رابطة “متحجبات ضد الحجاب”…

 

رابطة “متحجبات ضد الحجاب”..

د.أحمد خيري العمري- القدس العربي011121_1149_0016_dshs-fbclose-up-of-white-delete-button-on-computer-keyboard-posters2

 

عندما يأتي الهجوم على الحجاب من غير المحجبات، فذلك أمر غير مستغرب، ولم يعد يثير أي تعليق، أما أن يأتي الهجوم على الحجاب من نسوة يرتدينه بكامل إرادتهن، فهو أمر يستحق التوقف والتحليل..

وهجوم النوع الثاني مختلف حتما عن هجوم النوع الأول، فبينما تميزت رائدات النوع الأول باللغة الهجومية المباشرة على الحجاب باعتباره قيداً على المرأة وباعتباره نتج عن ظروف تاريخية في مجتمع بطريركي أبوي ذكوري.. إلى آخر العدة التي يستخدمها  تيار”النسوية” و المستوردة قلبا وقالبا ومعدات من الغرب، وباستخدام أقذع الألفاظ أحيانا، فإن الهجوم الثاني، يستخدم لغة أكثر تهذيبا، بل ويُظهر الدفاع عن الحجاب، وهو أمر مفهوم ما دام صادرا عن نسوة يرتدينه، لكن الحقيقة هي أن نتائج هذا الهجوم المهذب على المدى البعيد قد تكون أشد وأسوأ من الهجوم المقذع الأول، الذي يخسر الكثير تلقائيا بمجرد أن يعلن هجومه..

لكن كيف يمكن لمتحجبات أن يهاجمن الحجاب؟ وأية مصداقية لهن بعد هذا؟ الحقيقة أنهن ويا للأسف يكتسبن مصداقيتهن في هذا التناقض، فهن لا يهاجمن الحجاب، بل يهاجمن فقط “كونه فريضة”.. وهذا يجعل من ارتدائهن الحجاب محض خيار شخصي، زيادة خير أو تقوى.. أو اختيار من بين عدة أقوال وآراء في الأمر.. لكنه ليس “أمرا شرعيا ملزما”..

وهذا بالذات هو أخطر ما يمكن أن يواجهه الحجاب في هذا العصر، فالحجاب هنا ليس مجرد قطعة قماش يغطى بها الشعر أو أكثر، بل هو جزء من مواجهة حضارية بين قيم مختلفة المنبع ومختلفة التوجه، والحجاب يحتل دورا رمزيا فيها ليس لأنه يمثل جزءاً من هوية نصف المجتمع فحسب، ولكن لأنه يختصر الكثير من قيم هذا المجتمع كله بذكوره وإناثه.. بعلاقتهم ببعضهم، بمفهوم العفة، بالفصل بينهم الذي لا يمنع التفاعل ومشاركة المرأة في بناء المجتمع بقدر ما يسهلها ويزيح عنها العراقيل.. ( لو كان الإسلام يمنع المرأة من الخروج للمشاركة في بناء المجتمع لما كان هناك داع أصلا لذكر الحجاب في القرآن الكريم..)

ونحن هنا لا نقول إن كل متحجبة تملك القيم المذكورة، أو إن كل غير متحجبة لا تملكها، ففي الحالتين سيكون هذا تجاهلاً لحقائق معلومة عن حال بعض المتحجبات، وحال بعض غير المتحجبات، لكن هذا  مجرد جزء من تعقيدات الوضع الحالي واختلاطه..

بعبارة أخرى، القول بأن الحجاب مجرد خيار، وليس فريضة، سينسحب أولا وأخيرا على القيم التي يمثلها، وهو أمر مشاهد ومحسوس ولم يعد محض افتراض على الإطلاق، لكنه ينسحب لاحقا، وعلى نحو أقل ظهورا وأكثر خطرا، على جوهر الإسلام نفسه..

كيف ؟.. ببساطة لأنه يجرد تعليمات الإسلام من صفة الإلزام، يجرد الإسلام من معناه  الأولي، معنى الاستسلام والخضوع والانقياد لله تعالى، يستحيل كل شئ مضببا ومطاطا وقابلا للأخذ والرد والمساومة بحيث لا يعود الحلال حلالا ولا الحرام حراما، لا الـ(النعم) تبقى نعم ولا الـ (لا) تبقى لا.. وهذا هو أخطر ما يمكن أن يواجه الإسلام في الوقت الحالي، الكل ينبه ويحذر من خطر اختطاف الإسلام على أيدي المتطرفين، والخطر قائم بلا شك، لكن خطر الاختطاف على أيدي المميعين ليس أقل شرا، بل ربما يكون أكثر تأثيرا على المدى البعيد، وقد تؤدي ردود الأفعال الناتجة عنه إلى تغذية الخطر الأول وإعطائه شرعية رد الفعل..

أخطار التطرف واضحة وجلية ودموية، والنفس الإنسانية السوية تعف عنها ببساطة، وهذا ما يمكن أن يكون سدا منيعا ضدها، لكن أخطار التمييع قد تكون أقل ظهورا، وهذا تحديدا هو مكمن الخطر في “المتحجبات ضد الحجاب”.. فالتمييع عندما يصدر عن جهة غير ملتزمة فإن الأمر بالنسبة للمتلقي يكون منطقيا، مجرد شخص آخر أو أخرى يقول إن الحجاب أو غيره من تعليمات الإسلام غير ملزمة وغير ضرورية، لا مصداقية في هذا لأن الأمر قد يكون فيه هوى شخصي، أما عندما تتحدث المتحجبة عن الأمر، فإنها عمليا تخرج نفسها من دائرة “الهوى الشخصي”.. وتترك عند المتلقي أثرا عمليا على نحو تلقائي وقد لا يدركه المتلقي على الفور..

ولا يعني كل ما سبق أننا نقول بإمكانية إلزام غير المتحجبات بالحجاب مثلا ( أو سواه من تعليمات الإسلام ..) لكن في الوقت نفسه عدم الإلزام لا يجب أن يتناقض مع التوصيف الصحيح المبني على حكم الشريعة، الخطأ يجب أن يوصف بأنه خطأ، وإلا تساوت الأشياء وانعدم الحافز على أداء الصواب..

الحرية الشخصية، بمفهومها الغربي الذي يحاول البعض تمريره وأسلمته، تساوي بين عدد كبير من المتناقضات والمتضادات تحت شعار الحرية الفردية والشخصية، لكن مفهوم “المسؤولية الإنسانية” في الإسلام، يعطي للإنسان خيار الخطأ، ويحمله أيضا مسؤولية هذا الخطأ.. وهكذا “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”.. يستطيع الكافر هنا أن يكفر إن اختار هو الكفر وأصر عليه.. لكن عليه أن يتحمل عاقبة كفره لاحقا، وعلى حملة الخطاب القرآني أن لا يزينوا الخطأ – أو الكفر!- بهذه الحجة أو تلك.. (والأمثال تضرب ولا تقاس ونحن لا نساوي هنا حتما بين الكفر وعدم ارتداء الحجاب..)

الاستثناء الوحيد الذي يمكن فهمه هنا هو الدفاع عن الحجاب في الغرب تحت شعار “الحرية الشخصية”.. والأمر مختلف بطبيعة الحال ولا يجب تعميم ذلك كما لا يجب التمادي فيه حتى ضمن المنظومة الغربية..

 لكن لِم  يمكن أن يكون  كل هذا خطرا على الإسلام؟ لأنه ببساطة يهدف إلى تحويل الإسلام إلى دين كنسي شعائري، يتم تحييده عن قيادة المجتمع والأمة بنزع صفة الإلزام عن تعليماته، وتحويله إلى مجرد وسيلة لتخفيف التوتر الناتج عن ضغوط الحياة المعاصرة عبر الشعائر والروحانيات، وسيلة للعمل الخيري الاجتماعي الذي يخفف على الفقراء والمظلومين ولكنه عمليا يديم فقرهم والظلم الواقع عليهم لأنه يجردهم من شعورهم بضرورة التغيير الجذري ومعالجة المرض بمعالجة أسبابه الرئيسية وليس أعراضه الناتجة عنه .. أي إنه سيوظف هنا لصالح الإبقاء على الأمر الواقع الذي لم  يعد ممكنا الاستمرار فيه لولا هذه “الترميمات” وسواها، كما أنه في الوقت نفسه يسحب من الإسلام صفة البديل الحضاري الممكن والكامن ويكرس وضع التابع الذي يضطر لتغيير أولوياته وإلغاء بعضها تماشيا مع  أولويات الغرب حذو القذة بالقذة..

لكن لماذا تفعل أية متحجبة ذلك؟.. سيكون جواب العمالة (الجاهز  دوما ) تسطيحيا لموضوع شديد التعقيد، ويا ليت لو كان الأمر كذلك، لكن الحقيقة أن هؤلاء (نساءً ورجالا في ميادين أخرى)  غالبا ليسوا عملاء للغرب وللمشروع الغربي إلا بقدر ما يكون المريض المصاب بفايروس ما عميلا لهذا الفايروس عندما يقوم بنشره.. لقد أصيبوا بالفايروس وانتهى الأمر، هذا الفايروس امتلكهم وسيطر عليهم، من وجهة نظر هذا الفايروس، هم ليسوا سوى وسيلة لتكاثره وانتشاره..

الانتماء الفكري لهذه النماذج يكون قريبا من مبادئ صحيحة في أصلها لكن تمّ مطّها واختزال الإسلام بها ( مثل لا إكراه في الدين ) أو من شعارات ما أنزل الله بها من سلطان مثل (قبول الآخر)- الذي يؤدي عندهم إلى تحقير الذات-.. ولكن كل هذا لا يكون غالبا سوى شعارات برّاقة تخفي استلابهم العميق لكل ما هو غربي، عقدة نقصهم هذه تجاه الغرب التي تحولت عندهم إلى عقيدة  نقص لا مساس بها، هي التي تجعلهم عرضة لأن يتحولوا إلى وسيلة لتكاثر هذا الفايروس..

من وجهة نظر الفايروس أيضا، فإنه سينتشر أفضل عندما يحمله شخص لا تبدو عليه علامات  المرض، وهذا بالضبط ما تفعله عضوات رابطة “متحجبات ضد الحجاب “، إذ إن حجابهن سيوحي للجميع أن مناعتهن ضد الغرب وفايروساته قوية.. وهذا بالضبط هو الفخ الذي يسهل عملية انتقال الفايروسات..

من العلامات الأخرى المميزة للمرض ولحامليه، هي أن افتتاح الكلام يكون غالبا مؤكدا على “كراهية أمريكا ” ثم تأتي جملة استدراكية تضم كل أدوات الاستدراك والاستثناء والحصر الممكنة لتحول هذه الكراهية المعلنة إلى علاقة عشق سلبية لكل ما يمت بصلة إلى أمريكا.. يكفي القليل من الاستفزاز لجعلهم ( أو جعلهن ) يصرحن بصوت عال، كما قالت لي أحداهن وبعدما كانت افتتحت كلامها بتلاوة براءتها من أمريكا، إلى أن تقول ببساطة: إن أمريكا هي أم الدنيا..

بالمناسبة ، حجابها موافق تماما للمواصفات الشرعية..

المشكلة هي  أن الفايروس قد استوطن ما تحت الحجاب…

نحو نهضة غير مستوردة : بقلم سهير علي أومري

africa-package-lowres2 

 

نحو نهضة غير مستوردة….

سهير علي أومري

النهضة…. كلمة نزلت إلى قواميس لغتنا في السنوات العشر الأخيرة حتى لم يعد من الغريب أن يتلفظ بها شاب أو شابة في الخامسة عشرة من العمر…. هذا لا يعني أنها لم تكن موجودة في مفرداتنا الفصيحة بل كانت، ولكنها خرجت من غياهب المعاجم لتصبح متداولة على الألسن وراسخة في أعماق تفكير البعض وربما في أحلامهم أيضاً… ويكفي أن تقلب بين القنوات الفضائية فترة السهرة فقط لتسمع مرادفات عديدة لهذه الكلمة وشروحاً كثيرة لها، فكل نجاح يريد صاحبه أن يبرر شرفه ونبله يجعل غايته خدمة هذا الحلم العريق حلم النهضة ، حتى نجاح عمل فني صار يربط بالنهضة… حتى قهر البسطاء والمستضعفين من عامة الشعب والإمعان في بؤسهم وشقائهم يبرر بالنهضة، إذ يمكن أن ترى أحدهم يبرر هذه الأساليب المؤطرة بالقوانين والأنظمة فيجعلها تصب في هدفنا الكبير… إنه النهضة بالتأكيد… فخدمة الثواني للمكالمات الخليوية نهضة، وإلغاء ترسيم السيارات واستبدالها بزيادة سعر البنزين نهضة، وارتفاع معدلات الدراسة الجامعية في الجامعات الحكومية نهضة، وافتتاح الجامعات الخاصة ذات الرسوم الرائعة نهضة….. ووووكله نهضة…. فنحن بلا شك نسعى للنهضة الثقافية والعمرانية والاقتصادية والزراعية….. إلخ وما فاتنا إلا أمر بسيط للغاية: إنه باختصار تعريف النهضة… أجل الاتفاق على تعريف هذا المصطلح الفضفاض الذي يأتي إليه من يريد ليلوي عنقه ويطوعه لما يريد…. ذلك لأن الاصطلاح على تعريف دقيق يوجه المسير ويساعد على فرز الغث من السمين… فأي نهضة نريدها لأمتنا عموماً ولبلدنا خصوصاً؟…

لا شك أن النهضة التي نعني بها أن نصبح نسخة مستنسخة من المجتمع الغربي بقيمه ومبادئه وطرق معيشته وتفكيره غير النهضة التي نريد منها تحقيق الرفاهية والازدهار الاقتصادي أياً كانت المبادئ والأخلاق التي سنتصف بها وأياً كانت الوسيلة التي ستؤمن لنا هذا الازدهار وتلك الرفاهية، وهذا بلا شك أيضاً غير النهضة التي تعني إحداث التغيير أياً كان هذا التغيير المهم أن يكون براقاً لامعاً، أيُّ نهضةٍ تلك التي نريدها بالضبط؟!! هل هناك ثوابت تحدد لنا توجه نهضتنا؟!! أم كل مشروع صفقت له وسائل الإعلام نهضةٌ في مجاله حتى لو كان افتتاح فنانة ما شركة إنتاج فني لدبلجة المسلسلات التركية؟؟!!

