كلمات في حفل التكريم

كلمات في تكريم أحمد خيري العمري img_0025

الشباب والكتاب وضوء المجرة

______________________________________

 الأستاذ  محمد عدنان سالم

 24/04/2010

 

لأن الكتاب خزانة المعارف البشرية المتراكمة عبر القرون، وأداة الأمم للتقدم والارتقاء، فقد خصته الأمم المتحدة بيوم عالمي، هو الثالث والعشرون من نيسان، يرسخه في ذاكرة المجتمع، ويؤكد حاجة الإنسان إليه كالرغيف..

 

ولأن الكتاب يدور مع الحضارة؛ يزدهر بازدهارها وينحسر بانحسارها، فقد ظل معياراً يقاس به تقدم الأمم وارتقاؤها؛ ترقى بمقدار ما تنتج من الكتب، وبمعدل ما يقرؤه منه أفرادها..
وحين تضعنا تقارير التنمية البشرية في أسفل السلّم القرائي بين الأمم، فإنما هي تشير بذلك إلى أفول شمس الحضارة عنا، وتحوّلها إلى أمم أخرى تمسك به وتنافس عليه..
ما الذي أفقد كلمة ?اقرأ? معناها وطاقتها الحضارية العظمى، التي كانت تحملها حين دوّت من غار حراء، فانطلقنا نبني بها أسرع حضارة في التاريخ البشري؛ بلغت أوجها في عصر المأمون وترجمانه في بيت الحكمة حنين بن إسحاق؟ ! ثم أطلقت إشعاعاتها على العالم الغافي من الأندلس؟!
هل الكلمة كائن حي يعتريه ما يعتري الكائنات الحية من طفولة وشباب وكهولة فشيخوخة فموت وفناء؟! هل تموت الكلمة؟!
معاذ الله!! الكلمة لا تموت لأنها من روح الله، ففي البدء كان الكلمة، ?وَلَوْ أَنَّ ما فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ? [ لقمان 31/27].
إنها القوة التي يحملها جزيء الماء على رأس الشلال فيولِّد منها الطاقة، حتى إذا بلغ بها القاع؛ منهكاً ومحملاً بالرواسب والشوائب، احتاج إلى عمليتي تبخير وتقطير؛ تحررانه من الرواسب والشوائب ثم تضعانه على رأس الشلال من جديد..
ذلكم ما فعله أحمد خيري العمري الذي تحتفي به دار الفكر اليوم. فقد أعاد للكلمة فعاليتها، ليضعها على رأس الشلال من جديد، ممسكاً بيده بوصلته القرآنية؛ يكشف بها الفردوس المستعاد من الفردوس المستعار، ويهتدي بها إلى ضوء في المجرة ينير له الدرب، ويغوص بها في أعماق التاريخ باحثاً عن الحقيقة كإبراهيم تارة، وممتطياً سفينة نوح ذات الألواح والدسر تارة أخرى؛ ويركِّب للصلاة كيمياءً تعيد إليها أهدافها ومقاصدها.
وكان كل من الشباب والكتاب على موعد مع العمري صانع الأنفاق.. لمح الشباب لديه بصيص الضوء القادم من المجرة، فأقبلوا عليه يقرؤونه بنهم، ويحاورونه بمحبة، ويناقشونه بجرأة.. وأدرك الكتاب ُ لديه امتلاكه ناصية المستقبل وتقنياته الواعدة، فأرز إليه يستأنس به من وحشةٍ عانى منها الكثير، بعدما كان للإنسان خير جليس.
لقد أفاد العمري من الشابكة (الإنترنت)؛ أداة العصر التي فجرت المعرفة بين أيدي شباب الألفية الثالثة، وأتاحت لهم التواصل الحميم، متجاوزة كل حدود المكان والزمان والألوان. فعبر موقعه على الإنترنت؛ أقام جسراً متيناً بين أوعية الكتاب الورقي التي تؤذن بالأفول، وأوعيته الإلكترونية التي أسالت المعلومات للإنسان؛ تتدفق بين يديه مثل سيل عرم..
لقد حملت دار الفكر همَّ الكتاب منذ تأسيسها قبل أكثر من نصف قرن، فآلت على نفسها أن تختار منشوراتها بمعايير الإبداع والعلم والحاجة والمستقبل، متجنبة التكرار والاجترار وما فات أوانه، مؤمنة بالحوار وسيلة لاستيلاد الأفكار وتنميتها، فحازت بذلك ثقة قرائها.. ثم حملت همَّ القراءة منذ تسعينيات القرن المنصرم، فأنشأت بنك القارئ النهم، ومكتبة الاستبدال، والإعارة المجانية، وشجعت على تهادي الكتاب باعتبار أن هدية الأفكار أعلى وأغلى من هدية الأشياء، واحتضنت اليوم العالمي للكتاب في 23 نيسان تقيم فيه أسبوعها الثقافي الذي يحمل الرقم الحادي عشر هذا العام، تكرم فيه كل معني بالثقافة والكتاب من مؤلف مبدع وقارئ نهم.. وترنو إلى أن يتألق الكتاب في هذا اليوم؛ تزدان له المكتبات والساحات والشوارع والحدائق، ويحتفى به مثلما يحتفى بأعياد الحب والأم والمعلم، لأنه مفتاحها جميعاً.. تتطلع إلى أن ترى الكتاب في كل يد، وعلى كل شفة ولسان..
ألسنا نعيش الآن عصر المعرفة؟! وفي عصر المعرفة هذا لن يكون الكتاب ضرورة لتنمية عقل الإنسان، مثلما الغذاء ضرورة لتنمية جسده، بل إن الكتاب سيتماهى مع الإنسان، من دونه يفقد الإنسان إنسانيته..
أما الشباب فهم الأمل، وهم المنعطف الذي سينقلنا من حالة الغثاء والكلالة واللاوعي، إلى حالة الوعي والفعالية والحضور.. إنهم أبناء عصر المعرفة، وفي أيديهم رأس مال هذا العصر الذي يقوم على عمالة العقل وقوة الأفكار، وكلُّ أدواته التي زوّدته بها ثورتا المعلومات والاتصالات. بعدما كان عصر الصناعة المنصرم يقوم على عمالة اليد وقوة المال والسلاح.

 في تكريم العمري

بقلم عبد الله سميا

كثيرة هي الطروحات التي تناولت فكرة النهضة , ولعل ذاكرتي لا تزال تتلمس النور من معين أبي الحسن الندوي في ماذا خسر العالم بانحطاط  المسلمين , بل إني أتطلع إلى رجل توفي في السبعينات من القرن المنصرم بمزيد من الإعجاب والدهشة فأفكاره تشكل سبقا معرفيا وعبقرية فذة والحديث هنا طبعا عن مالك بن نبي , وإذا كان ثمة مشروع نهضوي متكامل  فان أسم محمد الغزالي لا يغيب أبدا .

أسماء كثيرة وكثيرة ( لا يتسع المقام لذكرها ) كانت لها بصمات رائدة في هذا الميدان اذ يثير إعجابي فهمي هويدي وتلك الإضاءات المميزة على الواقع  كما يسحرني عبد الكريم بكار ورؤيته النقدية الثاقبة .

في ظل المتابعة والمطالعة لفكر النهضة سالت أستاذا وصديقا لي ماذا أقرا ؟

قال: البوصلة القرآنية , وأردف قائلا إن الكاتب طبيب أسنان وهو يحفر في العقول كما يحفر في الأسنان. ما أن قرأت الكتاب لم  اشك للحظة إن الكاتب ذو فكر نير و ذهن وقاد إلا إنني وبحكم العبارات الصاروخية المبثوثة في ثنايا الكتاب من أمثال (المؤسسة الدينية التقليدية) وغيرها وغيرها , فقد رسمت له صورة من وحي خيالي : رجل في الستين من العمر , نظاراته سميكة لا يكاد يتكلم حتى يمطر المتلقي بألوان السباب والشتائم عن حال الأمة المزري وواقعها السيئ, بل أزيد حسبته انفعاليا جدا ما أن يسأل حتى يسترسل ويطنب بوجهٍ غاضبٍ وجبين مقطب .

قال لي صديقي وأستاذي يوما : هل لك بلقاء احمد خيري العمري فقلت على الرحب والسعة . جئت اللقاء ودخلت المكان و أنا متسلح بدرع واقٍ وحزام ناسف فالاحتياط واجب طبعا . وإذا المفاجئة الأولى أن الرجل ولله الحمد ذو لسان نظيف لا يسب أحدا ولا يتحامل على احد , أما المفاجئة الثانية  انه هادئ وهادئ جدا حتى إن صمته يسبق نطقه , وسمته يفصح أكثر من مقاله , وبعدها جاءت لقاءات ولقاءات.

أيها السادة ثمة سؤال يراودني دائما ويلح علي باستمرار ما الذي يمتاز به الكاتب العمري ؟ ما الخصائص التي ينطوي عليها فكره مما جعلني أقرا كتاباته كلها وأسوق لها بين أقراني الشباب؟

أستطيع أن أوجز واختصر تلك الخصائص في سمات ثلاث:

1 السمة الأولى: عنوانها وبالخط العريض (خصوصية من غير انغلاق وانفتاح من غير ذوبان ) . باختصار التقليديون والجامدون يرون في طرح الدكتورالعمري تحررا زائدا وتفلتا مبالغا وفي المعسكر الأخر المنبهرون والمفتونون بالتجربة الغربية يقولون : لا انه يؤمن بالثوابت والثابت الوحيد عندهم هو التغير , انه محافظ بعض الشيء بل وجامد أحيانا , وأنا أقول هذا هو سر نجاح الوصفة العمرية (خصوصية من غير انغلاق وانفتاح من غير ذوبان ).

2 السمة الثانية: اسميها وبين قوسين ( بنية السحر) بنية السحر ،  نعم انه سحر اللغة . أن من يقرا للعمري يجد إن أسلوبه يتحدى ولا يعجز بل انه يقودك إلى الفكرة الجميلة بخيوط من حرير, وهو بذلك يشكل في اعتقادي امتدادا رائعا لسيد قطب وتصويره الفني ولعلي الطنطاوي وسلاسته اللغوية . فهو بامتياز ينتمي إلى مدرسة ( ان من البيان لسحرا)

3 أما السمة الثالثة : أقولها بصوت عال ولسان صارخ ( سحقا للأبراج العاجية) , لم يكن الدكتور احمد يوما منعزلا عن قضايا أمته وواقعها , لم يكن ملتفا بشرنقة او فارا الى صومعة . ان مشكلة بعض المفكرين اليوم انهم ينظرون للامة ولا يدرون عن همومها ويقترحون   على الشباب ولا يدركون لا حالهم وأمالهم , ان الهموم والآلام والأحزان عند هذه الفئة من المفكرين قد انحسرت وانحصرت حتى تجلت في فنجان من القهوة ليس على المزاج. إن الكاتب العمري هو ابن أمته وابن واقعه ومن حقنا إن نقول معا سحقا للأبراج العاجية.

أيها السادة ختام هذه الكلمة قصيدة شعرية أثارتها حادثة فراق . إذا لما تطلعت إلى مزيد من التواصل مع أخي الدكتور احمد ومزيد من نشر الأفكار وتأصيلها في نفوس الشباب فاجئني بقوله إني مسافر  إلى أين يا أستاذ احمد؟ إلى الفردوس المستعار . وقد كان خبرا كارثيا بالنسبة لي لذلك كتبت قصيدة في وداعه عنونتها (إلى الملتقى يا صديق) في وداع أخي العزيز احمد خيري العمري قلت فيها :

غابت شموس حبيب ساعة انصرفا                                   والقلب اطرق حزنا بعدما ألفا

ما الليالي تهيجن الفتى ولها                                           وتسقه من كؤوس الود مرتشفا

حتى إذا استأنس الخل الوفي بما                                    يروح النفس أشواقا ومؤتلــــــفا

تخطفت يدها أفراح مهجته                                               وأسلمته خواء مقفرا تلـــفا

ان تعذلوني فما ذقتم لبارئكم                                        في ذاته عروة من ذاقها عرفها

فيا أخي قبيل الركب معذرة                                       هلا اصطبرت فقد أتعبتم وكـفى

أتعبتم من رأى في صحبة ألقا                                      وفــي أخوة قوم رقـــة و وفا

أما الغنيمة فهي الظل يومئذ                                         إذ لا ظليل كذا قال النبي ووفى

يا رفقة الخير لا تنسوا  اخيكم                                  من دعوة الصدق حيث الليل قد سجفا

بناء النور يارباه نسألكم                                         ورؤية الوجه واشوقاه إن عطفا

 

أيها السادة شكرا لحسن الاستماع والسلام عليكم ورحمة الله .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

أحمد خيري العمري، بعيون شاب جزائري

د.محمد موسى باباعمي

بين يدي أساتذي وإخواني الحضور قصتان وحادثان: أولاهما من عهد الاستعمار الفرنسي، والثانية من عصر الاستبداد العولمي…

القصة الأولى:

في قرية جبلية نائية، من بلاد القبائل بالجزائر، هطلت أمطار طوفانية غزيرة، فقطعت الطريق، وعطلت المسير، ثم أضحت مصالح الناس في أمر خطير.

اجتمع أهل التدبير لينظروا في الأمر، فانتهى رأيهم إلى أنَّ المستعمِر هو السبب… وأنَّ اللعنة عليه إلى يوم الدين، وأنَّ الكلَّ له مبغضون… فقال أحدهم: “أفضل العبادة لعن الاستعمار”… وصفَّق الجميع؛ لكنهم، مع ذلك، لم يرمِّموا الطريق، إذ كانوا ينتظرون مصالح البلدية الفرنسية لتفعل ذلك… ولا زالوا ينتظرون.

*جمع شاب ثلة من أصدقائه، فقال: “هل في الإمكان أن نضع ـ نحن، بأيدينا ـ الحجرَ على الحجر، ونلصق الطوبَ بالطوب… فنعيدَ الأمور إلى نصابها، بدل لعن الظلام؟”

*قبِل بعضهم مقترحه، وعقدوا موعدا لأجل مسمًّى، فبدؤوا في العمل تكلأُهم عين الله، وتباركهم رحمات السماء…

*وكان المارة شتى في شأن هؤلاء الشباب: منهم من سفَّههم، ومنهم من صمت حيالهم، ومنهم من اكتفى بإلقاء التحية والسلام عليهم، ومنهم من دعا الله أن يعينهم، ومنهم من شمَّر على ساعديه، والتحق بهم…

إلى أن اكتمل البناء، وصارت الطريق معبدة للعربات، والأحصنة، والمشاة…

*من هذه الطريق بالذات، خَطَت الحضارة أولى خطواتها، وفي هذا الطريق بعينه التأمت القلوب بالعقول، والتحمت الأفكار بالأفعال، تخطُّ للأمة مستقبلها ببطء، لكن في ثبات…

من طريق الواجب بديلا عن الحق.

من طريق العمل ثمرة للعلم

من طريق الفعل ملازما للفكر

من طريق الرشد واتباع الأسباب

من طريق “إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا، فاتبع سببا

من هذا الطريق، لا من غيره، أطلِقت أوَّل رصاصة معلنة ميلاد فجر جديد، ومؤذنة بحرية لم يكن أمرها ببعيد…

من هذا الطريق مرَّ الاستعمار خاسئا حسيرا… ولا تزال خشخشة أحذية الجنود، مثقلةً بالأسى والحسرة، ترنُّ في أذني… لا أزال أسمعها… فهل ـ يا ترى ـ قومي يسمعون؟

 

القصة الثانية

في حي جديد، على أطراف الجزائر العاصمة، أوائلَ الألفية الثالثة، وبالتحديد من جهة الشرق، وجهة تبسة وقسنطينة… تكررت القصة مرة أخرى، لكنْ بشكل مختلف…

*كانت أمطار العولمة تسَّاقط وابلا لا طلا، وكانت رياح الإعلام صرصرا عاتية، تعصف على الألباب والألسن والجوارح، فتذرها قاعا صفصفا… لا ترى فيها إلاَّ عوجا وأمتا…

*اجتمع سَراة القوم ـ كعادتهم ـ ينظرون ويقدِّرون، وبعد أمد رصَت سفينة فكرهم في ميناء القدَر، والعصر، والغرب… فقرَّروا لعن كلِّ أولئك، واقتنع الجميع بالرأي السديد؛ لكن… لا أحد منهم اهتدى إلى: كيف نفعل ذلك؟

*في أقصى المدينة التقى شباب مسلم غيور، ولمُّوا شملهم، فقال أحدهم: “أرى أن نفتح قسما أو قسمين، فنبثَّ في التلاميذ روح الإيمان، ونزرع في ألسنتهم لغة الضاد، ونعلِّمهم كيف يعيشون عصرهم، وكيف يخطِّطون وينفِّذون… وكيف يصوغون رؤاهم المستقبلية وأهدافَهم ورسالتهم… بتفاؤل، وبحسن ظن في الله تعالى…ذي المنِّ والفضل والكرم”.

*أخرج جميع الشباب ما في جيوبهم من دنانير، واستعانوا ببعض المحسنين، فتصدَّق بعضهم، وأقرضهم البعضُ الآخر قرضا حسنا إلى أجل… فشرعوا وبدؤوا وانطلقوا…

*كان الناس متنازعين بينهم أمرَ هؤلاء الفتيةِ، فمنهم من وبَّخهم وحقَرهم، ومنهم من أشفق عليهم، ومنهم من تمنَّى لهم الفشل ولو بعد حين، ومنهم من أمدَّهم بحبل المعونة: كلمةً طيبة، أو تبرعا سخيا، أو ابنا بارا يدرس في قسمهم…

*مِن هذه المدرسة بالذات ولدت شعلة الأمل، واليومَ ـ بعد بضع سنين ـ فُتحت على إثرها في كامل القطر الجزائري مدارسُ ودور للقرآن ومعاهد عليا…

من مثل هذه المدرسة سيعرف العالم مُرغما أنَّ الحقَّ أبلج وأنَّ الباطل لجلج، وأنَّ المستقبل يقينا للدين وللقيم والأخلاق… وأنَّ الأرض يرثها عباد الله الصالحون…

*لكنَّ ذات المدرسة كانت في حاجة إلى “بوصلة” توجِّهها حين إبحارها في محيط “القرآن الكريم“، وكانت أوكد حاجةً إلى “كيمياء” للصلاة، تحلل أركانها وشروطها وشطورها، بمنهج يلائم روح العصر… منهجٍ يفهمه الشاب المراهق… منهجٍ يمكِّن التلميذ من تحويل علمه إلى عمل، وإيمانه إلى حياة، وحياته إلى حضارة وتمكين واستخلاف…

لم يستسلم الشباب المبادرون… فراحوا يبحثون، وينقِّبون، ويسافرون… لعلَّهم يدركون من مقصدهم ما يدركون…

طرقوا كلَّ باب ـ موقنين أن لا بدَّ لمدمن الطرق أن يلج ـ. فولجوا، بعد جهد جهيد، باب “دار الفكر“، قلعةِ العلم والعلماء… وألفَوْا ضالتهم، بعد سفر بعيد، في “الدكتور أحمد خيري العمري“… هبةِ الله للأرض من السماء…

هذا باختصار فحوى القصَّة وملخصها، فإليكم التفصيل والبيان|
 

 

 

 

|  |  |#$  

تحت عنوان شباب لعصر المعرفة دار الفكر تكرم الدكتور أحمد خيري العمري

العمري بعيون شاب سوري

بقلم د. محمود الشيشكلي

 

 

الله أكبر …الله أكبر

القرآن ….. لفجر آخر

هل تسمعون ما أسمع …..أنصتوا قليلا …..إنه النداء جاء من أقصى المدينة إيذانا بفجر آخر يفجر ظلمات الليل والجهل من جديد

دعوة تلقيناها عبر دار الفكر( وتحت رعاية الأستاذ الدكتور رياض نعسان آغا وزير الثقافة وبمناسبة اليوم العالم للكتاب) لحضور فعاليات أسبوعها الثقافي الحادي عشر فإذا بهذه الدعوة نراها كأنها مسرى لبداية دعوة تامة يكرمنا بها الله الأكرم لقراءة ثانية مع إقرأ من جديد ….دعوة كانت لنا كجيل جديد بدأ يتشكل من جديد .

نعم أكثر من كان في قاعة التكريم الممتلئة كان من الشباب إلا أن الشيب كان بقلبه وهمته أكثر شبابا وحيوية.

روح وريحان وجنة نعيم عبرت إليها أرواحنا وعبر كلمات المشاركين في التكريم.

نعم حروف نطقوها ترتيلا بأفواههم الغناء ونقطوها تصديقا بمشاعرهم الرقيقة وزينوها تحريكا بأرواحههم النيرة فقامت لنا نفقا تسري فيه أرواحنا وأحلامنا إلى وعي نحو فجر من جديد ولحياة طيبة من جديد .

 صانع الأنفاق كان ذلك العمري المكرم وأخوته ومن المشرق والمغرب وما بينهما  كالأستاذ محمد عدنان سالم و الدكتور محمد باباعمي  و الأستاذ عبدالله سمية و غيرهم من الأخوة…. لا بل عجبا من العمري أن أهداكم أيها القراء تكريمه فإذا بالاسم يصدق مع الروح رشدا ليحيكم و يجعل من نفسه وروحه نفقا يعبره التكريم إليكم  فهل تكرموه من بعد ذلك فتردون التحية بمثلها أو بأحسن منها .

صنع لكم الأنفاق بداية من كتابه البوصلة القرآنية ورواية أبي اسمه ابراهيم……فهل تحيوه وتعبروا معه من القوالب الجاهزة  إلى إقرأ الكتاب وصولا إلى المستقبل المنشود.

