” مسلم حزين”.. في ليلة رأس السنة الميلادية !

kaaba-150x1501                             ” مسلم حزين”.. في  ليلة رأس السنة الميلادية !

                                     د.أحمد خيري العمري

*( يعاد النشر هذه السنة..لم يتغير شئ طبعا..)

(كتبت قبل أن تبدأ المجزرة الاخيرة..و الحزن صار أدعى بالتأكيد مع ما حصل..)

 اسمحوا لي ان أكون حزيناً  ليلة رأس السنة ، رغم كل الصخب  و كل مظاهر الفرح و الامنيات ، اسمحوا لي أيضا ان أؤكد أن  إقتران و تزامن وصول  رأس السنة الهجرية و الميلادية لن يكون مدعاة لتخفيف حزني ، رغم أن ذلك قد  يكون مناسبة  سعيدة للبعض من اجل التأكيد على  روح و عمق التعايش  و إطلاق التصريحات و الامنيات بشأن ذلك..

شخصياً لا أجد في ذلك هذا المعنى بالضبط ، كما لا أجد في أن يأتي  رأس السنة الهجرية في منتصف الصيف مثلا معنىً يضر بالتعايش ..فالتعايش في جوهره يرتبط بما هو  أعمق من من المناسبات و الاعياد …بل إن اعتبار هذا التزامن  فرصة للحديث عن التعايش ، يعبر عن ازمة حقيقية يعيشها هذا التعايش.. و هي أزمة لن يحلها مجرد تزامن المناسبتين و الخطاب العاطفي حول ذلك..

على العكس من كل ذلك ، أجد تزامن المناسبتين حزيناً ، بل و حزيناً جدا..ذلك إن الوهج الاعلامي الذي يحيط برأس السنة الميلادية ، سيطغى تماما على رأس السنة الهجرية و حتى على تذكرها و إستذكارها ،..مهما حاولنا إنكار ذلك  فنحن لا نتذكر رأس النسة الهجرية إلا نادرا و إذا تذكرناه فان ذلك على الاغلب يكون مرتبطا بأسباب أخرى غير ترتيب جدول حياتنا ، غير تنظيمها ، غير حسابات الحقل و البيدر في حصاد سنيننا..

بعبارة اخرى، مهما تجنبنا “الاحتفال” برأس السنة الميلادية ، مهما جلسنا تلك الليلة دون ان نحتفل ، حتى لو لو تعمدنا النوم باكرين متحججين بالتعب و الارهاق ،محاولين أن نشيح بوجوهنا عن أفراح و احتفالات الآخرين ، فاننا على الاغلب نؤرخ لحياتنا ، لخططنا ، لحصاد السنة الماضية و بيدر السنة القادمة ، لأجنداتنا الشخصية ، بالميلادي..

و اكثر  من هذا كله  ، ليس إن اغلب الناس لا يذكرون رأس السنة الهجري إلا لأنه  أتخذ “عطلة رسمية”  في اغلب البلدان الاسلامية فحسب  ، و لكن الاسوء من هذا  هو ان اغلب الناس لا يعرفون في أي سنة هجرية نحن بالضبط ، دون ان يشكل ذلك لهم أي أزمة على الاطلاق ، و دون ان يتصوروا إنهم اصيبوا بخرف مبكر أو بفقدان ذاكرة كما  سيتبادر الى إذهانهم لو انهم نسوا و لو لثوان عابرة  في أي سنة ميلادية نحن بالضبط..

لا أتحدث هنا عن حرمة الاحتفال بأعياد غير المسلمين ، و لا عن بدعية او عدم بدعية الاحتفال برأس السنة الهجرية ، أي لا اتحدث عن الامر بالبعد الفقهي ، بل ببعد آخر هو البعد الفكري- الحضاري للامر..فرأس السنة الميلادية لم يكتسح العالم عبر نظرية المؤامرة أو اخطبوط إعلامي حاذق ( رغم إن الاعلام  زاد من تكريس الامر حتما ) لكن قبل ذلك كله كان هناك انتصار ساحق للحضارة الغربية ، و هو الانتصار الذي أدى الى تعميم طقوسها و شعائرها  و احتفالاتها بآلية معقدة تجمع بين تقليد المغلوب للغالب ، و بين إعتبار تلك الاحتفالات رمزا للتحضر ..هذا الانتصار الساحق لتلك الحضارة ، جعل منها تغزو الرؤوس أولا..و هذا الذي جعل من رأس السنة الميلادية كاسحا و مهيمنا هكذا..

قد نختلف في تقييم منجزات الحضارة الغربية ، في رفض أو قبول  اهدافها و منطلقاتها و أساليبها و أدواتها ، لكن من الصعب جدا أن نختلف على كون تلك الحضارة قد “أنجزت “..في كونها قد نجحت الى حد بعيد في تحقيق ما ارادته بغض النظر عن تقييمنا لذلك..و هذا الانجاز هو الذي جعل رأس السنة الميلادية كاسحا هكذا ، و شجرة عيد الميلاد تغطي كل أجزاء المعمورة ، حتى المعمورة التي لا تدين بنفس الدين..و هو الانجاز ذاته الذي جعل “أجنداتنا ” الشخصية تدور حول السنة الميلادية  سواء  أقررنا بذلك أم أنكرناه..

و مقابل ذلك الفعل و الانجاز الذي جعل من احتفالات رأس السنة الميلادية احتفالا كوكبيا ، هناك ذلك اللافعل ، الاإنجاز الذي أدمنّاه منذ قرون ، هناك تلك السلبية التي أودت بنا إلى الدرك الادنى في مراتب الفاعلية..و التي جعلت من رأس السنة الهجرية يمر مروراً عابراً…كما لو كان “نكرة”..أو “مجهولا”..

اسمحوا لي ان أكون حزينا الليلة ، بينما يبتهج الجميع و يحتفلون بطريقة أو بأخرى ، لا أتمنى جهنم لأحد حقا ، و لا اريد أن ارسل أحدا الى هناك  بهذه المناسبة ، و اتمنى للجميع عاما أفضل و عالما أفضل حقاً.. لكن اسمحوا لي أن اكون حزيناً و ان أحتضن رأسي ليلة راس السنة الميلادية ..بدلا من أن اخبئه في الرمال كما كل سنة، اسمحوا لي ان اجعله يحلم ، في ليلة رأس السنة الميلادية ، برأس سنة هجرية يكون احتفالا كوكبيا يضم المسلمين و غيرهم  ، ليس لأن غير المسلمين قد دخلوا الاسلام بالضرورة ، و لكن لأن حضارة المسلمين قد بزغت و انجزت ما تجاوز  منجزات أي حضارة غربية..

أسمحوا  لي الليلة ان احلم برأس سنة هجرية يحتفلون به في كل مكان ، بنخلة مزينة ، بنطاقين يحتويان زاد المعاني و القيم ، بهجرة يمكن أن نتمثلها في كل ما نقوم به ، في إصرار على الاتجاه دوما الى ما هو صواب..اسمحوا لي أن احلم بغار صغير في الطريق الى هناك ، و بحمامة و عنكبوت افتراضيين ، و بثاني اثنين إذ هما في الغار..

اسمحوا لي الليلة ان أحتضن رأسي و انا أسمع الصوت قادما من الغار ، يتردد عبر القرون ..” لا تحزن ، إن الله معنا “..فأجده يخاطبني أنا المسلم الحزين في ليلة رأس السنة الميلادية..بل أجدها الجملة الاكثر مناسبة بين كل ما يقال في مناسبات كهذه..”لا تحزن ، ان الله معنا “…كما لو اننا نحتاج الى “هجرة” من جديد ، من كل ما نحن فيه و عليه ، من أجل ان نخرج من هذا الدرك الحضاري الذي سقطنا فيه …

 اسمحوا لي ليلة رأس السنة ، ان أعكر صفو احتفالكم أو صخبكم أو حتى نومكم المبكر المتعمد ..لأذكركم بذلك الغار الضيق ، و برأس سنة “أخرى” ..نكاد ان ننساه..،و لأننا نكاد ان ننساه فاننا نكاد نصبح نسيا منسيا…

أيهما أسهل برمجة العقل البشري أم برمجة الكمبيوتر؟ د. محمود الشيشكلي

أيهماkopfschmerzen أسهل برمجة العقل البشري أم برمجة الكمبيوتر

بقلم : دمشقي معبراني  ( د محمود الشيشكلي ..)

من الممكن تعريف البرمجة بأنها عملية كتابة تعليمات وأوامر لجهاز الحاسوب أو أي جهاز آخر ، لتوجيهه وإعلامه بكيفية التعامل مع البيانات أو كيفية تنفيذ سلسلة من الأعمال المطلوبة.

ومن هنا نعبر إلى مثال وعلم آخر قد يساعد في تقريب الصورة بشكل أوضح لمقاصد المقال السابق الذي كان بعنوان: الواقع العلمي الذي تعيش به البشرية حقيقي أم وهمي وبرابط: http://www.quran4nahda.com/?p=1109

المثال هو البرمجة اللغوية العصبية والتي هي عبارة عن خليط من العلوم و الفلسفات والاعتقادات. و تهدف هذه التقنية العلمية لبرمجة و لإعادة صياغة الواقع المُتصور في ذهن الإنسان من معتقدات و مدارك و تصورات و عادات و قدرات بحيث تصبح في داخل الفرد وذهنه لتنعكس على تصرفاته.

والبرمجة اللغوية العصبية علم ظاهره وإن ادعى أهله أنه يحسن قدرة الفرد على الاتصال بالآخرين وقدرته على محاكاة المتميزين إلا أنه أصلا  قد وضع للسيطرة والتحكم بإدارة أدمغة الآخرين بل هي في مستوياتها المتقدمة تصل وتقود إلى مزيج من الشعوذة والسحر حيث بعض الطقوس و المعتقدات البوذية و الطاوية و الهونا و المشي على الجمر و أساليب الطاقة الفاسدة …

وقد قيل فيها أنها منطلق لطرق السحر المتقدمة ففيه المنهج الأساسي والحديث للسحرة ( وإن من البيان لسحرا ) و الذي تتجلى فيه الإعادة لصياغة أسس السحر وقواعده بصورة علمية تظهر أن ذلك السحر هو كغيره من النشاطات البشرية المعقّدة الأخرى، له بُنية و قابل للتعلّم إذا توفرت مصادره

ثم نعود فنقول إن الجواب على العنوان يكون من جهة و حسب المرحلة التي تم الوصول إليها فاليوم لا داعي لأن تأخذ كمبيوترك لأحد ليبرمجه لك فما عليك وبشيء من المعرفة إلا أن تضع فيه قرص يحتوي على البرامج المطلوبة وبكبسة زر ثم ومع التالي (next) ثم التالي وهكذا إلى أن يتم التنصيب ولن يعارضك الكمبيوتر على الأغلب فقد هيئ في الهاردوير (Hardware) الخاص به وفي السوفتوير (Software) الخاص في نظام تشغيله أصلا لذلك (وللعلم فقط  وعلى ما يقال فإن أسرار صناعة المعالج وهو من الهاردوير هي في يد شركة واحدة في الأساس ثم انتقلت إلى واحدة أو اثنتين على الأكثر من باب أن يساعداها في تغطية الطلبات أو لاحتمال أنه فرض عليها ذلك قسرا من الحكومة الأمريكية من باب كسر الاحتكار بالإضافة  إلى أن أسرار السوفتوير الخاصة بنظم التشغيل مثلا لا يعلم منها إلا أمورا وطبقات سطحية يسلط فقط عليها الضوء بعيدا عن الأساسية والجوهرية وما ندري لماذا..؟؟!!!)

وكذلك العقل البشري إن وصل إلى مثل تلك الحالة فأصبح جهازا مهيئا باستسلام  لأن يبرمج  فما أسهل أن ينوم مغناطيسيا رغم أنه مفتوح العينين بل وما أكثر المعلومات الساحرة الباطلة وما أغزرها لأن تبرمج فيه والتي لا تقف فقط عند معلومات البرمجة اللغوية العصبية التي تدرس من خلال الدورات وغيرها بل إنها تتعداها كبرمجة حياتية و بانسلال إلى كثير من علوم هذا الزمان وسواء في ذلك  كثير مما يقال عنها دينية أو دنيوية وما أكثر النسخ المزودة لغيرها فهي لم تعد أكثر من ذواكر كمبيوترية قد نسخ فيها الكثير من المعلومات بدون تحقيق أو تمحيص عقلي حقيقي وإن كان لها ذلك السحر بسعتها أو سرعة إعطائها للمعلومات أو شكلها فالأمر واحد جوهرا ويبقى الاختلاف شكلا  كسيدي أو ديفيدي أو فلاش أو هارد خارجي …

وللتوضيح فان الكمبيوتر ورغم تقنياته الهائلة التي لا تنكر فانه يبقى آلة أو جهاز غبي لن يخرج عما وضع فيه من البرمجة (ولو فرضنا جدلا كما يقول البعض أنه هناك احتمال أن يخرج عن إرادة الإنسان وينقلب عليه….؟؟؟!!! فذلك لن يكون إلا إذا برمج على ذلك )

وبينما قد يخذلك الكمبيوتر أحيانا لامتلاء سعته أو عدم توافقه مع أحد البرامج وصولا إلى قلة سرعته وربما إلى توقفه تنذهل أمام عقول سيطر عليها السحر العلمي الديني والدنيوي فتشربت حتى انصبغت منسوخة ومستنسخة بتلك المعلومات وبمنتهى اليسر والتوافق وبسعات لا تنتهي وبسرعات تتعالى

وعلى هذا وما سبق من الأمثلة في المقال السابق :

يتبين لنا مع القرآن الكريم و بالتوسع ( ودون معارضة المعنى التقليدي ) مع معنى السحر وتبيان أنه قابل للتعليم بصورة علمية (…وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ…) سورة البقرة (102) شيئا جديدا يذكرنا بعجائب القرآن وإعجازه وكشوفه التي لا تنقطع مع تغير و تطور الزمان والمكان والتي ينكرها الشياطين وخدامهم السحرة  خوفا من تعريتها لهم فإذا بها تقلب كيد السحر على الساحر (…. وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (سورة الأنفال-30)

إنك لتنذهل بعدوى تلك التهيئة وانتقالها بالتقليد و الإتباع الأعمى ثم لتعجب كيف تكون بهذه السهولة و الوسعة ؟

إن تقسيم الناس إلى عوام وخواص و خواص الخواص يكاد يكون واحدا عند الجميع حتى عند شياطين الجن والإنس و إن  اختلفت المسميات عندهم (وباعتقادهم وعلى حد زعمهم ) إلى طبقة العبيد أو القطيع والتي تشكل النسبة الأكبر و تكون سهلة الانخداع بالمظاهر المغرية عاجزة عن رؤية حقائق سلاسل وقضبان السجن الغير مادية ثم هذه الطبقة محتاجة في طبيعتها إلى الانقياد من طبقة متعلمة توجهها وتقودها وهي ما يسمى بالسادة المحترمين وهذا التعبير أكثر وقارا من الحمقى المفيدين الذي استخدمه لينين والتي تظن نفسها كالسمكة الملكة تقود رعاياها كيفما تريد وإذا بذلك صحيح ولكن فقط في مجال الحوض الذي تسبح فيه والذي هناك أيدي خفية تحمله كله ثم تسيره وتحركه كيف تشاء وهاتين الطبقتين وبالذات الأخيرة هي التي تدخل من خلال برمجة عقلية سواء عن وعي أو لاوعي  تحت سيطرة طبقة الشياطين أو الفلاسفة أو الرجال الخارقين أو الآلهة..ومن هنا تبدأ تتضح لنا إستراتيجية السيطرة الهرمية الشيطانية بدئا على العقول النوابغة ومن خلال برمجتها وصولا إلى بقية الناس وما ذلك إلا بإذن الله ولحكمته (وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (سورة الأنعام_129)

