريبية” التي يمتلكها الإنسان (الرجال خصوصاً حسب قولهم).. الصراخ والغضب والحماس المصاحب لعمليات التشجيع – والشجار والتحطيم لاحقا أحياناً- ينفّس عن هذه الطاقة التي كانت ستنتج المزيد من العنف لولا أنها صرفت في هذا المجال..
تيار أساسي آخر في علم النفس يفسر هذا الهوس بكونه تعبيراً عن حاجة عميقة و فطرية للانتماء إلى شيء ما، إلى رابطة مع الآخرين، رابطة تجمع الجماهير وتثير حماسها و فخرها وتُجري الدم والأدرينالين في عروقها وترفع الصوت في حناجرها..
هذه الحاجة الشعبية إلى الانتماء يمكن أن توظف في عدة اتجاهات، المنطقي هو أن تتجه نحو ما يخدم هذه الجماهير، ما يجعل حياتها أفضل أو يعبر على الأقل عن قيمها وتطلعاتها… أما أن تُستقطَب لتشجيع فريق كرة لا يمتّ لاعبوه بصلة لها، فهذا لا يعني سوى أن الطاقة الكامنة للتغيير عند هذه الجماهير تُصرَف في غير سياقها ( وهو أمر تُسَرُّ له مؤسسات الوضع القائم – الداخلي و الخارجي- بكل الأحوال)..
هل يحدث هذا كجزء من خطة مسبقة للإيقاع بهذه الغريزة، وتسويقها من أجل استمرار الوضع القائم، و لجر المزيد من الأرباح لصالح الشركات الاحتكارية، أم إنه يحدث بشكل عفوي وتلقائي كجزء من رغبة الناس في التسلية وتأثرها بثقافة اللهو والتسلية بشكل عام؟!!.. (..وهل بقي هناك ما يمكن أن يقال عنه إنه تلقائي وعفوي في ظل سيطرة الإعلام على اللاوعي الجمعي وتسييره على نحو شبه تام؟)
دراسة تطور لعبة كرة القدم في بريطانيا تشي بأن وراء الأكمة ما وراءها.. ظلت كرة القدم لعدة قرون لعبة شعبية في الأحياء الفقيرة دون وجود قوانين أو قواعد تنظمها.. لكنها سرعان ما صارت علامة مميزة للحركة العمالية الناشئة في خضم نتائج الثورة الصناعية..
بدأ عمال المصانع الذين كانوا يعيشون ظروفاً بالغة السوء آنذاك، بدؤوا باللعب بالكرة- وفي ظهيرة يوم الأحد وبعد خروجهم من الكنيسة.. هذه المباريات التي كانت عفوية في البداية بدأت تعبر عن العمال وتطلعاتهم وترسخ الأواصر فيما بينهم.. سرعان ما انتبه أصحاب المصانع إلى خطورة الأمر.. وحاولوا بمساعدة الكنيسة منع مباريات الأحد.. لكنهم لاحقاً فكّروا في احتواء الخطر عبر قيادتهم له: دعوا إلى تكوين فرق أكثر تنظيماً ومهنية ولكنها تحتاج إلى أموال بطبيعة الحال، وهذا جعلهم مؤهلين أكثر من اللاعبين لتشكيل هذه الفرق ودعمها، مع نضج الأمر صارت هذه الفرق وسيلة لتكريس ولاء العمال إلى المصانع وبالتالي للالتفاف على النواة التي قامت اللعبة على أساسها.. نواة تضامن العمال وتعاونهم فيما بينهم..
لكنّ الأمر لم ينته هنا، فقد اكتشف أصحاب المصانع لاحقا أن اللعبة يمكن أن تستغل ليس فقط لإلهاء العمال عن مطالبهم ولكن لدرّ الأرباح أيضاً، فمع زيادة عدد الجمهور المتابع ( الذي كان يقف ليتابع المباراة، مجاناً طبعاً) صار بالإمكان جعل هؤلاء يدفعون النقود من أجل المشاهدة.. ومن يومها و “كرة القدم” دخلت بعمق فيما صار يُعرف بصناعة وقت الفراغ leisure industry المرتبطة مباشرة بتقليل ساعات العمل، وبالتالي زيادة وقت الفراغ الذي سيُملأ في فعاليات مسيطر عليها وتؤدي إلى إنفاق العمال وبالتالي زيادة الأرباح..
ما حدث بعدها كان معلوماً، خاصة مع تطور وسائل الإعلام ودخولها كل بيت: صارت ثقافة الاستهلاك بكافة مفرداتها (ومن ضمنها كرة القدم) جزءاً من بديهيات الحياة المعاصرة التي لا تقبل المساومة و الجدال..
مباريات كرة القدم اليوم تُعَدُّ صناعةً ربحيةً بما لا تقل عن ستة مليارات دولار سنوياً من الواردات، وبواردات لا تقل عن 3 مليارات و نصف مليار من الدولارات للفيفا وحدها(المنظمة لكأس العالم) لهذه السنة 2010، هذا عدا عن الأرباح الناتجة عن بيع مستلزمات الرياضة (66 مليار دولار لعام 2009) ، بينما يبلغ حجم الإنفاق والواردات على” صناعة الرياضة ككل” 430 مليار دولار- ( بالمقارنة مع 643 مليار لصناعة الأدوية والعقاقير) علماً أن هذا المبلغ أكبر بكثير من مجموع الناتج القومي لأغلب دول العالم ( ست عشرة دولة فقط مجموع ناتجها القومي أكبر من ذلك، أكثر من 150 دولة يقل ناتجها عن عُشر هذا المبلغ)..
أليس الهوس الجماعي بهذه اللعبة هو مصدر تدفق الأموال إلى الرعاة الرسميين لمباريات كأس العالم ( الكوكا كولا والأديداس وماكدونالد ونوع مشهور لمشروب كحولي..)..؟
هل يمكن تصور أن هذا الهوس لم يُستدرَج خطوة خطوة ليصبُّ في أرصدة القطط السمان وإنما سارت الأمور كيفما اتفق ووصلت إلى هناك رغبة في متابعة مهارة اللاعبين”؟.. أليست الرغبة الغريزية في الانتماء الجماعي هي المادة الأولية التي مكّنت الملأ الرأسمالي من تسيير الجماهير إلى تشجيع هذا الفريق أو ذاك؟..أليس في هذا أكبر هزيمة لأي صاحب قضية ومبدأ.. مسلماً كان أو يسارياً أو أي شخص يحلم بعالم أكثر عدالة.. أليست هزيمتنا الكبرى أننا نرى هذا الهوس يأكل شبابنا ويستنزف طاقاتهم بينما فشلنا في تقديم نموذج يجمع هذه الطاقات ويلمّ شتاتها ويوظفها لنصرة قضية حقيقية؟ ( قبل قليل قرأت خبراً عن متشددين في الصومال يعاقبون من يقبض عليه متلبسا بمتابعة المباريات، و هذه أيضا هزيمة أخرى جملة و تفصيلاً..)
تيري ايغلتون، الذي يُعَدُّ أهم ناقد بريطاني حيّ، كتب في الغارديان البريطانية قبل بضعة أيام عن المرارة التي يشعرها كلُّ راغب بالتغيير الحقيقي وهو يرى كرة القدم تلهي الناس عن كل مشاكلهم وقضاياهم الحقيقية.. تيري (الذي تعرّض لهجوم لاذع ومقذع من القراء بحيث حذفت بعض التعليقات) قال إن “كرة القدم هي أفيون الشعوب الجديد!”.
تيري بريطاني، يعيش في دولة مشاكلها أقل من مشاكلنا بما لا يقاس، وهي دولة من الدول المتقدمة بغض النظر عن تحفظنا على مفهوم التقدم.. وفريق هذه الدولة مشارك وبقوة في مباريات كأس العالم ومع ذلك فهو يقول إن “كرة القدم أفيون الشعوب”..
ماذا يقول لو كان مسلماً، من أمة تتقاذفها الرياح، ومشاركتها في المباريات ضعيفة بل وشبه منعدمة.. ورغم ذلك فالهوس بكرة القدم يفترس شبابها الضائع على غير هدى؟؟..
أم إن كرة القدم عندنا تتنافس- مع أشياء كثيرة أخرى- لتكون أفيوننا الذي نخدر أنفسنا به عما يجب تغييره؟

أربعون ..!

                             أربعون..!                      

                           (كتبتها لنفسي..بمناسبة بلوغي اشدي..)           

سأتحدث  عنه بصيغة الغائب..فهو رغم كل ما يقال عنه، و كل ما يبدو عليه أيضا أحيانا، لا يزال خجولا جدا إلى حد مرضي..

لا يزال، كما كان منذ أكثر من ثلاثين سنة، يدعو بدعاء موسى “و أحلل عقدة من لساني” كلما واجهه موقف يحتاج لسانه فيه..يتعجب  من ذلك بعض من رأوه في النقاشات ، و لسان حالهم يقول: ربما عقدة في أي مكان..لكن ليس لسانك!!     

      صيغة الغائب ستوفر لي، و بالتالي له، قدرا من الحياد و الموضوعية، رغم   إننا (أنا و هــو !) نفضل، بلا تردد، الانحياز إلى الحق، (أو إلى ما نتصور أنه الحق!)..على حياد نرى أنه بلا لون و لا طعم و لا رائحة..

لكن الآن…

الآن و نحن على أبواب الأربعين..بل الآن و الأربعون على أبوابنا..تطرقها بين يوم و آخر..الآن و ما مضى صار أكثر على الأغلب مما سيأتي..صار لا بد من حوار صريح و غير منحاز..ربما كنا نحتاج إلى حوار كهذا، صريح و علني و على رؤوس الأشهاد..

لعل هذا الحوار لا يهم أحدا..لعله مجرد حوار داخلي لشخص وصل إلى الأربعين و أكتشف أن الذكرى تمر عليه للمرة الثانية على التوالي و هو بعيد عن أسرته و أولاده..

ربما..

نحتاج الحوار-أنا و هو- أكثر من أي احد آخر، بل حتى لو لم يكترث أي أحد على الإطلاق..

و نحتاجه بالذات على الملأ ، كما لو كنت / كنا/ نود أن نجر الملأ كافة  ليكونوا شهودا على ما سأقول له..

كما لو كنت أورطه، أو أورط نفسي، بتعهد علني، لا مفر و لا مهرب منه..أمام كل الملأ..

 ****************

فلأعترف أولا بحرج سيكون التهرب منه كذبا صريحا..حرج يسكن صدر صاحبنا من الأمر كله و اعني أمر الحديث عن المناسبة بل عن تذكرها أصلا….و هو جزء من الحرج من بقية تناقضات لم يحسمها مع نفسه، تناقضات يسميها أحيانا”الهوة بين الفكر و السلوك”..و هو يعزي نفسه أحيانا بأن هذه الهوة جزء أساسي من الطبيعة الإنسانية..و إن الأنبياء وحدهم تمكنوا من ردمها تماما..و يكمل هو أن المهم هو إن لا تكون الهوة واسعة كالتي تفصل بين ضفتي محيط..لكنه يعلم أن هذه الهوة-حتى لو كانت جزئية و ضيقة-فأنها تؤثر على نحو أو آخر..

قد تبدو بعض هذه التناقضات صغيرة و هامشية، و هذا ما يجعلها خطرة تحديدا، أنها تخدعك بحجمها فتهملها …قد تبدو غير مهمة، لكنها تتراكم بالتدريج  حتى تصبح مثل جبل هائل الحجم..

هذه التناقضات مثل حقول ألغام قديمة لحروب تعتقد أنها انتهت بانتصارك و حسمك لها..، قد لا يبدو منها أكثر من نتوءات صغيرة على السطح، لكنها قد تنفجر فيك أو في أولادك فجأة ذات يوم لتزيح عنك أوهام نصرك و حسمك..

أحيانا يؤنبه ضميره على ذلك، و أحيانا لا..

لا يعتقد أحدكم أن ضميره يبالغ، و أن أمر  هذه الأشياء أصغر من ذلك..، فمعظم النار من مستصغر الشرر..

لكنها الأربعون يا صاح..و إن لم يكن عندها فمتى إذن؟؟..

أضعه أمام ذلك، و أمامكم أيضا..هدية محرجة له يوم ميلاده..