إنه مع كتابه كيمياء الصلاة وسلسلة ضوء في المجرة ما زال يدعوكم إلى عبور أنفاقه….من الشعور بالقلق والعزلة والاكتئاب عندما تبتعدون عن الله إلى الرشد الذي يبدأ مع : كلا لا تطعه واسجد واقترب في صلاة تمدك بالقوة والشحنة الايجابية اللازمة لك من أجل النهوض.

وسيبقى كما أباه نوح عليه السلام  يدعوكم لتعبروا معه على ألواحه ودسره من الفردوس المستعار إلى الفردوس المستعاد.

 فهل ستركب السفينة أيها الإنسان مع بني جنسك من قبل أن يصل الطوفان أم أنك ستأوي مفردا ونفسك إلى جبل يعصمك من الماء  ..ناسيا قول أباك نوح عليه السلام  أنه لا عاصم اليوم من أمر الله.

هل ستكون كمن ألقى السمع وهو شهيد أو هل ستفقه بقلب سليم  لعللك تحيا من جديد .

الله أكبر ..هنيأ لكم أيها القراء إن فعلتم ورديتم التحية فعبرتم … الله أكبر هنيأ لكم إن تعلمتم رد التحية بأحسن منها فكنتم مثل معلمكم صانع الأنفاق نفقا يعبر منه غيره .

ثم هنيئا لك ومع الشكر الجزيل يا دار الفكر ممثلة بالأستاذ محمد عدنان سالم وأخوته تحقق رؤيتك لملامح جيل يتشكل من جديد بشباب لعصر المعرفة .

هنيئا لك ومع الشكر الجزيل دعمك ورعايتك التكريم يا دمشق وقد كنت ممثلة بوزير ثقافتك الأستاذ الدكتور رياض نعسان آغا  .

ثم هنيئا لك أمة الإسلام والعروبة بشرارة نهضة انطلقت من دمشق مهد الحضارة.

هنيئا لك أيها العالم فلعلك تعوض خسارتك من بعد أمل وحلم ولد وعيا هناك على أرض الواقع.

و أبشري يا قدس بجيل يتشكل من جديد وربما سيكبر بسرعة قد تتناسب وعصره.

ولا ننساك يا بغداد و أخوتك وخاصة من بعد أن تذكرتينا بفلذة أكبادك.

نعم قد آن أوان فجر جديد لأمة إقرأ من جديد فأخنسي أيها الشياطين و ارحلي أمام شرارة نهضة لحياة طيبة قد انطلقت من جديد .

نعم و يتابع الآذان من بعد ذلك إيذانا بإفراغ ماء جديد يمد الأرض الخاشعة بعد موتها بحياة من جديد .

الله أكبر ….الله أكبر

 



 

 

 

 

 

 

 

 

العمري يهدي تكريمه الى “بغداد…”

 

 

شهدت قاعة مكتبة الأسد وقائع حفل تكريم الدكتور العمري ، ضمن فعاليات الأسبوع الثقافي الحادي عشر لدار الفكر الذي يقام تحت عنوان “شباب لعصر المعرفة”.

و العمري هو أصغر المكرمين سنا حتى اليوم، و بفارق كبير ، إذ لا يقل معدل عمر المكرمين السابقين عن سبعين عاما،أي بفارق 3 عقود عن العمري….كما أنه العراقي الأول الذي يتشرف بالتكريم، بعد أن كرم أعلام من مصر، سوريا، اليمن و الجزائر.

شهد حفل الافتتاح كلمات للأستاذ عدنان سالم، مدير دار الفكر ، و كلمة للصديق عبد الله سمية، و للدكتور محمد موسى باباعمي الذي شرفنا بحضوره من الجزائر..و شهدت أيضا عرض حلقة من برنامج “القرآن لفجر آخر..”.

و فيما يلي كلمة الدكتور العمري

 

  بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

قائمة الشكر طويلة حتما، لكني أشعر أن الشكر الأول يجب أن يتوجه إلى دمشق…ليس من اجل تكريم اليوم بل من أجل الكرم، و اقصد بالكرم ذلك الموقف الذي وقفته دمشق مع أكثر من مليون عراقي يدين الكثيرون منهم بحياتهم لها.. فتحت دمشق لهم أبوابها في زمن الحدود المغلقة.. و احتضنتهم في زمن ازورار الوجوه، تحمل رجل الشارع فيها جراء ذلك الكثير و قابله بلطف شامي أصيل، فلها، و لأهلها الطيبين أتوجه أولا بالشكر،  أصالة عن نفسي و نيابة عن كل عراقي شريف..

 بالنسبة لي لم تفتح الشام فقط أبوابها، بل فتحت قلبها و أذنها و عقلها ، و أسكنتني في دار عريقة  ، صرت أعدها  مثل بيتي و بيت أبي ، تقع تلك الدار في البرامكة و أسمها “دار الفكر”..

الشكر لدار الفكر مؤسسةً و أفراداً ، إلى الرجل الذي على قمة هرمها ،الأستاذ عدنان سالم، و الذي تبناني و دعمني منذ العمل الأول ،  كنت بالنسبة له مجرد كاتب شاب آخر، لكنه منحني ثقته الغالية بمعزل عن أي واسطة و محسوبية ،  و الحق أني   أتخدته أبا قبل أن  يتخذني هو  أبنا ، و أن عواطفي تجاهه تصب في هذا الاتجاه بلا مجاملة ، لكن الأهم من عواطفي هو تقديري العميق لرجل يحمل هم النهضة معه صبح مساء ، سألني بلا مقدمات  في أول لقاء لنا: هل إلى خروج من سبيل ؟..وهو سؤال  يلخص مشروع حياته –دار الفكر- أن يساهم في خروج هذه الأمة مما هي فيه ..

و الشكر لدار الفكر لا يقف عند قمة الهرم فيها، بل هو موصول أيضا إلى كل العاملين، من لجنة النشر إلى المبيعات مرورا بالتدقيق اللغوي و التصميم، كل منهم ساهم بطريقته في تسلمي هذا التكريم..تشاجرنا و تخاصمنا و علت أصواتنا أحيانا ، لكن كذلك يحدث بين أفراد الأسرة الواحدة..

 لقد تعلمت منهم إن الكتابة الجيدة قد تكون عملا فرديا ، لكن “الكتاب الجيد” ليس كذلك على الإطلاق..

أشكر أيضا السيدة هدايت سالم ، أم بشر ، التي ضمتني بكرم بالغ إلى أولادها من آل هاشم الكرام ، و كانت خير مرشد و موجه و ناقد لكاتب شاب في مقتبل حياته ، ما يجمعني معها  أعمق من مجرد الدعم و التشجيع ، بل هو هذا التوافق على ثوابت فكرية مشتركة تتخطى العقود الثلاثة التي تفصل بيننا ، و هي ثوابت تجعل الفكرة المفترضة عن صراع الأجيال تبدو غير واقعية على الإطلاق عندما يتعلق الأمر بنهضة أمة، فالأجيال  المختلفة قد تلتقي و تتفاعل و تتكامل عندما تملك هدفا مشتركا  و ثوابت مشتركة تخص هذه النهضة ، و أزعم أنني و السيدة هدايت نشترك في هذا و أن هذا هو السر في دعمها لي ، فقد حاولت دوما أن  أسهم في تقديم قراءة للنص الديني على نحو يجعل هذا النص محركا يدفع الأمة إلى النهوض و الحراك ، قد تلغي هذه القراءة قراءات أخرى متراكمة صارت جزءا من الفهم العام للدين ، و قد تتواصل معها و تضيف إليها دون أن تحذفها بالضرورة ، المهم أنها تجعل النص الديني في السياق الذي أتصور أنه أنزل من أجله: أي من أجل نهضة هذه الأمة و جعلها أمة قائمة بدورها بين الأمم ..نهضة لا تستورد  تعريفها و معاييرها و مقاييسها من تجارب الأمم الأخرى ، بل تؤصلها من قيمها و ثوابتها…

 لكن الشكر الأكبر  يجب أن يتوجه إلى القراء، القراء بلا تحديد، لقد كان دعمهم بمثابة “حجر الزاوية”، و كانوا  العنصر الأهم في التفاعل كله بلا منازع، دونهم كانت كتبي ستبقى مجرد حبر على ورق، لكنهم تفاعلوا و تحمسوا، أحيانا سلبا و أحيانا إيجابا، أحيانا اعتبروا إني كتبت بالنيابة عنهم ، و في أحيان أخرى اعتبروا  أني كتبت لأغيظهم شخصيا، أحيانا أسمعوني أجمل ثناء ، و في أحيان أخرى …، البعض منهم صار صديقا مقربا إلى قلبي ، و البعض منهم بقي مجهولا ، لهؤلاء كلهم بلا استثناء ، و للحراك الذي أحدثوه ، أوجه شكري و تقديري ، بل أقول حقيقة أن تكريم اليوم هو لهم حصرا ، و أني أنوب عنهم في استلامه فحسب ، ذلك أنهم هم الذين أوصلوا كاتبا شابا إلى منصة التكريم التي سبقني لها عمالقة و أعلام ممن ليسوا بحاجة إلى تعريف ، و  أود أن  أوضح هنا  أني لا املك أوهاما حول هذا الأمر بالتحديد ، فمجرد وقوفي على منبر سبقتني له تلك الأسماء البارزة لا يعني أنني صرت في سوية واحدة معها  في النتاج أو التأثير، بل هو التشجيع و الدعم الذي أطمح أن يكون نتاجي أهلا له..

الشكر موصول أيضا لعائلتي الصغيرة ، لوالدتي التي منعتها ظروف التيه العراقي من القدوم ،و التي انحازت دوما للكتابة ، للمرحوم والدي الذي جعل حيطان بيتنا مكتبات كبيرة ، و الذي كان كاتبا و مؤرخا هو الأخر قبل أن يختطفه المرض مبكرا ، لزوجتي التي لم أنتج شيئا حقا إلا بعد اقتراني بها  و التي تؤمن بي أكثر مما أؤمن بنفسي بكثير ، و لأولادي زين العابدين و آمنة و أروى الذين كانت كلمة”  كتاب” من أولى المفردات التي تعلموها …

جرت العادة في احتفاليات التكريم ، أن يعرض فيلم عن الحياة الفكرية للمكرم ، و هو ما يقوله البروشور المرفق،  لكني اقترحت على اللجنة المشرفة اقتراحا بديلا ينسجم مع عنوان الأسبوع الثقافي لهذه السنة ، و بدلا عن فلم يحكي عن ما لا يهم أحدا عن سنة ولادتي و تخرجي ، اقترحت  أن تعرض حلقة من  حلقات عمل تلفازي ، كتبته أنا و نفذّه  فريق شبابي خالص بقيادة المنتج و المخرج المهندس طلال القدسي ، و سيبدأ عرضه قريبا على الفضائيات ..و ستشاهدون بأنفسكم كيف استطاع فريق العمل السوري الشاب أن يقدم تقنية عالية جدا في قالب فني راقي لا يشابه سواه من البرامج الدينية..

العمل يحمل عنوان “القرآن..لفجر آخر”..فكرة العمل، كما عنوانه، تلخص المشروع الذي حاولت الإسهام فيه و الذي أظن أنني أقف هنا اليوم من أجله، و المشروع كأي مشروع لا شك يحتاج إلى جهود من قبل أفراد آخرين،  و لا أشك أن بعضهم قد يكون حاضرا بينكم اليوم..

بدأت بدمشق و أود أن اختم ببغداد، لا أريد أن أشكر بغداد بل أود أن أهدي لها هذا التكريم الذي لا شك انه أقل من قدرها و مكانتها، أقدمه لبغداد هدية من أبن لها حملها معه أينما حل.. ربما لأخفف من شعوري بتأنيب الضمير، تأنيب الضمير الذي يحمله كل من غادر بغداد في محنتها ..

أكرر شكري و تقديري لكم جميعا ، و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته…

 dsc013091dsc013221dsc01356dsc01338dsc01344dsc01352

 

ثقافة في معسكر الأسر

adhd-brain-in-prison1                                ثقافة في معسكر الأسر

د.أحمد خيري العمري – القدس العربي

 رسالتان من فلسطين المحتلة، مختلفتان في التفاصيل، متشابهتان في الجوهر، واحدة من غزة المحاصرة والأخرى من سجون الاحتلال، حسمت مع الثانية ترددي في الرد على الأولى، وكنت قد رددت فعلاً بشكل شخصي على الرسالة الأولى ولكن ليس كما طلبت صاحبة الرسالة..

الرسالة الأولى من قارئة فاضلة في غزة، طالبتني بالمشاركة في حملة لرفع “الحصار الفكري” عن غزة، وهي حملة ينظمها بعض الناشطين الأفاضل على الإنترنت ومن ضمنهم القارئة نفسها، وتركّز على جمع الكتب والمطبوعات في عنوانٍ جغرافيّ محدّدٍ، ومن ثم محاولة تمريرها إلى غزة..

رددت يومها وفوراً على الأخت رداً لا أشكّ أنه خيب أملها، ولكني لا أشكّ أيضا في صدقه ولا أتنصل منه، إذ طلبتها بتزويدي بالعنوان المحدد تفصيلياً وذلك لكي أرسل- ومعارفي- كل ما يتيسّر من كتب، لكني أوضحت أنّي أشارك بصفتي الشخصية المجردة عن كوني الكاتب أو المفكر أو أية صفة اعتبارية أخرى..

كان من الواضح طبعاً أن طلب الأخت الغزاوية لا يتعلق على الإطلاق بصفتي الشخصية وإنما بصفتي ككاتب مساند للحملة، أي ككاتب يضاف إلى مجموعة الأسماء المساندة والداعمة للحملة….. ( علماً أن أي مطرب شاب “نصف وسيم وربع موهوب” يظهر على القنوات الغنائية يمكن له أن يجمع “عدداً” أكبر من المساندين للحملة أكثر من أي كاتب آخر له من الشهرة أضعاف ما أملك).. لا أقلل هنا من أهمية “العمل الخيري” في دعم حصار غزة أو أي حملة مشابهة، لكن لا بد من الفصل بين دور الجمعيات الخيرية ودور المفكرين والمثقفين..

رغم خيبة الأمل التي بلا شكّ سببتها للأخت الفاضلة، لكني شخصياً لا أستطيع أن أساهم  فيما أعتبره على المدى البعيد تكريساً للوضع القائم عبر تقديم حلول جزئية لأعراض مرضية لا أشك في خطورتها  لكنها في الحقيقة جزءٌ من مرض لا بدّ من مواجهة جذوره، وتقديم الحلول السريعة( لأعراض المرض دون استئصال أسبابه) يساعد على نحوٍ ما في تكريس الوضع القائم الأساسي- أي المرض- الذي أنتج هذه المشاكل ابتداء..

بعبارة أخرى: لا أشك للحظة واحدة أن الإخوة في غزة، وحصارهم الذي ينهي عامه الثالث  قريباً يحتاجون إلى إمدادات متنوعة من أجل استمرار بقائهم على قيد الحياة بالمعنى المباشر أولاً، ومن ثم لتأمين احتياجات أخرى لا تقل أهمية، ومن ضمنها الكتب والمطبوعات، ولكن ذلك كله – وإن ساهم في صمودهم وبالتالي في تجريد الحصار من أهدافه- إلا أنه في الوقت نفسه لا يتعرض ولو قليلاً لمجموعة الظروف المعقّدة التي أدّت إلى هذا الحصار ابتداءً، أو على الأقل ساهمت فيه من طرف ما، وهي مجموعة ظروف قد تبدو سياسيّة للوهلة الأولى، لكن هناك امتدادٌ ثقافيّ لها كما لكلّ شيء، وبالامتداد الثقافيّ أقصد مجموعة المفاهيم والتصورات والرؤى التي تسود في مجتمع ما، وهي مفاهيم لا أشكّ للحظة أن البعض منها بسلبيتها يساهم في إبقاء الأنظمة السياسية ذاتها  التي تساهم في هذا الحصار أو في سواه..

دورنا كأفراد ربما يمكن أن يتساهل مع الحلول الجزئية ومنطق تكفير عن الذنب – وهو  أفضل حتماً من منطق حملات “الصيام من أجل غزة “والصيام من أجل العراق التي لا تعدو أن تكون استهلاكاً شعائرياً لطاقة العمل من أجل التغيير دون أي تغيير حقاً –  ولكني أفترض وأتمسّك بأنّ دور المفكر والمثقف يجب أن يكون أبعد من ذلك بكثير مهما كان الأمر، بل إني أؤمن جازماً أنّ تسويق المفكرين والمثقفين  للحلول الجزئية يحملهم خطيئة الإبقاء على الوضع القائم برمته، وأقول ذلك حتى لو كان سيُفهَمُ أنه دعوة إلى الثورة أو الانقلاب على تلك الأنظمة التي لا تستحق شيئا آخر، ذلك أن الدعوة إلى الثورة (رغم تراث الخيبات  من المصطلح والتجارب الثورية!) تبقى أفضل من الدعوة إلى الانتحار الجماعي، وهو ما أؤمن أنه الموازي الحقيقي للبقاء في الوضع الراهن..

و هكذا فإن حملات كهذا – بأهداف جزئية كهذه، على نبلها- تساهم قي صرف الأنظار بعيداً عن العمل الحقيقي الجذري الذي يساهم في استئصال جذور المشكلة حتى ولو كان هذا الحل لا يأتي إلا بعد فترة طويلة من الزمن، وربما بعد أن يمضي الجميع، لكن هذا هو جزءٌ من طبيعة الأشياء، أو على الأقل هو جزءٌ من دور المفكرين وتوصيفهم الوظيفي، إنهم لا يملكون عصا موسى التي تقوم بالتغيير في برهة واحدة (  بالمناسبة  حتى عصا موسى لم تنجح في تغيير قوم موسى!)..لكنّ دورهم هو في تغيير المفاهيم التي تشكل البنية التحتية للأمة، أي  المنبع لكل الأمراض التي تعاني منها هذه الأمة..

وهكذا فان حصار غزة يمكن أن يُعَدّ مثالاً نموذجياً لأزمة تعصف بمنطقة محدّدة جغرافياً وزمانياً، لكنّ أسبابها وجذورها تمتدّ لتغطي جزءاً كبيراً من تاريخنا من المحيط إلى الخليج، الأمر لا يعود إلى كيانٍ استيطانيّ- لا حقّ له بالوجود أصلاً- مدعوم من قوى دولية وجدت فيه امتداداً ثقافياً وسياسياً لها فحسب، بل هو يعود أيضاً إلى مجموعة متراكمة من العوامل الداخلية التي جعلت بقاء هذا الكيان ممكناً، بل وتعايشت بالتدريج مع كونه أمراً واقعاً: هناك ذلك العقل الجمعي القبلي الذي يجعل الكل متحيزاً لعشيرته أو قبيلته أو منطقته دون أن ينضج ليطور مفهوماً أوسع لوطن، ومفهوما أوسع وأنضج لأمة ( إلا في الدعاء والبكاء والعويل بطبيعة الحال، والذي يعمل دوماً على استهلاك طاقة العمل، وبالتالي الإبقاء على حالة اللاعمل).. هناك حالة الرضوخ للأمر الواقع التي كرّسها الفهم السلبي لعقيدة القضاء والقدر التي لو آمن المسلمون الأوائل بها على هذا النحو السلبي لما انتشر الإسلام ولما فتحوا العالم، هناك كوم هائل من الفتاوى التي تكرس الرضوخ للسلطان مهما كان ومهما فعل، والتي تستند على فهمٍ سلبيٍّ لنصٍّ صحيح  أو مجتزأ أو على نصٍّ ضعيف أصلاً.. كما هناك الفهم السلبي للرضا بالنصيب والرزق الذي ساهم بتكريس أوضاعٍ مجحفةٍ استغلّها التحالف المزمن لرأس المال مع السلطة أبشع استغلال..

كل هذه المفاهيم هي الرصيد الحقيقي لكل الأنظمة المستبدّة في عالمنا العربي، هناك طبعاً القمع والسجون وتكميم الأفواه كما هناك الترغيب والمناصب والأموال، لكن هذه المفاهيم هي الاستثمار الحقيقي الذي يضمن بقاء تلك الأنظمة التي تعاونت بلا حدود مع كلّ أعداء الأمة في سبيل بقائها واستمرارها، لقد تمكنت – عبر هذه المفاهيم- لا أن تروِّض شعوبها فحسب، بل تمكّنت أن تساومها على رغيف خبزها وكل أساسيات عيشها، وتأمن  بالتالي من ثورتها وتمردها تماماً..

حصار غزة، وتواطؤ الأنظمة العربية عليه هو مثال على ما ذكرت، لن يضير نفس النظام أن يمرر بعض قوافل الإغاثة بين الحين والآخر، أو أن يسمح بتنظيم بعض الحملات، ومن ضمنها حملة جمع الكتب المشار إليها، فتلك حلول جزئية تلعب دور التنفيس الذي يؤجل الانفجار ويمنح هذا النظام وجهاً أفضل يحتاجه بين الحين والآخر..

الرسالة الثانية كانت من الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، وعلاقتي بهم كانت علامة في طريق كلماتي منذ أن تواصلوا معي للمرة الأولى منذ أشهر، وكنت تواصلت معهم قبلها دون أن أدري عبر كتبي التي اخترقت الزنازين، رسالتهم هذه المرة كانت تطالبني بـأن أكتب لهم في يوم الأسير الفلسطيني، تذكيراً بقضيتهم التي لم يعد يذكرها أحد إلا في المناسبات وفي مواسم الابتزاز الانتخابي – المحلي والمحدود جداً أصلاً -.. وها أنا ألبي طلبهم وأنا محمَّل بعاري: عار أن تكتب وتنظّر مسترخياً وأنت في بيتك وبين أولادك بينما يقضي  هؤلاء- وسواهم أيضاً في بلدي العراق- العام تلو العام وهم خلف الزنازين والقضبان لا لذنب ارتكبوه غير أنهم دافعوا عن أبسط مقومات حياتهم..