ربما يقول قائل الآن النهضة باختصار هي تحسن مستوى المعيشة والازدهار الاقتصادي للأفراد دون تعقيد للمفاهيم، ولكنني أقول: ما الفائدة أن أعطي الصنارة لكل عاطل عن العمل ليقوم فيصطاد، وما الفائدة أن أضع الخطط الخمسية والسداسية والثمانية لقطاع ما أو مؤسسة ما والبيئة الفكرية والثقافية للأفراد لا تزال في مكانها تراوح؟!! لا تزال المبادئ السائدة هي: (أنا ومن بعدي فليكن الطوفان، ألف عين تبكي ولا عيني تبكي، هات إيدك والحقني، حكلي لحكلك، ادفع تُرفع، طنش تعش تنتعش، أفلح من طنش، الإيد الي ما بتقدر عليها بوسها وادعُ عليها بالكسر، هَمّ البنات للممات،…) ولا تزال بعض العادات والتقاليد تُنسب لتعاليم الدين والدين منها بريء، وهل هذه النهضة التي يتم تحقيقها على هذا النحو ستبقى راسخة الأركان والجذور؟ هل سيحافظ هؤلاء الأفراد على ذلك الازدهار المادي الذي حصلوا عليه وهم لا يزالون يتخبطون بين براثن الجهل والتخلف واتباع ما وجدوا عليه الآباء والأجداد دون تحكيم للعقل بصلاح هذه الموروثات أو فسادها؟!! كم من المال ضاع بين يدي جاهل لا مبدأ له!! وكم من المال تكاثر وتنامى بين يدي واع مستنير العقل والقلب… ولا يظنن أحد أن مقياس النهضة الفكرية تقاس بعدد الشهادات الجامعية التي تنال أو بعدد الدورات التعليمية التي يلتحق بها الفرد فيحصل منها على إجازات مصدقة من كبرى المؤسسات التعليمية العالمية… لا أبداً على الإطلاق… النهضة الحقيقية هي النهضة الفكرية وهي التي تتعلق بجملة تصحيح لمفاهيم تتعلق بالكون والحياة والإنسان… تلك المفاهيم التي بها يصبح الفرد قوياً يعلم أين يضع رجليه، ويعلم إلى أين يسير وماذا يريد أن يكون…. تلك المفاهيم التي يتمثلها الفرد في أخلاقٍ تؤهله لامتلاك ناصية الحياة بل وقيادة ركب الحياة… تبدأ بمفهوم الغيرية والإتقان في العمل ولا تقف عند حد… إنها المفاهيم التي تجعلنا نتمسك بثوابتنا فلا تغرنا موسيقى البوب ولا أضواء ناطحات السحاب ولا طعم الكنتاكي… إلى درجة نجد أنفسنا نسبح بحمد أصحابها وننقاد إليهم قلباً وقالباً… إنها المفاهيم التي تجعلنا نستفيد من أمة الغرب بما يناسب وجودنا في عمق هذا الشرق، فلا يكون لباسنا تقليداً أعمى للباسهم ولا إعلامنا نسخة مستنسخة عن إعلامهم ولا تسيطر عقدة أو عقيدة النقص على عقولنا وقلوبنا فنسير في ركابهم ونحن نقول سمعاً وطاعة… كما لا تجعلنا نقدس التاريخ بكل ما فيه ونضفي على أصحابه كلهم صفة القداسة أياً كانت منزلتهم فنخضع لهم دون أن نستفيد من تجاربهم الإنسانية ونتعلم من أخطائهم….

وإنني بلا شك لا أنكر أهمية الازدهار المادي والاقتصادي، ولكنني أرى أن يتم العمل على الخطين معاً أي ألا تكون النهضة بمقاييس مادية فقط بحيث يفقد الإنسان الهدف من وجوده في هذه الحياة المتمثل في عمارة الأرض ونشر الخير والمحبة فيها، بل تقدر بمدى قدرة الإنسان على العطاء ومحبة غيره وإنجاز ما عليه بإتقان ومسؤولية، وذلك ضمن ثوابت قيمية وأخلاقية بحيث تراه مثلاً يحترم الرأي الآخر ولكنه لا يتماهى معه ولا يخضع له حتى يصبح هو الرأي الآخر نفسه، بل تكون له ثوابت راسخة تعزز ثقته بمقوماته وتعمق صلته بأمته وبلده وحضارته…. أليس هذا تعريفاً للنهضة يجعلنا نصطفى وننتقي من الإنجازات والإبداعات ما يستحق أن يُحترم بحق، فلا نصفق وراء كل متشدق ولا نعجب بكل لامع…

ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه هو: إذا كان الازدهار المادي والاقتصادي مسؤولية ثلة من أولي الأمر وأصحاب رؤوس الأموال فمن يحمل مسؤولية النهضة الفكرية؟!! إنها بلا شك مسؤولية كبيرة لا تقتصر على المفكرين والمثقفين فحسب بل تبدأ بهم وتشمل المؤسسات التعليمية بما فيها الكوادر والمناهج الدراسية وكذلك تشمل المؤسسات الدينية المتمثلة في التعليم الديني والوعظ الديني ووسائل الإعلام بكل أنواعه والمرئي والمسموع والمقروء…… وغيرهم من الجمعيات الحكومية والأهلية المدعومة بتوجيهات وأنظمة حكومية ورسمية…

وأخيراً: هذه دعوتي أطلقها، وكلي أمل أن تلقى صدى مؤثراً، فما نحن فيه اليوم كان في يوم من الأيام مستقبلنا ومستقبل آبائنا، ولا نريد لأبنائنا مستقبلاً مثله تختلط فيه المفاهيم إلى أن يصبح مفهوم النهضة ممطوطاً متمدداً يفقد معناه ويتسع لكل احتمال من الأفعال والممارسات، وتبقى مخاوفي في أن يواجه الجيل القادم تعريفاً مستورداً للنهضة يأتي في ركاب بضائعنا المستوردة وإعلامنا المستورد وحتى أحلامنا المستوردة….

 

 

نيويورك ، نيويورك 3 : على سطح الامباير ستيت..

نيويورك ، نيويورك 3

على سطح الامباير ستيت: أيا جارتا لو تشعرين بحالي ..

د. أحمد خيري العمريempire_state_pigeon_1920_12003 - القدس العربي

إعلان دعائي تجاري عن إحدى شركات التأمين، يظهر باستمرار على شاشة القنوات التلفزيونية الأمريكية، ويلخص بإيجاز واقع تعامل الشركات العملاقة التي تسيطر على أمريكا مع المستهلك أو الزبون أو العميل، أو أي مفردة بديلة أخرى حلت بالتدريج محل مفردة “الإنسان”..

في الإعلان، فتاتان صغيرتا السن، لا تتجاوزان الثامنة، تجلسان أمام موظف يرتدي ثيابه الرسمية..

الموظف يسأل الفتاة الأولى ( سمراء وملامحها عادية لكنها تبدو ذكية): هل تريدين حصاناً؟..

ترد عليه بفرح: نعم!

يخرج لها من جيبه حصانا خشبياً صغيراً ويناولها إياه، تأخذه بفرح وتبدأ باللعب به فورا.

يلتفت الموظف إلى الفتاة الأخرى، شقراء وعيناها زرقاوتان، يسألها السؤال ذاته: هل تريدين حصانا؟..

ترد عليه بفرح: نعم!

هذه المرة لا يمد يده إلى جيبه بل يلتفت إلى الخلف ويصدر صوتا كذلك الذي يصدره سائس الخيول.. ويظهر من خلف الحائط حصان حقيقي وسط صيحات الإثارة التي أحدثها ظهوره..

الفتاة الأولى تجتاز صدمتها وإحساسها بالخذلان بسرعة وتلتفت للموظف لتسأله ببساطة: لكنك لم تقل إنه بإمكاني أن أحصل على حصان حقيقي…!

يرد عليها  بلؤم  وبسرعة كما لو كان مستعدا للسؤال: لكنكِ أنتِ لم تسألي!

الإعلان يروج لشركة تأمين أخرى تقول إنها لا تتصرف “هكذا”، والـ”هكذا” هذه هي ما تفعله معظم الشركات التي تسيطر على الولايات المتحدة حاليا، وليس شركات التأمين فحسب، بل معظم الشركات التي يضطر الناس إلى التعامل معها، سواء كانت شركات الهاتف الجوال أو الهاتف غير الجوال أو الكهرباء أو البريد أو خدمات تزويد الانترنت أو التأمين الصحي.. أو أي شيء يخطر في بالك، هناك دوما شيء لم يخبروك به، وأنت لم تسأل عنه لسبب بسيط: أنه لم يخطر في بالك..

******** 

ما إن هبطتُ من الباص السياحي أمام الامباير ستيت حتى تلقفني أحدهم: هل تود الدخول إلى الامباير ستيت؟.. أجبته بالإيجاب، سحب البطاقة السياحية التي أحملها معي ونظر إليها وقال على الفور: هذه لن تنفع، عليك أن تضيف عشرين دولارا عليها للدخول..

دفعت العشرين دولارا دون تذمر، لم يكن في بالي أني سأدخل البناء مجانا لمجرد أني دفعت بطاقة سياحية تقول لي إني سأزور من خلالها كل المعالم السياحية في نيويورك، كنت قد فهمت ضمنا، أو حدست على الأقل، أن ذلك يعني أني سأتمكن من المرور أمام هذه المعالم فقط…

قال لي بعد أن دفعت ومع كلامه نظرة ذات مغزى، الآن عليك أن تذهب إلى الركن على اليسار وتنتظر لمدة ساعة لكي تستطيع الدخول إلى البناء.

هتفت بفزع: ساعة كاملة ؟.. هممت أن أساله لِمَ لَمْ يخبرني بذلك قبل أن أدفع له العشرين دولارا.. لكني تذكرت ذلك الإعلان ( أنت لم تسأل..) وتبين لاحقا أني سأتذكر ذلك الإعلان في كل مرحلة من مراحل الصعود إلى قمة الامباير ستيت.

قال لي: تستطيع أن تدفع عشرين دولارا أخرى وتذهب إلى الطابق الثاني في جولة افتراضية لمدة 20 دقيقة ومنها إلى القمة..

نظرت إليه بشك، وفي ذاكرتي العشرات من حالات مشابهة في بلداننا العربية، حيث يقول لك  صاحب المكتبة المجاورة لمؤسسة  لديك معاملة فيها، أو بائع الشاي على بابها، إنه يعرف موظفا ما في المؤسسة، ويعرض عليك أن يوفر وقتك وجهدك لقاء مبلغ معلوم..

قلت في نفسي: إني مثقل بوساوس نقلتها معي عبر المحيطات، إنها أمريكا يا رجل، ومهما كانت مساوئها فلن يصل الأمر لرشوة على باب الامباير ستيت.. والرجل يرتدي بزة رسمية تخص المبنى، ومعه هذه الآلة التي يسجل عبرها ما دفعته على بطاقتك، أي إنك لن تضع شيئا في الدرج بينما يتظاهر أنه لا يراك، أو إنك لن تضع شيئا في جيبه وأنت تقول: إنها “من أجل الأولاد!.. ” أو ” من أجل الإفطار !!”.. إنها نيويورك، وهذه الأشياء تحدث هناك، أما هنا فالأمر مختلف رغم كل ما أدعي ويدعيه أمثالي من “أعداء النجاح”..

دفعت العشرين دولارا الثانية وأنا أتلفت حولي خوفا من أن ينتهي الأمر بـ “القبض على مسلم عربي يرشي موظفا في نيويورك”.. لم يحدث شيء من هذا، أعطاني البطاقة التي دفعت عليها تقريبا بمقدار ثمنها الأصلي من أجل زيارة معلم واحد، بينما كان إعلان البطاقة يتحدث عن زيارة كل معالم نيويورك..

تسللت على أطراف أصابعي إلى الطابق الثاني وأنا لا أزال أبدو كالمتلبس بجرم “تجاوز الطابور”.. وفوجئت – عندما وصلت إلى الطابق الثاني أنه ممتلئ بمن هم مثلي، أي إن التخلص من الطابور الأول يتطلب الدخول في طابور آخر..

هذا الطابور الآخر هدفه التأكد أنك قد دفعت “تحت”.. لن يجبرك أحد على دفع عشرين دولارا أخرى أو أقل أو أكثر، لكن وسائل أخرى ستجبرك تقريبا على شراء التذكارات من حولك، سيكون هناك تماثيل صغيرة للأمباير ستيت وعليك حتما أن تشتري واحدا منها لكي تخلد زيارتك هذه، وسيكون هناك تماثيل أخرى للامباير ستيت و”كنغ كونغ” معلق في قمتها، وستتذكر ما يقال همسا وتصريحا عن وجود معان خفية في القصة بأسرها، فالكنغ كونغ في الفلم السينمائي هو قرد ضخم عملاق جيء به قسرا من أفريقيا  إلى أمريكا ثم خرج عن السيطرة وتمرد على أغلاله، وقيل دوما إن القصة ترمز للسود في أمريكا الذين جيء بهم قسرا إلى أمريكا، والذين كثيرا ما  يلقبون، ضمن ألقاب عنصرية اخرية، بالشمبانزي..

عندما ترى تمثال الكنغ كونغ على قمة الامباير ستيت، وبجانبه بالضبط تمثال أوباما، فان فكرة وصول السود إلى القمة، والتحريض الموجود في القصة سيأخذ أبعادا أخرى.. سيكون هناك تمثال دمية للسيدة الأولى ميشيل أوباما التي تعامل بالضبط كما لو كانت نجمة سينما، وسيكون هناك تمثال تذكاري للكلب الأول، كلب العائلة الرئاسية الذي يطلق عليه ” بو أوباما” أي اسمه واسم عائلته حسب الأصول، وأخباره  تتصدر أحيانا النشرات الإخبارية في السي أن إن وسواها .. (يخيل لي  أن اختيار هذا الاسم المكون من حرفين بتشابه كبير مع اسم الرئيس السابق بالنسبة للكلب لم يكن مصادفة، لكن هذا محض سوء ظن حملته معي من الشرق الأوسط المتخلف الذي ينوء بحمل  أفكار سلبية كهذه، أما هنا فالأمر مختلف وهم يتعاملون مع أعدائهم ومنافسيهم باحترام، عليك فقط أن  تحرص على عدم متابعة الأخبار أو البرامج الحوارية لكي تتأكد من هذا، علما أن كل ضيوف برنامج “الاتجاه المعاكس” يستحقون جائزة في الأخلاق والأدب مقارنة بما يدور في برامج فوكس نيوز وMSNBC )..

