الحديث ضعيف و الأمة ضعيفة (3) : وفاة رجل “مهم “

الحديث ضعيف و الأمة ضعيفة (3):وفاة رجل مهم

د.أحمد خيري العمري


http://www.quran4nahda.com/?p=1517

قبل فترة وجيزة توفى رجل كان قد تبوأ أعلى منصب ديني رسمي في واحدة من أعرق وأهم  المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي، تقييمنا للرجل قد لا يكون مهما جدا ، لكن يمكن القول بثقة أنه كان دوماً  حريصا على أن يكون لسان سيده، أي لسان النظام والسلطة التي قامت بتعيينه، وهي سلطة أوغلت في عدد هائل من المخالفات الشرعية تجاه شعبها أو تجاه قضايا الأمة وكان الرجل بالمرصاد لأي معارض لهذه السلطة ومعه عدته من النصوص الشرعية التي يحترف البعض استخدامها في غير موضعها، أو “عدة مساعدة” من الكلام العام الفضفاض الذي يبرر فيه جرائم هذا النظام ويجعل المؤسسة الدينية التي يترأسها مجيرة لصالح استمرار النظام  وبقائه وليذهب المجتمع والشعب والقيم الدينية إلى الجحيم..

الرجل كان يفعل ما هو مطلوب منه بالحرف، فهو موظف في النهاية عند هذا النظام، ولا يمكن تخيل أنه كان سيصدر فتاوى تعارض الخط العام للنظام ثم يذهب لاستلام راتبه نهاية الشهر، بل يمكن تخيّل أنه كان سيعدل من فتاواه وتصريحاته في أيّ شأن فيما لو شاءت الحكومة لأيّ سبب أن تغير من سياستها..

الرجل مات وذهب  إلى دار حقه و لا شيء  يستحق التوقف في هذا ،الأمر الذي يستحق التوقف هو  الموقف منه بعد وفاته، إذ انهال المدح والثناء والتبجيل على الرجل وعلى علمه واعتداله وموسوعيته، وهي أمور لم نكن نعلمها عنه على الإطلاق، ربما لأنها غير موجودة، أو لأنه لم يمنحنا فرصة التعرف إلى هذه الصفات الإيجابية في غمرة إشغالنا بفتاوى من نوع: جلد الصحفيين الذين تجرؤوا  وذكروا شيئاً عن صحة رأس النظام، أو إعطاء شرعية لأحكام الحصار على غزة، ومباركة بناء الجدار الفولاذي الذي يمنع تهريب مقومات الحياة إلى أهلها المحاصرين، أو دعم مرشح رئاسي كل مؤهلاته هو أنه ابن الرئيس الحالي.. ناهيك عن مصافحته لرئيس الكيان الصهيوني واعتذاره بعذر أقبح من الذنب : أنه لا يعرفه! والرجل في السلطة بهذا المنصب آو ذاك منذ أن كنت شخصياً على مقاعد الدراسة الابتدائية..

باختصار: لم يكن يمر على الرجل شهر أو اثنان دون أن يفتح فمه ليتحفنا بتصريح أو فتوى أو رأي تفصح عن مستوى تفكيره وعدم وعيه بالمخاطر التي تواجهها الأمة..

لكن هذا لم يكن أسوأ ما في الأمر ولا أخطره، هناك رجال دين كثيرون امتهنوا مناصبهم وقدموا “علمهم” مطية رخيصة للحكام يركبونها على أي وجه شاؤوا، لكن الرجل زاد على ذلك بأن فعل هذا بأسلوب أقل ما يقال عنه إنه سوقي، مثل ذلك عندما قال للطالبة المنقبة عندما أمرها بخلع حجابها: ” “أمّال لو كنت حلوة شوية كنت عملت إيه؟”، أو عن حصار غزة: “حصار إيه وقرف إيه واحنه مالنه؟”..أو” أنا أفهم في الدين منك ومن إلي خلفوك“.و هي عبارات لن تكون مقبولة من رجل أمي وعامي فكيف عندما تكون صادرة من رجل تقلد منصبه؟..

المؤسسة الدينية التقليدية فيها مشاكل حقيقية بلا شك، لكنها مشاكل جادة وتحتاج إلى إصلاح جدي، أما هذا الرجل فقد حول الدين والفتوى إلى أداة لإثارة السخرية وقدم فرصة ذهبية لكل من يريد مهاجمة الدين تحت ستار مهاجمة المشايخ..( أتساءل هنا إن كان قد عُيِّن تحديداً لهذا السبب.. الحكومات التي سبقت النظام الذي عين الرجل كانت قد  ابتكرت شخصية كاريكاتورية اسمها الشيخ متلوف، تهدف إلى إضحاك الناس على رجل دين افتراضي، فهل وجدت الحكومة الحالية الرجل الافتراضي بلحمه و دمه وعينته في أكبر منصب ديني لنفس السبب؟)

لم يكن من المستغرب أن تتباكى وسائل إعلام معينة على وفاة الرجل، فقد وفّر لها مادة دسمة لتشويه الدين وكل ما يمت له بصلة، وهو الهدف الذي كرَّست له هذه الوسائل نفسها منذ انطلاقتها.. ولم يكن من المستغرب أيضاً أن تبدي وسائل إعلام أخرى، أكثر مصداقية، الاحترام والتقدير للرجل، فهو في النهاية رجل دولة وهناك اعتبارات مفهومة لا يمكن تجاوزها..

ما صدمني هو تعامل الناس العاديين مع الخبر، على الأقل جمهور واسع منهم، بعضهم عبر التعليقات التي شاركوا فيها على الخبر ( على فرض صحتها ) وبعضهم عبر رسائل بريد الكتروني استلمتُ شخصياً البعض منها، تشيد باعتدال الرجل، وتتحدث باستحياء عن فتاواه المثيرة للجدل..( مثيرة للجدل؟ تبدو الكلمة هنا غير ملائمة، مثيرة لأشياء أخرى كثيرة قبل الجدل).

هذا الموقف تجاه الرجل ليس مجرد طيبة وتسامح تجاه ما اقترفه بحق الدين والناس وقضايا الأمة، بل الأمر يرتبط مباشرة بتشكل العقل الجمعي على عدم إبداء أي نقد تجاه الشخص الميت، وهو ما ارتبط عند الناس بحديث يذكر في مناسبات كهذه “اذكروا محاسن موتاكم”..

امتلأتُ غماً عندما رأيتُ كيف يلغي استخدام هذا الحديث أهمية انتقاد مسيرة رجل تولى مناصب مهمة، حياته لم تكن خاصة به، وأخطاؤه لم تكن تخصه وتخص من حوله من أفراد أسرته أو جيرانه لكي يمكن لهم أن يتناسوها ويركزوا على محاسنه، الرجل ترأس واحدة من أهم المؤسسات الدينية السنية، صحيح أن دورها لم يعد فاعلاً كما كان سابقاً منذ أن تمّ تأميمها وتعيين رئيسها من قبل السلطة، لكن هذا الانحدار يسهم فيه أيضا وجود أشخاص يقدمون نموذجاً ومثلاً سيئاً على النحو الذي كانه الرجل، التغاضي عن ذلك وتدريب الذاكرة الجمعية على التناسي لن يؤثر على وضعه الأخروي بأي حال من الأحوال، لكنه سيساهم في جعل رجال دين آخرين يستسهلون ارتكاب نفس أخطاء الرجل ويحذون حذوه وهم يرون هذا الإكبار والاحترام في التعامل معه.. ليس أن ذلك يجب أن يكون أساساً، فتقوى الله يجب أن تظل هي الأساس، لكن الكثيرين يمكن لهم أن ينزلقوا إلى فخ “ثناء الناس” وربطه بمفهوم (إذا أحب الله عبداً وضع له القبول في الأرض) المستند إلى حديث  صحيح (إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال: إني أحب فلاناً فأحبه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادى في السماء فيقول: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، قال: ثم يوضع له القبول في الأرض)، وهو حديث لا جدال في معناه لكن المشكلة أن المتعاملين معه قد فهموا منه أن كل من يمتلك القبول في الأرض يكون مشمولاً بمحبة الله سبحانه وتعالى بينما الحديث يتحدث عن العكس: أي إنه يشير إلى أن كل من يحبه الله يملك القبول ولا يعني هذا  أن العلاقة المعاكسة صحيحة بالضرورة، وهذا واضح  في أئمة فسق وفجور ممن يمتلكون شعبية وحضور كبيرين دون أن يعني ذلك حبا منه عز وجل لهم..

نحن ندور في حلقة مفرغة إذن، الناس تتناسى مساوئ رجل دين ما من أجل حديث “اذكروا محاسن موتاكم”( وأشياء أخرى أيضا)  ومن ثم يبالغون في الثناء والمديح الذي سيوحي للبعض على الأقل بـ”قبول في الأرض” وهذا يؤدي إلى استنتاجات غيبية عن قبول الله له رغم كل ما اقترفه من إساءات بحق الدين …

لا يمكن قطعاً اختزال الأمر كله بحديثين فحسب، لكن من الواضح تأثر العقل الجمعي المسلم بجملة أحاديث تم توظيفها في سياق معين يؤدي أولاً إلى كتم نقد العلماء ورجال الدين وبالتالي يؤدي إلى استمرار هذه الأخطاء في أشخاص آخرين، خاصة عندما  يتم اختزال أخطائهم إلى أنها محض “فتاوى مثيرة للجدل” أو أنهم اجتهدوا وأخطؤوا ولهم أجر واحد على كل حال..

قلت في نفسي إن الحديث مجتزئ حتما من سياق لم يصلنا، وإنه سيكون صالحاً للاستعمال عندما يكون المسكوت عنه من مساوئ يخص ما يمكن أن يسقط فيه كل شخص، أي الأخطاء التي هي الجزء الذي نتعثر به من إنسانيتنا، يستطيع البعض منا أن ينهض ويمشي قائماً، والبعض يظل بين كبوة وأخرى، والبعض لا يقوم أبدا.. أما عندما تكون الأخطاء أكبر من ذلك بكثير، وتقترف باسم الدين، فإن طريقة التعامل معها تختلف..

قلت هذا في نفسي ولكن شيئاً ما جعلني أحاول التحقق من صحة الحديث، وفوجئت بأن هذا الحديث الذي صار جزءا من بديهيات العقل الجمعي ومسلماته، هو حديث ضعيف..( لم يصححه غير الحاكم في المستدرك و من المعروف لطلبة العلم الشرعي أنه متساهل في التصحيح و تصحيحه لا يعتد به ، و ضعف الحديث الشيخ الألباني و الشيخ شعيب الأرناؤوط)

أكرر، حديث: اذكروا محاسن موتاكم، الذي يشهر كلما حاول أحدٌ ذكر مساوئ لأحد الأموات، والذي لم يستخدم فقط للسكوت عن المساوئ، بل للحديث عن محاسن افتراضية، هذا الحديث المعروف والمتداول، هو حديث ضعيف. نقطة انتهى. لسنا في حاجة إلى البحث عن سياقه الأصلي لكي نجد له تبريراً أو تأويلاً. نحتاج فقط إلى استئصاله من الوعي الجمعي طالما استُخدم ليقتل روح النقد ويروّض الناس على تقبّل أخطاء يجب ألا يقبلوها..

لا أتحدث عن السَّبّ هنا، فالسَّبُّ منهيٌّ عنه بكل الأحوال، بل أتحدث عن ذكر الأخطاء، ولولا وجود فرق بين الاثنين، ولولا وجود هامش من السماح في ذكر الأخطاء عندما تتعلق بما يمكن أن نسميهم اليوم “شخصيات عامة”، لما نشأ علم الجرح والتعديل في صدر الإسلام، وهو العلم الذي يُعدُّ ركناً من أركان علم الحديث، والذي ما كان يمكن لحديث أن يُصحَّح أو يُضعَّف لولا “الصراحة المهنية” التي تمّ التعامل فيها مع الرواة بغضّ النظر عن كونهم أحياء أو أموات، هل يمكن تخيّل أيّ فوضى كانت ستحدث لو أنّ منطق “ذكر المحاسن”  تغلّب وساد عند علماء الجرح والتعديل- أو التعديل فحسب في هذه الحالة..؟

هذا الرجل تنطبق عليه هذه الحالة، لا سبّ ولا مسبّة لا في حقه ولا في حق سواه، لكنه لم يكن شخصية عامة فحسب، كل من يتبوأ منصباً كمنصبه كان يسمى “الإمام الأكبر”.. وهل من يستحق أن يوضع في ميزان النقد والجرح والتعديل أكثر من الإمام الأكبر؟ وهل سيكون أكبر أو أصغر إلا بعد العرض على هذا الميزان؟..أليس هذا جزءاً من تدريب الأجيال على الإتقان والإحسان، أن نكون شهداء لله في الأرض بثنائنا الحسن أو السيئ؟..أليست المجاملة في الآراء والثناء الحسن الذي يمنح بلا استحقاق مجرد جزء صغير من حالة اللا إتقان التي نتشكى منها في كل شيء؟ ..

السكوت عن آرائه وفتاواه وتصريحاته وأيضا أسلوبه في الكلام لن يكون سوى تكريس لظاهرة وعّاظ السلاطين وتسلّطهم علينا، صحيح أن هؤلاء يعينون من قبل السلطان نفسه، لكن مظاهر احترامنا لهم ومبالغتنا فيها تزيدهم تسلطاً وتجعل منهم قدوة سيئة لمن يخلفهم في مناصبهم.. كما أنها تعطي رسالة خاصة إلى السلطان أن مهمته بتعيين هؤلاء تؤتي أكلها..

الحديث أيضا عن كتبه و مؤلفاته لا معنى له هنا ، قد تكون كتبه جيدة و قد لا تكون، لكن تأثيرها بكل الأحوال لا يمكن أن يقارن بفتاواه و تصريحاته الإعلامية..

لا نتحدث هنا عن مصير الرجل وعاقبته الأخروية، فهذا أمر لا يعنينا من قريب أو بعيد، إنه باختصار ليس من شأننا ولا من اختصاصنا، بل نتحدث عن شهادتنا الدنيوية في “حق عام ” وليس من البعيد بعد ذلك أن يتغمده عز وجل بعفو ومغفرته ورحمته ( كما نأمل أن يفعل معنا..).. لكن لا سبيل لمعرفة ذلك  الآن على الإطلاق، وليس أمامنا إلا أن نقول شهادة الحق والصدق بعيداً عن المفاهيم المسبقة التي بنيت على أحاديث ضعيفة..

و بالمناسبة، هناك حدث جغرافي يتعلق بوفاة الرجل جعل  الكثيرين يتحدثون عن دلائل قبول إضافية:  بل عن شفاعة له منه عليه الصلاة والسلام.. والحقيقة أن الرجل توفاه الله على بعد 700 كيلومتر من المدينة المنورة، ولكنه نقل ليدفن فيها، بينما الحديث الصحيح يتحدث عن الوفاة فيها فحسب، وقد جاء في سياق واضح لتشجيع الهجرة إليها في وقت كانت بحاجة إلى دعم كل المسلمين.. ثم انتهى الأمر بعد الفتح، إذ لا هجرة بعد الفتح..