ومن زاوية أخرى ولتتضح الصورة نرى أن هذه التهيئة لم تتم للجهة المسيطرة إلا لكون الجهة المسيطر عليها قد استسلمت لذلك واستدرجت وبأساليب مختلفة والتي تبدأ أحيانا بوسوسة من شياطين الجن والأنس وبتوافق برمجي من طريق اليمين والخير كبداية استدراجية  لينحرف بعدها إلى طريق الشمال والشر بعد أن تحكم القيود على العقول وسواء أدركت ذلك أم لا  فقد باعت نفسها وعقلها طلبا لتحقيق شهواتها (…وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (سورة البقرة-102) )وقد كانت الجهة المسيطرة تعرف كيف تصل إلى ذلك من خلال العلم  السحري الشيطاني الذي ينتشر إلى الأفراد بالعدوى النفسية المبرمجة لأن تسكرهم و تحولهم عبيدا وبالتنويم المغناطيسي تدخلهم في جهنم (الأنا) الشيطانية وفي ظنهم أنها الفردوس والتي ماحرموها إلا لابتعادهم عن جنة (نحن )الملائكية (..وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ..) وصولا إلى السيطرة وخاصة الإعلامية الاستدراجية البرمجية العظيمة للعقول وللأجساد (. فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (سورة الأعراف-116) تلك البرمجة التي تبرمج الحياة للشعوب فتنفث في العقد الارتباطية مدخلة الفتن سلا في نظم الحياة المختلفة حتى تصبح قابلة للانهيار الموضوع أصلا وبتسلسل الدومينو ضمن نظامها فلا تحتاج بعد ذلك إلا لمن يوقظها و يؤجج نارها بعد أن برمجها وجعل الانهيار بالفتن ضمن نظامها وقادها بتعليم السحر لخدامه حتى قادوا العوام أو العبيد بسلاسل الجهل والعلم الناقص السحري ذو المنظور الفردي الأعوري الدجالي بعين واحدة, يقول الشاعر :   ومن لم يحط علما بمعنى وصورة     له فبصير العين أعمى البصيرة

           فزرع ولكن لم يفد حصد حبه      و مخض ولكن لم يفد مخض زبدة

وبذلك تقاد العقول بسحر و استرهاب ومنفعة فردية ما أنزل الله بها من سلطان على أحد وإنما هي فتنة بكليتها وأصلها من اختراع الشياطين ومعرفتهم بأبواب التغرير العامة والخاصة بكل شخص فيدخلون عليه منها وصولا إلى( وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (سورة سبأ-20 ) وعلى مبدأ فرق تسد يفرقون بين المرء وزوجه وبين كل فردين أو مجموعتين ارتبطا كزوجين في عمل يكمل أحدهما الأخر ثم ما ينطبق على كل ارتباطات المجتمع اللازمة التي من خلالها تتأمن حاجات ومتطلبات حياة أفراده

وعوضا عن المحافظة على التوازن الحكيم المادي والمعنوي في بناء الأسرة وبالتالي المجتمع تتبع الاستراتيجية الفرعونية الشيطانية في إخلال هذا التوازن (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (سورة البقرة _49) و معنى ( يذبحون أبنائكم ) ستراه في هذا الزمان بالخاصة يتعدى المعنى المادي إلى المعنوي وكذلك ( يستحيون نسائكم ) يتعدى إلى أن يكون ليس فقط للإبقاء من أجل الخدمة المادية بل إلى المعنوية… وحدث ولا حرج

ثم  إن ذلك لن يكون فعالا إلا بالحصر الاقتصادي  حتى العصر والسحق  باستدراج ينسل نسلا مبتدئا  (وحسب قولهم الذي يشير إلى المسيطر الفعلي : بيدنا الاقتصاد وضع من شئت بالحكومات ) وصولا ومع إضعاف المناعة الداخلية والروابط الحقيقية الاجتماعية إلى التقاتل والحروب المادية والمعنوية ولتبدأ سلسلة الدومينو من انهيار البورصة العالمية وضياع أموال كثيرة للشعوب وللحكومات….؟؟؟!!! إلى انهيار الاقتصاد العالمي ليجهز على ما تبقى من الروابط الأممية والاجتماعية والأسرية….  ثم لينكشف في النهاية الأمر وما كان سرابا من البداية ولكن بعد فوات الأوان وإفناء الأخ لأخاه فلا يعود هناك بد من المتابعة إلى الاستسلام والعبودية الكاملة وليتضح الأمر أن السير كان على نهج يأجوج ومأجوج من قبل أن تفتح عيانا عندها يقولون (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (96) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (97) إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آَلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (99) سورة الأنبياء

ثم ليتبين أنه قد كذب المنجمون ولو صدقوا( طبعا بالإضافة لمعنى أول أن يكون ذلك بالمصادفة ..  ثم بمعنى ثاني أنهم قد يقولون بالصدق الذي قد عرف ومن قبل شياطينهم أنه قد حدث معك أو مع غيرك في الماضي و يبدؤون به بالخاصة حتى تستسلم لسيطرتهم باطمئنان فتنوم مغناطيسيا ليتابعون بالكذب وصولا إلى إدعاء معرفة الغيب والمستقبل ) إلى معنى ثالث أن كثيرا مما صدقت توقعاتهم به لم يكن تنجيما بقدر ما كان تنظيما مبرمجا ومخطط له

ومن دراسة وردت على موقع عالم الاقتصاد والسياسي الأمريكي لاروش بعنوان : من عمليات الحرب النفسية إلى الحرب الذهنية : سيكولوجية النصر نذكر منها باختصار:وهي لفاليلي (Paul E. Vallely) الذي كان يحمل رتبة كولونيل وقائد المجموعة السابعة لعمليات الحرب النفسية في جيش الاحتياط الأمريكي يجب أن تبدأ الحرب الذهنية الاستراتيجية حالما تعتبر الحرب أمرا واقعا لا محالةويجب أن تقوم بإثارة انتباه الأمة المعادية بكل وسيلة متوفرة، كما يجب أن تضرب جنود تلك الأمة المحتملين حتى قبل أن يلبسوا بزاتهم العسكرية. ففي بيوتهم ومجتمعاتهم يكون هؤلاء الجنود أكثر عرضة للحرب الذهنية.”

ويضيف فاليلي وشريكه في تأليف الدراسة _ (مما يثير الاهتمام هو أن شريك فاليلي في كتابة الدراسة كان “قائد فريق البحث والتحليل” لعمليات الحرب النفسية الرائد مايكل أكينو Maj. Michael Aquino. قبل خمسة أعوام من توزيع هذه الدراسة، كان ضابط الاحتياط في القوات الخاصة أكينو قد أسسمعبد سيت” نسبة إلى الإله الفرعوني سيت – Temple of Set، الذي كان عبارة عن منظمة لعبادة الشيطان ) _ فيقولا : “من أجل هذا الهدف يجب أن تكون الحرب الذهنية ذات صبغة استراتيجية تلعب فيها التطبيقات التكتيكية دورا تعزيزيا وإضافيا. في سياقها الاستراتيجي يجب أن تستهدف الحرب الذهنية الأصدقاء والأعداء والمحايدين على حد سواء في كل أنحاء العالم ليس بواسطة المنشورات البدائية ومكبرات الصوت المستعملة في ساحة المعركة لأغراض الحرب النفسية ولا الجهود الضيقة والضعيفة لأدوات الحرب النفسية الألكترونية – بل عبر وسائل الإعلام التي تمتلكها الولايات المتحدة والتي لها القدرة على الوصول إلى كل الشعوب في أي مكان على وجه الأرض. وسائل الإعلام هذه هي طبعا وسائل الإعلام الالكترونية مثل التلفزة والراديو. إن آخر التطورات في مجال الاتصالات القمرصناعية وتقنيات تسجيلات الفيديو ووسائل الإرسال الإذاعي عبر الليزر والحزم البصرية سيجعل من الممكن اختراق أذهان العالم بطريقة لم تكن حتى قابلة للتصور قبل بضعة أعوام فقط………حتى تكون الحرب الذهنية فعالة فعليها أن تستهدف جميع المشاركين. فليس عليها أن تضعف العدو فحسب، بل عليها أن تقوي الولايات المتحدة أيضا. فهي تقوي الولايات المتحدة عن طريق حرمان دعاية العدو من الوصول إلى شعبنا، وأيضا بإفهام شعبنا والتشديد عليه حول الأسباب العقلانية لمصلحتنا الوطنية في شن حرب ما  .” ( انتهى الاقتباس من الدراسة )

ومن ثم نعود ثانية إلى تكملة الجواب على العنوان من جهة أخرى وهو أن العقل إن كسر التهيئة لا بل دكها ولم يكن كمبيوترا و رجع حقا لا وهما ( ولذلك بحثه في مقال قادم …) إلى فطرته السليمة سائرا على نهج وهدى الأنبياء (..وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ..) تلك الفطرة التي يستهدي بها الإنسان أن ينظر بحق من البداية  فيتقي الدخول في متاهات مظلمة تصل به إلى الإفساد وسفك الدماء ولا يستفيق منها إلا بعد فوات الأوان (ليقول يا ليتني قدمت لحياتي ومن البداية و لم أضعف أمام شهواتي التي اضطرتني أن أتبع وبتقليد أعمى ظني مستسلما لمن يحقق لها ما تريد) (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ…( 102) البقرة ) وليصبح هذا العقل متجردا ومتحررا من قيوده وبرمجته بالخاصة ويستعيذ بربه الحق مستمدا منه قوة تقويه وتنير له ولغيره الطريق لتبرمجه وغيره برمجة حقة لا باطلة وعلى نهج الكتاب الذي وضع لذلك بالحق أن يوصله إلى طريق السعادة و ليعود بدئا إلى جنته الأولى والرؤية بالأفق الأعلى  ,

 يقول الشاعر : إذا جهل الإنسان تحقيق أمره       فكيف بتحقيق الأمور الغريبة

           فيا عجبا للمرء يجهل نفسه       ويطمع في فهم المعاني البعيدة

    وما موقظ من رقدة الجهل عقله       لتحصيله تكميلها مثل ميت

ثم وبالقياس الممزوج بالأنس والشوق ينطلق و يعبر منها إلى التصديق بالجنة الآخرة وليصبح هذا العقل بالإيمان التصديقي الفكري و الأنسي بالله واليوم الآخر وبنور التقوى الذي ينور له الظلمات الساحرة لطريق الحياة من أعتى الجيوش على اتقاء وصد هذه السيطرة ولو كان بدون عدة وعتاد مادي وهذا ما يخشاه شياطين الجن والإنس  (وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (سورة البقرة _103)

وأخيرا : لقد أسمعت لو ناديت حيا      ولكن ………… ….؟؟؟!!!

و أقله :  ألا هل بلغت ثم السلام

بقلم : دمشقي معبراني  ( د محمود الشيشكلي ..)

سنة مع “القرآن من اجل النهضة”…

riseup1سنة مع “القرآن من أجل النهضة”..

في مثل هذه الايام من السنة الماضية ، أنطلق موقعنا ، موقع “القرآن من أجل النهضة”..

بدأ الامر بهدية  كريمة من قارئ كريم  هو الدكتور سيف  السويدي (أبو يوسف)..و كانت الفكرة أن يكون الموقع أرشيفا يضم ما نشر من مقالات  و تعريف عام بالكتب و الأفكار الرئيسية..

لكن تفاعل القراء مع الموقع  كان له أكبر الأثر في إثراء الموقع و تحويله الى محطة مهمة لهم و لأفكارهم ..و هي محطة نأمل أن يكون لها أثر في نهضة نؤمن بأنها حتمية ..و نؤمن أنها طوق النجاة الوحيد ..فأما هي أو الدمار..

نشر في الموقع 123 مقالا منذ انطلاقته حتى اليوم ..45 مقالا منها كان ضمن مقالات صديقة ، بعض هذه المقالات كتبتها أقلام محترفة لها باع في الكتابة و النشر ( مثل د.أسامة القاضي  ، د.ديمة طهبوب ، ريما الحكيم ، سهير أومري ، د.عبد الرحمن ذاكر الهاشمي ) و بعضها كانت لأقام واعدة نتشرف أن الموقع ربما كان انطلاقتها الاولى (د.أحمد قطشة ، براء أصفري ، رشدي شربجي، د. محمود الشيشكلي)…

ندرك جيدا أن مقياس التأثير لا يقاس بعدد القراء و لا بعدد التعليقات..لكن الموقع انتقل بمعدل قرائه من مادون المائة في الاسابيع الاولى الى ما لا يقل عن 3000 قراءة لكل مقال جديد في الاسابيع الاخيرة..

كما أن عدد الاعضاء المسجلين في الموقع ( الذين يحصلون على تنبيه بنشر مقال جديد) قد تجاوز المائتين..

أكثر المقالات قراءة : عن غوانتانامو في ليلة الهالويين..( 6251) قراءة

أكثر المقالات تعليقا : من يخاف من داليا مجاهد ؟…

أكثر الدول التي يتم الدخول الى الموقع منها : سوريا ، السعودية ، الامارات ، الجزائر

نشكر الجميع على تفاعلهم مع الموقع  و حرصهم عليه سواء تركوا تعليقا أم لم يفعلوا..

فالارض تختزن البذور  لفترة طويلة أحيانا ، ..

ثم تفاجئ الجميع بنبتة تتحدى اليأس..

 

إدارة الموقع

 

عقدة النقص ..أم عقلية النقص ؟ بقلم محمد رشدي شربجي

عقدة النقص ..أم عقلية النقص ؟ sheep_herd1بقلم محمد رشدي شربجي

 

يكثر على ألسنة المتحدثين مصطلح (عقدة النقص تجاه الغرب) في تعبير عن مدى انمساخ شخصية المسلم تجاه ما يرده من الغرب ,  و عن مدى تقبله لنماذج جاهزة من الغرب دون أدنى اعتبار أو إدراك لظروف و ملابسات هذه التجربة أو تلك و التي من الممكن أن تنجح في مكان و تفشل في آخر ….

 

و هكذا كثر استخدام هذا المصطلح حتى باتت كلمة ( عقدة النقص ) لوحدها دون أن نلحقها ( تجاه الغرب ) تثير عند القارئ تلك الأفكار المذكورة أعلاه , و أظن أن بعضا من قراء هذه السطور قد ظن أنني سأعيد  (الخطاب)  نفسه بمجرد أن قرء العنوان ……

من المفارقات الغريبة العجيبة أن معظم من يتكلم عن ( عقدة النقص ) , فإنه بجلسة أخرى ( أو الجلسة ذاتها ) تراه يتفاخر بسيارته الألمانية , و بحاسبه الأمريكي  , و برخام منزله الإيطالي , إلى آخره , إلى آخره دون  أن يشعره ذلك بأدنى ( نقص ) !!!

