نيويورك ، نيويورك 5 الحرية : سرابها باهظ ، و تمثالها أجوف !

نيويورك ، نيويورك 5

الحرية: سرابها باهظ، وتمثالها أجوف..!

 

د.أحمد خيري العمري- القدس العربيmiss_liberty_has_turned_blind_4001

لا يمكن أن تزور نيويورك دون أن تحاول زيارة تمثال الحرية، فتمثال الحرية ليس هو الرمز الأكثر شهرة للمدينة فحسب، بل لعله الرمز الأكثر ارتباطا بأمريكا بأسرها.. أمريكا التي هي أرض الأحلام، والتي هي أحيانا العالم بأسره، يمكن أن تختصر بالنسبة للكثيرين إلى كونها أرض الحرية..

لم يكن لدي يوما أوهاما كبيرة حول الحرية، وهو الأمر الذي جعلني لا أملك أوهاما كبيرة حول المفاهيم الجزئية المرتبطة بها (الحرية الشخصية) أو تطبيقاتها المباشرة التي كثيرا ما  تظلم بالخلط  معها( الديمقراطية)، في نفس الوقت الذي لا أملك فيه أوهاما عن أي نوع من الاستبداد أو جدواه على الإطلاق، لكني أؤمن أن عدم وجود طريق ثالث واضح المعالم لا يبرر أبدا الذهاب في الطريقين الموجودين أصلا، كما أن عدم وجود هذا الطريق الثالث لا يعني عدم إمكانية وجوده مستقبلا… والتطيبل المستمر لأحد الخيارين يعطل ويشوش على عملية البحث عن بديل عنهما…

الحرية في النهاية هي فهمك لها، وهذا الفهم يرتبط حتما بمجموعة مفاهيم وظروف شكلت الحاضنة التاريخية لهذا الفهم، لذا فإن فهما تاريخيا للحرية لا يمكن أن يعامل ويعمم بإطلاقه، وهو ما حدث في عالمنا اليوم، حيث صارت كلمة الحرية تستدعي مفاهيم بعينها وأنماط حياة محددة ( كان تمثال الحرية مصاحبا دوما للترويج لها..)..

يقع تمثال الحرية في جزيرة أيلس Ellis Island  الواقعة في فم نهر الهدسون عندالتقائه بميناء نيويورك المطل على الاطلسي،  كانت هذه الجزيرة حتى خمسينات القرن الماضي هي المدخل الرسمي الوحيد لكل المهاجرين الذين جاؤوا إلى أرض الأحلام.. اليوم لم يعد المهاجرون يأتون عبر البحر، ولم يعد يقصد الجزيرة إلا السياح الذين يأتون للفرجة على نصب تمثال الحرية والمتحف الملحق بها.

ملايين المهاجرين مروا من هذه الجزيرة، بعضهم لم يبرح الجزيرة أصلا إلا ليعود إلى بلده ( لم يمرره موظفو الهجرة بسبب الشك بوجود مرض مُعْدٍ أو بسبب عدم لياقته البدنية )، وبعضهم أنهكته الرحلة الطويلة وفارق الحياة في الجزيرة ليلة وصوله إلى أرض الأحلام..لكن آخرين – هم النسبة الغالبة حتما- قد غادروا الجزيرة إلى أرض أحلامهم، ما الذي أخذته أمريكا منهم، وما الذي قدمته لهم، أمر آخر تماما.. لكنها استفادت من سواعدهم حتما في ازدهارها الكبير، وقدمت لهم بالمقابل الكثير مما كانوا يبغونه، كما أخذت منهم بالمقابل أيضا بعض مما لم يقدروه حق قدره في أوطانهم.

توقعت أن يكون سعر بطاقة الركوب إلى جزيرة أيليس باهظا، ربما لما رسخ في ذهني كعراقي عن ثمن الحرية الباهظ، ودهشت عندما وجدت أن السعر عادي جدا، تذكرت لاحقا أنه ليس ثمن الحرية، بل ثمن الفرجة عليها فقط، ثم فكرت أن كل ذلك الثمن الباهظ الذي تدفعه الشعوب من أجل الحرية قد لا يكون ثمنا للحرية بقدر ما يكون ثمنا للفرجة عليها بطريقة أو بأخرى..

تنطلق المراكب من باتري بارك Battery Park، وفيه الشريط الساحلي المعبد الذي يظهر في أفلام هوليود حيث يركض الممثلون أثناء ممارستهم  لرياضتهم، لم أر أحدا يمارس رياضة الركض، لكن كان هناك نماذج مختلفة من أشخاص لم تتجاوز نجاحاتهم في أرض الأحلام هذه الحديقة، سترى رساما يفترش الأرض ويعرض عليك أن يرسم لك صورة شخصية، وسيقترب منك آخر  يتحدث معك بصوت منخفض كما لو أنه يكشف سرا خطيرا، ويفتح سترته التي يخفي فيها عشرات الساعات، يشير لك إلى واحدة منها ويقول: لن تجد سعرا كهذا، عشر دولارات (رولكس بعشر دولارات !)…

ترى أيضا تمثالين “بشريين” للحرية، إنهم عمال وظيفتهم ارتداء ملابس “السيدة حرية” وقناع (مبتسم) لوجهها من أجل التقاط الصور مع السياح من قبل مصور الحديقة.. أنتبه هنا للمرة الأولى أن “السيدة حرية” محتشمة وأنها مع تاجها تبدو كما لو كانت تغطي رأسها بالحجاب، رغم ذلك فإن النساء تعرّوا تقريبا وأحيانا تماما تحت شعار الحرية، ويا للعجب!

سيقال لك إن هذا هو المركب السياحي الأخير الذي يقلع إلى تمثال الحرية لهذا اليوم، وسيقال لنا دوما أشياء مماثلة عن ضرورة الالتحاق بسرعة بمركب الحرية قبل أن يفوتنا، ولا داعي للتأكد من سلامة المركب أو من خبرة ربانه أو من الاتجاه النهائي للمركب، فالركوب بحد ذاته هو الهدف بالنسبة لهؤلاء..

المركب مصمم على نحو يتفق مع جانب من مفهوم الحرية في أرض الأحلام: حرية الشركات في تحقيق أعلى معدل للربح بغض النظر عن أي شيء.. وهكذا فإن المركب مزدحم كما لو كان حافلة عامة لنقل الركاب.. وليس مركبا سياحيا.. سيكون هناك تفسير جاهز وحَسَن النية للأمر: يريدون منا أن نستشعر” معاناة المهاجرين” إلى أرض الأحلام..

ما إن أطل تمثال الحرية حتى شهر الجميع كاميراتهم لتخليد اللحظة، كانت بطارية كاميرتي قد فرغت فلم أفعل مثلهم، وانتبهت إلى أن اهتمامهم بزوايا الصورة وعدم تعارضها مع أشعة الشمس يفوق اهتمامهم بمشاهدة التمثال فعلا، هل حلت تلك الأجهزة الرقمية محل أبصارنا وبصائرنا؟ هل صرنا نهتم بحفظ الصورة في ملفات الذاكرة الرقمية أكثر من اهتمامنا بخوض التجربة وحفظها في ذاكرتنا الإنسانية، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون رغبة في التشاوف وإثبات الزيارة للأصدقاء والجيران ؟؟.. لو أن بطارية كاميرتي لم تكن نافذة لالتقطت صورة لجمع السياح وهم يلتقطون في حركة واحدة صورا لتمثال الحرية كما لو كانوا مبرمجين على ذلك.. إنه القطيع يؤدي ما غرس فيه مسبقا دون إبطاء أو تردد.. ويتوهم بعد ذلك أنه حر وأنه يحتفي برمز الحرية الأكبر…

أول ما يلفت النظر في التمثال هو أن حجمه أقل مما رسخ إعلاميا في أذهاننا، سيبدو التمثال فجأة كما لو أنه نسخة ورقية أو نسخة مقلدة مما سمعنا عنه وشاهدناه في وسائل الأعلام، الشيء ذاته يحدث دوما مع البيت الأبيض الذي يجعل البعض يبحثون عنه وهم أمامه، ربما يعود ذلك إلى أن الصورة الذهنية لأمريكا عموما قد تكون أضخم من حقيقتها.. (أو أنها أضخم لأن صورتنا الذهنية عن أنفسنا أقل جدا، أو مزيج من الاثنين معا…؟)

بعد أن تتجاوز الصدمة الأولى ستتنبه إلى عدم تناسق واضح جدا بين تمثال الحرية وبين القاعدة التي ينتصب عليها.. التمثال أبيض اللون كما في التماثيل الإغريقية والقاعدة رمادية اللون كما في متحف الشمع.. لكن هذا التناسق لا يجب أن يكون صادما جدا بعد كل شيء، ليس لأن التمثال فرنسي الصنع والقاعدة أمريكية فحسب، بل لأن عدم التناسق هو جزء من الثقافة الأمريكية السائدة، الأمريكيون عموما يفتقرون إلى الحس بتناسق الألوان الذي يميز بعض الأوروبيين مثلا، وهم (خاصة في ولايات الغرب الأوسط ) يكادون يتعمدون اختيار الألوان المتنافرة كما لو أن ذلك جزءا من هويتهم الثقافية، لذا يمكن أن تجد في المترو رجلا “محترما” ذاهباً إلى عمله وهو يرتدي قميصا أصفر اللون – مع خطوط حمراء- وربطة عنق زهرية مع جاكيت رمادي وبنطال يزيد الطين بلة.. الظاهرة أقل حتما في مدن الساحل الشرقي الكبرى (واشنطن ونيويورك وفيلادلفيا، ربما بسبب الاختلاط  بالمهاجرين!) لكن عدم التناسق اللوني ظاهرة واضحة وهي جزء من ظاهرة عدم اللياقة بشكل عام، مثل البصاق على الأرض (نعم، تخيلوا، ليست شعوبنا وحدها تفعل ذلك!) أو التجشؤ بصوت عال دون الاعتذار.. علما أن هذه الظواهر مرفوضة في مجتمعاتنا وتمارس غالبا من قبل الطبقات الأقل تعليما والأدنى اجتماعيا، أما هنا فهي لا تختص بما يعرف بأصحاب الأعناق الحمراء ( Red necks) ( الأمريكيون البيض القادمون من الريف والقرى النائية ) أو السود الأقل تعليما والأفقر، بل من الطبيعي جدا أن ترى سيدة شابة أنيقة ذاهبة إلى عملها وهي تحمل حقيبة  “العمل الرسمية “، ثم تلتفت هذه الشابة لتبصق على الأرض بكل بساطة .. وأكثر منها ظاهرة التلفظ بألفاظ بذيئة بصوت عال وفي مكان عام..

تمثال الحرية غير متناسق لونيا مع قاعدته؟ لعل هذا يبقى أكثر تناسقا وأقل نشازا بكثير من إقسار قوالب معينة للحرية على العالم أجمع، بغض النظر عن وجود قواعد ملائمة أو غير ملائمة لاستلام هذا القالب، وبغض النظر عن ضرورة إعادة تركيب الواقع بأكمله أحيانا لينسجم مع هذا القالب..

ستقول المرشدة السياحية بفخر إن مصمم برج إيفل  شارك في تصميم التمثال، ستقول ذلك كما لو أنها تتحدث عن زي من تصميم “شانيل” أو حقيبة يد من تصميم “بيير كاردان”، وستتجاوز حقيقة أكثر أهمية وهي أن بارتولدي (المصمم الأساسي للتمثال) لم يهدِ تصميمه ألى أمريكا إلا لتذكير الفرنسيين بأهمية ألا تتحول الحرية التي قامت ثورتهم على أساسها إلى “فوضى”.. نعم، هذا ما صرح به مرارا وما كتبه في مذكراته، كانت أمريكا بلدا ناشئا يحتضن المفهوم الذي لا شك أن ولادته الرسمية كانت في فرنسا، لكن التجربة الفرنسية التي حولت المفهوم إلى فلتان جعلت من بارتولدي يرغب في إيصال رسالة إلى مواطنيه قبل سواهم، عبر إهدائهم هذا التمثال إلى البلد الذي كان ناشئا آنذاك (هل وصلت الرسالة إلى الكنّة أو إلى الابنة؟ لا أظن!)..

تجاوزت المرشدة أيضا أن التصميم الأصلي للتمثال كان مختلفا جدا، وأنه كان يمثل فلاحة مصرية بطرحتها التقليدية،  قُدِّمَ المشروعُ  إلى الخديوي إسماعيل أثناء حفر قناة السويس، وكان المشعل في يد الفلاحة المصرية يرمز للتنوير الذي سيأتي إلى المشرق عبر قناة السويس ( أي بعبارة أخرى عبر الفرنسيين الذين أشرفوا على حفرها ..)..الخديوي إسماعيل رفض المشروع لكلفته الباهظة.. (أو لأسباب أخرى أعمق؟)..

لكن المرشدة لن تتجاوز حقيقة تاريخية مهمة عن تصميم التمثال، إنه ببساطة مستوحى من تمثال يمثل آلهة رومانية هي آلهة الحرية ( libertes وهي الكلمة التي تشتق منها مفردة الحرية liberty  في الإنكليزية المعاصرة وهي التي تستخدم بالذات في تمثال الحرية statue of liberty)..

هل ألمّح إلى شيء هنا؟ هل أجرؤ على التلميح أن الحرية بمفهومها الغربي المعاصر الذي يعمم قسرا وطوعا وترغيبا وترهيبا لها جذور وثنية رومانية ؟.. نعم، أقول ذلك بصراحة، فالحضارة الغربية المعاصرة لم تنبت من فراغ، وهي لم ترتكب قطيعة حقيقية مع موروثها الوثني حتى في فترتها المسيحية الكنسية بل أعادت هضمها وتقديمها  بصور جديدة، لكن المفهوم الوثني لا يزال كامنا في هذه الصور رغم معاصرتها ومظاهرها الحديثة…

نعم، أقول وأعيد: الكثير من مفاهيم الحرية الشخصية بصيغها المعاصرة هي نسخة حديثة من إرث يملك جذورا وثنية قديمة، بل إن مفهوم “الفردية individualism ” الذي يطبل أدعياء التجديد ويزمرون له ويحاولون أسلمته بوعي وإدراك وتخطيط أوبلا وعي من قبل ضحاياهم عبر الإصابة بفايروس الأمركة-  ، هذه ” الفردية ” التي يعد قيمة أساسية من القيم الأمريكية تمتلك صلة واضحة بالأبطال الإغريق وبالآلهة الإغريقية التي كانت تعبد ذاتها..

ليس هذا فقط، بل أجرؤ أيضا على المزيد فأقول: إن جزءا معينا من هذا الفهم يكاد يطابق ما وصفه القرآن الكريم: “أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ؟” ولا أعرف صورة أكثر تعبيرا ودقة من هذا، عندما يكون كل ما تحتكم له (= إلهك) هو أهواؤك ( =حريتك الشخصية)، فإن مفهوم الحرية الشخصية –بصيغتها الحالية- هي مجرد نسخة مزينة ومزوقة من اتخاذ الهوى إله..

لا أقصد هنا أن الحرية بمفهومها الغربي تعني الفلتان المطلق وترك الفرد يفعل ما يشاء حينما يشاء، لا قطعا، هناك عقد اجتماعي ينظم حرية الأفراد، لا يحق لهم أن يقتلوا بعضهم بعضا على سبيل المثال، ولا أن يسرق بعضهم بعضا ( الشركات  وحدها من حقها أن تفعل ذلك) لكن كل ذلك يندرج في إطار “أنت حر ما لم تضر”.. والضرر بالمقياس الغربي- الأمريكي خاصة- هو الضرر الذي يلحق بالفرد خاصة وعلى المدى القصير فحسب، ليس هناك من رؤية تحاول متابعة الأثر التراكمي على المجتمعات وعلى الأفراد لهذه الحريات الفردية التي قد لا تبدو ضارة على المدى القصير..