                              ********* 

لكن لا يمكنني إنكار انه تخلص من الكثير من رواسب عقدة الخواجة المستشرية في الطبقة التي نشأ فيها، و التي عمت و انتشرت في كل مكان الآن..ربما العقدة نفسها لم تزرع فيه أصلا، بسبب مناعة أورثتها إياه والدته بإتقان، جزء منها بسبب وفائها لعهد عثماني كان أهل بغداد يحلمون بعودته و يعبرون عن ذلك حتى في أغانيهم (تقول الأغنية البغدادية التراثية التي لا تزال تتداول بانقطاع عن أصلها السياسي: كل يوم أكول اليوم باجر يبينون، و انطي المبشر بوسة من العيون،أي: كل يوم أقول : اليوم أو غدا سيرجعون، و سأعطي من يبشرني بعودتهم قبلة من العيون..)..و جزء آخر من ذلك كان يعود لكونها من ذلك الجيل الذي ناضل ضد الاستعمار و حلم بدولة عربية واحدة من المحيط إلى الخليج، أحبطت أحلام هذا الجيل لاحقا، و لم يدرك وقتها إن سبب هزيمتهم الكبرى كان أنهم  نادوا بخروج الاستعمار من الباب لكنهم تركوا له الباب الخلفي-الأكثر سعة- مشرعا ..باب أفكارهم و رؤاهم و نمط حياتهم..

و رغم عدم وجود “عقدة الخواجة”بشكل رئيسي إلا أن رواسبها كانت موجودة بلا شك، سواء في المحيط الخارجي القريب أو البعيد، و كانت والدته تنبه بشكل عفوي إلى أولئك الذين يرطنون باللغة الأجنبية دون داع أو سبب، رغم أن ذلك كان من مظاهر الوجاهة في ذلك الوقت (ومن مظاهر التحضر في هذا الوقت!)

..رغم أنها أتمت دراستها باللغة الفرنسية إلا إنها لم تكن تستسيغ ذلك إطلاقا، و كانت تسخر بشدة ممن يفعلون ذلك..حتى غلبت سخريتها على أسم واحدة من السيدات، من أقرباء الأقارب..

(كانت تلك السيدة تنتمي لتلك الطبقة بامتياز، و في مجلس عائلي، تحدثت عن هوس الشباب بكرة القدم، قالتها بالعربية ثم أردفت  على عجل شبه معتذرة، أقصد الفوتبول..!

يومها دخلت تلك السيدة تاريخ العائلة من باب الأمثلة على عقدة الخواجة ،مع الوقت، لم يعد أحد يذكر أسمها أصلا، صار أسمها فوتبول، و زوجها صار أسمه زوج فوتبول، و بناتها صرن بنات فوتبول،و رغم مرور ربع قرن على الحادثة، لا يزال اسم الأسرة”بيت فوتبول”..)..

بقيت تلك البذرة قوية،تأثر لاحقا بأشياء أخرى مضادة، و اختلطت لغته بلغة الفوتبول و إن ليس بمنطلقاتها ، ساعد في ذلك دراسته باللغة الانجليزية و تخصصه الطبي، الأطباء لا يرطنون ، أنهم يفكرون باللغة الانجليزية، و هذا أعقد لأن الأمر لا يعود عقدة، بقدر ما يصير توحدا مع هذا الخواجة..إلا من رحم ربي طبعا..

أستطاع أن يتخلص من ذلك تماما, بل لم يعد يمكنه إلا أن ينظر نظرة خاصة إلى كل من يعبر عن نفسه بغير لغته..يدرك تماما أن بعضهم فوق أي شك ممكن، و أن الأمر بالنسبة لهم محض تعود، و ربما استسهال-في الكتابة خصوصا..لكن بالمقارنة اللغة أهم حتما من مشروب غازي..و في النهاية الأمران جزء من هوة متفاوتة في الحجم و الإزاحة..

تخلصه من ذلك لم يكن نتيجة موقف نظري عقائدي، بل  تأثر بعمق بصديق طبيب درس في أمريكا و عاش فيها قرابة العقدين و أخذ جنسيتها و ارتقى في أعلى المناصب فيها..لكنه في حديثه، في جلساته،لا يمكن أن تبدر منه كلمة واحدة بالانكليزية..

لم يخبره بذلك قط، لم تكن هناك فرصة لذلك، و ها أنا أمررها له..

************ 

لا يمكن أن يمرر ذلك دون أن يؤكد أن المضادات التي غرسته في صاحبنا والدته ضد عقدة الخواجة ما كانت لتصمد بوجه الوتيرة المتزايدة للتغريب ، و  الوتيرة المتزايدة للهزيمة النفسية لولا أن تفاعلت مع الفكر الديني الذي اعتنقه، ذلك أن من نشأ معه  في نفس البيئة و أمتلك نفس المضادات أساسا  دون أن يمتلك نفس الفكر لاحقا، لم تبق عنده أي حصانة ضد عقدة الخواجة للأسف..

لا يعني هذا إن الفكر الديني بعمومه سيمنح الحصانة، فعقدة الخواجة تتمكن أحيانا من تطويع حتى المتدينين ، فتوهمهم أن الخواجة نفسه مسلم و إن لم يتلفظ بالشهادتين، و “رأيت إسلاما-في الغرب و لم أر مسلمين” و هي وجهة نظر قالها احد رواد الإصلاح في القرن التاسع عشر و لكنها صارت بمثابة نص مقدس يتكأ عليه كل من رام التغريب..

لكن ما علاقة “عقدة الخواجة” بالأربعين؟..

آه، طبعا..”عيد الميلاد“..!

********************** 

عبر الأربعين عاما الماضية، تغير شكل الاحتفاء أو الاحتفال بعيد الميلاد بالنسبة له..!

بالنسبة لعائلة مثل عائلته، كان عيد الميلاد ليس مظهرا اجتماعيا فحسب، بل دلالة على عمق اهتمامها بأطفالها، و كان التحضير للحفل يستغرق وقتا طويلا، أسابيع مبكرة قبل موعد الميلاد الحقيقي، و تعد قائمة المدعوين بعناية و تشمل كل زملاء الصف (الكل بلا استثناء) و قائمة من الأقارب منتقاة وفق توازنات عائلية دقيقة..!..برنامج الحفل كان حافلا فعلا، و يؤخذ بمنتهى الجدية….لا يزال يذكر كيف أخذ أصدقاؤه في الروضة يضربون على الأواني عندما تأخر وصول الكعكة ( من معجنات الزيزفون[i]..إن كان هناك من يذكر ذلك..)..لا يزال يذكر كيف غنى أحدهم “ عمر حمودي، سقى الله أيامه و أراضيه أينما كان” تلك الأغنية الشائعة آنذاك:عالمايا ، عالمايا..بتوليفة عراقية الكلمات..

لا يزال يذكر إن ذلك الاحتفال كان مهما لدرجة أن جده (في الخامسة والثمانين آنذاك) كان يحضر بكل أبهته، البذلة الرسمية، ربطة العنق،..العصا المميزة له و لجيله عموما..(يسمونه الباسطون..و اكتشفت توا أن المفردة فرنسية الأصل!)

كانت أعياد الميلاد زاوية ثابتة في طفولته بكل تقاليدها و طقوسها (باستثناء الشموع، لا شموع في الكعكة..و لا أحد يعرف لماذا..!)

مع الوقت خفت مظاهر الاحتفال، جزء من ذلك كان يعود لمرض والده، و جزء آخر لتقاليد التقدم في السن بالنسبة للذكور..لكن بقيت “فكرة عيد الميلاد” راسخة في ذهنه..

اصطدم هذا الرسوخ لاحقا بالنقاش السلفي حول كون هذا الأمر “بدعة” أو لا..و بالنقاش الأهم-من وجهة نظره-حول كونه من “التشبه” المنهي عنه..

*******************

لاحقا لاحظ ارتباط فكرة عيد الميلاد بواحدة من أهم القيم الغربية التي يروج لها بإصرار عبر وسائل الإعلام و هي قيمة الفردية.. حيث الفرد هو الرقم واحد في العقد الاجتماعي، و هو الطرف الأهم في معادلة المجتمع، و هو المصدر الأساسي للتشريع، و بالتالي ما ينتج عنه من كون الحرية الفردية قدسا من الأقداس التي لا تمس…

يؤمن صاحبنا إن الفردية كانت من أهم منجزات الغرب و من أهم وسائل نهوضه، لكنه مفكر نصوصي بلا تردد، يتمترس خلف النص و يقرأ العالم من خلاله ، و النص الديني كما يقرأه لا يدعم فكرة الفردية بنمطها الغربي،بل العلاقة بين الفرد و الجماعة في الاسلام قائمة –برأيه- على علاقة ذوبان متبادلة بين الفرد و الجماعة، الأنا في النحن..

فكرة عيد الميلاد هي بمثابة طقس أو شعيرة احتفالية لتكريس هذه القيمة، من ضمن وسائل أخرى كثيرة يتم تكريس هذه القيمة من خلالها حتى صارت بديهة لا تحتاج إلى نقاش و لا تحتمل الجدل، و عملت آليات الأسلمة عند البعض بشكل تلقائي و قدمت نسخا  مؤسلمة و مشوهة من الفردية..

ليس هذا فقط، فعيد الميلاد ليس طقسا لتكريس الفردية فحسب، بل هو مظهر من مظاهر الانضمام إلى الحياة الاستهلاكية ،ثابت آخر من الثوابت الغربية التي أصبحت أيضا بديهة لا تناقش..

كل ما في طقوس عيد الميلاد يسهم في تثبيت هذه الفكرة، ليس لأن الاحتفالات أصبحت تجارة تدر أرباحا هائلا على عدد من الصناعات فقط، بل لأنها تكرس و على نحو خطير فكرة التعبير عن العلاقات الإنسانية عبر الأشياء المادية، و هو أمر مؤذي لأنه بالتدريج يفرغ هذه العلاقات من محتواها الحقيقي، و يجعلها أسيرة للمفهوم المادي البحت..

من منا يذكر هدايا والديه في أعياد ميلاده؟ أو في أي مناسبات أخرى ..من منا بقي ممتنا لها…؟..من بقيت سعادته طويلا بعدما فتح الأغلفة الملونة..؟..

الفرحة تكون أكبر فعلا بالغلاف البراق و الأشرطة الملونة، لكنها سريعة الذوبان و دون طعم..

بعدما نكبر قليلا، نكتشف أن ما بقى من أهلنا فينا لم يكن تلك الهدايا التي ربما خططنا لها طويلا بخبث الأطفال و إلحاحهم.. لا يبقى منهم غالبا سوى الأوقات المجانية التي لم تكلفهم شيئا ..أوقات النصيحة و التواصل، أوقات المرح و المودة، أوقات “البقاء سويا”..التي قد لا نهتم لها كثيرا ساعة حدوثها، هي التي بقيت فينا و هي التي تبقى مع أولادنا منا..

 على العكس من ذلك :الثقافة التي نعيشها اليوم “تسلّع”  كل شيء ، و تضع له سعرا و ماركة..

و ثقافة عيد الميلاد بالذات هي جزء  أساسي من ذلك كله، بل هي المحطة الأولى التي يتم تكريس ذلك كله في نفس الطفل و تكوينه..في ذكرى ميلاده الأول..حيث يتم ترويض الطفل على الدخول في مضمار الاستهلاك…حيث تكون حتى العواطف قابلة للتسعير..

                               ************** 

لكن تحفظه الأكبر على مفهوم”عيد الميلاد” ليس في ذلك كله، بل هو في حقيقة أن هذا الاحتفال يكون بالتقويم الميلادي..و هي حقيقة بسيطة من حقائق عالمنا المعاصر و بديهياته و لكنها تذكر بحقيقة مؤلمة أخرى من حقائق انحدارنا و أفولنا ..حقيقة إن التقويم الذي نستذكر فيه تاريخ ولادتنا و من ثم سيذكر من خلاله تاريخ وفاتنا هو تقويم ينتمي إلى منظومة حضارية أخرى..

إذا كانت حياتنا تبتدئ بالميلادي و تنتهي بالميلادي، و نحن مستسلمون لذلك بلا قيد أو شرط  فكيف يمكن لتقويمنا أن يبعث من جديد؟..

إذا كنا نحن أنفسنا لا نستخدم التقويم الذي بدأنا فيه و كنا فيه.. (إلا في رمضان و موسم الحج! و نخلطه مع ذلك بالتقويم الميلادي فنقول بكل بساطة رمضان 2010 أو موسم الحج لعام 2010)..فكيف يمكن أن ننجز شيئا و ينسب لتقويمنا..

كل ما يمكن أن يكون صحيحا بالنسبة لتقويمنا الهجري هو أننا قد هجرناه..

فكيف لا يكون عيد الميلاد تذكيرا مريرا بكل ذلك؟

*******************

بسبب كل ما سبق، و ليس بالرغم منه..

يرى أن هذا كله يمكن أن يكون مناسبة لحصاد مرحلي شامل، لجرد من نوع خاص، لكل ما حدث حتى تاريخه..