و إنما هي عقدة النقص تظهر برأسها الجميل بمجرد أن نتكلم عن حقوق الإنسان أو الديمقراطية أو غيرها …..

 

 و الحق يقال أننا نعاني من ما  يسمى ( عقدة النقص ) _ بغض النظر تجاه من _حتى بتنا نأخذ الأفكار دون أدنى إعمال لعقلنا في جدواها!!

بكل الأحوال أرى في كلامهم شيئا صحيحا عن ضرورة إنتاج نماذج اجتماعية تحكمنا من ثقافتنا و بيئتنا و ديننا , فما هو ناجح في الغرب قد يفشل في بيئتنا لاختلاف الظروف و الملابسات …….

 

و لكني ما زلت أظن أن عقدة النقص تجاه الغرب ما هي إلا عرض لمرض عضال _ نأمل أن لا يكون كذلك _ و كل ما قيل عن ضرورة بناء ثقافة لا يعدو عن معالجة تلطيفية تبتعد كل البعد عن المرض الأصلي…

فالشباب المسلم من نشأته يغرس في دماغه أن كل ما سبقه من العلماء و المؤمنين من القرون العشرة الأوائل ! هم أفضل منه حكما, و أنه مهما بلغ من العلم و التقى و الورع فإنه لن يصل و لا لحذاء أحدهم,  حتى لقد سمعتها عشرات المرات في المسجد أن قراءة الكتب المتقدمين خير من المتأخرين  لأن العلم كان أكثر و الإخلاص كان أكثر …

 

و هذا قول مجانب للحقيقة فما يتوفر حاليا في يدنا من علم و دراسات و أدوات للبحث لم يكن الرعيل الأول ليحلم بمعشارها على الأكثر ! و أما بالنسبة للإخلاص فالخير باق في أمة محمد عليه الصلاة و السلام إلى يوم القيامة ….

فلن يكون شيئا عجيبا أن يأتي الجيل الجديد بمستوى أقل من الذي قبله طالما تمت أسطرة الجيل القديم فيغدو الاقتراب من هذا الجيل حلما صعب المنال ….

 

يدخل الشاب المسلم ( أو الشابة طبعا ) إلى المسجد ليقال له أنك يجب أن تتبع أحد المذاهب الأربعة ! فيسأل الشاب بكل براءة : أو هل قال رسول الله هذا ؟ و كيف كانت تعيش الناس قبل هذه المذاهب ؟ ليأتيه جواب أكثر براءة : لقد أجمعت الأمة على ذلك …

مع أن الإمام الشافعي قال أن رأيه قد يحتمل الخطأ لكن الأمة أجمعت خلاف الشافعي  فحملت الناس على اتباع مذهبه !! فإن أخطأ الشافعي أخطأت الأمة من بعده إلى يوم القيامة ….

 

ببساطة هي عقدة النقص تجاه كل من هو قديم تتجلى في أوضح صورها ..

 

لقد مرت الأمة بحالات هي أسوأ مما عليه الآن , كحالتها أيام الصليبين مثلا , و لكن على الرغم من ذلك يبقى علماء تلك الفترة حجة على من بعدهم !

منذ فترة قال جمال البنا : أن التقبيل بين الشاب و الفتاة من صغائر الذنوب , فانهالت عليه الناس تكفيرا و تجهيلا و انتقادا _ و أنا كنت منهم _ حتى أنني قرأت مرة مقالا عنوانه يحمل من التناقضات الشيء العجيب كان العنوان يقول

( جمال البنا يبيح التقبيل بين الشاب و الفتاة و يقول أنها من الصغائر !!!!) ….

و لكن من الغريب العجيب أنني عندما كنت جالسا مع صديقي نتناقش عن هذه الفتوى و أتينا ب ( تفسير الجلالين ) فوجدنا أن علماء القرون الأوائل قالوا مثلما قال البنا !! أي أن التقبيل من الصغائر حقا !! فخرس الحاضرون و خسرت أنا معهم .. و بلحمة بصر انقلب كلامنا إلى تأييد مع تأكيدنا أن كلامه ليس في محله ( حفظا لماء الوجه ) …

 

 

لقد جربتها عشرات المرات, عندما يحتد النقاش و يجد المرء أن النقاش وصل إلى طريق مسدود فأقول للشخص الواقف مقابلي , و لكن ابن تيمية يقول غير ذلك !! فيغير رأيه بسرعة و يقول : إذن لا أعرف … 

مع أنني لا أعرف إن كان ابن تيمية  أو الشافعي أو أي أحد قال ذلك الكلام أم لا ! و لكنك بمجرد أن تقنع الشاب المسلم ( برأيك ) فذلك أمر محال , أما أن تقول له أن شخصا مات من 700 عاما قال هذا الكلام , ففي الأمر وجهة نظر ! 

فأبو بكر و عمر و عثمان و علي و الصحابة جميعا ,و كل من ثبتت له الصحبة و لو برؤية الرسول لمرة واحدة فقط , و البخاري و مسلم  و كل علمائنا الأوائل و الأواخر كلامهم حجة علينا ….!! دون نقاش أو أي احتمالية للخطأ مع أن الله لم يضمن العصمة لأحد إلا لرسوله المكرم عليه الصلاة و السلام ….!!

 

مسلمو الرعيل الأول و علماؤنا الأفاضل قدموا للإسلام تضحيات لا ينكرها إلا جاهل أو جاحد, و لكن أليست هذه التضحيات بشرية ؟و معرضة لما يتعرض له البشر العاديون من أخطاء ؟ و هل ألزموا الناس بها ؟ إذن لماذا نلزم نحن كشباب مسلم بآراء قد تخطأ أو تصيب ؟ ؟؟

ببساطة هي عقدة النقص تجاه كل من هو قديم تتجلى في أوضح صورها…

 

جيل المسلمين الأوائل لن يتكرر حتى ندرك أنهم بشر يخطؤون و يصيبون , و بإمكان أي مسلم في العالم أن يكون مثلهم إذا أراد و توافر لديه العلم و الأخلاص ….

عقدة النقص تجاه الغرب و عقدة النقص تجاه الأوائل هما عرضان لمرض يدعى ( عقلية النقص )  و هي عقلية كسولة تأخذ الأمور جاهزة بدون أدنى تفكير   …..

 

 

رسالة في قنينة …

dawoodimessageinabottle1رسالة في قنينة..

د. أحمد خيري العمري

أحلام الطفولة تموت بصعوبة..و ربما لا تموت قط ، قد تغير أشكالها ، تعدل من مضامينها..لكنها  بطريقة ما تبقى فاعلة في ركن ما خفي و عميق في اعماقنا..

عندما كنت صغيرا،  وكالكثير من أقراني، كنت مغرما بقراءة القصص والمغامرات البوليسية، وكان “المغامرون الخمسة” من أبطالي الأكيدين ( إلى جانب عمر بن الخطاب، ويا للعجب!)..

لا أدري إن كانت فكرة رسائل  طلب النجدة المرسلة في قناني والملقاة في البحر قد جاءت من المغامرين الخمسة أو من آرسين لوبين أو من فلم بوليسي، لكني أدري أني أبليت بلاءً حسنا في  ملء دجلة، بإلحاح الأطفال بقنانٍ مختلفة الأحجام، كتبت فيها رسائل عن “جزيرة الكنز” وخريطتها، وعن عصابة مزعومة تختطف الأطفال وتنوي السيطرة على العالم، بل كتبت أحيانا بلغة اخترعتها أنا بخيال الأطفال تجمع بين الكتابة الصورية وحروف وهمية..

كان دجلة يومذاك كريما، يرتفع منسوبه في الخريف والشتاء حتى يصل الماء إلى حافة المسناية في بيت جدي، ثم ينسحب في الربيع والصيف ويترك المجال لممر على شاطئ النهر يسمونه “الجرف”..(المسناية : اصلها في العربية المسناة ، و هي بمثابة سد يبنى  في البيوت المطلة على النهر لمنع مياه الفيضان ، و تصير مع الوقت جزءا من البيت يقضى فيها اهل البيت أوقاتهم).

مع الوقت، تغير كل شيء، مات جدي، وكبرت، وقلَّت زياراتي لبيت جدي، وتغير دجلة أيضا، فلم يعد يصل إلى الحافة، أتسع الجرف بالتدريج في كل الفصول، ربما بسبب سدود بنيت في دولة المنبع، وربما أيضا بسبب سوء خدمات “الكري” بعد الحصار، المهم أن دجلة، ومنذ أواسط الثمانينات، لم يعد يصل إلى “المسناية”، وحافة الجرف ازدادت عرضا… ورغم أني تركت عادة رمي الرسائل تلك، إلا أن ذلك لم يعد ممكنا حتى لو لم أتركها ..لأن دجلة  صار أبعد مع الوقت..

كنت أنظر إلى الجرف بحسرة، وآمل أن يأتي يوم ويعود فيه الشط إلى معانقة المسناية كمن يتمسك بحلم طفولي يدرك ضمنا استحالة تحقيقه…

و في أواخر التسعينات، جاءت الجرافات لتجهز نهائيا على ذلك الطفل الذي كان يتربص بدجلة والقنينة بيديه، لقد تم تبليط “الجرف”  بالإسفلت وصار شارعا رسميا يرمز لموت عالم قديم..

                         **************  

لكن يبدو أن عادات الطفولة  و أحلامها القديمة لا تموت بسهولة، بل تغير أشكالها وربما الكثير من مضامينها، لكن شيئا ما  منها – غامضا وسريا – يبقى كامنا في أعماقنا، حتى لو لم ندرك ذلك ( بل بالذات عندما لا ندرك ذلك..).

لم أتذكر أمر القناني  لسنين طويلة، بقى مخزونا في دهاليز ذاكرتي دون أن يحدث ما يظهره على السطح، حتى عندما كتبت في مقدمة كيمياء الصلاة، عن كيمياء الصلاة ..”..أني أعي تماما أن انتشار هذه الأفكار يتطلب دعما مؤسسيا وإعلاميا، وأنها لكي تنتشر يجب أن تأخذ أشكالا مختلفة ومنابر مختلفة، وليس عندي أية فكرة عن “الكيف” هنا لكني أؤمن تماما أن الله يسخر سننه بطريقة نجهلها أحيانا وأن كلاً ميسر لما خلق له. إن دوري هنا أن اكتب، وإن آخرين- ربما لا أعرفهم وربما يعيشون في قارات أخرى، ستكون لهم أدوار أخرى…

أضع نتاج الأشهر المضيئة تلك في قنينة زجاجية وأرمي بها في بحر الظلمات.. وكلي ثقة أنها ستعين بطريقة ما في الوصول إلى بر النور..”..

حتى عندما كتبت ذلك، لم أتذكر إطلاقا تلك القناني التي كنت أضع رسائلي فيها وأرميها في دجلة.. ولم يكن موضوع سفري واردا آنذاك، لم أدرك أني سأضع نفسي في قنينة و القي بها فيي بحر الظلمات بعدها بأشهر فقط..

لذلك كانت دهشتي كبيرة عندما وصلني فجأة و دون مقدمات واضحة رسالة تقول : “لقد وجدنا القنينة..”..

على الاقل لم يحدث ذلك معي في طفولتي !

في أسبوع واحد فقط، جاءني ذلك من ثلاثة مصادر متباعدة ولم ألتق بأصحابها قط، بل بالنسبة لاثنين منهم: لم أسمع بهم أصلا من قبل.. دون أن يكون ذلك استصغارا من شأنهم على الإطلاق..

 وصلتتني الرسالة الأولى من الجزائر، بلد المليون شهيد، حيث وصلتني رسالة مقتضبة وثرية، من الاخ و الاستاذ الدكتور محمد بابا عمي ،  تقول لي ما لم أتوقعه إطلاقا: “كيمياء الصلاة ” أدخلت كمنهج تعليمي، في مدرسة خاصة  للتطوير العلمي للناشئة في الجزائر الحبيبة..

هل كنت أعني ذلك أو أتخيله حتى عندما كتبت عن “دعم مؤسسي وإعلامي” ؟..لا ، ربما كنت أقصد شكلاً من أشكال التبني الإعلامي للمشروع،  أو ترويجا من طرف جهة إعلامية ما ( ولا أزال أقصد ذلك، ولا يزال الأمر مبكرا جدا..).. لكن هذه الرسالة، أفهمتني وبشكل لا لبس فيه، أن السنن الإلهية تسير بشكل حثيث وبطرق غامضة أحيانا وغير متوقعة على الإطلاق..” كيمياء الصلاة ” تدرس مع الرياضيات والفيزياء والكيمياء “الأخرى” العضوية وغير العضوية ؟..جدول للمواد والحصص يضم مادة كيمياء الصلاة..؟؟

 لم يخطر ذلك في بالي إطلاقا وأنا أخط الكيمياء، ولم يخطر في بالي وأنا أكتب خاتمة السلسلة، عن ما أسميته “حجر النهضة الذي لا بد أن يمر بكيمياء الصلاة“، لم أكن أدري أني ربما كنت  أكتب عن رؤوس أولئك الصغار التي ستنقش فيها معاني النهضة مرتبطة بالركن الثاني من اركان الدين :الصلاة.. ولم يخطر في بالي إطلاقا أن تتكفل السنن الإلهية بالقنينة بهذه السرعة وهذا الوضوح وعن طريق أشخاص لم أتشرف بلقائهم أو معرفتهم، لكني لا أشك أن هَمَّ النهضة يسري في عروقهم، وأنهم وجدوا في” كيمياء الصلاة” ما يمكن أن يقرب النظرية إلى التطبيق، فاستلموا القنينة وما فيها وتكفلوا بتحويلها إلى مادة دراسية صالحة للناشئة..

أقول: لم يخطر ذلك في بالي، ليس لقلة إيمان بالسنن، بل لأنها أحيانا تسير ببطء، ولا أهمية هنا في أن نراها وهي تنجز ما أراد الله أن تنجزه، بل المهم أن ننجز ما خُلقنا من أجله  بأن نكون جزءا من هذه السنن، مثل ترس أو مسمار صغير في عجلة صغيرة ضمن عجلة كبيرة  داخل دائرة انتاج متكاملة، الترس الصغير قد لا  يشرف على النتيجة النهائية، على المنتج- الهدف، دوره قد ينتهي في مرحلة مبكرة جدا.. لكن هذا لا يقلل من أهمية دوره وتأثيره المتراكم على النتيجة النهائية..

في هذه الحالة كنت مسمارا صغيرا ، لكن ، من الجزائر الحبيبة، جاء هذا المسمار  ما يفيده أن “القنينة” وصلت إلى مكانها الصحيح. ..

 

 

لكن ذلك لم يكن كل شيء.. ففي نفس الأسبوع، جاءني من بيروت- التي تخرج دوما من رمادها- جاءني ما يقول: لقد استلمنا القنينة..أيضا..