إذا صمدت بوجه التذكارات فإن عليك أن تصمد بوجه رائحة الطعام التي تنبعث من كل مكان  والتي تجعل مَنْ تشكل ذوقه على  ثقافة الوجبات السريعة يسرع هو الآخر لشراء وجبة في ظل الانتظار.. حتى قاطعة التذاكر التي يفترض أن تبيعك التذكرة أو تتأكد من أنك ابتعتها من الموظف الآخر في الشارع، ستسألك قبل ذلك إن كنت تريد شيئا من المأكولات أو المشروبات قبل أن تتأكد من بطاقتك، وبجانبها سيكون هناك بطاقة تقول: ” نقبل كل بطاقات الاعتماد بكل فخر !!!!!” We proudly accept all credit cards ويعني ذلك أن لا داعي لتقلق إذا كانت جيوبك قد فرغت من النقود، يمكن فقط أن تمرر بطاقة الاعتماد – مهما كان نوعها بكل فخر- وينتهي الأمر هنا..

سيستغرق الأمر كله حوالي 20 دقيقة، وأنت لم تبدأ الجولة الافتراضية بعد، وسيتم تنبيهك قبل الدخول إلى هذه الجولة أن من لديه مشاكل في العمود الفقري عليه أن لا يدخل !! لماذا لم يخبروك بذلك قبل أن تدفع؟ “لكنك لم تسأل !!”.. .لماذا أصلا هذا التحذير وأنت تدخل جولة افتراضية وليس جولة مصارعة حرة؟؟

سنعرف لاحقا، خلال ذلك  تظهر لنا على الشاشة “مرشدة افتراضية” تمثل كل افتراضات السياح عن الحلم الأمريكي، تقول إن اسمها “ديزيريه “، والاسم له وقع فرنسي يلهب خيال السياح، وربما يزعج زوجاتهم، لن يكون هناك أي داع حقيقي لوجود هذه المرشدة  الافتراضية إلا للتغطية على المرشدة “غير الافتراضية” التي ستدخل علينا فور انتهاء ديزيريه من شرحها المغناج غير الضروري..

المرشدة الواقعية هي أقرب للصورة الحقيقية لأمريكا المعاصرة، إنها سوداء ( البيض سيصبحون أقلية في أمريكا بحلول عام 2050 ولن يكون ذلك بسبب السود فقط بل بسبب الهجرة من دول أمريكا اللاتينية والآسيوية ونمط التكاثر والإنجاب عند هؤلاء المهاجرين) وبدينة ( رغما عن أنف هوليوود، 65 % من الأمريكيين يعانون من البدانة المفرطة)..  ولا علاقة لها بالغنج، كونها سوداء وبدينة لا يعني أن ديزيريه الافتراضية أفضل منها، إنها مجرد امرأة أخرى تسعى من أجل رزقها وتعمل في بناء يمثل الحلم الأمريكي بينما تمثل هي الجانب الآخر من هذا الحلم.. الواقع الذي قد يشيح الآخرون بوجوههم عنه ويصوبون أعينهم نحو الحلم في خيالهم ..

قالت لنا المرشدة الحقيقية شيئا لطيفا ولكن على نحو غير لطيف.. بالضبط مثل ذلك الصوت الذي يظهر لك على الهاتف في “خدمة رعاية الزبائن” ليؤكد لك أن مكالمتك تهمه ولكن يتركك تنتظر لاختبار صبرك..

الجولة الافتراضية في نيويورك  تستغرق حوالي ثلاثين دقيقة، وبالتالي تكون قد دفعت عشرين دولارا لكي لا تقف في الطابور الذي يستغرق ساعة، ولكنك وقفت لمدة عشرين دقيقة من أجل انتظار ما سيستغرق ثلاثين دقيقة، أي إن الأمر سيان ،..  كل ما في الأمر أنهم  قاموا بإلهائك في هذه الفترة، لكن لماذا لم يخبرك أحد؟ يجب أن تعرف الآن..  أنت لم تسأل!..

الجولة الافتراضية ليست سوى فيلم تشاهده عن مدينة نيويورك وأنت تجلس في مقعدك كما لو كنت في طائرة، ما هو افتراضي هنا أن التصوير يتم من الطائرة وأنك ومقعدك ستتقلب في المقعد كما لو أنك كنت في هذه الطائرة، وستنتهي الجولة الافتراضية وألم ظهرك ليس افتراضيا، كذلك الغثيان والشعور بالرغبة بالتقيؤ..

أخيرا نتجه إلى المصعد الذي يفترض أنه سيؤدي بنا إلى سطح الامباير ستيت، طابور آخر، يمر هذا الطابور بمصور فوتوغرافي يجبرك على الوقوف أمام مجسم افتراضي للامباير ستيت ليلتقط لك صورة تخلد زيارتك للمبنى، الصورة بعشرة دولارات، لكن يمكن أن تحتج مثلي على كل هذا ولا تذهب لاستلامها وبالتالي تفلت من الدفع..

قبل الوصول إلى المصعد اكتشفت أني سرت في الطريق الخطأ( لعدم وجود أي لافتة) واكتشفتني موظفة المصعد وقالت إن علي أن أدفع بطاقة أخرى، حاولت أن أفهمها ما حدث لكنها كانت تتصرف كما لو أن “عدم الفهم”  جزء من توصيفها الوظيفي خاصة عندما يتعلق الأمر ببطاقة يجب أن يعاد شراؤها.. موظف البطاقات بدا متفهما لما حدث كما لو كان هذا يحدث دائما لكنه قال: علي أن أدفع ثمن بطاقة أخرى بكل الأحوال !!..

هذا بالضبط ما يحدث في أمريكا، ربما لن يكون هناك موظف يفتح لك درج مكتبه ويشير لك أن تدفع المقسوم، ولن يكون هناك بائع في مكتبة مجاورة يقول لك إنه يعرف المسؤول الفلاني، لكن هناك نظام كامل قائم على تقديس الربح واعتباره القيمة الأولى وربما الوحيدة، وهو ما يشرعن النهب والسرقة وامتصاص دم الناس ويسهل استسلامهم لذلك كله، إنهم يصيرون بالتدريج جزءا من هذا النظام في وظائفهم وأعمالهم، وبالتالي يصيرون شركاء في الجريمة بشكل يصعب عليهم أن يلاحظوا الظلم الموجود في النظام ككل، ناهيك عن التمرد ضد هذا الظلم.. ، بينما الأمر عندنا لا يزال في نطاق الفساد الإداري للأنظمة، صحيح أن الأمر لم يعد يثير حفيظتنا وأننا تعودنا عليه لكن الأمر لا يزال لا يخلو من تذمر وإن لم يكن هناك بوادر لتحول  التذمر من الفساد  إلى تمرد على هذا الفساد..

أخيرا وصلنا إلى قمة الامباير ستيت، ، الزحام شديد والريح سريعة وصوتها عال جدا، لا شيء يشبه ذلك المنظر الرومانسي الحالم الذي قدمته هوليوود، ليس هناك أي متسع للقاء غرامي أو لكلام عشاق إلا إذا كانا من رواد الفضاء مثلا..

المنظر باختصار مخيب للآمال، لا أريد أن أحسب كم “عشرين دولارا ” دفعت، لكن الأمر أكبر من ذلك.. أحسست أن الهدف الأساس من الوصول إلى القمة، ليس مشاهدة شيء لم تشاهده من قبل، أو معرفة شيء لم تعرفه أو تدركه من قبل، ليس هناك هدف سوى أن تقول إنك زرت الامباير ستيت وتلتقط صورة على قمتها بكل ما تمثل من رمزية في الحلم الأمريكي.. لم أشعر أني وحدي في هذا الإحساس، على الوجوه كنت تقرأ إحساسا عاما بالخيبة، كما لو كان الجميع يقولون “” هل هذا كل شيء؟”.. لكنهم يغطون إحساسهم بالخيبة بالتقاط الصور التي ستثبت  للأصدقاء (ولأصدقاء الأصدقاء !)  على الفيس بوك أنهم كانوا فعلا هناك..

تذكرت قصة للأديبة الكبيرة غادة السمان، تروي فيها البطلة خيبتها عندما رأت نهر الدانوب الشهير، الذي رسمت له في بالها صورة زرقاء جدا بإيحاء معزوفة “الدانوب الأزرق” لشتراوس.. لكنها تفاجأ بالنهر رماديا كئيبا وقد ملأته المجارير بالقاذورات وفضلات المصانع.. تروي خيبة أملها تلك لسائق السيارة الذي أقلها، وتحكي له عن حطام أحلامها، وتعتقد أنه ينصت لأحزانها باهتمام، ثم تكتشف أن بينها وبينه حائطاً زجاجياً لم تنتبه له.. وأنه لم يسمع كلمة واحدة مما قالت..

الأمر على الامباير ستيت مشابه جدا، تكتشف بعد العناء أنك تطل على غابة من ناطحات السحاب الإسمنتية المتراصة، الإنسان فيها مسحوق تماما، إنه الأداة التي عبرها ارتفع هذا البناء كله، لكن هذا البناء لم يرفعه، بل زاد من الثقل على كاهله.. تحول بالتدريج ليحمل ناطحات السحاب على أكتافة، لينسحق تحتها بينما تثري طبقة لا يتجاوز حجمها 1 % وترمي له بالفتات وتهدده بالبطالة إن لم يستمر بحملها على أكتافه، لم يعد مصاصو الدماء المعاصرون بحاجة إلى أن يقتربوا من ضحاياهم ويغرسوا  أنيابهم في أعناقهم، صار الضحايا يتبرعون بدمائهم في قنانٍ “وهم صاغرون.. “

تقف على سطح الامباير ستيت وتستشعر خيبة البشرية، ستشعر أن سؤالا جديدا يضاف إلى أسئلتها المزمنة: هل استحق الأمر كل هذا العناء ؟.. أم إنه زاد العناء رهقا وما قدم الهدف المنشود ابتداءً؟..

على سطح الامباير ستيت، ستتذكر ذلك الوعد الإلهي “سنرهقه صعودا”.. كأنما سيكون الصعود هنا محكوما بالرهق والعناء العبثي ما دام قد انفصل عن القيم الإلهية لحظة صعوده.. ستبدو لك الآية في إعجازها الدائم  كما لو أنها تجمع بين ناطحات السحاب وبين كل الأمراض التي صاحبت عصر ناطحات السحاب.. القلق، الكآبة، الطلاق، الولادات غير الشرعية، الانتحار.. و كل ذلك في كلمتين اثنتين فقط.. “سنرهقه صعودا”..

ستبدو لك الريح العالية على سطح الامباير ستيت كما لو أنها تقول لك بصوتها العالي إن البشرية صارت  في مهب الريح، وستبدو لك ناطحات السحاب التي تراها من هناك كما لو أنها شواهد إسمنتية عملاقة لمقبرة كبيرة دفنت الإنسانية فيها كل قيمها وثوابتها، فخسرت أعظم ما تملك.. ولم تربح شيئا مهما بالمقابل..

لم أكن أدري أن الحمام يمكن له يطير على هذا الارتفاع،  لكني فوجئت على سطح الامباير ستيت  بحمامة تقف على حافة  السياج الذي صمم خصيصا لمنع الانتحار.. كانت حمامة دامعة العينين كما لو أن دمعها جزء من عينيها، ترتجف من شدة الريح أو من شيء آخر..،  بدت كما لو كانت تائهة وقد وصلت إلى هنا بالخطأ ولم يعد هناك مجال للعودة (مثل الكثيرين ممن حطوا على الحلم الأمريكي ولم يعد بإمكانهم التراجع عنه.. )..

في الوجدان الشعبي الشرقي عامة والعراقي خاصة، ترتبط  الحمامة بالفراق والحنين، دوما هناك من يبث الحمام لواعجه ويحمله رسالة إلى حبيب مفارق، أو إلى وطن نفارقه ولكنه لا يفارقنا..

بدت هذه الحمامة أضعف من أن تتحمل رسالة كهذه، بل بدت كما لو أنها تريد تحميلي أنا رسالة ما..

تذكرت قصيدة لم تأت في بالي منذ أيام الثانوية الغابرة، ولعل هذه المرة الأولى التي يذكر فيها أبو فراس الحمداني على سطح الامباير ستيت ، تذكرت حواره مع حمامة وقفت عند نافذة سجنه

  أقــول وقد ناحت بقربي حـــمامة..  أيـــا جــارتا لـــو تشعـرين بحالي“.. ورأيته هنا يتمثل البشرية بأسرها  أيا جــــــارتا ما أنصف الدهر بيننـا..  تعالي أقاسمـــــك الهموم تعالي“.. وستكون “القسمة” ضيزى، تستأثر البشرية فيها بحصاد الهموم بما لا يقارن..

أيضحك مأســـــــور وتبكي طليقة..  ويسكت محــــزون ويندب سالي” ولكن المأسور هنا  ليس أبا فراس أو أي سجين خلف القضبان فحسب، إنه أيضا ذلك المأسور الذي يتوهم أنه حر، ويتوهم أنه سعيد، ولا يرى أن كل ما حدث هو أن الأغلال تغير شكلها وصارت أكثر خفاء وحذقا، وأنهم غرسوا مفهوما جديدا للسعادة يكاد يطابق “آلية الإنكار” الذي يواجه به البعض مصائبهم ومشاكلهم..

على سطح الامباير ستيت، تذكرت، أنا العراقي الذي يختزن كل مواويل الحزن وقصصه في ذاكرته، ذلك البيت الأخير الهائل من قصيدة أبي فراس الحمداني العراقي الموصلي (مثلي بكل فخر.. )..  

لقد كنتُ أولى منك بالدمع مقلة..  ولكن دمعي في الحـــوادث غالي“..

أمسكت دمعة عراقية متكبرة، تتمسك بالأهداب بإباء، وقلت كما سيقول أي عراقي: وأنا أيضا….

 

 

 

الإدارة في الفكر الاسلامي : د. أسامة قاضي

CB007160الإدارة في الفكر الاسلامي : المراكز الاسلامية في أمريكا الشمالية نموذجا

د.أسامة قاضي

يحيل البعض مشكلة وجود المسلمين النوعي سواء السياسي منه، أو الاقصادي، أو أي نوع من أنواع الثقل الذي يجعل للعالم الإسلامي وزناً، إلى وجود أمراض كثيرة من كل شكل ونوع تتغلغل في الجسد الإسلامي المترامي من أقصى كازاخستان إلى أندونيسيا ومن الباكستان إلى المغرب إلى تجذر مشكلات شاملة تحتاج إلى كثير من الدراسة والتمحيص.

