تحت القبة البيولوجية : بقلم محمد موسى باباعمي

ecosphere21بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

تحت القبة البيولوجية

محمد موسى باباعمي

 

لا يملك المرء وهو يتجول داخل القبة البيولوجية (Montreal Biodome) إلا أن يستذكر قول الله تعالى: “هذا خلق الله، فأروني ماذا خلق الذين من دونه“؟!

هي قبة بجوار القرية الأولمبية المشهورة، بمدينة مونتريال في كندا، أسست سنة 1992، وقد زارها منذ ذلكم التاريخ أزيد من 14 مليون زائر من مختلف بلاد العالم.

إنها قرية تأوي الطبيعة الحقيقة لمختلف الأنظمة الأيكولوجية (ecosystems) في أمريكا وأفريقيا، بداية من الغابات الاستوائية، ونهاية بالمناطق الثلجية في القطب الجنوبي.

تفصِل بين قسم وآخر بواباتٌ محكمة الصنع، وفي طبيعة الله فوق أرضه ليس ثمة بوابة، ولا فاصل بين طبيعة وأخرى، وإنما هو عظيم إبداع الله، يهب لكل قارة ولكل أرض أو بحر جوه وحيواناته ونباتاته… ولا يبغي بعضها على بعض.

وفي كلِّ قسم من أقسام القبة تجسيد واقعيٌّ لتلك البيئة، من حيوانات ونباتات، بكلِّ أنواعها: البرية والبحرية، الزاحفة والطائرة… كلها جمِّعت هنا، وتمَّت رعايتها، حتى لكأنها في موطنها الأصليّ… ومما يجعلك تحس بالانتقال، حقا لا وهما، من نظام إلى آخر، ذلك الطقس المكيف بحيث يكون حارا أو باردا، جافا أو رطبا، حسب البيئة، وحسبما ألفت تلك المخلوقات الرائعة؛ لأنك لو غيَّرت لها جوها لتبدَّلت، ولمات البعض منها… فلا مبدل لخلق الله، ولا مغير لحكمه.

وداخل القبة من إفريقية جسِّدت طبيعة مدغشقر، وهي من أكثر المناطق إثارة لإعجاب الزوار، وفي المقدمة حيوان الليمور البني الجميل، وهو يتسلق الأشجار بذكاء ورونق، ولا يأبه للحاضرين، لأنهم في نظره شيء من الأشياء لا غير.

المئات من الأطفال مع أهليهم، يتمتعون بهذا التراث البيئي العالمي، ويتعلمون حرفا حرفا، وكلمة كلمة، وجملة جملة… ثقافة الطبيعة، وأسماء النباتات والحيوانات، وأشكالها، وخصائصها، والفروق بينها… بأسلوب مبدع واقعيٍّ، فتجد الواحد منهم في الخامسة من عمره، عارفا بالعشرات من مخلوقات الله، واع بخصائصها… ولا ريب أنَّ الطالب الجامعيَّ في العالم المتخلف، للأسف، يجهل أقرب الحيوانات إلى بيئة، ولا يعلَّم شيئا عن نباتات وطنه… فالفرق واضح، وللحضارة أسبابها، فهي ليست سحرا، ولا ادعاء، ولا هرطقة…

أما المنكر الذي يقطِّع القلب إربا، داخل هذه القبة الغريبة، فهو غياب السؤال الحق: “من خلق هذا كله؟” وهو تغييب الجواب الفصل: “الله سبحانه…”…

إنك لا تسمع شفة تنبس باسم الخالق الوهاب: “الله”، أو “God” أو “Dieu“… وحينها فقط يتوسع لديك مدلول الشرك، ويعظم في قلبك قبحُه، وتردِّد قول الربِّ العليم: “إنَّ الشرك لظلم عظيم“…

فكيف يُعقل أن يسأل الواحد منا ومنهم: من هو هذا العالِم الذي أبدع هذه القبة؟ فتفنن في جمع المخلوقات لها من شتى بقاع العالَم، واجتهد في ترتيبها، وتنظيمها، وإدارتها، وتحسينها…؟ كيف يُعقل أن يسأل عن ذلك وهو لا يسأل: من خلق هذا كله؟ ومن وهبه الحياة بلا اختيار منها؟ ومن يهبها الموت ولا تملك له ردا؟

فهل يقدر بشر أن يخلق أصغر مخلوق تحت القبة البيولوجية العجيبة، أو تحت القبة الكونية العظيمة؟ أم أنه عاجز، سواء اعترف أم لم يعترف؟

السبب في الإلحاد كله هو التوجُّه الدارويني الواضح في فلسفة المشروع، فداخل القبة جناح لداروين، وتعظيم لداروين، وتبجيل، بل وتأليه… فهو في نظرهم الإله، ولا إله… وكم من شبابنا تشرب هذا الفكر وهو لا يدري، ودافع عن هذا الدين وهو لا يدري أنه لا يدري…

وأخيرا، لا آخرا… للقبة موقع افتراضي مفصَّل، يحملك خطوة خطوة إلى أجنحتها الخمسة، فقط بالبحث عن (Montreal Biodome) في المحركات البحثية، أو بالسباحة في العنوان الإلكتروني: www.biodome.qc.ca

ثم باختيارك للغة إمَّا الفرنسية أو الانجليزية، ذلك أنَّ للغة هنا دلالة حضارية تدافُعية، لا كما أرادها البعض منا بتنكُّرهم للغتهم العربية العظيمة، وتغنِّيهم بالغنة الفرنسية الرطينة…

شتان بين ذلكم الاعتزاز وهذا الاهتزاز…

فقط أخي، إذا دخلت الموقع ادعُ الله لي وللمسلمين، ولا تنس أن تردد جهرا: “ربنا ما خلقت هذا باطلا، سبحانك فقنا عذاب النار

 

26 رمضان 1430

أمتي: كل عام وأنتِ….بقلم سهير اومري..

newworld11أمتي: كل عام وأنتِ….