كان ذلك عبر رسالة من الاخت الفاضلة كاتيا بركات و هي آنسة بيروتية  تمسح  مع أخوة وأخوات لها صورة الميوعة والسطحية التي رسخت في أذهاننا عن الشباب والشابات اللبنانيات، وبدلا عن هذه الصورة: ترسم صورة مغايرة عن شابات وشباب ملتزمين بقضية وملتزمين بهدف وبنهضة يرونها لا بد أن تكون من القرآن وبالقرآن..تتأبط كاتيا جهازها المحمول و تقوم بعرض مشروعها الذي يلخص كيمياء الصلاة في “الباور بوينت” على شباب و شابات شكلت ذهنيتهم على تفاعلها مع الكلمة أكثر عندما  عندما تكون ممتزجة مع الصورة…

كاتيا و أخواتها و اخوانها  مجموعة شباب طالع  يعملون في الإعلام  “عكس التيار”، ربما ليس في الإعلام “الرئيسي” المسيطر بكل ما فيه ، لكن هل يمكن أن   نتصور أصلا أن الإعلام “الحالي” يمكن أن يروج لنهضة “قرآنية” مغايرة لكل ما هو سائد، إذا كانت كوادره قد نشأت على فكر آخر ليس مناهض للنهضة فحسب بل لا يؤمن إلا بمعيار مستورد من الإعلام الغربي حيث كل شيء يخضع لصناعة التسلية والترفيه..

أستميح هؤلاء الشباب والشابات عذراً في كشف سرهم، أنهم يسربون “كيمياء النهضة” إلى معادلات أخرى في مجالات أخرى في الإعلام الالكتروني والمرئي، مجالات قد لا نَعُدُّها مهمة كثيرا ولكنها تملك تأثيرا لا يمكن إنكاره على وعي جيل جديد لا مفر من التحدث إليه بلغته..

دربهم طويل وشاق  بالتأكيد، لكن كذلك هي الدروب الموصلة إلى كل ما يستحق العناء في هذه الحياة، وهم أيضا سيضعون “رسالتهم” في قنينة ويلقونها في البحر، وهناك ستتكفل السنن الإلهية بأشخاص آخرين يؤدون دورهم في هذه السنن ويجدون القنينة ويحملونها إلى أفق آخر..

و طور بعد آخر، تخرج القنينة من بحر إلى آخر، كما طائرالاسطورة  يخرج من رمـــاده ( كما بيروت  تتحدى موتها )، تخرج القنينة وتتحد بقنانٍ أخرى، ألقاها آخرون ووجدها آخرون، ورعاها آخرون، ويتراكم ذلك كله، ليكون جزءا مما نؤمن بلا شك أنه قادم لا محالة، لأنه أصلا السبب في وجودنا هنا على هذا الكوكب..

تلك الأخت الفاضلة التي أرسلت لي تخبرني، قالت لي بالحرف “أردت أن أخبرك أن هناك من استلم القنينة..”.

و عندها فقط، طاف  على سطح ذاكرتي كل ذلك..

*******************

لكن ذلك لم يكن كل شيء..

و بدلا من رسالة إلكترونية جاءني هذه المرة صوت صديق غال معبأ بلطف شامي معتق منذ عصور، هو الصديق العزيز معاذ حبش الذي  لم يكن لديه رقمي لكنه تكبد عناء البحث عنه والاتصال بي عبر القارات فقط ليخبرني، بطريقة ما، عن استلام القنينة في معهد ديني عالٍ ومعروف لعله واحداً من أهم معهدين دينيين في عاصمة الأمويين، فقد شرفني هذا المعهد  باختيار “كيمياء الصلاة” لتكون مادة تدرس ضمن مواده في الصف المنتهي..

هذا المرة، التسريب يتسلل لأهم وسيلة إعلامية، ولأعرق وسيلة إعلامية، ولأكثر وسيلة إعلامية تعرضت للإهمال والتشويه: إلى المنبر.. فهذا المعهد يخرج شبابا سيعتلون المنابر يوما ما، ومن المنبر يمكن لهم أن ينقلوا أفكارا إلى كل الجماهير التي لا تزال تنظر باحترام إلى المنبر بأعتباراحترامها واتباعها لأول من اعتلاه –عليه الصلاة والسلام..

لا شك أن المنبر يعاني من مشاكل، بعضها بسبب أسلوب من اعتلاه، وبعضها بسبب مضمون أفكارهم، وبعضها بسبب هجوم البعض من أدعياء التجديد على الإسلام بحجة التجديد وبحجة الهجوم على المشايخ..

 لكن ذلك كله يجب ألا يبعد أنظارنا وأفهامنا عن حقيقة لن تتغير: أن المنبر باق، وأن خلافنا مع  بعض الطروحات التي تطرح من قبل “المؤسسة الدينية” على هذا المنبر لا يجب أن يكون أكبر من حرصنا على التجديد المنضبط بالثوابت التي تستطيع المؤسسة دعمه وشرعنته أكثر من أي طرف آخر ، وبالتأكيد أكثر من مؤسسات مشبوهة هنا أو هناك..

علينا أن نواجه “سنة إلهية” في التجديد نراها في تجارب الأمم الأخرى.. وهي أن كل المصلحين الدينيين الذين أحدثوا أثرا تنويريا وتثويريا في أممهم انتموا مبدئيا  – شئنا أم أبينا- إلى المؤسسة الدينية حتى لو  انشقوا عنها لاحقا.. ( ولم يكن أي واحد منهم طبيب أسنان مثلا..!!)، أقول ذلك ولا أضمر غير الصدق الذي تفرضه المسؤولية، ولعل شيئا في أعماقي يتمنى أن يكون الواقع غير ما قلته  للتو، لكن فلنتذكر: التجديد و النهضة و الاصلاح ليست أوسمة نضعها على صدورنا و لا ألقابا تسبق اسماءنا و لا جوائز أو حفلات تكريم : إنها مسئولية علينا أن نتحملها و نتحمل اعباءها دون أن ننتظر من يصفق لنا في نهاية السباق..

فلتأخذ القناني التي نرميها أيادٍ لم تعرفنا قط، لا بأس إن سقطت أسماؤنا سهوا أو عمدا، ولا بأس أيضا إن لم تسقط، كل ذلك لا يهم أمام ما يهم حقا.. أمام ما يستحق أن نغضب و نثور ونبدع ونحب ونكره ونموت ونحيا من أجله..

 أمام ما خلقنا من أجله..

ثلاث رسائل في أسبوع واحد من ثلاثة أشخاص مختلفين، وكل منهم كان يمكن أن لا يخبرني، ولن يضيره شيئا –و لن يضيرني و لن يضير ما يفعلون..

 لكن سبحان الله، رحمته بنا أوسع.. يرسل لنا الرسائل بين الحين والآخر ، وتقول لنا  بعضها: إن الدرب طويل وشاق .. ولكن الاتجاه صحيح.. فلتستمر..

أدرك طبعا أن “المرجفين في المدينة” سيتصيدون كل ما قلته وسيفسرون ويحللون كما يريدون من منطلقات مختلفة، سيقولون شيئا عن الغرور والعجب والتيه والفخر والأولين والآخرين..

أدرك ذلك  كله وأدرك أيضا بعضا من دوافعهم  فيما سيقولون ( وأتفهمها أيضا !).. لكنني أدرك أيضا أنه كلما كانت رسالتك التي تضعها في القنينة مهمة فإنه سيقل اكتراثك لما يقولون، الأمر في النهاية أن كلا منا يقوم بدوره، سيكون دوما هناك من يحاول أن يضع  حياته كرسالة في قنينة ويلقيها في الاتجاه الصحيح ، وهناك أيضا من سيحاول أن يحبط ذلك ويكسر المجاذيف، بل سيكون هناك من يحاول أن يحطم القناني ويفرش الدرب بزجاجها المطحون، إنها طبيعة الأشياء فحسب.. وكل منا يختار دوره في ذلك..

تستطيع أن تكون حياتك ملحمة وتضعها في قنينة، وتستطيع أيضا أن تكون رسالة في البريد المهملJunk mail ..، تحذف تلقائيا بعد مرور مدة معينة من الوقت..

فلينظر كل منا خياره..

 

( ملاحظة لا علاقة لها بما سبق لكني قد أجن إن لم أكتبها..

هاتف العيد، بعد منتصف الليل في بغداد، و سؤال عن كل شيء بصيغة “الشكو ماكو” العراقية.. وجواب لا ينسى الحمد لله على كل حال..

قال بعد صمت قصير: تفتح ورد الداوودي هذا الأسبوع..

و سكت. وسكتُّ أنا، طغت على الصوت رائحة ذلك الورد البغدادي الأصيل الذي يتفتح دوما في الأسبوع الأخير من تشرين..

خبر صغير كهذا كان كفيلا بتفجير أشواق مكبوتة تحت شعار الصبر والتجمل الاجتماعي ..آه يا ورد الداوودي ،…،أه يا بيتي الذي أتهرب من الاعتراف لنفسي بمقدار شوقي له.. آه يا بغداد التي أضحيت غريبا من  بعد “عينها”..

 في لحظة كهذه :أضع نفسي في قنينة يا بغداد، وألقي بها في بحر الظلمات ، و آمل أن أنتهي قطرة تسقى ورد الداوودي..في حديقة بيتي، في بغداد… )

 

 

 

 

 

 

الإسلام المهنة، والنفع، ومآذن سويسرا.. بقلم : د. أحمد قطشة

crepuscular-rays1الإسلام المهنة، والنفع، ومآذن سويسرا..

د.أحمد قطشة

 

 

منذ مقالي الأخير عن مفهوم الخيرية والأفضلية في قوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) كنت أفكر في محاولة تأصيلية أكثر لهذا المفهوم ، أن الأمة الأفضل هي الأمة التي تقدم أكثر النفع لغيرها من الأمم.

 

ولعلي توقفت عند الكثير من الآيات التي قارب فهمي لها لهذا المعنى، لكن آية سورة الرعد بقيت هي القادرة على تثبيت هذا المعنى بشكل أعمق، كيف لا وهي تقرر أن ما ينفع الناس يمكث في الأرض، ما ينفع الناس، كل الناس، وليس فئة محصورة منهم. (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ) [الرعد : 17]

 

لكن ما أعادني للواقع، هو ماحصل في الإسبوع الماضي في سويسرا، بنتيجة التصويت الذي دعا إليه أحد أحزاب اليمين، ونال موافقة  الأغلبية، بحظر بناء المآذن في سويسرا.

 

وبطبيعة الحال إختلفت ردود الأفعال في العالم العربي والإسلامي من عدم اللامبالاة إلى الغضب، ومن دعوات التصحيح لدعوات المقاطعة وسحب الأموال والودائع من البنوك السويسرية، دون أن يظهر أي أثر حقيقي على الأرض لهذه الدعوات، بل والغريب في الأمر، حتى علماء العالم الإسلامي ومثقفوه، لم يحاولوا التواصل مع السويسريين، ومخاطبتهم ومحاولة إصلاح ما يمكن إصلاحه.

 

وبطبيعة الحال كذلك، تعددت التفسيرات محاولةً الإجابة لماذا حدث ذلك، فبعضها عزاه لتصاعد اليمين المتطرف، وبعضها عزاه للإسلام فوبيا، وبعضها عزاه للحركات الإسلامية الجهادية والتكفيرية، وبعضها عزاه لسلوك المسلمين في الغرب، وبعضها عزاه للأزمة الإقتصادية التي تعصف بكثير من دول العالم، وبطبيعة الحال يمكن القول أن شيئاً من كل هذا هو السبب.

 

غير أنه وفي رأيي كل هذه الأسباب، وحتى الإقتصادية منها، فكل هذه الأسباب هي عوارض للمشكلة الحقيقية، وليست سبباً، بل هي نتائج لهذه المشكلة.

 

ومكمن المشكلة برأيي هو التراجع التاريخي الحضاري للمسلمين منذ أكثر من 800 عام حتى يومنا الحاضر، وبروز هذا التراجع منذ عصر الثورة الصناعية وما تلاه من ثورة تكنولوجية وثورة في المعلومات، ولا أعتقد أنني بحاجة لشواهد وبراهين على هذا التراجع.

 

وإذا نظرنا لخارطة العلماء والمفكرين الكبار في القرن المنصرم، وفي هذا العقد، وأعني بهم من قدموا نظريات غيرت في فهم البشرية للكون وأبعاده، غيرت تصرفات البشر وسلوكياتهم، غيرت أنماط تفكيرهم وحياتهم، فلا نجد على هذه الخارطة علماء مسلمين، ولو بنسبة أقل من واحد على ألف بالمئة.

 

فإنظروا في عدد المفكرين العرب والمسلمين الذين قدموا نظريات إجتماعية عالمية، في الحقوق أو في التاريخ أو في السياسة أو في الإجتماع، وفي أمثال هذه العلوم الإنسانية، ستجد النسبة تكاد أن تكون صفر.

 

وحتى إن وجدنا إسماً ما ، فلن نجده قدّم نفسه على أنه مسلم، فضلاً على أنك ستجد من ينتقده من بين أبناء المسلمين، بإعتبار أنه أتى بنظرية تخالف الشريعة الإسلامية، وبالتالي فهو في أهون الأحوال فاسق، ورويبضة تافه يتكلم في أمر العامة، حتى وإن حصل على جائزة نوبل في الإقتصاد كمحمد يونس مثلاً.

 

والمؤلم أكثر ،أن النماذج التي يعتني الغرب بإظهارها على أنها نماذج إسلامية حضارية، أيضاً لا يتم تقديمها بناء على نظرتها الدينية للإسلام وتجديدها لمفهومه الحضاري، بقدر ماتُقدم  بناءً على حديثها عن فداحة وخطورة هذا الدين، وما يحمله من أفكار، كسلمان رشدي مثلاً، أو أنها تقدم على أساس المناضلة السياسية، تماماً كما حدث مع شيرين عبادي الإيرانية الفائزة بجائزة نوبل للسلام، حيث لم تحصل عليها كونها مسلمة بطبيعة الحال، بل بكونها معارضة لنظام حكم الملالي “الإسلامي” في إيران، وبالتالي فهذه النماذج العالمية من المسلمين، هي تماماً المطلوب ترويجها لكونها تروج معارضة لنموذج محدد من الإسلام هو الذي يتم تهويل خطره، في حين قد لا تحصل هذه النماذج على أدنى مصداقية لدى شعوب العالم الإسلامي، وأعني بالذات أمثال سلمان رشدي.

ويجب ملاحظة أنني أتحدث عن نماذج باتت كلماتها مسموعة وذات وزن، وخرجت من دائرة الإختلاف الغربي عليها، بعكس نماذج أخرى، وإن كانت ذات وزن، كطارق رمضان، إلا أنها لم تستطع الحصول على الرضا الكامل، ربما لبعض تمسكها بالقيم الأساسية للدين.

 

لا أظن أن أحداً قد يختلف معي على هذه النظرة الواقعية لحال الدور الحضاري للمسلمين، وذكر أمثلة معاكسة لا يغير من حقيقة الامر الشيء الكثير، فأحمد زويل مثلاً لم يكن لينجح لولا وجوده في الولايات المتحدة، ومحمد البرادعي نفسه، الذي يتم تعييره  الآن بكونه الأخيرعلى دفعته في إمتحانات وزارة الخارجية المصرية، لم تشفع له نوبل للسلام ورئاسة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ألا يتعرض للتخويف والإستهزاء والترعيب، فقط لمجرد إعلانه عن الشكل المناسب لإجراء إنتخابات رئاسية في مصر، وبطبيعة الحال، لو أعلن عن موقف ديني أو سياسي مؤيد للمقاومة مثلاً أو ضد إسرائيل، فستنهشه الأقلام الغربية مباشرة، أقول هذا لأؤكد أن ناجحه لم يكن لكونه مسلماً، وحتى هو نفسه لا يقدم نفسه بهذا الشكل.