 سؤال الحرية  في التراث الإسلامي ارتبط دوما بالمسؤولية الإنسانية، هذه هي حقيقة جدل التسيير والتخيير في التراث الإسلامي، والإنسان في الإسلام له حق الخطأ حتما، لكن عليه في الوقت نفسه أن يتحمل مبدئيا نتيجة خطئه أخرويا إذا كانت حدود خطئه قد بقيت ضمن حدوده الشخصية، ودنيويا إذا كانت حدود الضرر قد تجاوزت فرديته الى الآخرين و لو على المدى البعيد..

أدرك قطعا أن هذا الكلام هو ضد التيار الكاسح الذي يجعل من “الحرية الشخصية ” قدس الأقداس الذي لا يأتيه الباطل من خلفه ولا من بين يديه، حتى صار البعض يبرر التزامه بدينه وبما فرضه عليه بالحرية الشخصية، صار يمكنك اليوم أن تشكك بكل شيء، بالخالق والأديان وبالكتب السماوية وبكل قيمها، ولكن تقف عند هذا الفهم الغربي “للحرية الشخصية” ولا يحق لك أن تنقده أو تشكك بأهليته أو بعدم صلاحيته لكل زمان ومكان ..

الفروق التصميمية بين الوثن الروماني وتمثال الحرية تثير الشهية أيضا لما لا أشتهي الحديث عنه: فالمشعل والتاج ( الموجودان في التمثال حصرا ) رمزان معروفا التوجه ولم يكونا سريين يومها، بعبارة أخرى: الانتماء للماسونية لم يكن سريا بالنسبة للكثير من الآباء المؤسسين لأمريكا، وكذلك لمصمم التمثال.. صحيح أن الاتهام بالماسونية استهلك بمناسبة وبلا مناسبة من قبل البعض، لكن مجرد الاستهلاك لا يبرر خجلنا من لفظ الكلمة حتى لا نُتهم بأننا من أصحاب نظرية المؤامرة، نعم، كان بعض مؤسسي أمريكا ماسونيين وكان من المعلوم تماما استخدامهم لرموزهم في أعمالهم الفنية ( كما سيفعل صاحب أي مذهب أو أيدلوجية عندما يعبر بالفن عن مذهبه )..

فجأة بدا عدم تناسق القاعدة مع التمثال مفهوما، بدت القاعدة كما لو أنها مذبحا سالت عليه الدماء طويلا الى أن وسخت بياضه وصار لونه رماديا…هنا تمت التضحية بشعوب بأسرها  تحت شعار الحرية، بدا تمثال الحرية وثنا معاصرا وبدت قاعدته مذبحا تم التضحية بشعوب بأسرها تحت شعار تخليصهم من ديكتاتورية ما وتسليمهم إلى نمط أكثر تعقيدا من الاستبداد، هنا على هذا المذبح تم شن الحروب من أجل الحرية، وتم استعباد الناس من أجل الحرية.. هنا على هذا المذبح تطوع البعض للتضحية بكل ما يملكون ولم يدروا أن سدنة الوثن الجديد سيقتطفون تضحياتهم ويجيِّرونها لصالح عبادته ودينه… ( فكرت أن أكتب أسماء الضحايا الذين أعرفهم، أولئك الذين ما زالت دماؤهم حارة في أنفي ومخيلتي، لكني أحجمت عن ذلك وتمنيت لهم صادقا أن تكتب أسماؤهم في مكان آخر..)

 هذا المذبح لم يشهد سفك دماء الضحايا فحسب، بل شهد أيضا التضحية بقيم كثيرة، سفكت وهدرت ونسفت من أجل الحرية، أمثلة : قيم الأسرة، قيم البر بالوالدين، قيم العفة والشرف، بل كل القيم الدينية بما فيها قيمة الإيمان بالله تعالى.. كلها تم التضحية بها، أو تم الاستعداد للتضحية بها من أجل الحرية..

على مذبح هذا الوثن، لم يعد هناك حق أو باطل، بل صار كل شيء مجرد “وجهة نظر” قابلة للأخذ والرد..

لكن، وكما مع أوثان العالم القديم، ليس هذا الوثن الجديد سوى وجه مستعار يتخفى خلفه أصحاب المال والسلطة، ملأ كل زمان ومكان الذين ازداد احتكارهم للمال والسلطة في هذا العالم الحر الجديد..

بل إن التمثال نفسه يقول ذلك، إنه مجوف، داخله فارغ، هذا التمثال الشاهق ليس سوى هيكل برونزي ضخم، لكنه فارغ من الداخل، فارغ وأجوف، مثل كل الشعارات البرّاقة الفارغة، يستخدمها أولئك اللاعبون الكبار- تلك القطط السمان- ، ويصدقها الصغار، وبين الاستخدام والتصديق، ليس سوى هدف واحد:  ليس سوى المزيد من الأرباح..

 سدنة المعبد يستثمرون حتى هذا التجويف من أجل المزيد من الأرباح، فعبر هذا التجويف تم بناء السلالم التي من خلالها يصعد السياح إلى رأس تمثال الحرية، ليلقوا نظرة من فوق على العالم الحر الجديد.. وبالتأكيد هناك مبلغ إضافي يجب أن يدفع..

لكن الاستثمار الكبير للسدنة لم يكن هذا حتما، بل كان في أنهم أقنعوا الجميع بأن يرتدوا أغلالا وقيودا غير مرئية كتب عليها “الحرية”، تتغلغل في رؤوسهم وعقولهم، وتعيد تشكيلها وبرمجتها، حتى بدا لهم كل خيار خيارا حرا شخصيا، وهو في الحقيقة ناتج لعملية معقدة من غسل الأدمغة التي سيكون لديها مهمة الخيار بين مجموعة سلع، أو مجموعة أفلام، أو بين مرشحين للرئاسة الفرق بينهما كالفرق بين البيبيسي كولا والكوكا كولا، وكل مناظراتهما لن تكون إلا كحلقة مصارعة حرة معدة مسبقا بكل لكماتها وسقطاتها.. والرابح الوحيد في النهاية هو الملأ الذي يوظف المتصارعَين ويمولهما على حد سواء..

ربما كان الأمر مشابها لهذا على الدوام، ربما كان المجتمع الإنساني عبر التاريخ يفرض أعرافه وقيمه التي تشكل عقول الناس ورؤاهم وطريقة حكمهم على الأشياء وبالتالي يحدد خياراتهم، هذا صحيح، كان الخيار الحر المطلق دوما عملية صعبة ومعقدة، لكنها لم تكن صعبة ومعقدة إلى الحد الذي أصبحت فيه اليوم، مع تطور الوسائل الإعلامية واحتكارها للمعلومة ولطريقة عرضها، خاصة أنها أوهمت المتلقين أنهم أحرار، وكان هذا الوهم هو الطٌعم الذي سهّل ابتلاع كل الخيارات المبرمجة الأخرى..

ربما كان الإنسان بطبيعته مبرمج على “عبودية” ما… وربما سيكون خياره الوحيد الحر حقا هو اختياره لعبوديته: أن يكون عبدا لمجتمعه وأعرافه وتقاليده، أو أن يكون عبدا لمنظومة جهنمية عالمية تعيد تشكيل أفكاره ورؤاه، أو أن يكون عبدا لخالقه، أن يمارس عبوديته التي خلق من أجلها..

***************  

بعد العودة من جزيرة الحرية وسرابها الباهظ ذهبت إلى المرافق الصحية المصاحبة للمتحف المجاور، كنت أريد الوضوء، قبل أن أدخل، شاهدت رجلا بملامح آسيوية سمراء (كمبوديا، فيتنام ..شيء كهذا )  يجلس على حافة الحائط ويدخن بصمت، كان يرتدي ثوب تمثال الحرية، وبيده قناعها المبتسم.. إنه نفس الشخص الذي يقف في الحديقة ليلتقط صوره السياح.. كان وجهه وأسنانه المهدمة يحكيان القصة كلها، قصة البحث عن الحرية وسرابها والتضحية على مذبحها..

كان تمثال الحرية شاهقا وبراقا من بعيد.. وأجوف من الداخل..

أما هذا الرجل الذي يرتدي قناعها فقد كان مثالها القريب والحقيقي..

 

 

 للمزيد عن الموضوع :كتاب الفردوس المستعار و الفردوس المستعاد للمؤلف

العربية بين الآلوسي و ماسينون : شيماء الصرّاف

 

 

اللغة العربية

بين الألوسي وماسنيون

 شيماء الصراف

 

يجري الحديث بين آونة وأُخرى حول قصور اللغة العربيّة وعدم مواكبتها للتطوّرات والتغيّرات التي يشهدها العالم على مختلف المستويات العلميّة منها والأدبيّة. يحصل هذا بين أنصاف المتعلّمين وبين مُدّعي الثقافة، وبتعبير أعم بين  قليلي الوعي والإدراك، غير القادرين على تحكيم العقل واستخدامه بحياديّة هذا مع افتراض غياب سوء النيّة في هذه الفئة . هناك فئة أخرى ثانية، “مثقّفون” ذوي أسماء لامعة في الغالب يتحدّثون عن موت اللغة العربيّة، ولا أعتقد أنّ هناك دليل أكبر من هذا على عقد وأمراض  نفسيّة تطغي فتشلّ القدرة على نظر أمور وفهم أخرى .

المسألة ليست جديدة ولا طارئة، فهي قديمة قِدم قرار الغرب وتصميمه على غزو مجتمعاتنا واستعمار بلداننا . إنّ أهم وسائل إحكام القبضة والسيطرة علينا كانت ولا تزال في محاولة إحلال لغتهم محلّ لغتنا، أن نقرأ بلغتهم، نتذوّق بها، وبالتالي نفكّر عبرها، نعبّر عن أنفسنا عمّا نريده بواسطتها، هذا هو الإستعمار الحقيقي والدائم. وليست مجتمعات اللغة العربيّة هي الوحيدة في هذا المصاب فنحن نرى هذا في بقاع عديدة من العالم، القارّة الهنديّة، دول عديدة في القارة الأفريقيّة وهذا على سبيل المثال لا غير.

إنّ ضرب اللغة العربيّة معناه خلق حالة من الجهل والتجهيل بكل عطاء الفكر العربي/ الإسلامي التي احتوتها مؤلّفات التراث، والتي كُتبت على الأخص، في القرون الأولى، كتب ظهرت، وقانون الدولة والمجتمع وناسه هو الإسلام، فعرّفت به وعكست مفاهيمه في الإنسان، الحريّة، العلم، الأدب…

 لقيت لغات الغرب، الإنجليزيّة والفرنسيّة، ترحيباً يكاد يكون تامّاً من أبناء المجتمعات العربية التي حلّت بها والأسباب عديدة فمنها عامل الإحساس بالنقص والدّونيّة تجاه المتفوِّق ومن ثم التعويض عنه أو معادلته بإتقان لغته لخلق شعور بمضاهاة المغلوب للغالب ، وهذه الحالة لا تتم في العموم إلاّ بتجاهل اللغة الأم وقد يصل الأمر إلى إهمال تعلّمها كما يجب بل وحتى احتقارها والتهوين من شأنها . هناك عامل الفضول والتلهّف لمعرفة عقليّة الغالب وأسباب تفوّقه، وهذا لا يتم إلاّ عبر معرفة لغته واستعمالها  للإطّلاع على علومه ومعارفه، هناك عامل الشعور بأنّ لغة الغالب هي لغة عالم متحضِّر، عالم مدنيّة ومعرفة، عالم  يجب معرفته وعدم التخلّف عنه، وخير وسيلة للّحاق به هو إتقان لغته . في هذه العوامل، كما في غيرها، يكون للهدف والنيّة دوراً مهمّاً فهناك من أقبل على تعلّم لغة الغالب لأجل الإستفادة العلميّة مع الإحتفاظ بحرص على لغته العربيّة  وصيانتها من كل أذى يلحق بها وبالخصوص من أبناءها.

كان لهذه الجماعات امتداداتها في الزمن التي وصلت بها إلى وقتنا هذا مع فارق واحد هو أن ليس هنالك في الوقت الحاضر، أوهام وأمور غامضة تؤدّي إلى فهم خاطئ وبالتالي فإن حسن النوايا يكاد يكون منعدماً . فهناك حوادث حوالي قرنين من الزمن تتناقلها ذاكرة ناس المجتمعات جيل بعد جيل .الذين يحملون لواء الدفاع عن اللغات الأوربيّة ويُنادون باعتناقها، استخدامها بدلاً عن العربيّة سيجدون أنفسهم في عزلة مريرة إن لم تكن قد بدأت، ولن يجري تحرّكهم إلاّ ضمن قطيعهم المُفرز . ذلك ومهما كانت مسألة اللغة العربية مهمّة فيجب أن لا نتوقّف عند حدودها فالأمر أكبر من هذا بكثير؛ إنه صراع حضاري ضخم ومحاولة دائميّة من الغرب لجعل مجتمعاتنا تابع مسحوق لا غير. اللغة العربية هدف كبير لهم فهي تمثّل وتجسّد الإنتماء، الوحدة واللّحمة لناسنا وأهلنا .

منذ البدء أيضاً أدرك بعض الناس حقيقة الأمر على ماهو عليه؛ كانت الرؤية واضحة ولم تكن المسألة تحمل لبساً أو غموضاً ، وهكذا شخّصوا أسباب هذا النفر أو تلك الجماعة على الإقبال على اللغات الأجنبيّة  وتمجيدهامع الإعراض عن العربيّة بل انتقاد طرق التعبير بها . الأمر لا يعدو هشاشة نفسيّة وشعور بالمهانة أمام حضارة مستعمِرة غازية . هناك نفر يفخر بلغته، بعربيّته وأصالتها، إنها تسكن القلب منه والنفس والروح، يصلّي، يناجي ربّه، يعشق ويحلم، يتعلّم ويُعلّم …كل هذا يمر عبر حبيبة هي لغته العربية . وما الإقبال على تعلّم لغة الغازي إلاّ من باب زيادة العلم وهو أمر محمود .

ومن هؤلاء الناس الواضحي الرؤية الذين كتبوا  في هذا الموضوع العلاّمة العراقي محمود شكري الألوسي ( 1857 ـ 1924) (1) . وقد رأيت أن أُثبت لكم ما كتبه، ذلك أنه معاصر وشاهد على البدايات القويّة للوقوف ضد العربيّة ، فلم يقف مكتوف الذراعين بل تصدّى لها فوراً وفي واحد من أهم كتبه:  “بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب”، فهذا الكتاب بالذات كان قد ألّفه إجابة لاقتراح لجنة اللّغات الشرقيّة في استكهولم وفاز بجائزتها. أهميّة الكتاب ـ وهو موسوعة من ثلاثة أجزاء ـ في أنه بيان شامل كامل لحياة العرب قبل الإسلام من كل نواحيها على الإطلاق. من ضمن ماجاء في المقدّمة “…العرب أُمراء الكلام ومعادن العلوم والأحكام…  أحكمتهم التجارب وأدّبتهم الحكمة…يغسلون من العار وجوهاً مسودّة، ويفتحون من الرأي أبواباً منسدّة، كأنّ الفهم منهم ذو أُذنين، والجواب ذو لسانين….” وكل هذا ظهر تصديقاً وشرحاً لما جاء  في الكتاب . يقول أنه بذل جهداً في تأليف الكتاب “..لما يترتّب على ذلك من المصالح العمومية” .