من السهل جداً أن أكتب لهم عن كونهم يتحملون العبء كله بالنيابة عن الأمة والتاريخ  وكل القيم، وأنّ الأجيال القادمة التي ستقطف ثمار تعبهم لن تنساهم، من السهل أيضاً أن أقول: إننا لا ننساهم أيضاً – في دعائنا وصلواتنا، وإنه لا يمر يوم دون أن نذكرهم فيه، من السهل أن أعظهم وأوصيهم بالصبر أيضاً، وهم أولى حتما بوعظي بذلك، ولا اشكّ أنهم سمعوا وحفظوا عن ظهر قلب كل ما يقال في “مناسبات” كهذه..

أشعر أن ذلك كله ( رغم صدقه أحياناً ) قد استُهلِك تماماً، وأشعر أنّ من حقهم علينا أن يسألوا: وماذا بعد؟.. ماذا لدينا غير ذلك الكلام الذي لا يكون أحياناً أكثر من مجرد “أكليشيهات” مكررة؟

بصدق أقول لهم: لا شيء سوى الخيبة من ذلك كله، الخيبة حدّ القرف، حد الامتلاء، لم يعد هناك ما يمكن أن يقال إلا وقد قيل، ولم يعد هناك من أمل عاجل حقاً، ما أدخلهم تلك المعتقلات لم يكن سلطات العدو فحسب، بل ثقافة كاملة تعايشت مع كلّ ما هو سلبيّ وكرست التفتت والتخاذل، ثقافة خرجت من مكوناتها القرآنية الأصلية وجعلت من معسكر الأسر عنوانها الدائم، ولا سبيل للخروج من الأسر إلا بإخراج هذه الثقافة من أسر تراكماتها السلبية التي أضعفت مناعتها وجعلتها عرضة للاستلاب الحضاريّ من جهة، كما أخرجتها عن حقيقة قيمها ومكوناتها الفاعلة من جهة أخرى..

عملية تحرير هذه الثقافة من أسرها هي عملية إخراج الأمة بأسرها من كلّ معوقات نهوضها، وهي عملية تتطلب الدخول في حقل ألغامٍ تاريخيّ يحيط بهذه الثقافة من كلّ الجهات، بل إن الأسير نفسه قد يرفض أحياناً الخروج من الزنزانة، لقد تعود على قضبانها وجدرانها وصار لا يتصور إمكانية وجود عيش خارج هذه الزنزانة.. إنه هو الأسير وهو السجان في الوقت ذاته في الكثير من الأحيان..

عملية تحرير الثقافة الأسيرة وإطلاقها في فضائها الأصليّ الفاعل عملية ليست يسيرة، وهي تستغرق وقتاً طويلاً جداً في أفضل الظروف وأكثرها ملائمة، ولذلك فهي لا تدخل ضمن وعود القادة السياسيين وبرامجهم الانتخابية لأنهم لا يستطيعون حتى الوعد بتغـييرها ( هم نادراً ما ينفِّذون أيَّ وعدٍ على الإطلاق، لكن دعوى كهذه ستكون مفضوحة ابتداءً)..

رغم كل ذلك، فهذا ما يجب أن يحدث، يوماً ما ستعي الأمة أن البقاء في معسكر الأسر سيجعل من استلابها يتحول إلى إيدز حضاري غير قابل للشفاء، فإما أن تُمسَخ تماماً وتفقد كلَّ مكوناتها وثوابتها، أو تنقرض تماماً.. تماماً..

يوماً ما ستعي الأمة هذا، وستتَّخذَ قراراً باتِّجاه طريقٍ ثالثٍ لا نجاة إلا من خلاله، طريق يخرجها من معسكر أسرها دون أن يضعها في معسكر أسر الأعداء..

وريثما يحدث ذلك، لا أملك للأسرى في سجون الاحتلال إلا صدقي وعاري كله،  أهديه لهم أنا أدرك جيداً أنه لن يجدي في اللحظة الراهنة.. لكنه كل ما أملك.. مع شديد الأسف..

 

حوار خارج التصنيف…

الدكتور أحمد خيري العمري… حوار خارج التصنيف

( يصدر خلال أيام كتاب “صانع الانفاق” الذي يضم ما كتبه العمري عن دمشق بعنوان cover1-0111“في البدء كان الياسمين” ، و يضم مقالات مختلفة من العراق و سوريا و مصر و الجزائر و فلسطين عن نتاج العمري و بالذات عن التفاعل معه..، كما يضم الحوار المعمق الذي قامت به الاستاذة سهير علي أومري ، و الذي نشرنا جزءا منه و ننشره الان كاملا نزولا عند رغبة القراء..)

حاورته: سهير علي أومري

 

حوار خارج التصنيف مع كاتب خارج التصنيف

الدكتور أحمد خيري العمري… مواجهات عكس التيار على هامش التكريم

حاورته: سهير علي أومري

البوصلة القرآنية… كيمياء الصلاة… الفردوس المستعار والفردوس المستعاد… ليلة سقوط بغداد…. ضوء في المجرة… أبي اسمه إبراهيم… ألواح ودسر… وغيرها…. عناوين ضخمة لفكر جديد يسافر بنا نحو شواطئ لم ترسُ عندها من قبل مراكبنا… يمنحنا تلسكوباً يصحح لنا نظرتنا للماضي وبوصلة تصحح توجهنا للمستقبل وعصا نتكئ عليها لنقف من جديد على أرض واقع جديد أكثر صلابة وأكثر متانة لنعرف أين نضع أقدامنا لننطلق إلى نهضة نرتقبها ونحلم بها… نهضةٌ القرآنُ أساسُها والصلاة عمودها… نهضة حقيقية أرادها الله تعالى لنا… عجزنا قروناً عن تحقيقها بفعل عوامل فكرية عديدة نشأنا عليها وتأصلت فينا وحالت بيننا وبين نهضتنا، وكان لزاماً علينا إن أردنا النهوض أن نتبينها ونستأصلها ونفك قيودها لنمضي إلى حيث كانت أمتنا في فترة مضت وإلى حيث يجب أن تكون اليوم وغداً…. من هنا تأتي أهمية هذه العناوين كما تأتي أهمية نتاج صاحبها على اختلاف أنواعه… إنه المفكر الإسلامي: الدكتور أحمد خيري العمري الذي اختارته دار الفكر ليكون الكاتب الذي تكرمه لعام 2010م

الدكتور أحمد خيري العمري:

 كاتب ومفكر إسلامي من مواليد بغداد عام (1970) من أسرة موصلية عمرية؟ يرجع نسبها إلى الصحابي الجليل: (عمر بن الخطاب رضي الله عنه) درس طب الأسنان في جامعة بغداد وتخرج منها عام (1993)، كان والده قاضياً ومؤرخاً معروفاً وهو (خيري العمري)، بعد سقوط بغداد انتقل مع أسرته ليعيش في دمشق حوالي سنتين ثم ترك عائلته فيها، وسافر إلى واشنطن ليعمل في الملحقية الثقافية لسفارة دولة الامارات العربية المتحدة، أول مؤلفاته كانت البوصلة القرآنية الذي صدر عام 2003م وخلال ست سنوات قدم للبشرية ما يزيد على 16 مؤلفاً مطبوعاً كلها كانت من منشورات دار الفكر في سوريا – دمشق، وله أيضاً العديد من المقالات التي نشرت في:

 صحيفتي العرب القطرية، والقدس العربي، وموقعه الالكتروني الشخصي الذي يستقطب العديد من القراء….

تلازم اسمه مع شعار رفعه عنواناً لموقعه وقضيةً كبرى تدور في فلكها جميع مؤلفاته، وهذا الشعار هو: “القرآن من أجل النهضة”

لقيت مؤلفاته ومقالاته رواجاً كبيراً وأقبل عليها قراء كُثُر، وفي الوقت نفسه دارت حوله انتقادات عديدة ووُجِّهت إليه اتهامات كثيرة تناولت فكره ومنهجه وأسلوبه….

مع الصفحات التالية نرصد أبعاداً خفية من شخصية الدكتور أحمد خيري العمري، ونسبر أغواراً عميقة في فكره وأسلوبه، ونتبين حقيقة نظرته للماضي والحاضر والمستقبل متجاوزين خطوطاً حمراء وأسلاكاً شائكة في توجيه كل ما دار حوله من انتقادات وآراء مستعيرين أقلام المنتقدين وألسنتهم بهدف تبصُّر حقائق ومواقف من شأنها أن تكشف اللبس وتزيح عن الأبصار الحجب وتضع حركات الإعراب فوق نهايات الكلمات…

مع العمري نقدم لكم حواراً “خارج التصنيف” مع كاتب ومفكر يصلح أن يكون هو أيضاً ” خارج التصنيف”….

1- بين أعلام كبار كرمتهم دار الفكر على مدى سنوات ماضية كالبوطي والزحيلي والمسيري…. وغيرهم يأتي اسمك هذا العام لتكون أول كاتب تكرمه دار الفكر وهو في أواخر الثلاثينات من العمر، فهلا حدثتنا لو سمحت عن هذا التكريم مبينا ما يعنيه بالنسبة لك؟

لا أوهام لدي حول هذا التكريم… لست بحجم الأسماء التي كرمت من قبل، ولن أكون بحجمها لمجرد أني  لحقتها بالتكريم… إنني أكرم في سياق تكريم الشباب وهذا يضع النقاط فوق حروفها .. في الوقت نفسه، تكريم الأسماء التي ذكرت كان مجرد تحصيل حاصل ضمن حدث ثقافي نظمته دار الفكر، ولا أظن أن التكريم كان الأول لأي منهم، أي إن سجل إنجازاتهم كان فيه ما فيه بحيث أن التكريم كان مجرد “تكريم آخر”..

بالنسبة لي، الأمر مختلف، ليس فقط لأنه تكريمي الرسمي الأول، بل لأنه يأتي كتشجيع ودعم  وإسناد من قبل دار الفكر لي أو لنتاجي بالأحرى.. وهو أمر أتشرف به بل و أنوء بحمله على ظهري..

لا أنفي أيضا أن توقيت التشجيع جاء في وقت كنت بحاجة له جدا..

2- هل يمكن أن توضح لنا ماذا تعني بذلك؟

لم يكن عندي أي علم مسبق بالموضوع، لم أعلم أني مرشح أصلا، أي أنه لم يحدث تسريب للأمر، وفي ليلة العيد، يوم الصعود إلى عرفة، كنت أتهيأ لعيد هو الأصعب، لأنه الأول لي بعيدا عن أسرتي، و جاءت رسالة الأستاذ عدنان سالم بهذا الحمل الثقيل ليكون هدية العيد.. سأكون كاذبا لو أنكرت سعادتي وفخري بهذه الثقة، لكني سأكون كاذبا أيضا لو أنكرت خوفي من توقيت التكريم ومن ثقل الحمل أن أكون في موضع المقارنة مع الأسماء التي كرمت من قبل..

3- قلت الآن إن هذا التكريم هو تكريمك الرسمي الأول هل لك أن توضح لنا ماذا تعني بذلك؟

قصدت أن كل كاتب يأخذ تكريمه أولا من القراء، وهو أمر لا شكوى عندي منه إطلاقا أما التكريم الرسمي فيرتبط بمعطيات أكثر تعقيدا وتتعلق في جزء منها برسالة المؤسسة مانحة التكريم و حساباتها، و قد تتعارض هذه أحيانا مع رسالة الكاتب أو خطه..

لا أنكر سعادتي  بالتكريم الرسمي كما أسلفت، لكن لو كان هذا التكريم قد جاء دون تكريم القراء من قبل، فإني كنت سأشعر أن في الأمر مجاملة ما أو تعويضاً ما..

على العكس من هذا ، أشعر أن هذا التكريم ، يكرّم ضمنا كل القراء الذين سبق لهم ودعموني..

 

4- لماذا دار الفكر بالذات الوحيدة التي حظيت بنشر كتبك؟ وهل بينك وبينهم عقد احتكار أم أن الأمر بالنسبة لك بالخيار؟

أولا ، “ليلة سقوط بغداد” لم ينشر في دار الفكر ، بل في دار نشر أخرى.

ثانيا، دار الفكر لم تحظ بنشر كتبي، بل أنا الذي حظيت بمعاملة استثنائية من قبل” دار الفكر” ..

ثالثا ، لا احتكار بيني وبين دار الفكر، العلاقة بيننا لا تحتمل مصطلحات كهذه أصلا، ولا أظن أن هناك مشكلة بالنسبة للدار لو أني اخترت النشر في دار أخرى .. الأمر يشبه علاقة أب كريم بأحد أبنائه الذين قرر أن يخرج من بيت العائلة دون أن يكون عاقا..

5-  أنت كاتب ومفكر إسلامي: لم تدرس العلوم الشرعية، ولم تتخرج من جامعة إسلامية، ولم تتتلمذ على يد شيخ أو داعية، ولم يكن والدك عالماً ولا شيخ طريقة ولا حتى جدك أو أحدٌ من أفراد عائلتك!!! أليس هذا أمراً غير مألوف بين مفكري عالمنا الإسلامي ودعاتهم!! ماذا تقول في ذلك؟

نعم أنه  أمر نادر جدا، باستثناء أنه حدث مثلا مع واحد من أكثر المفكرين الإسلاميين تأثيرا في القرن المنصرم : “سيد قطب “، وهو نادر جدا رغم أنه حدث أيضا مع رائد فكر النهضة الإسلامي مالك “بن نبي” الذي لم يتلق التعليم الشرعي، وهو نادر أيضا رغم أن “العقاد” الذي أثرى المكتبة الإسلامية بعدد من الكتب لم يقدمه الكثيرون من أصحاب الشهادات الشرعية.

هذا بخصوص الدراسة الشرعية، أما تكملة السؤال عن كون والدي لم يكن عالما شرعيا ولا جدي..الخ ، فهو سؤال مؤسف، الفكر الإسلامي يا سيدتي ليس محلا  للعطارة في السوق القديم، و هو ليس حرفة أو صنعة يعلم الاب أسرارها لابنه.. قد يكون الأمر مختلفا قليلا بالنسبة للعلم الشرعي فهناك بيئة معينة قد يساهم وجود الوالد في تمريرها لابنه ..لكن علينا أن نميز تماما بين “العالم الديني”- أو الشيخ كما يسمى في بعض البلدان- و بين المفكر الإسلامي..

على كل لا أعرف مفكرا إسلاميا كان والده أو جده مفكرا إسلاميا كذلك..و إن كنت تعرفين أحدا فيرجى إبلاغي بذلك..

 

6- وُلدتَ في بغداد ونشأت و كبرت فيها ثم كان سقوط بغداد على يد المحتل الأمريكي، فغادرتها إلى دمشق،  وهناك بُحت بألمك لسقوط بغداد بملحمة أسطورية بعنوان: “ليلة سقوط بغداد” وبعدها توجهت إلى أمريكا لتستقر في أحضانها… دون أن تكلّ أو تمل من تعداد مثالبها ورصد نقاط ضعفها قيماً معاشة وأساليب حياة… الأمر الذي جعل الكثيرين يرون في ما فعلت ازدواجية سلوكية وغير منطقية فما قولك عن هذا الأمر؟

أولا ،لم أغادر بغداد بعد سقوطها، بل بقيت فيها ثلاث سنوات بعد السقوط وغادرتها بعد انفجار العنف الطائفي الذي كان أحد نتائج السقوط و تداعياته، وكتابي “ليلة سقوط بغداد” كتب و صدر أثناء وجودي في بغداد..

ثانيا ، لم “أستقر” في أحضان أمريكا ، بل إني لم أدق مسمارا على الحائط فيها، إنني أعمل في سفارة دولة عربية شقيقة، وجواز سفري لا يزال عراقيا، ولم أحاول الحصول على سواه رغم توفر إمكانية ذلك في أمريكا خصوصا، لكني ببساطة لا أود لأولادي أن يكبروا فيها، و تجربة العمل والدراسة في أمريكا هي تجربة مهمة بالنسبة لي على الصعيد المهني والثقافي، لكنها تجربة محدودة بعقد عمل ودراسة سيأتي أوان انتهائها قريبا..و ربما قبل نشر هذا الحوار!

ثالثا، ما أراه غير منطقي، أن أكتب عن أمريكا، ثم أتهيب من زيارتها عندما تسنح الفرصة، كما لو أني أخشى على نفسي منها، ها أنذا، أكتب من أمريكا بعد أكثر من سنة من زيارتي لها، زادت التجربة رؤيتي نضجا، وثوابتي يقينا..

كلي ثقة أن هؤلاء أنفسهم هم الذين قالوا قبل ذلك إني أنتقد امريكا رغم أني لم أزرها!! أو في قول آخر “لأني” لم أزرها..!!

الحل الوحيد مع هؤلاء هو إلقامهم بحجر اللامبالاة والمزيد من الإنتاج والعمل الدوؤب..

7- واجهتَ القيم الأمريكية بكل جرأة وقوة، ورصدتَ ملامح الشيخوخة في هذه الحضارة، وقرعتَ في أذهاننا ناقوس الخطر محذراً منبهاً مرة معنفاً موبخاً مرات أخرى خشية الانقياد وراء هذه الحضارة أو محاولة تقليدها أو الشعور بالنقص تجاهها، فهل تعرضتَ بسبب هذا الأسلوب لمواجهات ما من أبناء هذه الحضارة أو تهديدات أو ملاحقات أو تعطيل لمصالحك وخاصة أنك تقيم بينهم؟!!

لا، ليس بعد على الأقل.. ونقدي يصب غالبا على جوانب حضارية مختلفة يتحدث فيها أبناء هذه الحضارة أنفسهم سواء كانوا من اليمين أو اليسار..

لكن هل هذا سؤال صحفي أم أنه تحريض بصيغة سؤال؟؟

8- عادة التصنيف عادة متأصلة فينا كبشر عامة وكعرب خاصة، فما إن يلتقِ أحدنا بآخر أو يقرأ لكاتب حتى يضع على جبهته لصاقة يعنون بها اتجاهاته، ويحدد بها انتماءاته، فينظر إليه من خلالها، ويتعامل معه وفقها، فهل يصلح أن تكون كاتباً فوق التصنيف أم يمكن أن تقدم لنا نفسك وفق التصنيف الذي تراه لتوفر على المصنفين جهودهم؟

قبل أن أجيب عن هذا السؤال أستدرك على الصيغة الاعتذارية التي قدمتِ بها، كما لو أن التصنيف تهمة علينا أن نعتذر و نبرر قبل أن نسأل عنها.. أرى أن التصنيف أمر طبيعي جدا، وما هو غير طبيعي هو هذا الاعتذار عنه، ما دمتِ لا تصنفين الناس بناء على لونهم أو أعراقهم، بل على نتاجهم و اختياراتهم، فلا ضير أبدا من التصنيف، بل الضير هو أن نبتعد عن التصنيف..

في الوقت نفسه  لا أعتقد وجود من هو فوق التصنيف، و لكن أؤمن بوجود تصنيفات جديدة وخانات شاغرة لم تملأ بعد، أي إن من قد يبدو أنه خارج التصنيف لفترة ما فإنه سرعان ما يجد تصنيفا ولصاقة ما يضعها على جبهته..

شخصيا أنا سعيد بلصاقتي كمفكر إسلامي، لأنها تعبر فعلا عن نتاجي وخياري، لكني أستدرك أن بعض نتاجي لا يزال خارج التصنيف، و هو شيء مؤقت كما أسلفت..

9- من الشائع في مجتمع التأليف والفكر في عالمنا الإسلامي أن يولد فيها مفكرون يبدؤون صغاراً بمؤلفات صغيرة ثم يكبرون، أما بالنسبة لك فقد ولدت كبيراً بضخامة أول مؤلَّف أبدعه عقلك وفكرك ألا وهو “البوصلة القرآنية” الذي كان ضخماً في المضمون ضخماً في الفكر ضخماً في الكمّ لدرجة أن كثيرين ممن قرؤوه أنكروا أن يكون كاتبه شاباً في مثل سنك، وكانوا مصرين أن عمرياً آخر ربما يكون صاحبه أو أن أحداً ما كتبه لك، فما السر الكامن وراء هذه الولادة غير العادية؟

ليس سرا أن “مجتمع التأليف و الفكر في عالمنا الاسلامي” –كما أسميته- ليس في أفضل أحواله حاليا، وبالتالي فإن كل ما هو شائع فيه لا يعبر بالضرورة عن حالة صحية.

شخصيا لا أؤمن بجدوى “الولادة بالتقسيط” ولا أعتقد أنها تعبر فعلا عن الواقع لكل من يرغب بالتغيير فعلا، و بغض النظر عن ضخامة حجم الكتاب، فإن أهم المفكرين يبدؤون بكتب كبيرة حتى لو لم تكن ضخمة الحجم، و هذا لا يعني أنني أضع نفسي معهم ولكني أؤكد أن ما هو شائع وسائد يخص الكتابات المكررة فحسب، و ليس الكتاب الذين يتركون تأثيرا على المدى البعيد، كما أن علينا أن نتذكر هنا أن كبار الكتاب ربما بدؤوا نتاجهم بعرض أفكارهم في بعض المشاكل الجزئية التي يمكن أن تحلل وتشخص بكتاب “صغير ” حجما كبير مضمونا..

فيما يخص البوصلة، فالكتاب كما وصفته إحدى القارئات المثقفات اللواتي أعتز بهن “جملة واحدة تمتد من أول الكتاب إلى آخره”، وهذا صحيح …. إنه يمثل رؤيتي الأساسية التي لم يكن من الممكن أن أقدمها بالتقسيط أو التجزئة لأن ذلك كان سيفسدها حتما..

البوصلة يتجه بشكل شمولي إلى مشكلة  تاريخية، و أي اختزال في عرض المشكلة وأسبابها سيكون تبسيطا مخلا لها..