أما فضل الدفن في البقيع، فالحديث الذي جاء فيه ليس ضعيفاً فقط بل هو منكر.. وفي النهاية ليس للإنسان إلا ما سعى.. وليس مكان دفنه وإحداثيات الدفن الجغرافية..الحديث الصحيح عن البقيع يشمل “سبعين إلفا” ممن يدفنون فيها فحسب، و ليس كل من دفن فيها ، كما أن الفضل  إذا عم و شمل كل من دفن في مقبرة كانت وقتها مقبرة عامة كالبقيع فأن ذلك سيشمل من باب أولى ، بعض من عاصروا الرسول عليه الصلاة والسلام ، عبد الله بن سلول  على سبيل المثال ..!

و الله المستعان!

الطيور الرشيدة : د. محمد موسى باباعمي

بسم الله الرحمن الرحيم

 الطيور الرشيدة!

 د.محمد موسى باباعمي

أعجزتُ أن أكون مثل هذا الغراب؟!

الطيور هي أكثر المخلوقات إثارة لاهتمام بني البشر منذ أقدم العصور؛ ولعلَّ أول التقاء طبيعي جدلي بين الإنسان والطير، كان يوم قتل أحد ابني آدم أخاه بدافع الغيرة، والتقى بطائر “مات أخوه” لكن ليس بيده ضرورةً، ولا بدافع الغيرة أكيدًا…

هنالك، تحركت عاطفة الإنسان القاتل، فأشفق من جسد أخيه أن يتعفَّن، أو تأكله السباع الضارية والطيور الجارحة، فقرَّر أن يواري سوأة أخيه، لكن لم يهتد إلى الوسيلة والطريقة؛ وتدخلت قدرة السماء لتبعث له مَن يفترض فيه أن يقتات من جسد أخيه (الغراب)، ليريه كيف يحميه منه ومن منقاره ومخالبه…: “فبعث الله غرابا يبحث في الأرض، ليريه كيف يواري سوأة أخيه”، ولو كان هذا الغراب صاحب حيلة لما علَّم القاتل ما علّم، ولَمَا حرم نفسه من صيد ثمين..

ازدادت حسرةُ الرجل، فصرخ بأعلى صوته: “يا ويلتا، أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي” وكان المشهد أن أصبح من النادمين…

والحق أنَّ هذه الصيحة لم تكن آخرَ حسرة يغبط فيها الإنسان الطير؛ فلقد غبطه يوم أحاط بما لم يُحط به، وجاء من سبأ بنبأ يقين… ولا يزال يغبطه وهو يحلّق في السماء حرا طليقا، لا يحدُّه حدٌّ، ولا تضبطه قوانين، ولا تقيِّده جوازات سفر ولا تأشيرات… حتى كاد “ابن فرناس” أن يُودِي بحياته محاولا تقليد الطيور المحلقة، وكان ضحية نسيان “الذيل” لا غير.

هذه الملاحظ تُعطي التفوق للطيور على حساب الآدميين، غير أنَّ ثمة أمورا كثيرة يتميز فيها الإنسان، ولكن لا نعرف: هل تفهم الطيور هذه الفروق؟ وهل تغبط الإنسان فيها؟ وإن كنا نرجح خلاف ذلك.

فهذه – إذن – أوَّل مفارقة تجعل الإنسان هو المميَّز وهو الأفضل: إنه العقل والتفكير، واللسان والتعبير.

ولا شك أنَّ بحثا في الفروق بين المخلوقيْن سيكون له أعظم الأثر، وبخاصَّة لو جاء على صيغة قصص علمية فنية، أو بحوث مخبرية عميقة. ولسنا في هذا المقال بصدد إجراء هذه الدراسة على أهميتها، وإنما ندفع إلى سؤالين بديعين هما:

 

سؤالان: عن الحضارة والرشد

*هل يمكننا أن ننعت الطيور بأنها “متحضرة”، ونتحدث عن شيء يسمَّى: “حضارة الطيور”؟

*وهل يعقل أن نصف الطيور “بالرشد والرشاد”، ونؤرخ لشيء يسمَّى: “الطيور الرشيدة”؟

أمَّا السؤال الأول عن “حضارة الطيور”، فقد عالجه الفيلسوف “ألفرد نورث وايتهد”، ثم أجاب عنه بالسلب، وعلل ذلك بأنَّ الطيور “تفتقد أفكارا ذات تعميمية كافية، وثيقة الصلة بأفعالها، والعالَم المحيط بها” ويقول بعد ذلك: “إنَّ حبَّ الطيور وشغفها، وجمالية أدائها، تستدرُّ محبَّتنا وحناننا مقابل ذلك، غير أنَّ الحضارة أكثر من كلِّ ذلك، وفي إطارها الأخلاقي يمكن أن تكون أقلَّ من ذلك”

إذن، فالقدرة على “الفهم، والتعميم، والقياس، والاختبار، والإحساس بالأهمية…”ّ هي المحدِّد الأساس لكل حضارة، غير أنَّ الطيور وكل الحيوانات، حتى التي توصف بأنها من النوع الراقي، مثل الكلاب والقرود، تفتقد هذه الخصائص والملكات الإدراكية المعرفية العميقة، وهذا يلخصه قولنا “العقل مناط التكليف” مع تحوير بسيط لنقرر أنَّ “العقل مناط الحضارة وشرط لها”

وبعد هذا التحليل، يمكن أن نعلن أمام الذين يتبجحون بكون الإنسان مجرَّد حيوان غريزي: ينطلق من رغبات جنسية (فرويد)، أو تحكُمه دوافع اقتصادية (ماركس)، أو يضبط جنسه الانتخابُ الطبيعي (داروين)… نعلن أمام هؤلاء أنَّ الإنسان أكبر من ذلك وأكثر، وأعلى من هذه الدركات التي أنزلوه فيها، ونكرِّر من المسيري رفضه القاطع “حوسلة الإنسان” – أي تحويله إلى مجرد وسيلة –، ونسانده في دفاعه عن الإنسان/الإنسان عوضا عن تكريس مفهوم الإنسان/الشيء أو الإنسان/المادة… ولا مجال في منظومتنا المعرفية للمنظور الحلولي الذي يفني الروح في المادة، ويذيب المعنى في الشكل…

ويكون السؤال الثاني الذي نقترحه أعمق وأكثر دلالة من الأول – في نظرنا –، وذلك أننا حين الحفر في دلالة الرشد، انتهينا إلى أنه يأتي في مرحلة أكثر تطورا وندرة من الحضارة: فهل يمكن أن نقول عن تجمع للطيور: إنها طيور رشيدة؟

سفاهة الطير، أم سفاهة البشر؟

الحقُّ أنّ الحديث عن الرشد يستلزم استحضار نقيضه، وأدق مصطلح في التعبير عن هذا النقيض هو “السفه”، فهو مصطلح قرآني عميق، وله مدخل فقهي  وقانوني يندرج ضمن أحكام المعاملات، يُعرف بـ”باب أحكام السفيه”.

فالسفيه هو الذي “يتصرف في ماله خلاف مقتضى العقل”، وهو في دلالته المعرفية أعم، أي “مَن لا يحسن التصرف في الأشياء، ويخطئ التقدير والتدبير”.

وإذا كان الحكم الفقهي على الأوَّل – سفيه المال – هو “الحجر” وسلبه حق الملكية وحقَّ التصرف في ماله، حيث يقول تعالى: “ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيما”؛ فإنّ الحكم على الثاني – السفيه المعنوي – هو ذاته، لكن بتعميم النسبة، ومن ثم يمنع من التصرف في كل شيء، إلا بمقدار.

ولا ريب أنَّ السفهاء في المال قلًّة، لكنَّ السفاهة في السياسة والثقافة والفكر والحضارة، أي السفاهة المعنوية هي الغالبة اليوم على بني البشر، وبخاصَّة مَن يعيش منهم تحت سقف “القلةّ” و”التبعية” و”اللافعالية”.

فهل يمكننا أن نطلق على طائر أو على سرب من الطيور صفة السفاهة؟ ونقول عنه: إنه طائر سفيه؟ وعن السرب: إنها أمَّة سفيهة؟ ومن ثم نصف الكل بأنه “لا يحسن التصرف”؟

أم أنَّ الغريزة هي الحاكمة، حتى وإن وصفها تعالى بقوله: “وما من طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم”، إذ الشبه ليس في الرشاد أو السفاهة، لكنه وجه الشبه يختصر على التنظيم والعلاقات والانضباط، مع اختلاف في أسبابها ومؤداها؟

لا يختلف اثنان أنَّ الافتراض الثاني – الغريزي – هو الأقرب للصواب، بناء على الملاحظات الحدسية، والتجارب العلمية.

 

الرشد والانتقال من حال إلى حال:

ثمَّ إنَّ الرشد يفترض نوعا من الانتقال من حال إلى حال، فالذي لم يكن راشدا البارحة، قد يكون راشدا بعد حين: “حتى إذا بلغ رشده، وبلغ أربعين سنة”؛ لكن الطيور – خلاف البشر – لا تعرف مثل هذا الانتقال، ولا يمكنها أن تنمِّي إدراكها ليكون مختلفا عن إدراك ما قبلها من الطيور، قبل ألف عام أو مليون عام… فهي هي يومَ خلقها الله تعالى واليومَ ويومَ يفنيها، وهي مجبولة على أفعال معينة مقدَّرة ضمن نظام مخلوق بدقة: “أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن، ما يمسكهن إلا الرحمن”، أمَّا الطائرة التي اخترعها الإنسان، فهي خلاف ذلك، إذ بدأت بسيطة فتطوَّرت وتغيَّر فيها الكثير، بفعل العلم والبحث والتجريب… وهي كلُّها صفات مقتصرة على الإنسان لا يشاركه فيها حيوان.

 

ذاتية اتباع الأسباب

وإذا كان الرشد صفة فردية، فإنه – وهذا لب مقالنا – قد يكون صفة جمعية جماعية، ومن ثمَّ يمكننا أن نتحدث عن “مجتمعات سفيهة” و”مجتمعات رشيدة”، والفرق بينها أنَّ الأولى “لا تتبع الأسباب التي سخرها الله لها”، وتفتقد بالتبع “القدرةَ” و”التخطيط” و”التمكين” و”الريادة”… وقد تهوي إلى حضيض أدنى من الدواب والأنعام… أمَّا الأمم الراشدة، فهي تلك التي آتاها الله “من كل شيء سببا، فاتبعت سببا”، لا بقهر قاهِر، لكن بدافع ذاتي تربوي إيماني محض.

ذلك أننا نعرف الرشد بأنه “ذاتية اتباع الأسباب”، وبذلك نواصل ما بدأه مالك بن نبي في نظرية “القابلية للاستعمار” لنرسي نظرية مكمِّلة نعبر عنها بمصطلح “القابلية للرشد”، والفرق بين النظريتين هو أنّ الأولى تعالج الجانب السلبي-الإخلائي من الظاهرة، أمَّا الثانية فتعالج جانب التحلية والبناء، ولكل نظرية بيئتها التي نشأت فيها، ومؤثراتها التي توجهها.

من هنا نقرِّر أنَّ الإنسان الراشد يدرك الشيء ويدرك سببه، أمَّا الطائر فلا يدرك الأشياء إلا مفصولة عن أسبابها العميقة البعيدة، غير أنَّ التقدير الربَّاني عوضها بمهارات غريزية بديلة، تمكِّنها من الحياة البديعة الرائعة، وهي لذلك – فُطرت – على التسبيح بلا كلل ولا ملل: “وإن من شيء إلا يسبح بحمده”، “إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق، والطير محشورة كل له أواب”… ويبقى المشكل الجوهري في الإنسان السفيه – إيمانيا وحضاريا – فلا هو ممن اتبع الأسباب، ولا هو ممن رُزق الغريزة بديلا، فمثل هؤلاء لهذا السبب وصفوا أنهم “كالأنعام، بل هم أضل”.

والسبب الأول، أو العلة الأولى باصطلاح الفلاسفة، هو: الله تعالى، الخالقُ لكل شيء، المبدع المقدِّر، الذي أحسن كلَّ شيء خلقه… وقمة الرشد – تبعا لسياقنا – تكمن في “معرفته سبحانه حق المعرفة”، فمن جحده انتفى أن يكون راشدا… ولقد أدركت الجن هذا البعد العميق للرشد، فقالت يوم سمعت القرآن الكريم يتلى: “إنا سمعنا قرآنا عجبا، يهدي إلى الرشد، فآمنا به، ولن نشرك بربنا أحدا”

فهل أمَّتنا اليوم في حاجة إلى “الحضارة”، أم هي أحوج إلى “الرشد”؟

 وهل جمعياتنا، ومدارسنا، ومساجدنا، وأحزابنا، ودولنا… وكل تجمعاتنا، قد بلغت حدَّ الرشد، أم أنها لا تزال ترتع في بِرك السفه والسفاهة، بشتى أشكالها، وبمختلف أنواعها؟

إنَّ إطلالة واحدة على الجرائد الوطنية، والأخبار العربية… وإنَّ نظرة واحدة في الأحوال المحلية، وفي الأزمات العالمية… لتدفعنا إلى القول: بيننا وبين الرشد بعد المشرقين، وهو أكثر ندرة في تجمعاتنا من الماس المفرَك، ومن اليورانيوم المخصب… وفي انتظار بلوغنا درجة الرشد والتمكين والاستخلاف، يمكن أن نتخذ “الطيور قدوة”، فهي أحسن حالا، وأوفر حظا منا…

فاللهمَّ اجعلنا من الراشدين، وأبرم لأمتنا أمرا رشدا… آمين.

 

محمد باباعمي

‏الأربعاء‏، 06‏ جمادى الثانية‏، 1431

‏19‏ أيار-مايو‏، 2010

المنطلق القرآني ، أسئلة لا بد منها : طه كوزي

المنطلق القرآني

أسئلة لا مفر منها…

                                        طه إبراهيم كوزيthe_guide_for_mankind_9_by_the_unique1

 

بعد أربع عشرة قرنا على اكتمال التنزيل؛ يقف المفكرون الحداثيون والأصوليون والمتزنون، على حد سواء، في صف واحد في الدعوة إلى إعادة قراءة النص القرآني قراءة مختلفة، لتفجير معان جديدة وفسح آفاق تليدة؛ إلا أننا بمجرد استماعنا لمقاربات هؤلاء وأولئك وطرُحاتهم في إعادة قراءة النص؛ نكتشف أن نقد جولدزيهر للمفسرين كان يملك جانبا من الصحة والصواب.

