هل كان عليه الصلاة و السلام طبيبا ؟ بقلم محمد حسين عمرو

herbal-medicine2محمد حسين عمرو

كلية الصيدلة- جامعة النجاح            بسم الله الرحمن الرحيم

18/2/2010                        هل كان الرسول طبيبا ؟

هناك مشكلة

      اين هي المشكلة ؟

 المشكلة فينا … في اعماقنا … لها جذور قوية وراسخة ، المشكلة اننا نصر دائما على عدم احترام عقولنا، المشكلة اننا نريد لعقولنا ان تبقى محنطة وتبقى بدون استخدام يعتريها الصدأ والتلف .

 

      ما هي المشكلة ؟

 المشكلة في هذه الاسئلة … حقا هل كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم طبيبا ؟ , وهل كان جبريل عليه السلام يوحي اليه طريقة علاج بعض الامراض ويرشده الى بعض الادوية ؟  بحيث اصبحنا ندعي ان هناك شىء اسمه الطب النبوي وايضا هل جاء القرآن بوصفات دوائية وعلاجية لعلاج امراض الجسم ؟ ام ان القرآن جاء ليعالج ما هو ابعد من ذلك ؟

 

      الحقيقة ان بعض من يتحدث ويؤلف و يقول ان نبينا كان يعالج اصحابه من الامراض وكان يطببهم اما ان يكون شغله حب اعمى للرسول عليه الصلاة و السلام ، حب أعماه عن الحقيقة واعماه عن الصواب في حقيقة دور الرسول الكريم و كونه قدوة و معلما و هاديا للحق ، أو أنه يريد أن يتاجر بعواطف الناس لانه عندما ينصب نفسه متحدثا رسميا باسم الرسول كانه يقول للناس اياكم ان تناقشو في الدين فهو يكسب ربحا سهلا دون ان يناقشه احد .

 

    .. لانك تجده  يشتغل بالقزحة والعسل و تراه يملا غلاف العلبة باحاديث نبوية وآيات قرآنية ليروج لسلعته فيبيعها دون ان يناقشه احد فكل هدفه تجاري محض والدين عنده ليس مهم بل اهميته تكمن في انه يخدم ربحه وكسبه.

 

    الرسول لم يكن طبيبا ، كيف؟

العلاجات التي كان الرسول يرشد اصحابه اليها كانت منتشرة في زمانه  ولم يات بها من عنده ولم يخترعها ، حتى هذه العلاجات لاتعدو كونها ماكولات او نباتات طبيعية وعلاجات شعبية تفتقر الى اسس البحث العلمي والتجربة واختبار فاعليتها .

 

      فأبو جهل – أعني الانسان المشرك – وعمر بن الخطاب – اعني الصحابي رضي الله عنه – و مجتمع العرب عموما كانوا يتداوون بالحجامة والعسل و القزحة والتمر احيانا والناس تسمع من بعض وتنقل تجاربها لبعض يعني ان المسلمين والمشركين كانو يتداوون بنفس العلاجات وليس هناك علاقة للوحي بها .

 

      المشكلة اننا أصبحنا نضفي على الرسول- عليه الصلاة و السلام-  من حبنا الشديد له صفة القداسة  حتى على احتياجاته  و افعاله  البشرية التي يشترك فيها بقية ابناء قومه .. وبذلك كل ما كان يفعله يكون مقدسا ايضا ، وكأنه من الدين وننسي أنه بشر مثلنا (هذا المعنى عمل القرآن على ترسيخه في آيات كثيرة ) ،  له حاجات بشرية فهو ياكل كما ناكل ،  والطعام الذي اكل منه لا يكون مقدسا بحال لانه اكل منه ، والعلاج الذي كان يتعالج به او يعالج به غيره ايضا لا يعدو كونه حاجة بشرية عنده كما انها عند غيره  ، فرسالة نبينا اكبرمن ان تكون ادوية و وصفات طبية ، فهي جاءت لتصلح المجتمع من كل جوانبه …. جاءت لتعمر الارض …. لترسخ احترام العقل .

     مفهوم ان النبي الكريم  شخص مقدس و حبه عظيم كان  له ايجابيات في اتباعه و الاقتداء به و لكن كان له مردود سلبي أيضا عندما تجاوز الحدود التي خطها النبي نفسه ، لان نبينا  لا يريد اناسا يحبونه ويقدسونه ، هذه ليست رسالته ، بل يريد اناسا يطبقون منهجه في عمارة الارض و اصلاح الكون واصلاح الناس ، هذا الحب المزعوم خلق حاجزا بيننا و بين قدرتنا على التحلي باخلاق النبي وصفات النبي لاننا ندعي ان اعماله مثالية لايمكن تطبيقها .

 

      ايضا القرآن الكريم ليس كتاب طب والآيات التي يفهم منها انها تحدثت عن ادوية وعلاجات هي آيات منزوعة من سياقها العام و من الهدف الذي نزلت من اجله ، لاننا بهذا الفهم المجتزا حولنا ايات القرآن اما الى مصدر لاستنباط المعجزات و الاشياء الخارقة  او كتاب يستدل به على الحقائق العلمية المكتشفة و احيانا حولناه لآلة حاسبة لاجراء بعض الحسابات وكل هذه الأشياء قد تكون جيدة و لكنها ليست أساسية و ليست مقصودة بحد ذاتها   انما الأساس هو  فهم المنهج الحقيقي الذي عمل القرآن على ترسيخه وهو اعمار الكون و تطوير الكون و دراسة الكون..

 

و حتى نفهم اكثر اضرب على ذلك امثلة ..

” و اوحى ربك الى النحل ان اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف الوانه فيه شفاء للناس ” آية 67-69 سورة النحل  

 

      القرآن هنا لم يأت بشيء جديد بالنسبة للسامع وهو العربي الجاهلي فهو يعرف مسبقا ان العسل فيه شفاء ولم يكن ينتظر القرآن الكريم أن يعرفه هذا الامر..إذن  ما الذي أراده الله تعالى من هذه الآيات و ماذا كان ذلك العربي ينتظر ان يسمع ؟ …….أردا  الله تعالى أن يقول اترون هذا النحل الذي تعرفون أنه يبني بيوته في الجبال و الاشجار  و تعرفون ايضا انه يجمع رحيقه من الازهار و تعرفون انه بعد الجمع ينتج عسلا وتعرفون ايضا ان هذا العسل تستخدمونه دواء …. ولانكم تعرفون هذه المعلومات جيدا فانا أريد منكم ان تتأملوها و تفكروا بها حتى تعرفوا نعمتي و مظاهر قدرتي و رحمتي بكم فتشكروني وتعبدوني وشكري يكون بان تعمروا الارض بمنهجي في العمل والاعمار بحيوية ونشاط كما النحل . .

 

” و ان لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما في يطونه من بين فرث و دم لبنا خالصا سائغا للشاربين ” آية 66 سورة النحل

هنا ايضا الله تعالى لا يريد أن يقول للناس أنه يوجد في اثداء هذه الانعام التي يرونها حليب ولبن فمن الآن فصاعدا اصبح بامكان أي عربي ان يحلب هذا البن ويشربه ( وصحتين وعافية) لانه لم يكن يعرف مسبقا بوجود هذا الحليب فجاء القرآن وأطلعه على هذه المعلومات الخطيرة

حتما لم يكن يقصد ان يقول ذلك و لكنه اراد ان يظهر فضله ونعمته على عباده..أراد منهم أن يتأملوا نعمته في التفاصيل الصغيرة التي يرونها كل يوم دون تدبر او تفكر…

 

ايضا عندما يقول الله تعالى ” و الخيل و البغال و الحمير لتركبوها وزينة ” آية 8 سورة النحل

هو لا يريد ان يعرف الناس بشيء بجهلونه وانه قد اصبح بامكانهم ان يركبوا الخيل والحمير لانه دلهم على هذا السر الخفي…  على الاطلاق الله تعالى لم يقصد ان يقول ذلك وانما قصد ان يقول اترون هذه الانعام انا سخرتها لكم لخدمتكم و من اجلكم ومن اجل راحتكم .

     

      نسينا الهدف والمقصد من هذه الايات واصبحنا نقول هناك عسل للتداوي وهناك لبن للشرب وهناك خيل للركوب وكانها حقاءق مذهلة اطلعنا عليها القرآن الكريم

 

       القرآن منهاج كامل متكامل لادارة الحياة يدعونا لان نفهم لان نقرا يدعونا الى العمل الى التطور الى الابداع الى احترام العقل و لا يريدنا ان نصدم ذلك العقل و نضحك عليه ….. القرآن يبحث عن تفعيل العقل و ايقاظه و كذلك الحديث النبوي

و في المقابل نحن نبحث عن مايعجز العقل في القرآن و يصدمه و يجعله يسلم وبستسلم و يكف عن التفكير

 

في النهاية انا اسال :

السنا طلاب علم وألا يجب أن نخضع كل مانسمعه لمنهج العقل ؟

 

 

النهضة و التنمية : عملاق في زنزانة !

 النهضة والتنمية:عملاق في زنزانة !img_11

د.أحمد خيري العمري – القدس العربي

يتعرض كل من  مفهوم” النهضة” ومفهوم “التنمية” إلى خلط وتشويش… ورغم أنه خلط مدفوع بحسن النية وبالرغبة في الخروج من واقع سيئ تعيشه الأمة، إلا أن نتائجه بعيدة المدى لن تكون بالضرورة أفضل من هذا الواقع.. فكثيرا ما يستخدم المصطلحين في ترادف كما لو أنهما يعبران عن معنى واحد.

السبب في الخلط يعود جزئيا إلى غموض وقع ظلما على مفهوم النهضة عندما قُدِّم بلغة صعبة بعيدة عن أفهام الناس، واحتُكر بالتالي من نُخَب البرج العاجي وتشاوفها الثقافي الذي لن يؤدى غالبا إلى تنمية أو نهضة أو أي شيء على الإطلاق..

كما أنه يعود أيضا إلى أن الحديث عن “التنمية” سيكون أسهل وأقرب إلى الفهم لأن أمثلة التنمية ونماذجها ومقاييسها واضحة ومتداولة، بل إنها قد تكون جزءا من بدهيات الحياة المعاصرة ومن حديث كل يوم (معدلات البطالة، معدل الدخل ..الخ).

 بينما النهضة هي مفهوم ثقافي يمس البنية التحتية لأفكار الناس وعقائدهم وسلوكهم كما وضحنا في مقال سابق، فإن “التنمية ” مفهوم اقتصادي بالدرجة الأولى، يرتبط بمعايير تحسين “مستوى الحياة” من الناحية الاقتصادية التي تؤدي لاحقا إلى تحسينها من نواحٍ أخرى: اجتماعية وصحية وتعليمية..، المصطلح  ولد أولا في مرحلة نشوء الرأسمالية وانتهاء عصر الإقطاع لكنه استخدم بكثافة وبهذا المعنى تحديدا بعد الحرب العالمية الثانية ونشوء دول جديدة مستقلة من الأنقاض والخرائب التي خلفتها هذه الحرب، ولأن العالم المعاصر قُسِّم بحسب المعايير الجديدة إلى “دول غنية ” و”دول فقيرة” ( أو بعبارة أخرى ملطفة: دول ذات دخل مرتفع وأخرى ذات دخل منخفض) فإن عملية الانتقال من خانة الدول الفقيرة إلى الدول الغنية صارت تسمى بالتنمية… وترتبط دوما بالحديث عن معدل النمو السنوي والدخل القومي والدخل الفردي والبطالة وعجز الموازنة..الخ.

بشكل عام، لا مشكلة مباشرة في ما يطرحه مفهوم التنمية، فلا أحد يهوى الفقر للفقر، ولا البطالة، وزيادة معدل الدخل ليس جريمة على الإطلاق، وكذلك تحسين “مستوى الحياة”.. (رغم أن ذلك قد يحتاج إلى تعريف وتحديد…) لكن  ينبغي التمييز هذه “تنمية”، وليست نهضة بأي حال من الأحوال، والخلط بينهما  يحمّل التنمية ما لا تحتمل، بل يساهم بطريقة ما في تأخير النهضة الحقيقية عبر التركيز على التنمية تحت مسمى النهضة..

أكثر من هذا، الخلط بينهما، يجعل المهتمين يركزون على أمثلة تنموية ناجحة، ويحاولون الاقتداء بها على أنها “نهضة “، بينما هي في الحقيقة تمثل تجربة ناحجة بمعايير التنمية فقط، مع القليل من المساس بالبنية التحتية الثقافية التي تنتج النهضة..

هل هناك تعارض بين الأمرين، أي بين النهضة والتنمية؟

من الناحية المبدئية، لا تعارض حقا  بينهما، إنما التعارض ينتج من الطريقة التي ننظر فيها إلى كل من المفهومين، فالتنمية في حقيقتها هي نتيجة وليست هدفا بحد ذاته، وهي نتيجة من ضمن نتائج أخرى مختلفة، أما النهضة فهي الهدف، وهي التي تؤدي إلى جملة تغييرات في المجتمع، وتطلق سلسلة من التفاعلات الداخلية العميقة في المجتمع – في الأمة – والتي تؤدي بدورها إلى إحداث نتائج تؤثر على معايير قياس التنمية..

هل يمكن القفز على الأمر، والوصول إلى النتيجة، دون المرور بدرب الجلجلة المسمى بالنهضة والحفر في حقل ألغام البنية التحتية للمجتمع والأمة؟

سيكون ذلك أسهل حتما.. ومن الممكن فعلا حيازة بعض ثمار التنمية دون المرور بالنهضة أو تجشم عنائها ( بوضع خطط صارمة والحزم في تنفيذها، رغم أن الصرامة والحزم تتطلب أيضا مواجهة بعض ما في البنية الثقافية مثل الوساطة والمحسوبيات والعشائرية أو ما يماثلها حسب كل مجتمع : المناطقية، أي التحيز إلى منطقة معينة حتى دون وجود قرابة مباشرة )..

رغم ذلك، فهذه النتائج تبقى جزئية وعابرة إلا إذا صحبتها ثورة ثقافية شاملة تستأصل عراقيل النهوض ومثبطاته، وتنجز نهضة خاصة بها من عمق موروثها ومن منطلقاته..