إنه  سن الأربعين، و ما مضى على الأغلب أكثر مما سيأتي..و رغم انه قام بذلك الجرد مرارا و تكرارا..إلا  إن جرد منتصف الموسم يبقى أكثر أهمية، إذا فرضنا أن حياتنا هي موسم كامل ..و إن سن الأربعين هي نقطة افتراضية في منتصف هذا الموسم..

                               **********

أغلب من يتذمر من الأربعين ممن يعرفهم، يتذمر لسببين..

الأول لشعور عام بعدم الإنجاز، و بالذات لعدم تحقيق ما كان طموحه في العشرين أو أقل أو أكثر..علما أن هذه الطموحات تغذى غالبا من قبل ماكينة الإعلام و الرؤية الاستهلاكية التي تغرسها لمعنى السعادة ، و تكون هذه الرؤية بمثابة “طُعم” يبتلعه الناس و من  ثم يساهمون عبر محاولات تحقيقها في إدارة عجلة الربح و المزيد من الربح لأصحاب رؤوس الأموال..و غالبا لا يكون هناك تحقيق مرض لهذه العجلة، فكل إنجاز يتطلب آخر و كلما أمتلئت تقول هل من مزيد..لذا تكون الأربعين محطة أخرى في رحلة المزيد و المزيد،السيارة يجب أن تكون أحدث، و البيت أو أثاثه يجب أن يكون أفخم دوما، و الأولاد علينا أن نؤمن مستقبلهم، و مستقبلهم لا يؤمن إلا بالمزيد، و في خضم ذلك كله لا بد من التوجه للتسوق في مناسبة ممكنة

هل يمكن أن تكون  سن الأربعين هنا إلا سببا للتذمر؟..هل يمكن إلا أن تكون سببا للإحباط؟

                               *********** 

السبب الثاني الذي يجعل البعض يتخوف من الأربعين هو تصورهم أنهم لن يتمكنوا من الاستمرار في حياتهم على النحو الذي مارسوه في العقود التي سبقتها..

و هذا صحيح، و يعتمد مباشرة على مفهومهم للحياة و ما يتصورونه عنها..

إن كان فهمهم لها يعتمد على “التمتع فيها”-و على نحو حسي- فأن الأربعين و ما بعدها يجب أن تكون محطة لتغيير الكم و ربما النوع أيضا..

لا يقصد هنا فقط الملذات الحسية المتعارف عليها بحلالها و حرامها، بل حتى أنواع الرياضات التي تتطلب جهدا و التي تعارف الكثير من رفاقه و أصدقائه على لعبها و التمتع بها..

 سن الأربعين قد لا تكون العمر المناسب للاستمرار بذلك على الوتيرة نفسها..

**********

سبب التذمر الأول- الإنجاز المادي- لم يكن يوما في مقدمة أولوياته..لا يذكر الأمر قبل التزامه لكن التزامه حسم مسألة الأولويات ..كما أنه تيقن من صحة حسمه عندما رأى عن كثب في أفراد عائلته كيف أن خيار الأولويات المادية لم يحقق أي سعادة بل و حتى أي طمأنينة لهم..رأى كيف تكون الأملاك و العقارات سببا في تباعد الأقارب..و رأى كيف يكون الاستحواذ عليها عبر التحايل على حكم الشرع بطريقة أو بأخرى..و رأى كيف ينتهي كل ذلك إلى الهباء المنثور رسميا..

رأى أيضا كيف يحرص البعض على المال بصفته ضمانة ضد المستقبل، و ينتهي هؤلاء البعض إلى رعاية تؤدى لوجه الله ، بينما الأموال في البنك و المجوهرات في أماكن سرية..(سرية لدرجة أنها تنسى أحيانا..!)..

فإذا كان المال و تفرعاته لا يقدم السعادة ولا الطمأنينة و لا حتى ضمانة ضد المستقبل، فما الهدف من كل ذلك ؟..لماذا يكون الأولوية الأولى..

و هو لم يكن كذلك بالنسبة له أبدا..و لن تكون الأربعين استثناءا في ذلك…

**************

السبب الثاني يجب أن لا يزعجه أبدا، بل يجب أن يستبشر بالأربعين بسببه..لم تكن علاقته بألعاب الرياضة يوما ما مهمة..كما انه لم يعش حياته و ” الحس” فيها مقدما على سواه..لم يكن يوما ما خاضعا للإحساس أو لمتع الإحساس بحلالها أو حرامها..حتى قبل التزامه،كانت متعته بتذوق الفن أو قراءة كتاب جيد تفوق أي متعة حسية أخرى..(مع كوب من الشاي..العراقي طبعا!)..

قد يبدو سن الأربعين مرعبا بالنسبة لملاكم أو مصارع أو لاعب كرة قدم أو عارض أزياء..لكن لم يجب أن يكون كذلك بالنسبة لكاتب؟!

 يقول لنفسه كما لو كان يواسيها..: على العكس، يجب أن يكون سن الأربعين إضافة له و لرصيده و لخبرته..

                     *******************

(في الحالتين،يعتمد الأمر على طريقة حياتك قبل الأربعين..على الطريقة التي عاملت فيها حبات الرمل المنهمرة من الجزء العلوي في الساعة الرملية..الساعة التي فيها من الحبات بقدر لحظات حياتك بالضبط..

هل استخدمت الرمل لتشيد قصورا من الرمال..هل أضفته ليكون جزءا من شاطئ المرح و المتعة..أم انك حاولت أن تجعل من كل حبة رمل لبنة لعالم جديد، حاولت أن تجد في كل حبة منجما لوقود جديد..أن تستصلحها..أن تسقيها ..أن تزرعها ..

الجواب على هذا السؤال سيحدد الى درجة ما موقفك من الأربعين..)

                   ****************

( ..و لعله يخاف أن يواجه أخيرا عند الأربعين ما يتوعدونه به منذ طفولته..

أن ينطفئ عندما يكبر….أن يخبو و ينشغل و يعود كل ذلك مجرد خبرا لكان  و أخواتها..

كان في الخامسة عشر أو دونها عندما بدأ يعرض نتاجه على البعض ممن أعتقد مخطئا أنهم كانوا أهلا لذلك..

يومها تعرّف على النصل الأول الذي اخترقه بلا هوادة، قيل له بما معناه أن هذا الأمر ليس سوى مراهقة عابرة، و” أننا كلنا كتبنا في هذا العمر”…و كان مصيرهم الذي يراه أمامه مرعبا بالنسبة له كجهنم..” أي شيء إلا أن يصبح مثلهم..”

مع الوقت صار أكثر حذرا في عرض نتاجه، و مع الوقت تعلم أكثر و أكثر على النصال، و تعددت أشكالها و أنواعها، لم يعد في جسده الافتراضي مكان لم تخترقه النصال، بعض النصال طاشت، و بعضها أدمته، بعضها أصابت و بعضها خابت..بعضها كان مؤلما جدا، و التهب جرحها طويلا..و بعضها لم يكن سوى خدش عابر..

 و كان لذلك كله  فضل كبير في منحه الحصانة و المناعة التي واجه بها النصال العامة المتقنة المدربة في مرحلة لاحقة.. نصال عداوة “ألكار” المستحكمة بين من يسمون أنفسهم مثقفين (أكثر بكثير مما عند أطباء الأسنان مثلا!).. و نصال مجالس الشطرنج الفكري و  نصال أقدم حزب في التاريخ “حزب أعداء النجاح” و نصال جمعية” كثرة الجعجعة و قلة الطحن”..

ماذا ستفعل نصال الصالونات المخملية لمن تكسرت في داخله النصال على النصال حتى لم يعد يعبأ لها..

 لكن لعله يخاف في لاوعيه أن يأتي الأربعين أخيرا بالنصل ألأول..نصل التوعد بالانطفاء..نصل انه سيتغير و يكبر و تخمد الجذوة في أعماقه..لا يزال بعضهم يقول عنه: سيكبر و يكف..و هم يتمنون ذلك حقا لأنهم كبروا و كفوا فعلا..لذلك يتمنون أن يكف كي لا تؤنبهم ضمائرهم على الكف و الخمود..

هل يخاف من الأربعين على الجذوة أو على الفكر..كما حاولوا أن يوهموه يوما..

على العكس..الأربعون يجب أن تكون  النقطة التي يتناهى فيها العقل و يكتمل فيها الفهم..على الأقل هكذا قرأ المفسرون تلك الآية الكريمة:حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً..)

( قيل له يوما في دار الفكر، بعد مواجهة حادة، سننتظرك في الأربعين..و كان يومها في الخامسة و الثلاثين..)

ها هو سن الأربعين قد جاء.. هو لم يكف ..ولا يبدو عليه انه سيتغير، ومن يقول عنه انه تغير يعني أنه لم يقرأه كما يجب فحسب أو انه قرأه بانتقائية..

 كل تغيره هو انه يزداد نضوجا و خبرة فحسب..يفتح صدره  مشرعا للأربعين و لنصال الأربعين –إن كانت ستجد مكانا!..

                  *************** 

في السنوات الأربعين التي مضت، يحمد الله على أشياء عديدة، منها أن الرعاية الإلهية قد أمدته بأشخاص أستمد منهم كل قوته و أكثر..منهم زوجته التي يعرف أنها دليل من أدلة وجوده عز و جل..لا يوجد نظرية مصادفة أو احتمالات في الكون كله يمكن أن تفسر ارتباطه بها..لا شئ سوى أن الله قد اختار له هذا الزواج لكي تكون زوجته هذا السند و الدعم الاستثنائي الذي لا يمكن أن يكون متوقعا من زواج تقليدي..أو غير تقليدي (من باب أولى!!)

يقر هو أنه قد لا يكون زوجا مثاليا،..و يأمل أن وضعه كأب أفضل منه كزوج ..بكثير..!

************

 و مما يحمد الله عليه أيضا أنه ثابت، لم يتغير!

يفخر البعض بالتغير، بأنهم قضوا حياتهم يتقلبون بين المذاهب و الأفكار المتناقضة، بين تيار تقليدي  متشدد و آخر متحرر منفلت، بين حزب و آخر، يأخذهم مد و يرجعهم جزر، و تتنازعهم الأمواج  و الرياح  في إبحار بلا بوصلة في بحار بلا شواطئ..

البعض منهم يفخر بذلك و يفلسفه على اعتبار انه يبحث عن الحقيقة..

 صاحبنا ببساطة لا يفهم ذلك ، عرف الشك و خبره في عمر المراهقة و هو لا ينكر إيجابياته عندما يكون ممرا إلى اليقين، لكنه يعتبر أن الاستمرار فيه بعد سن الرشد دليلا على عدم الجدية، كل أولئك الذين يقضون حياتهم “بحثا عن الحقيقة “- بين صرعة فكرية و أخرى، من بوذا إلى الدلاي لاما مرورا بغاندي وأبن عربي و فوكو و  أسماء أخرى أقل شهرة وأهمية – كل أولئك ليسوا جادين حقيقة في البحث، و لو التقوا الحقيقة حقا يوما ما لرفضوها، أنهم ببساطة يتمتعون بالبحث لأن البحث هو هدفهم..و ليس الوصول.. هدفهم هو أن يهيموا على وجوههم في كل واد..بالضبط كمن يلعب لعبة ممتعة و لا يريد حقا أن تنتهي بانتصار أي من اللاعبين-حتى لو كان الانتصار من نصيبه..ذلك أن نهاية اللعبة هزيمة لكل اللاعبين بكل الأحوال.. المهم تستمر اللعبة، و يصير أيمانهم خلال ذلك مثل إعراب “ربما” (كافة و مكفوفة و لا عمل لها)..

أنه أيمان مزخرف ومبهرج و مزين بأسماء فلاسفة كبار.. لكنه فارغ ،لا أشك أنه إيمان سيجعل  أيمان “عجائز نيسابور”[ii] مثارا لحسدهم لاحقا!..

 يرثي لهم فعلا،  يشفق على الظروف الصعبة التي قادت بعضهم إلى هذا الضياع، لكن في اللحظة التي يحاولون فيها الترويج لضياعهم فأنه يقطع كل تعاطف و رثاء معهم…

عندما ترى قرحة،..فانك قد تشفق على المصاب بها..

لكن إذا حككتها، عليك أن تدميها..

بلا تردد.

هكذا وصفه أحد قراؤه[iii]..و هو يعده الوصف الأجمل في حقه..و يأمل أن يكون الأصدق..

                    ****************

لا ندم كبير عنده..و لا يعني هذا إنه لم يخطأ..بل يعني أنه أخطأ “على” الطريق..و ليس” في “الطريق..

الفرق بين الاثنين كبير و لكن دقيق.

بعض الأخطاء تكون نتيجة طبيعية لكوننا بشرا..لحظة ضعف متفاوتة في الحجم و الأهمية بين خطأ و آخر….

لكن بعض الأخطاء تكون أكبر من ذلك بكثير..