فيما يخص ما ذكرت من إنكار البعض كوني الكاتب، فقد مررت بثلاث مراحل من رد الفعل تجاه هذا، أولا: عددت الأمر مزحة، ثانيا: عندما تبين لي لاحقا أنهم جادون انزعجت، اليوم أرى الأمر كما لو كان ثناءً جميلا بحق الكتاب، لقد عبروا عن إعجابهم بالكتاب بطريقة مميزة : أنكروا إمكانية أن يكون كاتبه في الثلاثينات من العمر.. و يعني ذلك ضمنا أنهم معجبون جدا بالكتاب.

10-                      بنظرة سريعة إلى تاريخك ونشأتك هل لك أن تعدد لنا لو سمحت العوامل التي ساعدت على تكوينك الفكري والثقافي مبيناً الأشخاص والمواقف التي كان لها التأثير الأكبر في وصولك إلى ما أنت فيه اليوم؟

نشأت في  أسرة تنتمي للطبقة الوسطى العراقية،كان  لها دور في الحركة الوطنية العراقية في فترة الاحتلال البريطاني، وكان ذلك من الجهتين، أي من أسرة والدي وأسرة والدتي،  كبرت على حكايات ثورة العشرين  وثورة 1941 والحلم القومي لاحقا.. ولعل ولادتي ونشأتي في فترة  انكسار هذا الحلم والإحباطات التي تعرض لها المناضلون القدامى قد فتح وعيي على وجود “تناقضات ” في النضال ضد “الاحتلال” من جهة واستيراد معاييره ومظاهر حياته..

لا يمكنني أن أنكر أن اعتزاز الأسرة باللقب العمري وبانتسابها إلى عمر بن الخطاب قد ترك أثرا كبيرا في داخلي..  كان عمر بن الخطاب بطلا من أبطال طفولتي حتى قبل أن أستطيع فهم واستيعاب دوره الحقيقي، محاولتي الأولى لقراءة عبقرية عمر كانت عندما كنت في الصف الثاني الابتدائي.. لكني تنبهت مبكرا إلى أن اعتزاز بعض الأقارب باللقب وبمكانة عمر بن الخطاب كان اعتزازا أجوف بما أنه لم يكن مصاحبا دوما بالتزام يمنح هذا الاعتزاز المصداقية، و لعل ذلك فتح عيني على اعتزاز الأمة بماض عريق لم تمنحه حقه في الالتزام الجاد بما يتناسب مع هذا التاريخ..

كان والدي رحمه الله قاضيا ومؤرخا معروفا لديه العديد من المؤلفات التأريخية، في الوقت نفسه والدتي كانت محامية أي إنها درست القانون أيضا وكانت قريبة من الكثير من الأحداث في تأريخ العراق المعاصر في فترة الحكم الملكي خاصة، ولا بد أن يكون ذلك قد ترك أثرا كبيرا أيضا، فالتأريخ  والقانون كان لهما  حضور دائمي في كل جلسة عائلية، وقد أسهم ذلك في تكوين رؤية شمولية للأحداث ،فالتاريخ يأخذك من الرؤية الجزئية القاصرة إلى رؤية أوسع، والقانون يمنحك الحس العام بالالتزام وأهميته في حياة الفرد والأمم.. والدتي أيضا لها دقة ملاحظة في التفصيلات الصغيرة وربطها بما هو أكبر، كانت تهتم جدا بتأريخ الحضارات ومنتجاتها الثقافية والفنية المختلفة، وعندما كنا نسافر في الصيف لقضاء الإجازة – على عادة الطبقة الوسطى العراقية في السبعينات – كان المتحف هو محطتنا الأولى (لا السوق !)..

 

من المواقف التي تركت أثرا في ذهني من كثرة ذكرها وتكرارها، أننا أثناء زيارتنا مسجد القصر الأحمر في إسبانيا، و الذي صار كنيسة كما هو معلوم، وكان عمري آنذاك أربع سنوات فقط، كانت والدتي تبكي بهدوء و أخبرتني أن الأذان كان يرفع هنا لكنه تحول الآن إلى كنيسة، يومها أخذت أصرخ بأعلى صوتي “الله أكبر”  كما لو كنت أغيظ الأمر الواقع ، وكان تصميم المسجد يتيح للصوت أن يتضخم بفعل الأصداء المتداخلة، وهكذا ترددت أصوات “الله أكبر” في كنيسة سانتا ماريا، تقول أمي إن الدم جمد في عروقها، لكن نظرات غاضبة حاصرتنا جعلتها تجرني ونخرج مسرعين.. كوفئت بعدها على ما فعلت، وكوفئت أكثر من قبل الأسرة في بغداد، كان يمكن أن يُنسى الأمر كما تنسى الكثير من الأحداث، لكن والدتي كانت حريصة على تذكيري بما فعلت بين الحين والآخر..

اكتشفت والدتي أن لي موهبة للكتابة في عمر مبكر ( السابعة أو الثامنة).. وشجعتني كثيرا، احتفظت بكل شيء أكتبه ( ولا يزال كل ذلك محفوظا في بغداد)..كانت أولى محاولاتي في الكتابة يوميات لطفل فلسطيني في قرية دير ياسين، تنقطع فجأة في يوم المذبحة.

تفاعل كل ذلك مع ظروف عامة مرّ بها العراق خاصة والأمة عامة ..مما لا مجال لذكره الآن…

11-                      من المعروف أن أبرز القضايا التي جندتَ نفسك لمواجهتها ودحض أخطائها ظاهرة (أدعياء التجديد) -كما تطلق عليهم – فمن هم هؤلاء؟ وماذا تريد منهم؟

لم أجند نفسي لمواجهة هؤلاء ، بل جندت نفسي لقضية أكبر بكثير، وكان هؤلاء بمثابة عقبة  علي اجتيازها لكي أواصل الطريق، أي إن الحديث عنهم هو من باب “ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب!”.. بعبارة أخرى كان من الضروري أن أضع خطا فاصلا بيني وبينهم وأن أحدد أنني لا أنتمي لهم ولمعسكرهم بوضوح، هؤلاء أساؤوا أكبر إساءة للتجديد لأنهم جعلوا الجمهور يسيء الظن بالتجديد ويخلطه بالتفلت، وكان التفلت هو جوهر تجديد هؤلاء، بالذات التفلت من كل الضوابط الشرعية، جوهر تجديدهم ولبه ومحوره كان الإلغاء غالبا.. إنهم يمررون بوضوح شديد ( وأحيانا بصراحة) مشروعا لبيراليا إلى الفكر الإسلامي عبر إلباسه شعارات إسلامية، رغم أن الحجر الأساس في هذا المشروع يتناقض مع ثوابت إسلامية واضحة.. لا يعني هذا أنهم مأجورون بالضرورة فالمشروع الليبرالي أشرب في قلوبهم و عقولهم ولعلهم يتصورون أنهم يحسنون صنعا وأنهم يقدمون للإسلام خدمة عظيمة عبر مشروعهم هذا.. لكن كذلك لا ينبغي أن نبالغ في حسن الظن، فبعض المؤسسات الغربية تدعم بعض هؤلاء بوضوح وتوصيات مؤسسة “راند ” تذكر بعض الأسماء التي ينبغي دعمها بصراحة.. لكن تصوري العام أنهم يتلقون الدعم بعد أن يصلوا مرحلة معينة من الثبات على مبدئهم .. المفاهيم الغربية لم تعد بحاجة إلى  مفكرين – عملاء – بشكل مباشر لأنها مدعومة أصلا بقوة التجربة الغربية وسطوتها الإعلامية.. لكن كان لا بد من توجيه دعم وترويج لبعض هؤلاء المفكرين في مرحلة لاحقة..

 إذا كنت تقصدين بالسؤال عنهم تحديد أسمائهم فهذا أمر لن يحدث، بعض هؤلاء معروف قطعا، ولكن البعض الآخر هو من طالبي الشهرة وسيستفيد من مجرد ذكر اسمه..

12-                      هلا تحدثنا عن منهجك وطريقة تعاملك مع الرأي الآخر؟

يعتمد الأمر على الرأي الآخر !..هناك “رأي آخر” في مسائل يتعدد فيها الصواب، وهو أمر عادي وطبيعي وكل ما ينقل في التراث من أقول للأئمة من قبول للخلاف وتسامح فيه مثل قول الإمام الشافعي“ما ناظرتُ أحدًا قط، إلا أحببتُ أن يوفَّق ويسدّد ويعان” كل ذلك يندرج في أمور فقهية يتعدد فيها الصواب ويتسع فيها مجال الخلاف..

وهناك “رأي آخر” ينتمي بصراحة إلى منظومة فكرية مختلفة ومغايرة تماما ( كأن يكون علمانيا صريحا أو ملحدا) والعلاقة بهذا الرأي واضحة أيضا، وبما أن المشترك قليل أصلا فإن الاحتكاك يكون محدودا لأن أي حوار يتطلب بناء لغة مشتركة..

مشكلتي الحقيقية هي مع رأيين آخرين ، الأول: “رأي آخر” بلا انتماء محدد، وبلا هوية واضحة، يتزلف “قبول الاخر” ويأخذ من كل منظومة فكرية ما يتناقض مع سواها ويتصور أنه بهذا يمتلك إرثا إنسانيا وأصحاب هذا الرأي غالبا حسنو النية ومغرر بهم بشعارات فارغة، الثاني: “رأي آخر” يبطن غير ما يظهر، و يحاول تمرير أفكار مضادة عبر وضع شعارات إسلامية فضفاضة..

وليس سرا أن علاقتي بالرأيين فيها أقل قليلا مما صنع الحداد..

أحب أن أنوه هنا إلى أني لست ممن يعتنقون مبدأ “قبول الآخر” ولي تحفظ شديد على طريقة استخدام المصطلح في بعض الأدبيات الإسلامية، لكني اكتشفت مثلا أني أكثر تقبلا  للآخر بكثير من بعض الذين يتحدثون عن قبول الآخر طول الوقت لكنهم عمليا يرفضون كل آخر يخالفهم، خاصة عندما لا يكون هذا الآخر أشقر  أو من أمة أخرى..

إنني ، على الأقل، لا أتناقض مع نفسي عندما أرفض قبول آخر أراه يتعارض مع ثوابتي ويحاول إلغاءها ، لأنني أصلا لا أدعي قبول الآخر.. أما هم فيسقطون في تناقض ولا أظنهم يخرجون منه..

13-                      ما تعريف التجديد الحقيقي برأيك؟ وما هي سماته وأركانه؟  وهل يحق لأي مسلم أن يجدد ويكون مجدداً؟

يعتمد الأمر على أي تجديد نتحدث، فالتجديد مصطلح واسع ولا يمكن أن نعرّفه إن لم نحدد المجال الذي نوجهه له، التجديد في الفقه مثلا أمر لا يمكن أن يحدث دون دراسة شرعية متخصصة، و دون أن يكون امتدادا لعملية تأصيل واضحة، وشروطه وضوابطه بهذا أعقد من التجديد في مجال الفكر الإسلامي مثلا، والتفريق بين الأمرين مهم جدا، وإن كان يخفى على الكثيرين للأسف مما يحدث خلطا وفوضى تزيد الأمور صعوبة للجميع..

التجديد في الفكر الإسلامي ضوابطه وشروطه أقل تعقيدا، فهو يتطلب الثقافة العامة والرؤية الشمولية أكثر مما يتطلب الدراسة المتخصصة، ولا يعني هذا أنه أسهل منالا من التجديد في الفقه أو علوم الحديث مثلا، لكن شروطه مختلفة..

بكل الأحوال، سواء كان التجديد في الفكر أو الفقه، فإن هناك حدودا مشتركة يجب أن يراعيها، و هو عدم التناقض الداخلي مع مشروع التجديد نفسه، وأن لا يتناقض مع نصوص صحيحة وثابتة..

بالنسبة لي، لا  أفهم أي محاولة تجديدية أو مشروعا تجديديا ما لم يكن مرتبطا بنهضة الأمة وإخراجها مما هي فيه، لا أفهم أي قراءة جديدة للنص القرآني ما لم تكن مرتبطة بهذا، هناك بعض القراءات الجديدة تجعلني أفكر أن الإتيان بما هو جديد بالنسبة لأصحابها هدف بحد ذاته، وليس وسيلة لنهضة الأمة .. ربما لهم وجهة نظر في هذا، لكني لا أفهمها، لا أفهم التجديد إن لم يأت بمعنى يفعّل نهضة هذه الأمة.. ببساطة لا أستطيع التفاعل مع أي شيء آخر وأعد “التجديد من أجل التجديد” في هذا الوقت ترفا بل وربما أكثر..

هل يحق لأي مسلم ؟ لا أظن أن ذلك ممكن في العلوم المتخصصة، في مجال الفكر السؤال ليس “هل يحق؟” بل “هل يستطيع؟”…

14-                      تعقيباً على كلامك أنك لا تقبل أي مشروع تجديدي ما لم يكن مرتبطاً بنهضة الأمة، ألا يتطلب ذلك توحيد النظرة للنهضة التي يسعى إليها المجددون؟ وهل تسمح بتعريف دقيق للنهضة.

سؤال مهم للغاية، خاصة في الوقت الحالي الذي يتعرض فيه مفهوم النهضة للخلط مع مفهوم التنمية رغم الاختلاف الكبير بينهما..

من السهل  “وصف النهضة” بكونها “روحاً تسري في الأمة” مثلا.. ولكن هذا محض توصيف و ليس تعريفاً.. النهضة في رأيي هي عملية “شروع ” في الخروج من الوضع السلبي لأمة ما باتجاه أداء دورها، أي إنها في مرحلة وسطى بين “الصحوة” و”الفاعلية”.. ويشبه ذلك كثيرا الأطوار التي يمر بها أي فرد في حياته اليومية بعد استغراقه في النوم، إنه يستيقظ أولا ، لكنه يبقى مستلقيا لفترة ما قبل أن ينهض، ثم إنه يستجمع طاقته ليترك فراشه وينهض..

قبل أن يذهب لممارسة نشاطه..

النهضة إذن هي رؤية شاملة تتطلب أولا ليس فقط الاعتراف بالسبات الذي مررنا به، بل بتحديد أسباب هذا السبات واقتلاعها من جذورها كي لا تجرنا دوما إلى نفس السبات والجمود في مرحلة لاحقة.. ويتضمن ذلك أيضا وجود رؤية واضحة لدور هذه الأمة ورسالتها وما تريد تقديمه لنفسها وللبشرية..

أقول ذلك وأؤكد أن هذه الرؤية قد تتضمن اقتلاع ما تآلف الناس معه وتعودوه بل وتصوروه أنه جزء من دينهم والدين ونصوصه منه براء .. عملية الاقتلاع هذه ليست سهلة إطلاقا خاصة عندما يتعلق الأمر بمفاهيم سائدة ومكرسة، وتتطلب حتما جهدا علميا وتأصيلا  لهذا الاقتلاع، كما أنها في الوقت نفسه يجب أن تعزل نفسها عن المؤثرات الخارجية ومعايير الأمم الأخرى فيما يجب اقتلاعه وما يجب إبقاؤه.. بل يجب أن يكون احتكامها الوحيد لنصوصها الدينية التي تشكل العمود الفقري لهذه الأمة ونهضتها..

15-                      حسناً ، هذا من ناحية رؤيتك لمعنى النهضة ولكن ما تقصد بأن هناك خلطاً بين النهضة و التنمية؟؟

الخلط موجود فعلا، بنية حسنة غالبا، وربما دون معرفة بوجود فرق بين المفهومين.

مفهوم التنمية يرتكز بشكل أساسي على البعد الاقتصادي، وأهداف التنمية غالبا ما تتعلق بأهداف اقتصادية قد يكون منها ما هو في منتهى النبل مثل حل مشكلة الفقر والقضاء على البطالة، وقد يكون منها ما هو دون ذلك، لكن التنمية بكل الأحوال تركز على هذه الجوانب فحسب وليست في صدد الدخول في البنية التحتية الثقافية للأمة..

مشاكل الأمة متعددة، ومن ضمنها حتما الجانب الاقتصادي والفقر و البطالة ..الخ ، لكن هذه كلها مجرد أعراض لمشاكل أكبر تتعلق بالسبات التاريخي الذي دخلنا فيه، ومعالجة الأعراض دون الجذر الحقيقي للمشكلة يشبه إعطاء حبة مسكن للألم لمريض بالسرطان.. هذا عدا عن حقيقة أن التنمية الاقتصادية بمعزل عن النهضة الشاملة قد تكرس التبعية الاقتصادية لمنظومات حضارية مغايرة بما أن مفاهيم التنمية كلها صادرة عن هذه المنظومات..

16-                      ما تقييمك لجهود الدعاة الجدد الذين ظهروا على الفضائيات بحلل جديدة لم تكن مألوفة بين دعاة القرن الماضي؟ وهل الشكل الجديد الذي ظهروا فيه يُعَدُّ تجديداً نوعياً ناجحاً في جذب جيل الشباب؟

من الظلم الفادح تقييم جهود هؤلاء بالجملة، فلكل منهم جهده الخاص به… وأداؤهم ومستواهم متفاوت جدا….أما أن الوسائل الجديدة تجذب الشباب فهذا صحيح، لكن جذب الشباب ليس هدفا بحد ذاته بل هو وسيلة، وأخشى أن بعض الأساليب المستخدمة بدأت تطغي على المضمون، أو أن المضمون نفسه لم يعد صحيا جدا من ناحية أسلمة المظاهر الغربية ووضع بعض الشعارات الإسلامية عليها..

شخصيا كنت متفاعلا جدا مع أحد هؤلاء الدعاة في مرحلته الأولى حين كان يبدع في مجاله الخاص.. ولكن لم يعد  التفاعل على الوتيرة نفسها منذ فترة للأسف لأسباب كثيرة..

عموما، كنت كتبت ذلك في مقال حول الموضوع، لعل من إيجابيات الدعاة الجدد إنزال مفردة النهضة من البرج العاجي إلى مجتمعات الشباب والجيل الجديد، أما أن مفهوم النهضة الذي يتم تمريره سطحي ويختزل النهضة إلى مجرد تنمية وعمل خيري، فهذا صحيح، ولكن لا يعني أنه غير قابل للتصحيح.

17-                      دارت حولك في مجتمع الفكر والثقافة مجموعة انتقادات فهل تسمح لي بذكرها وتتكرم بالرد عليها؟

·        الانتقاد الأول: أحمد خيري العمري أديب وليس مفكراً.

يعود هذا إلى التصور الشائع إلى أن لغة المفكرين يجب أن تكون غامضة وعصية على الفهم لكي تكون عميقة، والحقيقة أن التعقيد في رأيي غالبا يخفي فقرا في الفكر، وكذلك فالمضمون يقَّنِّعُه البعض بالمفردات الصعبة والأسلوب الغامض لإيهام القارئ العادي أنه إن لم يفهم فإنما يعود ذلك إلى مشكلة فيه هو شخصيا وليس في أسلوب الكاتب..

 للأسف الفكر الإسلامي، ومنذ ما بعد سيد قطب افتقد ضمن أشياء أخرى اللغة الأدبية الحية، فخسر القارئ، ولا أظنه ربح الفكر..

عموما، صفة الأديب تندرج حتما على أعمال مثل سلسلة “ضوء في المجرة ” و”أبي اسمه إبراهيم” و” ألواح ودسر”.. لكن الأمر ليس سواء في البوصلة والفردوس وكيمياء الصلاة..

علما أني لا أؤمن حقيقة بالفصل الكبير بين الاثنين، فالأدب في رأيي يجب أن يحمل فكرا، والفكر يجب أن يصاغ بأسلوب جميل أو واضح على الأقل..

·        الانتقاد الثاني: تعبر عن فكرتك بأساليب عديدة وكثيرة حتى تجعل القارئ يقول: “فهمنا والله فهمنا”.

من قال إني أريد “فهم” القارئ؟” ..

الفهم سهل المنال، لكني أريد أن يتكرس هذا الفهم في وعيه ولا وعيه ويصير جزءا من بديهياته.. هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكن أن يصير من خلالها الفهم وسيلة للتغيير، التكرار وسيلة لتكريس الفهم، وهو للعلم وسيلة مستخدمة في الكتاب الذي كان التغيير معجزة من معجزاته..

·        الانتقاد الثالث: تتقن في كتاباتك ثقافة النواح والعويل من خلال تعداد الأخطاء في الفكر والقناعات والإشارة إليها، ممضياً الوقت في اقتلاع أعشاب الأمة الضارة دون أن تقدم مشروعاً تنويرياً واضحاً يكون كفيلاً بالإصلاح والنهضة…

لست واثقا أن مفردتي “النواح والعويل” يمكن استخدامهما في هذا السياق، لا أفهم على الإطلاق كيف يكون النواح وسيلة لاقتلاع الأعشاب الضارة!..

على العموم من يقول ذلك لا أظنه قرأ لي البوصلة القرآنية أو كيمياء الصلاة.. فمقابل كل نقد لفهم سلبي للنص الديني، هناك فهم إيجابي بديل في البوصلة.. أما الكيمياء فالرؤية بمجملها تعتمد على تقديم مفهوم إيجابي لكل تفصيلة من تفصيلات شعيرة الصلاة..

·        الانتقاد الرابع: محاربتك لمن تسميهم: “أدعياء التجديد” ما هي في حقيقتها إلا محاربة للتجديد نفسه، فأنت كاتبٌ تراثيٌّ تمجّد الماضي وأهله، وتغلق الباب أمام اجتهادات الإصلاح والتنوير.

من الأخير كما يقال: أفضِّل ألف مرة التراث بكل تحفظاتي عليه، على الإصلاح والتنوير إذا كان مجرد شعار براق يمرر التفلت والانحلال.. ( وأتحفظ أصلا على كلمة التنوير واستخدامها السائد حاليا!! )..كذلك يفضل قرائي..