الأمر الذي لا يمكن تجاوز ذكره هنا أن التنمية لكي تكون جزءا من نهضة أوسع عليها أن تكون بمعايير ومقاييس مختلفة عن التنمية بفهومها السائد حاليا مفهوم الـhuman development، أي الذي ينتمي إلى المنظومة الغربية والذي أنتجته وسوقت له مؤسساتها، لأن مجرد الارتباط بهذه المنظومة سيحول مسار النهضة ويجعلها تابعة لمنظومة قيمية مختلفة..

على سبيل المثال، التنمية البشرية بمفهومها السائد حاليا– تركز على مجموعة من المعايير التي يتم من خلال جمعها التوصل إلى مقياس رقمي  index  يبين تسلسل دولة بعينها ضمن سلم التنمية..

من هذه المعايير، معيار معدل الدخل الفردي في هذه الدولة، والذي يقاس بمعدل “القدرة الشرائية للفردpurchasing power parity “.. أي أن هذا المعيار يربط مفهوم التنمية بمعيار أساسي للرأسمالية يتحول الإنسان من خلاله إلى وسيلة لاستمرار عجلة المصانع وبالتالي استمرار درّ الأرباح في جيوب أصحاب الشركات…

كما أن هذا المعيار، لا يأخذ  بعين الاعتبار مقدار التفاوت الطبقي في دخول مجتمع واحد فهو يأخذ المعدل بشكل عام، عبر حساب الدخل العام على عدد أفراد المجتمع بتجاهل حقيقة أن فئة قليلة قد تستحوذ على الحصة الأكبر من هذا الدخل وتترك الباقي ليتقاسمه الباقون..

وهكذا فإن النهضة عندما يتم ربطها بمعيار تنمية من هذا النوع، فإنها في الحقيقة تغفل جانب العدالة الاجتماعية الذي لا بد أن يكون ثابتا أساسيا من ثوابتها، كما أنها عندما ترتبط بمعيار “القدرة الشرائية للفرد” فإنها تكون جزءا من منظومة الاستهلاك التي تكاد تعرف الإنسان بمقدار قدرته على تكويم السلع..

من المعايير الأخرى الأساسية في مفهوم التنمية الإنسانية الحالي هو معدل العمر المتوقع life expectancy ، إذ كلما زاد معدل العمر في دولة ما، كان ذلك يعنى ذلك تقدم الخدمات الصحية فيها، وهو أمر صحيح ولا غبار عليه.. ولكنه للأسف لا يكفي لتوضيح نوع هذه الحياة خاصة عندما يتقدم الفرد في العمر..

هل هناك حقا من يرغب بأن يعيش حياة مديدة وطويلة ولكن وحيدة وموحشة بلا أبناء ولا أقارب؟.. أليس هذا ما يدفعه المسنون في الدول الغربية ذات التسلسل المتقدم في سلم التنمية؟.. لا يمكن إنكار أن هذه الدول ذاتها قد شرعت قوانين وأنجزت مؤسسات لرعاية المسنين، لكن من منكم يريد أن يقضي شيخوخته منتظرا زيارة موظف الخدمة الاجتماعية الذي يتغير باستمرار ويكون على الأغلب مهاجراً جديداً يبحث عن عمل ولم يجد عملا آخر غير هذا، أو يكون طالبا يريد استيفاء شروط الدخول إلى الجامعة وسيساهم هذا العمل الطوعي في  ترجيح فرصه في ذلك.

لا أتحدث هنا عن عقوق الوالدين بالمعنى الذي نفهمه من الأمر، فالأمر في الغرب أشد تعقيدا من ذلك، ونظام الحياة شديد الوطأة هو الذي يفتت الروابط بين الآباء والأبناء دون أن تترك مجالا للتذمر،  كل شيء يحدث بطريقة تلقائية كما لو أنه من الطبيعي جدا أن تُقنَّن هذه العلاقات إلى زيارات في الأعياد وبطاقات التهنئة ومكالمة هاتفية بين الحين والآخر..

هل يمكن أن نتحدث عن طول العمر بالمعنى الفسلجي ونعده إنجازا تنمويا لمجتمع ما، دون أن نعد قلة التماسك الاجتماعي وانهيار بنية الأسرة ارتدادا تنمويا على الصعيد الإنساني؟

المعيار الثالث الذي يرتكز عليه مفهوم التنمية البشرية هو معيار التعليم ومستوى انتشاره في مجتمع ما، ولا شك أن هذا المعيار مهم جدا وأي نهضة لا بد لها أن تأخذ هذا المعيار بعين  الاعتبار، لكن يجب أن يكون المعيار التعليمي قادرا على منح رؤية كاملة للحياة يكون التخصص الدراسي متكاملا ومتناغما معها، لا أن يكون هذا التخصص وسيلة للانغلاق داخل تخصص ضيق وجزئي..

( أحد زملائي الأمريكان  الحاصلين على شهادة الماجستير من إحدى جامعات الصنف الأول في الولايات المتحدة، سألني مرة  بمنتهى الجدية: النمسا دولة عربية، أليس كذلك؟..

والأمر هنا أعمق بكثير مما يتداول عن “الغباء الأمريكي” ويمكن استغراب سؤاله عندما نتذكر أمرين:

أولهما، أن النمسا جزء أساسي من المنظومة الحضارية الغربية، وقد قدمت لها الكثير من المنجزات الفنية والثقافية، أي إننا لا نتحدث هنا عن قلة معلومات “جغرافية”.. بل عن خلل أكبر من ذلك بكثير..

الثاني، هو أن هذا الشخص لا يمثل رجل الشارع الأمريكي العادي، بل هو ينتمي لفئة لا تتجاوز نسبتها الـ5% من المواطنين الأمريكيين، وهي الفئة الحائزة على شهادة الماجستير فما فوق، والتي يفترض أن تعليمها سيؤهلها لمعرفةٍ أكبر من سؤال كالذي سبق…)..

هناك عدة معايير ثانوية تسهم في وضع الدول على سلم تنمية خاص، مثل معيار تمكين المرأة women empowerment  الذي نزل بالمظلة على مصطلحاتنا وصار جزءا لا يمكن المساس به أو مناقشته من عدة النهوض، وبغض النظر عن المصطلح، فإن دور المرأة في أي نهضة حتمي جدا، ولعلي لا أبالغ في القول أن دورها قد يسبق دور الرجل ويمهد له في بعض المراحل، لكن هوس التمكين  السائد حاليا لا علاقة له بذلك للأسف، فقد اختزل هذا الأمر إلى إدخالها على نحو متزايد في سوق العمل وفي ما يسمى مراكز القرار والمناصب الأكثر قيادية، وعُدَّ ذلك معيارا تنمويا ومؤشرا مُهمَّا على تقدم الدولة المعنية في سلم التنمية، لكن يتمّ بالمقابل تجاهل ازدياد وتيرة “تسليع” المرأة، أي تحويلها إلى سلعة وأداة للمتعة ( كما هو الحال في وسائل الإعلام ودعاياتها التجارية، حيث يتم تسويق معجون الأسنان بإبراز صدر المرأة..Showing tits to sell toothpaste)… وتعرض المرأة للتحرش الجنسي يزيد كلما زاد “تمكينها”….. وصعودُها إلى مراكز القرار لم يحمِها من التحرش الجنسي في أكثر الدول التي يوجد فيها تمكين، بل وتلك التي تتبنى قسر التمكين على بقية الدول ( في الولايات المتحدة تتعرض ثلث النساء العاملات إلى التحرش الجنسي في أماكن العمل..)… هل يمكن حقا أن نعد تمكين المرأة معيارا لرقي مجتمع ما وتقدمه في التنمية دون أن نعد التسليع والتحرش معياراً ارتداديا يجب حسابه؟.. بل إن التسليع لم يعد قاصرا على المرأة في المجتمع المعاصر، حيث صار الرجل أيضا سلعة تستخدم للدعاية وللتسويق، وزادت معها نسب التحرش التي يتعرض لها الرجل في العمل ( التحرش من قبل النساء والرجال على حد سواء!).. والخاسر الوحيد في “مساواة التسليع” هذه هو إنسانية الإنسان بغض النظر عن جنسه..

الأرقام والجداول البيانية التي تختزل المعايير السابقة إلى أرقام وتعرضها على أنها مؤشرات على تقدم دولة ما لا تعرض سوى حقائق معينة تقدمها على أنها الحقيقة كلها، وهي حقائق لها الأولوية في المنظومة الرأسمالية الغربية، ولكن لا يجب أن تكون هذه المعايير لها نفس الأولوية في تنمية تابعة لنهضة أخرى، نهضة لها منظومتها الثقافية المختلفة.. كما أن هذه المنظومة تغفل أرقاما أخرى ( مثل معدل الجريمة ونسب الطلاق والانتحار والمخدرات..إلخ ) وكلها لها مغزى لا يمكن تجاهله عندما ندرس رقي مجتمع ما و”نهوضه”…

أقر هنا أننا حاليا لا نتفوق بأي معيار، لا معاييرنا ولا معاييرهم ( ربما باستثناء بعض البقية الباقية من التماسك الأسري)، حتى نسب التحرش يقال إنها في بعض البلدان الإسلامية تفوق النسبة السابقة التي مر ذكرها عن أمريكا (شكرا لدعاة التغريب!) وتفسير ذلك بالنسبة لي أننا أخذنا أسوأ ما في العالمين، عالمنا وعالمهم، ورثنا قيما سلبية علمتنا التعايش مع الأمر الواقع وتنكرت خلف فهم بشري عابر لنص ديني كان هو الأساس في التغيير والبناء والثورة على الأمر الواقع، واستوردنا منهم نتائجهم السلبية دون أن نتمكن من حيازة  ما حققوه من إيجابيات، استوردنا الاستهلاك وليس الإنتاج، والتسليع وليس التصنيع .. وقلدنا تفلتهم دون أن نأخذ احترامهم النسبي لوقت العمل مثلا.. والمخفي أعظم.. والآتي حتما أعظم وأعظم…

 

إن كان هناك ثمة عزاء في هذا كله فهو في حقيقة أننا لم نبدأ بعد، نهضتنا لم تنطلق حتى الآن، وعندما تنطلق، فإنها ستكون لا شرقية ولا غربية، بل ستكون مستندة على أسس قرآنية وأولويات قرآنية، ومعاييرها لن تهمل الإنسان لصالح معدل دخله، ولن تعرفه بمقياس قدرته الشرائية، تلك النهضة لا بد أن تجد معايير لتنميتها دون أن تستوردها من تنمية الآخرين: معايير تضع إنتاجية الإنسان في الحسبان، عدله، توازنه، تماسك المجتمع، وعدالته في القضاء على الفقر وتقليص الهوة بين فقرائه وأغنيائه.. معايير تقيس إماطة الأذى عن الطريق، وصلة الرحم، ومستوى الأمان والأمانة، واحترام القانون والنظام.. ومساعدة المسن والعاجز.. وعلاقة المجتمع بخالقه..

معايير كهذه، هي التي يقاس من خلالها نماء مجتمع ونموه بحسب ما أراد له خالقه، وهي التي تكون فيصلا حادا بين النهضة بصفتها ثورة ثقافية شاملة في البينة الفكرية لعموم الجماهير، وبين التنمية بصفتها مجرد مفهوم اقتصادي بحت..

خلاصة القول:  قيم النهضة تشبه عملاقا كامنا في القمقم، والخلط بينها وبين التنمية يجعلنا نخرج العملاق من القمقم، لنضعه في زنزانة!

واشنطن : سياحة غير شكل بقلم د.أسماء الكتبي

mission20washington20dc20collage1رحلات

واشنطن دي سي 2008

د. أسماء الكتبي

asma@uaeu.ac.ae

 

 

كانت رحلتي لواشنطن دي سي بين عامي 2008-2009 مختلفة بكل المقاييس، وأهم تلك المقاييس أن تفاعلي معها لم يكن ايجابيا على الإطلاق، فما أن حطت قدمي بها، وبدأت أتحسس دروبي استعدادا للعيش فيها، حتى صرت انتقد كل ما أراه، وهذا على غير عادتي في تقبل الأشياء والأماكن بإيجابية، والتغاضي عن سلبياتها.

لم تعجبني دي سي لذلك انتقدت بها أشياء كثيرة، ابتداء من مخطط المدينة ومبانيها وانتهاء بالإعلام، كل تلك الرؤية الناقدة، وأنا لم أرَ منها الكثير في ذلك العام -بالرغم من أن عشت بها أكثر من سبعة أشهر- لقد تعرفت إلى معالم واشنطن الرئيسية حين زرتها في التسعينيات من القرن الماضي، لكن في نهاية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين لم أر أكثر من الدروب التي كانت تنقلني من الفندق للسفارة، والعكس، كنت أشعر وأنا أسير في تلك الطرقات كأني في الفيوم، بالرغم من أني لم أرَ الفيوم في حياتي! لكن لأن في واشنطن أشجاراً طبيعية كثيرة (غابة)، خاصة عند أطراف المدينة، والفيوم قرية مصرية زراعية، كنت اربط بين ذلك المشهد الخيالي بذهني عن الفيوم، بهذا المشهد الواقعي في دي سي، لدرجة أن أوصلني تفكيري المسترسل في ذاك الاتجاه أن واشنطن قريةٍ لكن متحضرة. أتساءل الآن وأنا أكتب هذه الفقرة كيف هي قوية تلك القرية، لدرجة أنها تتحكم بدول العالم باختلاف أحجامها من موقعها الصغير والقصي عن العوالم القديمة والجديدة!!!

لكن حين قرأت عن اختيار موقع العاصمة في تلك المقاطعة المقتطعة من كل من ولايتي ميريلاند وفرجينيا المدعوة بدستركت أوف كولمبيا District of Colombia، أرى الكثير في هذا الاختيار، أولا أنه أبعد العاصمة عن الحدود الكندية التي كانت تحت السيطرة البريطانية في الفترة الحرجة من استقلال أمريكا عن بريطانيا، أي في فترة طفولة هذه الدولة التي أضحت عملاقة في الوقت الحاضر، فلقد انتقلت العاصمة الفيدرالية من مركزها المؤقت في فيلاديلفيا بولاية بنسلفانيا -القريبة نسبيا من الحدود الكندية- إلى واشنطن دي سي جنوبا عام 1800، أي بعد حوالي خمسة وعشرين عاما من إعلان استقلال أمريكا عن بريطانيا.