ينحو الكثير من المراقبين – الذين ينساق معهم معظم الشارع الإسلامي – إلى أن المشكلة خارجية بالمقام الأول، وأن هناك في الخفاء من يحيك لنا الدسائس ولايريد شفائنا من أمراضنا المستعصية، على طريقة الجمع بين “نظرية المؤامرة”  والبارانويا، بمعنى أن الأمم ديدنها التخطيط للقضاء علينا، ونحن لاحراك لنا ولاأمل لنا إلا الاستجابة للأوامر العالمية أو كما يسميها البعض “قوى الاستكبار العالمي”، وكذلك البارانويا أو مايسمى “عقدة الخوف والاضطهاد”، ولعلي أحترم الكتابات التي تقوم بتوعية الشارع إلى مخاطر مخططات القوى الخارجية، وأعترف أن المخاوف مقبولة بدرحة معقولة وبحاجة إلى مختصين لإظهارها شريطة إظهار “حجمها الحقيقي”، لكنني أختلف معهم بتوصيف المشكلة وطرح حلولها، وأحث في كل مناسبة المهتمين للنظر في أمراض الأمة الحقيقية التي تبدأ من داخل الجسد الإسلامي أولاً، وأرى أن لها أولوية مرحلية هائلة، لأن الجسد المريض يكون عرضةً لكل الأمراض المتواجدة في البيئة والمناخ المحيط، فهل تتصور أن رجلاً مصاب بأمراض كثيرة وجسده منهك أن يستطيع أن يقاوم حتى أبسط أنواع الرشح أو السعال، هذا فضلاً عن الأمراض العضال “لاقدر الله”، والمنطقي أن يكون أول خطوة على طريق الشفاء أن تعلم بأنك مريض، فاعترافك بالمرض ُيسهّل عليك أمر البحث عن الطبيب المختص بدل المكابرة بالتنكر لوجود العلل التي تعترض الجسد بحجة المعافاة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإذا كان المناخ المحيط بالجسد موبوءاً ، أو أن هناك فيروسات تتحين الفرصة للانقضاض على الجسد فإنك لاتملك أن تغير المناخ – اللهم إلا أن تذهب إلى كوكب آخر –  فإن الحل الوحيد المتبقي هو التحصين الداخلي للجسد من خلال التغذية الصحيحة والفيتامينات والمضادات الحيوية وغيره من الأساليب المدروسة طبياً والتي ثبت بالتجربة التاريخية نجاعتها، وهذا ماأشار إليه الخطاب القرآني بقوله “وأعدوا لهم مااستطعتم من قوة” فالاستعداد الثقافي والفكري والإداري أساس لامفر منه لمواجهة الحراك التاريخي، وإن أي تجاوز لسنن الله في الأرض ستكون عاقبته الحرمان من الثمرات الدنيوية للخالق، للجادّين العاملين، وهو عين ماقصده الشارع منبهاً العقل المسلم الذي قد يحسب أن ايمانه بالله دون العمل الحقيقي بالسنن الكونية سيوصله “مأمنه” فقال تعالى: “كلاً نمّد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وماكان عطاء ربك محظوراً” فايمان مسلمي بنغلادش –على سبيل المثال- لاينفعهم بالتفوق على مسلمي ماليزيا ولو كانوا أكثرمنهم طاعة، لأنهم لم يُتبعوا إيمانهم بالعمل في سبيل إعمار بلدهم، والتجربة تكون أقسى لو قلنا إنهم لن يتفوقوا في الحياة الدنيا على اليابانيين مالم يأخذوا بسنن الله في الأرض من حيث إدارة مواردهم بشكل سليم، وبالطرق العلمية وبالاستفادة من تجارب الآخرين بعقل منفتح  شعاره حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم “الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها”، والجدير

بالذكر أن التجربة الماليزية والتي قادها بذكاء واقتدار محاضير محمد كان شعارها “النظر شرقاً” بمعنى الاستفادة من التجربة اليابانية والآسيوية وأضيف إليها نظرة دقيقة لموقع ماليزيا ضمن

المنطقة الآسيوية كشريك آسيوي مع بقية النمور بما عرف  ب “سرب الإوز” حيث يطير السرب بشكل رقم ثمانية فالأخت الصغرى ماليزيا تمشي في ركاب الأخت الكبرى اليابان ضمن سرب واحد مستفيدة من عظمة التجربة الإدارية اليابانية، دون أن تفقد ماليزيا خصوصيتها الثقافية، والإسلامية على وجه الخصوص.

أعتقد أن لدى الأمة الإسلامية مشكلتين أساسيتين الأولى مشكلة مفاهيمية والثانية مشكلة إدارية، وإن العمل على حل هاتين المشكلتين المركبتين تحتاج إلى كثير من الوعي والعمل الدؤوب، وأرى أن على كل المخلصين العمل على الإشارة إلى المشاكل “البدنية” في الجسد الإسلامي مرحلياً على الأقل حتى تتعافى الأمة، عندها فقط فإن كل قوى الشر التي لم تنقطع منذ بدء الخليقة – والذي يمثله الصراع الأزلي بين الخير والشر-  سوف تحسب ألف حساب قبل ارتكاب حماقات بحق مليار وثلاثمائة مليون مسلم في العالم (هذا طبعاً في حال كان لهم وزناً نوعياً).

هذه المقدمة كانت تمهيداً لطرح الإشكالية الإدارية في مؤسساتنا الإسلامية حتى نبتعد قليلاً عن التعميم ونحاول أن نتاكد من أننا نسيرعلى خطى صحيحة نحو تواجد حقيقي في المغترب.

 

المبادئ الإدارية في الإسلام: 1- الأمانة 2- الشورى 3- العدالة 4- تقديم مصلحة الجماعة

5- التخطيط والتنظيم 6- الحوافز

 

1- الأمانة: إن عمدة مسألة الأمانة هي ماورد في وصف المؤمنين في القرآن الكريم “والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون”  وقوله تعالى “ياأيها الذين آمنوا لاتخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون” وآيات كثيرة تحضّ على أن يكون حاضراً في ذهن الإدارة “الإسلامية” للمؤسسات مسألة الثواب والعقاب الإلهي، وتقدير حجم الأمانة التي أوكلها لفرد أو لمجموعة أفراد أوكلت لهم مقاليد الجالية الإسلامية –  كنموذج مصغر عن إدارة لدولة إسلامية – ورغم اعتقادي من خلال خبرتي المتواضعة على مدى أكثر من عقد في مؤسسات الجاليات الإسلامية في أمريكا الشمالية أن المشكلة الرئيسية لاتكمن في ضعف الوازع الديني والأخلاقي للقائمين على إدارة المؤسسات لكنها تكمن في عدم وجود معايير كمية تقيس هذه الأمانة!

يبدو هذا الكلام غير واضحاً للوهلة الأولى، فكيف يمكننا أن نضع معايير كمّية لحضور هذه الأمانة عملياً ورقمياً، فهل نحصي على الإداريين القائمين على المؤسسة الإسلامية عدد ركعات النوافل؟ أو عدد التسبيحات؟ بالطبع الجواب بالنفي لكن لو أننا أوجدنا في كل مؤسسة إسلامية لجنة خاصة بالدراسات والأبحاث تقوم بمهام دراسة التغذية الراجعة بشكل دوري من حيث رضى رواد المؤسسة سواء كانوا مصلين في حال مسجد، أو أهالي الطلاب في حالة مدرسة عن مدى رضاهم عن أداء هذه المؤسسة من حيث الأداء الإداري، ومن حيث سوية الخدمات التي تقدمها، أو من إعداد دراسات عن واقع الطلاب في هذه المدرسة الإسلامية أو تلك من خلال أخذ عينة عشوائية وتفحص السوية العلمية والدينية للطلبة قبل بدء العام الدراسي ومنتصفه ونهايته حتى يتسنى لأعضاء هذه المؤسسة الإسلامية الاضطلاع بالوضع الحقيقي لهذه المؤسسة بشكل متجرد وموضوعي، حتى يتسنى لنا ايجاد الحلول قبل تفاقم الأخطاء، فلايكفي أن تسمى المؤسسة “إسلامية” حتى تحصل على حصانة من الأخطاء بل لابد من التأكد بشكل علمي وكمي على الوصول للأهداف المخطط لها سلفاً، ولكن قبل ذلك على هذه المؤسسة أن تضع أهدافاً مرحلية وسنوية قابلة للقياس، من مثل أن يقرأ طلابنا بالعربية أو الانكليزية بنسبة خطأ لاتتجاوز 15% ، ونأتي بلجنة محايدة من خارج المدرسة تفحص عينة مؤلفة من عشرة بالمائة من الطلاب من كل المستويات لنرى ماهي نسبة الخطأ في القراءة والإملاء والعلوم والرياضيات والفيزياء ومواد أخرى، وبناء على نتائج هذه الدراسة نقرر أن يكون هدفنا بعد ستة أشهر تقليل حجم الأخطاء للوصول لأعلى نسب الانتاجية، وهنا نكون قد حققنا المبتغى من مفهوم الأمانة الإلهي.

إن غياب الأداء الإداري السليم قد يوقعنا في أخطاء وضع الرجل غير المناسب في المكان المناسب، وهي خيانة للأمانة مهما تلبس القائم على الأمر بلبوس ديني، ومهما أكثر من النوافل، فإن هذا لن يغير من السنن الكونية التي وضعها الخالق، فالمؤسسة سيكتب لها الفشل مالم تضع أفضل المؤهلين في مواقعهم الصحيحة. عندما قدم أبا ذر إلى رسول صلى الله عليه وسلم وطلب أن يوليه قال عليه الصلاة والسلام: “ياأبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها  وأدى الذي عليه منها”(رواه مسلم) ولم يوليه لكن هذا لم يحط من منزلة أبي ذر رضي الله عنه، وفي حديث آخر- كمايروي الإمام أحمد في مسنده- “من ولي من أمر المسلمين شيئاً فولى رجلاً وهو يجد من هو أصلح منه للمسلمين فقد خان الله ورسوله” لذا وجب الانتباه إلى هذه المسئولية في مؤسساتنا، فإنني أرى أحياناً في بعض مدارسنا الإسلامية من ضرورة التأكد من تأهيل معلمينا ليس فقط من النواحي المهنية – بمعنى الحصول على شهادة تأهيل التدريس – وهي مهمة جداً ولكن من حيث التأهيل النفسي والاستعداد للتعامل مع الطلاب وذلك من خلال معايير كمية تسند إلى هيئة تعنى بتقييم الأساتذة من حيث الأهلية للقيام بأمانة التعليم، فليس كل من يحصل على شهادة قادر على التعليم، فقد يكون البعض باحثاً أكثر منه معلماً، وإن مثل هذه الدراسات لايقصد بها التشهير بل تكون في غاية السرية مابين الإدارة والمعلم وهذا يرتب على الإدارة مهمة إخضاع المعلمين لدورات تأهيلية مستمرة وحضور الندوات والمؤتمرات الخاصة بطرق التدريس للوصول إلى مدارس إسلامية نموذجية، أو بشكل أعم إلى مؤسسات إسلامية نموذجية.

إن ماسبق من إضاءة سريعة ومقتضبة للدراسات الحيوية عن المؤسسات الإسلامية يأخذنا للمبدأ الثاني في الفكر الإداري الإسلامي ألا وهو :

 

2- الشورى: حيث حضّ الشارع في أكثر من مناسبة على مبدأ الشورى في قوله عز وجل “وأمرُهم شورى بينهم” وكذلك قوله تعالى “وشاورهم في الأمر”، ولو كان الله سيعفي أحداً من خلقه من المشورة لأعفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي “لاينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى”، ولكن رغم الحفظ الإلهي والوحي الرباني الجاهز لتصويب الأخطاء كان الأمر الإلهي واضحاً في ضرورة الشورى، وأعتقد دون أدنى شك أن غياب هذا المبدأ العظيم عن المؤسسات الإدارية في عالمنا الإسلامي على المستوى السياسي – فضلاً عن بقية المستويات- سبب رئيسي لتخلف الأمة التي تحيّد علمائها ومثقفيها عن تصويب مسار الأمة من خلال تعطيل قناة حاكم- محكوم أو تجميد مسار الشعب-السلطة.

إذا اردنا أن نعود للمحلية في المغترب، فمؤسساتنا تمتلك رصيداً من التجارب الناجحة في مسألة الشورى من خلال الانتخابات داخل المؤسسات الإسلامية –مع بعض التجاوزات- ولكن لابد من الإشارة هنا إلى ضرورة إلزام المرشحين لتحضير أجندة قابلة للقياس حتى يتم قبول ترشيحهم، فلايكفي أن يقوم زيد بترشيح نفسه ضد عمرو، لأن الأخير يجد في نفسه الكفاءة مثلاً، أو لأي اعتبارات اقليمية أو مادية أو حتى لتمظهرات دينية تشكل نوعاً من “المظهر الضاغط” على الناخبين (على قلتهم أحياناً)، ولكن لابد من وجود أهداف واضحة تُعّد مسبقاً من قبل المرشحين ويتم التصويت على أساسها، لأن التصويت أيضاً أمانة في ذمة الناخبين فمن غير المقبول أن يصوت اللبناني فقط للمرشح اللبناني، والسوري للمرشح السوري والمصري للمرشح المصري، في المؤسسة الإسلامية بحجة أنه “ابن البلد”، ولكن حفظ الأمانة الإلهية تكون أن يتم التصويت للكفؤ، ولصاحب الأهداف الحيوية حتى يستقيم أمر المؤسسة ونخرج من عقلية “العصبيات” وإلا نكون قد انتقلنا من نيران القومية إلى أتون الإقليمية، وأهداف المرشحين تكون من مثل: زيادة عدد أعضاء المؤسسة من 300 إلى 500 عضو مثلاً، أو تجهيز المؤسسة الإسلامية بأجهزة سمعية للترجمة الفورية من العربية للأنكليزية في حال إحضار متحدثين لايتقنون العربية، أو العكس بالعكس فلو جاءنا متحدث باللغة الانكليزية وبعض أخوتنا لايتقنون الانكليزية فبإمكانهم استخدام هذه التقنيات غير المكلفة، والمتوفرة بسهولة، أو أن يكون من الأهداف حتى تغيير سجاد المسجد مثلاً، أو توسيع مباني المؤسسة، أو تجهيز برنامج لتأهيل المعلمين في حال كانت الانتخابات تخص المدرسة، أو أي أهداف أخرى تصلح للمعايرة بحيث أن الناخبين آخر العام بإمكانهم تقييم الأداء الإداري للأخوة والأخوات – الذين لايشكك أحد في تفانيهم وإخلاصهم – عن طريق قياس مدى نجاحهم في تحقيق هذه الأهداف.