 

قصة جولدزيهر مع المفسرين؟

 
يرى المستشرق الألماني “جولدزيهر” في كتابه “التفسير والمذاهب الإسلامية” أن المفسر للنص القرآني، على مدار القرون السابقة، تأثر بالسياق الفكري الذي عايشه ولازمه؛ باعتبار انتمائه المذهبي، وولائه السياسي، والسجال الطائفي وبخاصة في عصر الانحطاط، مما أثــــّر على موقعه مفسرا للقرآن الكريم أمام ما يطرحه هذا السياق التاريخي من تصادم واختلاف، 
فتنازل المفسر للقرآن الكريم عن موقعه، مرجعًا وحَكَما باعتباره الـمُوَقِّع عن رب العالمين؛ إلى كونه ندا في النزاع، وطرفا في السجال الفكري الذي عرفه التاريخ الإسلامي. وبعبارة أوضح أنه لم يكن يفسر القرآن الكريم بل كان مدافعا وفيا لمذهبه من خلال التفسير.
بالرغم من تطرف جولدزيهر في  رأيه حينا، وقسوة أحكامه أحيانا أخرى، وبغض النظر عن طبيعة النوايا التي يُضمرها المستشرق عموما، وجولدزيهر خصوصا؛ إلا أن هذه  المعطياتِ 
لا تُفقد النقد قيمته، بل تدفعنا، على النقيض، إلى قراءة طرحه بتأن ورويّة: لنقبل السليم، ونلفظ السقيم. 

 

السؤال الخاطئ والسؤال الصحيح؟


يتوهم البعض أن بالضرورة لكل سؤال جوابا، أو أن الصواب وعدمه يعتريان التقرير (الإخبار، التأكيد…) دون الاستفهام، إلا أن الحقيقة غيرُ ذلك، فهناك أسئلة خاطئة كما أنه ثمة أجوبة خاطئة، وصياغة السؤال يشوبها النقص والزلل ويعتريها الخطل، مثلما هو الحال بالنسبة إلى صياغة الجواب.    
ولعل السؤال الخاطئ أشد فتكا بالمنطق، وأكثرَ خطورة على الفكر من الأجوبة الخاطئة، لأن الجواب الخاطئ ينجلي سرابه، وينكشف عُواره ولو بعد حين، أما السؤال الخاطئ فيُوقع متلقيه في تقبُّل مقدماتِ السؤال ومسلَّماته المضمَرة سلفا، وتترك المسؤول يتخبط في وحل المغالطة المنطقية من تناقض ومصادرة على المطلوب وغيرهما دون وعي وإدراك؛ لذا يتعين عليك أخي القارئ حين يُطرح عليك أي سؤال أن تفحصه أولا، وتتأكد من سلامته ثانيا قبل الإجابة عنه، ل
أن العبرة من السؤال ليست في تلفيق الأجوبة له؛ بل في دفع العقل إلى الحراك الفكري السليم.  
إن السؤال عن المنهج الصحيح في التعامل مع القرآن الكريم أعُده اليوم من الأسئلة الخاطئة والمضمِرة لمقدّمات غير سليمة البتة. فبالرغم من أنّ السؤال عن المنهج السليم في التعامل مع القرآن الكريم قد استنزف من العرق والورق الكثير؛ إلا أنه أضمر في ثناياه، بحسن نية، أحكاما مسبَّقة ينبغي مراجعتها والجواب عن ما قبلها؛ ليكون النظم بعد ذلك سليما، والبناء على ما سبقه متينا.  


أين الخطأ في هذا السؤال؟ 

المنهج نتيجة وليس مقدمة

إن السؤال عن المنهجية السليمة في تفعيل النص القرآني سؤال سابق لأوانه، ومستعجل رغم أهميته وخطورته؛ ببساطة لأن الإشكال لا يكمن، حاليا، في الطريق والسبيل والآلة، ولكن يكمن في تصوراتنا والمفاهيم التقليدية التي تسبقنا إلى الآية القرآنية، وتقف حائلا وحجابا بينا وبين القرآن الكريم. 
فالمنهج وليد أسس فكرية وأخلاقياتية (
Ethics) والتي تُعد القواعد الكلية التي تفرز مناهج التعامل مع النص وتؤطرها. 
لقد اشتغل المفسر للنص القرآني في بيان مبهمه وتفصيل مجمله وتجلية معانيه لقرون من الزمن… إلا أن الحاجة، اليوم، قبل الخوض في تفسير جديد للقرآن الكريم هو تأسيس القواعد الكلية والمنطلقات الأخلاقياتية التي توجه تفسير النص وقراءته وتؤطره؛ 
لأن أي سعي إلى قراءة جديدة بوسائل تقليدية قديمة لن تؤول إلا إلى ما آل إليه السابقون. 


العقل المسلم وحزمة الأحكام المسبّقة

مما يعانيه العقل المسلم اليوم، حزمة الأحكام المسبّقة التي تراكمت وترسبت مع الزمن عبر سنوات عجاف من السجال الكلامي، وسنوات دامية من التناطح المذهبي، وضروب من العبث السياسي بفكر الأمة ومآلها، هذه المنظومة التقليدية شكلت حائلا بين العقل المسلم والنص القرآني، فكانت تسابق العقل إلى تفسير الآية القرآنية وتزاحمه في توجيهها حتى أضحى التعامل مع القرآن الكريم منضبطا بتوجه المفسر المذهبي، وموقفه الكلامي، فتجد الزمخشري، مثلا، في تفسيره المتميز “الكشاف”، بالرغم من كونه من روائع التفاسير البلاغية التي لا يمكن تجاوزها على مرور القرون، إلا أن شخصيته المذهبية تطفو إلى السطح وتزاحم قدارته البلاغية حين يتعلق الأمر بآية قرآنية تحوي قضية كلامية مختلَفا فيها. والمثال للتوضيح لا للحصر. (وبالمناسبة لم يستطع أحد من منتقدي الزمخشري أن يبلغ مبلغه في البلاغة القرآنية…..)
لا يمكن أن نحاكم المفسر على توجهه الفكري أو مذهبه الكلامي، لأننا نقر وفق مبدأ التحيز1، أن العقل لا يمكنه أن ينسلخ، مطلقا، عن ذاته وتوجهاته وأفكاره، خاصة إذا اعتبرنا السياق التاريخي الذي ترعرعت بين أحضانه منظومتنا التقليدية. إلا أننا ننقد اعتبار الاجتهاد المذهبي حقا مطلقا، وننكر مصادرة المعاني القرآنية الأخرى المحتملة في الآية القرآنية ذاتها لاعتبارات مذهبية.   
قد يتوهم البعض أن هذا النقد يطال علم التفسير والمفسرين وبالتالي فهو يخول لأنصاف الجهلاء التطاول على كلام الله تعالى. لذا من الضروري أن نؤكد أن العلماء المفسرين استنفذوا طاقتهم واستفرغوا وسعهم في بيان كلام الله ومراده، إلا أن الحاجة اليوم قبل أي وقت مضى هي نقد ظاهرة تفسير النص القرآني من أجل تجديد جاد وجدي. وأي محاولة خارج الإطار العلمي المتخصص تعد عبثا بالنص وتطاولا على رب العالمين.  


المنطلق القرآني، البوصلة القرآنية،….  

إن أي تجديد اليوم ينبغي أن ينطلق من معالجة الجذور، وما قبل المنهج، لأن الإشكال أخطر من مجرد منهج جديد في تفسير النص القرآني، والتأسيس لمنهج جديد دون الولوج إلى صياغة القواعد الكلية سيؤدي، بالضرورة، إلى حزمة جديدة من الكتب تنتهي في رف من أرفف المكتبة الإسلامية. التي تعاني من تضخم في المباني وعُسر هضم للمعاني. 
الحاجة اليوم إلى “المنطلق” الذي يقوم عليه أي لون من ألوان التفسير، و”البوصلة” التي تعين القارئ في الإبحار نحو معان جديدة: إنها الأكسيومات التي توجه المفسر ولا تعطل عقله، البوصلة التي تمنحك معرفة الجهات الأربع وتعينك في الإبحار إلى أي وجهة تريدها.   

من أين البداية؟ 

لا أدعي أني أمتلك مفاتح المنطلق، ولا مكنونات البوصلة؛ ولكني أعتقد أن السؤال الصحيح أهم  وأغلى من الجواب الصحيح، وأن الرؤية لا تكتمل بمقال، إنها استثارة من أجل حراك فكري وحوار معرفي مثمر، يُثبت أن مرحلة التناطح المذهبي والانتماء الطائفي والحركي أضحت من الماضي، ويجزم أن الجيل الحالي جيل راشد بامتياز. (هذا رجائي ! وأود أن لا يكون مبالغا فيه)

أسئلة أخرى

-ما وظيفة المفسر وما الهدف من التفسير؟
-هل المفسر معنيّ بالنهضة أم بتجلية المعاني أم….؟
-أين الحد الفاصل بين المطلق والنسبي بين التفسير والقرآن الكريم؟
-كيف السبيل إلى منطلق، بوصلة قرآنيين…؟

 



1- انظر مفهوم التحيز: د.عبد الوهاب المسيري

أبعاد (حتى يغيروا ما بأنفسهم) : د. أحمد قطشة

أبعاد (حتى يغيروا ما بأنفسهم)

 website-screen2

تحدثنا في مقال سابق (الإسلام المهنة، والنفع، ومآذن سويسرا) عن أن الإسلام هو عمل ومهنة وليس دين فقط، والمطلوب ممن يعمل به أن يتحمل مسؤوليته التي سيسأله الله عنها، وإستقينا هذا الفهم من قوله عليه الصلاة والسلام: (ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، فلكل واحد منا مسؤوليته التي يجب أن يهتم بها، وقلنا حينها أن هذه المسؤولية تنبع مما إستخلفه الله في كل فرد منا، من قدرات وميزات، يعتقد أنه متفوقٌَ بها على الآخرين، وقلنا إن هذا هو مجال الإستخلاف لكل فرد، وهو مجال المسؤولية المناطة به.

لكن ماهي المحصلة النهائية لهذا الاستخلاف، أعني إستخلاف الأفراد وبالتالي استخلاف الأمة، أليست هي إقامة الدين وتحقيق النهضة الإنسانية وتقديم النموذج الحقيقي الذي إختاره رب العالمين ليكون النموذج الخاتم، وبالتالي تكون نهضة الأمة، هي إحدى إنعكاسات هذا الإستخلاف، وهذا الإستخلاف هو إحدى إنعكاسات النهضة، فالنهضة والإستخلاف، مترافقان، وأزعم أن النجاح في أحدهما يستلزم النجاح في الآخر.

ما أريد قوله هو أن الإستخلاف هو عملية تراكمية، لن تحدث فجأة، تماماً كالنهضة، فهما لن يحدثا بين يوم وليلة، ولا يجب أن نتوقع أو أن نطلب من رب العالمين أن يقول سبحانه: كن…فيكونا، هكذا بدون مقدمات، وبدون جهد منا، فهما لا ينشأن بمعجزة أو واقعة طارئة، فزمن المعجزات إنتهى منذ بعثة النبي محمد عليه الصلاة والسلام.

وبالتالي أيها الأحبة، فلا يخفى عليكم حال الأمة اليوم، وتعرفون أن مع كثرة المتأسفين على حالها، قد نجد حلولاً تتجاوز هذا العدد، تتراوح بين المعقول واللامعقول، بين إعادة إختراع العجلة، وبين تقديم حلول إبداعية حقيقة، بين تجريب المجرب (أياً كان)، وبين الحرص على إستنباط حل مناسب وواقعي لحال الأمة اليوم، وليس حلاً كان مناسباً في مرحلة ما، أو نافعاً لأمة ما.

والملفت للنظر أن الجميع، أو الأغلب الأعم ، تراه متفقاً على مركزية قوله تعالى (حتى يغيروا ما بأنفسهم) كقاعدة أساسية وجوهرية نحو التغيير والإصلاح المنشود. لكن، هل أدركنا فعلاَ الأبعاد الحقيقية لهذه الآية، وهل هناك حلول عملية جماعية يقتضيها هذا التغيير “بالنفس”، أم أن التغيير يبقى محصوراً في إطار المواعظ العامة والأخلاق، وزيادة الصلاة والصوم وسائر العبادات الأخرى.

بطبيعة الحال، لا ندعي في هذه المحاولة أننا سنحيط بكل جوانب هذه الآية، فهذا إدعاء، فضلاً عن عدم جوازه شرعاً، لا نملك أن نطلقه على أنفسنا، ليس تواضعاً لكن إعترافاً بمدى قصور إدراكنا ومعرفتنا عن إحاطتها بكلمات الله، وحسبنا في هذه الوقفة أن نتعرض لفكرة أو إثنتين تتعلقان بهذه الآية، والفكرة المباشرة أن التغيير يبدأ بالنفس.

قبل أن نشرع في ذلك، أحب أن أوضح أنه في القرآن الكريم، نجد محورين لبناء النفس الإنسانية، أو لبناء الإنسان:

المحور الأول: بناء ذاتي أو رأسي أو فردي، دعامته الأساسية إقامة الشعائر وأدائها، والحفاظ على الأخلاق، والدليل على ذلك كل تلك الآيات المبثوثة في القرآن عن العبادات.

لكن هذا لم يكن كافياً لبناء الإنسان، فالإنسان المسلم تحديداً يتحرك في إطار الجماعة، ومسؤوليته تتجاوز دائماً بناءه الذاتي، لتصل لبناء الجماعة، وهذا هو المحور الثاني لبناء الإنسان في القرآن، أو المحور الأفقي، أما دليله، فهو أنك لا تجد في القرآن الكريم آية واحدة تقول يا أيها المسلم أو المؤمن.

قد يتبادر للذهن هنا، أن المطلوب أن تتحول إقامة الشعائر أو إصلاح الأخلاق لتصبح على مستوى الجماعة بدلاً من حصرها على مستوى الفرد، ولا شك أن هذا مطلوب وواجب، لكنه ليس كل المطلوب وليس كل الواجب.

هنا يأتي قوله تعالى (حتى يغيرواما بأنفسهم).

منذ فترة وأنا أفكر في هذه الآية وأسأل نفسي: لماذا لم يقل عز وجل حتى يغيروا ما في أنفسهم، بل قال ما بأنفسهم؟؟

يفيد حرف الباء في اللغة العربية المجاورة والإلصاق، كقولنا ممرت بأحمد، أو أمسكت بيد أحمد، كما تفيد الظرفية الزمانية كقولنا تقطع الطائرة المسافة بساعة واحدة، وتفيد الظرفية المكانية كقولنا نزلت بدمشق، في حين تفيد “في” الظرفية الزمانية والمكانية، كقولنا: صمت في رمضان في دمشق، من هنا نجد أن الباء تشمل معاني في، فالتغيير في داخل النفس، لكنها تحمل معنى آخر عن التغيير لما هو ملاصق للنفس، أو بجوراها.

هذا الجوار للنفس، قد يكون نفساً أخرى، قد يكون مجتمعاً كاملاً، وقد يكون ظرفاً تمر به تلك النفس، بكلمات آخرى إن هذه الآية تتضمن معنى أن تغيير الأوضاع الإجتماعية يتم بصورة مباشرة، وبالتعرض لهذه الأوضاع ومعالجتها، وليس عبر التغيير داخل النفس كما قد يُفهم من هذه الآية على سياق واسع.

لنتأمل مرة أخرى قوله تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الأنفال : 53] وقوله تعالى (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ) [الرعد : 11] ولنركز في الآيتين على قوله تعالى  (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ)، متجاوزين بعض الجزئيات عن النعمة وزوالها.

هناك محوران يجب توضيحهما لنفهم الآية…

المحور الأول أن في الآية تغييران، أحدهما حدوثه معلق والآخر حدوثه مطلق، المعلق هو تغيير الله سبحانه وتعالى، علّق حدوثه على حدوث التغيير الثاني المطلق، وهو تغيير الأفراد  لما بأنفسهم.