ربما لا أخطاء صغيرة، ربما الطبيعة البشرية مسيطر عليها، لكن الطريق كله يكون بالاتجاه الخطأ..

هذا هو الفرق بين الخطأ على الطريق (الزلات و العثرات) و بين الخطأ في الطريق..أي اختيار طريق خاطئ أصلا، أكبر من أي زلة أو عثرة يمكن أن تحدث بسبب الطبيعة البشرية…

( أثناء المعركة التي حدثت مع مقال “حجاب آمنة”..قالت له أحدى القارئات:ماذا لو أن آمنة قد اختارت أن لا تتحجب؟..

قال لها ببساطة:  الأمر غير وارد أصلا..!

عاتبته لاحقا: كيف يقول ذلك، ألم يقل الرسول عليه الصلاة و السلام”لو إن فاطمة بنت محمدا سرقت لقطعت يدها”..فهل يكون هذا ممكنا بينما “عدم تحجب” آمنة غير وارد؟؟

هذا هو الفرق بين الخطأ “على” الطريق و الخطأ “في” الطريق..

السرقة يمكن أن تكون نتيجة لضعف بشري عابر..لكن الحجاب أو اللاحجاب لا يكون إلا بسابق قصد و تصميم..لا يكون إلا جزءا من الطريق ككل…

لذلك فأنك عندما تربي أولادك، تعرف أن بشريتهم قد تغلبهم أحيانا، و عليك أن تعلمهم كيف يقيدونها و يصارعونها و يتغلبون عليها.. لكن “الطريق” يجب أن لا يكون محض خيار..محض وجهة نظر..الطريق عليك أن تغرسه بلا تردد، الطريق هو “فصل الخطاب” الذي يحتاجه الإنسان لينمو حقا بلا ضياع في وديان..فصل الخطاب الذي لا يحتمل تعددية  مترددة لأن الحياة أحيانا لا تحتمل التردد في بعض الأمور..

الطريق نفسه قد يكون فيه زلات و قد يكون فيه اختلافات و فيه أيضا زوايا..لكن الاتجاه يجب أن يكون واحدا..)

( نعم..إذا حككت قرحة..أدميتها..!)..

********************** 

لعله يتهيب من الأربعين خوفا أن تسرق منه كونه كاتبا شابا..و قد عامله الجميع على انه كذلك، بل و نال تدليلا قليلا أو كثيرا من أجل ذلك..

لا بأس..لن ينتبهوا أول الأمر..ّ! و عندما ينتبهون سيكون قد أنتقل إلى مرحلة أخرى-بأذن الله- و سيكون قد تكرس و سينال بدلا عن التدليل التفاعل الذي يرغب فيه أكثر من الدلال..

و سيكتب خلال ذلك و بعد ذلك.. للشباب سواء كان منهم أو لا.. للشيوخ و للصغار أيضا..

كما كان دوما..

سيفتح صدره لخبرة الأربعين و تجاربها..ها قد بلغ أشده اليوم..فهل يكون كتابه القادم أهم من كل كتب “ما قبل الأربعين”..أم هو المشروع الإعلامي الذي لا يزال قيد الإعداد..أم المشروع الآخر الذي عينه عليه دوما: السيرة..

ليأت سن الأربعين دونما تحفظ إذن..ما دام “أشده” سيأتي معها..

************ 

قبل بضعة سنوات، كان صديقه هيثم (الشهير بـ هـ. ب!!) يكاد يدخل الأربعين..فواساه و شجعه في واحدة من مفقودات رسائل” ضوء في المجرة“..و قال له ضمن ما قال..أن عليه أن يتذكر أن ذلك الرجل الذي قام بتغيير العالم لم يبدأ مشروعه للتغيير إلا بعد.. أن بلغ الأربعين..!

عليه الصلاة و السلام..!

********************* 

بالمناسبة، حصلت على أجمل هدية في حياتي، على الأقل أجمل بالنسبة لي..

لا، ليست ساعة فخمة أو أي هدية أخرى يمكن أن يضع عليها سعر ما..

و لكن زين و آمنة يقرءان  واحدا من أهم كتبي ..و سيصادف إنهاؤهما لذلك مع يوم غد..عندما أكون قد بلغت اشدي..

ربما لا يبلغ الكاتب أشده إلا عندما يعلم أنه قادر على التسرب إلى أبنائه هكذا….

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

 


[i] معجنات الزيزفون: واحدة من أرقى محلات المعجنات في بغداد السبعينات.كان أسمها الأرليكان ثم صدر قرار للتعريب جعلها الزيزفون.

[ii] قول مشهور للجويني –عالم الكلام الشهير- عند وفاته، إذ تراجع عن كل أقواله و قال أنه “يموت على عقيدة عجائز نيسابور”..و ذهب قوله مثلا….

[iii] القول هو”كنت إذا حككت قرحة ادميتها و هو للصحابي عمرو بن العاص و يعني أنه إذا خبر أمرا أحاط به من كل جوانبه..

… بين نظرية المؤامرة ونظرية “اللا” مؤامرة

 

….  بين نظرية المؤامرة و نظرية اللامؤامرة

د.أحمد خيري العمري – العرب القطرية

 22 شباط 2008

ليسَ هناك من هو أكثر سذاجة من مروجي نظرية المؤامرة، إلا أولئك الذين يروجون أن لا مؤامرة هناك على الإطلاق!
فالفئة الأولى تروج لرؤية مسطحة، لعالم تتحكم فيه عصابة معينة، تلتقي في السر وتخطط في السر وتنفذ في السر، فإذا بالعالم كله رهن خطتها السرية، وإذا بالدول والإمبراطوريات ليست أكثر من “أحجار على رقعة شطرنج” تحركها أيدٍ خفية لا يعرفها أحد.
أما الفئة الثانية، فهي على العكس من الأولى، تتبنى رؤية مسطحة للعالم، الدول والحكومات فيه أشبه بجمعيات خيرية غير ربحية، تؤمن بفكرة العمل التطوعي وتخوض حروبها لتقديم المساعدة للآخرين.
وبين الرؤيتين المسطحتين للعالم هناك، بعيداً عنهما، عالم متعدد الأبعاد، شديد التعقيد، تتداخل فيه المصالح والمؤامرات، كما المثل والشعارات، تتداخل فيه الثقافات والحضارات، تتفاعل أحياناً، تتصارع أحياناً أخرى، تنجر إلى رد فعل هنا، ورد فعل هناك، ولكن ذلك كله يسهم في بناء عالم متعدد الأبعاد، ومختلف الأعماق.. لا تكفي الرؤيتين المسطحتين، على اختلافهما، لسبر أي عمق من أعماقه..
و”نظرية المؤامرة” ليست اختراعاً إسلامياً، على الرغم من أن الليبراليين من أصحابنا، قد أبلوا بلاء حسناً في غسل أدمغتنا من أجل إقناعنا أنها كذلك. لكن الحقيقة أن “نظرية المؤامرة” عموماً، هي ظاهرة إنسانية، وهي رائجة غربياً كما إسلامياً، وربما هي رائجة في العالم كله للأسباب نفسها، مع اختلاف في مستويات الانتشار، من بيئة إلى أخرى.
ومصطلح “نظرية المؤامرة” غربي الأصول تماماً، وهو مترجم حرفياً من “conspiracy theory” الذي استخدم للمرة الأولى أوائل القرن العشرين، ولكن لم يتشكل معناه بالشكل المستخدم (ألازدرائي) إلا في ستينيات القرن العشرين، ودخل في أواخر التسعينيات في قاموس أوكسفورد، ليتأصل ويتقعد بهذا الشكل. جذب المصطلح والمفهوم مفكرين مهمين من مختلف التيارات، قدموا إضافاتٍ مهمةً لفهم الظاهرة: مثل كارل بوبر، نعوم تشومسكي، دانييل بايبس، وغيرهم، وكل هذا يعني وجود الظاهرة في المجتمعات الغربية، لا كجزء من ثقافة شعبية ينظر إليها على أنها سطحية فقط، ولكن كجزء تاريخي من إيديولوجية اليمين الأمريكي، وخصوصاً المحافظين الجدد، الذين أَولى منظِّرُهم ” ليو شتراوس” أهمية كبيرة لنظرية المؤامرة في تماسك نسيج الأمة الأمريكية. ومن نماذج نظريات المؤامرة السائدة شعبياً في الغرب (اغتيال جون كنيدي، الصحون الطائرة التي تتستر عليها المخابرات الأمريكية، موت الأميرة ديانا).. وكلها تسود وتنتشر عبر وسائل الإعلام والصحف الشعبية وتصير مع الوقت جزءاً من قناعات جماهيرية راسخة على الرغم من عدم وجود أي دليل مادي على حدوثها.
نظرية المؤامرة تقوم بإعطاء الأولوية للمؤامرة في فهم التاريخ ومساراته، بالذات في انكساراته وهزائمه، ما دام الطرف الذي يتحدث يشير إلى مؤامرة فعلها الآخر بحقه. وفي تاريخنا الإسلامي تنتصب “شواهد” لهذه النظرية، في ثالوث تاريخي شهير شكل جزءاً من الوعي والفهم الشعبيين للتاريخ وللواقع، هذا الثالوث هو (ابن سبأ – العلقمي – يهود الدونمة)، وفي الحالات الثلاث على اختلاف تفاصيلها الزمنية والمكانية، فإن هناك تضخيماً لدور أفراد أو فئات محددة، مقابل اختزال واضح لأسباب حقيقية كامنة للفتنة أو الانهيار.
فابن سبأ مثلاً، وبعد التسليم بوجوده التاريخي، هو في النهاية “فرد” لا يمكن أن يكون قد تسبب في إحداث كل ما حدث، خاصة أننا نتحدث عن مجتمع الجيل الأول الذي تميز بأفراده المميزين من الصحابة الكرام، لكن كانت هناك تناقضات داخل المجتمع الإسلامي نفسه، بعضها نتجت بسبب توسع الدولة وزيادة الثروة واحتكار بعض الزيادة من قبل بعض الفئات، وبعضها نتجت بسبب أخطاء أو تجاوزات هي في النهاية جزء من الطبيعة البشرية، وبعضها كان لبقايا رواسب عشائرية وصراعات قديمة، كل هذا تجمع ليكون تناقضاً بنيوياً داخل المجتمع الإسلامي المتوسع، ما لبث أن توسع التناقض ليصير تمزقاً، يمكن تسميته بالفتنة، ولا كبير مشكلة في الإقرار بأن بعض الأقليات التي تضررت مع صعود المجتمع الإسلامي، قد تمكنت من استغلال هذه الفتنة، وحتى في تسريع نتائجها بشكل أو بآخر، لكن هذا لن يلغي أن النتائج كانت ستحدث بكل الأحوال.فالمؤامرة نادراً ما تغير مسار التاريخ. لكن التاريخ يتغير عبر نار هادئة قد لا يلاحظها أحد لفترة طويلة، إلى أن يحدث “الغليان” فجأة، فيفسر الأمر بهذا السبب أو ذاك..
مؤامرة ابن العلقمي لا تشكل فرقاً عن هذا، فالمؤامرة هنا تنسب لفرد معين، يمثل طائفة بعينها هنا، مسؤولية انهيار دولة الخلافة العباسية، عبر تعاونه (أي تعاون الطائفة) مع المغول، وهو التعاون الذي لم ينكره مؤرخو الطائفة المعنية أنفسهم بل قام بعضهم بتأصيله وشرعنته، لكن ذلك التعاون لن يكفي لتفسير ما حدث (بعد كل شيء، ما دام ابن العلقمي فاسداً وخائناً لهذه الدرجة، فما الذي جعله أصلاً بمنصب وزير الخليفة غير سلطة فاسدة مثله؟!) فالتعاون جاء في مرحلة أخيرة وقبل سقوط العاصمة بقليل، أي إن المغول كانوا قد توغلوا في عمق الدولة ووصلوا إلى مشارفها، وحدث خلال ذلك تعاون من أمراء وولاة آخرين، لم يدخلوا في الوعي التاريخي الشعبي كما فعل ابن العلقمي، لأنهم لم يدخلوا في النسق اللازم لإنتاج نظرية المؤامرة (بعبارة أخرى: لم يكونوا من طائفة أو أقلية أخرى) والتركيز على هذا الفرد نيابة عن الطائفة في تفسير انهيار الدولة يلغي السنن الإلهية التي تتحكم بصعود وانهيار المجتمعات، ويجعلنا نغض النظر عن حقيقة أن الدولة العباسية كانت – في تلك الفترة على الأقل- قد أوغلت في فساد وانحدار وتفكك جعلها عرضة للسقوط، كما أنه يغفل طبيعة القوة الشابة الجديدة (المغول)، الذين كانوا في أوج قوتهم، ولم يلحقهم ما كان لحق المسلمين من ترف وضعف..
الشيء ذاته تقريباً هو الذي يطبق على يهود الدونمة وسقوط الدولة العثمانية، فالتركيز على مؤامرة اليهود هنا سيوحي أن الدولة العثمانية كانت ستستمر في الحياة لولا مؤامرة اليهود، وهذا يجعلنا نغض النظر عن حقيقة تردي أوضاعها وشيخوخة هياكلها وابتعادها عن العلم وسننه وهي حقائق جعلت سقوط الدولة العثمانية محتماً، سواء حدثت هذه المؤامرة أو تلك..
وكما هو واضح من هذه الأمثلة، تعطي هذه النظرية الأولوية للمؤامرة لفهم أحداث التاريخ. وتغفل بذلك الأسباب الموضوعية المعقدة المتداخلة الكامنة في بنية الحراك الاجتماعي التي قد تدفعه إلى الأعلى، أو تجعله راكداً معرضاً للسقوط، أو قد تدفعه إلى السقوط،..
 ما دور الأعداء هنا؟.. بالتأكيد لهم دورهم، إنه دور “العدو” – بالتعريف – الذي سيستغل مظاهر الضعف عندما تبرز، ويستثمرها لصالحه: فإذا بالتمزقات الاجتماعية الناتجة عن تناقضات في هيكلية المجتمع، تصبح ثغرات يتسلل منها العدو ليجهز على المجتمع وكيانه، لكن هذا لا يمكن أن يحدث إلا إذا كانت هناك الثغرات ابتداء.. وسواء دخل هذا العدو عبر هذه المؤامرة وتفاصيلها، أو عبر مؤامرة أخرى، فإن “عدواً” ما يجب أن يتسلل، كتحصيل حاصل لطبيعة الأشياء ومسارها..
لكن لماذا أصلاً تنتشر نظرية المؤامرة بهذا الشكل العالمي عابر الأزمان والقارات؟
.. أسباب انتشارها هي الأسباب نفسها التي تبدو أنها ستكون سبب عدم انتشارها. فالرؤية التي تقدمها لعالم مسطح ترجع كل الأمور السيئة إلى سبب واحد هو العدو، هي التي تجعل عموم الناس يميلون إلى تصديقها، ذلك أن العالم هكذا سيبدو أكثر أمناً وبساطة عندما يفسر السوء أنه قد جاء من جهة واحدة فقط هي مصدر كل الشرور والمصائب، فهذا سيجعل الناس مقتنعين أنهم على صواب، أو أن تاريخهم كان على صواب، وأن الشرور والكوارث لا تأتي إلا من عدو خارجي متربص، وأن الذات سليمة تماماً، لا تحتاج إلى مراجعة أو نقد أو حتى تقويم.
نظرية المؤامرة تمرر رسالة يريد الناس أن تصلهم: رسالة تقول لهم: إن الحق دوماً على “عدو” ما، وكفى الله المؤمنين شر مواجهة أخطائهم. ولأن الحق على العدو دوماً، والخطأ خطؤه، فلا شيء هناك يمكن عمله، أو كان يمكن عمله، غير بعض اليقظة تجاه هذا العدو..
كما إن نظرية المؤامرة -خاصة فيما يتعلق بموت المشاهير- تمنح نوعا من الأمان المزيف للمؤمن بها، فوفاة شخصية مهمة نتيجة حادث عرضي (مثل حادث سير ) سيجعل الإنسان العادي يشعر بالخوف أكثر، بينما يشعر بنوع من الأمان عندما يؤمن أن هذا الحادث إنما تعرضت له هذه الشخصية نتيجة لشهرتها و مكانتها، اما هو ففي مأمن من ذلك لأنه مجرد إنسان عادي..
من أسباب قوة هذه النظرية، وضعفها في آن، أنها غير قابلة للبرهنة حتماً، فأدلتها مخفية بالتعريف، فما دامت هناك مؤامرة فلا بد أن كل شيء أخفي تماماً، وما دامت غير قابلة للبرهنة، فهي في الوقت نفسه غير قابلة للدحض، لأن لا دليل عليها يمكن مناقشته بطريقة علمية، فهي لا تقوم إلا على”فرضية”، تجد أرضها الخصبة في الميل الإنساني للتصديق بهذه الفرضية…(و هذا يجعل استغلال الشركات الاحتكارية و تطويعها وسائل الإعلام لغسل أدمغة البشر في خانة أخرى غير خانة نظرية المؤامرة،بل هي حقيقة علمية تدرس في وسائل التسويق و الإدارة و تجاهل هذه الحقيقة عبث لا طائل من ورائه)
هذا عن نظرية المؤامرة وسدها لحاجات نفسية على الرغم من بعدها عن الواقع وتعقيداته. فماذا عن أولئك الذين لا يرون المؤامرة أصلاً؟.. هؤلاء هم النسخة المعاكسة من أولئك. إذا كان أصحاب نظرية المؤامرة لا يرون غير العدو، فإن هؤلاء لا يرون العدو أصلاً. وهذا أحياناً يكون أسوأ. إنهم لا يدركون طبيعة العالم الذي نعيش فيه، القائم على التدافع أحياناً، وعلى الصدام أحياناً وعلى الصراع في أحيان أخرى كثيرة. ولأنهم يرفضون فكرة المؤامرة بشكل مسبق فإنهم ينجرون إلى فكرة عدم وجود عدو، وربما إلى الترويج له ولشعاراته وإن كان ذلك ليس نيتهم أصلاً.
وبالنسبة للفئة الأولى، فإن الفئة الثانية ستتحول فوراً إلى جزء من نظرية المؤامرة نفسها، باعتبارهم متآمرين ومتعاونين مع العدو بالطريقة نفسها. وهذا كله يجعلنا ندور في حلقة مفرغة. فالحقيقة تظل أكثر تعقيداً، وعلى سبيل المثال فإن بعض “أدعياء التجديد الديني” يصنفون حسب نظرية المؤامرة باعتبارهم جزءاً من المؤامرة الماسونية نفسها، والفكرة هنا أن النظرية ستعتبر أن نتاجهم قد أعد مسبقاً في أقبية المخابرات ودُفِعَ لهم نقداً على الفور، لكن الحقيقة على الأغلب ليست بهذه البساطة، فنتاج هؤلاء وطروحاتهم وأفكارهم قد تستثمر وتدعم وتروج من قبل العدو، (وليس تقرير مؤسسة راند وملاحظات برجينسكي بعيدة عن هذا) لكن ذلك يكون غالباً بعد أن أنتج هذا الفكر وطرح، أي إن هذا الفكر يكون قد طرح نتيجة لتناقضات موجودة داخل بنية الفكر التقليدي، تفاعلت مع عقدة النقص المستحكمة تجاه الغرب لتنتج فكراً يمكن للعدو استخدامه.. وربما قد يدعم منتجه لاحقاً..أي إن هذا الفكر كان سينتج بكل الأحوال : بدعم غربي أو دونه..
هذا العالم لا يمكن لأي من النظريتين أن تقدم فهماً متوازناً له، كما لا يمكن للعالم أن يرسم باللون الأسود والأبيض فقط..
بالمناسبة:  عدم إيمانك بنظرية المؤامرة، لن يبطل المؤامرة في حال وجودها !
و بالمناسبة أيضا :هذا المقال ليس جزءاً من مؤامرة ما، ضد النظريتين!..
 