لكني أحاول أن أجد طريقا ثالثا لا يمر بسلبيات ما تراكم من أفهام حول التراث، ويجد طريقه إلى البناء والنهضة، دون أن يمر بعثرات وسلبيات التجارب الأخرى.. وكذلك يأمل قرائي..!

·        الانتقاد الخامس: تتشبث برأيك تشبُّث الشمس في كبد السماء، ومهما كانت حجة المعارضين قوية من الاستحالة بمكان أن تبدي تراجعاً في رأيك أو مواقفك.

في الحقيقة هذا الأمر شائع جدا عند الجميع، وليس عندي فقط، أغلب الكتاب والمفكرين  يتشبثون برأيهم ويتمسكون به ويبحثون عن كل الوسائل من أجل الدفاع عنه.. ولا أدري لم يكون ذلك انتقادا عندما يخصني فحسب؟!..

على أي حال، حدث فعلا أني تراجعت عن استخدامي لأحد الأدلة بعد رسالة وردتني من قارئ شاب، و قد عدلت من الأمر في طبعة جديدة من البوصلة القرآنية وعدلت من أمور أخرى بعضها بسبب النقاش مع القراء وبعضها بسبب النضج الشخصي، و التعديلات في كل الأحوال لا تمس جوهر الفكر أو مضمون الكتاب وحذف الدليل الذي أشرته لا ينقض النتيجة التي بنيتها عليه لأني غالبا لا أعتمد على دليل واحد بل على جمع متسلسل من الأدلة، لكني أورد الأمر هنا للتدليل على أن التشبث بالرأي ليس قاعدة عامة..

في الحقيقة أتشبث برأيي عندما يكون متعلقا بالثوابت التي أرى أنها مستهدفة اليوم وبأكثر من وسيلة و من أكثر من جهة، و لا أرى حقيقة من قوة في الحجج المضادة لهذه الثوابت..

في الحقيقة الشيء الوحيد القوي فيهم بوضوح هو انبهارهم المريض بالغرب..

·        تعقيباً على كلامك لو سمحت:

في تعديلات البوصلة التي ذكرتها والتي منها ما كان تراجعاً عن استخدام لدليل بسبب رسالة وصلتك من أحد القراء الشباب وبعضها بسبب بعض نقاشاتك مع القراء هل أشرت في حاشية الطبعة الجديدة في مواضع التعديل إلى سبب هذا التعديل؟….

لا ، لقد حذفت استخدام حديث شريف فحسب، و لم يؤثر ذلك على الاستدلال لوجود أدلة اخرى..

·        الانتقاد السادس: ترتكز في أسلوبك على العواطف فتستميل قراءك وتجذبهم من حيث لا يشعرون، ويتجلى ذلك في مواضع عديدة منها كتاباتك عن وطنك وأولادك….

·        يمكن إعادة هذه الجملة وحذف الفقرة الأخيرة منها لتكون كما يلي “ويتجلى ذلك في مواضع عديدة منها 5 % من كتاباتك..!”

·        الانتقاد السابع: هل من المنطقي لكاتب أو مفكر جديد في وقتنا الحاضر أن يقدم خلال سبع سنوات ما يزيد على 16 مؤلفاً عدا عن الكم الكبير من المقالات الدورية التي ينشرها في بعض الصحف وعلى موقعه الالكتروني لا بد أن هناك من يساعده، وليس بالضرورة أن تكون هذه المعونة من الإنس!!!

·        من قال أصلا  إني أكتب بمفردي ؟..الكتابة ليست عملا فرديا كما يتخيل البعض إلا بمقدار التنفيذ  الإجرائي فحسب.. لكنها عمل جماعي بطريقة أو بأخرى ..

 شخصيا أكتب ومعي دعم مؤسساتي هائل يجعل من نتاجي الذي يعده البعض غزيرا متواضع الحجم والعدد، أكتب وتدعمني مؤسسة ضخمة لعلها الأعرق والأضخم بين كل المؤسسات، هذه المؤسسة اسمها الحركي “الأمة” .. الأمة التي آن لها أن تنهض والتي أكتب بدافع من حتمية نهوضها، أكتب بدعم من مؤسسة أخرى، أصغر حجما لكن لها امتداد في كل مكان وسيكون لها أكبر الأثر في نهضة هذه الامة ، إنها مؤسسة “الأسرة”، وقد دعمتني أسرتي في أكثر من مرحلة وأكثر من اتجاه  بدعم لا محدود من والدتي، ومن ثم من زوجتي بل ومن أسرتها الكريمة أيضا، بصراحة، “أم زين” لوحدها شركة عامة ذات مسؤولية غير محدودة..

ثم إني دعمت من  مؤسسة عريقة مثل دار الفكر، خاصة في شخص الأستاذ عدنان سالم الذي كان لي ولنتاجي كالأب وأكثر، بل وحتى من قبل “الشباب” في مكتبة الدار وفي المعارض الخارجية، لقد دعموني وروجوا لي ولم يكونوا هم من أخبرني بذلك، فكثيرا ما أستلم بريدا من قارئ جديد يقول إنه أخذ بنصيحة البائع في المعرض الفلاني..

كذلك دعمت من قبل  السيدة الفاضلة “أم بشر “ هدايت سالم التي كانت لي  المرشد والناقد والموجه .. والتي صارت هي وأسرتها بمثابة الأسرة لي ولعائلتي في الشام.. ولا أعتقد حقا أن هناك ما يمكن أن يوفيها حقها.. لقد كان دعمها يتجاوز الثناء والإشادة إلى النقد وبيان الخطأ أحيانا، ولكنه كان يدعم لأنه يقوي البناء ويمدني بالإرشاد والتصحيح الذي يحتاجه كل كاتب، وتزيد حاجته إلى ذلك عندما يكون لا يزال في أول الدرب..

كذلك كان هناك دور القراء الذين تفاعلوا سلبا وإيجابا، لقد أغنوا تجربتي بتفاعلهم معي على نحو جعلهم أحيانا شركاء في الكتابة ..

 كل هؤلاء(مؤسسات و أفراد) كانوا شركاء في عملية الكتابة بطريقة أو بأخرى، ودون أن يدركوا ذلك..

وفقا لكل ما سبق، نتاجي ليس غزيرا على الإطلاق، بل إني استلمت قبل فترة رسالة من قارئ سعودي يلومني على قلة نتاجي ويخبرني بما معناه أنني سأحاسب على ذلك!.

 

16-        لا بد لكل من يتقدم إلى الأمة بفكر جديد أو قديمٍ بقالب جديد أن يواجه بأعاصير من النقد منها ما هو سلبي ومنه ما هو إيجابي فأيهما كان بالنسبة لك أكثر؟

 الإيجابي حتما، كان هناك نقد سلبي بطبيعة الحال، لكن التفاعل الإيجابي خاصة من طرف القراء كان له أكبر الأثر في مسيرتي، ولست واثقا من أني سأكون بنفس الدأب إذا حذفنا دور القراء وتفاعلهم معي من مسيرتي.. تفاعل القراء قال لي ببساطة إن رجع الصدى لن يكون الجواب الذي أحصل عليه من نتاجي.. وكان هذا يعني أن الأمر لن يكون عبثا ضائعا بلا جدوى..

 

17-        وعندما يواجهك النقد السلبي هل يساور الإحباط نفسك، ويدخل اليأس إلى قلبك موحياً إليك ألا فائدة من الفكر والتفكير ومن الإصلاح والتنوير؟

في البداية كنت أحبط جدا، لمدة نصف ساعة تقريبا.

اليوم صرت أحبط  قليلا لمدة تقل عن خمس دقائق!

 

18-        هل لمست في مجتمع النقاد عامة الرغبة الحقيقية في الإصلاح أم الرغبة في الإلغاء؟

لا ينبغي التعميم هنا، ولا يمكن وضع النقاد في سلة واحدة بالجملة، هناك الناقد المتعالي والناقد  المؤدلج والناقد الذي لا يقرأ ما ينقد، والناقد الذي ينقد بصفته “كاتب فاشل” ويريد من الجميع أن يكونوا مثله .. ولكن هناك أيضا الناقد المنصف والناقد المتفاعل والناقد المتابع، من الطبيعي جدا أن يكون هؤلاء هم الأقلية لأن الساحة الثقافية كلها هي انعكاس لوضع متردٍّ .. وسيكون غريبا جدا لو أن النقد والنقاد كانوا في منتهى العدل والإنصاف، بينما الواقع كله في اتجاه آخر..

لكن ما أنبه له هنا هو أن الكتاب الاسلاميين يفتقدون ظاهرة  “التساند” الموجودة عند التيارات الأخرى.. لقد تمكن اليساريون ولاحقا  الليبراليون من فرض أسماء معينة على المشهد الثقافي العربي رغم تفاوت القيمة الأدبية لنتاج هذه الأسماء، وبعض هؤلاء كرس كقامة أدبية عملاقة بقوة هذا التساند والتكاتف بين النقاد والصحفيين.. وصاروا فوق النقد رغم أنهم حتى ليسوا فوق مستوى الشبهات..

الكتاب الإسلاميون –عموما- لا يزالون بعيدا عن هذا ، كما لو أنهم يحرمون الدخول في لعبة كهذه!

19-        هل السبب في ذلك برأيك أن الكتاب الإسلاميين يفتقدون المؤسسة الإسلامية القوية التي تتبناهم وتدعمهم بهدف النهضة الحقيقية للأمة، بينما لأولئك الليبراليين واليساريين مؤسسات قوية حققت لهم هذا الدعم؟

لست واثقا من هذا، صار اليوم هناك مؤسسات إعلامية إسلامية كثيرة، لكني لم أقصد ذلك، بل قصدت ذلك الجهد المبذول من الكتاب والنقاد الليبرالبيين للترويج لكاتب وكتاب يطرح أفكارهم ، بينما لا نرى ذلك عند الإسلاميين، لا يمكن حذف العمل المؤسسي تماما، لكن لا يجب أيضا إغفال روح التساند الفردي، وعدم  الانزلاق إلى “عداوة الكار” تحت شعارات النقد العلمي الأكاديمي والموضوعية.

20-        قلت قبل قليل: سيكون غريبا جدا لو أن النقد والنقاد كانوا في منتهى العدل والإنصاف، بينما الواقع كله في اتجاه آخر..الواقع كله في اتجاه آخر!!!  أهكذا يرى الدكتور أحمد الواقع؟؟!!

نعم ، بالتأكيد… هل هناك من لا يزال يعتقد أن “على الأرض السلام وفي الناس المسرة؟”.. الواقع سيئ جدا .. سيئ بحيث يصعب علينا أن نتخيل ما هو أسوأ، لكن ذلك يجب أن يكون حافزا لنا على  عدم الرضوخ لهذا الواقع ومحاولة إعادة تشكيله بكل الأساليب..

21-        والآن وبعد أن ذكرتُ لك مجموعة الانتقادات التي توجه ضدك وتكلمنا عن النقد هل لك دكتور لو سمحت أن تخبرنا كيف تتعامل مع الانتقادات بشكل مختصر يعيه كل من يتوجه إليك بانتقاد…

لا أستطيع الفصل بين الانتقاد وبين توجه الشخص الذي ينقد… على ما يبدو في ذلك أحيانا من انتقائية في الموقف تجاه النقد..

بعبارة أخرى، قد تصدر جملة النقد أو فحواه من شخص متفاعل مع ما أطرح، ومن منطلق المساءلة والحرص، وبأسلوب يُظهِر ذلك، عندها ينزل النقد بردا وسلاما وأتفاعل معه ربما بأكثر مما يأمل صاحب النقد..

و قد يأتي نقد مشابه، بأسلوب ينضح بالتعالي ويكشف عن توجهات صاحبه الفكرية، ويكون موقفي هنا مختلفا تماما.. ربما بالتجاهل التام أو برد شديد اللهجة..

دعينا لا ننسى هنا أن الكاتب اليوم الذي يستفيد حتما من “النت” ومن الانتشار والتواصل مع قرائه عبره، عليه أن يواجه الجزء السلبي من الظاهرة، وإذا كانت ظاهرة مثقفي المقاهي وثرثرتهم التي يسمونها” نقدا “قد انتهت عمليا لأسباب عديدة، فإن النت يمنح شخصيات مماثلة تملك نفس دوافع مثقفي المقاهي إلى الازدهار والنمو في العالم الافتراضي.

 لدينا اليوم  أشخاص يملكون اتصالا بالنت وجهاز الحاسوب والكثير من الوقت على ما يبدو، ويعتقدون أنهم صاروا كتابا ولديهم “مشاريع” لمجرد أنهم كتبوا شيئا في هذا الموقع أو ذاك.. هؤلاء بالذات يشكلون جزءا من النقد الفارغ الذي يواجهه كتاب اليوم والذي يجب أن يواجه بالتجاهل غالبا، لأن لا هدف من ورائه غير “الشطرنج الفكري” و تمضية الوقت…

بالمناسبة ، كان من السهل جدا أن أقول إني متقبل جدا للنقد وإن صدري رحب دوما، لكني أفضل هذه الصراحة الفجة ، أحيانا أنا متقبل جدا لدرجة صادمة، وأحيانا أنا على العكس، في الحالتين الأمر لا علاقة له بالمزاجية، بل بكون هذا النقد جزءاً من رؤية أشمل..

 

22-         لمن يقرأ أحمد خيري العمري؟ وبفكر من يتأثر ويُعجب من القدماء ومن المعاصرين؟

أقرا كل ما يقع في يدي، على الأقل أمنح  نفسي فرصة الاطلاع على كل ما يقع في يدي..

ليس سرا أني تأثرت بفكر النهضة ممثلا بمالك بن نبي وبالأسلوب الأدبي في طرح الفكر ممثلا بقطب والغزالي إلى حد كبير.. ، أدبيا تأثرت بغسان كنفاني وغادة السمان ورشيد بوجدرة…. من القدامى أحببت ابن القيم كثيرا، أما من الأجانب فتفاعلت مع أسلوب ماركيز وغراهام غرين وأندريه جيد وفرجينيا وولف ومارسيل بروست.

23-        في وقت غزت فيه وسائل الإعلام السمعية والبصرية البيوت هل ترى أن الكتب الورقية لا تزال وسائل ناجحة لجذب أبناء الأمة وجيلها الجديد؟

وسائل الإعلام السمعية والبصرية موجودة في العالم كله ولم تؤثر حقا على الكتب الورقية.. لذلك أرى التباكي على هذا الأمر “حجة” نسوقها لكي نغطي على مشاكل أعمق تخص فشلنا في الوصول إلى القارئ..

24-        من المعروف أن لك موقعاً إليكترونياً خاصاً يجذب عدداً كبيراً من القراء الشباب وتدور في صفحاته العديد من النقاشات والسجالات هل لنا أن نعرف الهدف من إطلاقك هذا الموقع؟ وهل من كلمة توجهها لمتصفحي موقعك خاصة ولقرائك عامةً

هدفي من الموقع توفير أرشيف لمقالاتي بحيث تكون متوفرة للقراء على الشبكة…. الموقع شخصي ويظل محكوما بالثوابت التي أؤمن بها .. ليس من كلمة خاصة أوجهها للقراء أو لزوار الموقع، فكل ما أكتبه هو موجه لهم..

25-        هل كنتَ قبل عشر سنوات تتوقع أن ترى نفسك في مكانك ومكانتك اليوم؟ وهل من تصور تطمح إليه لنفسك بعد عشر سنوات قادمة؟

 بالنسبة للمكان لا طبعا، قبل عشر سنوات كنت مستقرا في بلدي، لم أكن أتوقع أبدا أن أكون في المكان الذي أنا فيه اليوم ..

بعد عشر سنوات، و بالنسبة للمكان أيضا، أتمنى أن أعود إلى نفس المكان الذي كنت فيه قبل عشر سنوات.. وخلال مدة أقل من عشر سنوات بكثير..

بالنسبة للمكانة، لا أعرف إن كنت فكرت بهذا من قبل، أحاول دوما التركيز على ما أنتجه وما أكتبه ، لا على نتائج هذا ..

26-        في روايتي: “أبي اسمه إبراهيم” و “ألواح ودسر” قدمت للتراث الإنساني أدباً يتجاوز أبعاد المكان وحواجز الزمان ليكون قصة ماضٍ وحاضر ومستقبل، وبذلك فإنك من الممكن أن تُعَدَّ رائداً لمدرسة جديدة في الأدب تنتهج هذا الأسلوب الممتع في الكتابة، فما قولك في هذا؟

أقول: الريادة ليست في بالي، و ليس من شأني أن أدلي فيها برأيي، كما أسلفت، ما يهمني حقا هو أن أكتب وأن يكون نتاجي مؤثرا ومساهما في التغيير، ما تبقى مجرد تفاصيل يمكن للمختصين لاحقا أن يحددوها..

27-        تقول: إن ما يهمك حقاً هو أن تكتب وأن يكون نتاجك مؤثراً ومساهماً في التغيير، هل يمكن أن توضح لنا لو سمحت المراحل التي تمر بها الفكرة بالنسبة لديك منذ ولادتها إلى أن تصير صوتاً مدوياً على الورق؟ وهل هناك طقوسٌ معينة تقوم بها قبل وأثناء الكتابة؟

“معلومات الكاتب عن عملية الكتابة هي بقدر معلومات الشجرة عن الهندسة الزراعية!” ، لا أعرف شيئا عن مراحل الفكرة، لكني أظن أنها تولد غالبا بالتفاعل مع الناس وأحيانا من كلمة عابرة يقولها شخص عابر، عمليا أنا في حالة كتابة في رأسي طول الوقت، خميرة الفكرة تكون هناك، ربما كـ”رؤوس أقلام” أو نقاط أساسية وتحويلها  إلى الورق أو إلى شاشة الحاسوب يوضحها وينضجها..

لا طقوس لدي تخص الكتابة، عندما بدأت في مرحلة المراهقة كان هناك التصور المسبق بضرورة الكتابة وقت الليل وسط أجواء حالمة. لا شيء من هذا أستمر بالنسبة لي، كان لدي مساحتي الخاصة في بغداد، لكني كنت أكتب أينما وجدت وقتا لذلك، كنت أعطي مرضاي حقنة المخدر وأكتب بضعة أسطر ريثما يبدأ مفعول المخدر!.. أوراقي كانت معي أينما حللت، وقد نسيت مرة أحد فصول البوصلة عند بائع العصير قرب عيادتي في بغداد، وعدت إليه مرعوبا بعد منتصف الليل..

بعدما غادرت بغداد، قلت المساحة الخاصة، لكني لم أسمح لذلك أن يؤثر على نتاجي، بعض حلقات “القرآن لفجر آخر”  كتبت في المطبخ لأنه لم يكن هناك أية مساحة أخرى خالية!! بعض أجزاء كيمياء الصلاة كتبتها مستلقيا وابنتي أروى تلعب على ظهري..لا مشكلة لدي في وجود صوت مذياع أو تلفاز قريب، فلدي قدرة على الانفصال عن ذلك كله، كما أنفصل عن أي منغصات أو متاعب في العمل والحياة اليومية.. الشرط الوحيد تقريبا هو أن يكون محيط الكتابة في غاية الترتيب !!..لماذا ؟.. ليس لدي أدنى فكرة عن ذلك!

28-        طالما أنك تنتقد فيما تكتب قيم الحياة الأمريكية وتبين مظاهر ضعفها وتداعيها ألا يكون الصدى أوسع والتأثير أكبر فيما لو فكرت أن تكتب باللغة الإنكليزية أو تترجم ما كتبت إلى الإنكليزية؟

بصراحة لا أستطيع أن أخفي استغرابي -بل و صدمتي !- من هذا السؤال كلما طرح علي .

إنني أنتقد قيم الحياة الأمريكية ليس لكي أعظ أمريكا أو الجاليات التي تعيش فيها، فهذا ليس شأني على الإطلاق، وهم لهم الحق في اختيار طريقة حياتهم وموتهم .. إنني ببساطة أنتقد القيم الأمريكية لأنها تتسرب الينا بطرق مختلفة ووسائل مختلفة، بعضها قسري بواسطة إعلام يمارس عملية غسل دماغ جماعية، وبعضها خفي بواسطة عملية أسلمة هذه القيم ووضع شعارات إسلامية عليها.. ليس هناك ما كتبته عن أمريكا إلا ويكون مندرجا في هذا: هل يعتقد أحد أن مقالاتي عن الشذوذ مثلا، كانت بعيدة عما يدور ويخطط له في مجتمعاتنا؟ هل مقالي عن ظاهرة ملك البوب الذي اختصر بموته كل مظاهر الضعف في الحياة الأمريكية، هل هذا يخص الأمريكيين وحدهم أم أنه يخص من يستوردون مظاهر الضعف هذه دون أن يمروا أصلا بمظاهر القوة..

أستغرب أيضا طرح موضوع الكتابة باللغة الإنكليزية، كما لو أن بإمكان أي كاتب أن يضغط على زر ما ليحول لغة الكتابة التي يكتب بها..كل لغة تملك فلسفتها الخاصة وقواعدها تعكس قيما معينة ومنهجية في التفكير قد لا تكون محسوسة للعيان لكنها متضمنة حتما في البنية الثقافية.. هناك بعض الكتاب يملكون القابلية على الإنتاج مزدوج اللغة لكنهم قلة وهذا النتاج يكون غالبا أكاديمي الطابع..

أكتب باللغة التي أفكر بها، وهي لغة القرآن، وهي اللغة التي يتحدث بها أكثر من ثلاثمائة مليون عربي، وإذا كان هناك من مشاكل تخص التواصل مع هؤلاء، فاللغة بالتأكيد لا علاقة لها بذلك..