إذن حقيقة هناك تغيير واحد، هو التغيير البادئ من الأشخاص، والمتعلق بهم وبقرراهم، فإن أرادوا التغيير، فالله سبحانه وتعالى لن يوقف إرادتهم، لإنه وكما هو واضح أنه أعطى إذنه سبحانه بالتغيير، بل وعلّق التغيير بإرادتهم، بمعنى أنه لن يغير شيئاً من عنده، حتى يبدؤوا هم بالتغيير، سواءّ للخير أو للشر، حينها سيتبدل حالهم وفق ما أحدثوه من تغيير، من هنا أيضاً نقول أن التغيير يحدث بإذن رباني، والإرادة الربانية المرتبطة بأذهاننا بكلمة “كن”، لا ينبغي أن يفهم منها أن تبقى الأوضاع على ما هي عليه حتى لحظة زمنية واحدة، تنقلب بعدها رأساً على عقب بصورة فجائية.

أما المحور الثاني، فهو أن التغيير ليس محصوراً فقط على تغيير مافي داخل النفس، بل يتعداه لإصلاح مافي داخل المجتمع من أوضاع مختلة، سواءّ دينية كعدم الصلاة والصوم، أو أخلاقية كالكذب والغش، أو اجتماعية كالظلم والقهر والتعدي على حقوق الناس، بل وحتى أوضاع إقتصادية وسياسية، وكلها من مجالات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتغيير هذه الأوضاع يتم بمباشرتها ومعالجتها، وليس فقط بالإنكفاء والارتداد لإصلاح داخل النفس وزيادة عبادتها، حينها تكتمل صورة التغيير المنشود.

إضافة لذلك تجدر ملاحظة أن التغيير هو عمل جماعي، وليس عمل فردي، يتم في جماعة (بقوم) (على قوم) (حتى يغيروا) (أنفسهم)، فالتغيير المنشود (الذي سيأذن به سبحانه) والتغيير الفعلي (الذي تقوم به الجماعة) هو تغيير جماعي ينعكس على كل المحيط والمجتمع.

أعرف أن هذا الكلام قد لا يعجب البعض، لكن هذا لا يعني أنه خاطئ بطبيعة الحال، كما أنه لا يتضمن ولا يقترح صورةً لشكل هذا التغيير، سواء ثورة أو حرب أو حوار، لكن ما أود تاكيده على ضرورة إدراك أن هذا التغيير لا يقتصر على تغيير مافي داخل النفس من إصلاح وغيره، بل متعلق بالأوضاع المعاشة، ولهذا شواهد كثيرة.

من هذه الشواهد، معركة أحد، فجميعنا نعرف أن الرماة عندما غيروا وضعهم وتركوا مواقعهم، حدث الإلتفاف على جيش المسلمين ووقعت الهزيمة، وكان سبحانه وتعالى قادراً على إيقافها، لكن سنته إقتضت أنه لا يغير حتى يغير البشر من أفعالهم، فكان المسلمون متجهين إلى النصر، فغيروا في حالهم ومواقعهم، فحدث بنتيجة هذا التغيير الهزيمة، فالله عز وجل كان قادراً على منع جيش قريش من الإلتفاف، لكنه لم يشأ أن يحدث ذلك، ولم يأمر بعكس ذلك.

من هنا كان قولنا في بداية المقال، أن النهضة والإستخلاف لا تحدث بمعجزة ولا يمكن أن نجلس بلا عمل وننتظر أن يقول رب العالمين “كن”، لأن سنته اقتضت أن يعمل الإنسان ويغير ليحقق مراد الله منه.

من هذه الشواهد أيضاً قوله عليه الصلاة والسلام حينما سُئل أنهلك وفينا الصالحون يارسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (نعم إذا كثر الخبث)، ومنها ماورد في الأثر من قوله عليه الصلاة والسلام: (أوحى الله إلى ملك من الملائكة أن أقلب مدينة كذا وكذا عل أهلها، قال إن فيها عبدك فلانا لم يعصك طرفة عين، قال اقلبها عليه وعليهم، فإن وجهه لم يتمعر في ساعة قط)

نعم ايها الأحبة، فهذا العبد لم يمارس الفهم الصحيح للدين، حينما إنكفأ على ذاته ونفسه، ولم يبادر لإصلاح ما حوله وهو مصداق لقوله عليه السلام في الحديث المرفوع: (المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم ).

إن هذا تماماً عكس الصورة النمطية عن هذه الآية في أذهاننا، أن عليك أن تصلح نفسك فقط، وكل شيء سيكون جيداً بالتالي، إن هذا التصرف، أزعم أنه سيُكوّن مايعرف بالتدين السطحي في المجتمع، وهو أن ترى المساجد مملوؤة بالمصلين، لكن ترى مع ذلك انعدام الصدق والأمانة، وقلة احترام الوقت واحترام الآخرين، وترى الظلم ممارس من الكبير على الصغير ، ومن القوي على الضعيف، ولا أحد ينادي لاسترداد الحق، في حين أن المفروض أن تكون صلاتك هي حافزك لقول الحق ودفع الظلم.

إن هذا يذكرني بمقولة للأستاذ جودت سعيد أن التوحيد مشكلة إجتماعية وسياسية، وليست فقط مسألة عقدية، بمعنى أننا يجب أن نمارس التوحيد في حياتنا العادية، وليس فقط أثناء صلاتنا وكافة اشكال عباداتنا، ويتجاوز ذلك إخلاص نيتنا لله عزوجل، ليصبح إدراكنا أن الرازق والمدبر هو الله سبحانه وتعالى، وحده وليس أحد آخر كرب العمل هو حافزنا لقول الحق، دون الخوف من إنقطاع الرزق، و أن يصبح إدراكنا أنه سبحانه هو العادل هو حافزنا لممارسة العدل والقول به في كل أنماط تفاعلاتنا، أقول أن نمارس وأن نفعل، لا أن ندرك فقط، فالإدراك متحقق بتوحيدنا له سبحانه وتعالى، لكن علينا أن نمارس هذا الإدراك.

لكن قد يأتي من يقول أن هذا الكلام غير دقيق، من ناحية ضرورة التدخل لتغيير وضع سلبي أو سيء، وبسهولة يمكنه أن يستشهد بقوله عليه الصلاة والسلام (إنها ستكون فتن ، ألا ثم تكون فتنة ، المضطجع فيها خير من الجالس ، والجالس فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي إليها ، ألا فإذا نزلت أو وقعت ، فمن كانت له إبل فليلحق بإبله ، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه ، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه ، ومن لم يكن له شيء من ذلك فليعمد إلى سيفه ، فيدق على حده بحجر ، ثم لينج إن استطاع النجاء ، اللهم هل بلغت ، اللهم هل بلغت) الحديث صححه الألباني في الصحيح الجامع.

لكن لا أرى أن هذا الإستشهاد صحيح، فالنبي عليه الصلاة والسلام يتحدث هنا عن فتنة، وقتل وقتال، لكن ما نتحدث عنه هو الإصلاح والبناء والتغيير المستمر، والمرتبط بكل أوقات حياتنا، وليس النشاط المرتبط بإحداث الفتنة أو أحداثها، الإصلاح وليس القتال، الإصلاح بالحكمة والموعظة الحسنة، وبالتالي فهذا منحى مختلف وبعيد عن مانقوله في هذا المقال.

أرجو أن تلاحظوا أيها الأحبة، أنني لست ضد المناداة بإصلاح النفس أولاً، وأعلم تماماً أن هذا هو مجال كبير للعمل، ومجال حيوي وهام للإصلاح، لكن أقول حتى يكتمل، يجب أن ينعكس بشكل مباشر في المجتمع، ولا يحسبنّ أحدٌ أن هذا الإنعكاس سيحدث فرقاً كبيراً في وقت قصير، فالتغيير عمل تراكمي، يحدث بتراكمات صغيرة، ليصل لشكله النهائي المنشود.

نهاية، لابد من التأكيد مرة أخرى، على ضرورة إعادة التفكير في آيات الله، بالطريقة التي نتمكن منها من إستنباط سننه سبحانه وتعالى في هذا الكون، مما يعود بالنفع علينا، وإقامة النموذج الإسلامي الذي يقدم النموذج الخاتم للبشرية، بمايليق بالموحدين لرب العزة وبمايليق بجهده عليه الصلاة والسلام في تبليغ الدين، وجهد من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

أأنتم أعلم بأمور دنياكم أم الله …؟؟؟! د. محمود الشيشكلي

 

 

 

أأنتم أعلم بأمور دنياكم أم الله …؟؟؟!!! إسقاط على أرض الواقع (3)

بقلم : د.محمود الشيشكلي

الله هو الأعلم !!! طبعا سيكون الجواب على هذا السؤال و بكل وضوح موجود أصلا في نفس السؤال لكل من يقر و يؤمن بالله , ولكن ومن أجل أن يتحول ذلك إلى تصديق عن دليل علمي موضوعي تطمئن له النفس نذكر على الجملة بالقول : أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ .لا بل وعلى اعتبار أن علمنا هو من علم الله يكون القول : وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ و أقله ألا ننسى:  فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا.

 وعلى اعتبار أن الإسلام الحقيقي في أصله هو (بالمفهوم المتداول ) دين ودنيا أو بالأحرى هو دين حياة قائم على نظام يعبر عن قوانين وجدت لخير الإنسان ورحمة به و بتوازن فطري و علمي كل في موضعه المناسب وتبعا لبرمجة الكتاب وعبر الفطرة السليمة في طريق مستقيم هو الذي يصل بالإنسان إلى السعادة والسلام ومن الدنيا بدئا إلى الآخرة نهاية, فإن ما سبق لا بد أن ينطبق وبنظرة شمولية على كل الأمور محكماتها ومتشابهاتها,على مبدأ : آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ, ومن هنا نعبر إلى أمر على سبيل المثال مستخرج من حادثة تأبير النخل ( حيث قال : أن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏مر بقوم يلقحون فقال ‏ ‏لو لم تفعلوا لصلح قال فخرج شيصا فمر بهم فقال ما لنخلكم قالوا قلت كذا وكذا قال أنتم أعلم بأمر دنياكم) صحيح مسلم

والتي يستدل بها أعداء الإسلام على عدم عصمة رسول الله فيرد عليهم وللأسف بعض المسلمون وإن كان بنية حسنة ( والنية الحسنة فقط لا ترد اتهاما ولا تصنع لا مجدا ولا حضارة ولا …)  للدفاع عن الإسلام أن عدم العصمة فقط في أمور الرسول (ص) الشخصية التي تعد اجتهادا فقط وعلى ذلك أمثلتهم كثيرة و لا تعبر عن الرسالة …وما أدري كيف … ويدمجون ما سبق فيها , دون الأمور الشرعية التي فيها كامل العصمة.

وقسم آخر قد يقول أن الحديث ضعيف أو حديث آحاد إلى غير ذلك.

والسؤال دخولا في صلب الموضوع :أنه لو اعتبرنا الحديث قد تم فعلا فاني أجد فرقا  بين صورته ولفظه وبين المعنى الذي فهم  به بزيادة من قبلنا وبمعنى أن لفظ أنتم أعلم بأمور دنياكم قد زيد عليها في فهمنا وعقولنا كلمة زائدة هي ( مني ) فأصبح التركيب يفهم ويعقل ( أنتم أعلم بأمور دنياكم مني ) مما يوحي لنا مع هذه الزيادة الخطأ اعتراف رسول الله بخطئه وتراجعه عنه وبالتالي استنتاجنا لعدم عصمته في مثل هذه الأمور .

والرد على ذلك يكون : لم لا يكون الموضوع على وزن أنه عندما أقول لأشخاص أن مشروعا اقتصاديا مربحا أكثر ومضمونا أكثر بكيفية اقترحها لمن يستطيع تحمل تكاليفه  والصبر حتى تحصيل مرابحه ثم يأتي قسم منهم يشتكي حاجته إلى المادة والقطاف الأسرع والعدد الأكبر ولعدم قدرته على التحمل والصبر بسبب ظروفه والتزاماته الحالية , فان ذلك لا يعني إلا أن كلامي هو الأكمل والأصح وليتضح أن الأمر على وزن المثل  أو القول أنا نصحتك لكنك حاليا أدرى بظروفك .

وبإسقاط على الحادثة نرى أن البلاد التي تعتمد التأبير اليدوي يكون النخيل فيها متقاربا ويكون الأمر بغاية جمع أكثر وأحسن وأسرع للتمر منه بدون تأبير في حين من تعتمد على التلقيح الطبيعي ولا تأبر يدويا يمتد النخيل فيها على الأغلب على أماكن واسعة , الأمر الذي يحدث وخاصة قديما في البلاد ذات المساحات الواسعة التي كان سيصعب شمولها بالتأبير اليدوي , وخاصة مع علو أشجارها , أو ربما ما قد كان من التأبير الطبيعي أصلا مع أمهات النخيل في عصر سيدنا آدم ومن الفردوس الأول.  

 والسؤال أولا بتسلسل يكون من أين يأتي الغذاء والذي أكثره ماء للتمر سيكون الجواب من الأرض عبر جذع النخل, وبالمتابعة فان زادت عدد حبات التمر بالتأبير اليدوي ستزيد كمية سحب الماء من التربة وإن زاد الأخير وكانت الأرض في منطقة حارة أدى ذلك إلى جفافها أكثر وربما تصحرها على المدى الطويل وخاصة مع تقارب النخيل مع بعضها لزيادة عدد النخلات.

وبالتالي فإن النخيل بدون تأبير يدوي سيكون مقتصدا بسحب الماء ومحافظا على عدم جفافها مع تباعد بين النخلات وحيث يقول ويوصي القدماء بالمباعدة ما بين النخلات عند زراعتها. وفي الأمثال الواردة في الكتب القديمة المهتمة في هذه الأمور: “تقول النخلة للنخلة: ابعدي ظلي من ظلك، أحمل مثْلَي حَملي وحَمْلك!”. وتقول النخلة لزارعها: “ضع أختي بعيداً عني وخذ حَمْلَها مني!”

وكأن في ذلك إشارة إلى أن إراحة الأرض وعدم إجهادها بسحب أكبر للماء بما سبق ذكره سيعطي وإن كان بعد حين نفس المحصول مع زيادة هنا أقلها هي الحفاظ على الأرض من الجفاف والتصحر ومن ثم المساعدة بالحفاظ على التربة ومنع انجرافها أمام الرياح عودة إلى زيادة في سوء المناخ , و بالتالي يجب أن لا يكون الأمر مقصورا على مصلحتنا دون النظر إلى مصلحة أحفادنا ولا مقصورا على القطاف السريع دون الحفاظ على حياة الأرض وتلوث الهواء.

ثانيا :إن خروج التمر على شكل شيص (وهو ثمر صغير سيء غير ناضج )وسواء كله أو أكثره لا يعني أن هذا سيستمر في السنوات التي بعدها إنما الأمر قد يحتاج لصبر ولفترة زمنية قد تطول لتحسن النخلة إنتاجها وهذا ما يؤكده نخل البلاد التي لا تعتمد التأبير اليدوي.