الطريق الى الفردوس : براء أصفري

نوع آخر من الإيمان (2)..
الطريق إلى الفردوس

 

   من الصعب اجتياز الآية التي تقول بعد بسم الله الرحمن الرحيم: (( إنّ الّذينَ آمنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ كانتْ لهُمْ جَنّات الفِردَوْسِ نُزلاً* خُالدينَ فيها لا يبْغونَ عنْها حِولاً* )) سورة الكهف/آية 107-108. دون الوقوف عندها والتمعّن فيها. فهي تشير بكل وضوح إلى طريق للفردوس.. تشير وتدل إلى الفردوس بشكل واضح لا التباس فيه وبدون أيّة غموض.. فالأمر بسيط جداً وواضح جداً، ولا يحتاج إلى تأويل.. فالطريق إلى جنّة الفردوس – التي نطلبها في كل دعاء، وفي كل ليلة وفي كل رمضان – أمامنا وبين أيدينا.. لا نحتاج إلا للقراءة وللاستبصار..

وعندما نتذكر أنّ الفردوس لا تعني فقط أعلى درجة بالجنّة، بقدر ما تعني قمّة نعيم الله عزّ وجل لأنها أقرب منطقة إليه سبحانه وتعالى، فقربها منه تعالى هي نعمة فريدة بحد ذاتها.. هذا النعيم – الذي نطمح أن نصله بدعائنا المستمر وإلحاحنا فيه – لا يأتي بسحبٍ لليانصيب.. باختيار عشوائي لفئة من الذين واظبوا على الإلحاح في دعائهم طلباً للفردوس.. عندما نقتنع أنّ أداء المعنى الحرفي لحديث الرسول محمد صلى الله عليه وسلم: (( إذا سألتم الله الجنّة، فسألوه الفردوس.. البخاري 2790 )) يمكن أن يثمر هكذا ببساطة!.

فهناك شرطان للوصول إلى الفردوس كما نرى من خلال الآية، هما: الإيمان، والقيام بالأعمال الصالحة..

أي ببساطة وبمعنى أوضح، وصولنا إلى الفردوس مرتبط بمقدار تطبيقنا للإيمان وللعمل الصالح.. وتطبيقنا لهما مرتبط بشكل حاسم بكيفية فهمنا وتعريفنا لكلّ منهما.. فأيّ التباس وتشويش في معنى أي منهما سيؤدي إلى طريق آخر، طريق يبعد شيئاً فشيئاً عن طريق الفردوس.. كلما زاد التشويش ونقص الفهم والوضوح..

لذلك نحتاج إلى وضع تعريف واضح ودقيق لكل من الإيمان والعمل الصالح.. فالعمل الصالح من الأفعال غير المعرّفة بشكلٍ واضح ودقيق في حياتنا، ومعنى “العمل الصالح” لدينا مازال بعيداً عمّا فرضه القرآن.. وهذا ما سينعكس سلباً في سيرنا ورؤيتنا للطريق..

فلنبدأ:

أولاً، “الذين آمنوا”:
في البداية من هم المؤمنون؟ هم الذين يؤمنون بالله عزّ وجل ولا يُشركون معه أحداً، ويؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، ويؤمنون بملائكة الله وكتبه ورسله، وباليوم الآخر، وبالقضاء والقدر خيره وشرّه.. ويعملون جاهدين على الحفاظ على هذا الإيمان..
أسف، هذه الإجابة غير دقيقة.. لأنّها لو صحّت لكان معظم مسلمي اليوم مؤمنين!.. فجميعهم يندرج تحت هذا التعريف.
فالإنسان المسلم بالطبع يؤمن بالله سبحانه وتعالى وبسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم و.. و.. لكن إيمانه هذا لم يترجم بصورة كاملة إلى عبادات.. فالإنسان المسلم رغم إيمانه فإنّه قد لا يصوم ولا يزكّي، أو قد لا يصلي.. أو قد يصلي بشكل متقطع.. لكن الإنسان المؤمن هو الذي يترجم إيمانه إلى عبادات، فلا إيمان بدون الالتزام بأداء الفرائض.. فهناك فرق كبير بين أن نكون مسلمين أو أن نكون مؤمنين..
فالإسلام من الاستسلام، ربما للأمر الواقع بوجود إله، فلا حرية لديك.. فالإله موجود إن اقتنعت أم لا. وربما كل ما يحيط بك يخبرك ويدلّك على وجود إله، وأنت بدورك استسلمت ورضخت لفكرة وجود إله.. وبدأت بعدها بمحاولة تحسين العلاقة بأدائك لبعض العبادات..
لكن الإيمان من اليقين، من أن تتيقّن تماماً بوجود الله.. أن تراه ولكنك بالحقيقة لا تراه.. وليس فقط هذا بل بحكمة وإتقان هذا الإله وبالتالي جميع أوامره ونواهيه هي منزّهة عن العبث والخطأ.. وبالتالي فإنك تسعى جاهداً لإرضاء هذا الإله، فلا خيار لك ما دمت تؤمن به أن لا تقوم بما يأمر به..
فلا يوجد مؤمن حقيقي (كما يفرضه القرآن) لا يصلي، أو لا يصوم أو يزكّي..