يقول الألوسي في معرض الكلام عن قابلية العرب في البيان :” وقد سمعت بعض من لا خُلُق له من الناس انه ادّعى أن لغات الإفرنج اليوم أوسع من لغة العرب بناء على ماحدث فيها من ألفاظ وضعوها لمعان لم تكن معروفة في القرون الخالية والأزمنة الماضية، فضلاً عن أن تعرفه العرب فتفوه به أو تتخيّله فتنطق به. ولا يخفى عليك أن هذا الكلام يُشعِر بعدم وقوف قائله على منشأ السِّعة، وإنه لم يخض بحار فنون اللغة حتى يعلم أن المزيّة من أين حصلت .وأما ما ذُكر من أنّ مفردات العربية  غير تامّة بالنظر إلى مااستُحدث بعد العرب من الفنون والصنائع ممّا لم يكن يخطر ببال الأوّلين فهو غير شين على العربية، إذْ لا يسوغ لواضع اللغة أن يضع أسماء لمسميات غير موجودة، وإنما الشين علينا الآن أن نستعير هذه الإسماء من اللغات الأجنبية مع قدرتنا على صَوْغها من لغتنا . على أن أكثر هذه الأسماء هو من قبيل اسم المكان أو الآلة، وصوغ اسم المكان والآلة في العربية مطرد من كل فعل ثلاثي . فما الحاجة إلى أن نقول : فبريقة أو كَرْخانة ولا نقول معمل أو مصنع، أو أن نقول بيمارستان ولا نقول مستشفى، أو نقول ديوان  ولا نقول مأمر أو نقول اسطرلاب ولا نقول منظر . والعرب اليوم بخسوا اللغة حقّها؛ فإنهم عدلوا عنها إلى اللغات العجميّة ( وهنا يقصد كلّ اللغات غير العربية) من غير سبب؛ فإن  من يستعير ثوباً من آخر وهو مستغن عنه يُحكم عليه بالزيغ والبطر . وإذا اعترض أحد بأن دخول الألفاظ العجميّة في العربية غير مُنكَر وأن كلّ لغة من اللغات لا بد أن يكون فيها دخيل فاللغة هي بمنزلة المتكلِّمين بها فلا يمكن لأمة أن تعيش وحدها من دون أن تختلط بأُمة أُخرى فإن الإنسان مدني بالطبع، أي محتاج في تمدّنه إلى الإختلاط مع أبناء جنسه، والجواب ان هذا الدخيل إنما يُغضى عنه إذا لم يوجد في أصل اللغة ما يُرادفه أو ما لا يمكن صَوغ مثله، فأما مع وجود هذا الإمكان فالإغضاء عنه بخس لحقّ اللغة لا محالة، وإلاّ لزم المستعربين أن ينطقوا بالباء أو الكاف الفارسيتيْن أو أن يقدِّموا المُضاف إليه على المُضاف.

” وهناك وجه آخر في العربية لصَوغ ألفاظ تسدّ مسدّ  الألفاظ العجميّة التي اضطررنا إليها وهو باب النحت. قال ابن فارس (2) في فقه اللغة : العرب تنحت من كلمتين كلمة واحدة، وهو جنس من الإختصار، وذلك كقولهم :  رجل عَبْشَمِيّ منسوب إلى إسمين وهما عبد شمس .

وأنشد الخليل بن أحمد الفراهيدي (3)

أقولُ لها ودمعُ العين جاري    ألم تحزُنْكِ حيْعَلَة المنادي

من قولهم :” حي َّ على كذا” . وهذا من مذهبنا في أن الأشياء الزائدة على ثلاثة أحرف أكثرها منحوت، مثل قول العرب للرجل الشديد “ظَبْطَر” من ََضبَط ” و “ضَبَر”، وفي قولهم ” صَهْصَلِق” ( العجوز الصخابة) إنه من “صَهَل” و صَلَق”، وفي ” الصِلْدم” (الأسد، الصلب، الشديد الحافر) إنه من ” الصلْد” و “الصدْم” ، إلى آخر ما قال.

” ولو أن العرب الأولين شاهدوا البواخر وسكك الحديد وأسلاك التلغراف والغاز والبوستة ونحو ذلك مما اخترعه الإفرنج لوضعوا له أسماء خاصة، فهم على هذا غير ملومين، وإنما اللوم علينا حالة كوننا قد ورثنا لغتهم وشاهدنا هذه الأمور بأعيننا ولم ننتبه لوضع أسماء لها على النسق الذي الفته العرب وهو الإختصار والإيجاز” .

 

 

يكتب الكاتب الفرنسي فانتيجو كتاباً يسمّيه ” المعجزة العربية”، يتحدّث فيه عن ما يدين به الغرب للعالم العربي، وهذه العبارة مكتوبة على الغلاف في أسفله للتعريف به (4).

يكتب المقدّمة المستشرق الفرنسي لويس ماسنيون (5). هذان الإثنان يحملان حبّاً دافقاً للعرب وحضارتهم سطّراه سلوكاً وكتابة على الورق . حباً نزيهاً خالي من الشطط، جوهره ضمير حر منصف يملي عليهم مايقولونه ويكتبونه، وغلافه احترام وامتنان .

ولست في صدد الكتابة عن هذا المؤلَّف مع ذلك أريد ذكر أمر واحد ، يقول إذا كان الناس يسمّون عهد الرشيد ب ” أيام عرس”  فعلينا نحن الأوربيّون أن نسمّيه :” قرن هارون الرشيد” . إنه يتحدّث عن العلم والأدب فيه واهتمام ورعاية الخليفة بهما، ثم يقول إنه يأسف لعدم تعليم أولادهم، وهم لايزالون في عمر صغير، معرفة وحب هذا العاهل النبيل، لكي يألفوه….هذا الرجل الطويل القامة، الأبيض البشرة، الرائع في ردائه الأسود، الذي يقف ليصبّ الماء أمام الحاضرين في مجلسه،على يد أحد العلماء إحتراماً للعلم (6).

 

في المقدّمة يُشيد ماسنيون بلغة العرب وحضارة بناها العرب . يقول في الفقرة الأخيرة : … إن وجود اللغة العربية على المستوى العالمي عامل أساسي في إحلال السلام بين الدول في المستقبل. ثم يضيف بعبارات تحمل حبّاً صوفياً :” .. وللعديد من الفرنسيين النصارى وأنا منهم، كانت اللغة العربية وستبقى لغة الحريّة في ذروتها، في إفشاء الحب، في الشوق الدافع للطلب من الله ، من خلال الدموع، أن يكشف عن وجهه الكريم.

يؤرّخ ماسنيون للمقدّمة بالتاريخ العربي مكتوباً بالحروف اللاتينيّة: عيد الفطر 1368 .

 

 

 

الهوامش

1 ـ محمود شكري الألوسي البغدادي : مؤرِّخ، عالم بالأدب والدين، من الدعاة إلى الإصلاح، حمل على أهل البدع في كتاباته. لعب دوراً إلى جانب العثمانيين في الحرب العالمية الأولى . وعندما احتلّ البريطانيون بغداد عرضوا عليه تولّي القضاء فرفض انقباضاً عن مخالطتهم. له 52 مصنّف بين رسالة وكتاب .

2 ـ أحمد بن فارس القزويني الرازي : من أئمّة اللغة والأدب، درّس البيان لأعيان الشخصيّات والمشهورين به، توفي في مدينة الريّ عام 395 هـ ـ 1004 م . له تصانيف عديدة، وله شعر حسن .

3 ـ الخليل بن أحمد الفراهيدي :من أئمّة اللغة والأدب . واضع علم العروض، أخذه من الموسيقى وكان عارفاً بها. له تآليف عديدة . وُلد ومات في البصرة 170 هـ ـ786 م.

 4 ـ  max  jouxévint تُرجم كتابه إلى العربية رمضان لاوند، نشرته دار العلم للملايين، بيروت 1954

5 ـ  massignon  louis فرنسي من أكابر المستشرقين. كان يتقن : العربية، الفارسية، التركية، الألمانية، الإنكليزية. اشتهر بولعه بالتصوّف الإسلامي والمتصوِّفة وكتب عنهم، وترجم للحلاّج على الأخص .ت 1962

6 ـ جاء في تاريخ الخلفاء للسيوطي :”كانت أيام الرشيد كلها خير كأنها من حسنها أعياد”.

  وعن  أبي معاوية الضرير، الحافظ الكوفي إنه أكل مع الرشيد يوماً، وبعد الإنتهاء صُبّ الماء على يديه، سأله الخليفة :” تدري مَن صبّ عليك؟ قلت : لا، قال: أنا، إجلالاً للعلم” .

 

 

 

المصادر

1ـ بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب، السيد محمود شكري الألوسي البغدادي . الطبعة الثانية، شرح وتحقيق محمد بهجة الأثري، دار الكتب العلمية .

2 ـ تاريخ الخلفاء، الإمام جلال الدين السيوطي

3 ـ الأعلام، الزركلي

4 ـ ” المعجزة العربية” أشرنا إليه أعلاه في “الهوامش” .

 

 

 

 

 

 

 

    

 

 

 

 

 

نحو استهلاك اسلامي : د.أسامة قاضي

  نحو ثقافة استهلاكية إسلامية: coins

 

د.أسامة قاضي

 

إن العالم الإسلامي المترامي الأطراف والذي يحتل حوالي ربع العالم (31,766,460 كم2) والذي يشكل سوقه الاستهلاكي أكثر من 1300 مليون نسمة ( 1,331,260,000)، والذي هو بحجم سوق الصين التجارية، لاينعم بالعافية الاقتصادية، ولاتشكل مداخيله القومية مجتمعة أكثر من من 4 بالمائة (1.4 تريليون دولار) من حجم الناتج الدخل العالمي، وتشكل ديونه الخارجية  649 مليون دولار.

المدخل التجاري كان إحدى السبل التي لجأت إليها معظم دول العالم الإسلامي للخروج  من هذا المأزق الاقتصادي، واندفعت اثنان وثلاثين دولة من أصل سبعة وخمسين دولة إسلامية للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، علّ هذه المنظمة تقدم الترياق للجسد الاقتصادي المنهك في العالم الاسلامي.

بطبيعة الحال فيما يتعلق بمنظمة التجارة العالمية لايمكن تعميم الحكم على  دول العالم الإسلامي،  بل يجب تصنيفها حسب حصة ناتج الدخل المحلي للفرد في الدول الإسلامية إلى أربع أصناف: 1-دول إسلامية فقيرة جداً (دخل الفرد أقل من $1000 سنوياً) 2-دول إسلامية  فقيرة (دخل الفرد مابين 1001-2000$ سنوياً) 3- دول إسلامية متوسطة الدخل (دخل الفرد مابين 2001-5000$ سنوياً) 4- دول إسلامية غنية ( دخل الفرد أكثر من $5001 سنوياً).

بناء على التصنيف السابق نجد أن الدول التي زادت صادراتها إثر انضمامها لمنظمة التجارة العالمية هي بعض الدول الغنية، وقليل من الدول المتوسطة، أما الدول الفقيرة، والفقيرة جداً فالليبرالية التجارية لم تنهض بدخلها القومي، وقد بينت الدراسة الامبركلية التي قام بها هذا البحث بهشاشة العلاقة الرياضية بين معدل نمو نصيب الفرد من ناتج الدخل القومي،وعضوية منظمة التجارة العالمية. والدراسة تناولت 57 دولة إسلامية عام 2002 من خلال وضع  معدل نمو نصيب الفرد من ناتج الدخل القومي كمتحول تابع، في مقابل المتحولات التابعة التالية: 1- حجم الاستثمار الأجنبي كنسبة من ناتج الدخل القومي، 2- حجم الادخارات المحلية من ناتج الدخل القومي 3-حجم الواردات من ناتج الدخل القومي 4- حجم الصادرات من ناتج الدخل القومي، 5- نسبة نمو حجم الاستثمارات، 6- منسوب الديموقراطية، 7- درجة الحرية الاقتصادية، وأخيراً وهو المهم هنا 8- مؤشر عضوية منظمة التجارة العالمية.

من هو العالم الإسلامي…؟

كثيراً مايذكر المسلمون أو العالم الإسلامي في الأدبيات الاقتصادية، لكن بعض الكتاب ينسى محددات البحث فيما يتعلق بمن هم المسلمون وكيفية حصرهم. هذا البحث ولسهولة البحث يحصر المسلمين بسكان دول أعضاء منظمة المؤتمر الإسلامي، مع العلم أن هناك الكثير من المسلمين الذين يقطنون بلاداً لاتتمتع بعضوية منظمة المؤتمر الإسلامي، وكذلك هناك أقليات كثيرة غير مسلمة تعيش في الدول الأعضاء.

الحقيقة إن هذا لايضر كثيراً بعلمية البحث من جهتين:

الأولى : أن الحالة الاقتصادية التي يعيشها أي بلد من البلدان الإسلامية تنسحب على كل سكان البلد، ولاتقتصر على المسلين وحسب، فالفقر في بنغلادش يشمل كل من يحيى ويقطن بنغلادش، بغض النظر عن الديانة، ومن صالح سكان البلد بكل أطيافها الدينية النظر في الأسباب المؤدية للرخاء الاقتصادي، وانتشال البلد من أزمتها الاقتصادية إن وجدت، والثانية: أن عدد الأقليات المسلمة في الدول غير الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي (في الصين حوالي 20 مليون مسلم مثلاً) يعادل أو قد يفوق عدد الأقليات غير المسلمة التي تحيى في الدول الإسلامية بحيث يبقى عدد المسلمين المحكومين بهذه الدراسة ليس بعيداً عن الواقع. 

إن عدد سكان الدول ال 57  الأعضاء في المنظمة  يفوق المليار، وهو بالتحديد  1,331,260,000 نسمة وبدأ انضمامهم للمنظمة منذ 1969 وكانت آخر الدول المنضمة هي ساحل العاج عام 2001.

هذا العدد الضخم من السكان  يحتل من حيث المساحة الجغرافية حوالي ربع  مساحة العالم (31,766,460 كم2)

لكن ناتج دخله القومي لايتناسب وهذا الحجم الهائل من السكان، ومن مساحة المعمورة حيث بلغ ناتج دخله القومي حوالي أربعة بالمائة (4%) من ناتج الدخل القوم للعالم، والبالغ أكثر من 35$ تريليون دولار، وهذه الأمة مثقلة بحوالي ال 700$ مليار دولار من الديون.

إن هناك 31 دولةً مصنفة ضمن الدول الأكثر فقراً أي أن متوسط دخل أفرادها أقل من 1000 دولار سنوياً، في حين أن هناك 11 دولةً إسلامية أفرادها يحيون على متوسط دخل أقل من 2000 دولار وأكثر من ألف دولار، وأما الدول التي يحقق أفرادها دخلاً مابين 2000 و5000 دولار فهي سبعة دول فقط من بين 57 دولة، وماتبقى من الدول الثمانية الباقية من العالم الإسلامي تُعد دولاً غنيةً، لأن أفرادها يحيون على معدل دخل أكثر من 5000 دولار، وعلى رأس هذه الدول قطر، حيث وصل متوسط دخل الفرد فيها إلى أكثر من 28000 دولار.