ثالثا قد يكون الشيص في مرحلة ما مستودعا للماء والغذاء المركز الذي سيساعد فيما بعد في مد التمر الصحيح بما يلزمه عوضا عن الاستمداد المباشر والكامل والدائم من الأرض مما يخفف العبء عليها وخاصة في بعض الأوقات الصعبة مع الأخذ بعين الاعتبار تخفيف عدد النخلات بتوزيعها على مساحة أكبر.

رابعا : أن ما قاله رسول الله (ص ) لصحابته لا يعني إلا أن كلامه صحيح وأن ما دون ذلك قد أبيح لهم تبعا لظروفهم وأعبائهم , وربما مع الأخذ بعين الاعتبار قوة الأرض وقتئذ بالنسبة لوقتنا التي فيه قد استنذفت قدرة تحملها الأمر الذي يستدعي منا على ذلك إعادة النظر.

إلى غير ذلك ( وحتى لو فرضنا جدلا أن ما سبق- رغم وضوحه وخرقه للنظرة القديمة على الأقل- لا يصح ) من الاحتمالات الكثيرة التي قد تظهر وخاصة مع تقدم العصر من تقنيات كهرومغناطيسية ونانو تيكنولوجية وغيرها  تحتاج بحوثا بتكاتف أيدي والتي بفكرتها الأساسية تصل بنا إلى الحفاظ على الأرض من الجفاف والتصحر وربما إلى طريقة علمية تمكن من إعادة إحياء للأرض الميتة., وغيرها مما يمكن أن ينطبق ويقاس عليه الأمر نفسه برسمه وبمنهجه العلمي الموضوعي اقتصاديا واجتماعيا وعلميا وحياتيا على نهج : مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا. فالموضوع هو تسوية بالتوازن المهندس والمبرمج بحكمة لنفخ بالروح  وصولا إلى قيام حياة طيبة.

وعلى ذلك وبإقرأ الكتاب الأولى والثانية يمكن أن يقول الإنسان  من نفسه الله أكبر وبمعنى يتجاوز المعنى التقليدي من دون معارضته إلى: الله أكبر مما تتصوره أو تتخيله أيها الإنسان وأكبر مما يتبدى لك سواء في أفق نفسك في الأولى إلى الله أكبر مع الثانية ولغيرك و في أفق العلوم القادمة , وهكذا وبصدق تتابع إلى أن تشهد من نفسك وعلى نفس النهج  أنه : لا إله إلا الله  و أن محمدا رسول الله  

قال تعالى: يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9) سورة الصف

نعم يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ ولكن الدور الأكبر و المساعد لمن في الداخل فالمشكلة هي في عدم الاتباع لرسول الله من جهة الاستواء على صف واحد وإن الاستواء من إقامة الصلاة ولو استوينا على صف واحد باتجاه هدف واحد و لم ندع فرجا للشياطين لاستوت قلوبنا , نعم لا ننكر أن أيادي علماء كثر هي ممدودة للخير ولكنها غالبا ليست مجتمعة وعلى صف واحد ولا حتى على مصطلحات واحدة بل إن الكثير منهم ليظن أنه الناجي دون غيره وما النجاة إلا بالتجمع القلبي قبل الجسدي أمام شياطين الجن والإنس , إذ لا يفيد السفينة ومع قوة من عليها إلا أن يجتمع تجديفهم وحتى طاقاتهم الكامنة على اتجاه واحد وتبعا لبوصلتها ومن دون أن يدعوا فرجا تغرق سفينتهم  وبذلك تكون المناعة القوية التي إذا قويت وأقيمت لا يستطيع أي فيروس اختراقها .

 ومن جهة أخرى و مع وجود السامري ونهجه ولكل زمان ولكل مجال علمي وسواء ديني أو دنيوي: سامري يسير على نهج السامري الأول ( ومن دون معارضة المعنى التقليدي ) يقبض قبضة من أثر الرسول والمعلم الناس الخير ويدعيها لنفسه وكذلك ألقى و يلقي مشجعا لهم في بناء عاجل قد يعده تحديثي للحياة إلا أنه في حقيقته لا تحديثي أصلا وإن كانت الأنفس لتنذهل به وتخور بخواره فكثير منها لا يتحدث أصلا إذ أن هذا البناء من جهة وإن تحدث مظهره إلا أنه جسدي لا حياة طيبة حقيقية فيه ومن جهة أخرى قولي لا يتعدى الأذان إلى القلب وإن كان يعزف على أوتار النفس فيطربها ولكنه يبقيها وحب الدنيا كالأفعى ترقص على صوت الناي في مكانها, فلا يبين لها كيف تقوم من حلمها أو تنهض في حياتها ,وليسيطر عليها فلقد أبصر هذا السامري من مداخل السيطرة على الأنفس و بما يصطادها من شهواتها مالم يبصروا به طمعا في الخلافة التي ظنها استعباد للعباد و كما الشيطان الأكبر وكذلك سولت له نفسه ولم يكن معه في الحقيقة إلا أثر لعصارة زيتية كانت بمجهود غيره ولغاية  أن يظهر كخليفة في الأرض و كمنارة لغيره ومن دون أن يصدق مع نفسه ويبدأ بإنارة قلبه أن استوقد من أثر هذه العصارة نارا فلما أضاءت ما حوله من الناس واستناروا شيئا ذهب الله بنوره وتركه في ظلمات لا يبصر إذ نفد مخزونه من أثر الزيت ولم يكن قد تعلم عقل أو عصر الزيتون بنفسه  وبالتالي لم يكن أصلا أهل لأن يعلم الناس الخير النافع لحياتهم,لأن هذا السامري لم ينفع نفسه بحياة طيبة حقيقية ولم ينر قلبه أصلا, قال تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (سورة الأنعام-122) لا بل إن الطامة الكبرى عندما ينفخ و في الشباب خاصة عاطفة وحماسا وحتى علما (التي وإن كان فيها خير إلا أنها على شَفَا جُرُفٍ هَارٍ , ضعيفة ربما ستنهار وستأفل وستغرب أمام مصاعب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والحياتية ) لأنها لم  تكن موجهة نحو تحريك حس ديني صادق يحول المعرفة إلى سلوك حي والعلم إلى عمل حي  والقول إلى فعل حي والنص إلى حضارة حية والحياة بتجددها وترقيها من تمكين إلى تمكين أكبر .

لا بل إن البعض من هؤلاء السامرة  ليضحي بأولادنا ملقيا بهم ومضحيا بهم وراكب أمواجهم لمآرب سياسية أو غيرها وعلى حد قوله في سبيل الله , ناسيا أن سبيل الله في أصله هو ذلك الكوثر الذي فيه الماء والطاقة للحياة الطيبة في الدنيا والآخرة, الذي يحيى بها الإنسان وأهله من بعد موت وينمو محافظ علىها ناهض بها وسابح نحو حياة أعلى لا تنتهي ولا يظمئ بعدها أبدا, والتي بها فقط يطمع الإنسان زيادة أن يوصلها إلى غيره جهادا يبدأ من الكلمة الطيبة لا قتلا وسفكا للدماء , وكما فعل رسول الله (ص) بحكمته يوم فتح مكة عندما حاصرها بجيشه وأمر أصحابه بأن ينقسموا إلى مجموعات صغيرة كل منها يشعل نارا لتبدو بكثرة النيران ذات كتائب كثيرة لن يكون لأهل مكة ولا حتى التفكير بمواجهتها , وما كان ذلك إلا رحمة منه (ص) بما يفيض من قلبه حتى نحو أعدائه , قد تجلى طرف منها في قوله ( ص) لأحد المسلمين يوم فتح مكة : بأن اليوم يوم المرحمة ردا على قول الرجل متحمسا أن اليوم يوم الملحمة , ومن دون أن ننسى معاتبته الشديدة جدا (ص) لسيدنا خالد : في حادثة الرجل الذي قال : لا إله إلا الله إتقاءا للقتل بالسيف .

فالإتمام لنور الله وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ لا بد قائم رغم كل شيء و طريقه الرجعى إلى إقرأ الكتاب وبنور من الله فإما بالحسنى والعودة معا إلى الإحياء والإنقاذ والإصلاح مع سنة رسول الله (ص) الحكيمة في المعالجة وإقامة الصلاة والإسقاط على أرض الواقع وبتوكل على الحي الذي لا يموت من خلال الرجوع بقلوب تعقل على هيئة الخضوع إلى ربها الحي الذي بيده الروح وحده وهو على كل شيء قدير , مع الأخذ بالأسباب وإعادتها وإقامتها في موضعها المناسب الذي وجدت من أجله و بتوازن حكيم  مادي ومعنوي في إسقاطها على الأرض إقتداءا و اعتصاما بالنهج النبوي الشريف والحكيم.ولنقول معه حقا: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) سورة الفاتحة

أو بالسلاسل والعذاب المادي والمعنوي .

قال تعالى: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (سورة السجدة-21)

 و لينطبق المثل : (إذا أردت أن تحيي دين فحاربه) وربما في ذلك المكر الخير لله بالشياطين وبمكرهم الخبيث وهم يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم نفخا فإذا بالنار المقدسة لتتوهج عن ذلك بقوة ولتضيء النور من جديد على نفس النهج القديم

ذلك النهج الذي لم يوجد أحسن منه إيجابية إذ تحمل (ص) من قومه ما تحمل حبا ورحمة أن يأخذهم إلى نهضة وصلة مع الله , لقد صبر وتيقن ظنه و بتثبيت من الله أنه سيقدر الخير في هداية قومه على يديه رغم ما عانى  فلم يستعجل أمر الله ولم يكن كصاحب الحوت الذي ظن أن الوقت يضيع مع قومه ولا أمل فيهم وأنه ربما من الأفضل البحث عن غيرهم لهدايتهم .

ربما نلتمس للخلف اليتيم عذرا أمام حذرهم من البعض الذي يدعي القراءة الصحيحة للقرآن ويسمون أنفسهم بالقرآنين فإذا بالكثير منهم لا قرآني ولا علمي ولا موضوعي أصلا, نعم كلمة حق ولكن وإن كان لا يدري فأريد بها باطل هو هدم أساس القراءة الحكيمة التي هي الطريق الأسرع والأقوى وقل الوحيد للوصول إلى نهضة وقيام حياة طيبة مادية ومعنوية و الاستعاضة عنها  بأساس خارجي هو على شفا جرف هار على نهج الأعور الدجال , أي لا قرآني أصلا لأنه لا يسعى إلى قراءة رشيدة وحكيمة تسير على نهج وهدي السنة النبوية الشريفة و إحيائها بإسقاط من جديد على أرض الواقع عوضا عن هدمها والقول بعدم صلاحيتها إلا لزمانها ومكانها التي وجدت فيه ونسيان أن الحكمة في جوهرها معالجة وبناء للنفس قبل الجسد ,وبناء للفئة المؤمنة الأولى بدءا في مكة قبل بناء الدولة في المدينة والتي وإن قامت على قوانين ونظم حكيمة فإنها لن تكون قيمة إلا بتأسيس للنواة الأولى للحضارة الروحية والمادية معا قبل الانطلاق إلى بقية العالم لإحيائه ولإنقاذه ممن يفسد فيها ويسفك الدماء . ومن دون أن ننسى أنه ليس كل علم ينفع , بل إن ما ينفع هو العلم الحكيم الموضوع في مكانه وحتى في زمانه بشكل مناسب كل في موضعه على أساس متوازن فطري وعلمي حكيم ورغم أنه يستحيل من جهة إلا أن يكون باعتماد على الله وبإذن وقبول منه وفي ذلك يكون القول :   يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (سورة آل عمران -102)

إلا أنه من جهة الأخذ بالأسباب لا بد أن يكون بتقديم متفاني قدر ما يستطيع الإنسان وأهله : إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16) سورة التغابن

 وبتصحيح لقول البعض :(رأينا الإسلام في الخارج ولم نر مسلمين ورأينا المسلمين في الداخل ولم نر إسلاما)

ولنكون دقيقين في الكلام نقول – ومع تقديرنا لحسن نية الكثير منهم – أن ما رأيتموه هو نظم وقوانين ربما دقيقة ولكن ذلك يعتبر من مظاهر الإسلام دون روحه وبالتالي الأولى أن لا يطلق عليه إسلام لأنه في حقيقته بدون روح  بل أمور في أغلبها قد عود و برمج الناس على قوانينها من صغرهم , وإن كان فيها خير إلا أنها على شَفَا جُرُفٍ هَارٍ , و ضعيفة ربما ستنهار وستأفل وستغرب أمام أقل فتنة و انزلاق, أما في الداخل وإن كانت لا توجد تلك المظاهر إلا أنه لا يزال يوجد فيه ذلك النبض الحي وشعلة المشكاة والتي وإن كانت ضعيفة يبقى الأمل في أن تتوهج وتطلع من جديد , وخاصة أن الرسول (ص) بسنته النبوية الشريفة وبالخاصة في العبادات الجماعية هو من خطط وبرمج أصلا للمحافظة عليها…..   

 قال تعالى:مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32) سورة المائدة

 هذه النفس التي هي واحدة في جوهرها رغم اختلاف الأزمنة والأمكنة ويبقى الدواء يسعى ويطوف أصلا حول أمر معالجتها وإحيائها , لا بل إن تحديثه موجود أصلا في السنة النبوية الحكيمة وإن لم يظهر سابقا فذلك لعدم لزومه بوجود طب وقائي شريف معجز بالإضافة إلى أن ذلك لا يعني أنه غير مكنون فيها وقد أوتيت جوامع الكلم (إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء ، علمه من علمه وجهله من جهله) لكنه يحتاج إلى قراءة عربية مبينة واضحة على نفس النهج لا أعرابية شطحية تشوه على الأصلية ولا عجمية غير مفهومة…أو قل لا  شرقية ولا غربية بل نورانية تستقي من نور النبوة , وأخشى على من لم يسعى لأن يفقه أسرار لغة القرآن الحضارية أن ينطبق عليه القول : قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (16) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) سورة الحجرات

شيء أخير ألا يعتبر التاريخ من المكتبة فكيف سنأخذ منه آيات بينات وبتحقيق ولا نأكله لما و كيف سيقرأ تحت ضوء أقرأ الكتاب و بنور من الله …؟؟؟

وخاصة أن النظر إلى بعض تناقضات التاريخ أمر محير بين صوره السوداء وصوره الحسنة وكل ينظر من وجهة نظر مختلفة فمنهم من يغلب هذه على تلك وربما يصل إلى أن يكفر من يقول غير ما يقول  وذاك يفعل العكس و آخر وقف صامتا إلى غير ذلك .

 

حين يعمل الغافلون ، و يكسل الراهبون :د.محمد باباعمي

بسم الله الرحمن الرحيم

حين يعمل الغافلون، ويكسل الراهبون…46_img_08641

 

هما عالَمان متكاملان: عالَم الغايات والمِنن، وعالَم الأسباب والسنن؛ وعندما ينفصم عالَم عن عالَم يدبُّ الخراب في الوجود، وتشهد البشرية أسوأ أيامها وأحلك لياليها، فيأتيها الشؤم متبخترا، وتنكسر شوكتها عند باب الروح والطمأنينة، أو على ركن العمران والتمكين.