فالمقصود بـ “الذين آمنوا” هم الفئة من المسلمين الذين تطوّروا ووصلوا إلى الإيمان عبر ترجمة إيمانهم بالتزامهم بأداء الفرائض.. فأدائنا للفرائض بشكلٍ مستمر هو الإثبات الوحيد على إيماننا، وبالتالي لا يصح أن نطلق على فئة أنها مؤمنة إن لم تبرهن على ذلك.. والله عزّ وجل عندما يتحدث عن فئة أنّها مؤمنة هذا يعني أنّها تؤدّي الفرائض، برهنت على إيمانها عبر أدائها للفرائض..
لكن مهلاً، ففي القرآن هناك آيات تقول: يا أيّها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام (مثلاً).. ألا يدل هذا على أنّ الإيمان لا علاقة له بأداء الفرائض؟ بالحقيقة لا، لأنّ تعاليم الدين الإسلامي كما نعلم نزلت بشكل متتالي، وبالتالي الفرائض نزلت هي الأخرى بشكل متتالي ومتعاقب.. فالمؤمنون في ذلك الزمان كانوا ملتزمين بجميع الأوامر المفروضة حتى تأتي مناسبة وتفرض فريضة جديدة.. فمعنى الآية السابقة: يا أيّها الذين آمنوا (الذين يؤدّون الفرائض المفروضة) كتب عليكم شيء جديد، فريضة إضافية..

هذا كلّه يوصلنا إلى نتيجة.. نتيجة مهمة قد تغيّر الكثير.. نتيجة موجودة في تلك الآية.. بسم الله الرحمن الرحيم: (( إنّ الّذينَ آمنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ كانتْ لهُمْ جَنّات الفِردَوْسِ نُزلاً* خُالدينَ فيها لا يبْغونَ عنْها حِولاً*  )) سورة الكهف/آية 107-108 . النتيجة باختصار أنّ أداء الفرائض هي متضمّنة في “الذين آمنوا” وبالتالي فإن العمل الصالح يشير لشيء آخر مكمّل.. لأنّ الذين سيعملون الصالحات هم مؤمنون وهؤلاء المؤمنون يترجمون إيمانهم حتماً بأداء الفرائض..

هذا الأمر يشبه تماماً “رسم الانتساب” عند انتسابك لأي جمعية، فقبل أي شيء يجب أن تدفع هذا الرسم.. وكذلك الأمر في الإسلام فالفرائض هي رسم انتسابك للإسلام، فعندما تقرّر أن تنتسب فلا حرية لك في أن تفعل هذا الفرض وتترك ذاك.. إنّها “أفعال أمر” يجب أن تفعلها قبل أي شيء.. ولأنّها الشيء التي ستُثْبت إيمانك، ستثبت عضويتك.. والصحيح أنّ صفة الإيمان لا تأتي إلا بعد استحواذك على هذه العضوية، إلا بعد دفعك لرسم الانتساب، إلا بعد أدائك للفرائض..
ودائماً دفع رسم الانتساب هي خطوة صغيرة (أوّل خطوة) نقوم بها لنأخذ عضويتنا وصلاحيتنا في أن نشارك في أهداف ونشاطات الجمعيّة (الإسلام) الأساسيّة..

 

ثانياً، “وعملوا الصالحات”:
إذن كنتيجة، أداء الفرائض لا تندرج تحت العمل الصالح.. أي أدائنا للصلاة وللصيام وللزكاة وللحج جميعهم لا يندرجوا تحت العمل الصالح..!
والاكتفاء بهم (على أهمّيتهم) باعتبارهم أعمال صالحة، كما نفعل نحن الآن، لن يؤدي إلاّ إلى الواقع السلبي الذي نعيش فيه..
فجميعهم منصّات انطلاق نحو العمل الصالح.. لكن ليس تحته..

أعلم أنّه من الصعب علينا تقبّل الفكرة.

لكن لعلّ معرفتنا وتعريفنا للعمل الصالح يهوّن الأمر علينا..

فالعمل الصالح ببساطة هو العمل الذي يتفاعل مع بيئة أو وسط أو أي شيء غير سوي، غير صحيح لينتج بيئة أو وسط أو أي شيء سوي وصحيح.. فالنتيجة هي من تحدد إن كان العمل صالحاً أم لا.. فكلمة “صالح” هي صفة تصف كلمة العمل، وهذه الصفة لا يكتسبها العمل إلا عندما يثبت ويبرهن على صلاحه عبر النتائج.. إنّ أي عمل لا يسمّى صالحاً إن لم تُرى النتيجة حتّى لو كان الجهد المبذول فيه كبيراً.. إنها حقيقة واضحة وجليّة.. وصعوبة تطبيقها على أرض الواقع لا يغيّر شيء من حقيقتها..
كتابتي مثلاً لهذه المقالة لا تسمّى الآن عملاً صالحاً ما دام لا أحد رأى النتيجة، لا أحد رأى إصلاح وتغيير حقيقي في مفاهيم وأفعال بعض الناس.. مقالتي هذه هي عمل جيّد سأُثاب عليه إن أخلصتُ النّية.. لكن لا علاقة أبداً بتسميتها بعمل صالح ما دامت النتيجة غير مرئيّة، غير موجودة..
فالشيء الإضافي الآن بهذا المنظار الذي أضافته الآية عن الإيمان وأداء الفرائض هو أنّ الله سبحانه وتعالى عندما يطلب منّا من خلال القرآن أن نعمل صالحات، فهو يريد عمل له نتيجة في الأرض، له أثر، له جدوى، يريد ثمرة محسوسة وملموسة، لا أقلّ من ذلك..

لكن على أهمّية فعل الحسنات في الإسلام إلا أنّ القرآن لم يذكر قط – ولا حتى مرّة واحدة – الأفعال التي يقوم بها المؤمن على أنّها “حسنات”، أي كالصياغة الآتية: والذين أمنوا وعملوا الحسنات.. فكل إشارة في القرآن عن عمل المؤمن كانت تصاغ وتتركّز بمفهوم العمل الصالح “والذين أمنوا وعملوا الصالحات” أو “من آمن وعمل صالحاً” مع العلم أنّ الصياغة (وعملوا الحسنات) قد أُستخدمت في القرآن بشكل مشابه جداً وذلك في سورة القصص، آية84: (( مَن جَاء بالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ منها ومن جَاء بالسّيّئةِ فلا يُجزى الّذين عمِلوا السّيّئاتِ إلا ما كانوا يعمِلونَ )).. إذن، الصياغة لا إشكال عليها فلقد أُستعملت مع السيئات.. لذلك نستنتج أن تجاهل عدم استعمالها مع الحسنات هو أمر يدل على شيء..
إنّ أفعالنا الدينية اليوم باختلاف أشكالها وطقوسها مازالت تتمحور لتنطلق لغاية واحدة.. لغاية زيادة الأجر والثواب، أي من أجل زيادة الحسنات.. كل ما نقوم به لا يتعدّى هذا المفهوم.. وعلى الأقل لقد نجحنا في ذلك، فقد بدأنا نسمع لأول مرة عن “بنك الحسنات”!. والمفارقة في الموضوع أنّ حتى تضخّم الحسنات لدينا الذي احتاج إلى مثل هذا البنك – “بنك الحسنات” – لم يستطع أن يغيّر الواقع نحو الأفضل..
وهذا يعني أن ثمّة هنالك اختلاف بين المفهومين (مفهوم العمل من أجل الحسنات ومفهوم العمل الصالح) لكي يتجنّب الله جلّ جلاله ذكر الاثنين بمعنى واحد..
الاختلاف يكمن في جوهر كلّ منهما.. فالعمل من أجل الحسنات هو من أجل زيادة رصيدك أنت بالحسنات. لن يتدخّل بالواقع الذي تعيش فيه ولن يذكّرك بذلك ما دمت تطمع بالمزيد من الحسنات وتحصل عليه بالمزيد من العبادات.. لكن العمل الصالح هو الذي يهتم بالنتائج، يهتم بالبيئة التي تعيش فيها ويستفزّك من أجل تغييره نحو الأفضل، والحسنات ستأتي من تلقاء نفسها، ستكون ثمرة من ثمرات العمل الصالح.. إذن، الاختلاف يكمن: بين أن تكون الحسنات هدفاً وبين أن تكون ثمرة من ثمرات أعمالك.. الاختلاف يكمن بطريقة تفكيرك ونظرتك للموضوع، وببساطة: بنمط حياتك..
وسأقولها بوضوح أكثر: أذكارك وصلواتك مهما كثرت فإنها بالنتيجة لن تفيدني وتفيد الآخرين في شيء.. لكن عملك الصالح ولو كان واحداً فإنّه سيؤثّر حتماً وعلى الأقل في وسطك المحيط..
ولتتذكّر أنّ أي عمل تقوم فيه لجلب الحسنات سينتهي بموتك، وحسابك في “بنك الحسنات” سيغلق.. لكن عملك الصالح هو يبدأ بحياتك ولا ينتهي بموتك وقد يستمر باستمرار الحياة على هذه الأرض.. عمل واحد صالح سيكون خيراً من عشرات البنوك المملوءة بالكامل بالحسنات.. لأنّه ببساطة غيّر الواقع، حقّق الهدف الذي فُعل من أجله، أعطى لحياة صاحبها معنى وأثر.. (( ومَنْ أحسَنُ قولاً مّمّن دَعا إلى اللهِ وعمِلَ صالِحاً وقال إنّني مِن المسْلِمينَ )) فصلت، آية33.
فالله سبحانه تعالى قد اختار الصياغة التي ترفع مقدار الكفاءة لدينا.. يقول جلّ جلاله في سورة الأعراف، آية168: (( وقطّعْناهُمْ في الأرضِ أُمماً منهُمُ الصّالِحونَ ومِنْهُم دُونَ ذلِكَ )).. فـ “دون ذلك” بليغة لدرجة الانتخام.. فالله تعالى لم يذكر في آيته إلا صنف واحد، وهو بالحقيقة الصنف المطلوب والذي خلقنا من أجله. و”دون ذلك” لا يعني وجود صنفاً واحداً أخر.. بل يعني امتداد الأصناف للأسفل بلا نهاية وبأي تصنيف نختاره.. وهذا لا يعني أيضاً أنّ في الإسلام لا يوجد إلا أعمال صالحة وكل غير ذلك من أصناف وتصنيفات إذن طالحة وفاسدة. بل هناك أعمال جيدّة وأعمال تجلب الحسنات.. فـ “دون ذلك” تشير إلى تصنيفات تنحدر من رتبة العمل الصالح نزولاً تدريجياً للوصول إلى القاع.. والاهتمام بأسماء لهذه التصنيفات بالحقيقة لا يفيدنا، بل من الممكن أن يشوّشنا.. لذلك لم يذكر جلّ جلاله غير الفئة المطلوبة.. لنضع في نصب أعيننا ذلك الهدف ونسير في طريقنا إليه..

ولكي لا ننسى فإننا مازلنا نتكلم عن الطريق الذي سيوصلنا إلى الفردوس.. الفردوس التي هي قمّة القمّة.. من البديهي أن يكون الطريق إليها شاقاً وصعباً.. بصعوبة أن نرى نتائج أفعالنا.. لكنها مهما كانت صعبة لابد أن نحاول.. فالنتائج التي يطلبها الله عزّ وجل هي بالنهاية من أجلنا نحن، من أجل أن نعيش بطريقة أفضل، فأيّ تغيير وأيّة ثمرة نحصدها من أفعالنا ستسهّل وتجمّل لنا الواقع بصورة أفضل..

هذا المعنى الجديد للعمل الصالح يتوافق مع مهمة الإنسان في الأرض.. في أنّه خليفة الله تعالى على الأرض.. بسم الله الرحمن الرحيم: (( وإذْ قالَ ربُّكَ للملائكة إنّي جاعلٌ في الأرضِ خليفةً )) البقرة/ آية 30. وأيّ خليفة حقيقي سيكون إن لم ير أحد نتائج وثمار هذا الخليفة؟  فالشعارات لا تفيد والمحاولات الفاشلة أيضاً لا تفيد مهما بدت النيّات طيبة وسليمة.. فمثلاً، كلام أيّ راعي أمام رعيّته عن أحلامه وطموحاته لا وزن لها إن لم يترجمها إلى نتائج واقعية وملموسة.. فالله تعالى عندما يطلب أن نعمل صالحات هو يريد رؤية جدارة هذا الخليفة.. في قدرته على صنع النتائج.. لأنّه يملك كل الإمكانات لتحقيق ذلك.
وثمار أفعالنا ربما ستكون الدليل (المهر) على أهلّيتنا لاستحقاق الفردوس..

 

أعلم أنّ الأمر صعب جداً، لكن هذا فقط لأننا لم نعتد على ذلك.. وشعورنا باستحالة رؤية نتائج أعمالنا هي نتيجة طبيعة لآثار العقود الطويلة من الضعف والذّل والسلبية واحتراف عمل اللاشيء.. لا شيء غير ذلك.