موقع العاصمة الجديد ليس بعيدا عن السواحل الشرقية للولايات المتحدة، مما يجعلها قريبة بعيدة عن العالم القديم (أوربا، وأفريقيا)، أما آسيا فتتفق مع أمريكا بمشاركتها سواحل المحيط الهادي الشرقية، الذي ليس للولايات المتحدة حدود ساحلية طويلة عليه فقط، بل أنها تمتلك قلب ذلك المحيط الأكبر على الكرة الأرضية، بعد أن انضمت إليها جزر هاواي عام 1959م، وهو ذات العام الذي انضمت فيه ألاسكا للولايات المتحدة الأمريكية، التي تعتبر أكبر ولاياتها.

إما الشيء الإيجابي الآخر في اختيار ذلك الاسم للعاصمة أنه جمع بين كرستوفر كولومبس مكتشف الأمريكيتين عام 1492 حين وصل لجزيرة سان سلفادور (جنوبا)، بالرغم من أن الفايكنغ بقيادة ليف أريكسون هم أول من وصل للبر الأمريكي (شمالا) قادمين من الغرينلاند عام 1000م! وبين وجورج واشنطن أول رئيس للولايات المتحدة الذي تم تنصيبه عام 1789، وأعيد انتخابه أكثر من مرتين، وذلك على غير ما هو منصوص في الدستور الأمريكي أن للرئيس الأمريكي دورتين انتخابيتين فقط.     

نظرتي السلبية لواشنطن تلك على نقيض إعجابي الشديد حين زُرتُها في عامي 1993 و 1995، وهذا له أسبابه، فحينما زرتها في ذينيك العامين كنت أقيم في بيت أخي الكائن في البنتاجون سيتي أو الكرستال ستي، وهي مدينة ذات طابع مختلف، طابع رحب وجذاب يوحي بجاذبية المدينة الغربية، تماما مثل ما كانت تصوره لنا الكتب المدرسية والإعلام العربي،  بالرغم من أنها مدينة لا يختلف تخطيطها وتقاطع شوارعها الشطرنجية عن شوارع وسط المدينة في واشنطن، حينها لم أكن أعي بأني أقيم في مدينة مختلفة ومستقلة، فلقد كنت أعتقد أن البنتاجون ضاحية \منطقة من ضواحي واشنطن، وهذا طبيعي جدا من ناحتين، الأولى أن الإقامة في المكان تختلف عن الزيارة العابرة له، التي تمنع من الاستيعاب الكامل له، فلم استوعب أنها مدينة أخرى. أما الناحية الثانية أنه لبعض المدن الأمريكية خصوصية غير منتشرة في كثير من مدن العالم، وهو ظاهرة المدن العنقودية، أي المدن الملتصقة ببعضها البعض. الآن وبعد حوالي عشرين عاما من زيارتي الأولى لدي سي عام 1989م، أرى أن أم القيوين وعجمان والشارقة ودبي وجبل علي يكونون ظاهرة المدينة العنقودية في دولة الإمارات، فخلال مرورك بها من شارع الإمارات، أو حتى من الطرق الداخلية، لا تشعر بأنك تخرج من مدينة وتدخل في أخرى، بل أنك تشعر وكأنك تسير في مدينة عملاقة، اختلاف أنماط التخطيط فيها يوحي باختلاف جغرافيتها الطبيعة، وليس بالضرورة اختلاف جغرافيتها السياسية، إلا لو كنت تعلم ذلك مسبقا.

على العموم مدينة البنتاجون مدينة متحضرة، وجميلة جداً، تحمل الصورة التقليدية للمدينة الأمريكية بشكل خاص، ربما لذلك شعرتُ حين الإقامة بها بأني بالفعل في أمريكا، لكن إقامتي داخل واشنطن نفسها، لم يُوحِ لي شيء بها أني في عاصمة أعظم دولة في العالم، فالطريق بين الفندق الذي كنت أقيم فيه والسفارة، لا يمر بالكابيتال-هلcapital hill حتى أِعرف بأني في واشنطن، بل يمر ببعض المباني القصيرة والعريضة في وسط المدينة، أما في أطرافها وقبل الوصول للسفارة فيمر ببيوت قديمة الطراز، قليلة الارتفاع، تختفي ملامح معظمها بين أغصان الأشجار الطويلة والعريضة والمورقة، التي كانت توحي لي برطوبة المكان، لأن الشمس لا تسطع عليها! والغريب أن كل البيوت الحديثة الطراز، أي المبنية في النصف الثاني من القرن العشرين، مبنية من الأخشاب، والخشب كما هو معروف سريع العطب، مما يعني أن العمر الافتراضي للبيت قصير، وفوق ذاك هي بيوت باهظة الثمن، والأدهى أن البلد معرض لعواصف إعصارية شبه سنوية، تنسف تلك البيوت مع كل هبة ريح، وليس هبة إعصار.

 


رحلات

واشنطن دي سي 1

د. أسماء الكتبي

asma@uaeu.ac.ae

 

كان أجمل ما في الطريق بين الفندق والسفارة بعد المرور على تلك البيوت القديمة الطراز، هو عبورنا لجدول نهري على أطراف تلك البيوت، يبدو أنه أحد روافد نهر البوتامك الذي يفصل بين ولايتي ميرلاند وفرجينيا، لقد كنت كل يوم أتعرف على كمية الأمطار الساقطة فوق المرتفعات المنحدر منها ذلك الجدول، وذلك من خلال مراقبتي لارتفاع وانخفاض منسوب الماء فيه. أما في الخريف (سبتمبر وأكتوبر) وبعد عبور السائق بي ذلك الجدول، كان يدخلني حقل من غابات الأشجار الباسقة الارتفاع، المتلونة بكل ألوان الطيف بين البنفسجي والأحمر مرورا بالأصفر وشيء من الأوراق الخضر، كانت أشعة الشمس تخترق الأوراق الملونة وتزيد من إنارة ذلك الشارع الضيق، بل وتزيد من اتساعه، تجعلك تلك الاستنارة مستثارا، لا أدري إن كان من روعة المنظر، أم أنه نتيجة لما يقوله علماء الألوان: أن اللونين الأصفر والأحمر ومشتقاتهما من الألوان المستفزة، لذلك توضع في المطاعم المأكولات السريعة بشكل خاص، حتى تحفز المرتادين للخروج بسرعة لتفسح المجال لمرتادين جدد!!

قبل أن أخرج من حيز طراز البيوت القديمة، أود أن أضيف بأني صرت أعرف اليوم لم تلك البيوت صغيرة، لأن الأراضي باهظة الثمن، كما صرت أعرف لم سقوفها منخفضة، وذلك لتوفير تكاليف لتدفئها، خاصة أنها كانت موجودة منذ كانت البيوت تدفأ بالفحم، وليس مثل اليوم عبر فتحات التكييف، أما بناءها بين الأشجار الكثيفة فأنها بالإضافة إلى حقيقة أن أمريكا قبل كولومبس كانت عبارة عن غابات كثيفة من الشرق للغرب، فأن تلك الأشجار كانت تساعد في تهوية البيوت في الصيف، فصيف واشنطن حار للغاية!! ولو كتب لأحدكم الذهاب لواشنطن وأراد أن يلمس هذه الحقيقة عليه الذهاب إلى فندق الرتز-كارلتون في التايسون كورنر\مكلين ويصعد للمطعم في أعلى الفندق، ليرى كيف هي البيوت مغروزة بين الأشجار.

 

لكن ما أعجبني في تلك البيوت، أن معظمها يرفع العلم الأمريكي، فذكروني بطفولتي البعيدة حين كنت أرقى سقف البيت أعلق علم الإمارات عليه، في كل مرة كان يعود أبي فيها من الحج، لقد اختفت عندنا عادة رفع الأعلام على البيوت، ليعرف الناس أن في هذا البيت حاج حج ذاك العام، صحيح أن علم الدولة في الوقت الحاضر صار مرتبط بشكل خاص باليوم الوطني لدولة الإمارات، لكنه لم يعد مرتبطا بحياتنا الشخصية كما كان يوم يرفع بعد عودة الحجاج وحفلات الزواج، وكما هو ارتباطه بالنسبة للمواطن الأمريكي العادي في كل الولايات المتحدة وليس في واشنطن دي سي فقط، بل ارتباطه بالعيد الوطني اليوم ارتباط تجاري بحت، تربح المكتبات ومحلات الملابس الجاهزة أموال كثيرة في ذاك الموسم، على غير غرار موسم الحج، حين كانت النساء هن من يخطن العلم (أمي)، وكان الأطفال هم من يرفعونه عاليا (أنا).  

كانت من ضمن سلسلة الانتقادات التي انتقدت بها واشنطن دي سي حين كنت أقيم بها بين عامي 2008 و2009 هو التسوق، فلقد تطاول غلاء الأسعار السماء، والجودة في الحضيض، لم أنتبه للسبب حين كنت هناك، لكن اليوم لي رؤية أخرى، فحين زُرتُ واشِنطن عامي 1993 و1995 لم أشعر بغلاء الأسعار، فلقد كنا نتسوق ببضائع جيدة وأسعار لا بأس بها، لأن قيمة الدولار كانت عالية، وليس كما كانت حين ذهبت إليها أثناء الكسوف الاقتصادي في عام 2008.

وفي هذا تحليل اقتصادي متواضع ابتكرته أنا على النحو التالي: إذا كان سعر الدولار في الحضيض، فهذا يعني أن أمريكا سهلٌ أن تُصدِّر منتجاتها، لأن أسعار منتجاتها ستعتبر رخيصة في كل الأحوال، لكن عند الاستيراد فذلك صعب، وذلك ببساطة لأن مقارنة سعر الدولار في الحالتين مختلفة جداً، لأنه نتيجة لانخفاض سعر الدولار ترتفع قيمة العملات الأخرى وبالتالي ستضطر أمريكا لاستيراد المنتجات الغير محلية بأسعار خيالية، حتى البضائع الأمريكية المصنعة في الخارج، فإن تكلفتها لابد أن تكون أعلى من المعتاد، وذلك طبعاً تبعاً لرخص سعر الدولار في الخارج، وبالتالي ارتفاع قيمة أجور الأيدي العاملة هناك، مما سيؤدي لارتفاع قيمة التكلفة، لذلك كان لابد أن تكون بضاعتهم في ذلك الخراب وعدم الجودة، وخاصة البضائع المستوردة، فعلى ما أعتقد أن التجار كانوا يلجأون للبضائع الأقل سعراً، وبالتالي هي أقل جودة.

لم اكتفي بذلك النقد، بل إنني تطاولت وانتقدت الذوق العام بالنسبة للملابس في أمريكا، حين وجدت أن معظم الملابس هناك لها ثلاثة ألوان: أسود، وأبيض، ورمادي. وللتنويع يضاف إليها الكُحلي، والبُنِّي، وفي الشتاء يُضَاف اللون البنفسجي. أنا اعتدت التفاؤل في السنوات الماضية، واعتدت ارتداء الألوان الجميلة التي تعني الإقبال على الحياة، وهي تتضمن جميع الألوان الأخرى التي لم تُذكَر أعلاه، أو مشتقات من الألوان أعلاه، لكن برونق مختلف عن الذي كنت أراهُ في الأسواق.

لم أكتفِ عند ذلك الحد من النقد، فحين انتبهت لمسألة التعتيم الإعلامي، صرت أتكلم عن ذلك في كل مناسبة، فلقد وجدتُ أن الشارع الأمريكي مغلوب على أمره، يعيش حالة من التعتيم الإعلامي لا تعيشها شعوبٌ أخرى تحت أنظمة حكم دكتاتورية، فكل الأخبار في الـ CNN -على سبيل المثال- عن أمريكا فقط، وكأنه لا يوجد عالمٌ به بشر خارج تلك القارة، بل خارج تلك الحدود، لدرجة أنه لا توجد أخبار حتى عن كندا أو المكسيك، الأمريكان يعللون ذلك بأنهم بلد قارة وأن أخبارهم بالكاد تكفي ساعات البث، أقول إن ذلك صحيحٌ مادامت الأخبار تتضمن حياة المشاهير والفنانين وجرائم القتل. ولأكون أكثر حيادية فأن الأخبار أو التقارير الخارجية التي تبث في تلك القنوات لا تبث إن لم يكن لها ارتباط مباشر بالولايات المتحدة سواء من حيث وجود رعايا، أو مصالح اقتصادية، أو خلافات سياسة، أو أنها مستعمرة من المستعمرات الأمريكية!

 

رأيت أنه بذلك التعتيم الإعلامي عن العالم الخارجي، تفرض الحكومة الأمريكية على الشعب الأمريكي مُختاراً ما تراه هي، بمعنى إن كان الشعب جاهلاً بما يحدث خارج حدوده، ولا يرى في الإعلام إلا إيجابيات حكومته، فكيف له أن يعترض؟ لذلك فهمت لِمَ الشَّعب الأمريكي أعاد انتخاب بوش بالرغم من أنه كان يسحب الدولة والشعب إلى حربين دمرتا الاقتصاد الأمريكي!!

 

عبر البوصلة القرآنية إسقاط على أرض الواقع (1):دمشقي معبراني

عبر البوصلة القرآنية إسقاط على أرض الواقع (1)

بقلم : دمشقي معبراني

 

جوهرة فريدة تلك التي وجدتها عند قراءتي مؤخرا لكتاب البوصلة القرآنية للدكتور أحمد خيري العمري, ولقد كانت في صفحاته الأخيرة من خلال قوله :

( آه لقد انتهى الحلم .. ولكن ابتدأت الرؤيا.

والفرق بين الحلم والرؤيا أن الأول ينتهي ساعة اليقظة , لحظة اصطدامه بالواقع , أما الرؤيا فهي تبتدئ بداية جديدة عندما تتصل بالواقع , تتحول إلى مشروع رؤية وعمل وتغيير.