فحين يعمل الغافلون، تنمو مظاهر الحياة، وتعمُر أسواق المادة، وتزّيَّن الأرض بالمنجزات المدنية: من عمارات وناطحات، ومن آلات وتقنيات، ومن مصانع و”مُولات” (المساحات التجارية الكبيرة)… ذلك أنَّ هؤلاء الغافلين العاملين اتخذوا الأسباب، وحرثوا الدنيا بالأفعال، وتفننوا، واجتهدوا… والقاعدة التي لا تخطئ أبدا في شأنهم، هي قوله تعالى: “ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها“؛ فلم يقل جلَّ من قائل: “لا نؤته منها”، مصداقا لقوله في آية أخرى: “كلا نمدُّ، هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك، وما كان عطاء ربك محظورا“.

أمَّا حين يكسل الراهبون، ويتعلَّقون بأستار الكعبة، ويلازمون مساجدهم، ويطيلون الركوع والسجود، ويُغرقون في تلاوة القرآن بلا تمثل لأوامره، ويمارسون الذكر اللساني المتواصل… دون أن يعملوا ويعلِّموا، ويجاهدوا ويجتهدوا، ويبنوا ويعمِّروا، ويتدافعوا ويدافعوا… فإنَّ دنياهم تتحول إلى عوالم روحانية لا حضارة فيها، وتؤول أمورُهم إلى أيدي أعدائهم، ويغمر الفقر أوصالهم، ويقصم الذلُّ ظهورهم وظهور قومهم وأهليهم…

وما أروع مقولة النابغة الأديب، البشير الإبراهيمي: “أيها المسلمون: عيدكم مبارك إذا أردتم، سعيد إذا استعددتم، لا تظنوا أنَّ الدعاء وحده يردُّ الاعتداء، إنَّ مادة   (دعا يدعو) لا تنسخ مادة  (عدا يعدو)؛ وإنما ينسخها (أعدَّ يعدُّ) و(استعدَّ يستعدُّ). فأعدِّوا واستعدُّوا، تزدهر أعيادكم، وتظهر أمجادكم”

 

 

بين جلد الفاجر، وعجز الثقة…

رحم الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ورضي عنه، فهو بنور الله يبصر، وهو الذي تألم من كلا الحالين، بل إنه استعاذ من اجتماع النقيضين، فدعا الله قائلا: “اللهمَّ إني أعوذ بك من جلَد الفاجر، ومن عجز الثقة“، ذلك أنَّه – عليه السلام – لم يكن مجرَّد مؤسس لأركان أعظم دولة في العالم، ولا مجرَّد متفرغ للنسك والتعبد؛ وإنما كان “عابدا عاملا، وعاملا عابدا“… يستمطر الرحمات وعناية السماء، باتباعه الأسبابَ ظاهرها وباطنها، وبإدراكه الغايات قريبها وبعيدها؛ فصدق فيه أنَّه “أعظم شخصية عرفها التاريخ، بعد شخصية النبيين والمرسلين”…

مَن للأمة الإسلامية اليوم مِن رجل في قامة عمر؟

يقول شاعر، واصفا حال انفصام المسلمين، ومستوحيا المعنى من الجامعة العمرية:

تبلد في الناس حسن الكفاح      ومالوا لعيش وكسب رتيب

يكاد يزعزع مِن همَّتي          سُدور الأمين، وعزم الـمُريب

 

المفارقة الكبرى…

إنَّ قلبي ليتفطَّر، وإنَّ عقلي ليتفجَّر، وأنا أعاين – في أسفاري، وحين مطالعاتي – نشاطَ أهلِ الضعة والفساد، واجتهاد أهل الشرك والإلحاد، وحرصهم على العمل، وصبرهم في التحصيل، وتفانيهم في تشييد أسس النظام والحياة، ووصلهم الليلَ بالنهار أمام الكتب والبحوث، وداخل المخابر والمراكز: يتعلَّمون ويعلِّمون، ويعملون ويتقنون، ويزرعون ويصنعون، ويتاجرون ويغزُون، وفي كل ذلك يبدعون ويحسنون… بجدٍّ ما بعده جدٌّ، وبتفان ما وراءه تفان؛ كل ذلك وقلوبهم قفرة فارغة، ونفوسهم مضطربة قلقة، وعقولهم حيرانة سكرانة…

ثمَّ إنني – والأسف ملء الجوانح – أجدُ الكثير من الراهبين من أهل الدين والإسلام، ومن المنتسبين إلى المصطفى والقرآن… أجدهم في كسل عن العمل، وخمول عن الأسباب، وقلَّةٍ في ذات اليد، وتهاونٍ في الوظيف، وبُعدٍ عن النظام… ومن ثمَّ، ونتيجة لذلك، ترى الواحد منهم عالة على العالمين، يصدق فيه قول الرحمن: “ضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم، لا يقدر على شيء، وهو كل على مولاه، أينما يوجهه لا يأت بخير…الآية“… وإذا شئت التثبت في شأنهم،  فما عليك سوى البحث عن علامات (ماركات) مآكلهم وملابسهم، ومساكنهم ومراكبهم، وأثاثهم وأجهزتهم… فستجدها – يقينا – مصنوعة بأيدٍ غيرِ متوضِّئة: صينيةٍ أو يابانيةٍ، أوربيةٍ أو أمريكيةٍ…

 

خلاص العالَم…

لن يكون خلاص العالَم من المحن والإحن التي يرزح اليوم تحت وطأتها، إلا بارتفاع هذا الانفصام المشؤوم، ولن يتحقق ذلك إلاَّ على يد قوم ربانيين حقيقيين، من مدرسة القرآن الكريم، ومن أتباع المصطفى الأمين… قومٍ يقتفون أثر الراشدين، ويسيرون على خطى الفاتحين، ويعيدون للدنيا ذكرى الفاتح وصلاح الدين…

واللهِ لن يشفع لنا اليوم أننا نلوِّح بأعلام النصر كلَّما هزَّت الغربَ أزمةٌ، مِن مثل الأزمة المالية؛ أو اعتراه سقم، من مثل أنفلونزا الخنازير؛ ذلك أنَّ هذا النصر هو نصر للإسلام، وتصديق لما جاء به، لا ناقةَ للمسلمين فيه ولا جمل…

والواجب علينا اليوم أن نقدِّم البدائل، وأن نهزم أعداء الله “بأيدينا“، مصداقا لقوله تعالى: “قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم، ويخزهم، وينصركم عليهم، ويشف صدور قوم مؤمنين، ويذهب غيظ قلوبهم…“؛ ومن عجبٍ، وما أبلغ كلام الله تعالى، أنَّ هذه الآية – وغيرها – لا تُقرأ مبتورة عن سياقها، ولا تُفهم حقَّ الفهم إلا بسباقها ولِحاقها، ففي تمامها يقول جل من قائل: “أم حسبتم أن تُتركوا ولمَّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم، ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة، والله خبير بما تعملون“.

النصرُ إذن حليفُ الجهاد والعمل، ومعيةُ الله رهينة بالتقوى والإيمان وابتغاء مرضاته، وصلاحُ الدنيا والفوزُ في الآخرة مشروطان بالرشد والرشاد، وباتباع الأسباب، مع الاعتقاد الجازم أنَّها من الله، ولله، وفي الله…

فهل مشاريعنا، وإنجازاتنا، ومدارسنا، ومعاهدنا… بلغت هذا المقام العليَّ؟

هذا هو الرهان اليوم وغدا، وإنَّي أرى نصر الله تعالى قاب قوسين أو أدنى، وعلى مرمى البصر، ذلك أننا أصبحنا – بحمد الله – نشهد في العالم الإسلامي الفسيح بوادر لجيل التمكين، لا تكذبها العين، ولا تخطئها الأذن، نعم هي بوادر جاءت من غير بلادنا القريبة، لكن، ليس للإسلام جغرافية ولا حميَّة… وإنما الإسلام صفة لمن استوفى شروطه من العالمين.

هؤلاء العاملون العابدون الراشدون هم قدوتنا، وأملنا، وحزبنا… أمَّا غيرهم من أهل الانفصام فليسوا منا، ولسنا منهم في شيء، وإنا لنسأل الله لهم الهداية، داعين بدعاء الرسول الكريم يوم الطائف، ويوم أحدٍ: “اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون“.

د. محمد موسى باباعمي

‏الجمعة‏، 01‏ جمادى الثانية‏، 1431هـ

- ‏14‏ أيار‏ (مايو)، 2010م

 

 

 

عن جيل آخر …قادم لا محالة

                        

 

                                 عن جيل آخر قادم لا محالة

إهداء خاص إلى شباب وشابات موقع “حكيم” وتفرعاتهم …

د.أحمد خيري العمري القدس العربي

 

                                  caught_080620_ray2

 

                      

خيل لي أني رأيتهم عدة مرات ، أو على الأقل رأيت نماذج منهم ، و كنت في كل مرة أشهق و أحاول كتم فرحي، كمن يخشى على فرحه من أن يسرقه الآخرون أو يفسدونه بالتشويه..

هذه المرة لم يعد الكتمان مجديا، ربما لأن خوفي عليهم صار يفوق فرحي بهم، و ربما لأني صرت واثقا أكثر فأكثر من أنهم هم !، و ربما لأني أشعر بالمسئولية تجاههم ، و ربما أيضا لأني وعدتهم أن اكتب عنهم بعد أن كنت أكتب لهم، وربما بسبب كل ذلك..أو بالرغم منه..!

أنهم “ذلك الجيل الآخر ، القادم لا محالة” الذي أهديته ، من دون أل التعريف ، كتابي ألأول ، يومها لم أكن أدرك بالضبط إن كنت أتحدث عن أناس ولدوا فعلا، أم  أتحدث عن “الذين لم يولدوا بعد” ، لكني كنت واثقا بلا حدود ، كما لا أزال اليوم، أن هذا الجيل قادم لا محالة مهما تأخر أوانه ، و مهما تعثرت خطواته ، و مهما بدا طريقه وعرا و موحشا و مليئا بالمصائد و المطبات..

ثقتي كانت و لازالت جزءا من إيماني المطلق بسنن إلهية قد  يختار البعض أن يسميها حتميات تاريخية أو قوانين اجتماعية، و يمكن أن تكون هذه السنن مزيجا فعلا من تلك القوانين ، و من قانون الفعل و رد الفعل تحديدا، بحيث أن ما قد يبدو من الخارج مجموعة من الظروف الباعثة على اليأس و الإحباط، قد يكون في الحقيقة هو مجموعة الشروط الموضوعية لبزوغ هذا الجيل و انبعاثه مما كان يبدو انه مقبرته و ساحة إجهاضه ، انه ذلك الأمل الذي يولد من أقاصي اليأس، ذلك الأمل المتولد من مواجهة واقع صار الاستمرار فيه يعني الانتحار الحتمي،يعني على الأقل القبول بخيار الانقراض..و بالتأكيد لا اقصد هنا  الانتحار أو الانقراض  بالمعنى البيولوجي ، و لكني أقصد ناحية لا تقل أهمية و خطورة عن ذلك ، وتشمل هوية أي أمة و مجتمع و مقومات وجودها و ثوابتها..

و سيكون من المحزن المضحك محاولة إنكار الأخطار التي تحدق بوجود أمتنا من هذه الناحية ، و هي أخطار متعددة المصادر، بعضها ناتج عن الطبيعة العولمية للحضارة الغربية بنسختها الأمريكية خصوصا ، و هي تهدد  الخصوصيات الثقافية للعالم بأسره و ليس مجتمعاتنا فقط ، حتى بعض المجتمعات الغربية التي تملك  مشتركات مع التجربة الأمريكية ، و يزيد الأمر خطورة و تعقيدا مع مجتمعات كمجتمعاتنا لأنها تعيش سباتا تاريخيا صارت أسبابه و جذوره تبدو كما لو أنها جزء من هوية الأمة بعدما تنكرت هذه الأسباب خلف فهم سلبي لنصوص دينية كان سبب نزولها الأصلي عكس ما انتهى له هذا الفهم ، هذا عدا عن نصوص ضعيفة أو موضوعة تراكمت على وعي الأمة كالأدغال التي تحجب الهواء و الماء عن أي بذرة لنبتة مرجوة الثمار ، و هكذا صارت معركة الصراع من اجل بقاء الأمة تتطلب الحرب على جبهتين لا يمكن التهاون في أي منهما لأن ذلك سيقود إلى تقوية الجبهة الأخرى حتما ، الجبهة الأولى هي محاربة المفاهيم السلبية التي تنكرت خلف النصوص الدينية و أوصلت الأمة إلى الدرك الذي انحدرت  له ، ليس أقلها إيمان سلبي بالقضاء و القدر لو آمن فيه الجيل الأول لما خرج من مكة و لما أعاد صنع العالم ، و لا يقل عنها ذلك  الخضوع و الانقياد الذي  سهّل بقاء أنظمة استبدادية مختلفة المظهر متشابهة الجوهر..الجبهة الثانية – و الترتيب ليس بحسب الأهمية إذ لا يمكن التمييز بين ما هو  أهم و مهم هنا- هي جبهة الصراع مع قيم غربية وافدة –ليس لأنها غربية ووافدة – بل لأنها ببساطة تتناقض جملة و تفصيلا مع أركان ديننا ( و أعني كلمة أركان هنا ، و لا أقول ثوابت أو أولويات حتى لا يفهم الأمر بشكل غائم أو عائم!)..

و العدوان على  الجبهتين متقاربان أحيانا رغم ما يبدو من بعد بينهما ، فهناك استثمار لما هو سلبي في الجبهة الأولى لتمرير ما في الجبهة الثانية ، و ما سهّل الخضوع لاستبداد الأنظمة المحلية  سيسهل الخضوع حتما لمنظومة ثقافة عالمية تحتكر وسائل الإعلام و تقول “أنا ربكم الأعلى “على نحو أكثر حذقا  مما تقوله الحكومات المحلية  بكثير..

كذلك فأن البعض من  الجبهة الأولى، سيعمد إلى التوفيق الملفق بين الجبهتين، فيكون كحاطب ليل في ركام النصوص و الأقوال، لا يفرق بين صحيح و ضعيف و بين قول لسلف في قرون الخيرية أو خلف في عصور الانحطاط، و يجمعها مع أي مفهوم غربي لإضفاء نوع من الشرعية المزيفة على هذا المفهوم..

و ليس بعيدا أبدا عن كل ذلك ما قدمته مؤسسة راند من توصيات  تدعم “أدعياء التجديد” الذين يحاولون أسلمة المشروع الليبرالي و في الوقت نفسه توصي بدعم أطياف معينة من التيار التقليدي عرفت بتماهيها التام مع الفهم السلبي الذي يختزل الدين إلى محض شعائر مفرغة من معانيها  بل و يمزجه  بخرافات هي في حقيقتها الضد من كل ما جاء به الإسلام..

و في خضم هذا كله، ترزح الأمة تحت واقع سياسي و اقتصادي شديد التعقيد، هو في النهاية نتاج نهائي للسلبية الداخلية التي يستثمرها الغزو الخارجي بكافة مظاهره، و ما الأوضاع السياسية في أمتنا ، من فلسطين إلى العراق مرورا بكل الإشكالات الأخرى ، إلا “تجليات” نهائية للمرضين اللذين يفتكان بنا : مرض الداخل المتنكر بالدين ، و مرض الخارج المتمثل بالقوة و الرغبة في الاستحواذ و مظاهرهما المتعددة..