إن العمل “الديموقراطي” أو “الشوري” له بعدين الأول الناخب والآخر المنتخب، وقد أشرنا للأخير لكن علينا ألا ننسى مسؤولية الناخب بحيث عليه أن يكون فاعلاً في المؤسسة التي يتردد عليها، ويستفيد من وجودها كداعم لوجوده في المغترب، فالمؤسسة الدينية التي تتمثل في المسجد مثلاً ُتمثل الوجود الإسلامي لمسلمي “لندن” مثلاً، وتواجد ألوف المصلين في صلاة العيد دليل على هذا التمثيل، فلا يجوز من هذه الآلاف أن تنأى بنفسها عن المؤسسة عند حاجتها لخبراتهم الإدارية والمالية وحتى السياسية (خاصة أن بعض السياسيين لاتراهم الجالية إلا أيام الانتخابات)، لأن تواجد المؤسسة وتوسعها ووزنها النوعي رهنٌ بمدى تلاحم المؤسسة مع أعضائها وروادها، لذا ربما من المهم أن يتأكد القائمون على إدارة المؤسسة من العوائق الرئيسية التي تحول دون هذا التلاحم.

قد يقف في وجه هذا الالتحام مسائل إدارية بسيطة من مثل: مبلغ العضوية الذي قد يجده البعض كبيراً فربما يقوم المرشحين الجدد بوضع هدف تخفيض مبلغ العضوية لاستقدام الأخوة والأخوات الذين هم خارج المؤسسة حالياً للمساهمة في إحياء المؤسسة، وهذه المسائل كلها بحاجة إلى دراسة وتواصل مع من هم داخل و”خارج المؤسسة” حتى يتسنى للوجود الإسلامي أن يكون ذي وزن نوعي.

 

إن تناول الفكر الإداري من وجهة النظر الإسلامية لاتنفي الإستفادة من الخبرات الإدارية لعلماء الإدارة في الغرب والشرق، بل تؤكّد عليها، دون أن تنسى الإطار الأخلاقي الإسلامي الذي يسبغ خصوصية إدارية لمؤسساتنا بحيث تكون الحوافز دنيوية وسماوية، فهذه الخصوصية تساهم في “أنسنة” علم الإدارة ضمن مفهوم “العبودية” والتسليم للخالق، فهي لاتغفل أهمية الوازع الديني ولكنها بنفس الوقت لاتنسى أهمية المحفزات المادية على أرض الله.

 

3- العدالة:

إن عمدة الأمر بالعدالة في الأرض هو ماذكره الخالق جل وعلا في قوله: “اعدلو هو أقرب للتقوى” والعدل المطلوب ليس حكراً على التعامل مع المسلمين بل الأمر عام وشامل، لأن الخطاب القرآني حريص على إرساء العدالة في الأرض فبدونها لاتتم عمارة الأرض، ولذا كان منطوق الآية الكريمة “لاتبخسوا الناس أشيائهم ولاتفسدوا في الأرض بعد إصلاحها” لايخص فئة من الخلق دون سواهم، والحقيقة إن تطبيقات هذه العدالة في مؤسساتنا الإسلامية من مدارس ومراكز بحاجة إلى نظر، فالعدالة مطلوبة في التعامل مع الطلبة على اختلاف أجناسهم وأعراقهم بغض النظر عن أي نوازع بشرية أخرى كالتقرب إلى أعضاء “البورد” أو مجلس الإدارة، أو إلى تمييز طالب عن طالب بدافع إقليمي أو مادي، بحيث يكون معيار التمييز بين الطلبة هو اهتمامهم العلمي وأخلاقهم ومدى جديتهم في التعامل مع طلب العلم.

الأجر العادل للموظفين أو المعلمين مطلوبٌ أيضاً، فلايمكن للمعلم الذي لايمكّنه دخله أن يقوم بأود عائلته أن يعمل بالحد الأعلى، ولقد تناهى إلى سمعي أن هناك بعض المدارس “الإسلامية” التي تطلب من المعلمين أن يعملوا سنة كاملة كمتطوعين قبل أن تقوم الإدارة بالتكرم عليهم بالتعاقد معهم!! هذا إذا كان هناك تعاقد أصلاَ، وبأجور محزنة وغير عادلة لاتعادل الجهد الذي يقدمه المعلم، وهذا ظلمٌ يتوجب على المسلمين إنكاره بأمر من الله “كانوا لايتناهون عن منكر فعلوه”، وعلى الجالية بمؤسساتها القيام بتأسيس وقف خاص لأجور المعلمين تعنى بتحسين رواتبهم وتخصص لرفع كفاءاتهم، وإلا فإنا لاننصف المعلم إن نحن أكلنا أجره لشهور، بحجج واهية لاتنفع معها أسلمة المؤسسة لأنها تبقى محض شعارات سرعان مايشعر المعلم معها بالغبن ويسعى ليدرسّ في كل المدارس غير “الإسلامية” التي تنصفه ، هرباً من جور إدارات بعض المدارس الإسلامية.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريم السخرة كماجاء في البخاري : “ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي وغدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره”.

يبقى السؤال إذاً: ماهو الأجر العادل بالنسبة للمعلم في مدرسة إسلامية؟ سؤال مشروع خاصة أن الموظف الوحيد –ماعدا بعض الإستثناءات- الذي يتقاضى أجر في المؤسسات الإسلامية هو المعلم والمعلمة. علينا أن نعطي المعلم أجر نظرائه من الأساتذة في المدارس الأخرى التي تعطي أجراً عادلاً لاأن نقيس الظلم على الظلم، فلايجوز أن نقول إن مدرستنا الإسلامية رواتبها أعلى من المدارس الإسلامية التي تحرم المعلم ظلماً أجره لمدة عام – وكأنه عامل سخرة في سيبيريا في زمن الاتحاد السوفييتي- لذا فإن أجورنا عادلة!! وقد كان هذا المنطق سائداً قبل تشكل وزارات العمل في العالم، وظهور نقابات العمال، وتحديد حد أدنى للأجور، لذا أرى أن النظر إلى معدل الأجور للمدرسين في مكان المؤسسة بناء على سنين الخبرة، والشهادات والكفاءات يجب أن يستأنس به حتى ندرك معنى العدالة التي عناها الشارع في الإسلام، وأقترح أن يشكل المعلّمون نقابة لمعلمي المدارس الإسلامية حتى يطالبوا بحقوقهم ولايسمحوا لبعض الإدارات بالإنقاص من حقوقهم، ويتبادلو الخبرات، ويستفيدوا من خبرات نقابة المعلمين الكنديين في هذا الأمر.

إن حجة المؤسسة الإسلامية في خفض الأجور هي معاناتها من قلة الموارد المالية فلذا هي مضطرة للجوء للضغط على الحلقة الأضعف في المعادلة وهي المدُرّس أو المُدّرسة، ولعل هذا جواب غير مشروع لسؤال مشروع!! فالإدارة الناجحة هي التي تتمكن من تجييش كل الطاقات لدعم مؤسستها مالياً، فلو أن إدارة المؤسسة ركّزت جهودها على التسويق لمؤسستها بمافيها من نشاطات ومدارس وملاعب لتصل إلى الشركات العملاقة كي تتبنى نشاطاتها ولتعلن عن منتجاتها من كتب ومواد غذائية، وأفلام أطفال، ووسائل تعليمية، لأمكن للمؤسسة أن تحصل على دعم مادي من هذه الشركات، فلو أن المؤسسة أعطت أعضائها بطاقات عضوية، واتفقت مع المحلات الكبرى وأماكن التسوق سواء الغذائية، أوالألبسة مثلاً على أنها مستعدة لتشجيع أعضائها للشراء من هذه المحلات لقاء نسبة 5 أو 10 بالمائة من المبيعات يعود ريعها للمؤسسة لعاد على المؤسسة الخير الكثير، ولو أن ممثلين عن مجلس الإدارة حرصواعلى تمتين علاقاتهم مع الشركات والمؤسسات الكبرى حتى يحضروا حفلة المدرسة السنوية ويعلنوا في تقرير آخر العام ويطرحوا على المؤسسات إمكانية قبول منَح باسم الشركات الكبرى لتوفر لمؤسسات الإسلامية الدخل الكبير، كذلك لو أن المدرسة قدمت عملاَ فنياً متقناً وباعت بطاقته بمبلغ معقول لعاد على المؤسسة بالخير العميم، سواء من خلال حضورالحفل نفسه أو من خلال بيع أشرطة الحفل على الانترنت.

لقد آن الأوان لفتح محافظ استثمارية للمؤسسات الإسلامية كوقف، فقد كان في السابق يتبرع أحد الأثرياء بمنزل أو متجر كوقف للمسلمين، ولكن في العصر الحالي أي شخص بإمكانه أن يتبرع بوقف عن طريق شراء أسهم تسجل باسم المؤسسة.

إن هناك أساليب تقليدية في التبرع وهو التبرع بالأموال عيناً، ولكن ماذا لو اقترحنا فتح حساب للمؤسسة مع شركات مالية بحيث تقبل المؤسسة التبرع بأسهم لشركات قليلة المخاطر المالية!! مثلاَ لو أن هناك شخص أراد التبرع بألف دولار فإنه بإمكانه التبرع ب50 سهم من شركة مايكرسوفت بدلاَ من المال العيني، فالمؤسسة بهذا الشكل تضمن الأسهم الخمسين، وربما تربح بها على المدى الطويل بسبب ارتفاع سعر السهم، فلو أننا فتحنا هذا الباب على المؤسسات لأمكن عن طريق خبراء ماليين تحقيق دخل مقبول للمؤسسة، وتبقى محفظة المؤسسة المالية تنمو سنة بعد سنة، ولو ارتأت المؤسسة أن تبيع بعضاً من أسهمها في الشركات فهي بالخيار حسب ماترتأيه من حاجة المؤسسة المالية.

الخيارات السابقة لرفع سوية الموارد المالية للمؤسسات يجعلها في بحبوحة أكبر بحيث يمكنها أن ترتفع بسوية أجور المدرسين وتسعى لتأهيلهم وتكون عندها أقرب لعدالة الأجور، ويكون مجلس إدارتها “أقرب للتقوى”. 

 

4- تقديم مصلحة الجماعة

إن الخطاب الإسلامي حرص على تكريس مفهوم الجماعة وجعله مقصداً يسعى إليه القائمون على الأمر، دون إغفال الشارع لمصلحة الفرد ولكنّه أطّرها بخيرية الجماعة، والصيغ القرآنية كثيرة من مثل “ياأيها الذين آمنوا” و “اسجدوا مع الساجدين” و”كونوا عباد الله إخوانا” ولقد تجاوز الخطاب القرآني هذا لأن يحاكي البشر على أنهم نفس واحدة “خلقكم من نفس واحدة” ، فالهدف الأسمى هو الوصول لأعلى مراتب الخيرية للمجتمع المؤمن، ولامانع من تحقيق مغانم فردية طالما أن الوجود الجمعي لخلق الله بخير، والمطلوب التضحية بالمصالح الفردية أحياناً التزاماً برسالية المجتمع، والحفاظ على وحدته وترابط صفوفه والخلاص من الظلم فيه للحفاظ على نقاء الجماعة.

إن المجتمعات الرسالية التي تؤمن أنها صاحبة همّ دعوي لاتألوا جهداً في الإعلاء من القيم الجماعية، لأنها في النهاية تشكل نموذجاً مجتمعياً يتمتع فيه الأفراد بخيرات العدالة، حيث بها يعيش فيه أفراده في غالبيتهم في رحاب الإيمان بسلام واطمئنان .

إن تطبيق مبدأ “تقديم مصلحة الجماعة” في المؤسسات الإسلامية في المغترب يعاني بعض الشيء من خلل منهجي منشأه أمران: 1- عدم التفريق بين رغبة الجماعة ومصلحة الجماعة من جهة 2- وعدم احترام القانون الذي تسنه الجماعة من جهة أخرى، فأعضاء مجلس الإدارة عليهم أن يجتمعوا بمن رشحهم بشكل مستمر حتى يظلوا على تواصل مع الجماعة التي رشحتهم لأن يكونوا لهم ممثلين في المجلس، فقد تكون الجماعة قد وضعت ثقتها في شخص ما وحسبت أنه يمثل رغبتها في التطوير، ولكن مشاغل عضو مجلس الإدارة المنتخب منعه من الاستماع لرأي الجماعة سواء لإبداء رأيهم  في أدائه، أو حتى في أخذ رأيهم في بعض المستجدات، ويندر أن ترى أن هناك استبيانا قد وزع على مرتادي المؤسسة من أجل إبداء رأيهم في مسألة حيوية أو مستجّدة، ومن هذه الفجوة بين الناخب والمنتخب تتسلل إلى المؤسسة مشاكل لاحصر لها ينتج عنها ابتعاد الناس عن المؤسسة لأنها باتت لاتعبر عن آرائهم وآمالهم، وبعدها ينقص عدد الأعضاء وتمّر المؤسسة بسنوات عجاف، ومحن لايكون آخرها المحنة المالية.

ماهي آخر مرة طرح استبيان على أعضاء المؤسسات الإسلامية في كندا مثلاً هل يفضلون الانخراط في العمل السياسي ؟ وإذا كانوا يفضلون هذا الأمر فأي الأحزاب يفضلون؟ وإذا كانوا يقدمون حزباً معيناً فماهو رأي الأغلبية بدعوة ممثلين عن الحزب للمؤسسة؟ وهل يمانعون من دعوة ممثلين كل الأحزاب للاستماع لآرائهم؟

إذا علمنا أن مؤسساتنا في الغالب لاتقوم بهذاالعمل فلماذا هي تفاجئ في حال اعتزال الجالية العمل السياسي وعدم القيام بالتصويت؟ ماذا قدمّنا لأعضاء المؤسسة من توعية سياسية حتى نطلب منهم فجأة ودون سابق إنذار التصويت للحزب الفلاني دون سواه؟ ماهي المطبوعات التي ترجمت للعربية أو للأردو مثلاً على نفقة الأحزاب نفسها لتوعية الناخبين المسلمين؟

الوجه الآخر لحال المؤسسات أن عضو مجلس الإدارة المنتخب يقوم فعلاَ باستطلاع الآراء والعمل بكل ماأوتي من إخلاص وعزيمة على طرحها على المجلس لكنه يفاجئ أن هناك بعض الأعضاء غير مستعدين للالتزام بالقانون، وأحياناً تكون الغالبية للأسف تتعامل مع قانون المؤسسة على أنه قانون غير ملزم بل هو للاستهلاك الإعلامي، وتطبيقه تفضلُّ من العضو على المؤسسة، وليس التزاماً قانونياً وأخلاقياً بل وشرعياً، ولعلنا نلمس تطبيقات هذا الابتعاد عن الالتزام بالقانون بدءاً من توسل أعضاء مجلس الإدارة بعدم ركن السيارات في الأماكن المخالفة أثناء قدومهم للمسجد، مروراً بوضع الأحذية في أماكنها، إلى عدم ترك الأطفال يعبثون في أساس المؤسسة أثناء الصلاة، إلى آخر هذه اللائحة الطويلة التي يسعد أي عضو في مجلس الإدارة أن يخبرك عنها مع التفاصيل والأمثلة والأسماء.