العالم الإسلامي و منظمة التجارة العالمية

منذ تأسيس البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومع بشائر تاسيس الاتفاقية العامة للتجارة والتعرفة أو ماعرف بالغات بات العالم خلال النصف الثاني من القرن العشرين يسعى للمزيد من التحرر الاقتصادي، والانفتاح الاقتصادي والتجاري. أما الفترة الأخيرة فإن دعم تيار تحرير التجارة، والانفتاح الاقتصادي، بات مدعوماً من قبل منظمة التجارة الدولية، وتسابقت الدول للانضمام للمنظمة التي تدعمها الاقتصاديات الصناعية خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وقد انضم لهذه المنظمة 34 دولة إسلامية معظمهم كان 1995، لم يكن هذا الانضمام بعيداً عن رضى منظمة المؤتمر الإسلامي، لابل لازالت المنظمة تحث أعضائها للانضمام لمنظمة التجارة العالمية، وتشجع المنضمين على تسهيل أمور إخوتهم من الدول الإسلامية الأخرى للانضمام لمنظمة التجارة على لسان رئيس منظمة المؤتمر الإسلامي في أكثر من مناسبة، وهو مانص عليه قرار منظمة المؤتمر الإسلامي رقم 3-10 في اجتماع اكتوبر 2003 في ماليزيا:  

OIC Resolution No. 3/10-E (IS)Called on OIC Member States who joined the WTO to support and facilitate negotiations for the accession of the other Member States that have not yet joined the WTO. OIC Urged the WTO and its Member States to: a) Facilitate the accession of all States to the WTO to ensure its universality in decision-making, emphasize the importance of clarity and transparency of membership procedure, and avoid requiring States wishing to adhere to meet unfair requirements or conditions beyond the commitments of Member States with equal status on the development scale; b) Stress the need to ensure that political considerations should not impede the process of accession to the WTO.

هذه التأكيدات مهمتها أن تحفز الدول الإسلامية لفتح  أبوابها أمام التجارة العالمية، لكن يجري هذا التشجيع على الانفتاح التجاري دون النظر إلى خبرة الدول الإسلامية ال34 التي سبق وانضمت إلى منظمة التجارة العالمية منذ عام 1995 وما بعد، ولعل الناظر إلى أثر الانضمام للمنظمة على واقع الدول الإسلامية التجاري والمالي يلاحظ الأمور التالية :

1- إن حصة الدول الإسلامية من التجارة الدولية قليل جدا، حيث أن حجم صادرات الدول الإسلامية لايشكل سوى 9% من حجم الصادرات العالمية في عام 2002، وقد ظل فترة طويلة لايشكل سوى 7% منذ عام 1992.

2- إن الانضمام لمنظمة التجارة الدولية لم يرفع من حصة الدول الإسلامية من الصادرات رغم انضمام أكثر من ثلاثين دولة إسلامية للمنظمة،لابل انخفض مجموع الصادرات من 549 مليار دولار عام 2000 إلى 512 مليار عام 2002 .

3- إن أكثر عشرة دول إسلامية مصدرّة هي ماليزيا 93.2 مليار دولا، السعودية 73.9$ مليار، أندونيسيا 57$ مليار، الإمارات المتحدة 47$ مليار، تركيا 34.5$ مليار، إيران 24$، الجزائر 19$ مليار، الكويت 15$ مليار، نيجيريا 15$ مليار، العراق 13.5$مليار وأخيراً عمان 11$ مليار دولار، والجدير بالذكر أن أربعة من هؤلاء الدول الإسلامية ليست عضواً في منظمة التجارة العالمية، ويشكل النفط أكثر من 50% من هذه الصادرات.

4-  إن حجم واردات الدول الإسلامية لم يتجاوز 6 % من حجم الواردات العالمي، فقد قام العالم الإسلامي بدوله السبع وخمسين باستيراد 418 مليار دولار من أصل 6.6 تريليون دولار حجم الواردات العالمية، مما يؤكد على أن الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية لم يؤثر على حجم تجارة العالم الإسلامي، بشكل جوهري لاعلى صعيد الصادرات، ولا على صعيد الواردات، فحجم صادرات العالم الإسلامي ازدادت فقط 234$ مليار دولار خلال عقد من الزمان 1992-2002، وأما الواردات فلم تزدد إلا بمقدار 147$ مليار خلال نفس الفترة.

5- إن الانضمام لمنظمة التجارة العالمية لم تعود على الدول الإسلامية بالفائدة من حيث ضخ مزيد من الاستثمارات الأجنبية في المنطقة، فلم يحظ العالم الإسلامي سوى ب16 مليار دولار كاستثمارات أجنبية من أصل 651 مليار دولار حجم الاستثمارات الأجنبية في العالم، وإن كانت خبرة الدول الإسلامية تختلف من واحدة لأخرى، لكن الأرقام تظهرأنه لم تستطع سوى ستة دول إسلامية أن تجتذب أكثر من مليار دولار لأراضيها بمافيها الدول النفطية، لابل إن دولاً كالإمارات العربية المتحدة تذهلك بضآلة حجم الاستثمارات المباشرة على أراضيها، والتي لم تشكل سوى 95 مليون دولار عام 2002 حيث سبقتها الموزامبيق، وساحل العاج، ومالي التي استضافت على أراضيها أكثر من 100 مليون دولار من الاستثمارات الأجنبية.

6- إن خبرة العالم الإسلامي مع منظمة التجارة العالمية تختلف من دولة لدولة حسب حجم نشاطها الاقتصادي، وبنيتها التحتية، ونوعية صادراتها، ولكن بشكل عام فإن أثر الانضمام لمنظمة التجارة العالمية لم يحقق أي تقدم على صعيد ناتج الدخل القومي رغم أن هناك بلداناً استفادت من ظاهرة الانفتاح التجاري والاقتصادي على العالم كمصر الذي ارتفع ناتج دخلها القومي من 51$ مليار عام 1995 إلى 92$ مليار دولار عام 2002، وارتفع ناتج دخل الجزائر بشكل طفيف، ولكن تونس والمغرب مثلاً لم يحالفهما الحظ في النهوض المقبول باقتصاد البلدين رغم عضويتهما في المنظمة.

تفعيل التجارة البينية هو الحل الوحيد

الدول الإسلامية بسوق استهلاكها البالغ 1.3 مليار نسمة، يتمتع بمستوى تجارة بينية منخفض للغاية بين الدول الإسلامية حيث انخفضت صادراتها تقريباً 2% (38 مليار دولار)، وكذلك انخفضت وارداتها 4% (39 مليار دولار) خلال سنتين مابين عامي1996 و 1998.

إن الانضمام لمنظمة التجارة العالمية لم يكن يوماً حلاً خاصة للدول ذوات البنية التحتية الضعيفة، والتي تفتقد لمواد أولية ذات طلب عالمي قوي كالنفط، أو الغاز، لذا توجب على منظمة المؤتمر الإسلامي البحث عن حلول عملية لرفع الطلب على منتجات بلاد العالم الإسلامي، وتفعيل هذا الطلب الذي يحفز الانتاج ويرفع من سوية الاقتصاد في البلدان الإسلامية.

السؤال الذي يطرح نفسه هو هل تتمتع الدول الإسلامية كلها أو بعضها ببعض المزايا التجارية التي ترشحها للتخصص في صناعة معينة مجدية اقتصادياً؟

الجواب هو  نعم، إن هناك بحسب تصنيف منظمة التجارة العالمية والأنكتاد كثير من الدول الإسلامية التي يمكنها التخصص في نوع معين من الصناعات دون غيرها، هذا طبعاً إذا ماتوفر لديها السوق الاستهلاكية الكبيرة التي تجعل من تخصصها مجدياً. إن منظمة المؤتمر الإسلامي يتوجب عليها بذل المزيد من الجهود لتفعيل التجارة البينية والنهوض باقتصاديات العالم الإسلامي عبر الوصول إلى المستهلك المسلم النهائي.

إن نظرة متفحصة لما يمكن للعالم الإسلامي أن ينتجه، يمكن بقليل من الدعم وكثير من الجهد لفت الأنظار إلى إمكانيات هذا العالم الإسلامي المترامي الأطراف، ويمكن لمؤشر التخصص حسب المزايا المقارنة أن يكون بمثابة إشارات لما يمكن للدول الإسلامية أن تتخصص به.

ثقافة استهلاكية جديدة

لقد تعود معظم المستهلكين في العالم الإسلامي على نمط استهلاكي يقدم المنتج الغربي على غيره من المنتجات الاستهلاكية دون الالتفات إلى مايمكن أن ينتج عن آثار تحييد منتجات البلاد الإسلامية عن أولويات استهلاكه.

إن تهميش منتجات البلاد الإسلامية على كثرتها وتنوعها يقلل من الطلب على السلع المصنعة في البلاد الإسلامية، الأمر الذي يقلل من فرص الاستفادة من تخفيض أسعار تلك المنتجات المسوقة لعدد محدود مما لايتيح لها مجال للتنافس في الأسواق. إن عدم اكتراث المستهلك في البلاد الإسلامية للبضائع المصنعة “إسلامياً” أي في بلد مسلم يرفع من مستويات البطالة في الدول المصنعة، ويحرم الأمة من استثمار مواردها على أكمل وجه.

تفحص مايكل بورتر في كتابه “مزايا الأمم التجارية” عام 1990 العوامل الأساسية وراء المزايا التجارية مابين الأمم ، وخلص إلى أن هناك أربع عوامل أساسية تشكل أضلاعها الأربعة ماسمي ب “جوهرة بورتر”:

1- العوامل الأساسية فيما يخص البنية التحتية.

2- شروط الطلب.

3- الصناعات الداعمة والتي ترفد بقية الصناعات.

4- استراتيجية وهيكلية المؤسسات والشركات.

إن العوامل الأربعة الآنفة الذكر لابديل عنها لأي أمة تريد أن تحقق وجودها في الأسواق العالمية

لم يغب عن بال بورتر أن الحكومة تلعباً دوراً حيوياً في احتضان العوامل الأربعة السابقة الذكر، والتي تشكل أضلاع جوهرة بورتر. إن معظم بلاد العالم الإسلامي تفتقد لمعظم المزايا التجارية التي ذكرها بورتر بسبب ضعف بناها التحتية مقارنة باقتصاديات الغرب، وضعف الصناعات الداعمة والرافدة لصناعاتها. لاشك أن اقتصاديات الدول الإسلامية تحتاج إلى دفعة كبيرة على طريق تفعيلها، فإذا سلمنا أن البنية التحتية والصناعات الرافدة واستراتيجية عمل المؤسسات في اقتصاديات العالم الإسلامي، فلم يبق إلا العامل الأخير وهوخلق طلب كبير على منتجات الدول الإسلامية، ولعل ضلع شروط الطلب في جوهرة بورتر هو الذي يكسر الحلقة المفرغة التي تعاني منها اقتصاديات تلك الدول، ولكن هذا متوقف على تغيير ثقافة الاستهلاك عند سكان بلاد اعالم الإسلامي.

يسهل بعد هذا فهم واقع الفقر الذي تعيشه أكثر من ثلثي البلاد الإسلامية، وكذلك المجاعات المنتشرة في العالم الإسلامي والتي يكثر المسلمون من التباكي عليها، ورغم إدمان المستهلك المسلم على السلع الغربية على حساب البضائع المصنعة إسلامياً، ويتظاهر المستهلك المسلم بأنه لاحول ولاقوة له، ولعل موقف المستهلك المسلم مع المنتج الغربي تمثله آية “استخف قومه فأطاعوه” فآلة الإعلام الغربي وأدوات تسويقه الناجحة أقنعت المستهلك في البلاد الإسلامية أنه لامفر له ولابديل يمكن أن يحل محل المنتجات الغربية، ولكن الواقع يثبت أن الأمة فيها من المنتجات مايمكن أن يغطي معظم احتياجات الأمة الاستهلاكية، ولعل الجدول اللاحق يبين مثالاً بسيطاً لما يمكن للمستهلكين في دولة كالإمارات العربية المتحدة أن يستهلكوه من ستة بلاد إسلامية حيث تغطي احتياجاتهم الاستهلاكية على أكمل وجه دون الحاجة لمنتجات مصنعة في غير البلاد الإسلامية.

تستورد الإمارات العربية المتحدة وسائل الكترونية بماقيمته 308 مليون دولار في حين أن ماليزيا لديها إمكانية تصدير 1.1 مليار دولار من نفس المنتج، وأندونيسيا 581 مليون دولار، وتركيا بقيمة 122 مليون دولار،وفي الوقت الذي تستورد الإمارات المطاط وإطارات السيارات بقيمة 354 مليون دولار فإن تركيا بمفردها تصنع من نفس المنتج (الرمز 625) بما قيمته 338 مليون دولار، وأندونيسيا 273 مليون دولار، فلو أن المستهلك في الإمارات العربية قرر تحويل طلبه من إطار صنعته دولة غربية إلى منتج تصنعه تركيا، أو أندونيسيا، لفتح اسواق جديدة أمام المنتجات التركية والأندونيسية على سبيل المثال وخلق فرص عمل في تلك البلاد، وانتشل عوائل مسلمة من الفقر.

لقد استوردت الإمارات عام 2002 ماقيمته 425 مليون دولار أدوات مكتبية من دول العالم، في حين أن ماليزيا تصدر من نفس المنتج (الرمز 759) 8.7 مليار دولار، وأندونيسيا 903 مليون دولار، مما يدل على جدارة المنتج الماليزي والأندونيسي في العالم، فالمستهلك الإماراتي سيفتح أسواق جديدة أمام هذه المنتجات لو غير أولويات استهلاكه متمثلاً شعار “صنعوا واستهلكوا إسلامياً وصدروا عالمياً” وكذلك هي الحال بالنسبة لوسائل الاتصالات التي تستورد الإمارات منها 981 مليون دولار، بينما ماليزيا تقوم بتصدير 5.9 مليار دولار، وأندونيسيا 1.5 مليار دولار، وكذلك هي الحال بالنسبة لاستيراد المجوهرات والحلي حيث تشكل 4.7 % من واردات الإمارات العربية (1.4 مليار دولار) يمكن للمستهلك الإماراتي أن يؤكد على استهلاك المجوهرات التركية، والتي تصدر منها 445 مليون دولار، أو الماليزية والتي تصدر منها 505 مليون دولار، أو المصرية 10 مليون دولار.

يلعب المستهلكون دوراً حيوياً في تفعيل اقتصاديات الدول الإسلامية، وخلق فرص عمل من خلال رفع مستوى

الطلب على المنتجات المصنعة في الدول الإسلامية، بحيث إذا اشتكى الجسد الاقتصادي الإسلامي في ال 57 دولة إسلامية من الفقر والبطالة تداعى له كافة المستهلكين في الدول الإسلامية برفع مستوى الطلب وبالتالي رفع سوية انتاجيته وتحسين جودته هذا إذا كان لازال المسلمون يدعّون أنهم جسد واحد، ولابد أن المسؤولية الفردية تقع على عاتق كل فرد مسلم، وعلى الأمة مجتمعة بشكل أعم “كلُ أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ماكنتم تعملون” الجاثية 27

إن الأمة الإسلامية تستورد 1.7 مليار دولار من الرز، فهل استهلك المسلمون كل كمية الرز المصدرة من الدول الإسلامية والبالغة 617 مليون دولار؟ الجواب سيكون بالنفي حتماً، ولعل التوجه للعالم الإسلامي لاستيراد كل متطلبات الرز منه سيخلق طلباً جديداً بمئات الملايين من الدولارات، مما يخلق فرص عمل جديدة ويؤدي لانتعاش الاقتصاد في العالم الإسلامي، والاستفادة من مزايا الانتاج الضخم(ايكونوميس أوف سكايل) مما ينعكس ايجاباً على خفض الأسعار، والإعلاء من جودة المنتجات. (الجدول 5).

إن السؤال السابق بالنسبة لمادة الرز يعاد طرحه بالنسبة للطلب على الحيوانات الحية، إن واردات الأمة يقدر ب 932 مليون دولار، بينما صادراتها ب 705 مليون دولار، ولو قدر للدول الإسلامية أن تعطي أولوية الواردات للدول الإسلامية لزادت صادرات الأمة على ال705 مليون دولار، لأنه يصعب تصديق أن كل صادرات الدول الإسلامية تستهلك في البلاد الإسلامية، وخاصة إذا علمنا الحجم الهزيل للتجارة البينية بين الدول الإسلامية.