الأمر معقد و قاتم إذن ،بل هو شديد التعقيد و القتامة، لكن هذا بالذات هو الذي يمكن أن يكون ممرا للأمل ، فلو كان الوضع أفضل و لو على نحو نسبي، لكان يمكن لحل جزئي أن يبدو كما لو أنه كل الحل و يتم التشبث به و محاولته مرارا و تكرارا ..لكن تعقيد الوضع الحالي سيجعل جيلا ما ( على الأقل سيجعل طليعة جيل ما) يدرك أن لا حل إلا بمواجهة العدوين معا ، و إن المعركة هي في جوهرها معركة “الوعي الجمعي”  الذي يسيّر الناس و يتحكم بشؤونهم سواء أدركوا ذلك أو جهلوه ، أو أي محاولة لحرق المراحل و القفز فوق معركة الوعي الجمعي لن تؤدي إلا إلى نتائج سلبية ارتدادية..

هل أقول أن هذا الجيل قد ظهر ؟ بالطبع لا..لكني أزعم أني أرى ملامحه تتضح أكثر فأكثر، لا يزالون قلة، لكنهم لم يعودوا “نخبة” تعيش في الأبراج العاجية و تصطاف في منتجعات الشطرنج الفكري لكي تبتعد عن قضايا أمتها..أنهم “قلة” نعم، لكنهم قلة فاعلة..قلة قادرة على نشر الوعي و الإسهام في معركة الوعي الجمعي بالتدريج..

 لن أقول  أنهم مثاليون، و أنهم امتلكوا زمام المعركة تماما، لكنهم على الأقل يدركون أنها معركة مزدوجة، و أن القفز على هذه المعركة مستحيل، و هم في الوقت نفسه يؤمنون بالعمل ، بل و يعملون ، أي أنهم يدركون أن معركتهم في النهاية لا بد أن تنتج عملا…

قلت لهم مرارا ما تصوروه مجاملة ، قلت لهم أن جيلهم هذا أكثر وعيا و فاعلية من جيلي شخصيا ، و لا أزال أؤمن بذلك ..لكني أؤمن أيضا أن الطريق طويل طويل ، و أنهم لن يتمكنوا من قطعه كله ، و هو الأمر الذي  يبدو لي أنهم يرفضون تصديقه في غمرة حماسهم و زهوهم..و هو أمر خطر جدا ، إذ أنه قد يؤدي لاحقا إلى إحباط سريع خاصة عندما يتركون مقاعد الدراسة و يصطدمون بمتطلبات الحياة و ضغوطها الاقتصادية..

المشكلة إن هناك من يحاول أن يزيف لهم أملا سريعا بنصر قريب و نتائج شديدة القرب ، و هو إما يفعل ذلك نتيجة لسذاجة  ناتجة عن عدم وجود قطيعة حاسمة مع بعض إرهاصات المفاهيم السلبية في التراث ، أو أنه يعرف جيدا أن بضاعته مزيفة لكنه يروج لها لأغراض تعبوية ، أي أنه يستغل عواطف هؤلاء الشباب و آمالهم  من أجل جمعهم حوله فقط ، و هذا سيؤدي بهم إلى محطة الإحباط  و الفتور التي تقودهم لاحقا إلى واحدة من اثنتين : إما إلى معسكرات التحييد و الانشغال بالتفاصيل اليومية  و اللاقضية و البطالة  ، أو ببساطة إلى معسكرات “حرق المراحل” تحت مسميات عديدة ، و في الحالتين فان مجتمعاتنا تكتوي بالنار ، نار الوضع الساكن الذي الاستمرار فيه انتحار محقق في الحالة الأولى ، و نار الفتن و العنف في الحالة الثانية..

لهذا كله ، بل بالرغم منه ، فاني اليوم أكتب لهم و عنهم و منهم و فيهم ..

أغبطهم على أملهم و صدقهم و حماسهم ، و أذوب في شبابهم الذي يتحدى اليأس ..لكن خوفي عليهم يفوق كل ذلك بمراحل..أخشى أن يختطفهم اليأس إلى أحد المعسكرين، بدلا من أن يقودهم الوعي إلى الطريق الثالث الذي لا بد من رسمه و شقه و تعبيده خطوة بخطوة، قبل أن نتصور أن دورنا هو السير فيه فقط..

قالوا لي  قبل أيام ، و كانوا يتحدثون عن القدس و الأقصى ، أنهم “يرونه”..يرون دلائل نصرهم و عودة الأقصى..

 أقول الصدق : كاد البريق في عيونهم يجعل عيناي تجهش بالبكاء ، لكني سألتهم “أترونه حقا؟”..

فأكدوا ذلك..نعم ، أنهم يرونه ، فقلت شيئا من قبيل المجاملة مما يقال في أحوال كهذه ، مثل “خيرا إن شاء الله”..

أما أنا ، فاني لا أرى شيئا سواهم هم ، و ازعم أن هذا ليس بقليل…

 

 

 

 

أريد أن اخون وطني : محمد حسين عمرو

 

بسم الله الرحمن الرحيم

أريد أن أخون وطني

ردا على حملة المليون توقيع فلسطيني 505836373_d42000811e2

 

محمد حسين محمد عمرو

 

حضرة السيد الرئيس اوباما …

تحية طيبة وبعد ،

ابناء قومي جوعى فأطعمهم … أبناء قومي عراة فاكسهم … مرضى فداويهم … فقراء فاغنهم …

ابناء قومي ضعفاء … لا يستطيعون حراكا ، ابناء قومي مساكين …ليس بيدهم حيلة …

أبناء قومي اذلاء فقدوا كرامتهم من لهم غيرك يعيدها لهم …

ابناء قومي عاجزون مقعدون من لهم غيرك يساعدهم …

ابناء قومي مهزومون من لهم غيرك ينتصر ، افتح عليهم ابواب رحمتك كماء منهمر …

 ابناء قومي يرجونك و يتوسلون اليك ان تنظر اليهم بعين الرحمة و العطف … بنو قومي بحاجة اليك ارجوك لا تتركهم..

اوباما ايها السوبر مان الامريكي ساعدهم ارجوك … اوباما ايها الجنتل مان حرر ارضهم و انصرهم على عدوهم …

اوباما انت الذي بشرت بك سورة الاسراء … انت الذي ستحقق وعد الله بالنصر على بني اسرائيل … اوباما ها هو وعد الآخرة يقترب فكن انت فارس هذا الوعد فجيشك المغوار سيسوء وجوه بني اسرائيل ويدمر دولتهم وانت الذي ستدخل ابناء قومي المسجد … وستصلي بهم … ايها الشيخ اوباما …

اوباما استعد لان موعدنا مع النصر اقترب … كن اوباما عبد الله … لان الشجر و الحجر سيقول لك : اوباما عبد الله هذا يهودي ورائي تعال فاقتله …

اوباما استعد مرة اخرى فموعدنا مع النصر اقترب … لم يبق له سوى عشر سنين او تزيد قليلا … هذا ما تنبأ به عالم من ابناء قومي … و لكنه ان دقق اكثر … و محص اكثر … و فكر اكثر … فانا متاكد انه سيجد بالاضافة الى التاريخ اسما لامعا مكتوبا عنده … انه اوباما صاحب النصر الموعود …

اوباما انت المهدي المنتظر … انت المسيح المنتظر … انصر ابناء قومي على الدجال الاعور … انصرهم على بني اسرائيل …

اوباما انت النبي الخاتم ارسلك الله لتنصر المظلومين … ان لم يبشر بك النبي محمد فقد نسي … و لكنك جئت و بعثت رحمة بنا صلى الله عليك وسلم .

اوباما انت الاله وحدك لا شريك لك الى من تكلنا الى عربي يتجهمنا ام الى عبري ملكته امرنا … ان لم يكن بك علينا غضب فلا نبالي … نعوذ بنور وجهك من بني اسرائيل الذين اغتصبوا ارضنا .

هذه فرصتك ايها الرئيس اوباما ان تكون بطلا في نظر التاريخ … هذه فرصتك ان يكتب اسمك بماء الذهب …

ها هم ابناء قومي يرسلون اليك هذه الرسالة موقعة بآلام كل طفل وكل امراة وكل شيخ وكل شاب عاجز … فانت كما تعلم ان مجتمعنا كله عجزة … و ابناء قومي مصابون بهذا الداء الخطير داء العجز من لهم غيرك يداويهم …

انهم يركنون عليك … و فوضوا امرهم اليك … و ادوا واجبهم الذي عليهم بان اعلموك بحالهم … وان الله سوف يسالك يوم القيامة عنهم ان قصرت فيهم فكل راع مسؤول عن رعيته … لم تعد لك حجة ان تقول انك لا تعرف حالهم …

 فها هم يرسلون لك الرسائل الواضحة و يرسلون صرخات الاستغاثة …

 وا اوباماه … اين جيشك الجرار الذي سيحررنا … جيش اوله في فلسطين و آخره في امريكا .

لقد طال الامد على ابناء قومي و هم ينتظرون البطل الذي يحررهم … انهم يرون فيك صلاح الدين الجديد … او اوباما الدين الجديد …

 

لحظة ايها السيد اوباما …

اريد ان اطلعك على سر …

ابناء قومي كاذبون لا تصدقهم … مخادعون لا تثق بهم … منافقون لا تامنهم …

انني سمعت شيخا من ابناء قومي يناشد ربه و يلح عليه بالدعاء قائلا : اللهم دمر امريكا واسرائيل … اعادها و كررها و صرخ بصوت اعلى … لانه يظن ان الله لا يستجيب الا بالصراخ … اترى ايها السيد اوباما يريدون من الله ان يدمر بلدك و يدمر شعبك انهم يضمرون لك شرا … يريدون ان يقابلوا الاحسان بالاسائة …

سيد اوباما اياك ان تساعدهم فشعبي شعب الغدارين … الشيخ كان يدعو ربه و كل ابناء قومي يقولون آمين … يريدون منك ان تساعدهم ويريدون ان يدمروك ويدمروا شعبك فكيف هذا يستقيم …

لكني اريد ان اخون شعبي ، و لا اريد ان اقف مع المخادعين ، اريد ان اكون معك في صفك ، لانك انت وحدك على حق وغيرك على باطل …

اوباما ايها الاب الحاني انت ابو البشر آدم عليك السلام … انتصر لابنك الطيب هابيل … فانه كما ترى قد ظلم و قد قهر و قد قتل اقتص له من قابيل … فابنك قابيل قاتل و ظالم اردعه عن ظلمه …

اوباما ايها الاب الحاني انت نبي الله ابراهيم عليك السلام … انتصر لابنك اسماعيل فان اسحاق قد ظلمه .

 

لحظة اخرى ايها السيد اوباما …

اني اراك لا تحرك ساكنا … و ما ادراني انك ستنتصر لنا … يبدو انك تحب قابيل اكثر من هابيل … يبدو انك تكره هابيل … نعم انك تكره هابيل … و انك لا تبالي بامر اسماعيل … فاسحاق هو ابنك المدلل … انك ظالم ايها السيد اوباما … انك لا تعدل بين ابنائك … لذلك اريد ان اخونك الآن … لن اقف معك … ولكني ايضا لن اقف مع قومي ولن انصرهم … فانا اريد ان اخونك واخون وطني … اريد ان اعلن خيانة الجميع لن اقف مع احد اريد ان ابقى وحيدا …

ابناء قومي لن يحركوا ساكنا لانهم فوضوا امرهم الى ربهم … والقوا عن انفسهم واجباتهم … و قعدوا ينتظرون ربهم يحررهم … ينتظرون معجزة تنزل من السماء تغير واقعهم … ينتظرون عصا موسى … ينتظرون مصباح علاء الدين … ينتظرون اوباما البطل يحررهم …

ابناء قومي يظنون انهم منصورون لا محالة عملوا ام لم يعملوا … فلماذا العمل …؟

ابناء قومي يقولون في مساجدهم اللهم اننا لا نحسن التخطيط فخطط لنا يا الله …

اللهم اننا لانحسن التدبير فدبر لنا يا الله …
 ابناء قومي يفرغون طاقاتهم في الطرقات … يفرغونها في الهواء … في المسيرات … في المهرجانات … في الانتخابات … في المشاجرات و المخاصمات …

ابناء قومي يغضبون فيستمعون الى عبد الباري عطوان وهو يسب الزعماء و الانظمة … فينفس عنهم غضبهم فيرتاحون و ينامون

مستر اوباما … رجاء لا تتدخل …لا تتدخل لتخدر ابناء قومي … ابناء قومي ليسوا بحاجة الى مزيد من التخدير … ليسوا بحاجة الى من ينومهم … ابناء قومي بحاجة الى من يخونهم .. بحاجة الى من ينبههم … بحاجة الى من يوقظهم …

يا ابناء قومي …

ارجوكم استيقظوا … لقد طال عليكم الامد فقست قلوبكم … الم يان لكم ان تنهضوا لتقوموا بواجبكم … لتواجهوا مسؤولياتكم … كفاكم نوما .