ونحن نستطيع أن نقرر أن تكون حلما أو رؤيا .

…… هذا الاختيار قرارنا.

ومن السهل جدا أن نرفض لكن هذا الرفض سيكون معناه النهائي الانقراض , ولو رفضنا فسيأتي جيل آخر في مكان آخر ليقرر القرار الصحيح, في مفترق الطرق.

ويختار ( أقرأ ) الكتاب بمواجهة المكتبة . ) انتهى الاقتباس

وباستعانتي بالله  وعودتي إلى الكتاب الكريم مع هذه الجوهرة مرددا في نفسي : ( أقرأ ) الكتاب بمواجهة المكتبة ) فإذا بي وكأني أجد تصديقا مطابقا لهذه الجوهرة جعلها تزداد أمامي تجوهرا ولمعانا .

كان ذلك التصديق قد أسقط أصلا على أرض الواقع إسقاطا ماضيا ومعجزا وإلى الآن و للكل خاصة اليهود والمسيحيين والمسلمين.

ومن الكتاب المبين وآيات بَيِّنَات وقصة سيدنا عيسى عليه السلام : قال تعالى :  ( فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) سورة مريم

ولقد مكروا شرا وهم كهنة قوم ذلك الزمان ولكل زمان كهنة  قد تشابهت قلوبهم , ومكر الله وبمكرهم خيرا والله خير الماكرين فتركهم حتى إذا أقروا باستحالة أن يكلم من كان في المهد صبِيًّا  جاءهم بالقول الحق الذي فيه يمترون : قال تعالى :  ( قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) سورة مريم

إن الآية الكريمة وإن كانت تشير وتبرق لمعانا بإعجازها من وجه إلى الولادة المادية إلا أنها وكما الجوهرة تتعدد أوجهها متكاملة و لتضيء مشرقة من وجه آخر وأبلغ إلى الولادة المعنوية  والتي ربما يتطابق معها القول : ( أقرأ ) الكتاب بمواجهة المكتبة).

لقد قالوا ومن الوجه المادي للآية الكريمة : يا مريم لقد جئت أمرا فريا , يا مريم لقد جئت أمرا عظيما مفترى

و من الوجه المعنوي للجوهرة كذلك يمكن أن يرى وخاصة أن الإعجاز كان أبلغ عندما لم يكن الكلام فقط عاديا وكان يكفي بذلك إعجازا لهم لأن يغيروا سوء ظنهم بالسيدة مريم  إلا أن الأمر والقول كان أبلغ و ليتجاوز الأمر إلى الكتاب المعجز ومن دون تراثهم و مكاتبهم التي ورثوها ويأكلونها لما .

وعبورا مما سبق نرى أنه كذلك كهنة هذا الزمان ونتيجة اعتمادهم فقط على المكتبة واستغنائهم عن الرُّجْعَى إلى ربهم وعبر التمحيص والتحقيق ( بأقرأ ) الكتاب ليطغون حتى ينكرون كلمة ( أقرأ ) الكتاب أمام  تراثهم و مكاتبهم التي يأكلونها لما, كما نكرها كهنة الأزمان الماضية فالنهج واحد و القول نفسه ومن أحد جوانبه لينطبق عليهم :

قال تعالى : (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى (7) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (8) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)  سورة العلق

 وهنا مع سيدنا عيسى من دون أب ومن باب خرق القوانين ليفهمهم ومن وجه آخر وهم أهل الطب والمكاتب أن الأب وإن كان سبب لازم لقيام الحياة  لابد منه ولا يستغنى عنه بداهة إلا أن الإحياء و الإمداد بالروح هو من الله وحده دون سواه وأن القوانين أصلا قد أوجدها وأبدعها الله فهو فالق الوجود من عدم كما أنه فالق الإصباح من الليل , وأن مثل عيسى كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون , وطبعا هذا من البديهي لا يعني أن نترك الأسباب كما يفعل البعض مدعيا التوكل على الله وعلى النهج ربما يصل الأمر لأن يقال من دون أب سيُنْفَخ فيها الروح ويأتيها الولد, وما هذا إلا الدجل الذي إن توطد وتقبل ليصبح الولد المسيح وذلك حق إلا أنه سيكون الدجال بعينه …

ومن هنا إلى السؤال المهم الذي يطرح نفسه : ماذا أعددنا لمواجهة نهج الدجال ….؟؟؟!!!

قال رسول الله (ص ) :غيرَ الدجال أخْوَفُنِي عليكم ، إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجكم دونه ، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه ، والله خليفتي على كل مسلم  

ومن ثم إلى السؤال الآخر : كيف نعرف الدجال ..من عينه العوراء فقط أم من نهجه ذو العين العوراء أيضا ؟

قال رسول الله (ص ) : (إني لأُنذرُكُمُوه ، وما من نبي إلا أنذر قومه ، ولكني سأقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه : إنه أعور وإن الله ليس بأعور .) صحيح البخاري

يقال إن الأشياء تستبان بأضدادها وعلى هذا ووصولا إلى شيء من الدلائل المبينة للأمر سنقارن بين نهج سيدنا المسيح الصدِّيق عيسى عليه السلام وبين نهج المسيح الدجال, قال تعالى : وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (سورة الصف -6) فنقول :

 أولا: المسيح الدجال و إن قيل أنه ولد من دون أب وتكلم في المهد صبيا فذلك لن يكون إلا بسحر ومزدوج قديم مادي ومتقدم معنوي قد يستعين بعلوم متطورة ما أنزل الله بها من سلطان لخدمة البشرية , والمشكلة هنا تبقى أن هذا السحر وفتنه سيكون كقطع الليل المظلم لا ينجو منها ولا يكشفها إلا العالم بعلمه وبضياء من ربه ولو كان سيدنا موسى حاضرا وهو الذي أوتي ضياء وذكرا للمتقين , قال تعالى : (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (سورة الأنبياء- 48) لكان وكما رسول الله (ص) حجيجنا دون الدجال ولأوجس في نفسه الرحيمة خيفة على قومه موسى وهو كما باقي الأنبياء قد حذر قومه من الدجال ….هل لأن سيدنا موسى قد رأى في زمانه منهج الدجال….؟؟؟!!!

 قال رسول الله (ص ) :(ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال .( رواه مسلم

ثانيا : ومن باب الوصول إلى العبرة  حتى لو فرضنا جدلا أن الولد كبر وأظهر من الكتاب وعلومه ما يذهل الأبصار ويختم على القلوب  فذلك لن يكون أصلا عبر إقرأ الأولى ولا إقرأ الثانية, قال تعالى :  (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) ) سورة العلق أي لن يكون بالقلم من الرب الأكرم للإنسان العالم بعلمه بل بمكتبة سحرية معَلَّمَة من شياطين الأنس والجن وربما متطورة علميا ستكون فيها التقنيات خاصة الكمبيوترية الحالية وما يلحق بها من تقنيات الكاد كام وغيرها متخلفة جدا جدا أمام ما قد سيكون والتي إن وجد في بعض علومها فائدة وقوة فذلك في أصله سرقة من ذلك الكتاب الإلهي أصلا  وأقله أن لا ننسى القول : قال تعالى : فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (سورة الشمس – 8)

فهل هذه إشارة بينة في الأفق ومن الآن لمن يدقق النظر لانهيار المكتبة التي لن تدعم و تعتمد على ( أقرأ )  الكتاب أمام جبروت تلك المكتبة السحرية الأكبر والمعَلَّمَة من شياطين الأنس والجن ….؟؟؟!!!

ومن البديهي ليس القصد نكران تلك التقنيات وما فيها من منافع وإنما من جهة القصد على العكس الإستفادة منها وعبر العلماء العقلاء والحكماء لخير البشرية كلها – ولنا في حضارة سيدنا سليمان عليه السلام خير مثال وتوثيق- من دون توجيهها لمصلحة فئة على حساب استغلال أخرى وربما إقصائها وإفنائها و القصد من جهة ثانية هو التحذير من أن تكون وسيلة أولية لسحر أعين الناس واسترهابهم واستعبادهم جسديا وكمرحلة انتقالية لمرحلة تالية بعد تمام الاستسلام والخضوع لها ربما تصل إلى استعبادهم روحيا بإدعائها الربوبية والقدرة على الإحياء والإماتة .

ومن هنا ننتقل عبورا وفرارا من ظلمات ما سبق وبحثا عن الحل المنجي إلى الفرق الثالث والرابع لسيدنا عيسى عليه السلام عن الدجال ومع قول الله تعالى : (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (سورة البقرة – 87)

وليس التأييد بِرُوحٍ مِنْهُ فقط لسيدنا عيسى عليه السلام وإنما للمؤمنين الصادقين أيضا:

قال تعالى : لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (سورة المجادلة -22)

وإشارة توضيحية وتأكيدية أن الأمر ليس فقط بإدعاء الكتاب وعلومه التي قد تم الوصول إليها وإنما بالسر من ورائه الذي  يجعله وما فيه من علوم وبرمجة حكيمة وسيلة وللبشرية كلها لا بعضها وبتأييد من الله لإقامة الحياة الطيبة المادية والمعنوية وبعينين مبصرتين مادية ومعنوية ليتم التسديد على أرض الواقع الحياتي لا بعين مادية مبصرة وربما برصة وأخرى معنوية عوراء كما نهج الدجال ,ومن دون أن يعارض ذلك القول أن الدجال سيظهر حتى جسديا بعين عوراء.

إن العين والحياة المعنوية هي الأبلغ وخاصة عند المسلم و بإيمان صادق حقا لا وهما مع أمر ربه العظيم ,ذلك المؤمن الذي يستطيع وإن كان مبتدئا أن يعيشها ويلمسها على أساس و أرضية الواقع العلمي الذي يعيش عليها ويأوي إلى ظلها بعيدا عن الحرور و دجالوه , قال تعالى : وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22) سورة فاطر

قال رسول الله (ص ) : لأنا أعلم بما مع الدجال منه، معه نهران يجريان أحدهما – رأي العين – ماء أبيض، والآخر – رأي العين – نار تأجج، فإما أَدْرَكَنَّ أحدٌ فليأت النهر الذي يراه ناراً وليغمض ثم ليطأطىء رأسه فيشرب منه فإنه ماء بارد ) رواه مسلم .

فهل سينفع الأمر أن نقرأ فقط مع أقرأ المكتبة أم نتجاوز الأمر إلى ( أقرأ )  الكتاب ….؟؟؟!!!

إذ لابد أن يقرؤه كل مؤمن كاتب و غير كاتب .

قال رسول الله (ص ): ” مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ – يبتعد – مِنْهُ ، فَإِنَّ الرَّجُلَ يَأْتِيهِ يَتَّبِعُهُ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ بِمَا يُبْعَثُ بِهِ مِنْ الشُّبُهَاتِ ” .) رواه أبو داود .

وقد قال الصحابة الكرام : أوتينا الإيمان قبل القرآن . (فلا وصول للإيمان الحقيقي ومن ثم إلى التأييد بروح من الله إلا بعودة جديدة وعبر ( أقرأ ) الكتاب وخاصة في هذا الزمان)

إن ما سبق إشارة توضيحية والشيء بالشيء يذكر إلى الفرق الجوهري والأهم  بين العقل البشري وبين الكمبيوتر عنوان هذا العصر ألا وهو القدرة للعقل البشري على الشعور بالحياة المعنوية قبل المادية أما الكمبيوتر فهو ورغم تقنياته المذهلة التي لا تنكر إلا أنه آلة وإن جعلوها آلهة فهي أموات غير أحياء لا تشعر ولا تحب ولا تفهم إلا لغة الآلة التي هي صفر واحد أي وجود التيار أو عدمه من دون الشعور به والتي تبقى وستبقى اللغات المطورة عنها والتي لابد أن تعود وتترجم إليها  اصطلاحية ربطية و وضعية اصطناعية ربما تشبه بأحسن درجاتها بالفعل المنعكس الشرطي الذي يحدث عند الإنسان على مستوى النخاع الشوكي لا بل يستحيل عليها الخروج خارج ما برمجت عليه أو العبور شعورا إلى ما ورائه وبالتالي حتى السوفتوير الذي يقال أنه روحها فهو نعم ينظمها ويبرمجها ولكن من دون شعور حقيقي أولا ثم هو ومع التطوير يفنى ويستبدل بجديد و من قبل العقل البشري أصلا وباتجاه يحاول أن يقترب في أعلى قمته من تقليد العقل البشري فهل يسبقه وليسيطر عليه كما يقال وهو أصلا لم ولن يشعر بالحاجة إلى ذلك ….؟؟؟!!!  

اللهم إلا إذا برمج أصلا بحماقة من قبل شياطين الجن والإنس على ذلك الخروج عن سيطرة الضبط إلى الفوضى والإفناء…؟؟؟ وكما ذكرنا في المقالة السابقة التي كانت بعنوان : أيهما أسهل برمجة العقل البشري أم برمجة الكمبيوتر وبرابط:

http://www.quran4nahda.com/?p=1166

وللأسئلة بقية …وحيث السؤال :هل يعني ما سبق هدم وإلغاء المكتبة ….؟؟؟!!!

انظر البوصلة القرآنية للدكتور أحمد خيري العمري برابط : http://www.quran4nahda.com/?p=46

 

صدور الطبعة الجديدة من البوصلة القرآنية

img_02411152صدرت في الاسبوع الماضي ، الطبعة الجديدة ، المنقحة و المزيدة من كتاب البوصلة القرآنية ، الذي صدر للمرة الاولى في أواخر 2003 و أعيد طبعه اربع مرات دون تغيير ، أما الطبعة الجديدة فهي تشمل بعض التغييرات ، من ضمنها وجود فصل جديد ، و حذف فصل “اليوم” الذي ركز على الاحصاءات ليقنع القارئ بسوء الوضع الذي تعيشه الامة الاسلامية ، و هو أمر لم يعد بحاجة الى إثبات !..