إن تفعيل التبادل التجاري البيني بين الدول الإسلامية يشكل حجر الأساس في إقلاع اقتصادياتها، لكن هذا التفعيل لابد أن يكون متناغماً مع المنظومة الأخلاقية، والمعتقدات المشتركة، والمشتركات الوجدانية المتوافقة مع المعتقدات الإسلامية المقدسة.

إن الدين الإسلامي يعكس النظام الأخلاقي، والابستمولوجي الذي يسود العالم الإسلامي، لذا فإن إغفاله في معادلة التنمية الإقتصادية يعود على العلم الإسلامي بالخسارة. إن الدين الإسلامي يؤكد على وحدة الأمة وأنها كالجسد الواحد إذا اشتكى له عضو(من فقر وتخلف اقتصادي) تداعى له سائر الجسد ( بقية العالم الإسلامي بما فيه أكثر من مليار مسلم) بالسهر والحمى ( أو بتبني ثقافة استهلاكية جديدية تقدم منتجات الدول الإسلامية على غيرها خاصة إذا كانت تتمتع بجودة مشابهة). يؤكد كريت هوفستيد في دراسته حول ثقافة الأمم ومستوى العناصر المكونة لها، على ضعف الحس بالفردية لدى مواطني دول الشرق الأوسط حيث الإحساس بالفردانية بلغت 38، بينما هذاالمؤشر في المتوسط هو 64، وهذا دليل الشعور الكبير بالحس الجماعي فيما يخص العلاقة مابين أفراد دول العالم الإسلامي، وإن هذا الشعور القوي بالآخر يتعزز من خلال الخطاب الإسلامي السائد “من لم يهتم لأمر المسلمين فليس منهم”، وكثرة تكرار الآيات التي يخاطب القرآن بها المسلمين بالقول “ياأيها الذين آمنوا” وبوصفهم أنهم “كالجسد الواحد”.

إن المسلمين عليهم تفعيل هذا الحس الجمعي ببقية الأمة، وعليهم تجاوز فلسفة الفردية التي تتسلل إليهم من نسق معرفي غيرإسلامي، وإن ترجمة هذا الإحساس بالآخر المسلم يكون بشراء السلع المصنعة في الدول الإسلامية، وإعطائها الأولوية في ثقافتهم الإستهلاكية، وهي بذلك تعطي المجال للصناعات القائمة في الدول الإسلامية بالتوسع ، مما يخلق فرص عمل جديدة في الدول الإسلامية، ويساعد على انتشال عوائل مسلمة كثيرة من تحت خط الفقر، هذا إضافة لتلبية دعوة الله في تحقق معنى الاستخلاف في الأرض.



مستشار اقتصادي مقيم في كندا

Read more: http://mdarik.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1264249802176&pagename=Zone-Arabic-MDarik%2FMDALayout#ixzz0fPwT2g0a

 

“صنعّوا واستهلكوا إسلامياً وصّدروا عالمياً”

تجربة منظمة التجارة العالمية في العالم الإسلامي

عن نهضة لم تحدث بعد….

abstract-lightbulb-tree-roots2 

عن نهضة  لم تحدث بعد…

د.أحمد خيري العمري- القدس العربي

أسئلة النهضة كثيرة، وربما أجوبتها أكثر..

لكن الأسئلة وبالتالي أجوبتها تركزت غالبا على الـ” كيف” ( شروطها كيف ننهض ) والـ”لماذا”( لماذا تأخر المسلمون وتقدم الغرب؟).. أكثر مما تركزت على “ماهية النهضة”..  على تعريفها وفهمها وهذا شوّش بطريقة ما على النهضة كمفهوم وبالتالي على الأجوبة…

بينما تقدم النهضة غالبا بالتركيز على تطبيقاتها ونتائجها وإن ذلك يؤدي إلى التغطية على جوهرها، على كونها “عملية ثقافية” في الأساس..

تركز النهضة على “البعد” الثقافي في عملية تغيير اجتماعي واسع، يكون هذا البعد هو بمثابة الزناد الذي يطلق عملية التغيير هذه  و يمهد لها، وأنا هنا لا أقصد  بالثقافة حديث المتثاقفين وثرثرتهم التي يتعمدون إغراقها بالتعقيد والغموض لكي تبدو “عميقة ومهمة”، بل أقصد البنية التحتية للأفكار التي يعتنقها الناس العاديون وتشكل رؤيتهم ومواقفهم، الثقافة التي أقصدها هي “العدة” التي يزود بها كل فرد في مجتمع ما دون أن يدرك ذلك، أنها العدة التي تغرس في كل فرد بمجرد نشأته في مجتمع ما، عبر ما يلقنه إياه المجتمع : في مجموعة المبادئ والقيم التي تميز الانتماء لهذا المجتمع، في ما يعدونه بدهيات لا تحتاج إلى نقاش، في “الحس العام” الذي يمثل خلاصة معارف وتجارب شعب أو أمة ما، تنتقل إلى كل فرد من أفرادها.. قد يتمثل ذلك في عادات وتقاليد وأعراف  تشكل نبض هذا المجتمع وتوجهه العام، و قد يتمثل أحيانا في “الأمثال الشعبية” أو “النكت والطرائف” التي يتداولها الناس والتي تشكل جزءا أساسيا من طبيعة حكمهم  على الأشياء ومواقفهم منها..

الثقافة التي أعنيها هي هذه “البنية التحتية” التي  تحرك الناس العاديين وتشكل دوافعهم  وأفعالهم وردود أفعالهم، وتمثل أيضا ما يثبطهم ويكبحهم ويجعلهم في حالات أخرى “حياديين” تجاه ما لا يحتمل الحياد أحيانا..

الثقافة التي أعنيها والتي تخص النهضة هي “الدوافع” كما “المثبطات”، هي “الحوافز” كما “الكوابح”.. إنها تشمل كل تلك العناصر التي تتحكم بسلوكنا وأفكارنا  وبعقلنا الجمعي دون أن نعيها بالضبط، ربما لأننا صرنا جزءا منها وصارت جزءا منا بطريقة يصعب علينا رصدها وفهمها، لكنها تجري منا مجرى الدم..

النهضة هي مشروع ثقافي بهذا المعنى، بل إنها ليست مشروعا ثقافيا فحسب، بل هي “ثورة ثقافية” أيضا..

مالفرق بين الاثنين؟

الفرق أن النهضة كمشروع ثقافي تستوجب “الاستثمار” في ما هو موجود فعلا من إيجابيات في الموروث الثقافي بالعمل على تكريسها وتأصيلها وبيان نفعها وفائدتها في الحياة العملية وتحقيق أهداف الأمة والمجتمع..

أما النهضة بصفتها ثورة ثقافية فهي تضم ذلك بطبيعة الحال لكنها تتضمن أيضا مواجهة ما هو سلبي في ذلك الموروث واجتثاثه من جذوره، والتأكيد على أضراره وضرورة إحداث قطيعة معه لكونها  تتعارض مع أهداف هذه الأمة أولا، ولأنه أصلا لم يكن جزءا أصيلا منها..

ولا مفر هنا من ذكر أمثلة على الموروث السلبي الذي لا مفر من مواجهته إذا كنا جادين حقا في النهضة، شخصيا أؤمن بأن كل ما يلعب دورا سلبيا في موروثنا جاء من أحد الطرق التالية :

أولاً -فهم خاطئ مجتزأ لنص صحيح وثابت، وهذا الفهم البشري نتج عن مرحلة تاريخية لها ظروفها الخاصة وقد حتمت هذا الفهم لسبب أو لآخر، وربما لم تظهر الآثار السلبية له إلا على المدى البعيد المتراكم ..أي بعد استقرار هذا الفهم وتحوله إلى جزء من العقل الجمعي وتحصنه بكونه قديم.. من الأمثلة على هذا الفهم السلبي الخاطئ للقضاء والقدر الذي أنتج عقيدة التواكل والاستسلام بدلا من عقيدة العمل والمواجهة والإيمان بأن الجيل الأول لو آمن بهذا الفهم السلبي  لما تغير التاريخ، كذلك تعرضت آيات “طاعة أولي الأمر” إلى فهم جزئي عزلها عن باقي النصوص وحولها  من وسيلة للانضباط إلى أداة للرضوخ إلى الاستبداد..

ثانيا- فهم ناتج عن كوم هائل من الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي حولت  بعض الأقوال المأثورة أو الآراء الشخصية لواضعيها إلى نص مقدس يلعب دورا في تكوين العقل الجمعي للأمة مهما كانت فحوى هذا النص الضعيف أو الموضوع  بعيدة عن شبكة  المعاني التي ينتجها  تكامل النصوص الصحيحة وتضافرها.. هذه النصوص الضعيفة أو الموضوعة وما تنتجه من مفاهيم يجب أن تجتث بلا تردد حتى لو لم يكن تأثيرها السلبي مؤكدا أو ظاهرا، ولكن مجرد احتمائها بسلطة النص الديني وخلطها ما هوبشري وعابر بما هو مقدس، يجعل اجتثاثها أمرا ضروريا.. خاصة أن الإبقاء على نص ضعيف و”مسالم”، يبرر الإبقاء  على أي نص ضعيف آخر من الناحية العلمية المجردة.

ثالثا – هناك بعض الأمور الغيبية  التي مر ذكرها في القرآن والسنة الصحيحة، في  مساحة صغيرة للغاية، لكن هذه المساحة بولغ فيها في الموروث السائد وتحولت إلى وسيلة للهرب من مواجهة علاقة الأسباب بالنتائج التي ركز عليها القرآن الكريم.. مثال ذلك الآيات التي مر ذكر السحر والحسد والجن فيها على نحو لا علاقة له بالاستخدام اللاحق في الموروث الذي وصلنا، حيث تحولت هذه الآيات وما تراكم عليها من أفهام بشرية ونصوص ضعيفة إلى وسيلة للتهرب من مواجهة الأسباب والحقائق: سيسهل عليك أن تؤمن بأن فشل ابنك أو عقوقه لم يكن نتيجة لأخطاء ارتكبتها في تربيته، بل نتيجة “حسد” أو “جن” تربص به أو سحر دبره حاقد…

رابعا- هناك ما هو دخيل حتما ولا ينتمي لشيء حقا في الإسلام بل تسلل من أمم أخرى ذات ديانات وتجارب حضارية مختلفة، بعض الداخلين الجدد في الإسلام قاموا بعملية “أسلمة” سطحية  لموروثهم الديني وحملوه معهم إلى أفهام المسلمين، وبالتدريج صار جزءا من موروث سلبي يخدر الأمة ويعطل تواصلها مع مصادرها الأصيلة. إلى هذه الخانة ينتمي كوم هائل من الشعائر البدعية التي لا أساس لها والتي أغرقت المسلمين في  شبه رهبانية مزيفة،  فصلتهم عن واقعهم ومواجهته بدواعي الروحانية والنورانية ..إلخ، وإلى هذه الخانة أيضا تنتمي عقائد من نوع “وحدة الوجود”  و”التوسل بالأموات” التي تناقض كل ما جاء به الإسلام..

لا يمكن أن ننكر وجود كل هذا في الموروث التراكمي الذي وصلنا، كما لا يمكننا أن ننكر أو نغض البصر عن الدور السلبي لهذه المكونات لأنها لن تغض البصر عنا حتى لو فعلنا نحن ذلك، ستظل تمارس دورها التخريبي وتعطل كل قيمة إيجابية قابلة للاستثمار في النهضة..

لا يمكن ببساطة أن تعول على أي تغيير يمكن أن يحدث في الجيل الطالع عندما تجعله يؤمن أنه الخليفة في الأرض، لكنك  تركت في الوقت نفسه أفكارا أخرى تسرح وتمرح وتزين له الركون والسلبية تحت مسميات القضاء والقدر والصبر وانتظار من لن ياتي أبدا ما دامت الأوضاع هكذا..

لكن هذه “الثورة الثقافية” لن تكون من أجل تكريس ما هو إيجابي وأصيل في الموروث واستئصال ما هو دخيل وسلبي فحسب، بل هي أيضا ثورة ثقافية ضد كل عنصر استلاب معاصر يتسلل بفعل فقدان المناعة (الناتجة عن فقدان الإنجاز المعاصر) ويسرب قيما أخري دخيلة تناقض كل ما جاء به الاسلام..

لا فائدة حقا من غربلة الموروث وتنقيته إذا لم نحافظ على الأسوار، على الهوية التي تحفظ ناتج هذه التنقية .. وإلا ما كان هناك أصلا معنى في الثورة ككل في النهضة ككل، مشروعا  وثورة..

 لا ريب أن كل تلك العناصر السلبية ستجد حتما من يدافع عنها بل ويستقتل في الدفاع عنها، لن يكون هذا الدفاع من رجال الدين التقليديين بالضرورة فحسب، بل سيكون أيضا من بعض أدعياء التجديد والتنوير الذين توفر لهم بعض هذه العناصر أرضا واسعة للعب والمناورة فيها، وما همهم طبعا أمر النهضة أو سواها، فالنهضة الوحيدة التي يعرفون هي النهضة الأوروبية والتي يريدون قص ولصق نتائجها قسرا وخديعة وبكل الوسائل..

لن تكون النهضة يسيرة قط بهذا المعنى،  لقد تعايشنا مع بعض ما يجب استئصاله لقرون، ولن يكون يسيرا قط نزعه لأنه صار للبعض كما لو أنه جزء منهم، لكن العضو الذي يأكله السرطان لا مفر من بتره، مهما كان ذلك مؤلما…

إذا كنا جادين حقا، فعلينا أن ندرك أن ثمن النهضة باهظ..، وأنها لن تجلب بمؤتمرات وندوات تقام في فنادق خمس نجوم، بل بفكر يمهد لثورة من نوع خاص، ثورة لا علاقة لها بالانقلابات العسكرية، ولا ببيان رقم واحد سيئ الصيت( في بعض التجارب على الأقل!)، بل بفكر ينتشر بالتدريج، ويغير بالتدريج، ويسكن عقول الناس الحقيقيين بالتدريج، يلتحم بهم، وبهمومهم.. وعندما تحين اللحظة، لا تعود النهضة خيارا، لا تعود وجهة نظر، بل تصير حتما.. يصير البديل الوحيد هو الانقراض..

تكلفة المؤتمرات في فنادق الخمس نجوم باهظة حتما، لكن ثمن النهضة باهظ أكثر بكثير…

الفرق أن الأولى تذهب بلا أثر ولا جدوى..

أما الثانية فلا..!

 

 

و بكينا على العربية طويلا : شيماء الصراف

zoomorphic_calligraphy1 

                                                    وبكينا على العربيّة طويلاً

شيماء الصراف

 

القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي  . بغداد

راوي الحكاية القاضي الإيذجي؛ كان من ضمن جماعة قليلة خرجوا لتشييع أبو هاشم الجُبَّائي ، رئيس علماء الكلام  في عصره، صادفتهم جماعة أخرى قليلة أيضاً تحمل جنازة، وبعد السؤال كان المتوفّى إبن دُرَيْد من أئمّة اللغة والأدب . الإثنان ماتا في يوم واحد.

بعد الإنتهاء من الدفن يذكر الإيذجي حدثاً لمن معه : سافر الخليفة العبّاسي هارون الرشيد إلى مدينة الرّي وبصحبته  الشيباني من أكابر فقهاء الأحناف والكسائي عالم العربيّة، يموت الإثنان في يوم واحد ، يقول الرشيد :” دفنت الفقه والعربيّة في الرّي” .

يقول الإيذجي خاتماً حديثه ” وبكينا على الكلام والعربيّة طويلاً ، وافترقنا”.