كذلك أمر الترجمة : هل على الكاتب أن يسعى لترجمة أعماله؟ ألا يفترض أن يكون ذلك عمل شخص آخر أو مؤسسة أخرى؟

 

29-        للتوضيح أقول: إن الدافع الكامن وراء هذا الطلب هو الرغبة الكبيرة في أن تتكشف الحقائق التي تقدمها عن أرض الأحلام إلى كل حالم في مشارق الأرض ومغاربها، وإلى أصحاب هذا الحلم المزيف أنفسهم الذين زينوا كابوس واقعهم بأنغام البوب وأضواء ناطحات السحاب وطعم الماكدونالد وصدروه لنا ليكون حلماً ممتعاً ننام عليه ونصحو عليه…. فمن حقك تحديد شريحتك المخاطبة ومن حقنا أن نتأمل ونتمنى أن تتسع هذه الشريحة وتكبر…. أليس كذلك؟

أكتب بالعربية و للعربية ، أحمل همّ أمتي وثوابتها وأحاصر نفسي بها مثل نقطة داخل دائرة، إن حدث وتسربت كلماتي إلى لغة أخرى أو إلى لغات أخرى فلا بأس (وقد حدث هذا فعلا بالمناسبة) لكن سيظل أبناء وطني وأمتي هم الهدف الأول، “العالمية” وَهْمٌ يتداوله نجوم الغناء و الطرب، وحري بنا أن نترفع عن هذه الأوهام ونركز على المشاكل الحقيقية التي تحول بيننا و بين القارئ،..

 شخصيا أعتقد أني سأموت همّاً لو شهد أي من كتبي رواجاً بأية لغة أكثر من رواجه بلغته الأصلية.

30-        هل ترى في جيل ألفيتنا الثالثة جيل “الأكشن والكول والتشات” بقية من سمات نرتكز عليها في نهضة نرتقبها ونحلم بها؟

جيلي سمي يوما بجيل الديسكو، والجيل الذي قبلي سمي بجيل الهيبيز والميني جوب، والجيل الذي قبله سمي بجيل الخنافس والروك أند رول.. لكن ذلك لم يمنع أن كل هذه الأجيال أنتجت أفرادا في منتهى الوعي والالتزام والنضج، وبعضهم كانوا مناضلين وشهداء..كما أن التداخل بين بعض هذه الأجيال وبين ما أطلق عليه أيضا اسم جيل الصحوة واضح جدا.. لذا لا أفضل التعميم على جيل بأسره خاصة أن هذا التعميم يقطع جسورا مهمة للتواصل والتأثير…

لا أنكر طبعا أن الأمور آخذة بالتدهور لكن هذه مسؤوليتنا نحن كمثقفين أولا وأخيرا..

فيما يخص “سمات ” الجيل الحالي أظن أن هذه السمات لا تقل ولا تزيد عن أي جيل آخر من الأجيال السابقة..

31-        تقول: إن سمات جيلنا لا تقل ولا تزيد عن أي جيل آخر من الأجيال السابقة.. هل أفهم من كلامك أن التطور التقني والتكنولوجي ليس له أية تأثيرات إيجابية على وعي الجيل وازدياد معارفه وقدرته على الإلمام بالتجربة الحضارية للأمم بحيث يكون له قدم سبق تميزه عن الجيل الذي سبقه وتعينه على القيام بمهمة النهضة على نحو أيسر وأسهل؟

التطور التقني و التكنولوجي أنتج “ثورة معلومات”.. وثورة المعلومات بالتعريف تيسر الوصول إلى كم هائل من المعلومات، لكن علينا أن نميز الفرق الجوهري بين المعلومات من جهة وبين المعرفة والوعي من جهة أخرى، كما نميز الفرق بين الحقائق والحقيقة، فتراكم المعلومات لا يزيد الوعي أو العلم، إنه يزيد من استهلاك خلايا الذاكرة فحسب..!

الوعي والمعرفة يكون بمثابة بوصلة تلم وتشد هذه المعلومات وتنظمها في إطار الرؤية المتكاملة التي تأخذ فيها المعلومات حجمها الحقيقي..

 بل في الحقيقة إني أعتقد أن زيادة حجم المعلومات لمن لا يملك البوصلة قد يكون مشوشا جدا ..

بعبارة أخرى: التطور التقني والتكنولوجي أنتج أشخاصا يمكنهم حل الكلمات المتقاطعة في الجريدة بسهولة أكبر، المشكلة أنهم غير قادرين على معرفة “كلمة السر ” أو الصورة الأكبر..

 

32-        سأطرح عليك لو سمحت مفردات وأريد أن تقابلها بمفرادت أخرى أو عبارات مختصرة:

-        النهضة: البديل الوحيد عن الانقراض

-        القرآن: البوصلة

-        أمريكا: روما صارت في كل مكان

-        العولمة: المنتصر يأخذ كل شئ.

-        بغداد: جرح مفتوح أحمله معي أينما ذهبت.

-        دمشق: الملجأ.

-        إبراهيم عليه السلام:  المسلم الأول

-        الصلاة: عماد النهضة

-        عام 2009م: ألواح ودسر

-        المستقبل: تكليف.

-        التاريخ:مثل الجينات، نحمله معنا شئنا أم أبينا

-        مالك بن نبي: إرث ضيعته النخبة

-        غوانتنامو: ليست الأنظمة العربية وحدها تنتهك حقوق الإنسان!

-        فلسطين: كل مشاكل الأمة في نموذج واحد.

-        التطرف: الوجه الآخر من التمييع

-        الإرهاب: طباخ السم يتذوقه، و العالم كله يتجرعه.

-        المذاهب الأربعة: السعة بثوابت

-        أدعياء التجديد: خيول طروادة!

33-        دكتور في ختام هذا اللقاء اسمح لي بهذا السؤال:

جاء في بداية سلسلة كيمياء الصلاة قولك: “أضع نتاج الأشهر المضيئة تلك في قنينة زجاجية وأرمي بها في بحر الظلمات.. وكلي ثقة أنها ستعين بطريقة ما في الوصول إلى بر النور….” وبالفعل تم الإرسال كما تم الاستلام من هيئات وجهات ربما لم تتوقعها،  فهل من رسالة أو رسائل جديدة  تشحذ لها قلمك وتجند لأجلها دواتك وتستعد لإرسالها في بحر تراثنا الفكري والإنساني؟

بالتأكيد ، كما لو أن بإمكاني أصلا أن أتوقف عن الكتابة !..نسأل الله التيسير والتسديد والتوفيق..

 

عن النسوية الإسلامية : شيماء الصراف

                            

hijab20france1 عن  النسويّة الإسلاميّة ..

شيماء الصراف

  النسويّة الإسلاميّة مصطلح ظهر في تسعينات  القرن الماضي. عُقد أوّل مؤتمر دولي للحركة التي وضعته، في برشلونة عام 2005 حيث أُطلقت دعوة ” الجهاد من أجل المساواة بين الرجل والمرأة ” .

هل كلمة “المساواة ” تأتي بالعموم كشعار أم هي مطلب حقيقي يجد له أرضيّة وتطبيقاً في الواقع ؟

الأرجح أنه يأتي كشعار عام يعني رفع الظلم عن المرأة في مجالات تختلف باختلاف المجتمع العربي والإسلامي عموماً الذي تنتمي إليه وذلك بالرغم من وجود قواسم مشتركة بين هذه المجتمعات.

 سؤال يفرض نفسه في البدء : هل كلمة مساواة تتضمّن نفس ماتطالب به المرأة الأوربيّة ؟ فهذه أيضاً تتظلّم وتنادي بالمساواة ، وهي لا تزال تسعى لتحصيل وإرساء حقوق لها هي وقف على الرجل وحده . هنا المقارنة تفرض نفسها، ولنتناول المثل الأكثر قسوة في حياتها : العمل . المرأة الأوربيّة تشكو وتطالب : 

ـ مساواة في الأجور، المرأة تعمل كالرجل تماماً في الجهد المبذول وساعات العمل… وتقبض أجراً أقل منه .

ـ المرأة لا تُقبل في كل الوظائف، الرجل يُقدّم عليها .

ـ  المرأة الحامل تجد صعوبة في العثور على عمل، أو الإحتفاظ بعملها إنْ هي حملت بعد حصولها على وظيفة.

هذا الظلم لا تعرفه المرأة العربيّة والمسلمة في العموم .

وللأمر جذوره: الموقف من المرأة الأوربيّة له مصادره القديمة/ الحديثة بما أنها لاتزال تطبع المجتمع بآثارها . في القرن الخامس الميلادي وفي إحدى المجاميع الكنسيّة (مجمع ماكون) نُوقش إن كان للمرأة روح أم لا ، فقرّر المجتمعون أنها جسم بلا روح واستثنوا أم المسيح مريم (ع).

نعم، على مر العصور كانت المرأة الأوربيّة تتعلّم، تعمل، تشارك في فعاليات المجتمع، في السياسة والحكم لكنها ظلّت، قانوناً، كائناً قاصراً. إنها تنتقل من وصاية العائلة / الأب إلى وصاية رجل آخر بالزواج فللزوج الوصاية الكاملة على أموالها حتى عقود قليلة من الزمن . وهي تفقد اسم عائلتها لتحمل اسمه إلاّ إذا قدّمت طلباً إلى الجهات المختصّة للإحتفاظ به وهو إجراء عمره عقود قليلة هو أيضاً .

المساواة الكاملة بين المرأة والرجل في الإسلام وُجدت منذ أكثر من أربعة عشر قرناً هو عمر الشريعة ، فإن حصل في قواعد الشريعة تقديم أحدهم وتأخير الثاني فلأمر يتعلّق بمصلحة الأسرة ومن ثمّ المجتمع وهما المقدّمتان.

حق العمل للمرأة حق ثابت مطلق في كل المجالات لم يُحد بحد أو يقيَّد بقيد، وجرى تأهيلها بأداة مهمّة للغاية وهي تعليمها القراءة والكتابة، وبدأ الرسول (ص) بأهل بيته فجلب من يعلّم أم المؤمنين حفصة. عملت المرأة، استمراراً لما كان عليه الأمر قبل الإسلام، في المتوفِّر المعروف من المهن والحرف السائدة . ومنذ البدء تسلّمت المرأة مسئوليّات ضخمة في المجتمع الإسلامي وكان منصب المحتسب الذي سلّمه الخليفة عمر بن الخطّاب (رض) للشفاء أبرز وأقوى الأدلّة على ذلك . كانت المرأة تاجرة، صانعة محترفة،  شاعرة، سياسيّة، طبيبة… واكبت المرأة تغيّرات المجتمع وظهور فعّاليّات ونشاطات جديدة فكانت ،إلى جانب ماسبق ذكره، الفقيهة المبرّزة، العالمة، الكاتبة (1) المستشارة في أمور الحكم والسياسة، وتسنّمت رئاسة الدولة في عصور مختلفة (2).

 

الماضي لايموت، إنه خلفيّة للحاضر المستند عليه، فبالرغم من انفصال الدين/ الكنيسة عن الدولة لا تزال المرأة الأوربيّة تعاني معاناة كبرى لإقرار حقوق لها في المساواة بالرجل. إنّ العلمانيّة، التقدّم، الديمقراطيّة…لم تستطع تحرير المرأة من قيود كبّلتها منذ مئات السنين ولا تزال.

وبالرغم من أنّ المجتمعات العربيّة والإسلاميّة في القرون الأخيرة عرفت خراباً بدأ ولم يتوقّف وهو في أتعس تضاهراته اليوم وذلك في معظم المجالات، بالرغم من ذلك فإنّ النظام العرفي الإجتماعي المستند على الشريعة الإسلاميّة أدّى إلى بقاء واستمرار بعض الأمور؛ فمجالات العلم على أختلاف أنواعها مفتوحة أمام المرأة للدراسة ومن ثم العمل، أجور مساوية لأجور الرجل، لا اضطهاد للمرأة الحامل بأي صورة وشكل، بل العكس رعاية وتقدير لوضعها وضرفها الصحّي في أي مجال تعمل فيه (3) .

 

كان لتعامل الفقهاء القدامى مع المرأة منطلقين، الأوّل : المرأة الإنسانة وهنا حكمها حكم الرجل في الأمور؛ المساواة ثم المساواة، المنطلق الثاني أنّ المرأة من فئة “المستضعفين” إلى جانب الرجال والولدان (النساء، آية 75، 98). إنهم الذين تقعد بهم قواهم الجسديّة عن المواجهة إنْ استدعى الأمر، ومن ثم تجعلهم عرضة للإعتداء الجسدي أو النفسي بالتهديد ومن ثم الإكراه…، هنا يجري حماية المرأة بصفتها هذه وسهر يقظ على تحصيل حقوقها. الصورة /الصفة الثانية تقف قرب الأولى وتتّحد معها إنْ اقتضى الأمر.

كتب التراث هي، في غالبيتها، موسوعات تضم، تاريخ، سياسة، اجتماع، أدب، جغرافيا… وكلّ موضوع منها باب يُفتح على عشرات المواضيع في العلوم والفنون وأخبار الناس والمجتمع . في كلّها على الإطلاق تتجاور أخبار المرأة والرجل، صانعا حضارة المجتمع . لا يوجد في أي كتاب نهائيّاً أخبار عن أي نوع من أنواع التنظيمات أو الجمعيّات التي تأسست وقامت للدفاع عن حقوق المرأة، حقوق استُلبت منها أو أرادتها ورفُضت لها.

نعم، قد نلاحظ هنا وهناك إشارات لتعصّب المرأة لبنات جنسها، كذلك اهتمام مكثّف بها ولكنها تصنّف في باب رعاية ” المستضعفين” وهي قاعدة قرآنيّة كما أسلفنا، فنقرأ أن الثريّات من النساء أو اللواتي ينتمين إلى السلطة يقمن ببناء الدور لإيواء الأرامل على الأخص، أو المرأة العالمة تنذر نفسها لتعليم النساء القرآن… ولكن هذه الأمور بالذات يقوم بها أيضاً الرجل الثري أو السلطان، وغالباً ما يقترن ذكر الأرامل بصنف آخر من المستضعَفين وهم الأيتام، كما أنّ تعليم القرآن في مجلس يقوم به رجل وتحضره النساء والرجال على السواء.

 

لا “نسويّة” في تاريخ المجتمعات الإسلاميّة . لم توجد . ولا ذكر لها .

السؤال : هل تحتاج المرأة المسلمة اليوم إلى تكوين جمعيّات ومنظّمات نسويّة للدفاع عن حقوقها ؟

الجواب : نعم .

 

مع المشرِّع الحديث/ السلطة. أمثلة 

ـ المرأة البالغة الرشيدة (متزوّجة أم لا، إرملة، مطلّقة) حرّة التصرّف في مالها، بيعاً، شراءاً، هبة…إلاّ إذا ظهر منها سفه وهو التبذير بما يضر بمصالح الغير وهم الورثة، هنا يُحجر عليها فيمنع تصرّفها بحكم القاضي، فإن هي أظهرت رشداً زال عنها الحجر. القاعدة الشرعية هذه تسري على الرجل أيضاً. “استورد” المشرّع اللبناني قاعدة من القانون المدني الفرنسي تنص على أن تصرّف المتزوّجة بمالها مرهون بموافقة الزوج . تحررت المرأة الفرنسيّة من هذه القوامة المهينة بقوانين متتابعة كان آخرها عام 1965 الذي حرّرها تماماً . حذا المشرّع اللبناني

حذو الفرنسي في رفع الوصاية عنها .

ـ باستطاعة البنت من حين بلوغها(4)  راشدة الإستقلال بسكنها، أفتى بها الشيعة الجعفرية (الإمامية الإثني عشرية) والإمام ابن حزم الظاهري وهو قول الإمام أبي حنيفة نفسه وكذلك الحسن بن حَيّ من علماء الشيعة الزيديّة، في حين فضّل فقهاء المدارس السنيّة الأخرى بقاء البنت ببيت أبيها لحين زواجها كونها عديمة الخبرة بألاعيب الرجال وقد تُخدع، وهذا يعني أن الإرملة والمطلّقة لها حقّ الإستقلال بالسكن . ردّ الطوسي، من فقهاء الشيعة الجعفريّة، على فتوى المدارس السنيّة بأن طالبهم بدليل من القرآن والسنّة على مايقولونه . المشرِّع السوري هو الوحيد الذي تعرّض لهذا الأمر . نصّت المادّة 151 من قانون الأحوال الشخصيّة:” لولّي الأنثى المحرم أن يضمّها إلى بيته إذا كانت دون الأربعين حتى ولو كانت ثيّباً، فإذا تمرّدت عن متابعته بغير حق فلا نفقة لها عليه” (5) .

ـ المشرّع المصري يرد للمرأة حقّاً لها موجود منذ أكثر من 14 قرن. في عام 2000 صدر قانون الخُلْع في مصر. الخُلْع هو تحريرالزوجة نفسها من زوج تكرهه ومن ثم لا تستطيع القيام بواجباتها المترتّبة على عقد الزواج .إنها تفتدي نفسها برد مادفعه لها من مهر. نصّت عليه الشريعة من قرآن وسنّة .الآية 29 من سورة البقرة :” فإن خفتما ألاّ يُقيما حدود الله فلا جُناح عليهما فيما افتدت به”، نزلت في حبيبة بنت أبي سلول التي اشتكت لرسول الله (ص) بغضها لزوجها الصحابي ثابت بن قيس، وطلبت منه أن يفرِّق بينها وبينه. في كل الروايات التي جاءت متقاربة في كلام الصحابية حبيبة، لم يناقشها الرسول (ص) في الأمر، الكره والبغض لأسباب نفسيّة فلا علاج لهما، سألها (ص) : هل تردّ عليه ماأعطاها من مهر، أجابت بالإيجاب . الحل عادلاً فالزوج لا ذنب له وهو في الغالب، يريد زواجاً آخر واسترجاع المهر يمكّنه من ذلك .

قد لا تملك الزوجة مالاً تفتدي نفسها به. دفع الخليفة الراشدي عمر بن الخطّاب (رض) مال الخُلْع من بيت مال المسلمين. القاضي سعيد بن سليمان الغافقي ، أحد قضاة قرطبة في القرن الثاني الهجري/ التاسع الميلادي، دفع بدل الخُلْع من ماله الخاص. جوّز الفقهاء دفع المال من شخص ثالث. الفقيه التابعي أبو بكر المزني قال: لا يحل للزوج أن يأخذ من زوجته شيئاً، استند في فتواه على آية :” وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وءاتيتم إحداهنّ قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً” (النساء، آية 20) (6).

ـ إنّ أسوأ ماقام بفعله المشرِّع الحديث هو تبنّي قواعد قانون العقوبات الفرنسي، نصّاً، فيما يخص بقتل الزوجة حين مفاجئتها بفعل الزنا، والقتل امتياز للرجل فقط فهو عذر مخفِّف للعقوبة أما المرأة فلا تستفيد منه وتعتبر جريمتها جريمة قتل عاديّة إلاّ إذا أُخذ بعين الإعتبار الدافع العاطفي .

قام بهذا المشرِّع المغربي، المصري، الليبي، العراقي الأردني. المشرع العراقي والليبي والأردني جعلا العذر المخفّف للعقوبة يسري أيضاً على قتل الرجل إحدى محارمه حالة مفاجئتها بفعل الزنا، أمّا المشرع السوري واللبناني فقد اعتبرا قتل الزوجة كذلك المحارم عذراً “محلاًّ” أي عافياً من كل عقوبة.

مجلس النوّاب الأردني رفض مرّتين طلباً تقدّمت به جمعيّات نسويّة في الأردن كذلك منظّمة هيومن رايتس بتعديل المادّة 340 من قانون العقوبات التي تفرض عقوبة مخفَّفة على مرتكبي جرائم الشرف .

لا جرائم شرف في الشريعة الإسلاميّة، والمرأة، زوجة أو محرم، ليست ملكيّة خاصّة للرجل. وإن كان فعل الزنا، في أحد وجوهه، يهدّد أستقرار العائلة وبالتالي المجتمع فإنّ الرد عليه لا يرجع للرجل فليس له ولاية شخصيّة في تكييف الفعل وإصدار حكم وتنفيذه، هناك دولة وقضاء يقف أمامه بالتساوي مرتكب أي فعل مخل بالقانون وهذا يعني الرجل والمرأة على حد سواء .

إثبات فعل الزنا له قواعده في الشريعة: أربعة شهود يتوفّر بهم البلوغ والعقل يشهدون على رؤيتهم الفعل الجنسي مثل ” الرشا في البئر” أو المرود في المكحلة” (7). إنّ تقدّم ثلاثة للشهادة فقط تجعلهم يُعاقبون بتهمة القذف أي التهمة بالزنا. كذلك هناك جملة إجراءات دقيقة تحيط بإداء الشهادة لخطورة الإتهام بهذا الفعل .

مفاجأة الرجل لزوجته بفعل الزنا ـ ببيت الزوجية مثلاً ـ وكونه الشاهد الوحيد، هي حالة خاصّة أوجدت حكماً خاصّاً بها: تطبيق اللعان. يحضر الإثنان أمام القاضي يحلف هو أربع مرّات على صدق دعواه والخامسة يستنزل بها لعنة الله عليه إن كان كاذباً، وتحلف المرأة بدورها على كذب ماادّعاه والخامسة أن غضب الله عليها إن كان قد صدق فيما قاله (8) . حين الإنتهاء تحصل الفرقة وتكون أبديّة، وهو حديث الرسول الكريم (ص) ” المتلاعنان لا يجتمعان أبداً “، تحرّزاً من أي ضغوط قد تمارس على المرأة من عائلتها إنْ رغب الرجل الإقتران بها من جديد، فرغبته هذه نوع من تبرئة للمرأة و رد اعتبار لها ولعائلتها في حين أن هناك احتمالات روعيت بدقّة في حكم الشريعة قرآناً وسنة : الشريعة أمرت بالستر بل وشدّدت فيه، هنا الزوج قد شهّر بالزوجة، فإن كان هناك أبناء فسيكبرون وقد يعيّرون بما اتُّهمت به أمهّم، إن إقدام الزوج على التشهير بزوجته قد يكون بدافع حقد وكراهية أو انتقام منها أو عائلتها ولذا فإن حديث الرسول (ص) جاء لحماية المرأة فأيّ حياة ستستأنفها مع رجل أهانها وحقّرها. الأمر الآخر أن المرأة لا تغدو ملكيّة للرجل بعقد الزواج فإن هي أخلّت بشروطه فليس له مسّها بسوء بل طلاقها إن لم يعد يرغب في مواصلة الحياة الزوجيّة معها.