 

وبالتالي فنحن أمام نموذجين، نموذج ناجح مهنياًً، في مجاله العلمي أو في نضاله السياسي، لا يقدم نفسه على أنه المسلم الحضاري، لعلمه أن نجاحه قد يتوقف ومصداقيته ستـتزعز، “دون التدقيق أساساً إن كان ملتزماً دينياً أم لا، وهذا ليس شأننا”، ونموذج آخر مرضي عنه غربياً مسخوط عليه إسلامياً، يقدم نفسه كمسلم حضاري، يهاجم الفهم المتخلف للإسلام، ويمس عقيدته وكتابه بالنقد والإستهزاء، بنى عليه هذا الرضى الغربي عنه.

 

أين حصل التراجع وكيف يمكن الحل؟

 

طبعاً سنختلف كثيراً في أين حصل التراجع، فالمفكرون بإختلاف طبيعتهم وأهوائهم سيضعون مواعيد مختلفة لذلك، منهم من يعيده لألف وأربعمائة سنة مضت، ومنهم من يعيده لألف سنة مضت، ومنهم من يعيده لأقل من ذلك وصولاً لثلاثين سنة مضت، بل وربما ستجد بعضهم يقول أن النهضة الحقيقية بدأت منذ ثلاثين سنة أوـأقل أو أكثر، تبعاً لتاريخ تولي هذا الحاكم أو ذاك مقاليد الأمور في بلده.

 

الأهم برأيي هو طريقة الحل، والمطلوب برأيي للخروج برؤية واضحة للمستقبل، هو خوض حربين تاريخيتين أو ضد التاريخ إن صح التعبير، لا مهرب منهما، ثمنهما لا يُحصى بعدد القتلى وكمية الدم المسال، بل يُحصى بالنتائج المترتبة عليها.

 

الحرب الأولى تاريخية بأثر رجعي، يجب أن ينهض بها مفكرون ثقال، تجردوا من نزعاتهم البدائية في تثبيت حق تاريخي أو معاصر لطائفة أو مذهب معين، عليهم بهذه الحرب أن يقوموا بتنقيح كبير لكتب التاريخ لإخراج المفاصل السوداء من هذا التاريخ، وتوضيح الأخطاء التي إُرتكبت، والخروج بالدروس التي ستهز الكثير من المسلمات التي يعتقد كثير من المسلمين بيقينيتها وأنها دينهم، في حين هي إجتهادات وتراكمت ولم تعد تفيد في هذا العصر، وهذه الدروس هي التي ستخاض فيها الحرب الثانية.

 

الحرب الثانية هي حرب تاريخية مستقبلية، ستطول وتختلف مدتها في رأس كل فرد، وفي كل موقعة على حدة، فهي قد تستغرق سنوات، أو عقود، حرب هدفها إنشاء جيل منذ نعومة أظفاره يتربى بشكل سليم على القواعد العلمية الصحيحة، التي تعلي العقل والتفكير وتعلي القدرة على التحليل السليم والتفكير الموضوعي، كما تحيي في داخل هذا الجيل القيم الكبرى للإسلام الحضاري الذي إختاره الله ليخرج به خير أمة.

 

بدون هذين الحربين، قد نشهد قريباً حروباً حقيقية كالتي شهدتها أوروبا، والمؤسف في ذلك أنها ستردنا للوراء كثيراً لمرحلة إعتقدنا بأننا تجاوزنها وتخطيناها، وبعد أن تشكلت دولنا بعد الإستقلال على أمل المواطنة ودولة القانون والديموقراطية.

 

 إن  أحد الدروس والقواعد التي يجب أن تنجم عن هذه الحروب، هو إعادة قرائتنا لكل كلمة في أي وكل  آية قرآنية أو في حديث شريف، لندرك بعدها  أن الإسلام وظيفة ومهنة، وليس لقباً،وهذا فهم دقيق لروح الإسلام ومعناه، ويعتمد على حديث الرسول عليه الصلاة والسلام (ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، وبالتالي فأي مسلم، لديه عمل ولديه مسؤولية يقوم بها، مسؤولية ناتجة عن كونه مسلماً بالدرجة الأولى، تتبعها مسؤوليات عمله الحقيقي في الحياة.

 

وهذه المسؤولية يجب أن تقوم حتى بدون عمل في الحياة، حتى ولو كان ذلك المسلم في مرحلة الدراسة، بل حتى وإن كان طفلاً، وكم في هذا تعليم للطفل من تحمل المسؤولية باكراً وكم فيه تربية إجتماعية عالية.

 

غير أن مايدعم هذا الرأي أكثر، هو آية قرآنية كريمة، هي قوله تعالى في سورة الحديد الآية السابعة (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ)

فهمنا التقليدي لهذه الآية، لا يتعدَ عن كونها دعوة للإيمان بالله وبالرسول عليه السلام، وأن ننفق من مالنا الذي وهبه الله لنا، مع ضرورة التذكير أننا مستخلفون في هذا المال، وأنه قد يزول بأمر وإرادة الواهب سبحانه وتعالى، وهذا فهم لا غبار عليه.

 

غير أن ما يهزني أكثر في الآية هي قوله تعالى (مما جعلكم مستخلفين فيه)، ولطالما ظننت أن الإستخلاف يحصل لمجموعة وعلى مستوى جماعة،وهذا أكيد، غير أن هذه الآية تقول أنه يحصل أيضاً على مستوى الأفراد، فكل فرد هو فرد مستخلف، مستخلف بشيء ما، في هذه الآية هو المال، لكن في أحيان كثيرة يكون علماً أو قوة أو فهماً أو منصباً أو قدرة أو مايخطر ببالكم، وبالتالي فعليه أن ينفق مما إستخلفه الله فيه، وبكلمات أخرى، هنا تكمن المسؤولية ومجال كون الفرد راع ومسؤول عن رعيته، فرعيته هي ما استخلفه الله فيه، وعلى كل مسلم أن يبحث عمّا إستخلفه الله فيه.

 

الهدف من هذه المسؤولية لكل مسلم، هو تحقيق الخير للناس،والتأكيد على عالمية الرسالة الإسلامية، ليس بكونها ديناً خاتماً فقط وطريقة للعبادة الروحية، بل بكونها منهج حياة خاتم ولكنه متجدد، وطريقة لجلب المنفعة التي تمكث في الأرض وتعم كل الناس، وبالتالي تصبح مسؤوليتك كمسلم، أن تفكر كيف تخدم البشرية ككل بطريقة نافعة، مع التأكيد على إيمانك بالله وتقديم نفسك على أنك ذلك المسلم النافع، وليس المسلم المنتفع بخيرات الآخرين، من معونات إجتماعية وإختراعات ونظريات وغيرها، حينها فقط ستزول المشكلة الأساسية، بغياب النموذج الإسلامي الحضاري النفعي، وبطبيعة الحال ستزول عوارض تلك المشكلة.

الادارة بالخوف : سويسرا أنموذجا بقلم طه كوزي

minarets2الإدارة بالخوف

سويسرا أنموذجا

طه بن إبراهيم كوزي

أرجو من المواطنين السويسريين، ومن لفّ لفهم، بعد صدور قانون حظر المآذن في سويسرا، أن يوفروا نصائحهم البيضاء ومقترحاتهم المستعلية عن حرية المعتقد لأنفسهم، ولا يقدموا للعالم الإسلامي دروسا إضافية مجانية في الحريات والحقوق. إن الاستفتاء بصورة شعبية حول شرعية حق في العبادة لمواطنين سويسريين مسلمين يمثل انتكاسة لأوربا وإطاحة بمبادئها العلمانية.

أوربا: الخوف من الإسلام….
أضحى التخويف من المسلمين، وصناعة الخوف من الإسلام، والتحذير من كل ما هو إسلامي: خطا ومنهجا للإدارات الغربية والسياسات الأوربية الأمريكية تجاه الأقليات وبخاصة المسلمة منها.
إن الحملة الإعلامية التي سبقت الاستفتاء الشعبي حول حظر بناء المآذن في الإعلام السويسري لم تعن لا من قريب ولا من بعيد موضوع المآذن، بل كانت تروج لصور وهمية، عن الإسلام من أمثال: هضم الإسلام لحقوق المرأة، التعدد، إقامة الحدود… لقد كانت حملة شرسة وطويلة يمثل حظر المآذن فيها “المقدمة” فحسب.

سويسرا تخون العلمانية
يُجمع المتخصصون في العلمانية في أوربا أن تراث سويسرا وغيرها من الدول الأوربية؛ تراث علماني لا يتوقف في حدود ديانة معينة، فسويسرا مثلا كانت مسيحية في فترة زمنية سابقة، ومن ثَم يهودية مسيحية في مرحلة لاحقة، أما اليوم وبعد ما عرفته الدول الأوربية من هجرة: أصبح دين الإسلام معطًى أساسيا في تركيبة المجتمع السويسري، فهؤلاء لم يعودوا مهاجرين ومن ذوي الطبقة الدنيا كما كانوا في السابق؛ بل أضحوْا مواطنين سويسريين مثل غيرهم، يتمتعون بكامل حقوقهم ولا فرق بينهم وبين المسيحيين واليهود والملاحدة….
لذا فالحديث، اليوم، عن حظر المآذن ينبغي أن يَصحبه استفتاء آخر عن حظر الأجراس الكاثوليكية وغطاء الرأس اليهودي وغيرهما؛ لأن المواطنة في سويسرا تقتضي المعاملة بالمِثل بين الطوائف والأقليات. إلا أن المسلمين، مع اشتداد عودهم، بعد أن كانوا يُعاملون كالرعاع، أضحوا اليوم ذوي سيط ووزن علمي وسياسي لا يمكن تجاوزه من أمثال: طارق رمضان الذي أصبح يُعد من الشخصيات المائة الأكثر تأثيرا في العالم حسب نيويورك تايمز؛ وغيره كثير.      

سويسرا: لا يهودية ولا نصرانية….
إن عودة الأحزاب اليمينية المتطرفة إلى الواجهة، كأحزاب حاكمة، في أكثر من دولة أوربية يمثل، بحق، إفلاس النظم الأوربية وعجزها عن الوسطية وتحقيق مبادئ العلمانية المستندة في الأساس إلى:
- حرية المعتقد.
- حرية العبادة بكل أشكالها من المآذن الإسلامية إلى الأجراس المسيحية.  

إن من يعتبر اليوم سويسرا أرضا مسيحية خالصة فهو يتحدث عن سويسرا تاريخية لا وجود لها اليوم.
لقد أضحى “الإسلام المرغوب فيه” في الغرب هو الإسلام الخفي: نساء من دون حجاب، مساجد بدون مآذن،… إلا أن المسلم الأوربي الذي سيحقق الفارق وينجح في الرهان؛ هو ذاك الذي يؤسس لنموذج علمي أو فكري أو سياسي قوي ومتماسك في قلب أوربا؛ ليغير موازين القوى بالفعالية والتخطيط لا بمنطق العاطفة وردود الأفعال.   

…….:”المسلمون مطالبون بالاندماج في المجتمع الأوربي”   
طلبٌ طالما توجه به سياسيون أوربيون كُثــُر إلى الأقلية المسلمة في أوربا من خلال وسائل الإعلام أن اندمجوا في المجتمع الأوربي، إلا أن المطلوب اليوم بعد أن قويت شوكة “المسلمين الأوربيين” علميا، أكاديميا وسياسيا؛ هو أن يُدمج هؤلاء السياسيون الأوربيون في عقولهم وقلوبهم الحضور الإسلامي الإيجابي في أوربا، ويتقبلوا حقيقة أن المسلمين أضحوا معطى أساسيا في المخطط الأوربي، داخليا: من خلال الأقليات المسلمة المتناثرة في أوربا، وخارجيا: من خلال تركيا التي تُلمح أنّ لديها خيارات إستراتيجية أخرى غير الاتحاد مع أوربا مثل التعاون الإستراتيجي الإقليمي مع كل من: سوريا، إيران،…
لذا فإن لأوربا خيارين وحيدين في حل هذه العقدة التي تعاني منها تجاه الإسلام والمسلمين: إما أن تتجاوزها وتتأقلم إيجابيا مع هذه الحقيقة وواقع الحضور الإسلامي، وإلا فإنها ستُورط حكوماتها وشعوبها في مطبات متواصلة، وردود أفعال سلبية سرمدية: بدايتها بمنع الحجاب في الإدارات والمدارس، وحلقتها الثانية في حظر بناء المآذن، وحلقتها المقبلة منع الحجاب في الأماكن العمومية؛ وما خفي كان أعظم.

نصيحة إلى كل مواطن سويسري
إن الإعلام الأوربي والأمريكي هو الذي استطاع أن يكون المصدر الرئيس في تشكيل شخصية الإنسان الغربي وبناء برادايم في عقل كل سويسري وأوربي، إلا أن الحقيقة مفادها أنه برادايم ساذج وغبي لا يتعامل مع الحقيقة كما هي، بل كما يطرحها الإعلام، فالنصيحة موصولة إلى كل سويسري وأوربي أن يقرأ عن الإسلام والمسلمين، عبر كتب مفكرين ابتداء بمحمد إقبال، وصولا إلى وحيد الدين خان وانتهاء بالأخوين هاني وطارق رمضان؛ لا أن يجلس أمام وسائل الإعلام أو يتوجه إلى محرك البحث غوغل لتواصل غسيلها الدماغي الذي تجعل منه مواطنا ساذجا مغفلا يتعامل مع العالم المحيط به كما تريده المصالح المادية لدولته وإعلامه لا كما يطرحه الفكر الراشد والعقل الواعي والمنطق السليم.

 

“نيويورك، نيويورك” -1-: مدينة جميلة جداً من بعيد !!

“نيويورك، نيويورك” -1-: مدينة جميلة جداً…. من بعيد !!

د.أحمد خيري العمري- القدس العربي


لست من الجيل الذي طرب لفرانك سيناترا وهو يغني أغنيته الشهيرة “نيويورك، نيويورك”.. لكن جيلي، والأجيال اللاحقة بالتأكيد تعرض لمنطوق الأغنية الذي يتغني بالحلم الأمريكي الذي صدر إلى بلادنا، أحيانا بقوة الإعلام وبقوة ما لا يمكن إنكاره من منجزات أمريكا فعلا، وأحيانا بقوة الفراغ واللا شيء المزدهر في بلادنا..

تتحدث الأغنية الشهيرة عن الهروب من أحزان المدن الصغيرة وإيقاعها البطيء إلى نيويورك المدينة الحيوية، “المدينة التي لا تنام“، التي “إذا نجح فيها الإنسان فإنه ينجح في كل مكان”.. مدينة “الرقم واحد “.. و”قمة القائمة”…

سيناترا كان يتحدث عن الخروج من مدينته الصغيرة في ولاية نيوجيرسي الفقيرة المجاورة، لكن “الحلم الأمريكي” كان يتسرب إلى الجميع، كل مدننا وعواصمنا، بكل ما فيها، بدت في لحظة المقارنة الفارقة، كما لو كانت مدنا صغيرة حزينة وبطيئة.. وبدا معيار النجاح أمريكيا خالصا، بالذات رسخ في أذهاننا ذلك عبر كل ما تمثله نيويورك في أذهان أولئك الذين لم يزوروها قط، لكنها زارتهم بطريقة أو بأخرى.. زارتهم في أحلام اليقظة الأكثر تأثيرا من أي حلم يزورك في منامك.. ناطحات السحاب الشاهقة مثلت حلم التفوق، وتمثال الحرية يومئ من بعيد مثّل لشعوبنا الغارقة في استبداد حكامها حلم الحرية بعيد المنال.. والوول ستريت مثّل الثراء السريع عبر المضاربة السهلة new-york-city-skyline-blue-large..