إن التطبيق العملي لتقديم مصلحة الجماعة لايكفيه خطبة عصماء من على منبر، إنما تحتاج لقوانين ملزمة تبدأ من توجيه إنذار مكتوب لصاحب المخالفة إلى حرمان العضو من دخول منشآت المؤسسة في حال ارتأى المجلس أن تكرار هذا العمل سيعود على الجماعة بالضرر، والأصوليون يصرون على أن “درء المفاسد مقدم على جلب المصالح” لأن هذا الأصل الفقهي يساعد المؤسسة ببساطة على “التخلية” من أضرار عدم الالتزام بقانون الجماعة، قبل “التحلية” والقيام بتطوير الأداء المؤسساتي.

تصور لو أننا وكلّنا شخصاً واحداً بأخذ أرقام السيارات التي تركن في أماكن مخالفة وتعرفنا على أصحابها وقام مجلس الإدارة بتوجيه رسالة خطية تعبر فيها عن رجائها الشديد لعدم تكرار هذا الخطأ “غير المقصود”، ومن ثم إعادة توجيه رسالة أخرى في المرة الثانية بلهجة أكثر صرامة لنفس “الأخ الكريم”، ومن ثم توجيه تنبيه نهائي لنفس الأخ في المرة الثالثة بأن المسجد مضطر لحرمان هذه السيارة من الركن داخل باحة المؤسسة لمدة شهر وقد أعلمت المؤسسة الشرطة بهذه المخالفة بموافقة المجلس، فكم يبقى من الأشخاص المخالفين من أعضاء المؤسسة خلال أشهر قيلية؟

إن العمل على تقديم مصلحة الجماعة يحتاج إلى علاقة نشطة وديناميكية مع أعضاء المؤسسة لتمثيل رأيهم بشكل أمين من جهة، وبحاجة لممارسة عملية على احترام القانون الذي سنته الجماعة في شؤونها الدنيوية من جهة أخرى، وأما ترك مصلحة الجماعة نهباً لتسيب البعض أو تقديم المجاملات الفردية والإقليمية على حساب مصلحة الجماعة فهذا هو عين الفشل الإداري في الدنيا، ولعله لايكون لاقد الله معبراً لفشل أخروي من باب عدم أداء الأمانة حقها.

 

5- التخطيط والتنظيم

إن ثمرات أفعال المؤمنين الدنيوية – طالما نتحدث عن أمور الدنيا الآن- ستُشاهد من أعلى قوة في الكون ومن قبل ممثلها في الأرض، ألم يقل تعالى في سورة التوبة “وقل اعملوا فسيرى اللهُ عملكم ورسولُه والمؤمنون، وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبؤكم بما كنتم تعملون”؟ إذاً فإن العبد المؤمن الذي تتجافى جنوبه عن المضاجع ويحمل الهمّ العمري الذي يخشى على شاة تتعثر لإهماله عدم تمهيد الطريق، لابد أن يلجأ لأعلى ماتوصل له علم الإدارة من التخطيط والتنظيم، وليس مصادفة أن يقوم عمر رضي الله عنه باستخدام الدواوين وتنظيم الأراضين واعمال تنظيمية وبلدية ومدنية كانت أعلى ماتوصل له إبداع الخلق آنذاك لأن أفعاله ستعرض على خالق الكون – هذا أخروياً- وأرضياً فإن المراقبين من “المؤمنين” من أصحاب العقول المستنيرة سيسائلونه عن تقصيره في عدم استقدام أحدث أدوات التخطيط والتنظيم.

إن المؤسسات الإسلامية في أمريكا الشمالية محسودة من قبل العالم الإسلامي أنها تحيى في دولة رائدة في الإدارة والتنظيم، ولكن حال الكثير منها لايعكس حال المناخ المحيط بها، فالمسؤوليات الإدارية في الغالب غير معروفة، وتوصيف الوظائف في الغالب ضبابي، فتختلط المهام وفي الغالب تناط أعباء النشاطات بثلة قليلة من أعضاء مجلس الإدارة، وبعض المتطوعين، الذين تستهلكهم طلبات الجالية وينتهي بهم الحال لاعتزال العمل التطوعي لكثرة المهام، وذلك بسبب عدم توزيعها على أعضاء مجلس الإدارة بشكل ُمنصف، فبينما يقوم البعض مشكوراً بأعمال تنوء عن حملها العصبة أولي القوة، يبقى بعض الأعضاء كأعضاء شرف يتفضلون على الجالية بطلعتهم البهية مرة في الشهر، ويتغيبون عن نشاطاتها، ولقد حضرت في إحدى المراكز الإسلامية مرة محاضرة هامة جداً غاب عنها العضو الذي دعى للمحاضرة!! وحضرها عضو واحد من مجلس الإدارة؟

توصيف عمل السكرتير، أوالإمام،أو المدير،أو المعلم، أمٌرعلى غاية من الأهمية، بعد توصيف مهام كل عضو من أعضاء مجلس الإدارة، والمسؤوليات على قدر الإمكانيات المعطاة للفرد و”الغُنم بالغُرم” فلايجوز تكليف شخص ما بعينه مالايطيق، ولايجوز محاسبته على مسؤوليات غيره، وكذلك على أعضاء المؤسسة احترام هذه الاختصاصات، والالتزام بقوانين المؤسسة حتى تنتظم الحياة المؤسساتية، وفي نفس الوقت فإنه من غير المقبول أن يكون العمل الخيري عشوائياً من المتطوعين متجاوزين المسؤولين المناطة بهم هذه المهام.

فهل يجوز لمعلمة العلوم تدريس اللغة العربية؟ أو لأي عضو من مجلس الإدارة الدخول على المدرسة للتفتيش دون إجراءات وتنسيق مع مجلس الإدارة؟ أو أن ينهض متطوع للأذان بصوته “غير الشجي” وبين يدي المصلين مؤذن صوته “ندي”؟ أو يقوم أحد المصلين بإطفاء الأنوار على المصلين لأنه يرى فيها مصلحة للمؤسسة؟ 

إن نشر النظام الداخلي للمؤسسة ومهام مجلس الإدارة وحث الأعضاء على الالتزام بها يرتقي أعضائها نحو مستويات مدنية راقية تطرح نموذجاً رائعاً للتخطيط والتنظيم.

 

6- الحوافز

سعى التشريع الإسلامي على وضع الحوافز والزواجر منذ اللحظات الأولى لتنزل الوحي القرآني، فالجنة والنار، والوعد والوعيد، وسقر والفردوس، فالحوافز الأخروية كثيرة “أولئك لهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجرالعاملين”، وكذلك الحوافز الدنيوية “ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون” وكذلك الآية التي تقول “ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض”، كل هذه الحوافز هي بمثابة الحوافز التي تغري البشر للعمل الصالح لأن فاعلها يكون له جزاء عظيم، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يبخل لابالغنائم، ولابالصدقات كمكافآت مادية، ولم يفته كذلك الحوافز المعنوية فقد وزع الأوسمة على صحابته فهذا “الصديق” وذلك “الفاروق” و”أسد الله” و “حبر الأمة” و “أمين سر رسول الله” و “وسيف الله المسلول” والأوسمة التي نالها معظم الصحابة رفعت من معنوياتهم وأكدت على أهمية الحوافز الدنيوية والأخروية.

يشكو بعض القائمين على إدارة المؤسسات الإسلامية من خلط بين مفهوم الحافز المعنوي والمادي ومفهوم التواضع لله، فذكرُ الخيّرين وتكريمهم هو تأصيل لمفهوم الخيرية على سبيل “النمذجة” وليس الكبر، ولا التبختر في غير مايرضي الله، فيندر أن تجد على حائط المؤسسة الإسلامية أسماء مؤسسيها الأوائل والذين تعاقبوا على إدارتها، بمافيهم الإدارة الحالية، ويندر أن تجد في التقرير السنوي للمؤسسات الإسلامية صور هؤلاء الخيرين الذين بذلوا مشكورين ماوسعهم لبناء وتسيير أمور المؤسسة، فبين رافض لذكر اسمه لأنه يخشى أن يصيبه الغرور وأن يذهب أجره الذي أراده خاصاً لوجهه الكريم وبين إدارة حالية لاتريد أن تذكر السابقين لأسباب كثيرة لامجال لذكرها الآن.

لوكان أمر التواضع حقيقياَ لما سُجّل نصف تاريخنا ولما كان لدينا “تراجم الرجال”، وماأكثر ماتدخل مباني مؤسسات غير إسلامية وشركات كبيرة وجامعات وعليها صور وسير مقتضبة للمؤسسين وكبارالرجالات الذين ساهموا في تأسيسها، بل إن وضع أسماء وسير المؤسسي والإدارات يعطي النشئ الجديد حافزاً لهم لتكون أسماؤهم على جدران المؤسسة وبنفس الوقت تعطي نموذجاً معاصراً للعظماء والعاملين المخلصين، فيصبح الجيل الجديد من أبناء المغتربين والمهاجرين خير خلف لخير سلف.

أقترح أن يكون على جدران المؤسسات الإسلامية ومدارسها أسماء وسير المؤسسين، وكذلك سير مقتضبة للعاملين المتميزين وللإدارات المتعاقبة في التقرير السنوي والذي يمكن تبنّي طباعته إما من قبل أبناء الجالية (كأن يذكرمثلاٌ  طبع هذا التقرير على نفقة فلان) أو من خلال تبنّي بعض الشركات الثقافية على طباعته لأنها تحرص على أن تصل لكل الجاليات من مختلف الإثنيات العرقية.

الحوافز الدنيوية تتجاوز مسألة الدعم المعنوي إلى حوافز أخرى،كالمعاشات التقاعدية، والتأمين الصحي، وزيادة الرواتب، فليس من المقبول أن يكون لدينا مُدّرس لم يحظ بأي حافزلامادي ولامعنوي، ولاأ ي زيادة في راتبه على مدى سنوات، وليس لديه تأمين صحي، فلو استطعنا أن نتعاقد مثلاً مع أطباء أسنان مسلمين وحتى غير مسلمين على أننا في المقابل نسوّق لعياداتهم في التقرير السنوي، وأن نشجع أعضاء المؤسسة وروادها ومعلميها للذهاب لعياداتهم لقاء حسم خاص لخفُّف هذا عن موظفي المؤسسة، وكان حافزاً إضافياً فوق راتبهم.

إن إغفال أهمية الحوافز في إدارة مؤسساتنا الإسلامية خطأ لابد من استدراكه، لأنه تجاهلٌ للنوازع والدوافع الإنسانية، ولقد كتب عن موضوع الدوافع والحوافز في علم الإدارة فضلاً عن علم النفس المجلدات الكثيرة، والاستفادة من الخبرات الإنسانية أمر واجبٌ، بعيداً عن الفهم الخاطئ لمفهوم التواضع، فالرسول الكريم يدرك أهميتها ولم نسمع عن صحابياً أنه أصابه الغرور والكبر بعد تلقيه الوسام بل زاده تواضعاً، واستمرت المسألة على هذه الحال حتى بعد عهد الصحابة وهاهم الأئمة الأربعة تسمى مذاهب عمرها اأكثر من 13 قرناً بأسمائهم، وقد سمي القاضي أبو يوسف وهو حي ب “قاضي القضاة”، والليث بن سعد “إمام أهل مصر” والفراهيدي ب”إمام علم العروض”…الخ.

إن المؤسسات الإسلامية التي تريد أن تنهض بالأمة عليها أن لاتُغفل عظمائها، ولعل المقام لايتسع للدخول في تفاصيل مدرج الحاجات لماسلو والذي يُعّد الأكثر شيوعاً منذ أن قدمه ابراهام ماسلو من القرن الماضي، والذي خلاصته أن البشر عموماً تحفّزهم رغبات في إشباع حاجات تظهر هذه الحاجات بترتيب هرمي تحتل قاعدته الحاجات الفسيولوجية، ثم تعلوها حاجة الأمن ثم الحاجات الاجتماعية ثم الحاجة إلى التقدير والاحترام، ثم تأتي حاجة تحقيق الذات في رأس الهرم، ولايتم بزوغ حاجة إلى بعد إشباع التي قبلها، فيكون إشباع الحاجة التي تليها حافزاً، وإن الخطاب الإسلامي لم يغفل عن ضرورة تلبية هذه الحاجات فهي مبثوثة في النصوص القرآنية والنبوية – لايتسع المقام لذكرها- ولكن المشكلة المفاهيمية لدى بعض المسلمين والقائمين على مؤسساتها تنعكس سلباً على عدم إشباعها لدى أعضاء المؤسسة، ولعل تلافيها ضرورة من أجل ألا نفوّتُ علينا خيراً كثيراً نحن بأمس الحاجة إليه، حيث يصبح سؤال أحد العلماء المسلمين مشروعاً: “لماذا نكرم المسلمين بعد وفاتهم؟ وهو بأمس الحاجة إليه وهم أحياء”.

 

د. أسامة قاضي: مستشار اقتصادي مقيم في كندا

 

(سفينة القيم) قراءة في ألواح ودسرللعمري بقلم عبدالله محمد سميا

eg63031(سفينة القيم) قراءة في ألواح ودسرللعمري 

بقلم عبدالله محمد سميا   

          قد تستيقظ مرة في الوقت الذي اعتدت أن تصحو فيه ، تنزل من سريرك فتبتل قدماك. غريب هذا الحدث. نعم إن المياه تغمرغرفتك.تخرج من الغرفة لتفاجأ بما هو أدهى وأمرّ،..المياه تغمر البيت كله.