لا جرائم شرف أو غسل عار في الشريعة . الزوج يقتل زوجته فيُقتل بها. الزوج يقتل رجلاً بدعوى إنّه وجده في وضع جنسي تام مع زوجته، يُقتل به إن لم يقدِّم أربعة شهود يشهدون بذلك .

 

المشرِّع الفرنسي ألغى القواعد المختصّة بالزنا من قانون العقوبات وذلك عام 1975، وبقيت في قوانين الدول العربيّة/ الإسلاميّة شاهد تبعيّة مُذِلَّة .

 

المرأة وفقيه اليوم

بالعموم الفقيه المعاصر يعيش خارج مجتمعه تماماً، وفي الغالب ينطلق من مواقف ذاتيّة ضيّقة .

إنها فتاوى، أحكام، كتابات تقع في نطاق الأعاجيب الخارجة عن الزمان والمكان، فهي لا تحسب حساباً للمتغيّرات التي تطرأ على المجتمع .

ويهمّنا منها مايتعلّق بالمرأة :

ـ منذ عقود ليست بالقليلة وكتّاب من مختلف المجتمعات العربيّة/ الإسلاميّة يكتبون ـ بتفنّن  في الحجج والتخريجات ـ ضد عمل المرأة خارج البيت، فعليها أن تبقى فيه. مهمّتها وعملها ينحصر في  رعاية الزوج والأطفال والعناية ببيتها، هناك عديد الردود على كلامهم أكتفي بواحد فقط، الرجل والمرأة يعملان خارج البيت بهمّة مع هذا لايستطيعان الوفاء إلاّ بصعوبة بمتطلّبات الحياة اليوميّة للبيت وتربية الأطفال، فكيف إن تخلّت المرأة عن عملها؟ هذا مع العلم أن المجتمعات عموماً تشكو البطالة وأن سعيد الحظ من يلقى عملاً. هذا التيّارلم يتوقّف إلى هذه اللّحظة .

ـ فتوى شيخ الأزهر عام 2009 بإباحة إجهاض المغتصَبة “حسنة السمعة” . نقول : الإجهاض لا يتوقّف على فتوى في الوقت الحاضر. حرّمه بعض الفقهاء القُدامى وأحلّه آخرون على أن يتم قبل الأربعة أشهر من الحمل، أي قبل تخلّق الجنين (9). هذا أمر والأمر الثاني ماهو معيار حسن السمعة أو سوءها ؟ الطفل الذي سيولد من إمرأة صُنِّفت على أنها” سيئة السمعة” كيف سينشأ وكيف سيتربى عضواً صالحاً في المجتمع؟ هل الفتوى عقوبة للمرأة ” سيئة السمعة” ؟ كان الأولى إتباع سلوك الفقهاء القدامي في قواعدهم المتشدّدة في حماية المرأة في مثل هذا الوضع وأوضاع مماثلة ومشابهة أُخرى .

ـ منع الإختلاط . يحتوي عدّة أمور :

         ـ فتوى عام 2007 بإرضاع المرأة زميلها في العمل منعاً للخلوة المحرَّمة وليكون اختلاطها به شرعيّاً.

         ـ حكم قضائي عام 2009 : السجن والجلد لإمرأة عمرها 75 عاماً بسبب الخلوة غير الشرعيّة. دخل إلى بيتها شاب ورجل في الخمسين يحمل لها خبزاً. الحادث حصل جنوب مدينة الحائل في المملكة السعوديّة.

         ـ  عام 2009 وقّع 35 عالم سعودي على عريضة تطالب وزير الإعلام السعودي بحظر ظهور المرأة تماماً في وسائل الإعلام .

         ـ عام 2010 فتوى الشيخ عبد الرحمن البراك بمنع الإختلاط بين الرجل والمرأة .

         ـ أصدر الشيخ البراك بعدها فتوى أُخرى بقتل كل من يسمح بالإختلاط بين النساء والرجال في ميادين العمل والتعليم. طالب الأزهر بسحب فتوى البراك .

الفقيه يستند في فتواه إلى الشريعة قرآناً وسنة. السؤال في أي آية قرآنيّة ورد منع الإختلاط ؟ مهمّة السنّة النبويّة هي الشرح، التفصيل، التأكيد، إنشاء حكم جديد . وفي كل هذا يجب أن لا تخالف حكماً قرآنيّاً والمخالفة هي من المعايير التي اعتمدها العلماء لتشخيص  السنّة الموضوعة إنْ حديثاً أو فعلاً. نقرأ خلطة النساء بالرجال في الدولة الأولى، دولة الرسول الكريم (ص)، خلطة في كل المجالات الحياتيّة على الإطلاق : السياسية، الإجتماعيّة، الإقتصادية… خلطة حقيقيّة ليست سطحيّة ولا عابرة. وعليه جرى الأمر في العصر الراشدي وماتلاه من العصور .

المرأة التي سُجنت وجُلدت وعمرها 75 عاماً لاستقبالها رجلين في البيت، أليست هي من صنف ” القواعد” ؟ ألم يكن لها شفيع في هذه الآية ؟ (10) .

 

نعم للنسويّة الإسلاميّة اليوم .

 

على المرأة أن تكون جادّة، عازمة . عليها أن لا تغفل ولا للحظة واحدة .

كيف؟ وما هي نقطة البدء؟ للمجتمعات العربيّة/ الإسلاميّة أمور مشتركة، ولكن لكل مجتمع عوامله المكوِّنة له  وضروفه التي تفرز خصوصيّات يتميّز بها .

أمثلة :

ـ جرائم الشرف (غسل العار) .

جاء في تقرير التنمية للأمم المتّحدة لعام 2009 عدد تقديري لجرائم الشرف؛ 5000 آلاف إمرأة . الأردن هي الأولى، ثم لبنان، فلسطين، مصر، العراق.

ـ  عَضل البنت (منْعها من الزواج)

في مارس عام  2009 وفي مناطق عديدة في السعوديّة قاضت 61 فتاة آبائهنّ لحرمانهنّ من الزواج. لجأت الفتيات المتضرِّرات إلى فروع جمعيّة حقوق الإنسان في الرياض، جدّة، مكّة، جازان، الشرقيّة، وطالبن بإنقاذهنّ وحسم الخلاف مع أولياء أمورهن. أثبتت التحقيقات أنّ في معظم الحالات يكون الأب طامعاً في راتب البنت الموظّفة، فهو يستولي على المال، ويرفض المتقدِّمين إليها لكي لاينقطع هذا المصدر المادّي عنه .

أقول : إنهنّ فتيات يتميّزن بالشجاعة والعقل، سويّات النفس .

المنع من الزواج قد يكون سبب انحرافات مختلفة للبنت وأمراض نفسيّة .

مُنع العضل في سورة النساء، آية 19 . حديث الرسول (ص) :” إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه، ألاّ تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض” . حديث :” لا ضرر ولا ضرار”.

ـ صورة أُخرى للعضل: زواج القرآن

في 28 تموز عام 1995 نشرت جريدة القدس العربي خبراً : في  بعض مناطق الباكستان يزوِّج الأهل بناتهنّ بالقرآن، ليحرموهنّ من الميراث أو لأسباب اجتماعيّة أُخرى. تصدّى لهذه الحالة مجلس العقيدة الإسلاميّة الذي وصف  هذه الممارسات بأنها ” غير إسلاميّة وغير إنسانيّة وغير أخلاقيّة على السواء” .

هذه الظاهرة لم تمت. في 13 شباط عام 2007 نشرت صحيفة السياسة الكويتيّة أن في إقليم السند جنوب شرق باكستان على الحدود مع الهند يتم تزويج الفتاة للقرآن الكريم بطقوس خاصّة، ويمتنع عليها الزواج بعد هذا من أي رجل. هذه المرّة أيضاً تصدّى لهذا الفعل الباكستانيون من علماء دين واجتماع ومفكّرين، ووصفوه بأنه:” استغلال الدين لحرمان المرأة من حقوقها الطبيعيّة في الزواج والإنجاب والميراث وحق الحياة نفسه” .

إن زواج القرآن يعني : أن تهجر المرأة الحياة بكل ماتعنيه الكلمة وتتفرّغ للعبادة، وهذا مخالف للشريعة فلا رهبانيّة فيها.

هذه الممارسة وُجدت في القرون الوسطى في البلدان الأوربيّة فكانت البنت تُجبر من رجال العائلة على التزوج من الكنيسة الذي يعني دخول الدير والإنتظام في سلك الرهبنة، وبالتالي اعتزالها الحياة واسقاطها لحقوقها . كان الأمر يتم في المقام الأول لعزلها عن الميراث باعتباره من الأمور الدنيويّة. تكفّلت التغيّرات التي مرّت بها المجتمعات بمرور الوقت، بالقضاء على هذا الفعل حتى عادت المرأة حرّة تماماً في أن تترهبن أو لا.

ـ تطليق المرأة لإنجابها البنات.

في دراسة قام بها الجهاز المركزي للتعبئة العامّة والإحصاء في مصر في 30 مارس 2010 تبيّن أن هناك 10 آلاف طلاق  سنوياً بسبب إنجاب البنات .

وبالطبع الأمر لا يقتصر على المجتمع المصري .

جاء في الحديث :” من يُمْن المرأة أن تلد أُنثى قبل الذكر، إن الله بدأ بالإناث فقال” يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور” (الشورى، آية 49) .

 

نعم للنسويّة الإسلاميّة اليوم.

سيكون الدرب شاقّاً وليس بالقصير؛ فعليها مواجهة : 1 ـ المشرِّع الحديث . 2 ـ الفقيه المعاصر. ولكن للمرأة أسلحتها : اكتساب العلم، الصبر والعمل الدؤوب المثابر

أُذكِّر المرأة في نهاية حديثي أن عليها في كفاحها هذا عدم معاداة الرجل واستهدافه، بل محاولة دائميّة لكسبه إلى قضيّتها . إنه يعاني القمع والقهر في المجتمع هو أيضاً، إنما قد تختلف الأسباب والمجالات لا غير.

 

 

الحواشي

1 ـ الكاتب هو من أعلى وظائف الدولة على الإطلاق، فهو يكتب الكتب أي الرسائل للسلطة من خليفة أو وزير، أمير، والي… ويجب أن يتحلّى بثقافة واسعة، وخصوصاً معرفة بالعربية والأدب، وخط جميل رشيق. وقد اشتهرت عدّة كاتبات نساء في عصور الحضارة .

2 ـ على سبيل المثال : الملكة أروى الصُّليحيّة في اليمن، ت532هـ ـ 1138م . زمرّد خاتون، صفوة الملوك حكمت في دمشق، ت557 هـ ـ1162م. بنو خورشيد أسسوا دولة في لورستان الصغرى كان من بين ملوكها دولت خاتون، القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي. دولة خانات قتلغ في كرمان، كان من بين ملوكها صفوة الدين بادشاه خاتون، القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي .

3 ـ صدرت فتوى في السنين الأخيرة أن للمرأة أن تكون مفتية في مسائل النساء فقط. المرأة مفتية منذ عصر مابعد النبوّة وفي جميع المسائل إطلاقاً . وكانت زينب ربيبة رسول الله (ص) بنت أم المؤمنين أُم سلمة أفقه نساء زمانها، يذكرالعالم المؤرِّخ ابن كثير في أن رجلاً ذهب إليها ليستفتيها في مسألة، ويصفها:”وهي يومئذ أفقه إمرأة بالمدينة”، وقوله يدل على وجود العديد من النساء الفقيهات. أما القضاء فقد أجاز الإمام أبو حنيفة أن تكون المرأة قاضية تنظر في كل الأمور عدا الحدود والدماء . الإمام الطبري لم يستثن؛ فقد أفتى بجواز قضائها في كل المسائل على الإطلاق .

4 ـ عند جمهور الفقهاء البلوغ يتم بالعلامات الجسديّة .

5 ـ الثيّب : المرأة التي ترمّلت أو طلُّقت بعد حصول الدخول .

6 ـ أحكام الخلع مفصّلة في كتب المدارس الفقهيّة وكتب الفقه عموماً .

7 ـ وهي عبارات الرسول (ص) التي قالها للمقر أمامه بالزنا .

     الرشا: الحبل . المرود : أداة وضع الكحل في العين.

8 ـ سورة النور . آية من 6 إلى 9 .

9 ـ مراحل التخلّق، أنظر سورة الحج، آية 5 . المؤمنون، آية 14.

    ونذكر هنا إتماماً للفائدة أن منع الحمل أباحته السنّة النبويّة بإسم ” العزل”، وعليه تمّ قياس الوسائل الأُخرى لمنع الحمل في العصور اللاّحقة . 

10 ـ ” والقواعدُ من النساء اللاتي لا يرجُون نكاحاً فليس عليهنّ جُناحٌ أن يضعن ثيابهنّ غير متبرِّجات بزينة وأن يستعففن خير لهنّ ” . سورة النور، آية 60 .

 

المصادر

ـ الإصابة، الإمام العسقلاني

ـ الأعلام، الزركلي

ـ بداية المجتهد، الإمام إبن رُشد

ـ تفسير ابن كثير

ـ الخلاف، الشيخ الطوسي

ـ الدول الإسلاميّة  S POOLE _ NELA

ـ العقد الفريد، إبن عبد ربّه الأندلسي

ـ قضاة قرطبة، محمد بن الحارث الخُشَني

ـ لسان العرب، إبن منظور

ـ المُحلّى، الإمام إبن حزم

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

من البوصلة القرآنية و عبر نموذج تفسير الرشد (2) دمشقي معبراني

 

 

 

من البوصلة القرآنية و عبر نموذج تفسير الرشد إسقاط على أرض الواقع (2)

 

بقلم : دمشقي معبراني

نتابع مع السؤال الذي ختمنا به المقالة السابقة (1): هل يعني ما سبق  ذكره هدم وإلغاء المكتبة ….؟؟؟!!!

والجواب الذي أصلا كان مكنونا في طياتها : على العكس تماما نحن أولى بها و بإقامتها وخاصة أن أعداء الإسلام هم الذين يسعون ويعدون العدة  لدكها دَكًّا دَكًّا , وقَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ومن خلال دراسة لمؤسسة راند(2) مثالا : تقترح استراتيجية متكاملة لتغيير وإعادة بناء الإسلام منطلقة من قراءة تميز انقسام المسلمين الى الأصوليين و التقليديين و التحديثيين و العلمانيين .

ومما تقول به هذه الاستراتيجية ضرورة الدعم المالي والسياسي وبأشكال كثيرة للقسمين الأخيرين لأنهم الأقرب للغرب من حيث القيم التي يتبنونها والسياسات التي يدعون إليها , بالإضافة إلى تشجيع الوعي العام بالثقافة والتاريخ غير الإسلاميين في الدول الإسلامية فيما قبل الإسلام , وإتباع استراتيجية (فرق تسد) بين الجماعات الإسلامية. وبصفة خاصة بين الأصوليين والتقليديين و تشويه سمعة مشايخهم و….و……و……..إلى غير ذلك من الكثير من جوانب هذه الاستراتيجية التي يجري تطبيقها فعلا على ارض الواقع و في أجهزة الإعلام وفي مناهج الدراسة .

وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ ووصولا للحظة الدك الحاسمة أَكْبَرُ مما تتخيلون قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ وقبل فوات الأوان إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ أو تقرأون, ولذلك لا بد وقبل أن تدك المكتبة معنويا وماديا من إنقاذها و إحيائها عبر الرجعى إلى الاستعانة بربنا وعبر ضياء الكتاب بداية مع إقرأ من جديد إذ بدأ الدين غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء  وصولا إلى تحريرها من طغيان الذي تجاوز الحد المرسوم لها ويريد أن يجعلنا نأكلها لَمًّا عكس ما أراد الله دون تفريق بين طازجها و مد سوس سمها وألغامها المفخخة التي حان وقت تفجيرها , ومن دون أن نترك أو نقف على الأقل أمام مشكوك فهمها السطحي وصولا إلى وهنها و إثباطها بقيود ما أنزل الله بها من سلطان عن النهوض والقيام بما كانت أصلا قد صدرت لأجله  .

وسيقولون لنا لا تخف …لقد أجمعت الأمة عليها … ولنقول آه من هنا تبدأ المشكلة… لقد انتهى الحلم .. ولكن ابتدأت الرؤيا..ولنسأل باستغراب أبناء أمام آبائهم : نعم تجتمع أحيانا الأجساد والأقوال ولكن أي إجماع هذا عندما نراه بإسقاط على أرض الواقع وقد تفرقت القلوب ووهنت ولآل فرعون وقد أثقلتها شهواتها رضخت ليسومونها سوء العذاب يذبحون أبنائها ويستحيون نسائها وفي ذلك بلاء من ربها عظيم .

طبعا ومن أجل أن لا ندع الأكل لَمًّا فنعصي أمر الله  ونحن نظن بحسن نية أننا نطيعه  سنسمع الكثير من نقل أقوال تأكيد الإجماع عن الأكل لَمًّا وربما المدعمة من التوبيخ إلى التحذير إرهابا بسيف التكفير لمن يخرج عن ذلك, وعوضا أن نتعاون ونأخذ بأيدي بعضنا وبأيدي أولادنا إلى الإيمان والهدى الحقيقي وفي ذلك جوهر الجهاد الأكبر و الأصغر وحقيقته سترانا وبعد أن تتبين لنا الحقيقة نذبح أولادنا وأولاد غيرنا ذبحا معنويا قد يصل إلى المادي عند البعض ويظن نفسه مجاهدا في سبيل الله إلا أنه وبعد أن تتبين الرؤية والحقيقة في النهاية وينتهي الحلم وتدك الأرض دَكًّا دَكًّا… سيستفيق وفطرته ويقول يا ليتني قدمت لحياتي ولحياة أولادي وأولاد أخي …..

آه يا ليته استفاق من حلمه من البداية ورجع إلى ربه واستمد منه نورا يضيء له طريق الحياة ليرى أنه وبوسوسة الشيطان الحرور كان يذبح ابنه سيرا على أصول الإفناء وهو يظن تمام الإطمئنان أنه يحيه ويدافع عنه سيرا على أصول الإحياء تحت ظل الله , أو ربما كان يدري أنه يذبحه ولكنه كان يظن ذلك ويفتيه إقتداءا بسيدنا ابراهيم تبعا للأمر الإلهي الذي أخذ صورته و حرفيته ولم يفقه أو يعقل المعنى والسر الإلهي من وراءه فإذا بكثير من هذا البعض لا أصولي أصلا قال تعالى : وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) سورة فاطر

ومن ثم وإلى أن تتبين الحقيقة ومع أملنا أن يكون ذلك قبل فوات الأوان لا يبقى لنا بد إلا أن نصرخ بأعلى أصواتنا نعم لقد أجمعت الأمة عليها … لقد أجمعت الأمة عليها ولكننا حبسناها ورفعناها على رفوف أثرية في أبراج عالية بعيدا جدا عن إسقاطها والاستفادة منها في نهضة وقيام حياة طيبة على أرض الواقع الحياتي الذي نعيش فيه والذي من دون تفاعلها معه لتبتعد عن النضخ بالحياة من جديد و لتحتضر وتكاد تموت ونموت معنويا وماديا…. فهل سنبقى بعد ذلك مجتمعين على الاحتضار والموت أم لابد من العودة معا إلى الإحياء والإنقاذ والإصلاح مع سنة رسول الله (ص) الحكيمة في المعالجة والإسقاط على أرض الواقع وبتوكل على الحي الذي لا يموت

ولنبدأ بقول الله تعالى : قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (سورة الأنعام -149)

و مع قولهم إن كنت مدعيا فالدليل وإن كنت ناقلا فالصحة ,سنقول نعم ذلك صحيح ولكن السؤال: ناقلا عن من….؟؟؟!!!

ولنضرب أهم الأمثلة فنقول عن الله تعالى عبر رسوله (ص) و نسأل هل ادعى رسول الله الرسالة بدون دليل وكما يقول بعض أدعياء العلم والموضوعية (3) أم لله الحجة البالغة….؟؟؟!!!

فإذا بالنتيجة عن المقدمات السابقة لتتبين :أي فالصحة إن كنت ناقلا عن مدع لا بد أن يطالب وعلى حد القول : إن كنت مدعيا فالدليل

نعم على المرء أن يؤمن بالله ورسوله على الجملة ويسلم بالتفصيل وذلك حق قال تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (سورة الحجرات -15)

ولكن أليس في ذلك إشارة إلى أن إيمانهم وإن كان على الجملة ومن أجل أن لا يرتابوا و لا يكونوا من المشركين أن يكون مؤسسا تأسيسا قويا وبتصديق قوي مبني على رؤية أن لله الحجة البالغة , رؤية لا تتحقق فعليا إلا عندما تتطابق ويرى إسقاطها  رشدا بحق لا وهم على أرض الواقع الحياتي :

 ومن جهة أولى بما أنزل الكتاب بمجمله من أجله أي على الواقع المعنوي والقلبي والفطري والروحي …. الذي نعيش به وحيث  إقامة الدين القيم عبر أقم وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا بفقه واستشعار قلبي تعظيمي حقيقي ومائل بالمحبة لا فقط إقراري  نقلي للسر من الخلق ….. يقول تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) سورة الروم و فعلا من دون تلك الرؤية الفطرية وعبر الفطرة الكاملة لرسول الله (ص) سنكون كل حزب بما لديهم فرحون وسواء ممن سبق ذكره من الأصوليين و التقليديين و التحديثيين و العلمانيين … أو ممن يخرج من تقاطعاتهم بنسب متفاوتة وقد هيئوا وبرمجوا أصلا لذلك وعلى نهج شيطاني قديم استجابوا له هو من أوحى لهم بتفرقة دينهم ليضعف جسده وينسل من روحه ويميله عن مقصده.