في ظلال الياسمين : سهير أومري

في ظـلال الياسـمين

في ظل ما كتبه د. العمري: في البدء كان الياسمين

المنشورة في كتاب “صانع الانفاق”

سهير علي أومري

عندما ينبثق الفجر من رحم الليل الدامس يعلن للبشرية ولادة يوم جديد، ولكن هذا اليوم كان مختلفاً تماماً، فالليل لم ينبلج عن فجر جديد حتى تمخضت معه أنفاس جديدة تنشقتُها لأول مرة… لقد حمل هذا اليوم لي ولادة جديدة… ولادة امتزجت بالألم والدموع، ثم الألم والدموع، ثم التأوه والزفير إلى أن انثنيت على نفسي وغفوت وأنا أتنهد تنهد الأطفال…. مخاض استمر على مدى ساعتين ونصف من فجر اليوم حتى إذا وقفت على قدمي توجهت نحو المرآة لأنظر إليها… لقد كان وجهاً جديداً أراه للمرة الأولى…. ثم أمضيت اليوم بطوله وأنا أهرب من نفسي أودّ لو كان هناك زرٌّ أضغط عليه فأفرغ تلك الحمولة الثقيلة التي في رأسي… لن أطيل في الوصف والتحليل فانا لا أكتب رواية ولكني أحاول أن أتلمس بكلماتي ما حدث لي -فعلاً- كان هذا فجر اليوم عندما كنت أبحر في كتاب التكريم الذي أصدرته دار الفكر عن العَلَم المكرم لهذا العام عن الدكتور العمري…. كنت اقرأ ما خطه قلبه فترجمته يده من صفحات بعنوان: في البدء كان الياسمين…. مقطوعة نثرية.. ملحمة وجدانية… تراتيل روحية…. مئة صفحة… وكل صفحة أقرؤها أشعر في نهايتها بألم كألم فقد عزيز وشوق كشوق لقاء بعيد… وبين ألم الفقد وشوق اللقاء أغرق تارة وأتنهد تارة أخرى… أرتجف وأختلج… أتماسك وأتصبر… ألتقط أنفاسي وأعود لأتابع إلى أن كان الاستسلام، عندها كان ذاك الطوفان الذي أطلقت له العنان فخرجت دموعي تغسل عن قلبي إحساس الغربة…

غربة!! وأية غربة!!.. كان ذلك منذ أيام فقط وبالتحديد يوم عيد الجلاء يومها كانت صديقتي قد كتبت على حائطها في صفحة الفيس بوك كلمات شفافة تتغزل فيها بالشام وتبارك بعيد الاستقلال، وكأن كلماتها استثارت غربتي فكتبت بدوري على حائطي كلمات أصف فيها شوقي للشام والغربة التي أشعر بها وأنا أنام كل ليلة في حضنها وأرشف من مائها وأتنقل في ربوعها… تكلمت عن فقدي لها عن شوقي لها وقلت: الشام أمي وأنا في حضنها ولكنني مشتاقة لها!! ثم مضى ذلك الموقف ببعض التعليقات وبعض التحليلات لأعود إلى ما أنا عليه ناسية أو متناسية كل ما في قلبي من ألم ووحدة وغربة… إلى أن كان فجر اليوم… مع: في البدء كان الياسمين

نعم في البدء كان الياسمين الذي أحاط بالدكتور العمري فاستشعر جماله وروعته في ربوع الشام وفي خضم كلماته تدلت أمامي زهور الياسمين تلك الياسمينة الصفراء التي كانت في شرفة منزلنا عندما كنت أركب الدراجة وألعب بالكرة… كنت قد افتقدتها منذ سنوات طويلة وها هو الدكتور العمري يعيدني إليها لأقف بجوارها لأراها وهي تتدلى وتمد فروعها على الجدران… رجعت إليها فرأيتُني أقف بجوارها أشعر بضخامتها لأنها أطول مني كما أغار منها لأنها بالتأكيد أجمل مني أشم عطرها مع هبات النسيم الدافئ في الصيف والربيع فأتذكر كل ما ارتبط بهذا العطر من ذكريات الطفولة وشغبها… أراها تقف متباهية ترقب النباتات الأخرى التي تزين شرفة منزلنا وتجود علينا بعطر يغنينا عن استنشاق عطر الياسمين المتدلي من حدائق البيوت الأرضية في بنائنا….. اليوم فقط أعاد لي الدكتور العمري رائحة الياسمين وعطر الياسمين تنشقته روحي وجوارحي بعد أن كدت أنساه ويضيع في غياهب أيامي….

 في البدء كان الياسمين فكانت ولادات د. العمري الثلاث أو الأربع… ولادات ارتبطت بعهدٍ جديدٍ جعل ما بعده غير ما قبله… ولادات ارتبطت بأرض الياسمين من قريب أو بعيد… ذلك لأن الشام أم حقيقية لكل من أحبها وآمن بالخير الكامن فيها إلى يوم القيامة، فماذا عني!! أتلد الشام أبناءً لها في أقاصي الأرض، وأقف أنا التي عشقتها وجُبلتْ روحي بترابها أقف غريبة عنها أفتقدها وأنا أنام كل ليلة في حجرها… أبحث عنها في داخلي فلا أجدها إلى أن كان فجر هذا اليوم لأقف أمامها وهي عزيزة مبتسمة تفخر بأحد أبنائها بينما تنظر إلي بعتب وحنين وألم….

في البدء كان الياسمين فكان هناك أناس خيّرون أكرم الله الدكتور العمري بمعرفتهم كما أكرمهم الله برعايته ومساعدته… أولئك الطيبون الذين رسمهم لنا بكلماته الثاقبة حتى رأيت نفسي قربهم أنظر في عيونهم وأتدفأ بنبض حبهم وأترنم بلطف كلامهم، وفجأة وقف بي الزمن وحملني إلى ذلك الماضي الذي طوت عليه الأيام صفحة الحاضر، فرأيت الكثيرين ممن وقفوا بجانبي وساعدوني ووثقوا بي… رأيت أحداثاً عديدة تنأى بنفسها عن مستنقع الصدفة… توالت أمامي عيونهم وتردد في كياني كلامهم وتعالت في رأسي ضحكاتهم… شاء الله أن أفتقد العديدين منهم إلا أني اليوم فقط حتى وعيت لفقدهم وتذكرت أنني لم أشبع من النظر في عيونهم… تنامى في قلبي سيل جارف من الحنين لهم… نظرت من حولي فأدركت أن المشيئة التي قدرت لي أن أفارقهم قدرت لي أيضاً أن أبقى بقرب عديدين غيرهم بقيتُ معهم حتى زهدت بحبهم وثقتهم بحنانهم وعطفهم…

في البدء كان الياسمين فكانت دمشق الآمنة ترفل بالحب والحنان وتقدم على موائدها أقداح الشاي (الذي صرت أتمنى أن أتذوق نكهته العراقية!!) ويرتفع قاسيونها فيرتفع ويرتفع دون أن يتوقف ليبقى شاهداً على حضارة الياسمين، وعلى ذلك المربع المضيء… مربع المسجد الأموي….

في البدء كان الياسمين فكانت دمشق بياسمينها العطر المتمايل أختاً لبغداد الجريحة التي لن يحملها الدكتور العمري وحده جرحاً ينزف في خاصرته بل كلنا نحملها معنا بالدم النازف من قلوبنا والذي سيبقى يروي نخلتها القوية ليزيدها صلابة وقوة عساها تمد جذورها في حلوق الظالمين…

في البدء كان الياسمين فكانت عرائش ياسمين الشام تستظل بنخيل بغداد تمنحها من عطرها، وتستمد منها القوة والصبر… ذلك الصبر الذي قال له الله تعالى منذ بدء الخليقة كن فكان فيها متربعاً يبشّر أهلها بدخولهم الجنة بغير حساب (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب)

في البدء كان الياسمين…. فكان الضوء الذي سطع ليضيء المجرة متجلياً بكلمة واحدة لم تمزق الدكتور العمري وحده بل هزت أركان قلبي فمزقت أوصاله واخترقت تلافيف دماغي لترجع بي إلى كل ما كتبتُ وربما إلى كل ما عملتُ وأنا أعتقد أنه لله… إنها الإخلاص تلك النية الخفية التي لا يطّلع عليها إلا الله…. ذلك السر الكامن والروح المستترة وراء خلود الأعمال وبقائها… تلك اليد القادرة على حمل رسائلنا التي نرميها في القناني لتسلمها إلى قلوب الناس في وقت لا نملك فيه إلا أن ندعو ألا تضيع بين الأمواج وإذا بأيدٍ تتلقفها وقلوب تتبني ما فيها عقيدة وسلوكاً وأملاً وعملاً…

في البدء كان الياسمين…. وكان قلبي مع كلمات الدكتور العمري يغيض بالألم تارة ثم يفيض بالدموع تارة أخرى وأنا أقول لماذا ؟؟ لماذا أفتقدك يا دمشق لماذا أفتقد أُنسك وحبك وجمالك؟؟… لماذا تقسين علي بقسوة الحياة فيك؟… ها هو الدكتور العمري يستشعر جمالك ودفء محبتك، كل هذا خلال أسبوعين فقط وأعيش أنا غريبة فيك!! كل هذا كنت أقوله وزيادة إلى أن كان الجواب… لقد عرف الدكتور العمري الجواب.. فحتى هذا الأمر دخل إلى أعماق أعماق من يقرؤه، فعرف أبعاد المعاناة، ثم قدم الجواب وأمام الجواب وقفتُ مطرقة الرأس أحمل بين جوانحي خزياً وعاراً أن أكون أنا تلك البنت العاقة التي تتنكر لأمها أياماً وليالي وهي جاهلة بسننها هاربة من نداءات حبها… لقد أجابني الدكتور العمري فحكى عن دمشق كيف أنها منذ الأزل تفتح قلبها لكل من يقصدها فتحتضنهم وتربيهم وتعطف عليهم ولا تقسو عليهم كما قد تفعل مع أبنائها ذلك لأن معاييرها مختلفة، فهي تريد من أبنائها على الدوام أن يكونوا الأفضل لدرجة الإرهاق فتقسو عليهم لتجعلهم كما هم اليوم مبدعين أينما ذهبوا… محترمين أينما حلوا محبوبين أينما كانوا….

في البدء كان الياسمين… فلم تكن ساعة الدكتور العمري وحده التي أبت أن تتحرك لتدلّ على توقيت الشام بفارق ساعة واحدة عن بغداد بل أنا أيضاً ساعتي أبت بل توقفت تماماً عن المسير، وبقيتُ أستودع فؤادي في ثنايا تلك الصفحات وبين تلك السطور العبقة برائحة الياسمين وهو يتحسس معنى الإخلاص، ويبتسم ليونس الصغير، وينظر إلى دمشق وهي تجلس على الكرسي وتتحدث عن الالتزام بالحق مهما بدا شاقاً، وعن نظرية النسبية فيما يتعلق بذاكرة الناس والنجاح والإخفاق، وعن ضرورة الالتحام بهموم الناس وآلامهم وأوجاعهم وقصف الأبراج العاجية التي تفصل عنهم، ثم أتركه يقلب البصر ليرى بغداد ثم يرى عواصمنا الأخرى وهي تبدو رقعة واحدة طالما أن جواز السفر إليها والعبور في أراضيها كلمة صادقة تخرج من قلوبنا فتحفر طريقها إلى جميع القلوب… وبهذا لتغدو مهنة الدكتور العمري في الحفر والتقويم مهنة عالمية يتقنها كل صاحب فكر حر وقلب حي كلما طال عليه الأمد قام ليحيا من جديد….

في البدء كان الياسمين مع الدكتور العمري فكان له ماض وربما حاضر سيبقى يحمله في قلبه وقلمه وهو يرنو إلى مستقبل آخر تطمئن له روحه هناك في بغداد النخيل… ولكن ماذا عني!!؟؟ لقد انفجر الليل هذا الصباح ليولد للبشرية فجراً جديداً فجراً عابقاً بالياسمين فأعادني إلى حيث يجب أن أكون هنا في قلب الشام… في حضن أمي… في ظلال الياسمين…

24/4/2010م

صانع الأنفاق

cover1-01“صانع الأنفاق” هو الكتاب الذي أصدرته دار الفكر بمناسبة اختيار العمري مكرما لها لعام 2010، و يضم الكتاب ما كتبه العمري عن دمشق”في البدء كان الياسمين” بالأضافة الى مقالات عديدة كتبت عن نتاج العمري و شخصه…و فيما يلي ما كتبته الأديبة نور جندلي عن الكتاب ..

حول صانع الأنفاق، وفي البدء كان الياسمين…

 

نُـور الجندلي

 

في البدء كان الياسمين… أتراه كان امتداداً لليلة سقوط بغداد، بشكلٍ أو بآخر؟!

إنها على أية حال تتمة للحكاية، أو الجزء الأجمل فيها، أو ذلك الجزء من الكتاب الذي ننتظرُ فيه قراءة النهايات السّعيدة، وقد كانت نهايته ببداية، وكانت البداية معطرة بالياسمين, مرتدية حلّته البيضاء، وقد اقتبست منه القوة على الصمود، والتعايش مع كلّ الظروف والأحوال.

عندما قرأتُ كلمة المكرم د. أحمد خيري العمري في كتابه ” صانع الأنفاق” انتابتني رغبة حقيقية لأطالب باستقلال تلك الكلمة، وانفرادها في كتاب خاص، إذ أنني اعتبرتها رواية بشكل أو بآخر، تحملُ كلّ ما عودنا عليه قلمه، من صدق وواقعية وجمال، ولذلك فقد أخذتني حروفه سريعاً لأنهي الكتاب في زمن قياسي، وأخرج منه بكثير من الفوائد مما لا يمكنني أن أحصي له عدداً.

من كرم الكاتب هنا أنه قد حوّل تكريمه الخاص إلى تكريم كلّ من سانده ودعمه ووقف إلى جانبه في رحلته من بغداد إلى دمشق، حتى العودة الأخيرة إلى بغداد.

مواقف شتّى كانت تشع إنسانيّة وصدقاً، وكانت ترسمُ في اللاوعي عند القارئ ذلك الأثر المضيء الطيب الذي لا يمكن تجاهله، لأن من يفكر باجتياز أفكاره سيكون كمن يتجاهل الشمس وسطوعها في أجمل أيام العام…

بعد أن أنهيتُ قراءته، كنت أقولُ لنفسي” هذه ليست مجرد ذكريات عابرة، إنها دروسٌ في الحياة، في الصمود، في مقاومة الهموم والأعباء، للنهوض من جديد، إنها رحلة فكر عبر كتاب، تنقلت وتجولت عبر الأزمنة والأمكنة، حتى قدر الله تعالى لها أن تحطّ في المكان الأنسب لها وأن تكون ملهمة لكثيرين في أحلامهم، وفي أهدافهم الرفيعة .. “

وهي في الحقيقة تطبيق واقعي حيّ من حياة صانع النهضة، ذلك التطبيق الذي كان لازماً ليُفجّر ذلك الإبداع الذي بين أيدينا فيما بعد…

يوم تكريم العمري، وفي تلك القاعة التي اكتظت بقرائه، وحينما اعتلى المنصة ووجه تحيّته الخاصة إلى دمشق، ضج المكان بتصفيق حار، ولا أخفي أنني شعرتُ بالغيرة من أجل بغداد، التي أهداها العمري تكريمه، لكنني عرفتُ أنه تكريمٌ آخر لبغداد الجريحة عبر شخص العمري، بغداد التي تستحق بعد رحلة المعاناة والآلام الطويلة ما يضمد جراحاتها، ويعينها في انكسارها، ويحتضن نخيلها مذكراً إياها بأيام كانت فيها حاضرة للعلم والنهضة، وهاهي البداية عن طريق العمري، الذي أهدى بدوره إلى بغداد طاقة كبيرة من الياسمين الدمشقي، وصنع لها أطواقاً من ذلك الزهر البديع، كل طوق يحمل عنوان كتاب، ومع كل طوق ينتشل جزءاً منها من تحت الركام، ليكون بذلك قدوة، ويلهم بقية العراقيين بل، يلهمنا جميعاً أن نهدي بغداد الحضارة كل ما يمكننا تقديمه، من فكر ووعي يرسم ويؤسس لأسباب النصر في الأمة.

في النهاية، أود أن أشكر الأقلام الرائعة التي كتبت عن مؤلفات العمري، وأرفقت ما كتبته بالتحليل والبحث والتمحيص، فجعلت من كتاب التكريم مرجعاً مهماً لكل جيل الكتّاب والمفكرين والباحثين عن درب صحيح يخدمون الأمة عبره… فتشوا في صانع الأنفاق، ستُفتح في دروبكم آفاقاً كثيرة، وستقرؤون ما يلهمكم لتقديم شيء فاعل ومؤثر، فقط امتلكوا أسلحة العمري الذي مازال يرعاها ويحرص عليها، لأنها هي ذاتها أسباب نجاحه… “الصدق في الهدف والإخلاص في كلّ خطوة ” …  

لعل الله تعالى يجعل في ذلك الاجتماع الفكري الرائع نهضة للأمة…

ولا نهضة إلا بالقرآن…