و كان بعض الاخوة و الاخوات قد أبدوا تخوفهم من أن الطبعة الجديدة المنقحة- التي تم الحديث عنها سابقا- قد تتخلى عن الروح النقدية التي ميزت البوصلة القرآنية ، و تخوفهم مفهوم حتما ، لكن الأمر في الطبعة الجديدة ليس ذلك ، فالفصل الاشكالي “الامس المستمر” –على سبيل المثال ، أضيفت عليه الملاحظات التوضيحية و لم يحذف منه سوى سطر واحد لن يغير من تفاصيل الفصل و فحواه شيئا…

البوصلة القرآنية صدر بعنوان ثانوي جديد : إبحار مختلف بحثا عن خريطة للنهضة….

 

مقاربة الآية القرانية : من التفسير القاموسي الى الرؤية الكونية : د. محمد موسى باباعمي

مقاربة الآية القرآنية: من التفسير القاموسي إلى الرؤية الكونية

————————-worldview11

الخطاب القاموسي الكلاسيكي:  في الخطاب اللغوي القاموسي تكاد المصطلحات تتحوَّل إلى مترادفات، عادة ما تُدخلنا في الدور المنطقيِّ الفاسد.  فمثلا: لو سألنا عن حقيقة الإدراك ومعناه؟ سيجيبنا القاموس بأنَّ “الإدراك، من أدركَ المسألةَ: علمها”، أمَّا المدرِكات فهي “الحواسُّ الخمسة”

وماذا عن “علِم”؟
يجيبنا القاموس مرَّة أخرى، “علِم الشيءَ وبه: شعر به وأدركه”.
ولا نملك أن نواصل البحث بهذا الأسلوب المعهود في أغلب البحوث التقليدية للأسف؛ لأنَّنا لن نخرج من دائرة اللفظ العامِّ القابل لكلِّ دلالة، دون سند معرفيٍّ يمكِّننا من الانطلاق في سماء المعرفة بلا تردد.

المنظومة المعرفية وضبط المفاهيم:
ومن ثمَّ كان لزاما على كلِّ منظومة معرفية أن تضبط مفاهيم المصطلحات الأساسية، التي يُردُّ إليها كلُّ مصطلح بالتبع، وهي لا تردُّ إلى غيرها… أي ما يشبه المسلَّمات في مناهج البحث العلميِّ؛ فهي وإن كانت مما لا يستدل عليه، ولا يطلب الاستدلال عليه، تؤسِّس حجر الزاوية في العلم والتخصص. وهي كذلك شبيه بالأكسيومات في المنطق.

وأعتقد أنَّ من أبرز المصطلحات التي يجب على كلِّ طالب علم أن يكون له –على الأقل– أدنى تصور بها، أو الحدّ الأدنى من فهمها… المصطلحات التي تحوم حول: مصادر المعرفة، ووسائل المعرفة، وأهداف المعرفة، وأنماط المعرفة… الخ.

مفهوم الإدراك:
ولعلنا في هذا المقال الموجز نتعرَّض إلى مفهوم “الإدراك”، الذي حير العلماء في مختلف التخصصات إلى يوم الناس هذا، فقاربوه بعدَّة مداخل، لكنهم –للأسف عجزوا عن إيجاد أدنى تفسير له، أدنى تفسير مقنعٍ ومحكمٍ-.

تتعلَّق بـ”الإدراك” عدَّة مفاهيم محورية، منها: مفهوم “العقل”، و”القلب”، و”الفؤاد”، و”الحواس”… ومفهوم “العلم”، و”المعرفة”، و”الإحساس”، و”الشعور”، و”الوعي”…. ومفهوم “المعنى”، و”الدلالة”، و”الخطاب”، و”اللغة”…

ولا شكَّ أنَّ تاريخ العلم يكشف عن مواقف تجاه هذه الألغاز والمقولات، أكثر مما يكشف عن أدلَّة وتفسيرات محكمة؛ فمن المدرسة العقلية إلى المدرسة المثالية، إلى المدرسة الحسية… ومن اتجاهات المضمون، إلى البنيوية، إلى التفكيكية… وصولا إلى الحداثة وما بعد الحداثة… كلُّها محطاتٌ، الوقوفُ فيها يفترض اتخاذ موقف “مع” أو “ضدَّ” اتجاه معيَّن، موافق أو مخالف لـ”النظرية أو الافتراض الأساسي”…
فالمدرسة المادية مثلا اجتهدت في التقليل من قدر “الإدراك”، بل في إلغائه واعتباره مجرَّد “وهم” أو “خرافة” لا غير، يقول “نيك هربرت”: “كلُّ ما نعرفه عن الإدراك، هو أنه شيء له علاقة بالرأس، أكثر مما له علاقة بالرجل”.

والغريب حقا أنه بعد قرون من التطور العلمي، لا تملك البشرية اليوم أيَّ وسيلة – آلة، أو جهاز، أو حاسوب… – يمكنه أن يكشف عن حضور أو غياب أيِّ نوع من أنواع الإدراك في العقل، أو في أيِّ مكان آخر.
فأين يكمن المشكل إذن؟

المدرِك والمدرَك:
المشكل يكمن في كون “الراصد” هو نفسه “المرصود”، و”الباحث” هو ذاته “المبحوث”؛ أي باختصار يفترض أن يكون “المدرِك” هو ذاته “المدرَك”؛ فكأنك تريد أن ترى عينك بعينك مباشرة، دون واسطة، أو تسمع بأذنك لأذنك بلا واسطة… ولكن، إذا كان بالإمكان رسم العين، ورؤيتها بذات العين في وضع مختلف، أو كان بالإمكان الوقوف أمام مرآة ورؤية العين بالعين…. ونفس الشأن بالنسبة للأذن… فهل بالإمكان تجسيد الإدراك لإمكانية إدراكه بعد أمد، أو تخزينه، أو تصويره، أو حفظه… بأيِّ وسيلة كانت؟

طبعا، كل العلوم عاجزة عن ادعاء ذلك، بل إنها ستصمت حيال مثل هذه الأسئلة إلاَّ ما كان ذا طابع “فلسفي” “عقلي”، أي “إدراكيٍّ”… غير محسوس، يتعامل مع المدرَكات كما هي ولا يفسرها، بل ولا يحاول تعريفها بحدٍّ واضح، وإنَّما يسلم بها، وكفى.
غير أنَّ الاتجاهات الوضعية ترفض مثل هذا الطرح، وتخرجه من دائرة العلم، بل وتعتبره “معتقدا” أو “خرافة” أو “غيبا” ولا تعطينا المزيد.

هنا، يأتي السؤال المحير:
هل يمكن للعلوم التجريبية المادية التطبيقية أن تجيب عن هذا السؤال، أي عن سؤال “الإدراك”؟
- الجواب بإجماع: لا تستطيع ذلك؟
لكن، لماذا ترفض أيَّ محاولة أخرى للإجابة؟
- ذلك أنها انخدعت بمنجزاتها المادية، واعتقدت أنها يمكن أن تقول أكثر مما يُنتظر منها؟
فما الذي جرأ “هاوكينغ” – مثلا – على الحديث عن “الخالق”، وعلى رفضه بأسلوب تهكمي، بل على نفيه بآلة العلم التجريبي؟

- ذلك أنَّه، وهو العالم الكبير في الكوسمولوجيا، اعتقد أنه يعرف أكثر مما يقوله له تخصُّصه، بل وَهَم أنه يمكنه الحكم على جميع التخصصات والمجالات والمقولات التي تخرج من دائرة علمه التجريبي.

وغريب قول “إدوارد ويلسون”: “إنَّ المخ – بغدده – مغلقٌ، بشكل لم يبقَ معه مجال يمكِّن الروح أن تدخل أو توجد ماديا”

فلننظر هنا إلى الجهل الذي آل بصاحبه إلى النفي، عوض العلم الذي يمكِّن صاحبه من الاعتراف بحدود علمه، وعدمِ الادعاء بمعرفة ما لا يعرف.

ما علاقة ذلك بنموذج تفسير الرشد؟
إنَّ “تفسير الرشد” يريد أن ينبِّه الباحث المسلم إلى أنَّ:

*وراء اللفظ معاني تتجاوزه،

*ووراء المعاني الأولى مفاهيم تتجاوزها،

*ووراء المفاهيم “نماذج” و”رؤى كونية” هي التي تستقبل أيَّ “موضوع”، وتوجهه الوجهة التي تريد… فالموقف من الخالق، ومن الإنسان، ومن الطبيعة، ومن الغيب،  ومن الحواس، ومن الوحي، ومن الروح، ومن الإدراك… الخ… هي التي تؤسِّس أرضية صلبة أو هشة لتلقي “توجيه الدلالة” الوجهة التي نريد.

والآية القرآنية عندما تنقدح في عقل إنسان، ثم تلتصق بشكل ما في المخ المادي، لا تبقى هكذا فجة جامدة خاوية؛ لكنها تتفاعل مع “نماذج” و“رؤى كونية” مسبَقة، هي التي ترسم “هندسة المعنى” بعد ذلك؛ فأن تدخُل الآيةُ في “سوق” أو “مصنع” ليس مثل إدخالها في “مسجد”، أو “مقبرة”…

ففي السوق تتحول إلى وسيلة للربح، وأداة للمتاجرة، وفي المصنع تتحول إلى مادة خام وبضاعة، أمَّا في المسجد فتتحول إلى معنى غير مادي ولا مجسد، متعال متجاوز… لا يحده حد، ولا يأويه حيز… أما إدخال الآية في “مقبرة” فيحولها إلى عالم الأشباح والطلاسم…

إذا التففنا حول هذا المدخل، فتعال نبحث عن إدراك الآية من خلفية أو نموذج “يئن بترسبات التخلف، والهوان، والذل، واللامعنى، والفوضى، والخرافة، واللاسببية…” فهل يُنتظر منها (الآية) بعد ذلك أن تولِّد حضارة، أو تصنع مجدا، أو تغير واقعا؟

لو كان المجيب إنسانا بدائيا بعقل إطلاقيٍّ لرفض هذا الطرح وهذا السؤال، ولقال: “الآية تفعل فعل السحر، وتحول التمثال جسما عاقلا مدرِكا… لكننا، فقط لم يكتمل إيماننا بقدرة الله تعالى”.
(وكأنَّ الإيمان – بهذا المعنى البدائي – يساوي خرق السنن، واحتضان العجائب والخوارق عوضا عن الأسباب)؟

لكنَّ المجيب – بحمد الله – هو الخالق للمدرِك وللمدرَك على السواء، فقد قال: “يُضل به (أي بالقرآن) كثيرا، ويهدي به كثيرا… وما يُضل به إلا الفاسقين”

من هم هؤلاء الذين خرجوا عن المألوف، وانحرفوا عن المعروف… ليس فقط في حقل المجتمع… لكن، كذلك في حقل الهداية والضلال بكتاب الله تعالى… أي في حقل المعرفة، التي هي سياق هذه الآية؟
يصفهم تعالى بقوله: “الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر  الله به أن يوصل، ويفسدون في الأرض… أولئك هم الخاسرون”
النقض، والقطع، والإفساد…

إذن الذي “ينقض عهد الله” إذا جاءته آية من آيات الله سبحانه، تحوَّلت عنده، وفي مستوى عقله وقلبه إلى سبب للضلال والإضلال…

وكذا من قطع ما أمر الله أن يوصل، وليس فقط “قطع الأرحام”، بل كذلك “القطع بين الأسباب والمسببات”، و”القطع بين المقدمات والنتائج”… وكلِّ ما أُمرنا بوصله إذا قطعناه، فإنَّ كلام الله تعالى يتحول في عقولنا إلى سبب للضلال والإضلال…

وكذا الإفساد في الأرض، الذي هو ثمرة للفساد في القلب، والعقل… بل هو تجلّ من تجليات فساد الإدراك… يحيل الآية إلى مقدمة للضلال والإضلال…

النتيجة العامَّة والنهائية هي: الخسارة والخسران المبين… “أولئك هم الخاسرون” لا غيرهم.

نتيجة التحليل
أنَّ “تفسير الرشد”، قبل أن يهتمَّ بالمعاني، يصبُّ جهده على ما قبل “المعنى”، وعلى حقيقة “الإدراك”، وعلى “النماذج” التي ترسم خريطة عقل الإنسان، وعلى “الرؤى الكونية” التي تشكل محيطات العقل وشواطئه… إنه تفسير يعنى بـ“البراديم”، و“بالمعرفة” ابتداء وانتهاء… ولا يلغي المداخل الأخرى: مثل اللغة، والتاريخ، والفقه… الخ.

فهل سندرك ميلاد نموذج “تفسير الرشد”؟ أم أنَّه سابق لأوانه؟ أم أنه مرفوض من أساسه؟
أترك الجواب للعلماء، والمفكرين، والنقاد… مجتمعين لا متفرقين… والله ولي التوفيق.

التجديد: الخروج الحتمي من “طول الأمد”…

bad-charity-challenge1التجديد: الخروج الحتمي من “طول الأمد”…

د.أحمد خيري العمري- القدس العربي

 مفاهيم دينية كثيرة تعرضت لسوء الاستعمال والتشويه ومن ضمنها مفهوم التجديد الديني الذي تعرّض ويتعرض لعدة أنواع من سوء الاستعمال المتعمد وغير المتعمد.

  يستند مفهوم التجديد من الناحية التأصيلية الشرعية إلى حديث الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام: « إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا » (رواه أبو داود والحاكم وابن خزيمة والبيهقي والطبراني)…

لكن التجديد وإن رُبِط بهذا الحديث لوضوحه واشتهاره فإنه يظل أكبر من الاستناد إلى حديث واحد فقط، فالتجديد  يمكن أن يربط أصلا بالنص القرآني الذي فتح باب التجديد عندما حذرنا من المكوث في طول الأمد في التعامل مع الكتاب (وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ) الحديد 16، فالسياق هنا يتحدث عن “تعامل معين مع الكتاب”، أي بعبارة أخرى عن “فهمٍ معين للنص الديني”، تعامل طال عليه “الأمد”.. والأمد في لسان العرب يعني المدة الزمنية الطويلة، أو منتهى العمر، والمعنى هنا أنهم مكثوا في أمد معين دون حراك، أي أن تعاملهم مع الكتاب ( فهمهم للنص) لبث في فترة زمنية وبقراءة معينة دون تغيير، وأدى ذلك إلى أن “قست قلوبهم” وقسوة القلب هنا هي مناقضة لخشوع القلب الذي طالبت  نفس الآية المؤمنين به في مطلعها “أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ”…

 وقد ذكر الخشوع في القرآن في تكامل مع الإنتاج والإثمار فخشوع الأرض في القرآن الكريم كان تمهيدا لإنتاجها وإثمارها كما في (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ) فصلت 39.. كما أن المعنى الأساسي للفعل خشع في لسان العرب يعني النزول والهبوط ومنه ، كما في (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ)، وهذا يلفت نظرنا إلى أن الخشوع يرتبط دوما بالالتحام بالأرض وبالواقع الأرضي اليومي، وليس بالتحليق في الأبراج العاجية.. كما أنه ليس هدفا بحد ذاته بقدر ما هو وسيلة للإنتاج.. ( اهتزاز الأرض وإنباتها في مثال  خشوع الأرض، وإنتاج فهم جديد في مثال خشوع  التعامل مع الكتاب)..