ترتدي ملابسك بسرعة هائلة وكأنك تريد دخول (غينس) للأرقام القياسية. تخرج من البيت مسرعا وفي نفسك كلام كثير،وأسئلة لا حدود لها.هل حانت ساعة السيد نوح ؟  هل جاءالوقت ليظهر صدق ما يقول؟ هل وهل وهل….                              

 بمجرد أن تغادر منزلك ستجد الناس كأنهم أموج متلاطمة،لاتعرف لأحدهم وجهة أو تدرك له غاية. فوضى عارمة واضطراب مزمجر. الناس بشكل عام كأنهم عقد تناثرت حباته أطبق تبعثرت أجزاؤه.ذاك كله بشكل عام أما الشكل الخاص فانهم أناس قليلون،فئة خاصة جدا ممكن أن تطلق عليهم (الصفوة (أو(النخبة)أيا كانت التسمية.                                    

اذا  هذا الذي حصل بالفعل.. أما الشكل العام فقد راهنوا دائما أن الانسان كائن مستهلك فحسب، وجعلوا لذلك قواعد براقة وشعارات جذابة:(أنت تستهلك اذا أنت انسان)،(تسوق حتى الموت) والمزيد ، المزيد من الرفاهية المفرغة من محتواها التي لم تعد هدفا لراحة الانسان. وانما جعل الانسان هدفا لها. كان من المفترض أن تسخر للانسان.. الآن صار الانسان مسخرا بل مذللا(عبدا) لها. أما الشكل الخاص النخبة ، الصفوة فقد تعلموا أن يقولو (لا) لهذا الطوفان الجارف قبل أن يحدث طوفان الماء طبعا . قالو (لا) لأنهم يعتقدون أن رسالتهم في الحياة وأهدافهم النبيلة وأرواحهم قبل كل شيئ أغلى ما يملكون ،انها هبة الله لهم .

 بالمناسبة أصحاب الشكل العام كانوا قد باعواأرواحهم لقاء متعة التسوق والاستهلاك) الآن تظهر نتائجهم الآن أثمرت بذورهم ، انهم يمشون مطمئنين يعرفون وجهتهم ،كانوا يبدؤون في كل شيئ والخاتمة في أذهانهم .استطاعوا أن يرتبوا أولوياتهم بشكل متقن دقيق، استمعوا بقلب وعقل مفتوحين لما يقوله السيد نوح  ولما يقوله مخالفوه من أنصار الاستهلاك والتسوق والرفاهية المفرغة من محتواها فوجدوا بطبيعة الحال أن دعوة السيد نوح هي رسالة للبناء والايجابية  والنجاح بينما خصومه وأعداؤه فقد كانت رسالتهم في الأعماق الهدم والسلبية والاخفاق ، حتى ولو زوروا الحقائق وزينوا الأقنعة وحاولوا التسلل في الأنفاق.                                            

بالفعل.. أصحاب الشكل الخاص ،النخبة ،الصفوة يمشون مطمئنين الى سفينة النجاة سفينة القيم يستقبلهم السيد نوح بوجهه المتهلل وثغره البسام. تسير بهم سفينتهم نحو الهدف الأعلى ،  نحو الرسالة الأسمى.

بطبيعة الحال عزيزي القارىء لابد أن تجد لك دورا في تلك السفينة أو بعبارة أدق ستختار لك دورا ما. ولكن مهما تعددت الخيارات سينحصر الاختيار في النهاية عند وجهتين اثنتين اما داخل السفينة أو خارجها واذا أردت أن تعرف رسم الاشتراك في تيار الاستهلاك أو تيار القيم فلا بد أن تقرأ (ألواح ودسر)للأستاذ أحمد خيري العمري .                       

 على أية حال عندما تريد اصلاح العالم أو الوقوف متفرجا على هامشه وأطرافه فلا بد أن تتخذ موقفا اما داخل السفينة أو خارجها . هكذا قال النورس للأفق.  انتهى

نيويورك،نيويورك-2- الامباير ستيت : القمة تشبه الهاوية أحيانا !

empire_state_building_amcrmar07_131

نيويورك نيويورك -2-

الامباير ستيت: القمة تشبه الهاوية أحياناً!

د.أحمد خيري العمري – القدس العربي

الامباير ستيت كانت محطتي الأولى في نيويورك، هربت إليها مسرعا من الباص السياحي أو بالأحرى من المرشد السياحي في ذلك الباص الذي كان همه الأول إرشاد العجائز الألمانيات والآسيويات إلى أسواق نيويورك وتنزيلاتها وعروضها الخاصة بمناسبة عيد الشكر، منذ الدقائق الأولى لركوبي اكتشفت أن المرشد هو نسخة مذكرة من شخصية السيدة تفاهة في روايتي” ألواح ودسر”، وقررت أنه ربما كان هناك في نيويورك تفاهات كثيرة ولكن فيها أيضا ما يستحق التأمل والزيارة بمعزل عن ملاحظات السيد تافه و تعليقاته السمجة من نوع “أمممممممممممم ..أحب الأحذية !”.. عندما مررنا بمتجر كبير اسمه “هوس الأحذية shoemania“!..

جغرافيا ، تحتل بناية الامباير ستيت موقعا مميزا بين الفيفث آفينيو –الجادة الخامسة- والشارع 34 (كل شوارع نيويورك تسمى بالأرقام ـ قد يكون الأمر مربكا للبعض لكنه يمتلك دلالات عميقة عن أهمية “الرقم” في نشوء هذه المدينة بكل ما ترمز إليه من كونها عاصمة المال في الحضارة الغربية..، على العكس من ذلك فإن كل شوارع واشنطون العاصمة تسمى حصرا  بأسماء الولايات الخمسين، والمعنى في ذلك واضح: أن يتكرس شعور “الاتحاد” في عاصمة دولة حجمها بحجم قارة وشعبها ينتمي إلى أعراق مختلفة، هل أحتاج إلى التذكير هنا أن أسماء الشوارع عندنا لا تعكس غير أمزجة موظفي البلدية وأذواقهم، وأنها نادرا ما تعبر عن عمق حضاري أو ثقافي، أذكر هنا أن شارعا في بغداد كان اسمه شارع “شيخ الإسلام ابن تيمية” في الوقت الذي كانت مؤلفاته ممنوعة من التداول في السوق!، الشارع كان يقع في تقاطعات شارع فلسطين المؤدية إلى الجامعة المستنصرية!)..

قلت: إن الموقع الجغرافي للأمباير ستيت هو بين الجادة الخامسة وشارع 34، لكن هناك موقع أهم وأكثر تميزا للامباير ستيت، لكنه موقع غير جغرافي، إنه موقع ذهني، في رؤوس الملايين من البشر في العالم الذي سكنه وسحره الحلم الأمريكي سواء أدرك ذلك أو لم يدرك..

ثلاثة أجيال متباعدة، أنتمي أنا إلى الجيل الوسطي منها، شاهدت كنغ كونغ وهو يتسلق إلى قمة الامباير ستيت في  الفلم الذي أعيد إنتاجه ثلاث مرات (1933، 1976، 2005).. مئات الملايين شهدوا ذلك الموعد الغرامي اليائس على قمة الامباير ستيت في (علاقة للذكرى 1957) الذي استعيد في ( sleepless in Seattle).. وغير هذا وذاك، انتصبت الامباير ستيت، كناطحة سحاب رائدة هي الأولى في وقتها ولعقود طويلة، وجسدت –أكثر من هذا- حلما قديما للبشرية في التطاول: هل هو تطاول متحدٍ كتطاول فرعون وهامان في الصرح الذي بناه ليطلع على الأسباب؟ هل فلسفة ناطحات السحاب تشبه الفلسفة الكامنة في بناء “المنارة”و مآذن المساجد التي تجسد العبودية الشامخة عبر التوجه الى  القيم العليا؟

 أم أنه تطاول لمجرد التطاول؟ لمجرد الرغبة الخالصة في العلو؟..

الامباير ستيت التي عادت بعد أحداث سبتمبر لتكون البناية الأعلى في نيويورك، تمثل أكثر من مجرد علامة هامة في تاريخ المدينة بل تمثل رمزا من رموز الحضارة الغربية بالذات في نسختها الأمريكية الأكثر هيمنة ونجاحا بلا شك..

قصة بناء الامباير ستيت وتطاولها تختصر وتكثف نقاط القوة التي جعلت من أمريكا أقوى أمبراطورية في العصر الحديث.. لكن  قصة الدخول إلى الامباير ستيت اليوم وصعودها لخص نقاط الضعف التي تنخر البناء الأمريكي وتجعل من قمتها العالية هاوية شاهقة لا أكثر…

بينما كنت أنتظر في الصف الطويل لدخول المبنى، قالت امرأة أمريكية لصاحبتها:” هل قرأت تاريخ الامباير ستيت؟، إنه مذهل ؟.. إنه عظيم!”.. لم أنتبه لشيء في هذا فقد تعودت مبالغات الأمريكيين وصرت أستغرب إذا انتهى كلامي مع أحدهم دون أن يكون هناك على الأقل واحدة من ثلاث كلمات (  awesome مذهل، amazing  مدهش، واو ! Wow)( ليس هذا سلبيا بالضرورة بالمناسبة ) لكن جملتها التالية أثارت انتباهي وتأملي، قالت: “لا يمكننا أن نفعل هذا مجددا الآن”… أي لا يمكن لأمريكا أن تبني الامباير ستيت مجددا، وهذا صحيح، وليس معناه أن أمريكا غير قادرة على بناء ناطحة سحاب بعلو الامباير ستيت أو أعلى، لا طبعا.. لكن تاريخ بناء الامباير ستيت ليس مجرد بناء ناطحة سحاب، بل هو جملة ظروف ومعطيات كانت علامة مميزة للتجربة الأمريكية وقت صعودها، وقد تلاشت تماما الآن من واقع التجربة الأمريكية التي انتقلت من النمو إلى الشيخوخة دون أن تفقد سيطرتها على “الرقم واحد”..

بناء الامباير ستيت، خطة وتنفيذا، جاء عقب الانهيار الاقتصادي الكبير الذي حدث عام 1929، لم يؤثر الكساد الاقتصادي على الأمر، لم يؤثر إغلاق البنوك وإفلاسها على الأمر، لم تؤثر طوابير العاطلين عن العمل، ولم يخش ممول المشروع وصاحب فكرته من عواقب ما كان سيبدو أنه تهور لو حدث اليوم.. على العكس، لقد بدا الكساد الاقتصادي كما لو كان تحديا استفز قدرات الأمة الشابة يومئذ واستنفر كل طاقاتها من أجل التسابق وكسر المستحيل ،.. كان التحدي قائما منذ بناء برج إيفل في باريس 1889، حيث حاولت أمريكا أن تثبت للعالم القديم أنها أقدر منه على التحدي وعلى تجاوز إنجازاته، ومع بداية القرن العشرين بدأ سباق ناطحات السحاب الذي لم يتجاوز ارتفاع برج إيفل، لكنها طبعت السباق بطابع أمريكي خالص “براغماتي”، حيث إن البرج الفرنسي كان بمثابة نصب تذكاري وتحفة فنية لا يمكن الاستفادة منها، بينما كانت ناطحات السحاب تختصر القيم الأمريكية الصاعدة: قيم البرغماتية العملية التي لا ترى الجمال الا بمقدار ما يجلب النفع.. مع الوقت، ومع ارتفاع بناية وولورث وبناء بنك مانهاتن تحول التنافس إلى داخل أمريكا نفسها.. مع دخول شركة كرايسلر التي لم تعلن عن الارتفاع المزمع لبنائها الجديد، بدا التنافس بين الرأسماليين الكبار كما لو أنه محاولة لإثبات أيهما أقدر على بناء البناء الأعلى، البناء الذي يجسد حلم الإنسان في الوصول إلى السماء، لكن “السماء” هنا لم تعد جزءا من الغيب الذي سعى الإنسان إلى التواصل معه بوسائل شتى، بل صار ميدانا  للتنافس بين كبار الرأسماليين عبر تحدي الإنسان “للطبيعة” وقهرها..

مفهوم قهر الطبيعة والعالم كان جزءا أساسيا من الداينمو الذي حرك التجربة الأمريكية بأسرها ولا يزال قائما حتى في كلام الناس العاديين ( قالت الزميلة الأمريكية لزميلي السوداني  الذي حصل على الجنسية الأمريكية دون أن يتشرب البنية التحتية للثقافة الأمريكية  قالت له: كيف حالك اليوم؟ هل أنت مستعد لقهر العالم؟ are you ready to conquer the world?.. نظر لها السوداني الطيب بذهول وقال: ولماذا علي أن أقهر العالم؟ وما الذي فعله لي العالم لكي أقهره ؟!!)..

 كانت ناطحات السحاب (حتى تسميتها بهذا الشكل، حرفيا  العبارة تعني كشط الفضاء!) تعبيرا معماريا عن هذا المفهوم الذي وجد له في “غزو الفضاء” – مثلا – امتدادا آخر، حتى اختراع التلغراف رُوِّج له يوم اختراعه بـ”قهر المسافة” في بلد كان يعاني من امتداد المسافات والمساحات بين أوصاله..

الكساد الاقتصادي كان تحديا آخر وجدت أمريكا أن عليها أن تقهره وتقهر معه ما كان يبدو مستحيلا، كانت الخطة التي حددت في عام 1930 قد حددت إنجاز العمل بثمانية عشر شهرا، وهو رقم بدا كما لو كان مستحيلا آخر يجب قهره، والحقيقة أن العمل الضخم لم ينجز بثمانية عشر شهرا بل بأقل من ذلك!.. تم إنهاء العمل في سنة واحدة وخمس وأربعين يوما وبتكلفة أقل من الكلفة المحددة.. تلك هي أمريكا التي كانت!

أمريكا اليوم فقدت هذه الروح، إنها تمر بأزمة اقتصادية أقل وطأة من كسادها الكبير، لكنها رغم ذلك تبدو عاجزة مشلولة بين مشاكسات الجمهوريين وتذمر الديمقراطيين.. مشاريع أقل حجما وأقل كلفة تبدو معطلة بسبب أزمة اقتصادية هي أقل بالتأكيد من الكساد الكبير.. برجا مركز التجارة العالمي وبعد ثماني سنوات على انهيارهما لا يزالان أنقاضا ولم تبدأ عمليا أي إعادة لبنائهما..