التناقض بين واقعين يزيد الواقع الناجح نجاحا وبريقا، كل أضواء برودواي اللامعة ستكون أكثر بريقا ولمعانا عندما تقارن بواقع آخر لم ينجز شيئا.. أو كاد أن لا ينجز شيئا…

الدخول إلى نيويورك برا سيجسد ذلك التناقض بين واقعين، وسيكون بمثابة تمرين صغير على ما حدث معنا في العالم العربي والإسلامي بمعنى أوسع.. الأحياء السكنية على الطريق مسورة بأسوار عالية وعدوانية على نحو يوحي بأن الأمور ليست على ما يرام من الناحية الأمنية.. على مشارف نيويورك وقبل الدخول لها تنتشر “الخردة” ومخلفات المصانع وأحشاؤها بطريقة تشبه ما هو موجود في الطرق الخارجية في بلداننا عموما..

و من بعيد، ستبدو نيويورك بناطحات سحابها كما لو كانت “مناراً” تقول لكل طموح وموهوب أن لا يرضى بواقعه ويقبل التحدي ويأتي لها.. .أليس هذا ما حدث معنا أيضا ؟.. ألم يتسرب الحلم الأمريكي ألينا من ثقوب صنعتها سلبيتنا وعدم التزامنا بكل المعاني الإيجابية الموجودة في ديننا؟!.. ألم يتسرب الحلم الأمريكي بالتدريج على أطراف أصابعه بأقوى مما تفعله أي أيدلوجية مدعومة وزاعقة؟! ألم يكن تسربه التدريجي هذا سببا في كون تشربه أقوى من أي أيدلوجية أخرى، وهو تشرب طال حتى أولئك الذين ينكرون إيمانهم بالحلم الأمريكي لكنهم يعملون على أسلمته عبر لَيِّ عنق النصوص هنا وهناك ( بوعي أو بلا وعي، هذا أمر آخر.. )..

نيويورك تمثل جزءا من الحلم الأمريكي الذي تم تصديره إلى العالم عموما ( أما الحلم الأمريكي بالنسبة لمن يعيش في أمريكا أو بالنسبة للأمريكيين فهو يتمثل في العيش الآمن في الضواحي ببيت كبير وسيارتين ورصيد مريح في البنك.. لكن هذا موضوع آخر الآن.. )

الحلم، أي حلم، قد يكون جميلا وبراقا، لكن ما هو أهم من ذلك هو واقعه..

ونيويورك مدينة لا شك في جمالها، متاحفها من أهم المتاحف في العالم، وجامعاتها من أفضل الجامعات في الولايات المتحدة (لا تتفوق عليها في ذلك إلا مدينة بوسطون)، وفيها أغلى كلية في الولايات المتحدة ( وربما في العالم ) وهي كلية “سارة لورنس”، والطريف أن هذه الكلية بالذات غير معترف بها في أمريكا من قبل المؤسسات التعليمية، وهي حقيقة على بساطتها توضح المنطق “اللامنطقي” الذي تسير به الأمور أحيانا، فبإمكان أي أحد أن ينشئ ويفتتح جامعة في الولايات المتحدة دون ضوابط من أي نوع، لكن الاعتماد الأكاديمي لن يُمنَح لأي جامعة ما لم تجتز معايير منوعة، وبالتالي فإن أي طالب يستطيع الدراسة والتخرج من جامعة غير معتمدة لكنه لن يجد فرصة في سوق العمل بهذه الشهادة، لكن ما الذي يجعل أي طالب يدفع أكثر من خمسين ألف دولار سنويا لشهادة لن يستطيع الحصول على وظيفة بها؟.. ربما لأنه لن يحتاج للوظيفة أصلا!، ربما كان من تلك الفئة التي تتوظف في شركة تملكها أصلا أو تملكها العائلة، وليس بحاجة حقا إلى البحث عن عمل حقيقي، وربما يفسر ذلك الدراسة في كلية هي الأغلى، حيث تسود ثقافة التشاوف والتباهي بكل ما هو “غال” حتى لو كان بلا قيمة حقيقية، وهي ثقافة راسخة الجذور في مجتمع رأسمالي يقيس الأفراد بقدرتهم الشرائية ( أي بكونهم زبائن محتملين لا أكثر ولا أقل)…

مدينة الحلم الأمريكي نيويورك تضم إذن جامعات ممتازة ومتاحف رائعة ومراكز ثقافية مهمة (مركز روكفلر الشهير المكون من ستة عشر بناء).. لكن ماذا عن الناس فيها؟ ماذا عن البشر الذين يعيشون هذا الحلم؟ هل هم انعكاس لهذا الحلم؟ .. أم أن حياتهم “كابوس” تعايشوا معه وقرروا أنه ربما يكون جميلا؟!…

المدينة الرمز لم تعكس هذا الحلم في إحصاءات السعادةNational Happiness survey التي أجريت في كل ولاية من الولايات الخمسين ، فقد احتلت نيويورك المركز الخامس والثلاثين بين الولايات الخمسين في مقدار “رضا” سكانها عن وضعهم، وبعض أحيائها كانت في مراكز هي الأسوأ على الإطلاق بالنسبة لكل الولايات المتحدة..

الانهيار الاجتماعي وأرقامه قد تفسر “عدم السعادة” حتى لو لم يكن ذلك مقنعا للأشخاص الذين يعنيهم الأمر: في عام 2007 كان هناك أكثر من 100 ألف ولادة غير شرعية في مدينة نيويورك وحدها، من ضمنهم ولادات حصلت لخمسة آلاف قاصر دون سن السابعة عشر وهناك حوالي 200 حصلت لفتيات دون الثالثة عشر.. و هو رقم مرتفع جدا بالنسبة لمدينة تعداد سكانها 8 ملايين نسمة..

حالات الإجهاض لنفس السنة لم تكن أقل: 120 ألف حالة إجهاض من ضمنها حوالي عشرة آلاف إجهاض لقاصرات، وألف حالة دون سن الثالثة عشر..

في نفس السنة، شهدت نيويورك 61 ألف حالة زواج، وشهدت محاكمها أيضا 54 ألف حالة طلاق !! ( أقل من 4 آلاف فقط من هذه الحالة كانت بشكل ودي !.. )..

في مدينة نيويورك، يوجد مليون و137 ألف حالة تعاني من إدمان الكحول وسوء استعمال الكحول alcohol abuse ( وهو التعبير الذي يستخدمه أطباء النفس عن الاستخدام المتكرر للخمر رغم النتائج السلبية الناتجة عن هذا الاستخدام، دون أن يصل للإدمان الأكثر تاثيرا).. من هذا العدد يوجد 83 ألف حالة لأفراد تتراوح أعمارهم بين 12- 17سنة فقط… و 323 ألف حالة بين سن الـ 18 والـ25 .. .

يوجد أيضا 440 ألف حالة إدمان للكوكايين.. من ضمنها 22 ألف حالة لأعمار بين الـ 12و الـ 17.. وأكثر من 140 ألف حالة للأعمار بين 18-25..

مستخدمو الماريوانا لسنة واحدة تجاوز المليونين شخص، من ضمنهم ربع مليون بين أعمار 12-17 وأكثر من 600 ألف للأعمار بين 18-25…

نسبة المصابين بالأيدز من كل 100 الف نسمة هو الأعلى بين كل الولايات الخمسين بمعدل 30 لكل 100 ألف نسمة، مقابل 12 لكل 100 ألف نسمة في المعدل الوطني، علما أن الحصاد الكبير للأيدز قد مر على نيويورك وانتهى منذ أواخر الثمانينات..

الإحصاءات الحكومية لعام 2004 تذكر أن حوالي نصف مليون من سكان المدينة (430 ألف نسمة) عانوا من كآبة مرضية حادة major depressive disorder (وهي لا تشبه الكآبة العابرة التي يندر أن لا يعاني منها إنسان) نفس الإحصائية ذكرت أن عشرة بالمائة من المراهقين الذين شملهم الاستطلاع ذكروا أنهم حاولوا الانتحار في الاثني عشر شهرا الماضية..

نسبة من هم تحت خط الفقر في مدينة الحلم الأمريكي تبلغ 38 % وحذار من تصور أن من هو تحت خط الفقر في أمريكا مترف ويعيش أفضل ما نعيش، هؤلاء يجدون صعوبة في الحصول حتى على الطعام، يبلغ عدد من يحتاجون إلى الحصول على المساعدات (الطعام) ثلاث ملايين من سكان المدينة، يستلم منهم فعليا نصف مليون فقط..

المدينة التي لا تنام كما وصفها سيناترا، ينام في شوارعها 40 ألف من المشردين homeless بشكل دائم، ويمر بتجربة النوم في الشارع 100 ألف كل سنة.. (الطريف أن القوانين في الولايات المتحدة تنظم ذلك، بما معناه أنه يسمح لهؤلاء المشردين النوم في أنفاق المترو والحدائق العامة ولكن يجب أن يستيقظوا مبكرا -في السادسة أو السابعة صباحا حسب الولاية-.. لم هذا الحرص على النهوض المبكر؟ بالتأكيد ليس من أجل الصحة العامة ولكن لكي لا يزعج المنظر أولئك الذين يذهبون إلى وظائفهم أو السياح الذين ستتشوه نظرتهم إلى المدينة بمنظر هؤلاء المشردين، الحل؟ عليهم أن ينهضوا مبكرا.. !)

نيويورك قذرة بشكل عام، كنت سمعت عن ذلك الكثير ولكن المشاهدة غير السماع، ذكرتني للأسف ببغداد بعد السقوط، وجعلني ذلك أفكر إن كان الأمر صدفة أم أنه جزء من خطة تصدير الحلم بقمامته أولاً!.. نفق المترو مقزز باختصار وتنبعث منه روائح معلومة المصدر وتذكر بشكل عام بالمراحيض العامة ( وهو أمر علي أن أعترف أنه مناقض تماما لما هو موجود في واشنطن العاصمة).. قذارة نيويورك اتضح أنها أمر مفروغ منه وموثّق في الولايات المتحدة في قائمة المدن الكبيرة القذرة، التنافس بينها وبين سان فرانسيسكو على أشده، علما أن سان فرانسيسكو تتفوق على نيويورك بكونها موطن اللوّاط (دون أن يقلل ذلك من اللوّاط في نيويورك)!…

قذارة نيويورك أيضا تتجلى في حقيقة أخرى قد تثير استغراب من لم يعش في أمريكا أو زارها سائحا فقط متنقلا بين بيوت الأصدقاء والأقارب، انتشار قمل الفراش فيها! و هو نوع يمتلك قرابة و صلة نسب بالقمل العادي الذي يعتبر شتيمة و إهانة في العراق مثلا!

الفرق بين النوعين ان قمل الفراش يسكن الاثاث و الملابس و خاصة الفراش و ليس فروة الرأس كما في النوع القديم ،لكنه في الحالتين يعيش على امتصاص دم ضحاياه أثناء نومهم…. و هم غالبا لا ينامون من “الهرش” (هل قصد سيناترا ذلك عندما قال عن نيويورك أنها لا تنام ؟)

أنتشار قمل الفراش في نيويورك حقيقة معلومة مطمورة إعلاميا تماما ( هل رأى أي منا أبطال مسلسل فرندز-الأصدقاء- الذي تدور أحداثه في نيويويرك وهم يهرشون مثلا؟)

ظاهرة قمل الفراش تحولت منذ أوائل الألفية الثالثة إلى وباء رسمي في نيويورك حتى في أحيائها الراقية ( في الحي الغربي العلوي من مانهاتن الذي يعد من أهم الأحياء التجارية في المدينة بين حديقة السنترال بارك الشهيرة ونهر الهدسون ) والحديث عن غزو القمل لنيويورك صار شائعا جدا مؤخرا (ليس في إعلامنا بكل الاحوال..)، البي بي سي مثلا حذرت السياح البريطانيين من الأمر( تقرير هيئة الاذاعة البريطانية من مراسلها في نيويورك بتاريخ 27 /3/2009) !!.. و مجلس مدينة نيويورك أنشئ مجلساً استشاريا لمحاربة الوباء ( قرار أصدره مجلس المدينة في 11 مارس 2009)! علما أن مكاتب وزارة الصحة في نيويورك قد تعرضت لغزو القمل وشاع أن موظفيها يهرشون أيضا ( على ذمة النيويورك بوست 25/9/2009).. !!

لا يمكن إنكار أنه مع ازدياد معدلات القمل في المدينة فإن معدلات الجريمة قد انخفضت مقارنة بما كانت عليه في التسعينات، معرفة السبب ليس صعبا جدا، فنيويورك تملك أكبر معدل لعدد الشرطة بالنسبة لعدد السكان( 91 موظف في الشرطة لكل 10 آلاف من السكان، و32 ضابط شرطة لنفس العدد) وهو العدد الذي تتفوق على كل مثيلاتها من دول العالم الغربي وغير الغربي ممن شاركت في الإحصاءات، لا يمكن مقارنة الأمر مع دولنا العربية لأسباب لا تخفى!!

هل نستغرب بعد كل ذلك إن كانت مدينة الحلم الأمريكي لا تحتل موقعا متقدما أو حتى متوسطا في إحصائية السعادة بين الولايات الخمسين؟.. الحقيقة أن الاستغراب يجب أن يكون على حصولها على المركز الخامس والثلاثين وليس الخمسين.. لكن ربما كان الأمر نتيجة طبيعية لآليات إقناع الناس أنهم سعداء عبر “غرس” مفهوم معين للسعادة، وبعض العقاقير المهدئة هنا وهناك التي تساعد على تقبل الأمر والتخفيف من” وطأة” هذه السعادة..

أدرك تماما أن أصدقاءنا من أدعياء التجديد ودعاة التغريب (ولا فرق كبير بين الاثنين غير أن الفئة الثانية أكثر صدقا من الأولى) سيتقبلون هذا الكلام بموقف واحد من اثنين: الأول يقولون إن “المخبى عندنا أعظم”، وإن مجتمعنا يعاني من نفس الانهيار الأخلاقي ولكننا نتستر عليه، وإن كل ما ذكر من أرقام وإحصاءات لدينا أيضا نماذج قد تفوقها في مجتمعاتنا التي تدعي العفة وتمارس كل ما تنهى عنه.. الخ.

لهؤلاء أقول: البركة فيكم!! وفي جهود أمثالكم وأسلافكم وروادكم عبر ثمانية عقود من محاولات التغريب.. هل يمكن أن نتصور أن مجتمعنا كان سيصل إلى ما وصل إليه لولا جهودكم الطوعية حينا (المدفوعة بوباء عقيدة النقص المستشري) وغير الطوعية أحيانا (المدفوعة الثمن من مراكز معلومة ولأسباب معلومة.. )..