 

لكن بالرغم من كل ما ذُكر، فإن الأمر سيظل صعباً على البعض.. فليس كلّ الإمكانات واحدة.. والله جلّ جلاله يعلم ذلك.. ولأنّه رحيم فقد وضع طريق ثاني مختلف للوصول إلى الفردوس!.

 

تقول الآيات بعد بسم الله الرحمن الرحيم: (( قد أفْلحَ المؤْمِنُونَ* الذينَ هُمْ في صَلاتِهِم خاشِعُونَ* والّذينَ هُمْ عن اللّغوِ مُعْرِضُونَ* والّذين هُمْ للزّكَاةِ فَاعِلُونَ* والّذين هُمْ لفُرُوجِهِم حَافِظُونَ* إلا على أزْواجِهِمْ أو ما مَلَكَتْ أيْمانُهُم فإنّهُمْ غيْرُ ملُومين* فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذلكَ فَأولئِكَ هُمُ العَادّون* والّذين هُمْ لأمَانَاتِهِم وَعَهْدِهِم رَاعُونَ* والّذين هُمْ على صَلَوَاتِهِم يُحَافِظُونَ* أولئِكَ هُمُ الوارِثُونَ* الّذينَ يرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هُمْ فيها خالِدُون* )) سورة المؤمنون/ آية 1-11.
عند القراءة السريعة للآيات يمكن أن نقع في مطب النظرة التقليدية في أنّ الآيات تتحدث فقط عن أداء لعبادات واكتساب بعض الأخلاق.. لكن الشيء الجديد سيظهر عندما نتمعّن جيّداً في الآيات..

فهناك فردوس.. والفردوس كما نعلم هي أفضل جائزة ممكن أن يقدّمها الله تعالى للعبد.. وهناك فئة من المؤمنين سيورثون هذه الجائزة، سيورثون الفردوس.. وذلك عبر إتّباعهم لطريق.. وهذا الطريق لديه معالم واضحة كما مبيّن بالآيات، فلا شيء مخفي أو مبهم.. ووضوحه الشديد قد أوقد عقلي بسؤال، وحطّم هذا السؤال بوروده كل المفاهيم القديمة..
السؤال ببساطة: أين الصيام في الموضوع؟  فالطريق إلى الفردوس لم يذكر أيّ شيء عن الصيام؟!  أيعقل أن تصل فئة من المؤمنين إلى أعلى نقطة ومنزلة في الجنّة بدون أن يصوموا؟!
ولنتذكر أن الصيام ركن من أركان الإسلام الخمس مثلها مثل الصلاة.. لا أقل ولا أكثر..

عدم ورود الصيام (وأيضاً الحج) في آيات العبادات والأخلاق في أول سورة “المؤمنون” أكيد لا يشير إلى عدم أهمّية هذين الركنين في الإسلام، بل يشير لشيءٍ آخر مختلف تماماً.. يشير إلى المعنى الذي توصّلنا إليه سابقاً في أنّ كلمة “المؤمنون” تتضمّن أداء الفرائض.. فلذلك لم تذكر الصيام.. وذِكْرُ الصلاة والزكاة لاحقاً لا يشير إلى أدائها كفرائض بل يشير لشيءٍ مختلف أيضاً..

إذن، هناك مجموعة من المؤمنين تؤدّي حتماً الفرائض كونها مؤمنة. هذه المجموعة يصفها الله تعالى أنّها أفلحت. فاستحقّت أن تأخذ أعلى جائزة في الجنّة.. ونجاحها التي ميّزها عن غيرها كان عبر تطبيقها لشيء إضافي، شيء يتمحور حول الآتي:

أولاً، “الذين هم في صلاتهم خاشعون”: انطلقت الفئة المؤمنة من إيمانها وأدائها للفرائض إلى الخشوع في الصلاة.. لكن ما الجديد في الموضوع؟ فجميعنا يخشع في الصلاة وخاصةً في رمضان!.. يقول الدكتور أحمد خيري العمري في كتابه الأول من سلسلة كيمياء الصلاة: ” للأسف قد سيطرت على أذهاننا صورة أحادية عن (الخشوع في الصلاة)، وهي صورة تتلخّص في بكاء خاشع، أو الوقوف على حافة البكاء على الأقل.. الخشوع في جوهره أكبر من ذلك، وقد لا يتطلب بالضرورة وجود دمع هاطل، كما لا ينفيه بالضرورة، إنّه، بلسان العرب، الهبوط إلى الأرض ويعد ذلك إشارة على الخضوع والذّلّة – كما في (وَخَشَعَتِ الأصْوَاتُ للرّحْمَنِ) طه/108.  ولكنها هي الأرض الهامدة غير الخضراء التي تثيرها الرياح فتغيّرها، يوضح ذلك في الآية (وَمِنْ آيَاتِهِ أنّكَ تَرَى الأرْضَ خَاشِعَةً فإذا أنْزلّنَا عَليْهَا المَاءَ اهْتَزّتْ وَرَبَتْ) فصلت/39.  ويعني ذلك أنّها مستعدّة للتغيير، جاهزة للتفاعل مع المعطيات الجديدة، سواء كان ماءً، أو ريحاً؛ الماء لتجعلها خضراء، والرياح لتعيد تشكيلها.. وفي الحالتين، فإن التغير هو صفة ملازمة للخشوع، وكذلك فإن الخشوع في الصلاة، الذي هو أوّل ما ذكرته الآيات.. هو في حقيقته تغير عبر الصلاة، تغيراً داخلياً عميقاً، يكون أحياناً مؤلماً لدرجة البكاء، ويكون أحيانا أعمق وأكثر إيلاماً مثل المخاض لا تجدي معه الدموع ولا الصراخ..” (انتهى الاقتباس)
إذن، الخشوع يعني القابلية والاستعداد للتغيّر.. يعني أن لا نرضى بعالم سلبي نعيش فيه.. يعني الخشوع أن نضع هدفاً في حياتنا ونسعى لتحقيقه، وهذا الهدف سيتمحور وينطلق من سبب وجودنا الأساسي في كوننا خلفاء في الأرض.. أي، أن نكون مثل الأرض الخاشعة، فالأرض الخاشعة عندما تُسقى تنمو لكي تُثمر.. والمطلوب منا عندما نخشع في صلاتنا أن ننمو لكي نُثمر!..

ثانياً، “والذين هم عن اللّغو معرضون”: يضيف الدكتور أحمد: ” ما الذي يحدث بعد هذا التغيير..؟ تأتي الآيات في سياقها لتسرد لنا، الرؤية ذات البعد الواحد لن تجد أكثر من الخلق الحسن والسلوك القويم، لكن تعدد الرؤى سيكسب ذلك السياق أعماقاً أبعد.. فالإعراض عن اللغو، واللغو هو أي سقط من الكلام والفعل، أي كل ما هو تافه مسطح بلا غرض ولا اعتماد من الأفعال والأقوال؛ هو ليس إعراضاً لمجرد الإعراض، بل لأنك مشغول بقضايا أهم – لأن لديك في حياتك ما هو أهم، وأغنى، وأجدر، لأن وقتك المحدود على هذه الأرض أثمن من أن يضيع فيما هو “لغو”..” (انتهى الاقتباس)
إذن، هناك فئة من المؤمنين الذين يؤدّون الفرائض.. لكنهم لم يكتفوا بذلك بل انطلقوا منها إلى الخشوع في الصلاة الذي يعني النمو من الأجل الإثمار، من أجل تغيير الحياة نحو الأفضل.. لكن كيف يمكنهم أن يُثمروا؟ لابد من وضع خطّة ومنهج طريق ليصلوا إلى ذلك.. ولأنّ الوقت قصير فلابد من استثماره، وهذا يعني أن يعرضوا عن اللغو.. أن يبتعدوا عن كل شيء تافه لا قيمة له، أن يبتعدوا عن أي شيء لا يفيد ولا يساعد في الوصول إلى الإثمار، إلى التغيير نحو الأفضل..

ثالثاً، “والذين هم للزكاة فاعلون”: الآن الفئة المؤمنة قد ابتعدت عن اللغو.. مما أتاح لها وقتاً إضافياً للاستغلال.. النتيجة المنطقيّة أنها ستتقدّم للأمام بخطى ثابتة.. ستتقدّم نحو تحقيق هدفها.. وفعلاً بدأت هذه الفئة – باستثمارها للوقت – تنجح وتكتسب المعرفة وتتطوّر.. أصبحت أكثر علماً، وأكثر إتقاناً في عملها.. لذلك بدأت تعطي مما اكتسبت وتطوّرت به إلى الآخرين كنوع من الزكاة.. وهذا الاكتساب قد لا يكون المال، فالزكاة هنا لها أوجه متعدّدة أخرى مهمّة، وحصرها فقط بالمال يفقد الزكاة معانٍ عميقة..

فالفكرة هي أن نتذكّر (إن أحببنا أن نسير إلى الفردوس) أنّنا عندما نتطوّر أن نُطوّر معنا الآخرين.. أنّنا لا نعيش كأفراد منفصلين.. أن نتعلّم أن هنالك فئة من المؤمنين قد فلحت عندما أعطت وشاركت نقط قوتها وتطوّرها مع الآخرين كنوع من الزكاة على ما حصلت عليه.. من الأجل الارتقاء الجماعي..

رابعاً، “والذين هم لفروجهم حافظون”: إعطائهم للزكاة بشكل عملي وذلك بمشاركة قوّتهم وتطوّرهم مع الآخرين سيؤدي حتماً إلى نوع من الاختلاط المشروع بين الجنسين.. لذلك تطبيق الضوابط الإلهية في التعاملات الاجتماعية سيؤدي حتماً إلى حفظ الفروج..

خامساً، “والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون”: إنّها تعني السعي الدائم للازدهار.. إنّها تعني الانطلاق من حفظ الذات (حفظ الفروج) إلى حفظ ورعاية ما هو أكبر من ذلك.. إنّها الدأب الكامل على العمل.. إنّها الانفتاح على الاتجاهات الأربعة لنرعى أي أمانة وأي عهد يمكن أن يساعداننا للوصول إلى الفردوس..

سادساً، “والذين هم على صلواتهم يحافظون”: أن نحافظ على هذه الدورة الإنتاجيّة من أجل الإثمار.. مثل الدولاب الذي يكرّر حركته من أجل أن يتقدّم إلى الأمام..
إنها منهج واحد، وحلقة واحدة، وخطوات متتالية ومتعاقبة للوصول إلى الفردوس..

 

هل هناك طريق ثالث؟ بالحقيقة لا أدري فقد يكون هناك الكثير.. لكني الذي متأكد منه أن كلمة الفردوس ذُكرت مرتين فقط في القرآن. ربما للإشارة إلى قلّة طالبيها الحقيقيين!..

 

 

براء أصفري
7-6-2010
 

 

كل مجزرة و العقل الجمعي (مكانك سر)…

كل مجزرة و العقل الجمعي (مكانك سر…)

د.أحمد خيري العمري -  القدس العربي

http://www.quran4nahda.com/?p=1575


كنت طفلا في الابتدائية عندما حدثت مجزرة صبرا و شاتيلا  ..لا أزال أذكر غلاف مجلة عربية  كانت حديثة الصدور آنذاك ( انقرضت لاحقا لظروف قاهرة ألمت بالنظام العربي الممول لها) و كان غلاف العدد يصور كومة من جثث الشهداء الفلسطينيين مع  عنوان مستفز:”كل مجزرة و أنتم بخير”..

أقل من 30 عاما تفصل بيننا و بين المجزرة، لكنها  كانت حافلة بمجازر و كوارث من العيار الثقيل ، لم يكن أولها مذبحة الحرم الإبراهيمي   و لا آخرها احتلال بلد عربي بأسره مرورا بمذابح مثل جنين ، قانا  الأولى و الثانية ، ملجأ العامرية ،..الخ .

القائمة تطول و التعليق المستفز لا يزال قائما :كل مجزرة و انتم بخير ، و رد الفعل لا يزال هو نفسه ، بتغييرات طفيفة تمس الشعارات المستخدمة  و اللغة المستخدمة في رد الفعل، و لكن لا تمس جوهر رد الفعل نفسه : أو اللا فعل بالأحرى..

كل أزمة تمر بمجتمع أو شعب ما، يمكن أن لها أن تكون بمثابة “نداء يقظة”، تستفز هذا المجتمع و تحثه على تجاوز الأسباب و العوامل التي قادت أو سهّلت الوصول إلى هذه الأزمة..

هل هناك فرصة أكثر من كل ما مررنا به للاستيقاظ ؟ هل يمكن تخيل كم هي من الأفعال التي كان يجب أن تنتج ردود أفعال توقف استمرار هذه الأفعال..؟

لكن لا شيء من هذا حدث معنا، دوما رد الفعل يركز على أي شيء إلا الفعل-إلا في القليل النادر..