 

ماذا نقول اليوم عن لغتنا ؟ عربيّتنا ؟

 

بدأت بوادر خلل واضحة  في العربيّة بعد الفتوحات واستقرار العرب في مجتمعات جديدة واختلاطهم بناسها الأعاجم، وهذه الكلمة لا تشمل جنساً معيّناً فكل من لا يتكلّم العربيّة يطلق عليه تعريفاً، أعجمي. والخلل كان تحديداً في النحو والإعراب . يهرع العالم أبو الأسود الدُّؤلي إلى الخليفة الراشدي الرابع علي بن أبي طالب (رض) في الكوفة إثر ملاحظته ذلك يخبره ويتباحث معه في وضع قواعد للنحو، فكان أن وُضع النحو وارتبط بإسم الدؤلي (1).

يدخل أعرابي قدم من البادية سوق إحدى حواضر العراق جالباً بضاعة ليبيعها، لم يحالفه الحظ في الربح، قال : سبحان الله، يلحنون ويربحون ونحن لا نلحن ولا نربح. حكاية طريفة يوردها المؤلِّف في كتاب للتراث ليريح القارئ من قراءة جادّة ويدفع بالبسمة إلى شفتيه، ولكننا نلاحظ بها عدّة أمور : استنكار الأعرابي للّحن في الكلام وأنه أمر معيب وهم أهل البادية، لا يلحنون . تعجّبه من تصاريف الدهر فهو أفضل من هؤلاء مع ذلك خانه الحظ . إنّ العوام والسوقة يغلب عليهم اللّحن في كلامهم .

كانت عوائل المدن ترسل أبنائها وهم أطفال صغار إلى البادية للإقامة مدة كافية لأخذ العربيّة والنطق السليم لتصبح الصحّة في كلامهم ، ما أمكن، سليقة وطبع لا يتكلّفونه، والأمر مشروط بالقدرة الماديّة والوعي . وحين لا يفعلون ذلك يقومون بإحضار المؤدِّبين لأولادهم فيكون من بين أولى واجباته تدريس اللّغة على أصولها في النحو والإعراب ، وهناك خيار ثالث هو إرسال العوائل أولادهم ـ كلمة ولد تشمل الذكر والأنثى ـ  إلى المعلّمين لتدريسهم.

ذلك أنّ اللّحن في الكلام ضرب في الصميم لشخصيّة فاعله، إنه عنوان جهل وضعة يعيَّر به لذا كانوا يتحاشوه بل ويخافوه فهو سقطة كلاميّة  للعارف به، وقول الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، ( ت86 هـ ـ 705 م ) :” شيّبني صعود المنابر والخوف من اللّحن”  يخلو من المبالغة ، إنّ هذا الرجل الفقيه الواسع العلم ذو الحس المرهف يعرف أنّ اللّحن إخلال بالمروءة وهي ـ المروءة ـ  تجمع كل خلق نبيل طيّب .

اللّحن في اللّغة له فعلين

الأوّل : تغيير المعنى، فلا يعود السامع يفهم ما عناه القائل بكلامه، ونرجع إلى الدؤلي والحادثة التي كانت الفصل في قراره بوضع النحو، يدخل إلى بيته يوماً فتقول له ابنته : يا أبت، ما أحسنُ السّماءِ، فقال : يابُنيّة، نجومها ، فقالت : إني لم أرد أي شيئ منها أحسن، إنما تعجّبت من حسنها، فقال : إذن قولي : ما أحسنَ السماءَ . وفي رواية أنها قالت له : ما أشدُّ الحرِّ، فقال : ما نحن فيه اليوم، فردّت أنها لم تقصد السؤال، فقال لها : إذاً تقول : ما أشدَّ الحرَّ .

الثاني : اللّحن ضرب لموسيقيّة اللّغة العربية، فهو كالحجارة التي تؤذي بالجرح والتشويه، وتم التعبير

عنه بقول : اللحن في الكلام أقبح من الجدري (المرض) في الوجه .

الذي ينظركتابات القرّاء وتعليقاتهم  على الأنترنيت يرى خطر الحالة التي تعيشها اللّغة العربيّة، إنهم عامّة الناس وليسوا بعوامهم وسُوقتهم، ولهم وعي سياسي واجتماعي بأحداث بلدهم والعالم، فما بالك بعوامهم ؟ المفعول به مرفوع والفاعل منصوب وحروف الجر مركونة لا تُستعمل ولا أثر لها وقس على ذلك ،هذا فيما يخص النحو حصراً وليس هذا حدود الأمر، وأضع مثلاً وافياً وهو التاء المربوطة والهاء فيجري استبدالهما ببعضهما في الكتابة ولو كان هناك استعمال لقواعد النحو لما ظهرت المشكلة بهذه القوّة. ومنذ وقت قريب وعلى الأنترنيت رأيت الهاء في اسم الجلالة الله قد تحوّل إلى تاء مربوطة، لم أُصدّق عيني، قلت هذا خطأ غير متعمّد في محل وضع الشدّة، جلبْت عدسة مكبِّرة ووضعتها على الحرف، إنها تاء مربوطة ولا ريب في الأمر.

 

إن إهمال الحركات أي التشكيل  أدّى إلى أذى آخر، ففي مرّات عديدة صادفت أشخاصاً من البلدان العربيّة في شمال أفريقيا كانوا قد تعلّموا العربية في كبرهم، ليس بمقدورهم قراءة كتاب أو صحيفة بالعربية ذلك أنهم تعلّموها على أصولها أي مضبوطة بالحركات وهذا في كتب تعليم القراءة الأوّلية ليفاجئوا بعدها أن الكتب ليست مشكولة حتى بالضروري من الحركات الذي يتغيّر معنى الكلمة بعدم وضعها، ولن يستطيعوا القراءة ومعرفة المعاني .

 

 

من يطّلع على الكثير من مقالات اليوم باللّغة العربيّة، يسمع ويقرأ لغة مترجمة إلى العربيّة وليست العربيّة ذاتها : الإسلوب، الطريقة، بناء الجملة تقديماً وتأخيراً . إنه سلوك طوعي لم تمله حاجة ولا هو من باب الإضطرار.

اللّغات كاالكائنات الحيّة  تتبادل، تتزاوج، تتداخل ، فتنشأ كلمات ومصطلحات تصبح من ضمن اللّغة نفسها هذا إذا توفّر الظرف أو فرض أو حتّم.

القرآن الكريم نزل باللغة العربيّة (2)، والجزيرة العربيّة لم تكن معزولة لا بالداخل من حيث مكوّناتها وتكويناتها كقبائل ومدن ولا مع ما يحيط بها من دول، إمارات وممالك، كالعراق، الشام، فارس، الحبشة …وكان أن دخلت في اللّغة العربيّة كلمات وعُرِّبت  وجاءت في القرآن الكريم . يؤلِّف الإمام جلال الدين السُّيوطي  ( ت 911 هـ ـ 1505 م) كتاباً في ذلك : المهذَّب فيما وقع في القرآن من المُعرَّب. وفي القرن الحادي عشر الهجري/ السابع عشر الميلادي كان من بين مؤلّفات القاضي والأديب أحمد الخفاجي كتاب : شفاء الغليل فيما وقع في كلام العرب من الدّخيل .

 

 

وعلى مدى قرون طويلة دخلت كلمات العربيّة إلى اللّغات الأوربية، ومنها الفرنسيّة حيث يقدّر العدد بحوالي 300 كلمة في كافة المجالات : علوم على اختلافها ، سياسة، اجتماع، أدب…(3). كذلك كان الحال في تقبّل اللغة العربيّة للمصطلحات الأوربيّة، وقد لا يدخل المصطلح ذاته إنما يُشار إليه بالظرف الذي سبّبه ، مثال : مرض السفلس الذي جاء به الأوربيون في الحروب الصليبيّة فقد سمّاه  العرب المسلمون بالإفرنجي أو الإفرنكي نسبة إلى مصدره .

 إذاً إنّ عمليّة التلاقح بين اللّغات هو، بالعموم، إغناء لها، وهذا لا جدال فيه ومرحّب به دوماً . ما نرفضه  هو محاكاة الغرب في مفرداته، لغته  في الإستعمال الدارج اليومي، فهذا التقليد ليس من باب الحاجة إنما هو الجهل بالعربيّة وتوخّي السهولة  والظهور بمظهر المطّلع على الأحداث ، ” التقدّمي” العارف بلغة العصر المتداولة لدى ” المثقّفين” الأجانب .

تظهر الكلمة، التعبير في الغرب ويُستعمل ثم يأخذ مكانه مترجماً في اللغة العربيّة  حالاً حتى لو بدا غريباً أو غير ملائم للسياق. كلمات الشُهرة (الموضة) المتداولة الآن : شفّافية، ساخن، مثير للجدل . وحين يتخلّى عنها الغرب في الكتابة والكلام ويستبدلها بكلمات أُخر، يجد صدى العمليّة محاكاةً وتقليداً في الحال لدى الكتّاب العرب .

 

 

لكل لغة خصائصها، منطقها وبنيانها، الكلمة في العربية مؤنّث ومذكر، هناك أكثر من طريقة لتأنيث الكلمة ومنها التاء المربوطة. حُذفت التاء المربوطة في كلمة أستاذة واستُعملت كلمة أستاذ فقط للدلالة على  الأنثى تقليداً للغرب .

في الغرب يُذكر الأسم ـ الشخص والعائلة ـ كاملاً في البداية في لقاء معه أو إن جرى الحديث عنه في مقالة، ثم يُسقط إسمه ويُستعمل إسم العائلة فقط . جرى التقليد فكان كالآتي في خبر قرأته بنفسي عن سيّدة اسمها هدى عبد المنعم، فبعد سطرين أصبح الأمر  “…..ثم صرّحت عبد المنعم…..ثم قالت عبد المنعم…

 

 

في الغرب تم الإستغناء عن مصطلح ” الشواذ جنسيّاً” ليحل محلّه كلمة المثلّي / المثليّون، وهذا يرجع إلى التغيّرات التي طرأت على المجتمعات  والعقليّة ونمط التفكير ومن ثم قبول هذه الفئة كواقع حال أو قناعة أو الإثنين معاً . السؤال هو : هل هي نفس التغيّرات التي مرّت على المجتمعات العربيّة لكي يتم اقتباس المصطلح الجديد واستعماله وطرح القديم ؟

 

لعلّ من أخطر الأشياء على الإطلاق هو استعمال كلمة ” تخلّف”، ولا أدري هل هو اتّباع  لمصطلح غربي حرفاً أو استنتاجاً  أو هو اختراع مثقّفي وكتَّاب المجتمعات العربيّة لتمييز أنفسهم عن المقابل .

في “اللّسان” التخلّف واشتقاقاته له معان عديدة وما يعنينا هنا،  التخلّف  : التأخّر . قعد خلاف أصحابه : لم يخرج معهم . تقول : خلّفت فلاناً ورائي فتخلّف عنّي أي تأخّر . الخليف :  المتخلِّف عن الميعاد.

لم تُحصر استعمالات الكلمة في محالِّها، نعم، تُقبل إن كانت في مجالات علميّة بحتة، ولكنها تُستعمل في الصغيرة والكبيرة وفي كل النواحي على الإطلاق، ثم انها استهجان أقرب إلى السُبّة . إستعمال الكلمة خطر للغاية فإن أنت لم توافق المقابِل على تصفيقه وتهريجه كنت متخلِّفاً .

إنه ممارسة إرهاب فكري لا غير .

متخلِّف عن ماذا ؟!

ما هو الركب الذي يجب اللّحاق به ومواكبته ؟؟

إن استعمال كلمة تخلُّف في الكلام والكتابة أمر راسخ في عقليّة عامة الناس في مجتمعاتنا منذ حقب عديدة من السنين وحتى أنها تستعمل عند العوام تلقائياً وبدون تفكير في حقيقتها وماهيّتها .

وأُردّد : إن استعمالها هو من باب القمع  وإسكات المقابِل وإحراجه فقط.

أضع مثلاً واحداً لا غير:

في الغرب يعرفون لتاريخهم قدره، فهو إن لم يكن قابل للفخر فهو قابل لاستخلاص الدروس والعِبر عن طريق إعادة دراسة الأحداث، تأملها والتفكيربها . أسمع الراديو، الكتب المؤلَّفة حديثاً يتم انتقاء  كتاب ودعوة مؤلِّفه للتباحث بشأنه وتعريفه، العديد من هذه المؤلَّفات تبحث في تاريخ العصورالغابرة : شخصيّة معيّنة، حدث معيّن … إعادة نظر وتقييم جادّين . عندنا، هذا شخص ” متخلِّف”، يبحث في الأوراق الصفراء التي عفا عليها الدهر ولا ينظر إلى ” التطوّر” و” التقدّم”  في العالم . فإن سألت القائلين، وهم كثرُ، إن كان النظر في التاريخ تخلُّف؟ حصل التلجلج  لعدم استطاعة تقديم جواب ، فمن الصعب تبرير الجهل .

النظر في تاريخنا يعني قراءة كتب التراث وهذا يعني معرفة الحياة من جميع جوانبها، وهنا سنكتشف عوالم سحرية من الحضارة في جميع تعريفاتها، نكتشف : الحريّة ـ والكلمة على إطلاقها ـ  التي كان الناس يتمتعون بها، التعامل الإنساني الراقي بين الناس على اختلاف مواقعهم، أصولهم ولغاتهم، الثقافات والعلوم والفنون المزدهرة….ونكتشف والأمر غاية في الأهميّة، زيف من يتقوّل بمقولات جاهزة عن تاريخنا. كلّ هذا بشرط الإقبال على القراءة دون أحكام جاهزة سيّئة النيّة،  لينظرو لكي أستطيع  سؤالهم : أليس من الواجب استحضاره، العمل على استرجاع هذا التاريخ  لننعم بحياة كريمة .

 

إن الخراب الذي تعاني منه اللّغة العربية ليس بالخراب الوحيد في مجتمعاتنا، وإن كان من أشدّها خطورة فهو الإنسلاخ الفعلي عن الذات والذاكرة. هناك أصوات تعلو هنا وهناك تنادي وتطالب، تذكّر وتحذّر ولكنها ليست كافية مع عظم البلاء الذي نعاني منه والذي سيشتد إن أُهمل علاجه. أذكر أمرين :

الأوّل: كان للدكتور مصطفى جواد (4) برنامج في تلفزيون بغداد في الستّينات من القرن الماضي لتقويم اللّسان من الخطأ باللّغة العربيّة، اسمه : قل ولا تقل.

الثاني : حضرت قبل سنين عديدة في معهد العالم العربي في باريس حيث أُقيم، محاضرة للدكتور إبراهيم السامرائي وهو عالم من أعلام اللّغة العربيّة والفكر والمعرفة، يشحذ الذهن ويُفرح النفس الإستماع إليه ( 1916 ـ 2001)، في المحاضرة كان يتحدّث عن اللّغة العربيّة، جزء من كلامه ظلّ وسيظلّ عالقاً في ذاكرتي، لقد تكلّم في وجوب تيسير قواعد النحو للتلاميذ والإبتعاد عن تصعيبها بالغوص في دقائقها البعيدة وذلك لكي يُقبلو على دراستها ولكي لا يصيبهم النفور منها. ذكرأمور أساسيّة على المدرّس تعليمها لا غير: المبتدأ والخبر، الجار والمجرور….

 

ما ذكرته من أمثلة  فيما تقدّم  من صفحات هو غيض من فيض. الواجب وضع اليد في اليد والعمل سويّة كلٌّ من موقعه وحسب قابليّاته لمعالجة هذا الوضع. أعرف تماماً أنّ الكلام سهل والتنفيذ صعب، وأنّ من يستطيع الفعل والتأثير مشغول بأمور هي من التوافه لا غير إن قُورنت بالمشاكل الحقيقيّة التي تعاني  منها مجتمعاتنا ومنها حال لغتنا اليوم.