الموقف الثاني من هؤلاء سيكون التأمل في الإحصاءات بحثا عن ما يقولون إنه “نصف الكوب الملآن! “، ثم سيقولون: انظروا عظمة الحضارة الغربية، انظروا دقتها، انظروا كيف ينظمون كل شيء حتى عيوبهم لأجل التخلص منها..

و لهؤلاء أقول: أكرمونا بسكوتكم! فنصف الكوب الملآن الذي تريدوننا أن نشربه ملآن بسم زعاف..

نيويورك مدينة جميلة فعلا من بعيد، ولا أقصد “من بعيد” هنا بعد المسافة الذي يجعلك ترى أضواء المدينة وناطحات سحابها، ولكن أقصد البعد الذي يجعلك تزورها كسائح عابر يزور متاحفها ومراكزها الثقافية ومسارحها.. المدينة الحقيقية ليست في واجهتها السياحية، بل في ناسها.. في أولئك الذين يعيشونها حقا، ويكونونها حقا..

باختصار: نيويورك الحقيقية لا تعبر عنها أغنية سيناترا حقا، بل يعبر عنها حوار في أحد الأفلام..

من ضمن أبطال الفلم، شخصية تنتمي لطائفة المورمون المعروفة بالتمسك بألاخلاق، البطل يذهب ليعيش في المدينة ويحاول أن يقاوم الانجراف في سلوكياتها لكنه ما يلبث أن يستسلم وينجرف..

يتأمل في ما انحدر إليه في لحظة صدق ويقول بصوت مرتفع: سأذهب حتما إلى الجحيم..

ينظر له صديقه بتعجب ويقول: هل تعتقد حقا أن الجحيم أسوأ من نيويورك ؟!!

مصادر الاحصاءات:

احصاءات الادمان المختلفة :http://www.usnodrugs.com

احصاءات الايدز :http://www.avert.org/usa-states-cities.htm

استطلاع السعادة : http://www.nydailynews.com/news/2009/03/11/2009-03-11_national_happiness_survey_shows_new_york.html

احصاءات الصحة النفسية : http://www.nyc.gov/html/doh/html/dmh/dmh-mental_illness.shtml

احصاءات رسمية مختلفة :http://www.health.state.ny.us/nysdoh/vital_statistics/2007

DNA الأمّة.. الخلية التي تلخّص حياة وتطوّر أي أمّة (2) بقلم براء أصفري

2799967-2-unborn-ideas1DNA الأمّة.. الخلية التي تلخّص حياة وتطوّر أي أمّة (2)

 

   انطلقت فكرة هذه المقالة من ذلك الحديث الذي يقول أنّ إماطة الأذى عن الطريق يعد أدنى شعب الإيمان (كما رأينا في الجزء الأول). فالرؤية من خلال المفهوم الجديد قد اتضحت أكثر, وأصبح بالإمكان الآن ربط المعاني مع بعضها لأنّ ثمّة شيء خاطئ في واقعنا. يدفعنا لنفكر من جديد بطرق جديدة للوصول إلى نتائج جديدة. فهناك قاعدة أساسية تقول أن القرآن كفيل لأي مجموعة تتفاعل معه أن يحدث نهضة لتلك المجموعة, فمحال لغير ذلك. وما دام حالنا ووضعنا هذا مستمر منذ قرون فهذا يعني بصورة مباشرة أنّ ثمة خلل وخطأ في مفهومنا وفي تطبيقنا للقرآن. لذلك سنحاول أن نرى الموضوع بعين أخرى ونظرة جديدة, فالتكرار والنظرة المتكررة بنفس الطريقة لنفس الموضوع سيجعل من الرتابة حاجز يحجبنا عن رؤية ما هو جديد.

لذلك في هذا الجزء سأبحث عن المعاني الجديدة المتعلقة بإماطة الأذى عن الطريق في القرآن لنرى أبعاد الموضوع على حياة الإنسان المؤمن الحقيقي, كما فرضه القرآن, وكيف يجب أن تكون. فلنبدأ:

تقول الآية بعد بسم الله الرحمن الرحيم: (( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أخْرِجَتْ للنّاسِ تأمُرُونَ بالمَعْرُوفِ وَتنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ )) آل عمران, آية 110, صفحة 64

بعيداً عن المعنى الروتيني للآية والمتمثلة بتلك الحقبة الزمنية الصعبة المنال. فإنّ ما يهمّنا منها هو المحاولة للربط بينها وبين الحديث (إماطة الأذى), فالاثنين يجمعهما منطق ومفهوم واحد. وهو حرصك وتفكيرك على صحّة المجتمع بشكلٍ عام. فوجه الربط بين هذه الآية وبين الحديث هو أنّ من خلال سيرك في الطريق ستلاحظ مواضع الضعف في الناس. ستعرف ما هو المنكر السائد والمنتشر, عندها ستفكر بالمعروف الّذي سيصلح ذلك المنكر.. وستفكر أيضاً بالطريقة الأنسب لفعل ذلك.. وبالتالي فإنّ إماطة الأذى عن الطريق لم تعد بالضرورة تعني إزالتها فوراً وأنت بالطريق! بل ملاحظة الأذى والسعي والتخطيط لحلها, قد يكون في يومٍ آخر أو بمكان آخر غير الطريق. فالطريق سيتحول في شخصية الإنسان المسلم إلى مقياس حقيقي وواقعي لمعرفة أحوال الناس, وبالتالي أحوال دينه. تماماً مثل عين الإنسان, فالطبيب يستطيع بنظرة فاحصة على عينك أن يخبرك بأمراض جسمك. كذلك الأمر تماماً مع الأمّة, بنظرة فاحصة على الشارع (الطريق) نستطيع ملاحظة أغلب الأمراض, المنكر والأذى, في الناس. وبالتالي سعي الجميع من أجل إيجاد حلول لها, من أجل الرقي بالشارع الذي يمثل بالدرجة الأولى المجتمع. يمثلك أنت وأنا, والطفل والشيخ والمرأة, يمثل الماضي والحاضر والمستقبل بكل أجياله.

ربما عند دمج معنى الآية مع معنى الحديث, نستطيع أن نستخلص أنّ أقصر طريق لنكون خير أمّة أخرجت للناس هو إماطة الأذى عن الطريق بمعناه الشمولي. سنكون خير أمّة أخرجت للناس عندما يذوب الفرد من أجل الكل. الكل من أجل صلاح المجتمع المتمثل بصلاح الشارع. فالخليّة الأصغر لأي مجتمع – الذي إذا صلحت صلح المجتمع – ليست الأسرة كما نتوهم, بل هي الشارع والطريق. وهناك العديد من الأمثلة على أسر صلُحت ولم يصلح معها المجتمع, لكن يكفي شارع واحد سليم ليثبت ويدل على أنّ معظم سكّان الحي سليمين وصحيحين.

والشارع بعد كل هذا العرض يملك أهميّة أخرى ستؤثر على حياة الإنسان. إنه ببساطة يمثّل الإعلام. الشارع سيؤثّر على جميع الناس وعلى كل الأجيال. الأصغر سيقلّد الأكبر, وأفعال وتفكير الكبار مرتبطة بما سيفعله الصغار. فأي شخص سيسير في الشارع سيؤثّر ويتأثر من الآخرين. في كل لحظة ستمثّل أنت الرأي العام لقضية ما في عقل شخص ما. فكم مرّة أطلقت حكماً مسبقاً عاماً لقضية ما, بعد رؤيتك لبعض الأشخاص في الشارع؟


من المفترض كوننا في القرن الواحد والعشرين أن أتكلم عن أهمية جمال الشارع وأناقته ونظافته وأن كل هذا سينعكس إيجاباً على نفسيتنا, على روحنا ونظرتنا للخالق, سينعكس على طريقة معاملتنا مع الآخرين. أقول من المفترض لأن هذا الكلام غير منطقي الآن, على الأقل ونحن في هذا الحال. وخاصةً عندما نتكلم عن شيء أو شخص ونقول عنه عندما نريد أن نعبّر عن استياءنا منه أنه سوقي (من السوق, من مكان اجتماع الناس, الذي من المفترض أن يكونوا مؤمنين) أو شوارعي. فمن غير المجدي أن أتكلم هنا عن جمال الشارع وأناقته ونظافته, فهذا بالدرجة الأولى غير منطقي وواقعي. لكني سأتكلم عنك أنت وعني أنا. عن أي شخص يفترض أنه ينتمي إلى الإسلام. إلى تفاعلك وفهمك لدينك, لما يترتب عليك من مهام, ليس من أجل زيادة الأجر والثواب بل من أجل أن تضمن دخولك أدنى أبواب الإيمان.

أعلم أن الكلام لن يعجبك, وستبدأ البحث عن مخارج لتقنع نفسك أن الأمر ليس كما يخيّل لي. وأن الأمر كله مرتبط بإيمانك أنت وحدك. ربما بعدد الركع التي تركعها يومياً ودعائك وبكائك لوقتٍ طويل. المشكلة أنك ما زلت مقتنع أن الحل السحري لمشاكل المسلمين مرتبط بمزيد من الاستغفار, بمزيد من الصلاة, وبمزيد من الدعاء!. لكن ألم نتعلم من دروس سابقة.. في غزو العراق مثلاً.. ألم نقم جميعنا بالدعاء والصلاة والبكاء لوقتٍ طويل… أتحررت العراق؟

أعيد, ثمّة شيء خاطئ في واقعنا وفي فهمنا المباشر لديننا. الذي يؤدي بشكلٍ مباشر إلى الوضع المزري الذي نحن فيه. لذلك يجب أن لا ننسى أبداً أنّ فهمنا الصحيح للقرآن يجب أن يؤدي بشكلٍ سريع وحاسم إلى النهضة, وأي تأخير في حدوث النهضة يعني حتماً وجود خلل في فهمنا للقرآن.

 

هل تعلم بعد كل هذا.. أنّ توبتنا قد أصابها الخللُ أيضاً. والأغلب أن التوبة منذ عقود لم ولن تقبل منا جميعاً حتى لو رافقها الدموع الغزيرة.
سأسرد القصة من بدايتها: جميع أئمة المسلمين قد اتفقوا منذ زمنٍ بعيد أن شروط التوبة ثلاث, الأولى الندم عن الذنب, الثانية الإقلاع (التوقف) عن الذنب, الثالثة العزم على عدم العودة. ويضاف شرط رابع هو, في حال كان الذنب مع إنسان آخر, إعادة الحقوق إلى أصحابها. المشكلة أن القرآن قد أشار إلى شرط إضافي أساسي وحاسم لقبول التوبة. بعد بسم الله الرحمن الرحيم: (( إلاّ مَنْ تَابَ وآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحَاً فَأُولئِكَ يُبَدّلُ اللهُ سَيّئَاتِهِم حَسَنَاتٍ )) الفرقان, آية 70, صفحة 366
فالله سبحانه وتعالى لن يبدّل سيّئاتك حسنات إن لم تتب وتؤمن وتعمل عملاً صالحاً. الآية واضحة وضوح الشمس. فلم يعد الندم وإيقاف الذنب وإعلان عن عدم العودة كافي للتوبة لكي يبدّل سيئاتك حسنات إن لم يرافقه عملاً صالحاً. وهذا العمل الصالح لن يحدث وأنت منعزل عن الناس, عن المجتمع, عن الآخرين. فالعمل الصالح لا يكون إلا بهم.
هنا يجب الانتباه إلى أنّ الإيمان في الآية لا تشير أبداً إلى معنى الإيمان في أذهاننا والمتمثلة بالإيمان بالله. لأنّ التوبة تعني مما تعنيه هو الإيمان, فعندما تعترف بالخطأ وتقر للإله أنك نادمٌ حقاً فهذا يعني أنك مؤمن بهذا الإله وأنك تطلب مغفرته إيماناً به. لذلك ثمة معنى جديد من كلمة الإيمان هنا.
الآية تخبرنا أن هناك ثلاث مراحل أساسية للتوبة الكلية, لكي يبدّل الله عزّ وجل سيئاتنا حسنات, الأولى التوبة الجزئية. الثانية الإيمان. الثالثة العمل الصالح. فعندما نقرّر أن نتوب فإنّ أول خطوة تبدأ من النيّة, من التوبة الجزئيّة, بالإقرار والندم والتوقف على أداء الذنب والعزم على عدم العودة. لتأتي بعدها المرحلة الثانية, مرحلة الإيمان, الإيمان بالتغيير, الإيمان بأن الشيء الذي اقترفناه (الذنب) كان له مقدّمات أدت إلى هذه النتيجة, أن نؤمن بالتغيير لكي لا نعود ونقع في نفس المشكلة مرة أخرى. الإيمان بأنّ حياتنا أقصر من نكرر الخطأ مرة ثانية, الإيمان بأن النتائج ستكون نفسها إن لم نغيّر الطرق المؤدية لتلك النتائج. عندها ننتقل إلى المرحلة الثالثة, مرحلة العمل الصالح, مرحلة الترجمة العمليّة للإيمان والنيّة, حيث لا مخرج من الذي كنا فيه غير العمل الصالح الذي يكون غالباً من جنس المشكلة. فالعمل الصالح لن يكون مزيداً من الصلاة أو الصيام أو الاستغفار أو حتى الدعاء لأنّ هذا كله يندرج تحت اسم آخر, تحت اسم العبادات. لكن العمل الصالح المراد هنا في الآية هو من أجل الآخرين. من أجل ذلك الاحتمال بأن يكون أحدهم قد تاثّر أو تعلّم منك عندما اقترفت المعصية. أن تفهم أنه سيكون هناك بعضاً من الآخرين من سيتأثر ويسيء عندما تسيء. أن تفهم أنك لا تعيش وحيداً, وأنك كجزء من هذه الأمة لك دور, تتفاعل ويتفاعل معك الآخرون. من أجل كل هذا, فإن العمل الصالح سيكون موجّه لهم. لتبني مثل ما هدمت. لتصلح ما كسرت, حتى لو بدت لك للوهلة الأولى أن لا أحد تأثّر, فثمّة دائماً خطوط متشعّبة ومتداخلة مع بعضها البعض. قد لا تراها ولا تفهمها, لكن هذا لا يلغي وجودها.

 

أعلم أنّ الأمر أصبح صعباً ومعقداً, حيث في كل مرّة نريد أن نتوب يجب أن نقوم بعمل صالح بمفهومه الجديد, لكن صعوبة الأمر لا يلغي حقيقة الأمر. والأمر يهون علينا عندما نتذكر قول رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم في أنّ مهر الجنّة غالي. أيعقل أن نطلب الفردوس في كل رمضان بدون أن نتعب؟ بدون أن نعرق؟ بدون أن نفتخر بما أنجزنا؟

ولا تنسى قبل كل شيء أننا ما زلنا نتكلم عن أدنى شعب الإيمان.