جون راسكوب الذي كان وراء بناء الامباير ستيت هو شخص يصعب تصور إمكانية وجوده في أمريكا الحالية، كان شخصا عصاميا لم يكمل تعليمه، وعمل في توزيع الجرائد ليساعد أهله، ودخل مكاتب شركة جنرال موتورز كسكرتير صغير، لكنه تدرج ليصل إلى قمة الشركة…. صار رئيسا تنفيذيا لها.. كانت أمريكا بلد الفرص السانحة وقتها، لم يعد تصور حدوث ذلك بسهولة أو حتى بصعوبة في أمريكا الحالية، لا يعني هذا أن الانتقال من طبقة اجتماعية  إلى أخرى صار مستحيلا، ( على الأقل من طبقة اجتماعية إلى مظاهر طبقة أعلى ) لكن الانتقال من بيع الجرائد إلى مجلس إدارة شركة كبرى بحجم جنرال موتورز  صار أمرا شبه مستحيل لأن الملأ المسيطر أحكم سيطرته بالتدريج على منافذ الثروة والقرار… وصار يداول الثروة وقراراتها ويحتكرها بشكل لم يكن ليحدث وقت بناء الامباير ستيت..

خروج راسكوب من جنرال موتورز هو الذي أدى به إلى بناء الامباير ستيت، وهو خروج ما كان ليحدث بكل الأحوال في أمريكا الحالية، فقد كان راسكوب ديمقراطيا ومؤيدا قويا للمرشح الديمقراطي، بعكس رئيس مجلس الإدارة الذي كان جمهوريا ومؤيدا للمرشح الجمهوري الذي طلب من راسكوب التخلي عن دعمه للحزب الديمقراطي أو الخروج من جنرال موتورز، باع روسبك أسهمه في الشركة وخرج..

هذا الأمر، مرة أخرى لا يمكن أن يحدث في أمريكا اليوم، فالشركات الكبرى تدعم مرشحي الحزبين، وعلى العكس مما حدث مع راسكوب، فان الشركات الكبرى  صارت هي التي تتدخل في التعيينات الرئاسية والمناصب المهمة، بل إن أعضاء مجلس إداراتها يتبوؤون أحيانا المناصب المهمة  التي تضمن لهم تمرير قوانين تحقق لهم أكبر الأرباح..

أكثر من هذا أن أمريكا اليوم لا تنتج “رجل أعمال” بحجم راسكوب أو سواه ممن يمكن لهم أن ينشئوا مشاريع ضخمة بمفردهم.. لقد انتهى ذلك العصر وولى إلى غير رجعة.. إنه اليوم عصر الشركات الكبرى والبنوك الكبرى وتحالفاتها والقطط السمان التي تملأ مجالس إدارتها.. وما كانت “الامباير ستيت” لتبنى في أمريكا لو أن تحالف القطط السمان كان قد سيطر عليها منذ ذلك الوقت..

بل إن الامباير ستيت، التي تعد اليوم علامة ورمزا أمريكيا ما كانت ستبنى أصلا لو تحكم منطق الربح السائد اليوم في عقلية من أنشأها….  بعد بناء الامباير ستيت بقيت فارغة لفترة طويلة  ولم تؤجر كاملة لعقود حتى الخمسينات تقريبا، أي إن “حاجة السوق ومتطلباته” والربح السريع لم يكن في ذهن راسكوب والمجتمع الذي ساهم في بنائها..

أمريكا الأمس كانت رأسمالية أيضا، لا شك في ذلك، ولا شك أن الرأسمالية تملك دوافع جاذبة للعمل والتنافس، وأن هذه الدوافع كانت سببا في صعود أمريكا، لكن أمريكا اليوم انتقلت من الرأسمالية ( التي تقدس الربح وتؤمن بالمخاطرة والتنافس ) إلى مرحلة أخرى صارت تعرف بـ corporatism ولا أعرف ترجمة عربية لهذه الكلمة  فكلمة “الشركاتية” تبدو ثقيلة جدا رغم أن هذا الثقل قد يناسب المعنى: معنى اتحاد الشركات  الكبرى والبنوك والسياسيين من أجل تشريع القوانين وتوفير كل الظروف التي توفر الربح الأقصى الآمن لهذه الشركات والبنوك.. تسمى هذه الشركات أحيانا بالتحالف العسكري الصناعي (وهو التعبير الذي استخدمه ايزنهاور عندما حذر من هذا التحالف وسيطرته على أمريكا في خطاب توديعه الرئاسة عام 1961).. وتسمى أيضا بمجموعة بلديربرغ Bilderberg group وهي النخبة التي تجمع المال والسلطة من أجل الحصول على المزيد من المال والسلطة.. يمكن أيضا أن نسميها “الملأ”” الموجود في كل زمان ومكان، لكنه اليوم صار أقوى وأكثر تحكما من أي وقت مضى…

هل هذه مجرد مرحلة حتمية من الرأسمالية؟ هل هي خطوة أخرى من خطوات الرأسمالية؟.. ربما كان الأمر كذلك، وربما لا، لكني أدرك كما يدرك كثيرون أن هذه الخطوة قد تكون في الاتجاه الخطأ، خطوة ربما تكون قد حولت القمة التي وصلتها الرأسمالية (بغض النظر عن تقييمنا لأهدافها ومنطلقاتها ابتداء) إلى هاوية سحيقة..

لقد استطاع هذا الملأ أن يقنع العالم كله أنه ” أكبر من أن يسمح له بالسقوط too big to fail”.. وهذا يعني أن سقوط شركة كبرى أو إفلاسها سيضر الملايين ممن لا علاقة لهم مباشرة بالشركة، لذا صار على الجميع، الحكومات خاصة، أن تساعد هذه الشركات الكبرى كي لا تسقط.. وهو ما حدث فعلا في خطة إصلاح أوباما..

لكن الأمر الذي ينساه الجميع هنا هو بسيط جدا وبديهي: ما هو كبير جدا ليسمح له بالسقوط يجب أن يكون كبيرا جدا ليسمح له بالوجود أصلا.. لِمَ سُمِحَ أصلا لهذه الشركات وتحالفاتها أن تصل لهذا الحجم الذي يجعل من سقوطها أمرا يهدد الجميع بالسقوط؟ ..

القمة تشبه الهاوية في نواح كثيرة، الأمر دوما يتعلق بطريقة وصولك لها، بالطريقة التي ستنظر منها وتطل منها على العالم، هل كانت القمة وسيلة من أجل أن تكون أفضل، أم أنها كانت هدفا بحد ذاته..، هل اتخذتها وسيلة لتهزم بها ضعفك، أم أنك عددتها انتصارا نهائيا على كل ما لا تراه… على كل ما لا يمكن قسره داخل منظومة تفكيرك..

هل كانت القمة متسعة ليصعد لها الجميع؟..، أم أنها كانت حكرا على نخبة مسيطرة وعلى الجميع أن يتقبلوا ذلك ويعبروا عن إعجابهم بذلك.. أو أن يقوموا بالانتحار من نفس القمة إن لم يعجبهم ذلك..

و كان هذا ما فعله أحد عمال البناء الذين ساهموا في بناء الامباير الاستيت قبل أن ينتهي البناء، عندما تم فصله من العمل  فقام بتدشين البناء في أول حادثة انتحار قبل أن يفتتح البناء رسميا..

هل كانت هذه محض مصادفة، أم إنها كانت بمثابة قربان بشري دموي تقدمه الإنسانية المعذبة لذلك الملأ الذي سينشب مخالبه فيها بالتدريج وبأكثر الوسائل حذقا ومهارة؟؟

 

و للحديث بقية.

 

 

“مجددون”: هل ينزل الدين الى السوق؟ بقلم د.ديمة طارق طهبوب

capitalism12569525161“مجددون”: هل ينزل الدين الى السوق؟

د.ديمة طارق طهبوب

عندما نرى إعلان برنامج (مجددون) و اللقطات المنتقاة و ديكورات التصوير يحضر الى البال برنامج آخر بنفس الصورة و الفكرة الا انه لا ينطق بلغة الضاد و لكن بلغة ال A B C و لا يبحث عن الدعاة و المصلحين و لكن عن الاقتصاديين و رجال الأعمال الذين ينزلون الى الميدان و يتنافسون كالحيتان حيث الغاية تبرر الوسيلة ،و الفوز هو المهم و لو على أشلاء الآخرين، فما الفرق بين برنامج The Apprentice (المستخدَم أو الموظف) الذي قدمه أباطرة المال و الأعمال مثل دونالد ترامب في نسخته الأمريكية و الملياردير الان شوجر في النسخة البريطانية و بين برنامج (مجددون) الذي سيقدمه الداعية عمرو خالد، و هل نزل الدين الى السوق ليخضع لمنطق الترويج و الدعاية و الربح و الخسارة و الاستخدام و الاستبدال و العرض و الطلب؟

و بالرغم أن البرنامج لم يُعرض بعد الا انه لاقى تغطية اعلامية واسعة قدمته كأحد أشكال تلفزيون الواقع الذي يهدف الى البعد عن التنظير الديني البحت و تطبيق التعاليم في برامج و مشاريع مجتمعية و التنافس في مجال الأفضلية في الفكرة و التطبيق و النتائج

إن فكرة البرنامج إشكالية بعض الشيء، فالعالم العربي كان مستوردا لبرامج تلفزيون الواقع لا منتجا لها و أغلب الاستيراد كان في مجال التسلية و الترفيه، و قد أحدث استيراد بعض البرامج كالأخ الأكبر Big Brother، و الرابح الأكبر The Biggest Loser، و سوبر ستار المشابه لAmerican Idol ، و الحلقة الأضعف The Weakest Link، و من سيربح المليون Who Wants to be a Millionaire? ردة فعل متباينة في مجتمعاتنا تجاه ما حاولت هذه البرامج تمريره من أفكار و أخلاق و ممارسات قوبل بعضها بالرفض التام في بعض البلاد كما حصل في البحرين فما أن وصل فريق برنامج الأخ الأكبر الى البلاد حتى قامت المظاهرات و الاحتجاجات المطالبة بطردهم و ايقاف البرنامج

و قد نختلف أو نتفق على صلاحية برامج  المسابقات و تلفزيون الواقع للعالم العربي، و لكن السؤال هو هل تناسب هذه النوعية من البرامج الطابع الديني و الوعظي و الارشادي؟ و الى أي درجة و ميدان قد يذهب الدعاة لاجتذاب الشباب و محاكاة واقع الحياة أم أن هناك حدودا و سمتا يجب أن يلتزم به الداعية و العالِم؟  و كيف نفهم في هذا السياق نصيحة سيدنا علي بن أبي طالب أن خاطبوا الناس على قدر عقولهم؟ هل يعني ذلك تبسيط الخطاب الديني أم تنويع أشكاله أم مسخه الى صورة ليست له على أسوأ الأحوال؟  و ما معنى كلمة تجديد الممدوحة في الحديث النبوي “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل قرن من يجدد لها دينها”؟ و هل التجديد يبني على ما سبق أم يقوضه؟ يأتي بالجديد أم يقلد الموجود؟

هل البحث عن المؤهلات الظاهرة هو الفيصل في اختيار من يصلح ليدخل مسابقة برنامج (مجددون)؟ ماذا عن المؤهلات غير الظاهرة و القلبية التي جعلها الاسلام شرطا لقبول و نجاح الأعمال، و هذه لا يطلع عليها ملك فيكتبها و لا شيطان فيفسدها، و انما هي محل نظر المولى سبحانه ،و هي ما جعلت أبا بكر يسبق كل الصحابة في ميدان العمل للاسلام حتى أن صاحب النفس المتوثبة الفاروق عمر أعلن استسلامه أمامه و قال” و الله لا أسابق أبا بكر أبدا” و مدحه المصطفى صلى الله عليه و سلم قائلا “ما سبقكم أبو بكر بكثرة صلاة و لا صيام و لكن بشيء وقر في قلبه” فكانت مؤهلاته الباطنة هي التي أثرت و نمّت مؤهلاته الظاهرة ،و ما كان يخرج الى ميدان العمل الا بعد أن يأخذ نصيبه من ميدان العلم و التزكية، فكان يأخذ الايات من سورة البقرة يحفظها و يعمل بها ثم ينتقل الى غيرها، فمُدح و صحبه فقيل عنهم جيل التلقي للتنفيذ كانوا يتعلمون العلم و العمل معا.

و هل يكفي التقييم البشري و علوم القيادة و الإدارة الحديثة في تحديد من ينفع و من لا ينفع؟ إذا كان التقييم بشريا فقد ضحك الصحابة من دقة ساقي عبد الله بن مسعود و هو يصعد الشجرة، فكان تقييم النبي الذي لا ينطق عن الهوى أن ساقي ابن مسعود تعدل في ميزان الله ثقل جبل أحد. و هل يجب على الداعية المجدد أن يكون صاحب شخصية متكاملة لا يقصر و لا يخطأ؟ إذن كيف نقيم سيدنا نوح عليه السلام الذي دعى قومه ليلا و نهارا و سرا و جهارا و لم يستجب له الا قلة قليلة؟ هل الفشل في أداء مهمة أو مشروع بتقييم البشر يعني فشل الداعية و الدعوة؟

هل إذا فشل الداعية نقول له كما يقال للخاسرين في برنامج رجال المال و الأعمال أنت مطرود you are fired؟ و من يملك أن يقيل نفسه أو يقيل غيره من دعوة و بيعة مرضية بايع عليها أجدادنا بدمائهم فقالوا “لا نقيل و لا نستقيل”؟ و ماذا عن التعلم من الخطأ و ضرورة تكامل الخبرات و أن المجتهد المخطأ مأجور مشكور كما المجتهد المصيب؟

أسئلة كثيرة تستبق عرض البرنامج القريب و توقعات نأمل خيرها من داعية كان له بأمر الله دور في إعادة الشباب و الشياب الى ربهم و بيان ان الاسلام دين و دنيا، جامع و جامعة، سجادة صلاة و مبضع جراح و مسطرة مهندس

كتب الداعية عباس السيسي رحمه الله في كتابه الدعوة الى الله حب “الدعوة عرض و كلما كان العرض جذابا أقبل الناس على الشراء”

نعم بحاجة نحن الى التغيير و التجديد، و لكن يجب أن يبقى للاسلام و دعاته امتيازهم و تميزهم فالحق أحق أن يُتبع مهما كان شكله، و ليس كل ما يلمع ذهبا يُشترى و ليس كل نور قمرا يُتّبع…

د.ديمة طارق طهبوب