 

 

 

الحواشي

1 ـ وهي الرواية الأشهر . ومن المؤلِّفين كابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان من جعل وضع الدؤلي للنحو في ولاية زياد بن أبيه والي العراق على عهد الخليفة الأُموي معاوية بن أبي سفيان .

أبو الأسود الدُّؤلي ظالم بن عمرو : تابعي، من الفقهاء، الشعراء، الفرسان .تولّى إمارة البصرة في العراق في عهد الخليفة الراشدي علي (رض) .ت69 هـ ـ 688 م

2ـ نزول القرآن الكريم بلغة قبيلة قريش محل نقاش .

3 ـ ومن الجدير بالذكر هنا أن قسماً من الكلمات العربيّة في اللّغة الفرنسية كانت قد دخلتهاعن طريق اللّغة الإسبانيّة  بسبب حكم العرب لإسبانيا لقرون طويلة وبالتالي دخول الكلمات العربيّة إلى اللّغة الإسبانية لتصبح جزءاً منها .

4 ـ د .مصطفى جواد : أديب، شاعر. درس في بغداد والقاهرة وجامعة السوربون في باريس . له مؤلّفات عديدة في اللّغة والتاريخ والشعر والأدب.  1905 ـ 1969 .

 

المصادر

ـ الإصابة في تمييز الصحابة، للعسقلاني

ـ الأعلام، للزركلي

ـ لسان العرب، لابن منظور

ـ معجم الأُدباء، لياقوت الحموي

ـ نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة،  للقاضي التنوخي

ـ وفيات الأعيان، لابن خلكان

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نيويورك ،نيويورك 4 : شايلوك يذهب الى نيويورك

jew-york1نيويورك ، نيويورك 4 

شايلوك يذهب إلى نيويورك

د.أحمد خيري العمري – القدس العربي

إن صادفت زيارتك نيويورك يوم السبت ( كما كانت زيارتي ) فستلاحظ حتما عددا كبيرا من المتاجر المغلقة في مانهاتن وأجزاء كبيرة من الحي الغربي في المدينة، مما يجعل بعض الأحياء مقفرة تماما.. وليس هذا عاديا في نيويورك ليلة السبت إطلاقا، حيث أن التسوق والنشاط التجاري يزدهر في عطلة نهاية الأسبوع.. لكن هذه المتاجر مغلقة رغما عن ذلك!..

إنهم اليهود طبعا، والسبت عندهم حد محرم لا يجب تجاوزه.

هذه الملاحظة البسيطة التي لا يكاد يغفل عنها أحد قد تكون مفتاحا لفهم جزء كبير مما حدث في عالم اليوم، وما يجب أن يحدث في عالم الغد، لو شئنا أن يكون الغد عالما آخر..

لا أود الدخول في عقلانية أو لا عقلانية “حرمة السبت ” عند اليهود، فذاك هو آخر اهتماماتي،  لكن الأمر كله، وبالذات في نيويورك، يجعل الأمر أكبر بكثير من مجرد ملاحظة عابرة، بل إن تركزهم فيها بنسبة عالية جدا (في نيويورك من اليهود أكثر مما في تل أبيب!!) يذكّر بأمور أخرى كثيرة تعودنا عدها بديهيات دون فهم جذورها الأصلية.. من الناحية الشخصية لا أنكر صدمتي بمنظر العدد الكبير من اليهود “”الذين يبدون يهودا” وهم يسيرون زرافات ووحدانا.. وأقصد بذلك حملهم هويتهم معهم بشكل علني عبر قلنسوة الرأس والضفيرة على جانبي الرأس.. سبق لي وشاهدت أفرادا متفرقين في واشنطون ولكن شعوري تجاه هذا العدد الكبير في نيويورك كان مختلفا جدا..

 ما أود أن أتحدث عنه هنا هو التزام اليهود بتعليمات شريعتهم، وبالذات بمحافظتهم على هويتهم، مهما بدت غير عقلانية، وعلاقة ذلك بنجاحهم في سيطرتهم على الكثير من المرافق والمنافذ ذات التأثير على العالم أجمع..

يهود نيويورك هم  مثال على ذلك، بل إنهم مثال حصري، فنجاحهم هنا لا يشبه نجاحا مماثلا يمكن أن يحدث في لندن أو باريس أو أية عاصمة أخرى.. إنهم هنا، في عاصمة المال في العالم الجديد الذي يحكمه ويقوده المال.. ونجاحهم في هذه المدينة، يختصر أشياء كثيرة..

يهود أمريكا عموما – وتركزهم الأكبر هو في نيويورك  كما أسلفت – غير متدينين، والإحصاءات تتحدث عن نسب إلحاد عالية مقارنة بالأديان الأخرى من الأمريكيين (79% من عموم الأمريكيين يؤمنون بوجود الله مقابل 48% فقط من اليهود الأمريكيين ،66% من عموم الأمريكيين واثقون تماما من وجود الله، مقابل 24% فقط من اليهود الأمريكيين، 9 % من الأمريكيين يصفون أنفسهم بالإلحاد مقابل 19 % من اليهود.. )

لكن هذا كله لم يجعل اليهود يتخلون عن يهوديتهم، لقد تنازل بعضهم عن إيمانه بالشريعة، لكنه لم يتنازل عن تعليماتها، صارت هذه التعاليم بمثابة الهوية التي تحدد وجودهم وتمنعهم من الذوبان أكثر مما تمثل شعيرة تعبدية.. لقد خرج اليهود من أحياء الغيتو التي عاشوا  منعزلين فيها في أوروبا والتي فرضت عليهم فرضا، لكن قادتهم سرعان ما أدركوا أهمية  الغيتو كعقلية، كطريقة تفكير، فقد كان الانعزال في الغيتو، طوعا أو قسرا، هو الذي حفظ لليهود هويتهم وتراثهم، ولذلك فإنهم وجدوا ابتداءً من أوائل القرن العشرين، أن تكريس الهوية الثقافية – الحضارية، هو الذي يمكن أن يحفظ لليهود كيانهم أمام الذوبان والتأمرك التام في بوتقة المجتمع الأمريكي التي كانت تصهر كل المهاجرين القادمين من مختلف العرقيات والخلفيات الحضارية..

هكذا فإن العلماني أو الملحد اليهودي بقي متمسكا بإرثه وتراثه التوراتي التلمودي ليس من باب الإيمان بها بالمعنى الديني، بل بمعنى أن تلك هي جذوره التي تحدده والتي سيضيع دونها، مهما كانت هذه الجذور تتعارض مع مبادئهم العلمانية أو العقلانية..

وهكذا أيضا فإن من توابع ذلك أن ما يزيد عن أربعة ملايين يهودي، من أصل الملايين الخمسة في أمريكا، يقولون إنهم “مرتبطون” بالإرث اليهودي..، ويعني ذلك التزامهم –بدرجة متفاوتة- بالتعليمات التوراتية التي قد لا يؤمنون بها كدين وإنما كإرث شكّل هويتهم، ويشمل ذلك الالتزام بطعام الكوشير ( الطعام المسموح به في التوراة والتلمود والذي يشمل قائمة معقدة لا يمكن مقارنتها بالطعام الحلال لدينا) وبتقاليد الزواج التي يجب أن تقوم تحت مظلة معينة، وطقوس البار ميتزفا التي يتم من خلالها الاحتفال ببلوغ الذكور مبلغ الرجال.. يقابلها تقليد اسمه “المنهاج” تصفع فيه البنت عند بلوغها ( يتم التفلسف هنا والقول بأن الصفعة تهدف إلى دفع الدم في وجه الفتاة الشاحب بعد “حادثة” البلوغ!!)..

أما اليهود الأرثوذوكس (  ويتوقع -حسب دراسة لجامعة فلوريدا -أن يصبحوا أغلبية بين يهود أمريكا في النصف الثاني من القرن الحالي، بسبب تكاثر معدل هؤلاء وضمور الباقين خاصة الليبراليين ) فالتزامهم بالتعليمات أشد، غطاء الرأس لا يفارق رؤوس الرجال، والرجال لا يحق لهم قص الضفائر، والنسوة يحلقن شعورهن عند الزواج ويلبسن شعرا مستعارا على نحو “مؤبد”.. ( ولا نسمع أحدا يطالب بوقف الظلم عنهن بطبيعة الحال.. )

هل يمكن حقا فصل هذا الالتزام بالهوية عند اليهود، بما حققوه من أهداف لهم، لا خلاف على سوئها وامتلائها بعنصرية بغيضة، لكنهم نجحوا في تحقيقها، حتى لا أقول إنهم نجحوا في تحقيق ما حققوه  بطريقة أو بأخرى من خلالها.. ؟

فلنسأل هنا: كيف أمكن لفئة لا تتجاوز نسبتها  السكانية الـ 3 %   أن تحقق  ما حققته من سيطرة على الكثير من المرافق في أمريكا والعالم أيضا؟ حتى لو كانت هناك مؤامرة سرية وبروتوكولات حكماء صهيون  وإلى آخر كل ذلك، فكيف يمكن لأقلية عددية أن تحقق كل ذلك؟

الأجوبة متداخلة، ومفاتيحها ترتبط الواحدة بالأخرى، فالسيطرة على العالم مرت بالسيطرة على أمريكا والسيطرة على أمريكا لم تأت إلا بالتمركز والسيطرة على عاصمة المال في أمريكا، على الوول ستريت .. وهذه السيطرة على نيويورك لم تحدث إلا من خلال التمسك بالهوية والاحتماء بها من الذوبان في مجتمع قام على صهر الفوارق وتحقيق هوية موحدة للجميع..

كلما ذكر أحد نجاح اليهود في هذا المجال أو ذاك، فسر البعض منا ذلك بالدعاية اليهودية التي تضخم الأمور وباللوبي الصهيوني الذي يفرض مرشحيه ويدعمهم، وقد يكون هذا صحيح جزئيا ولكنه لا يكفي لتفسير الأمر على الإطلاق، مهما كان التحيز موجودا ( وهو غير مستبعد أبدا ) إلا أنه لا يكفي لتفسير كيف يمكن لأقلية لا يتجاوز حجمها 0,25% من سكان العالم وأقل من 3 % من سكان أمريكا أن تحوز على نسبة 27 % من الفائزين بجائزة نوبل في مختلف المجالات، و25 % من الفائزين بجائزة تورنغ لعلوم الحاسوب التي تعد مثل جائزة نوبل في هذا المجال، و50 % من أبطال العالم في الشطرنج..

النظرية الوراثية التي تعزو هذا كله إلى تفوق جيني للعرق اليهودي موجودة ورغم أنها دعمت بدراسات أكاديمية (جامعة يوتا ) وتداولها الإعلام الغربي المدعوم يهوديا بطبيعة الحال، إلا أن الثغرات الموجودة في الطرح أكبر من أن تتركه يصمد.. بل أكبر من أن تجعله يسمى بحثا أكاديميا..

السبب في هذا التفوق ( الذي لا ننكر تضخيمه والتحيز له ) يعود إلى إغلاق المتاجر يوم السبت!..  إلى الحفاظ على التقاليد والهوية حتى لو كانت غير مبررة، بل حتى لو كانوا لا يؤمنون بها، إنه يعود إلى ذلك الشعور الذي يغرس فيهم جيلا بعد جيل: شعور أنهم الشعب الأفضل في العالم، أنهم شعب الله المختار، وأن الكل يتربص لهم العداء غيرة وحقدا، حتى لو لم يعودوا مؤمنين بالله، فإن ذلك الشعور يظل عميقا راسخا فيهم، ويدفعهم إلى أن يتخندقوا أكثر، ويستفز إمكانات كامنة لديهم كما لكل البشر الآخرين، ويسند بعضهم بعضا ويتحيز بعضهم لبعض ويضخم بعضهم نتاج بعض ويروج له، ويؤدي هذا كله إلى ما نراه اليوم..

أدمغة اليهود لا تختلف  فسلجيا عن أدمغة أي شعب آخر ( هذا إذا مررنا كونهم شعب أصلا، علما أنهم ينتمون إلى شعوب مختلفة لا تربطها قرابة مباشرة أو غير مباشرة) لكن طريقة تفكيرهم التي تجعلهم يعيشون تراثهم هي التي تميزهم وتدفعهم إلى التميز بواقعهم..

كل  طفل يهودي، يتم حشر أنه الأفضل من كل الغوييم في رأسه ( أي كل من هو غير يهودي) وأن كل هؤلاء الغوييم يتآمرون عليه منذ الخروج من مصر إلى عدوان الأيام الستة -!- (عدوان العرب على إسرائيل!!) وصولا إلى العمليات ا”لانتحارية” ومرورا بالهولوكوست .. وهذا يجعله مبرمجا على هوس الارتياب وحس النجاة، ويدفعه بالتالي إلى أن يثبت نفسه كجزء من استراتيجية النجاة التاريخية هذه..

لاحقا، يكبر الطفل ليجد كل الدعم اللازم ليدخل أفضل الجامعات، جامعات الرتبة الأولى في أمريكا فيها نسبة عالية من اليهود، نسبة لا علاقة لها بنسبتهم العددية، 30 % من طلبة جامعة هارفرد، 25 % من طلبة كورنيل، 31 % من طلبة جورج واشنطون ، 29 % من جامعة كولومبيا هم يهود، فلنتذكر مجددا أن نسبتهم السكانية هي 3% فقط، ولا شك أن هؤلاء متفوقون ( تم استثمار كل إمكاناتهم ببرمجتهم على أنهم الأفضل وأنهم مستهدفون) ولكن هذا التفوق أيضا مدعوم برسائل التزكية التي تلعب دورا أساسيا في القبول في الجامعات الخاصة في الولايات المتحدة وكذلك القروض الدراسية التي يسهل الحصول عليها بحكم قرابتهم من مصادر الاقتراض الأساسية.. كما لا يخفى أن نسبة مماثلة من أعضاء الهيئة التدريسية ستكون حتما من اليهود .. وهكذا فإن ذلك كله يدخل في دائرة مغلقة من إنتاج المزيد من اليهود المتفوقين الذين يكرسون التفوق في أجيال لاحقة.. هذه الدائرة المغلقة جعلت من اليهود –على انغلاقهم المعروف- جزءا أساسيا من الحضارة الغربية المعاصرة، ومن نسختها الأمريكية تحديدا..، لا أحد يحب اليهود حقا، رغم أن أحدا لم يعد يصرح بذلك، لكن الشعور العام لا يزال سائدا بأنهم يستغلون الآخرين ويمتصون دماءهم، شايلوك لا يزال خير من يمثلهم، لكنه تعلم الكثير من درس البندقية ، تركها ورحل إلى عاصمة المال والوول ستريت، إلى نيويورك، وهناك صار أستاذا للاقتصاد ومنح جائزة نوبل وصار أيضا مديرا للبنك الفيدرالي.. لا أحد يحبه بطبيعة الحال، لا أحد يحب مدراء البنوك عموما، لكنه رغم ذلك صار جزءا أساسيا من اقتصاد المدينة، من نسيجها ومن تكوينها الثقافي والاجتماعي.. وهو أمر يجعل انحياز أمريكا خاصة والغرب عموما للدولة اليهودية محض تحصيل حاصل، الأمر أعقد بكثير من اللوبي الصهيوني وعلاقاته، أو رغبة  الاستعمار -!-في زرع خنجر في وسط جسم الأمة.. الخ. هذا الانحياز هو جزء من التحيز للذات، لأن اليهود، بالذات عندما حافظوا على هويتهم وتراثهم وأنتجوا من خلال ذلك، صاروا جزءا من الذات الغربية، قد يكون جزءا كريها، لكنه جزء مهم وحيوي بالنسبة للغرب، أي تفاؤل بقرب تغير هذا الأمر والنظرة العادلة إلى القضية الفلسطينية هو تفاؤل ساذج ويتجاوز هذه الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها.. قد يضجر الغربيون من تمادي اليهود في هذا الأمر أو ذاك، لكن هذا لن يكون أكثر جدية من عتب أب على أخطاء أحد أبنائه، وهو الخطأ الذي سيغفر لاحقا وبسرعة عندما يتم تذكير الأب بتفوق هذا الابن والجوائز التي حصل عليها وكذلك بكل معاناته سابقا..