ومن جهة أخرى وبارتباط عبر الأولى ومن أجل نهضة وقيام الحياة الطيبة بتنزيل تدريجي حكيم على الواقع المادي الذي نعيش عليه ونأخذ نموذج تفسير الرشد الذي يقول به الدكتور محمد باباعمي مثالا بعنوان :مقاربة الآية القرانية : من التفسير القاموسي الى الرؤية الكونية برابط:  http://www.quran4nahda.com/?p=1316 ونقتبس من قوله:

(أنَّ “تفسير الرشد”، قبل أن يهتمَّ بالمعاني، يصبُّ جهده على ما قبل “المعنى”، وعلى حقيقة “الإدراك”، وعلى “النماذج” التي ترسم خريطة عقل الإنسان، وعلى “الرؤى الكونية” التي تشكل محيطات العقل وشواطئه… إنه تفسير يعنى بـ“البراديم”، و“بالمعرفة” ابتداء وانتهاء… ولا يلغي المداخل الأخرى: مثل اللغة، والتاريخ، والفقه… الخ.

فهل سندرك ميلاد نموذج “تفسير الرشد”؟ أم أنَّه سابق لأوانه؟ أم أنه مرفوض من أساسه؟
أترك الجواب للعلماء، والمفكرين، والنقاد… مجتمعين لا متفرقين… والله ولي التوفيق.) انتهى الإقتباس

وليتضح لنا أن البصير لن يعمل جيدا على أرض الواقع وبتوازن حكيم تحت نور الكتاب والمخطط الحق إلا مع النظر بعينين معنوية ومادية مما يمكنه من المطابقة بين الجهتين وربما الاستدلال عبر هذا التطابق بالعين الأولى عندما تبصر على العين الثانية عندما تغلق وبالعكس حتى تمام التطابق وصولا إلى قيام الحياة الطيبة بالحق

يقول تعالى : وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105) وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (106) قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109) سورة الإسراء.         ومع قول وعلى الأغلب لسيدنا علي رضي الله عنه :

دواؤك فيك وما تشعر    وداؤك منك وما تُبصر
وتحسب أنّك جرم صغير   وفيك انطوى العالم الأكبر
نرى أن معنى انطوى من جهة قد تعني أن العالم الأكبر كله قد سخر لك وأنت وإن أقررت بذلك قولا وحتى فكرا إلا أنك لم تشعر بعظمة الله من خلال عطاءه و إمداده لك وبالتالي لم يتحرك قلبك فلم  تشعر به ولم تر منه أو تعقل أو تفقه  فطرته على طلب وحب الحياة الحقيقية  ولم تخشى بالتالي انقطاع مدده  قال تعالى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (19) لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) سورة الحشر

ومن جهة أخرى فالمعنى ربما قد يشير إلى أن نظام العالم الأكبر بأجرامه وبأسراره يتكامل متطابقا مع نظام جرمك الذي تحسبه صغيرا ولا تشعر ولا تفقه عظم مهمته….؟؟؟!!!

ولنقل أنه عبر نموذج تفسير الرشد الفريد أو القيم أو الحكيم أو…. و بتكامل الأخوة عمليا مع بعضهم البعض لتتكامل النظرتين المعنوية والمادية مع بعضهما بالحق ولتزدادا بارتباطهما قوة وسدادا, قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا(70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) سورة الأحزاب

نعم يمكن أن يكون الإيمان عن تقليد بعاطفة لكن ذلك وإن كان فيه خير ونبض حياة فأساسه ضعيف ووضعه مخطر  ويحتضر خاصة في هذا الزمان الذي تنحل فيه عقد رباط الإيمان اللازم لجمع القلوب بسهولة لم تكن تخطر من قبل على بال النفاثات بالعقد , قال تعالى : وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15) سورة الكهف

إلا أن ذلك لا يعني بأي وجه من الوجوه أن التفصيل (فكيف بالجملة) لا يقام لهم دليل ولكن عرفه من عرفه وجهله من جهله , إن المشكلة تأتي أولا من الغافل عن غفلته الذي يدعي أن لا دليل لدى من نقل عنه …؟؟؟ وثانيا الطامة من المقلد الأعمى الذي يثبت ويوثق المشكلة ويزيدها تعقيدا. والأولى أن يسألا عن الدليل في كونهما مدعيان أنه لا دليل لدى من نقل عنه …؟؟؟ أليس إدعائهم هو دليل أن الكثير منهم لا تقليدي أصلا  لأن التقليد في حقيقته تقليد وإتباع شخص أعمى  لمبصر وصولا إلى الإبصار لا تقليد أعمى لأعمى ومن أجل التقليد الأعمى نفسه , لا بل الأمر هنا لا ينفع أن يكون المبصر بعين واحدة إذ لا بد أن يكون بعينين معنوية أولا ومادية ثانيا ليكون بصيرا وبدرجات تتفاضل إلى رسول الله (ص) البصير الكامل في الدنيا والآخرة قال تعالى : وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (سورة فاطر-19)

أليس إدعائهم رؤيا لا دليل عليها أولى أن تسمى برأي ربما يصدر عن عاطفة لا عقل أو في  أحسن أحواله عن عاطفة أمومة غالبة على العقل وإن كان فيها خير فهي لا تنفع في قيادة حياة أمة, رأي لا ربط له مع أي أساس قوي وبالتالي لا علاقة لها مع رؤيا قلوب تعقل وترتبط بأساس بنيان على تقوى من الله ورضوان  قال تعالى:لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) سورة التوبة

ألا يتبين بعد ذلك ورغم حسن نيتهم أنهم يخلطون بين الرؤيتين فيظنون أنهم يحاربون الرؤيا التي لا أساس لها فإذا بهم يدعمونها بدون وعي لا بل يكونون الوسيلة هم أنفسهم في تذبيح أبنائهم وليمنعوا نمو الرؤيا لقلوب تعقل وترتبط بأساس قوي على تقوى من الله ورضوان

ونؤكد من جديد أنه ليس المراد رفض النقل وإنما وبتعاون الأخوة حفظه بالعودة به إلى الأساس والمتن الذي صدر عنه أصلا ليزداد البناء تماسكا و إطمئنانا وليكون السير هنا على نهج سيدنا محمد (ص) وسيدنا ابراهيم عليه السلام  , قال تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (سورة البقرة-260)

فيكون التساؤل أو التشكيك الإيجابي على ما سبق عنصرا أساسيا للإيمان و زيادته وصولا إلى الإطمئنان القلبي وليتضح بعد ذلك معنى من قول رسول الله (ص) :) نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال رب أرني كيف تحي الموتى ، قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي (

 لا بل إن اختلاف وجهات النظر التي قد تنتج عن التساؤل بعد الاتفاق على المقاصد الجوهرية لرحمة نافعة قال رسول الله (ص) اقرأوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فيه فقوموا

 إذ أن القراءة الحكيمة أولا بما اتفق عليه من المقاصد الأساسية نحو إنقاذ حياة قلوبنا وأبنائنا ليجعل من وجهات الاختلاف من جهة إن كانت صحيحة سببا في تكامل النظرة وشموليتها لمختلف مجالات الحياة ودرجاتها ومن جهة أخرى إن كانت خاطئة فستكون سهلة وتلقائية التراجع بعد ذلك الذي قد أهمها لحياتها ولعدم هلاكها وأولادها وأخوتها وما يصلح ذلك فقط ومن غير ذلك لا تكون قراءة حكيمة وكان صلى الله عليه وسلم يقول: “لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا”..

و التأكيد الأقوى لما سبق ومن دون منازع نراه وعبر نموذج تفسير الرشد وبمثال من “البوصلة القرآنية”قد ذكره الدكتور محمد موسى باباعمي في مقالة بعنوان: من النموذج التفسيري إلى نموذج “تفسير الرشد”،البوصلة القرآنية مثالا وبرابط:  http://www.quran4nahda.com/?p=1251

إذ يقول (وبعد أن تحدث في بناء نموذج الرشد وولادة نموذج تفسير الرشد): من أبرز الأمثلة على الفرق بين التفسير الاختزالي والتفسير التركيبي، ما نقرأه في كتاب “البوصلة القرآنية” لأحمد خيري العمري، وبخاصَّة ما ورد تحت عنوان : “اسأل عدوك تعرف نفسك“، وفيه حلَّل الكاتب آيةَ سورة البقرة، في قوله تعالى آمرا نبيه الكريم محمَّدا عليه السلام: “سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة“.

……أمَّا القراءة الثالثة: فقد سماها الكاتب “القراءة العلمية”، ولا شكَّ أنَّ مدلول العلم هنا ليس وضعيا، وقد عرَّفها بأنَّها “لا تجتزئ الآية من سياقها” بل “وتُعاملها جزءا من كلٍّ متكامل”.

ولقد توصَّل العمري من خلال تفسيره هذا، الذي يحمل سمة الرشد، والشمولية، والتركيبية، إلى نموذج استخرجه بدراسة العلاقات في تشابكها، بين الآية والآيات الأخرى، وبينها وبين السنة والسيرة النبوية، وبين جميع ذلك والواقع (سواء في ذلك واقع نزول الآية، أي سبب النزول وظروفه؛ أم واقع تفسير الآية، وهو عصرنا اليوم الذي يفتقد فيه المسلم إلى إعمال العقل حرا غير مقيَّد، بغية اكتشاف الحق لا غير

هذا النموذج هو: “أنَّ الله تعالى دفع نبيَّه للسؤال قصد تحريك العقل بالسؤال وللسؤال“، وبهذا “تدفَّقت الأسئلةُ في المجتمع الناشئ الذي يواجه شتى الصعوبات والتحديات، على بعد آيات من الأمر الإلهي للرسول بسؤال بني إسرائيل، يبدأ تدفق الأسئلة داخل المجتمع المدني”

بوضوحٍ وصراحة، “لقد كُسر الحاجز، وانطلق مارد السؤال من القمقم”.

ويجتهد العمري في بقية فصل “التساؤل” في تتبع نماذج من هذا التدفق الذي حوَّل المجتمع العربي البسيط إلى كيان حضاريٍّ عالميّ المنظور، تحويله من مجتمع “العاطفة” إلى مجتمع “العقل والعاطفة والفكر والفعل…”  المهمُّ أنَّ الكاتب لم يحنِّط عقله، ولم يستسلم للموروث كما هو، ولم يلفَظه كليَّة، كما أنه لم يقبله كليَّة… لكنَّه أعمل عقله في تحليل مركَّبٍ، وانتهى إلى نموذج معرفيٍّ عميق، ليس هذا المقال محلا لبسطه، كما انتهى في الفصول التالية من “البوصلة” إلى نماذج أخرى: “البحث عن الأسباب”، و”الإيجابية” و”الشمول”… الخ. ) انتهى الاقتباس

وفعلا عبر هذه الجوهرة الكريمة: سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آَتَيْنَاهُمْ مِنْ آَيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (سورة البقرة-211)  نرى الحث لنا عبر القرآن الكريم على سؤال بني إسرائيل مع الأخذ بعين الاعتبار أن الجواب سيكون من مكتبهتم طبعا لكن بشرط أن يكون السؤال موجه نحو آيات بينات ويدخل تحتها حقائق عالية القدر نافعة للبشرية  قد قامت عليها الأدلة العلمية الموضوعية ,ثم فإن كان ذلك سيدفعنا إلى أخذ آيات بينات وبتحقيق من مكتبتهم أفلا يندرج تحت ذلك أن نأخذ من مكتبتنا  آيات بينات وبنفس التحقيق , أليس القرآن الكريم بحد ذاته وإن توثق نقله بطريقة جيل عن جيل إلا من مكتبنا …؟؟؟

ألا يتضح لنا الأمر بعد ذلك أن النقل في أصله وجوهره هو لآيات بينات ولما قد نتج وينتج وسينتج عنها من بيان قوي بالأدلة والحجج البالغة ولما يلحق بذلك حقا والذي لن يكون إلا من نفس طينتها, قال تعالى :وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) سورة النحل

ويزداد الأمر جلاءا إذا عدنا وقلنا بقراءة ربما ذات بعد رابع تختصر الزمن لتقول وتعبر بنا إلى قول أن المقاصد أو الحكم من السؤال كان منها الكثير ومن تحريك للسؤال عن الآيات البينات التي أتاها الله ولو لعدوك إلى عودة من جديد مع إقرأ الكتاب لتعرف نفسك ولتكتشف أصالة قيمك ولترى حتى مكتبة بني إسرائيل في آياتها البينات دون باطلها صادرة أصلا عن الكتاب الحكيم والإلهي  وقل صادرة عن إقرأ الكتاب فإذا تبين أن الكتاب بجوهره واحد و قرائته النافعة واحدة ألا يتبين بعد ذلك لنا أنه برجوعنا المباشر إلى نعمة الله علينا في كتابه و مع قراءة على نهج ونور السنة النبوية الحكيمة فسنبدأ الطريق الأقوى والأسرع في الوصول إلى حضارة معنوية ومادية و بتوكل متوازن على الله بين جهة لا تعني ترك الأخذ بالأسباب حتى لو كان منها أخذ آيات منقولات من المكتبة الأخرى, وبين جهة أخرى ترى الأخذ بالأسباب سبب أوجده الله كقانون ليسري الروح والإمداد الإلهي من خلاله كما نرى الكهرباء تسري عبر الأسلاك سلكيا أولا سلكيا فلا ننفتن بماء غدقا يحي الأرض وحضارتها ,وينسى قلبنا وباستشعار تعظيمي لا إقراري قولي وما أسهله أن الأمر بإذن الله وبروح منه , قال تعالى : قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (سورة النمل – 40)

وكنا في تعليق على مقالة الدكتور محمد باباعمي تلك قد أسقطنا  بناء نموذج الرشد وولادة نموذج تفسير الرشد المعنوي الذي تحدث بهم على ما يطابقها في عصرنا وهي تقنية CAD CAM وتفسيرها وسميناها بتقنية بناء نموذج الرشد المادي , فليرجع إلى تفصيل ذلك , والتي لم نرى سر المطابقة فيها إلا لثقتنا بأن هذه التقنية مستوحاة وعلى الجملة من تصميم أو خلق الإنسان…وبالتالي ربما صادرة أصلا عن إقرأ الكتاب. ….؟؟؟!!!…. وللتفصيل في ذلك بقية

فإذا بالحديث النبوي الذي يقول : الحكمة ضالة المؤمن فأين ما وجدها فهو أولى بها

تكاد شحنة متنه وخاصة مع قول أولى بها لتقوى عندما تقترب منه شحنة الآية الكريمة السابقة الذكر التي تحث على سؤال بني اسرائيل

وإن كنا نقر بضعف سنده إلا أن ذلك لا يمنع أن لا نستخدمه في فضائل الأعمال على الأقل  ولا يعني أبدا أن لا يوجد احتمال أن رسول الله قد قاله وإنما حدة ودقة المنهج العلمي لعلماء الحديث الحق استنتجت ذلك ربما عبر سنده , ومن دون أن نغفل أولا أن نقلهم وإن كان لحكم قد تبدو متفرقة إلا أنها في حقيقتها أجزاء ترتبط مع غيرها لتتكامل في قراءة حكيمة وشمولية تنطوي عليها السنة النبوية الشريفة

ومن دون أن نغفل ثانيا أن منهج علمهم كان قائم على التحقيق والتمحيص وبقراءة دقيقة بعينين واحدة للسند و أخرى للمتن الذي كان قد قرأ على ضوء الكتاب الذي صدر عنه أصلا فإذا بنا كخلف متأخر ينسى ويضيع ذلك الترابط والوصل الذي أشار اليه آباء علم الحديث في شروطهم الدقيقة للتحقيق في قراءة المتن وبالتالي على الأكثر أصبحت قراءتنا غير حكيمة وغير سديدة في إسقاطها على أرض الواقع لأننا لانقرأ على الأغلب إلا بعين واحدة فقط

وخلاصة القول إنه مع كل مجالات الحياة المادية والمعنوية وباختلاف مناهج البحث العلمي وتعدد فروعها  لو أسقطنا الآيات البينات عبر منهج نموذج تفسير الرشد الحكيم ومن البوصلة القرآنية: لحققنا من المقاصد ما قد سبق ذكره في ذلك  ولتحققنا رأي العين من شمولية الإسلام  أصلا لكل هذه المجالات ,قال تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (سورة يوسف -108)

 هذه الحقيقة سترى بالأفق الأعلى للعلوم البشرية ولمناهجها, قال تعالى :سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (سورة فصلت -53)

وكذلك في الأنفس وباختصار أو طي للزمن ترى بالأفق الأعلى لها لمن استطاع أن يحرر عقله ويقرأ الكتاب بضياء من الله يضيء جواهر الكتاب الكريمة فتنير لنا بنورها ظلمات الطريق إلى الله طريق الحياة الطيبة الآخرة وبعبور من الحياة الطيبة الدنيا …ومن المعنوية إلى المادية

وللكلام بقية……

 انظر : 1-المقالة السابقة : عبر البوصلة القرأنية إسقاط على أرض الواقع (1) برابط :

http://www.quran4nahda.com/?p=1325   

2- تقريران لمؤسسة راند باللغة الانكليزية من موقع القرآن من أجل النهضة عن بناء الاسلام المعتدل ، و دمقرطة الاسلام:

Rand             :   http://www.quran4nahda.com/wp-content/uploads/2010/03/rand.pdf

Rand 2          : http://www.quran4nahda.com/wp-content/uploads/2010/03/rand2.pdf

3- انصر أخاك ظالما أو مظلوما قراءة في كتاب زكريا أوزون “لفق المسلمون إذ قالوا”

http://www.quran4nahda.com/?p=611

 

 

 

لقاء في معرض ربيع الكتاب الاول في دمشق

 

 

على هامش معرض ربيع الكتاب الاول الذي يقام في دمشق على حدائق الجلاء في المزة ، و ضمن فعاليات المعرض المختلفة كان هناك موعد للقاء الدكتور العمري مع قرائه و ذلك يومي الجمعة 9/ 4 و الاربعاء 14 / 4 و ذلك في جناح دار الفكر في المعرض..لقاء يوم الجمعة لم يشهد حضورا كبيرا ( نحسن الظن بالقراء ، ربما موجة البرد  في يوم الجمعة الماضي هي التي منعت القراء من التواجد يوم الجمعة ، أو ربما تقاليد السيران -النزهة- الشامية العريقة!)..

لكن يوم الاربعاء شهد حضورا شبابيا إستثنائيا ، و كانت فرصة للدكتور أن يلتقي ببعض قرائه الذين سبق له التواصل معهم عبر الموقع ، و آخرين متابعين ربما لم يشاركوا  بشكل واضح في الموقع بأسمائهم ، لكنهم مشاركون في تداول الأفكار و في التفاعل معها..

من بين الحاضرين بقوة ووضوح كان اعضاء موقع “حكيم” ، و هو موقع على الشبكة خاص بطلاب كلية الطب في جامعة دمشق ، و كان حضورهم متميزا للغاية ، و نتمنى لهم كل الخير و التوفيق في كافة الاصعدة..

كما كان الحضور الحمصي مميزا ، حيث جاء الحماصنة في مجموعتين ، واحدة مجموعة نسوية جاءت مبكرا ، و أخرى ذكورية شكلت نسبة مهمة من مبيعات ذلك اليوم في المعرض!!

نتمنى أن يكون نتاج الدكتور العمري أهلا لثقة قرائه ..و نشكر الجميع على تواصلهم…

 

100_1064

 

 100_10651

100_1139100_1108

 

100_10702100_1071100_1077100_1082100_1086100_1089100_1091100_1092100_1096100_1093100_10941100_1101100_1128100_11281

في الإمارات ….

dsc071373

 

أثناء زيارة سريعة لدولة الإمارات العربية المتحدة ، تشرف الدكتور العمري لأول مرة بالتفاعل  المباشر مع قرائه في دولة الإمارات و ذلك عبر لقاءين ، الأول في وزارة التربية في إمارة دبي ،  و نظم من قبل الجمعية الطلابية في جامعة الإمارات –العين ..و الثاني من قبل جمعية الإرشاد الاجتماعي في إمارة عجمان ، و تم تنظيمه من قبل جمعية الطالبات في جامعة الشارقة.img_90692

و كان لدولة الإمارات أثر واضح على تجربة العمري ، فأول مقال كتب عنه و عن البوصلة القرآنية كتب من قبل كاتبة إماراتية هي الدكتورة أسماء الكتبي و نشر في صحيفة إماراتية هي “البيان” ..كما إن التواصل مع أحد القراء من طلبة الشريعة الأفاضل (و هو الأخ سالم سيف من إمارة أبو ظبي) قد جعل العمري يدخل تعديلا على النسخة الجديدة من “البوصلة القرآنية”…

تطرق العمري في لقاء دبي إلى سيرته الشخصية و أجاب عن أسئلة الحضور و تفاعلهم ، و قدم في جمعية الإرشاد محاضرة بعنوان “جيل النهضة ” فتحت بابا من النقاشات الممتعة و المفيدة ، كما نظم القسم النسوي من الجمعية لقاءاً على هامش المحاضرة تعرّف فيه العمري على طبيعة عمل الجمعية و على الحراك المثمر بين جيلين لهما من المشتركات أكثر مما لهما من الاختلافات..

لطف و ذوق و كرم أهل و سكان الإمارات لا يحتاج إلى دليل أو إشادة، و اللقاءان انتهيا بأمل بلقاء أطول و أدوم و أكثر إثمارا….