و لا ينبغي هنا أن نتجاوز ثلاث ملاحظات:

-    أولاً، ارتباط الخشوع (المؤدي إلى الإنتاج) بالقلب ( الذي هو الجوهر، والذي يعني الثوابت التي لن تُمَسّ في عملية التجديد بل ستكون أساساً قويا للبناء عليه)..

-   ثانيا، أن السياق القرآني لم يَصِمْ كل هؤلاء (الذين طال عليهم الأمد فقست قلوبهم) بالفسوق، بل قال (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)، أي ليس كل من رفض التجديد وطال عليه الأمد في تعامله مع الكتاب هو فاسق بالضرورة، بل قد يكون يعتقد أنه يدافع عن الدين وعن الكتاب، وهذا أيضا أمر مشاهد في الكثير من الحرس القديم الذين هم ضد أي جديد بالمطلق بنية إيجابية أحيانا..

-   ثالثا، إن الإتيان بفهم جديد لا يشترط التناقض والتصادم مع الفهم القديم بالضرورة، بل قد يكون إضافة بُعدٍ جديد يفعّل المزيد من المعاني دون أن يلغي ما سبق بالضرورة، مثال ذلك القراءة السابقة لآيات الخشوع في التعامل مع الكتاب، فقد تعودنا أن يتعلق الخشوع بالانفعال العاطفي المباشر بالتذكير بآيات الله، والفهم الآخر الذي يفترض علاقة الخشوع بالفهم المنتج للكتاب لا يلغي الفهم السابق بل يوسعه فحسب، في الوقت نفسه هناك بعض القراءات المتناقضة بالضرورة والتي لا يمكن الجمع بينها، على سبيل المثال قراءة آيات سورة الأنعام المتعلقة بسيدنا إبراهيم (قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ)، هذه الآيات لا تحتمل الجمع بين القراءة السائدة التي تعدّ أن إبراهيم كان يحاور قومه، والقراءة الأخرى الأكثر انسجاما مع النص والتي لها جذور أكثر أصالة، التي ترى أن إبراهيم كان يتساءل فعلا وأن ذلك كان قبل النبوة والوحي.

في كل الأحوال، التجديد ضرورة حقيقية  بل هو سنة الأنبياء والصحابة ومن “اتبعهم بإحسان” فلننتبه أن الاتباع مشروط هنا بـ-الإحسانوما دام ينطلق من ثوابت واضحة لا تمس الخطوط الحمراء ولا تمس الحلال والحرام فهو الحصانة الحقيقية  ضد “طول الأمد” في التعامل مع الكتاب الذي يؤدي إلى قسوة القلب، أي إلى عدم التفاعل، وبالتالي عدم الإنتاج..

التجديد الحقيقي لا ينعزل عن الواقع، لكن الأمر المهم هنا في عدم العزلة، هو أنه لا يستلهم الواقع لكي يكون مصدره في التجديد، أي إنه لا يجعل من التجديد حجة لتطويع النص الديني وجعله منسجما مع الواقع، على العكس، التفاعل مع الواقع يجب أن يكون مستفزا للنص لكي يُستخرَج منه كل ما يمكن من أجل تغيير الواقع وإعادة بنائه (أليس هذا ما أنزل النص من أجله في الأساس؟)، وليس العكس، ليس قراءة النص من أجل إعادة بناء النص..

التشويه الكبير الحاصل مع التجديد يأتي مع هذا النوع من ادعاء التجديد، أي من مشروع حقيقي لإعادة قراءة النص على نحو ينسجم مع الواقع المفروض وأفكاره ومبادئه .. جزء من هذا المشروع هو ذلك الجهد الذي يبذله “أدعياء التجديد الديني” بنجاح متفاوت في الأمر، مشروع هؤلاء لا ينبغي أن يُقرَأ  كما لو كان محض “فتاوى شاذة” متفرقة تحلل الحرام فحسب، إذ كان هناك دوما فتاوى شاذة  مشابهة الى حد ما من قبل فقهاء وعلماء معروفين و لهم مكانة ما في التراث الإسلامي، لكن ذلك يجب أن يُقرأ ضمن جهد أدعياء التجديد الكلي ، إذ إن الهدف التراكمي الواضح من كل قراءتهم لم يكن محض إباحة للخمر مثلا أو نزع للحجاب، بل كان في قراءة تؤصل تعطيل النص وتحييده عن أية إمكانية للتفعيل، وهنا خطورتهم الحقيقية، شخصيا لا أفترض نظرية مؤامرة وتجنيد مبكر لهؤلاء، فنحن نعيش في عصر صار التغريب ينتشر فيه بقوة الإنجاز الغربي دون الحاجة إلى عملاء مباشرين لنشره ( على العكس من الأمر في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، إذ كان الأمر يحتاج آنذاك إلى مفكرين مجندين لنشر التغريب، وليس من باب الأسلمة بالضرورة، أما اليوم فالأمر ابتداء يبدأ من عقيدة النقص والاستلاب الذي يستمد روافده الأساسية من الإنجاز الغربي ومن اللاإنجاز الإسلامي) لاحقا، وعندما يثبت بعض هؤلاء جدارة في كونهم قادرين على نشر الأفكار الغربية بصبغة إسلامية فإنهم يتلقون دعما معلوما وواضحا ..

أي محاولة لغض النظر عن تقارير مؤسسة “راند” وتجاهلها تشبه محاولة بائسة  لدفن الرأس في الرمال، وتقارير مؤسسة “راند” واضحة وصريحة تذكر أسماء معينة من أدعياء التجديد وتوصي بدعمهم -المادي ؟- والمعنوي (وهذه التقارير منشورة علنا في موقع المؤسسة الرسمي وباللغتين العربية والانجليزية، أي إننا لا نتكلم عن كتاب مجهول المصدر – بروتوكولات حكماء صهيون على سبيل المثال- الذي يمكن دوما المجادلة بأنه مزيف، رغم أن الواقع منحه مصداقية فائقة).. تجديد هؤلاء لا يخرج الأمة من طول الأمد بقدر ما يحاول إدخالها في أمد آخر قد لا يتوافق مع ثوابتها ومنطلقاتها، وقد لا يؤدي أيضا إلى أهدافها..

لكن هؤلاء يظلون رغم خطورتهم القمة البارزة من جبل جليد غاطس في الماء، إنهم يمثلون التجديد المزيف الذي يمكن كشفه بسهولة لأنه يتجاوز خطوطا حمراء كثيرة، لكن هناك تحت السطح ظواهر تجديدية لا تقل خطورة وقد تزيد على المدى البعيد، أصحاب هذه الظواهر التجديدية ليسوا مثل أدعياء التجديد، وهم لا يقتربون من أي خط أحمر حاسم، كما أنهم يدعون غالبا إلى الالتزام بالشعائر والأخلاق  الإسلامية ولا أتصورهم إلا مخلصين في ذلك، لكن مشكلة “تجديدهم” أنه محاولة غير واعية لأسلمة كل ما يفترضون إيجابيته في الحضارة الغربية عبر البحث عن نص ديني يمنح معنى مشابهاً أو حادثة في السيرة يمكن تأويلها على نحو مماثل، والخطورة في ذلك تكمن في سطحية النظرة القائلة أنه يمكن استيراد بعض إيجابيات الغرب ونقلها بالمسطرة دون أخذ الجذور الفكرية والعقائدية لهذه الإيجابيات، وهو أمر سطحي وسائد للأسف ويقوم على نشره رجال دين ودعاة دون الانتباه إلى خطورة ما يفعلون، مثال على ذلك ظاهرة احترام الوقت، احترام الوقت ظاهرة إيجابية غربية مهمة ( ومبالغ في حقيقة وجودها بالمناسبة، في أمريكا على الأقل)، في الوقت نفسه، احترام الوقت “مقدس” في الإسلام وبنصوص كثيرة لا سبيل لإيرادها الآن، لكن هذا التشابه ينتهي هنا، جذور الأمرين مختلفة تماما، فاحترام الوقت في الغرب ظاهرة سلوكية مرتبطة بالربح والمادة واعتبارهما المقياس الأول، بينما هو يرتبط في الإسلام بقيم عقائدية مختلفة تماما وترتبط على نحو أساسي بوجود الإنسان على هذه الأرض ووظيفته عليها، الربط بين الأمرين غير ممكن، و الادعاء الدائم  بأن “الغرب قد سبقنا لأنه طبق ما نملكه نحن أصلا” ليس أمرا خاطئا  و سطحيا فحسب بل هو في الوقت نفسه لا يخلو من خطورة لأنه يمنح شرعنة غير مباشرة للجذور الفكرية لهذه الظاهرة الإيجابية في حد ذاتها بمعزل عن جذورها التي قد تكون مخالفة لثوابت عقدية، المتلقي  لا يعيش في أنبوبة مفرغة من الهواء، بل هو يعيش إنجازات الغرب ونجاحاته ومنتجاته والتسبيح بحمده ليل نهار- إعلاميا- شاء أم أبى، وهذا كله يجعله مهيئا ولو على نحو غير واع لتقبل كل ما في الغرب واعتباره هو المصدر الأساسي في كل شيء، ومقاربات ومقارنات من هذا النوع تسهم في ذلك بأكثر مما يتخيل دعاة هذا النوع من الأسلمة، بعبارة أخرى، تأصيل احترام الوقت أمر مهم وحتمي، لكن ذلك يجب أن يتم بأدوات إسلامية وضمن نفس المضمار الذي غرس  في الجيل الأول.. احترام الوقت دون الحاجة إلى مقارنات ومقاربات مع منظومات حضارية مختلفة…. ماذا لو كان الغرب لا يحترم الوقت مثلا، هل سيكون علينا أن لا ندعو إلى احترام الوقت أو نتجاهل الأمر..؟ احترام الوقت جزء أساسي من ديننا بغض النظر عن الغرب، خمس دقائق فقط كفيلة بإخراج الصلاة عن وقتها.. عندما نراجع ذلك مع أهمية الصلاة وكونها عمادا للدين، لا بد أن يترسخ احترام الوقت لكل من يلتزم بالصلاة، عندما يُقدَّم له مفهوم الالتزام بالصلاة على هذا النحو..

أمر آخر يسيء إلى التجديد على نحو غير مباشر، هو إعادة تقديم التراث( أي الفهم البشري للنص الديني) بأسلوب جديد معاصر وباستخدام تقنيات حديثة ( عرض شرائح أو تقديم ثلاثي الأبعاد..الخ) ومن ثم توصيف هذا الأمر بأنه تجديد….. لا مشكلة طبعا في إعادة تقديم التراث فبعض ما فيه صالح للاستخدام المعاصر أكثر بكثير من أغلب الحداثيين وهمهماتهم ( كما لا بد من اجتثاث البعض الآخر منه واستئصاله بلا هوادة ) لكن المشكلة هي في إيهام المتلقي أن هذا هو التجديد: مجرد إعادة تقديم ما قاله الأولون بثوب جديد ولون جديد، مجرد طبعة إلكترونية من كتاب قديم.. وهذا الأمر يرسخ في الأذهان أنه لم يعد هناك جديد، وأن كل  ما يمكن فعله هو إعادة القديم بثوب جديد وهيئة جديدة، أكرر: لا بد من استثمار بعض التراث وتقديمه على نحو يسهل التفاعل معه، لكن هذا شيء والتجديد شيء آخر تماما، والخلط بينهما يضر بمفهوم التجديد..لا خروج هنا من “طول الأمد” بقدر ما هناك تزيين لنفس الأمد وإضفاء بعض الملامح و الديكورات “الحديثة” عليه..

خلط آخر بدأ ينتشر مؤخرا، وهو الخلط بين التجديد وبين الأعمال الخيرية المتنوعة والمبادرات الفردية والجماعية في هذا المجال، لا شك أن هذه الأعمال والمبادرات الخيرية مهمة وتستحق كل الاحترام والدعم، لكن فعل الخير لا يجب أن يخلط  مع مفهوم التجديد، كما يجب أن نتذكر أن الأمة لم تعدم قط من يفعل الخير، لا ننكر قطعا الحاجة الماسة إلى التنظيم وتحويل الجهود الفردية إلى جهد جماعي يصب في خدمة المجتمع، لكن هذا كله –على أهميته- ليس تجديدا، قد يمكن المجادلة هنا أن هذا هو تجديد في العمل الخيري، وهو ممكن ضمنا، لكن إطلاق كلمة التجديد كانت منصبة دوما (وعن حق) على المجال الفكري فقط،  وكل المجددين في العصور المتلاحقة كانوا أولئك الذين قدموا جهدا فكريا يصب لصالح تجديد دين الأمة، بالضبط كما جاء في الحديث الشريف الذي حدد تجديد دين الأمة، وليس الدين بالإطلاق، (إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا)، فالنص الشريف حدد دين الأمة، أي فهمها لهذا الدين، وليس “الدين” بالإطلاق، الذي نعرف ثباته وعلوه عن أي تغير زمان ومكان، وهذا يربط عملية التجديد بالجهد الفكري الذي يبذل لتقديم فهم جديد وفعّال للتعامل مع الكتاب بالضوابط والشروط التي مر ذكرها، وليس بالعمل الخيري بكل حال من الأحوال..