نيويورك، تلك المدينة التي تبدو جميلة من بعيد، تضم كل ذلك ، الذي حدث فيها منذ أكثر من قرن، يفسر جزءا كبيرا مما حدث ولا يزال يحدث عندنا….

***************  

لست بحاجة إلى أن أذكر أحدا أن اليهود ما كانوا سيصلون إلى ما وصلوا له اليوم لو أنهم اعتنقوا فكرة “قبول الآخر” وطبقوها..

لو أن دعاتهم ومفكريهم ومتثاقفيهم ومهرجيهم تبنوا قبول الآخر وطبّلوا وزمّروا له في كل حين، ولو أن هذه الدعوات وجدت الاستجابة، واقتنع اليهود بذلك، هل كانوا وصلوا لشيء؟… هل كانوا حققوا شيئا ما لو أنهم تركوا هويتهم تذوب؟ هل كانوا سيصلون إلى ما وصلوا إليه لو أن حاخاماتهم تفننوا في فتاوى تزعم  الاعتدال والوسطية وتؤدي إلى الذوبان والتغريب؟

هل أحتاج إلى أن أذّكر أننا في هذا بالذات قد خالفنا بني إسرائيل!.. وأن البعض من مفكرينا وقادة جالياتنا ودعاتنا (في الداخل والخارج) صار يعتبر أن “قبول الآخر هو الحل”.. وأن البعض قد تخصص في ذلك حتى صار يأخذ حادثة تاريخية  من هنا ويجتزئ نصا من هناك  ليقدم توليفة تلفيقية تلائم متطلبات قبول الآخر، والآخر الذي قد يكون وثنيا لا شك في شركه أو ملحدا لا شك في كفره… هل أحتاج إلى التذكير أن الهوية هي الضحية الأولى التي تقدم على مذبح “قبول الآخر”؟ وهل أحتاج إلى التذكير أن ممسوخ الهوية حتى وإن نجح، فإن نتاجه لن يصب لصالح أمته ونهضتها، بل لصالح المنظومة الحضارية التي استلبته؟..

وهل أحتاج إلى التذكير أن تحقير الذات وجلدها لن يقود إلى نهوض هذه الذات – كما قد يهدف البعض- بل إلى تكريس السلبية والدونية وإلى جعلها محض تابع حتى لو تسلم هذا التابع منصبا هنا أو هناك..؟…

وهل أحتاج إلى التذكير – برغم ذلك كله- أن المحافظة على الهوية وحدها لا تكفي، بل هي  مرحلة أولى مهمة وحاسمة نحو تحقيق الأهداف والمقاصد التي تشكل كينونة هذه الهوية وجوهرها..

لن نكون “خير أمة أخرجت للناس” إذا لم نؤمن بذلك أولا، وإذا لم نؤمن بأن هذه الأمة كامنة فينا وتحتاج أولا أن نؤمن بإمكانية أن نكونها، أن نخرجها إلى الناس من أعماق إيماننا وقيمنا..

لن نكون “خلفاء الله في الأرض” إذا فقدنا هويتنا التي نصت على كوننا الخلفاء.. لن ينفع أي تفوق، أي تميز، أية تنمية، أية ناطحة سحاب.. إذا لم تكن تلك الهوية واضحة، ومهيمنة على القيم، والمنطلقات، والثوابت..

عدا ذلك، ليس سوى الهباء المنثور، الذائب تماما في خراج الأمم الأخرى، التي حافظت على هويتها .. وصدرتها أيضا للتابعين المهزومين..

**************

المصادر

نسب اليهود في نيويورك و في الجامعات الامريكية المرموقة  http://en.wikipedia.org/wiki/American_Jews

 نسبة اليهود في حملة جائزة نوبل http://nymag.com/nymetro/news/culture/features/1478/

  http://www.jinfo.org/Nobel_Prizes.html

من النموذج التفسيري إلى نموذج “تفسير الرشد”،البوصلة القرآنية مثالا :د.محمد موسى باباعمي

 

 

“النموذج التفسيري” مصطلح من إبداع عبد الوهاب المسيري، ولقد استطاع من خلاله اختراق الثنائية الكلاسيكية: “الموضوعية والذاتية”، أو بالأحرى “إمَّا موضوعي وإمَّا ذاتي”؛ يقول المسيري ناقدا الفكر العربي المعاصر: “وفي تصوري، إنَّ إحدى مشاكل الفكر العربي أنه لا يزال فكرا مضمونيا، أي يتعامل مع المضامين المباشرة، ولا يصل إلى العلاقات المجرَّدة الكامنة، أو إلى النماذج المعرفية كما عرَّفتها”.

ولا ينبغي أن نفهم أنَّ المسيري يقف إلى صفِّ “البنيوية” في مرحلتها المتأخرة، والتي تجرِّد النص من أيِّ مضمون، وتحوِّله إلى بنية لغوية مجرَّدة، يلوكها القارئ كما يلوك العلك، ويعطي لها المدلول الذي يريد، حسب مزاجه، وهواه، ومستواه… غير أنَّ المسيري كذلك لا يدافع عن التحليل المضموني الكلاسيكي، الذي يعنى بالمضمون المباشر، ضاربا عرض الحائط كلَّ إطار من أيِّ نوع كان، وكلَّ سياق مهما بدا بريئا أو غير بريء، وكلَّ علاقة مهما كانت متينة أو هشَّة.

هنا يدخل الواقع معطًى أساسيا في عملية التحليل، حيث تلتصق المدرسة المضمونية بالواقع – اللفظي، أو التاريخي، أو حتى الآني – ولا تحاول تجاوزه، فتختزل المعنى في ملاحظات جزئية آنية ظرفية محضة، ولا تتجاوزها إلى الكل، ولا إلى العلاقات الشمولية، ولا إلى الرؤى الكونية، إلا لماما وعرَضا…

وفي سياق التعامل مع النص النبوي الشريف، قدَّم المسيري مثالا توضيحيا بليغا، فقال: “ولنتخيل عالما إسلاميا يتعامل مع الأحاديث الشريفة من منظور المضمون وحسب، لا شكَّ أنه سيفشل في ربطها مع المفاهيم الكلية الإسلامية الأخرى”، ولنقل مثل ذلك عن تفسير القرآن الكريم، من منطلق المضمون، وهو الغالب – للأسف – ونكاد نقول: “إنَّنا لا نعرف تفسيرا واحدا لكلام الله تعالى يتجاوز المضمون اللغوي إلى المضمون الفكري، بله أن يتجاوز المضمون الفكري إلى الكليات والعلاقات والنماذج…”

من هنا جاءت ضرورة الاجتهاد في صياغة نموذج “تفسير الرشد“، الذي يدافع عن إمكانية العمل “متعدِّد التخصصات” في الوصول بفهم كلام الله تعالى إلى مرحلة المعرفة، والاجتهاد بعد ذلك في تحويل المعرفة إلى سلوك…

ولا بدَّ من التنبُّه إلى أنَّ العلاقة بين الفكر والواقع، وبين النصِّ والواقع، وبين النموذج والواقع… ليست علاقة بسيطة اختزالية؛ لكنَّها متشابكة معقَّدة لا نهائية، لا تلغي منظور الإنسان ولا ماقبلياته ولا معتقاداته، وإنما تستحضرها وتعتبرها، ولا تخضع كلية لها.

ولسائل أن يسأل: وماذا عن العلاقة بين “النموذج التفسيري” و”الواقع”؟

يذكر المسيري أنَّ العلاقة علاقة حلزونية – ويذكِّرنا هنا بمدرسة بحوث الفعل، التي تجعل العلاقة بين البحث والفعل علاقة حلزونية-، فيقول: “إذ أننا ننحت النموذج الافتراضي عن طريق معايشتنا لواقع ما، وعن طريق تأمُّلنا فيه، وعن طريق قراءتنا وتمحيصنا. وبعد نحت النموذج نُعمل فيه الذهن والفكر لنولِّد علاقات افتراضية، تكثِّفه وتصقله. ثم نعود إلى الواقع فيُنيره لنا. ولكنَّ الواقع، في كثير من الأحيان، يتحدَّى النموذج فيعدِّله ويزيد كثافته وصقله” باختصار، يستنتج المسيري أنَّ: “الحركة إذن: من الواقع إلى العقل، ومن العقل إلى الواقع”.

 ونحن نحاول بناء “نموذج الرشد” ولد ما أطلقنا عليه مصطلح “تفسير الرشد“، للتعامل مع كلام الله تعالى وفق هذا المسار المعرفي النماذجي الكلِّي التركيبي، عوض التفسير المعلوماتي الجزئي الاختزالي المحدود، ونعني بـ”نموذج تفسير الرشد” المراحلَ الآتية في مقاربة النص القرآني:

*نقرأ الآية على ضوء الواقع، وأحيانا نقرأ الواقع تحت إطار الآية.

*نبني نموذجا معرفيا، على إثر هذه القراءة، ثم نمحِّصه، ليس باختزال العلاقات، لكن بالغوص في تشعُّبها وتجذُّرها وشموليتها.

*بعد ذلك، نُعمل الذهن في النموذج، بغرض توليد علاقات افتراضية جديدة، تعمل على صقل النموذج، صقلا محكما لا نهائيا.

*ونعود إلى الواقع مرة أخرى، لننير به النموذجَ ونختبره.

*بهذه الحركية الحلزونية بين النص والواقع، أو بين النموذج والواقع في مرحلة متطورة، نصل بالواقع إلى مستوى الرشد، وتصل بنا الآية إلى “إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد، فآمنا به“.

وإننا واعون أنَّ هذا الإجراء النماذجي في مقاربة كلام الله تعالى قد يزعج البعض، فيصنفه ضمن محاولات أنسنة القرآن الكريم، وقد يدفع آخرين إلى اعتباره نوعا من التفكيك البنيوي، وهو أبعد ما يكون عن ذلك، ووعيُنا أكبر أنَّ “نموذج تفسير الرشد” سوف لن ينضج إلاَّ بعمل تراكمي، تشاركي، يسهم فيه ثلة من خيرة المفكرين عبر العالم، وبخاصَّة من مارس منهم الواقع والنص معا، السياسةَ والتفسير في آن واحد؛ حتى وإن لم يُسمَّ نتاجُه المعرفي “تفسيرا”، لتقيدنا أحيانا بحرفية دلالة “التفسير والتأويل”…

وقد يكون من بين هؤلاء من ترك فكره وأفضى إلى ربه، غير أننا سنعتمد على ميراثه الفكري الحضاري الفعَّال، وحتما سيكون من بين هؤلاء من هو اليوم في حلبة الصراع الحضاري، لا أمام مكاتب الشرح الروتيني التقليدي، وتكرار ما قاله القدامى لفظا لفظا، وجملة جملة… أي جملة وتفصيلا.

ونحن لا نلغي من التراث التفسيري الإسلاميِّ أنوارا ومساحات قوية نعتمدها ونثمنها، فليس الإقصاء المنهجي وسيلتنا ولا هو هدفنا، بل البناء المعرفي الشمولي هو المقصد والغرض.

مثال من “البوصلة القرآنية”:

من أبرز الأمثلة على الفرق بين التفسير الاختزالي والتفسير التركيبي، ما نقرأه في كتاب “البوصلة القرآنية” لأحمد خيري العمري، وبخاصَّة ما ورد تحت عنوان : “اسأل عدوك تعرف نفسك“، وفيه حلَّل الكاتب آيةَ سورة البقرة، في قوله تعالى آمرا نبيه الكريم محمَّدا عليه السلام: “سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة“.

ولقد وضعَنا المؤلِّفُ وجها لوجه مع ثلاثة أنماط من التفسير، ووظَّف مصطلحات غير التي نحن بصددها، ولعلَّه في ذلك راعى مستوى القارئ، لكنَّ المؤدَّى واحد، وهذه الأنماط هي:

القراءة الأولى: القراءة التقليدية المسطَّحة، ولنسمِّها نحن القراءة المضمونية غير الرشيدة، التي تُعنى بالجدل والمحاجَّة، وتخلو من العمق، فتصرف الآية الكريمة عن حقيقتها بنيَّة الدفاع عنها.

القراءة الثانية: وهي كذلك قراءة مغرضة، ذات بعدٍ مضموني جزئي اختزالي متعصِّب، من خلاله حاول المستشرقون بيان: “تبعية محمَّد وكتابه لمنظومة أهل الكتاب”.

أمَّا القراءة الثالثة: فقد سماها الكاتب “القراءة العلمية”، ولا شكَّ أنَّ مدلول العلم هنا ليس وضعيا، وقد عرَّفها بأنَّها “لا تجتزئ الآية من سياقها” بل “وتُعاملها جزءا من كلٍّ متكامل”.

ولقد توصَّل العمري من خلال تفسيره هذا، الذي يحمل سمة الرشد، والشمولية، والتركيبية، إلى نموذج استخرجه بدراسة العلاقات في تشابكها، بين الآية والآيات الأخرى، وبينها وبين السنة والسيرة النبوية، وبين جميع ذلك والواقع (سواء في ذلك واقع نزول الآية، أي سبب النزول وظروفه؛ أم واقع تفسير الآية، وهو عصرنا اليوم الذي يفتقد فيه المسلم إلى إعمال العقل حرا غير مقيَّد، بغية اكتشاف الحق لا غير)

هذا النموذج هو: “أنَّ الله تعالى دفع نبيَّه للسؤال قصد تحريك العقل بالسؤال وللسؤال“، وبهذا “تدفَّقت الأسئلةُ في المجتمع الناشئ الذي يواجه شتى الصعوبات والتحديات، على بعد آيات من الأمر الإلهي للرسول بسؤال بني إسرائيل، يبدأ تدفق الأسئلة داخل المجتمع المدني”

بوضوحٍ وصراحة، “لقد كُسر الحاجز، وانطلق مارد السؤال من القمقم”.

ويجتهد العمري في بقية فصل “التساؤل” في تتبع نماذج من هذا التدفق الذي حوَّل المجتمع العربي البسيط إلى كيان حضاريٍّ عالميّ المنظور، تحويله من مجتمع “العاطفة” إلى مجتمع “العقل والعاطفة والفكر والفعل…”

المهمُّ أنَّ الكاتب لم يحنِّط عقله، ولم يستسلم للموروث كما هو، ولم يلفَظه كليَّة، كما أنه لم يقبله كليَّة… لكنَّه أعمل عقله في تحليل مركَّبٍ، وانتهى إلى نموذج معرفيٍّ عميق، ليس هذا المقال محلا لبسطه، كما انتهى في الفصول التالية من “البوصلة” إلى نماذج أخرى: “البحث عن الأسباب”، و”الإيجابية” و”الشمول”… الخ.

وسنجتهد – بإذن الله تعالى – ضمنَ نموذج “تفسير الرشد” إلى تتبع مثل هذا المسار النماذجي العميق، ولن يكون ثمرة عقل واحد واحديٍّ، وإنَّما هو ثمرة عقول توليديَّة عميقة مفكَّرة، فليس التفسيرُ حكرا على اللغويِّ أو الكلاميِّ أو الفقهيِّ وحده، بل هو كذلك من اختصاص الحضاريِّ، والفكريِّ، والاقتصاديِّ، والسياسيِّ… بل هو من اختصاص هؤلاء جميعا مجتمعين، بصورة شمولية كلية معرفية.

 

د. محمد موسى باباعمي

صفر 1431هـ – فيفري 2010م