الآية الأخيرة تجبرك على الاحتكاك بالناس, تجبرك على الخروج من قوقعتك وبرجك العاجي وهمومك وحياتك اليومية الشخصية, والنزول إلى الشارع والتفكير بحلول إصلاحية لمشاكل الأخرين في كل مرّة تعصي وترغب في أن يبدّل الله سيئاتك حسنات. إنه البرهان العملي على إيمانك بالتغيير, على توبتك, لتثبت أنك تعلّمت وفهمت الدرس. إنه الجزء العملي مثل أي مادة تدرّس في الجامعات العريقة, فلابد من دليل, فالكلام ربما يُمحى أو يُنسى, لكن العمل وحده يبقى خالداً, على الأقل في صفحات سجلّك.
دعونا ننظر إلى الموضوع من نظرة جانبية, فعندما نرى أنفسنا في هذا الموقع ربما نتلكّأ خوفاً منّا على عدم استطاعتنا لفعل هذا, قد يكون معنا حق فقط لأننا لم نتعود. لكن, خروجك من قوقعتك لا يشملك أنت وحدك, وهذا بالحقيقة ما يخفّف الأمر علينا. لأنّه سيكون هناك شخص من يفكر بك وبهمومك, بل يفكر بإيجاد الحلول المثلى لها. لأنّه قد عصى وقرر أن يتوب فأمره الله كما أمرك لكي يبدلّ سيّئاته حسنات أن يقوم بعمل صالح, فعلم بمشكلتك, وعمل على إيجاد حلول لها, على تقديم العمل الصالح لك ليفغر ويتوب الله عليه.. بهذه النظرة يصبح الأمر أهون قليلاً. وسيكون أهون مرّة بعد مرّة وكلما إزداد عدد الأشخاص الذين يفهمون المعاني الحقيقية لآيات القرآن.

لكن لماذا بعد كل هذه المعاني العميقة جاء في الحديث أنّ إماطة الأذى (تقديم العمل الصالح) يعد من أدنى شعب الإيمان!؟ ألا يجب أن يكون أعلاها؟ وخاصةً عندما نتذكر أنّ في الحديث نفسه ذُكر أن الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. أليس بعد كل الذي رأيناه من معاني جديدة تكاد تكون أصعب وأعمق من قول لا إله إلا الله, فلماذا إذاً أدناها؟
تذكّر دائماً أنّ الذي تعودنا عليه ليس بالضرورة هو الشيء الصحيح. لقد تعودنا أن كلمة أدناها تعني الأسهل والأقل ثواباً. فقط مجرد عادة وتكرار متكرر لمعنى بسيط وسطحي أدى إلى إنغراس المعنى تماماً بحيث لا يمكن الجدال فيه, تماماً مثل تعودنا على معنى إماطة الأذى عن الطريق بإماطة حجرة ما في الطريق.
فلا تعني كلمة أدناها في الحديث على الأسهل والأصغر والأقل ثواباً, بل تعني وتدل على أول خطوة من خطوات الإيمان الطويل, إنّها بوابتك نحو الإيمان كله. إنها تعني وتدل على أوّل (أدنى) درجة من ذلك السلم الذي ينتهي بـ لا إله إلا الله.. نعم, تماماً نفس معنى السلم, فدرجات السلم واحدة ومتشابه ولا تختلف الدرجة الأولى عن الدرجة الأخيرة أبداً إلا بكون الدرجة الأولى كانت مقدّمة للدرج كله, والدرجة الأخيرة كانت نتيجة للدرج كله. لن نستطيع أن نفرّق بين الدرجتين الأولى والأخيرة إن غُيّرت الدرجة الأولى مكانها. جميع شعب الإيمان لهنّ نفس التأثير ونفس الثواب, لا يختلفن إحداهنّ عن الأخريات غير أن بعضهنّ لا تصح ولا تكتمل إلا باكتمال الآخرى, إلا بوجود الآخر. فإماطة الأذى لا تختلف عن قول لا إله إلا الله في الأجر والثواب, فلهما الأجر نفسه والثواب نفسه. لكن الفرق الجوهري والأساسي أن الواحدة تأتي قبل الآخرى, أنّ إحداهما البداية والأخرى النهاية.
الدين الذي نحن عليه الآن, الدين الذي تربينا عليه, الدين الذي نفهمه ونطبّقه, هو يبدأ بالعبادات والطاعات, يبدأ من مجموعة أذكار وصلوات فردية, وإن كانت في المسجد, لا صلة لها مع الآخر. غالباً ما نبدأ إيماننا بـ لا إله إلا الله, ويتطوّر هذا الإيمان من بعد ذلك ليتوّج وينتهي بالعمل الصالح, العمل الذي يربطك بالآخر. فالآخر هو الحلقة الأخيرة المكمّلة لإيمانك, ربما لتصبح ولي المحب لفعل الخير أو ما شابه ذلك. فالعمل الصالح بالنسبة لنا هو خميرة ونتيجة لما اكتسبناه من إيمان, إنه ثمرة إيماننا. أمّا الدين الحقيقي, الإسلام الحقيقي, فهو يبدأ بالعمل الصالح, بعلاقتك مع الآخر. إنه يعتبر الآخر قاعدتك نحو الإيمان, فالآخر هو بوابتك على الإيمان, هو أول خطوة تخطوها في مسار الإيمان. ويتطوّر إيمانك من بعد ذلك لينتهي بقول لا إله إلا الله وأثر هذا القول على قلبك.

إنهما الدينين المتناقضين, الأول يبدأ حين يجب أن ينتهي الثاني. وينتهي حيث يبدأ الثاني!  الأمور والمفاهيم أصبحت مقلوبة, لذلك من المنطقي الآن أن نفهم لماذا واقعنا مقلوب  ومزري. وسعينا لا يعطي النتائج الصحيحة لأن الاستعمال في الأساس غير صحيح.

 

 لا أريدك في النهاية أن تقرأ هذه المقالة وتصفّق, بل أريدك أن تنظر إلى المرآة. سترى شخصاً ربما غير الذي تعوّدت أن تراه, لكنّي أؤمن أنّ بداخل هذا الشخص صلاح الدين آخر. مهما كان وضعك وكيفما كان. ولنتذكّر أنّ هناك صحابي, لا يهمّنا اسمه فقد يكون قد مات منذ زمنٍ بعيد أو أنه لم يمت بعد, أنّه أسلم وهو بالثلاثين وتوفّي وهو في السابع والثلاثين واهتز لموته عرش الرحمن. أعطِ كل ما تستطيع إعطائه, فبإمكانك فعل الكثير لكنك لم تتعود على ذلك.

 

الخلاصة: الأمر برمّته مرتبط بردود أفعالنا نحن. ونهضتنا التي نطمح أن تأتي مرتبطة بما نفعله نحن الآن. ونحن أمام خيارين: الأول, أن نقرأ هذه المقالة ونصفق ونعود إلى ما كنّا نحن عليه. أو, أن نبدأ…

 

 

براء أصفري
baraa.asfari@email.com

 

مصر – الجزائر: هل في هذا الشر كله من خير ؟ بقلم معتز فيصل

rf44735351-300x3001 

هل في هذا الشرِّ كلِّه من خير؟

 

كل العالم العربي البائس من المحيط إلى الخليج يتابع أنباء الحرب المستعرة بين مصر والجزائر، والتي اشتعلت حتى قبل بدء المباريتين الأخيرتين بأسابيع، والتي صار لها ضحايا وشهداء وجرحى ومعتقلون، وربما سيصبح لها عيد رسمي يدخل في تاريخ الأمة العربية البائسة، مثل ذكرى وعد بلفور، وذكرى شهداء تموز، وذكرى النكبة، وذكرى النكسة إلى كل ما هنالك من ذكريات وطنية تحكي أمجاد قوم اعتادوا الذل واستمرأوا الهوان.

 

حاولت ألا أقرأ شيئاً مما كُتب عن الموضوع، وألا اشاهد شيئاً عُرض على شاشات التلفاز، لا قبل المباريات ولا بعدها، حتى الرسائل الإلكترونية التي كانت تصلني حول الموضوع كنت أقوم بمسحها قبل قراءتها حتى لو كان بعضها من كتاب محترمين وعلماء أافاضل أكُن لهم كل الاحترام والتقدير، فقد كانت كل الأخبار والرسائل ذات رائحة مميزة: رائحة العفونة، رائحة زكيبة دواب، رائحة استحمار، تريد كلها أن تجرك إلى موقف لا ينبغي لك أن تقف فيه لا موافقا ولا معارضا، كل الرسائل والبرامج والمقالات كانت تحمل صورة خلفية واحدة هي صورة جندي إسرائيلي يقف مبتسما أمام سلاحه ويضع على صدره نجمة سداسية.

 

قد يكذب من يقول إنه  لم يهتم بأمر هذه المباريات وما أثير حولها، ولم يجد نفسه مضطراً لمتابعة الأحداث، ومعرفة ماذا يجري؟ ولماذا يجري؟ وكيف يجري؟ ولا أعتقد أن في هذا خطأ، بل هو مهمة كل عاقل في هذه الأمة أن يرى هذا ويعرف لماذا حصل هذا وكيف وصل هذا إلى ما وصل إليه؟

 

أول ما يتبادر إلى ذهن من بقي في رأسه عقل أن هذا كله لا يعدو كونه ممارسة سياسية أو لعبة سياسية قذرة في ملعب كرة قدم، حيث لا مكان للسياسة عادة. ولكن في بلادنا يمكن أن يحصل أي شيء في أي مكان، ولا يوجد في بلادنا مستحيلات خاصة أمام قادتنا الأشاوس.

 

ما حصل باعتقادي شر كله (مع استثناء بسيط سيأتي بيانه) من أوله إلى آخره، المسؤول عنه سياسي في مصر وآخر في الجزائر (ليس شرطا أن يكون واحداً وليس شرطاً أن يستحق لقب سياسي)، وكل المشاركين الباقين هم  وقود لنار أشعلت.

 

الذين كتبوا ودبجوا المقالات من الأدباء والكتاب والصحفيين والمصلحين من العلماء والمشايخ المعروفين والذين خاطبوا الجماهير لتهييجها والذين خاطبوا الجماهير لتهدئتها، اللاعبون الكرويون واللاعبون السياسيون، الكل بلا استثناء عدا الفاعلين الأساسيين هم حصب هذه النار الموقدة شاؤوا أم أبوا.

 

الذي ظن أنه بآية أو بحديث سيخمد الفتنة، أو الذي كتب استجداء أو بيانا ووقع عليه  وأرسله لمئات المثقفين ليوقعوا عليه ظنا منه أنه هكذا ستخمد الفتنة، والذي نزل من برجه العاجي في الجامعة العربية ليتكلم بأي كلام يريد أن يُسجل نقاطاً هنا وهناك، والذي عرض وساطته من فوق عرشه، والذي ظن أنه يثأر لكرامته المفقودة، والذي اكتشف أخيرا أن كرامته سُرقت منذ أجيال، الذي قاد مظاهرة عنيفة والذي قاد مظاهرة سلمية والذي رفع علماً والذي أحرق علماً، كل هؤلاء في الهم سواء، كلهم أحجار تحركت بردود أفعال محسوبة أريد لها أن تتحرك بمثل هذه الردود.

لكننا نعود إلى السؤال العنوان: هل في  هذا كله خير؟

 

من وسط كل هذا السواد والظلام بدا لي بصيص ضوء في نهاية النفق العاشر بعد المائة، فأنا من الذين يقولون ويعتقدون أن الأمة ماتت وأن الشعوب العربية استكملت عبوديتها تماماً في مزارع العبيد، لا تجرؤ على الثورة ولا تجرؤ على قيام. ولكنني ألمح في هذا الحدث أنفاساً تتحرك في صدر هذه الأمة، لا أدري، هل هي أمة تلفظ أنفاسها الأخيرة أم أنها أنفاس ميت بدأت تعود إليه الروح؟

 

إذا أخذنا بمقولة حرمة اليأس فيجب علينا أن نعتقد أنها أنفاس جثة تعود الروح إليها مرة أخرى.

 

هذه الشعوب وهذه الجماهير التي تحركت بهذا الشكل، تعطيك الدليل على أن هذه الأمة لم تمت ( بغض النظر عن سفالة الدافع وحقارة الهدف وسوء التخطيط والتوجه) تعطيك الدليل على أن في هذه الأمة من لا يزال مستعداً رغم ذُله وفقره وعجزه وضعفه، أن يموت في سبيل هدف ما (مرة أخرى بغض النظر عن سمو أو انحطاط الهدف)، تعطيك الدليل على أن هذا الإنسان العربي مستعد أن يَقتُل وأن يُقتل بأبخس الأثمان فحياته لا قيمة لها عنده، يعطيك الدليل على  أن هذه الشعوب لا تخاف إلا من حاكمها وأنها بمجرد شعورها أن حاكمها وصاحب نعمتها لن يعاقبها فإنها مستعدة للتضحية بكل شيء (ربما لأنها أصلاً لم تعد تملك شيئاً).

 

شعوب لم تتحرك بهذا العنف من أجل الأقصى ولا من أجل القدس لأن الحاكم كان سيعاقبها لو تحركت

شعوب لم تتحرك بهذا العنف من أجل رسولها صلى الله عليه وسلم لأن الحاكم كان سيعاقبها لو تحركت

شعوب لم تتحرك بهذا العنف من أجل طعامها ورزقها ومأواهالأن الحاكم كان سيعاقبها لو تحركت

شعوب لم تتحرك بهذا العنف من أجل دينها وإسلامها لأن الحاكم كان سيعاقبها لو تحركت

شعوب لم تتحرك بهذا العنف من أجل شعب غزة الذي يقتل ببطء لأن الحاكم كان سيعاقبها لو تحركت

شعوب لم تتحرك بهذا العنف من أجل الأقصى ولا من أجل القدس لأن الحاكم كان سيعاقبها لو تحركت

 

هنا يشع ضوء ضعيف من الطرف  الآخر، هل يمكن دفع هذه الشعوب لعمل شيء ما؟ ومن الذي يستطيع تحريكها غير الحاكم الذي حركها هذه المرة؟ ومن الذي يستطيع أن يزيل خوفها من الحاكم؟ ومن الذي يستطيع أن يدفعها باتجاه التحرر من هذا الحاكم المستعبِد؟

 

لقد كنا نُحمّل الحكام مسؤولية كل ذل هذه الأمة، وكل هوان هذه الأمة، وكل عجز وضعف هذه الأمة، وكانوا يقولون إن الحكام غير مسؤولين. لكن الصورة اليوم اتضحت بشكل لا يقبل اللبس، أليس ما حصل دليل جديد على أن الحكام هم المسؤولون وهم الذين بيدهم القدرة على تحريك هذه الشعوب، وأنهم هم الحاجز الوحيد في وجهها لتحقيق أي هدف مفيد للأمة؟ وأنهم هم الذين أماتوا الشعوب وأقبروها  وخدروها بكل وسائلهم الإعلامية والمادية وبكل أبواقهم ومستَأجَريهم من النخب والأعوان والمنتفعين؟ وأنهم هم الذين بيدهم أن يوقظوا النائم ويحركوا الميت ويعطوا العبيد جرعة صغيرة من الكرامة ليثوروا من أجلها أو حتى ليظنوا أنهم ثاروا من أجلها؟

 

أخيراً هل هناك من أمل أن ينقلب السحر على الساحر وأن تكون جرعة الكرامة التي أعطاها الحاكم صاحب المزرعة لعبيده أكبر من اللازم وأن يستمر مفعول هذه الجرعة حتى يثور العبيد من أجل حريتهم كما ثاروا من أجل كر(ام)تهم؟

 

معتز شكري فيصل

ألمانيا 1.12.2009