 

من النتائج غير المباشرة للربط بين التجديد والعمل الخيري، الإيحاء بأن التجديد عمل جماعي، يمكن لفريق كامل أن يشارك فيه، بل يصل الأمر أحيانا لوصف الجيل كله بذلك، صحيح أن الأمر قد يستخدم لغرض إثارة حماس هذا الجيل  نحو التجديد و النهضة، لكن طبيعة الأمر لا تحتمل هذا التبسيط، فعملية التجديد ليست عملا جماعيا بل لا يمكن أن تكون كذلك، بل هي عملية فردية حتما في شرارتها الأولى على الأقل، وقد تتطلب وقتا كبيرا قبل أن تنتقل الشرارة إلى مرحلة أخرى ينتشر فيها نورها إلى أعداد كبيرة – أي إلى الجماعة.

أمر آخر غير مباشر ينتج عن هذه النظرة للتجديد، هو الإيحاء-عبر الهالة الاحتفالية إعلاميا- بأن طريق المجددين سيكون مرضيا عنه جماهيريا، والحقيقة أن أية عملية تجديد حقيقية لا بد أن ترتطم بأفكار قديمة مكرسة وبمؤسسات تستمد وجودها من سلطة هذه الأفكار المكرسة و ليس من الضروري أبدا أن الجماهير ستنحاز لصالح التجديد، والمجدد الحقيقي لا بد أن يدرك طبيعة حقول الألغام التي يخوض فيها، فتجديده جهاد متعدد الجبهات، مرة مع الفكرة الأساسية التي يعمل عليها ويستخلصها من النص الأصلي ملتزما بشروط تضبط هذا التجديد وتمنعه من الشطط، ومّرة مع المؤسسات التقليدية التي سترى في تجديده مساسا بسلطتها حتى لو لم يمس هيبة النص، ومّرة مع أدعياء التجديد الذين شوهوا مفهوم التجديد وعلى المجدد الحقيقي أن يثبت دوما أنه ليس منهم..

قبل مدة وجيزة، كتب لي أحد القراء، وعمره لا يتجاوز العقدين كما يبدو من بريده الإلكتروني، موقعا باسم اختاره لنفسه: مجدد قادم !…  في هذا استسهال لأمر التجديد ناتج عن تلك الأفكار المبسطة التي انتشرت مؤخرا، وهو استسهال مضر بالتجديد الحقيقي الذي يجب أن يتواضع أصحابه تجاه مسئولياتهم الجسيمة، لا يوجد مجدد حقيقي واحد يجرؤ على أن يطلق على نفسه اسم “مجدد”…. يمكن أن يبذل جهوده في التجديد، أن يدعو إلى التجديد، لكن لقب المجدد لن يستحقه حقا إلا بعدما يبرهن الزمن أن أفكاره قابلة للتطبيق وأنها قادرة على المساهمة في إخراج الأمة من عنق زجاجة الأمد الطويل..

 

 تقرير مؤسسة راند باللغة العربية

 تقريران لمؤسسة راند باللغة الانكليزية عن بناء الاسلام المعتدل ، و دمقرطة الاسلام

                     rand                                                                     rand2 

نوع آخر من الايمان : براء أصفري

نوع آخر من الإيمان



   بتأمّل بسيط على واقعنا ومقارنته بجميع الأعمال التي بذلت في سبيل النهضة، فإننا نجد أنّ انعكاس هذه الأعمال على أرض الواقع (في شوارع بلادنا) شديد البطء. سيقول البعض أنّ هذا الأمر طبيعي ما دمنا في أول الطريق. طبعاً، أنا أتفق معهم، لكني لا أقصد هذا المنحى من المعنى، فهذا البطء لابد منه ما دمنا في بداية الطريق.. لكني أبحث عن المقياس الذي بواسطته نعلم أن البطء الذي تسير به النهضة هو في حدود المعقول. لكي لا نوهم أنفسنا فنقول أنها تسير ضمن المعقول وهي بالواقع واقفة أو تسير أبطء من المعقول..

لكن بالحقيقة، البحث عن مقياس حقيقي يقيس سير النهضة هو أمر صعب لأنه من الصعب فعلاً ربطه بشيء محسوس وآني. فلا نستطيع مثلاً أن نربط هذا المقياس بالعمل، فالناس لا تملك الجهد نفسه والوقت نفسه وحتى الميول نفسه. ومن ناحية أخرى نتائج العمل تحتاج للوقت لإظهار النتيجة، وهذا الوقت قد يمتد لسنوات. وربما عندما تمر هذه السنوات نعلم أنّ أموراً قد فاتت كنا نستطيع أن نعدّلها، أن نطوّرها لو كنّا ندركها منذ البداية، وهذا ما سينعكس سلباً لاحقاً على النتيجة. أو أنّ النتيجة لم تكن مرضية وأقل مما كان متوقعاً.. وكذلك الأمر مع القراءة، فلا نستطيع أن نعرف أنّ بازدياد عدد القرّاء لهذا الموقع مثلاً أنه سيدل بشكل مباشر إلى مسيرة النهضة. فليس كل شخص يقرأ يتفاعل، أو يترجم بشكل عملي ما يقرأه. إذاً ما الحل؟

ربما الحل باعتقادي يكمن في الإيمان!. طبعاً لا أقصد هنا الإيمان بالله عزّ وجل وبملائكته وكتبه ورسله، فهذا موضوع آخر تماماً.. لكني أبحث عن مقياس حقيقي يربطنا بالواقع، يربط نهضتنا التي نرجوها بالواقع.. هذا الإيمان هو الإيمان بجدوى العمل، حتى قبل القيام بالعمل.. ربما هذا الشيء الذي ينقص نهضتنا الآن لكي تندفع للأمام بسرعة أكبر. لكي تسير بخطى أسرع. هذا الإيمان هو الروح الذي ربما سيبث في جسد النهضة، ربما ستكون الشرارة الكهربائية التي ستولّد الحركة الميكانيكية لمحركات النهضة.. فنظرة سريعة علينا (نحن المسلمين جميعاً) سنرى أن لا أحد منا على الأغلب لديه هذا النوع من الإيمان. لا أحد (على الأغلب) يستطيع أن يتصوّر حتّى في الخيال فقط أنّ الواقع الذي نعيشه اليوم يمكن أن يتغير تماماً بعد سنوات قليلة من الآن!. نعم ربما هناك إيمان بجدوى العمل لاحقاً لكن ليس الآن، ليس على المدى المنظور، ولا حتى على المدى الذي يلي مباشرةً المنظور.. هذا الإيمان باعتقادي هو ما سيشكّل المقياس الحقيقي للنهضة.

في حياتنا الاعتيادية اليومية نسمع مراراً وتكراراً من أناس كثر جداً جداً بمختلف الفئات والطبقات كلاماً يعبّر عن فقدهم للأمل (كلياً) بجدوى أي عمل لتغيير هذا العالم الذي هم فيه. لا شيء ممكن أن يؤثّر. ومع ذلك نحاول جاهدين إقناعهم بأن يقوموا بشيء ما يفيد النهضة، أن يتركوا بصمة قبل أن يرحلوا. أن يستشعروا قيمة الحياة، قيمة أن يعملوا من أجل عمارة الأرض ما داموا هم (ونحن) خليفة الله عزّ وجل على الأرض.. ندعوهم بكل ذلك، وهذا جيد ومهم، لكن هذا الكلام للأسف لا يؤثّر.. فهناك ربما شيء سيحرك هذا كله، سيبث الروح فيه، سيطلق تلك الشرارة الكهربائية. لأنّ هذه اللغة (الطريقة التي نتكلم بها) لن تتفاعل، لن تكون ذات معنى على أرض الواقع، ستظل لغة صماء عن الواقع إن لم يسبقها ذلك الإيمان.. بأنّ العمل الذي سيقوم به، أي أحد، سيترك أثر على المنظور القريب، والقريب جداً.


هل تعتقدون أنّ هذا الكلام حقيقي؟ أم أنني أبالغ في الوصف!؟

ربما لابد لنا من مراجعة سريعة في كيفية انطلاقة النهضة الإسلامية، لنستطيع أن نحدد بعدها إن كان هناك أي مبالغة في الوصف..

  جميعنا يعلم جيداً أن الإسلام كحضارة بدأت من رجل واحد، وهذا الأمر بالتحديد ما يجعل من مهمة انطلاقة النهضة (التي حدثت في تلك المرحلة) تكون أشبه لمهمة مستحيلة. فنحن هنا لا نتكلم عن موروث قوي متراكم قد يتمّ الاستفادة منه كما حدث هذا في معظم الحضارات. فالرسول محمد صلى الله عليه وسلم لم يملك أي من الإيجابيات التي تساعد في بناء النهضة، والتي بدورها ممكن أن تختزل الزمن، أن تسرّع من وتيرة المسير.. فقد بدأ حقاً من الصفر، من اللاشيء، من انعدام كل العوام المساعدة لقيام النهضة، بل حتى انعدام كل المظاهر المبشّرة بقيامة النهضة!. لم يملك أي شيء إطلاقاً إلا بعض التعاليم الإلهية التي كانت تتنزّل عليه بين الفترة والأخرى. مرّت سنين معدودة (ما يقارب 25 سنة)، فُتحت بلاد الشام وبلاد الرافدين ومصر وانضمت إلى بلاد المسلمين. هازمين أقوى إمبراطورتين في العالم في تلك الفترة هما إمبراطورية الروم وإمبراطورية الفرس. (طبعاً هنا لا يعني أن الجانب العسكري هو المهم بالنهضة التي حققها المسلمين آنذاك، لكن باختصار نقول أنّ نظرة سريعة لما كان عليه العرب قبل نزول الإسلام وما بعده، نجد أن النهضة الحقيقية التي حققها هي في بناء الإنسان الحقيقي.. فالانتصار الذي حقّقوه على الروم والفرس لم يكن نتيجة فقط كثرة العبادات ونصرة الله تعالى لهم. بل كانت متمثلة حقاً في أنهم أصبحوا يحملون مقومات الحضارة الحقيقية التي خوّلتهم أن يتربّعوا على عرش الإمبراطوريات..)

إذاً من اللاشيء إلى بداية إمبراطورية إسلامية في غضون 27 سنة تقريباً.. هذا هو تاريخنا، وبالمناسبة لسنا الوحيدين. فكما ذكرت، جميع الأمم كانت تنهض بفترات مشابهه لهذه الفترة. إلا أنّ ما يميزنا حقاً عن باقي الأمم، عن باقي النهضات، أن نهضتنا كانت الأصعب، كانت المهمة المستحيلة التي تحققت.

 

  أي، ما أريده من هذا الكلام كله، هو أنّ الناس بشكل عام لم يعد في نفوسهم إيمان بأنّ عمل أي شيء سيكون مجدي لتغيير واقعنا نحو الأفضل، هذا النوع من الإيمان مفقود بشكل شبه تام. وحتى يعود مثل هذا الإيمان في نفوس الناس، يجب أن نقنعهم بأنّ التغيير ممكن، ليس فقط ممكن وسيكون لاحقاً في عالم لا نكون نحن فيه، بل ممكن بعد زمن قصير والأغلب أننا سنشاهده وسنلمسه. عندها، هذا الإيمان سينعكس بشكل إيجابي على الشارع وعلى الناس، لأن هذا الإيمان سيدفعهم كل صباح ليقوموا بشيء ما، إنّه سيثيرهم ليفكّروا، ليعملوا، لأنّه ببساطة سيكون من المجدي القيام به! ليس في الآخرة عندما يجزينا الله تعالى عن أعمالنا، وليس بعد مضي سنوات وعقود طويلة من عملنا، بل بعد سنوات قليلة جداً. (وبالمناسبة، نهضتنا التي نطمح أن نحققها ستنجز بشكل أسرع وبوقت أقل مما كانت عليه في المرة الأولى. ألسنا نعيش في عصر السرعة!؟).. ربما آن الأوان لكي نرمي فكرة أن نعمل عملاً ولا ننتظر النتيجة بحجّة أن ليس لليد حيلة.. فجميع النهضات تحققت بزمن لا يمكن لعقل أن يصدّقه. وربما يقول البعض أن هناك كانت مساعدات لهذه الحضارة أو تلك فأدّت بشكل مباشر لتسريع عملية النهضة. هذا صحيح، لكن الحضارة الإسلامية كانت الدليل الأقوى والأصلح والأعم لكل زمان ومكان لأنها كانت الأصعب، فقد بدأت برجل واحد بدون أية عوامل مساعدة، إن لم نقل ثمّة عوامل سلبية كانت تقتل وتقوقع أي محاولة للنهضة..

هل تصدّقون أنّ ثمّة دليل من القرآن على ما أقول!.

تقول الآية بعد بسم الله الرحمن الرحيم: (( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً * )) الكهف، آية 107/108، صفحة 304

 

بما أنّ الفردوس هي أعلى مرتبة ومنزلة في الجنّة، فهذا يعني أن العمل المقابل له سيكون من أفضل الأعمال في الدنيا. وما دمنا خلفاء الله سبحانه وتعالى في الأرض، فإن أفضل الأعمال التي يمكن أن نقوم بها هي أن نقوم بالخلافة على أكمل وجه، أي أن نقوم ببناء الأرض كما يحب الله عزّ وجل ويرضى.

لكي ندرك أين الدليل يجب أولاً أن نفهم المعنى الحقيقي لكلمة (وعملوا الصالحات). فالعمل الصالح من الأفعال التي لم تعرّف وتحدّد بالقرآن بشكل صريح وواضح، وإلى الآن معناها مبهم وغير محدّد.. إلا أنّ الحقيقة أنه يوجد مفتاحي لغز في القرآن تفسر وتعطي المعنى الدقيق لمصطلح “العمل الصالح”.
المفتاح الأول: ذِكْرُ جنّة الفردوس. حيث في القرآن لم يذكر كلمة الفردوس غير مرتين، الأولى هنا. والثانية، في الآية التي تعطي النصف الأول للمعنى، تقول الآية بعد بسم الله الرحمن الرحيم:

(( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ* أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ* الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ* )) المؤمنون، الآية 1/11، صفحة 342


ماذا نستنتج؟

بما أن الآيتين تتشاركان بثواب الفردوس (وتذكّر أنه لا يوجد آية ثالث تتكلم عن الفردوس في القرآن)، فهذا يعني أنّ كلمة (الذين آمنوا) المقصود بها في الآية الأولى، عائدة تماماً على المؤمنون في الآية الثانية. وبالتالي نستنتج أنّ (وعملوا الصالحات) لا تدل ولا تعني أي من الصفات التي تشمل صفات المؤمنين (لعدم وجوب التكرار). أي، لن تشمل على العبادات والأخلاق!.