هناك بعض الأفعال التي ما أنزل الله بها من سلطان و التي توهم فاعلها ( حسن النية غالبا) إنه يفعل شيئا ما، و هكذا كان هناك الصيام من أجل العراق و الصيام من أجل غزة و قيام الليل من أجل غزة..و الرسائل النصية القصيرة التي تتداول ذلك كله..الخ..

هذه الأفعال تضع الشعائر عموما في غير السياق الذي فرضت فيه هذه الشعائر (بل و بسياق بدعي أحيانا، إن شئتم !)..و تركز في أحسن الأحوال على الدعاء باعتباره هو الحل!..و هي نظرة متعسفة و سلبية لمفهوم استجابة الدعاء المرتبط قرآنيا باستجابة الداعي أولا لله عز و جل  قبل أن يستجيب الله لدعائه : (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ )..أي أن استجابة الدعاء ترتبط بمنظومة متكاملة و متداخلة من الأسباب و المسببات و ليست حدثا اعتباطيا منفصلا عن سياق التغيير الاجتماعي ككل..

حتى ما هو متداول شعبيا من شروط إجابة الدعاء( مثل الإخلاص و ترك المعاصي و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، عدم الاستعجال) ، كلها في الحقيقة تؤيد ارتباط إجابة الدعاء بمنظومة متكاملة ذات جذور اجتماعية و ثقافية واضحة ، لكن العقل الجمعي بمكرساته التقليدية -التي تفضل التعايش مع الأمر الواقع -استطاع ترويض هذه الشروط و ضمها إلى منظومته الفردية ، فالإخلاص  يبالغ في تقديمه كما لو أنه قضية شخصية جدا لا يمكن قياسها أو معرفتها ، رغم أنه مرتبط  أصلا بوجود “عمل” ، و بعدها قد تكون مخلصا و قد لا تكون، أما عندما تكون امتهنت بطالتك و  احترفت كونك عاطلا مزمنا عن العمل،فالإخلاص ليس قضية هنا، لأنك لم تنجز شيئا أصلا لكي يمتحن إخلاصك فيه ، كيف يمكن لك أن تكون مخلصا أو غير مخلص و أنت تدعو لغزة إذا كنت لم تفعل شيئا يختبر هذا الإخلاص؟..هل دعاؤك هو العمل؟..هل دموعك أثناء الدعاء هي هذا العمل؟ أبدا. الأمر أعقد من ذلك و هو يتطلب حتما عمل مباشر يختبر هذا الإخلاص في الموضوع بعينه..

الأمر ذاته بخصوص ترك المعاصي و إجابة الدعاء:لم نتصور هنا أن المعاصي هي تلك المعاصي إياها فقط ( والتي لم تترك بكل الأحوال!)، و لكن ماذا عن خطيئة أن لا تفعل شيئا في حياتك؟ ..ماذا عن معصية اقترفتها عندما أحجمت عن طاعة كل فعل أمر بالعمل و السعي و الجهاد ورد في القرآن؟..

الأمر ينسحب تلقائيا على الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر: تم توجيه المعنى إلى معروف و منكر محددين و جزئيين و بمعزل عن سياق أكبر: هل هناك منكر أكثر من الواقع الذي نرضخ له بكل تفاصيله؟ هل هناك منكر أكثر من أن تكون أمة محمد بهذا الهوان..هل هناك منكر أكثر من أن تكون امة اقرأ هي الأمة التي لا تقرأ..و التي هي في ذيل الأمم على أغلب الأصعدة..هل يمكن حقا اختزال كل هذا المنكر الذي يجب إزالته إلى سجائر و سماع أغاني..؟..

حتى “عدم الاستعجال” الذي يشترط لقبول الدعاء، يشير ضمنا إلى ارتباط الاستجابة بمنظومة متكاملة من التخطيط للعمل و العمل و الجهد الذي يمثل عمليا “الاستجابة لأوامر الله”.. و التي تتطلب وقتا لكي تؤتي ثمارها بطبيعة الحال..لا يعني هذا انه عز و جل غير قادر على الاستجابة للدعاء فورا، هو الذي نؤمن إن أمره بين الكاف و النون،لكنه لم يستخلفنا في الأرض لكي يستجيب لنا، بل كي نستجيب له!..

العقل الجمعي و لأسباب كثيرة –تاريخية غالبا ولا يمكن الخوض فيها الآن- فضل أن يختصر العمل إلى الشعائر، و هكذا صارت الشعائر هدفا مستقلا معزولا عن معانيها الاجتماعية بدلا من أن تكون وسيلة يومية ننخرط فيها لتساعدنا في أن نكون أفضل.. في أن نتقن، في أن نحدد أهدافنا بدقة، و نحققها بدقة أيضا..

كل المفردات الايجابية التي كانت سببا في نشأة الأمة و نهضتها تم إعادة تأهيلها و هضمها و توظيفها من قبل العقل الجمعي لتكون سببا مساعدا في التعايش مع الواقع المنكر ، في الاستمرار فيما لا يمكن الاستمرار فيه..

على سبيل المثال :الصبر ، المفردة القرآنية التي تحمل إيحاءات مستمدة من تحدي نبتة الصبار لجدب الصحراء و إصرارها على الحياة، صبر أولي العزم من الرسل الذين أعادوا بناء مجتمعاتهم و أممهم،هذه المفردة صارت تستدعي عبر العقل الجمعي مفاهيم مضادة و مناقضة للصبر بمعناه القرآني..صار الصبر يعني محض تحمل لما يجب أن لا تتحمله ، بدلا من أن يكون الصبر على العمل من اجل التغيير..

قد يقول قائل إن أنظمة الحكم مسئولة عن قمع أي عمل أو مبادرة لتغيير الوضع القائم، وهذا صحيح حتما، لكن ما هو صحيح أيضا أن هذه الأنظمة تستمد مقومات بقائها لا من أجهزتها الأمنية فحسب، بل من العقل الجمعي الذي أوصلها أصلا إلى السلطة، في العقل الجمعي الذي روض الجماهير على الرضوخ و الاستكانة لكل متغلب في مباراة الوصول إلى الحكم و من ثم التصفيق و التهليل و الدعاء له..(إلا من رحم ربي و أستطاع أن يفلت من عقال العقل الجمعي)..

علاقة الأنظمة و العقل الجمعي هنا ليست متداخلة كعلاقة البيضة بالدجاجة فحسب، بل هي معقدة كعلاقة التوائم الملتصقة ببعض، موت واحد منها سيكون موت الثاني حتما..العقل الجمعي وفر البيئة الثقافية المناسبة اجتماعيا لهذه الأنظمة، و الأنظمة بدورها كانت الحارس الوفي لبقاء العقل الجمعي على وضعه، فاستمرارها من استمراره و بقاؤها من بقائه..

و هكذا تبدلت أنظمة الحكم و شعاراتها و أيدلوجياتها دون أن يتغير شيء حقا في جوهر النظام.ذهب اليمين و جاء اليسار. ذهب الرجعيون و جاء التقدميون. ذهب أولاد الذوات و جاء أولاد الشعب و الطبقات الكادحة.ذهب الاشتراكيون و جاء رجال الأعمال .و لا شيء حقا يتغير، لا شيء سوى الشعارات..

هذا العقل الجمعي لا يسكن تيارا واحدا كما قد يبدو للوهلة الأولى، أي انه لا يتمثل فقط في التيار الذي يبدو أكثر قربا للتراث بكل ما فيه من سلبيات و إيجابيات، و الذي يستخدم هذا التراث كمرجعية له، العقل الجمعي يتمثل أيضا في مختلف التيارات التي تبدو بعيدة بل و متناقضة ظاهريا مع مسلمات هذا العقل..كل التيارات تلف و تدور و تناور على كل شيء باستثناء الشيء الوحيد الذي يجب فعله:الفعل..في السابق كان العقل الجمعي ينفس عن غيظ الجماهير عبر خطابات “العنتريات التي ما قتلت ذبابة”..أما اليوم فنحن نسمعه يحاضر عن جريمة قتل الذبابة..و النتيجة واحدة في الحالتين:لا فعل!

لا أقصد هنا الحديث عن أصدقائنا من اللاعنفيين فحسب، فالجميع حاليا يبدو حريصا جدا على معاقبة إسرائيل عبر عدم معاقبتها!…الجميع يحاضر اليوم عن استثمار الخطأ الإسرائيلي هذه المرة بعدم الرد عليه..كما لو أنه كان هناك رد في كل مرة سابقة.الجميع يقول  لنا إن دعم إسرائيل سيضعف نتيجة هذه المجزرة و يراهنون على المجتمع الدولي في معاقبة إسرائيل، المجتمع الدولي الذي أوجد إسرائيل ظلما و بهتانا بالمناسبة، فلتبشر إسرائيل إذن بطول سلامة!..(إحدى الكاتبات أخذتها الحماسة و أقسمت انه لن يحرر فلسطين إلا….احبسوا أنفاسكم!..اليسار الإسرائيلي!!!)..

المراهنة على المجتمع الدولي في الحقيقة أقل واقعية بكثير من الدعاء و انتظار الاستجابة دون تنفيذ متطلبات استجابة الدعاء..استفتاءات الرأي -في أوروبا تحديدا-تظهر تعاطفا متزايدا نحو القضية الفلسطينية، لكن هذا لن يؤثر على سياسة الحكومات هناك إلا بمقدار ضئيل جدا….العملية الديمقراطية و تداول السلطة تتأثر بالعوامل الداخلية (الاقتصاد،البطالة،قوانين الهجرة..الخ) و نادرا ما تتأثر بقضايا خارجية مثل القضية الفلسطينية..و إسرائيل غالبا تجيد شرح هذا التعاطف المتزايد  مع الفلسطينيين على انه عداء قديم للسامية عانى منه اليهود في أوروبا ، و هذا يجند النسبة العالية من المحايدين في الاستطلاع لصالح إسرائيل (أي ممن لا يملكون تعاطفا محددا مع أي من الجهتين و هم لا يقلون عن الخمس و يصلون للنصف أحيانا ) كما أن الاستطلاعات ذاتها لا تزال في أعلى مستويات دعمها لإسرائيل في الولايات المتحدة،بل إنها وصلت إلى أرقام دعم تاريخية في هذه السنة بالذات 2010 كما يشير لذلك إحصاء غالوب (شباط 2010)(63% دعم لإسرائيل مقابل 15% للفلسطينيين و 22% محايدين) .

التعاطف مع القضية الفلسطينية موجود، و لكنه كان موجودا أيضا في فترات سابقة  و بأرقام أعلى–فترة مجزرة صبرا و شاتيلا مثلا-و لم يؤد إلى شيء أيضا..التعاطف الإحصائي الموجود لن يغير من حقيقة أهم و تمس صميم العلاقة بين الغرب و إسرائيل:إسرائيل هي جزء من المنظومة الحضارية الغربية،يمكن للغرب أن يعتب على تمادي إسرائيل و يضيق بها ذرعا هنا أو هناك، لكنها ستبقى جزءا منه، و سنبقى نحن خارج هذه العلاقة.

(دعاة التغريب لديهم حل طريف هنا، فهم يعتقدون أننا يمكن لنا أن نكسب معركة التعاطف معنا عبر التغريب الكامل و تقليد الغرب في كل شيء ، من مناهج تعليمنا إلى فهمنا لديننا،مرورا بمسابقات جمال نسائنا، و حتى تفتيح لون بشرتنا..و عندها  نتمكن من إثبات تمدننا و تحضرنا للغرب، و بالتالي ربما –فقط ربما-سينحاز الغرب لنا…)

في النهاية:قطيع الخراف المستسلم للذبح قد يثير الشفقة و التعاطف، لكن أحدا لن يقف من أجل القطيع ما لم يكف القطيع نفسه عن استسلامه .. ما لم يكف هذا القطيع عن كونه قطيعا..

لا أنفي هنا إن المجزرة الأخيرة قد تساهم في المزيد من التكريس للهوية الإسلامية في تركيا، و هو أمر نحتاجه نحن بقدر ما يحتاجه الأتراك..

و لا أنفي أيضا أملي أن تساهم “الضجة الإعلامية” في تكريس شيء ما في أطفال اليوم، عسى أن يجعلهم هذا الشيء جزءا من ذلك الجيل الآخر القادم لا محالة..

كل خوفي أنهم سيقلبون القناة على “نيكلوديون[i]” و ستلقنهم هذه القناة  كيف أن “نيكلوديون تشبههم”..

تلك مجزرة أخرى، ليس هذا مجالها…



[i] قناة نيكلوديون:قناة فضائية للأطفال تقدم برامج أمريكية 100% مع دوبلاج عربي.