المفتاح الثاني سيحدد المعنى بشكل أعمق وأكثر وضوحاً..

تقول الآية بعد بسم الله الرحمن الرحيم: (( وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ* قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ* )) هود، آية 45/46، صفحة 226/227

في هذه الآية يكتمل المعنى كلياً.. فالله سبحانه وتعالى قد عرّف بشكلٍ واضح وصريح الـ (عمل غير صالح). فجلّ جلاله لم يقل أنّ ابن سيدنا نوح غير صالح. بل قال أن ابن سيدنا نوح هو بذاته عمل غير صالح. فكان باستطاعته سبحانه وتعالى أن يقول (إنّه ليس من أهلك إنّه غير صالح). لكنه جلّ جلاله قد أراد الإشارة لشيء أكثر عمقا.

ربما أراد الله عزّ وجل أن يقول أن نتيجة العمل الصالح هو أمر مفروغ منه ويجب أن يُرى. فالعمل الذي لا ثمرة منه، مهما كان متعوب عليه، مهما كان عمل جيد أو صالح بنظرنا، لكنه ليس عمل صالح بنظر الله جلّ جلاله. لأنّه لم يخدّم الغرض المنشود منه. مع أننا لا نشك أبداً بعمل سيدنا نوح الإيجابي مع ابنه ونؤمن تماماً أنّه سيجزى الجزاء الأوفى على مجهوده الذي بذله مع ابنه. لكن هذا كله لا علاقة له بتسمية جهده بالعمل الصالح إن لم يقارن مع النتيجة، مع الخلاصة، مع جدواه. إن لم يكن هذا الجهد وهذا التعب قد أصلح فعلاً شيءٌ ما وبشكلٍ ملموس. فالله جلّ جلاله ومع علمه التام بمجهود سيدنا نوح عليه السلام في تربية ابنه التي استمرت لسنوات طوال، إلا أنّه قال أنّ هذا العمل هو غير صالح.. فبالتالي، إنّ أي عمل جيّد لا يسمّى صالحاً إذا كانت ثمرة وخلاصة هذا العمل غير صالحة، إذا كانت الخلاصة غير مجدية. فالنتيجة هي التي ستحدد إن كان عملك صالحاً أم لا. فلابد لك من أن ترى خلاصة عملك، أن ترى ثمرة عملك، أن تستشعر بها.. لابد.  فالله سبحانه وتعالى عندما يطلب منّا من خلال القرآن أن نؤمن ونعمل صالحات، فهو يريد منّا أن نعمل عمل له نتيجة في الأرض، له أثر، له جدوى، يريد أمر محسوس وملموس.. هذه هي الحكمة الإلهيّة كما أراها في الآية.
وإذا كان سيدنا نوح عليه السلام قد فشل في جعل ابنه عمل صالح، فإنّه تعلّم أن العمل الصالح فضاء واسع. فبناءه للسفينة كانت عمل صالح، فقد أثمرت. والأجمل من هذا أنّه ذاق طعمها، تأكد من صلاحيتها وصلاحها، أنها قامت وحقّقت الغاية التي صُنعت ووُجدت من أجلها.. لذلك، يجب أن نبحث عن أعمال نرى ثمارها. لكي لا نعتقد أنّها أعمال صالحة وتكون النتيجة…!


فالنهضة بنظري لابد لها من أن تسير على قدمين، القدم الأولى هي العبادات والأخلاق (راجع كتاب: سلسلة كيمياء الصلاة. للمؤلف: د. أحمد خيري العمري. فإنّه يقدّم معاني عميقة جداً فيما يتعلق بهذا الموضوع)، (مع التنويه أنّ العلم يندرج تحت باب العبادة. راجع كتاب: البوصلة القرآنية.. إبحار مختلف بحثاً عن الخريطة المفقودة. للمؤلف السابق. فيما يتعلق بموضوع (إقرأ) والأخذ بالأسباب).  والقدم الثانية هي العمل الصالح بمفهومه الجديد. ومن أجل أن تصل إلى ذلك سيتوجب عليك في البداية أن تؤمن بإمكانية حدوث كل هذا. وهذا الإيمان وانتشاره بين الناس هو ما سيشكّل المقياس الحقيقي لسير النهضة.

 

 

براء أصفري
9-3-2010

 

 

دعوة الى إحياء اللغة الفصحى : معتز فيصل

 

دعوة إلى إحياء اللغة العربية الفصحى

 

 

 

لا يَخفى على أحدٍ مدى شراسةِ الهجمةِ الغربيةِ على حضارَتِنا وقِيَمِنَا ودينِنِا وثقافَتِنِا , وقدْ نالَ اللغةَ العربيةَ منْ هذه الهجمَةِ الوابلَ الأكبرَ نظراً لإدراكِ الأعداءِ لأهميتِها ودورِهَا الرئيسي في بناءِ الوحدةِ العربيةِ والإسلاميةِ التي تخيفُ الغربَ وتجعلُهُ يضعُها في مقدمةِ أعدائِهِ الألداءِ , ولتخاذُلِ أبناءِ العربيةِ في الدفاعِ عنها وتساهُلِهِم في هذا الأمرِ حتى عمَ البلاءُ وانتشرَ وصارَ الضَعْفُ عاماً وتفاقَمَتْ الآثارُ السلبيةُ.

 

لن أطيل في ضرب الأمثلة والشواهد , فكل من عنده ذرة من وعي وعقل ومعرفة يدرك خطر هذه الهجمة ويدرك مدى ابتعادنا التدريجي عن لغتنا الحبيبة في جميع المجالات من شعر وأدب وغناء وتقديم للبرامج التلفزيونية وخطابات وحتى في خطب الجمعة التي صار اللحن فيها لا يعد عيبا ولا منقصة . وأحيل هنا كل من أراد المزيد إلى  كتاب المفكر العظيم محمد محمد حسين ” حصوننا مهددة من الداخل ” علما بأن هذا الكتاب كتب من حوالي نصف القرن والوضع الحالي أسوأ بكثير من الوضع السابق ولا يمكن المقارنة بينهما .

 

أحب أن أضيف هنا أمرا واحدا باعتبار أنني أعيش في الغرب وأحتك مع عرب من جميع أقطار العالم العربي وقد صدمني أننا لا نستطيع أن نتكلم أو أن نفهم بعضنا تماما لغلبة اللغة العامية لكل منا على أسلوب كلامه وهذا على عكس ما يظنه الكثيرون أننا نفهم بعضنا أينما ذهبنا في أرجاء العالم العربي الواسع , فهذا الرأي قد يكون صحيحا في مجال المعاملات اليومية والكلام العادي من سلام وتحية , أما إذا وصل الأمر إلى نقاشات هامة في مواضيع متخصصة فسترى أن كل هذا الكلام عن وحدة اللغة صار هباء منثورا وتحول الحوار إلى  حوار طرشان , إلا إذا كان المتحاورين على قدر من العلم والثقافة يتيح لهم التكلم بلغة عربية فصحى مبسطة .

 

إن هذه المبادرة هي مبادرة فردية تحتاج إلى تعاون كل مخلص من أفراد هذه الأمة وكل من يرى أهمية اللغة العربية في توحيدها وإخراجها من بعض ما تعانيه من تشرذم وتفرقة . هذه المبادرة لا بد أن تأخذ دورها في جميع وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة والمسموعة حتى تحقق نتائجها التي نحلم بها , وهذا لا يتحقق إلا إذا اعتمدها الكثيرون ممن نوجه لهم هذا الخطاب , وقام بالإعلان عنها كل من يملك منبرا يخاطب منه الناس مهما كانت الدائرة التي يتعامل معها ضيقة

 

تتلخص المبادرة بالأمور العملية التالية :

 

ـ البدء في إعادة استخدام الحرف المشكول لكل المطبوعات العربية  وهذه مسؤولية دور النشر بالدرجة الأولى والجرائد والمجلات في المرحلة الثانية . وقد كان هذا صعبا فيما سبق بسبب صعوبة الصف اليدوي للحرف المشكول وكثرة مشاكله أما الآن ومع وجود هذا الحرف في الحاسوب فالمشكلة تبقى في إيجاد من يقوم بهذا العمل فقط وفي زيادة المدة اللازمة لصف الكتاب والتي لا تتجاوز العشرة بالمائة من المدة العادية للصف العادي . ( هذا قد يوفر العديد من فرص العمل لأساتذة وخريجي اللغة العربية المنتشرين على الأرصفة على امتداد العالم العربي )

 

ليس ضروريا أن يكون التشكيل لكل حرف , المهم هو نهايةالكلمات والأفعال التي فيها اختلافات صرفية وكذلك الكلمات المشتبهة والتي يمكن أن تقرأ بأكثر من وجه .

 

ـ إلإلتزام بوضع ملخص لقواعد اللغة العربية وقواعد الإملاء في كل كتاب يطبع في العالم العربي , وهناك مع هذه الرسالة مقترح لمثل هذا الملخص لا يتجاوز أربع صفحات أي ورقتين مما لا يؤثر على حجم الكتاب ولا على تكلفته ويمكن أن يوضع هذا الملخص في بداية الكتاب أو في نهايته بحيث يصبح هذا أسلوبا متبعا في جميع المطبوعات العربية .

 

 وهنا ننادي كل من له اهتمام بهذا الموضوع أن يساعدنا على تطوير هذا الملخص وإعادة صياغته شكلا وإخراجا ليكون أوضح ما يمكن وأسهل ما يمكن وأشمل ما يمكن دون تعقيد أو إسهاب . ربما مثلا صياغته بشكل جدول .

 

هناك الكثيرون الذين يودون أن يقرأوا بشكل صحيح وأن يتعلموا القواعد البسيطة للغة ولكنهم يصعب عليهم الرجوع إلى المصادر وسيجدون في هذا الملخص حوالي سبعين بالمائة من الأسئلة التي تخطر في بالهم , ومن أراد المزيد فسيكون من المختصين الذين لا يصعب  عليهم البحث في مكان آخر .

 

ـ وضع هذا الملخص في جميع المواقع العربية على الإنترنيت بشكل رابط يقود إلى صفحة فيها هذا الملخص .

 

ـ إعتماد المواقع العربية للحرف المشكول , ومحاولة تصحيح العناوين والروابط في كل صفحة على الموقع والتخلي نهائيا عن استخدام اللغة العامية مهما كانت الفئات التي يتوجه إليها الموقع . فالقضية قضية لغة ودين وحضارة ومستقبل وليست قضية إعجاب الناس واستمالتهم إلى الموقع .

 

ـ إعتماد الفضائيات والإذاعات والتلفزيونات العربية الكتابة بالحرف المشكول , وتدريب المذيعات والمذيعين على قراءة هذه الأخبار والتركيز على أهمية الشكل في أواخر الكلمات بدل تسكينها , وهذا يتم في بعض المحطات ونرجو أن ينتقل إلى بقيتها .

 

في الختام , لابد من عامل الزمن لكي تؤتي هذه المبادرة ثمارها المرجوة , فالإنحدار الذي وصلنا إليه هو نتيجة سنوات من التخطيط والعمل الغربي وسنوات من الإستجابة أو الغفلة العربية وإعادة البناء تحتاج أيضا إلى سنوات والمهم هو الإقتناع بالفكرة والعمل الدائم من أجلها والإيمان بعظم المهمة وبأهميتها وأجرها وثوابها .

 

 

أحمد معتز شكري فيصل

ألمانيا في  15.03.2004

 

 

 

 

 

 

 

دار الفكر تختار العمري لتكريمه لعام 2010

 

 

دأبت دار الفكر ضمن فعالياتها في اسبوعها الثقافي السنوي على اختيارها لشخصية  فكرية و ثقافية  لتكريمها بما ينسجم مع عنوان الاسبوع الثقافي و محوره الأساسي….و قد سبق لها في السنوات الماضية ان كرمت أسماء لا تحتاج الى تعريف مثل البوطي و الزحيلي و المسيري  و جودت سعيد و  هاني رزق .

و قد وقع اختيارها هذا العام على العمري بما ينسجم  مع شعارها لهذه السنة “شباب لعصر المعرفة”..و قد جاء في رسالة التكريم المرسلة من قبل الاستاذ عدنان سالم –حفظه الله        ..كنت على وشك أن أكتب إليك بقرار دار الفكر أن تكون مكرمَها لعام 2010 الذي اتخذت فيه عبارة (شباب لعصر المعرفة) شعاراً لها، ورأت فيك شيخاً لهؤلاء الشباب.

كنت على وشك أن أكتب إليك بذلك عندما حمل لي مقالة الدكتور محمد عباس الذي حرمك من جائزة نوبل ، لتحظى دار الفكر بشرف تكريمك، في موسمها الثقافي السنوي؛ كاتباً واعداً ينتظره مستقبل الأمة التي أنهكها العجز والتخلف، فأقعدها عن أداء رسالتها الإنسانية السامية، في وقت لم تكن الإنسانية يوماً أحوج إليها منها اليوم.

مقالة صادقة؛ تستحثنا على متابعة السير على درب النهوض، واستكمال عدتنا لنكون أكثر تأثيراً وفاعلية وعطاءً!!

أجدني أكثر ثقة وتفاؤلاً بتحول الغثاء إلى غيث مدرار يحيي به الله الأرض الموات، ويدرك به الإنسانية قبل أن تنهار….”

و بهذا يكون العمري هو الاصغر سنا من بين كل المكرمين ، و هي مسئولية و تكليف تحمله إياها دار الفكر ، و نرجو أن يثبت العمري أنه اهل لثقة دار الفكر و قرائه الكرام ..

 مع تحيات إدارة موقع القرآن من أجل النهضة  

http://www.fikr.com/?Prog=article&Page=details&linkid=633