سهير علي أومري

أمتي العربية و الإسلامية…

سلام من الله عليكِ… وتحية مني إليكِ… وعاماً سعيداً أرجوه لك…

كل عام وأنت بخير…. خير حقيقي وليس بحروف كلمات ألفناها كل عام…

كل عام وأنتِ لستِ كما أنتِ….

كل عام واليمن السعيد سعيدٌ بوحدة أهله ومحبة جيرانه…

كل عام والناس لا حاجة لهم إلا لمولاهم وخالقهم، فلا أزمة اقتصادية تخلف آلاف العاطلين عن العمل ولا ملايين الفقراء الذين ينظرون إلى خط الفقر بحسرة يتمنون بلوغه، وهم يلتحفون السماء ويتجرعون كؤوس الهواء ويا ليته هواء يثلج الصدر أو يبعد عن القلب الداء…..

كل عام وأمتنا تطور أسلحتها بقلب جريء وخطا ثابتة دون أن تكترث لأنظمة عالمية لا شريعة لها إلا ما شرعته الغابة…

كل عام وأشقاؤنا من دول الجوار يدٌ واحدة يحسنون إدراك المواقف ومعرفة الأعداء من الأصدقاء….

كل عام والعرب يجمعهم دين واحد ولسان واحد فلا عدوٌّ يفرقهم ولا كُرةٌ تمزق صفوفهم مهما كان لونها…

كل عام ونحن نعرف كيف يكون انتهاك الشرف والكرامة بإغلاق المعابر وقتل الأبرياء لا بكُرَةٍ تطير بين الأقدام في الهواء…

كل عام وروحنا ليست رياضية تجاه من يحاصر أهلنا وينزل بهم أنواع الأذى وصنوف العذاب….

كل عام وعراقنا حرٌّ… وفلسطيننا حرة… وأقصانا يعتزُّ ويفتخر أنه لنا….

كل عام ورمضاننا يحقق غايته من زيارتنا في أن نتمثل طاعة الله وتقواه، فلا يغدو طقوساً فلكلورية ولا فرصة للتكالب على الأكل والتسوق والتسلية والتمتع بملذات الدنيا وشهواتها….

كل عام والناس ينعمون بصحة وعافية فلا تُكَمّ أفواههم بكمامات، ولا يحبسون أنفسهم في زنزانات خشية الأوبئة والأمراض والفيروسات….

كل عام والناس لا تشكو القلة والخسارة وقلة الأرباح، ثم يخرج من جيوبها 7,6 مليار ليرة سورية عند الاكتتاب على أسهم أحد البنوك بمبلغ يزيد 6 أضعاف المبلغ الذي حدده البنك….

كل عام ومن معه قرشان يجود بأحدهما لأخيه، ومن معه قرش يجود بنصفه لأخيه دون أن يفكر ماذا سيأكل غداً….

كل عام ونحن ننعم بالماء… ينظر إلينا ربُّ الأرض والسماء فيرانا محقِّقين سُنَّته في أرضه قائمين على استغفاره وتقواه، فيأمر سماءه أن تجود وأرضه أن تجود…

كل عام ونحن ننعم بالكهرباء أو على أقل تقدير نشعر بإنسانيتنا عند قطعها في مواعيد نعلمها مسبقاً، فلا تحاليل مخبرية تفسد ولا أناس في المصاعد تعلق ولا ملفات الحواسب تُمحى ولا الأجهزة المنزلية تعطل…. ولا……

كل عام ونحن ننعم بدفء المدافئ  دون أن نجلس ننظر إلى خزانات المازوت ونحن نعُدُّ القطرات التي تنزل منها بهدوء…

كل عام ونحن نحتفل بعشرات لا بل بمئات علماء  الدين والمفكرين الإسلاميين ممن يحملون إرث علماء بهم كانت تُسقى الشام وتُرزق إلا أن ساعة ميلادهم لحياة الخلد قد حانت فانتقلوا إلى جوار رب كريم رحيم….

كل عام ونحن نفخر بمجددين حقيقيين يحققون المعادلة الصعبة في الجمع بين التجديد والحفاظ على الثوابت، فلا هُم أتباع كل ناعق ولا هم يثبتون أن الأولين لم يتركوا للآخرين شيئاً….

كل عام والمخطئ يتحمل المسؤولية من أصغر قشرة يرميها من نافذة سيارته إلى أكبر كمية لحوم فاسدة يدخلها إلى البلد متاجراً بحياة الناس وأرواحهم…

كل عام ومهرجاناتنا الإعلامية تقدم للأجيال رسالة سامية يقدمها فئة من الإعلاميين الذين لهم لون عربي وطعم عربي ورائحة عربية… فلا يبدون كسحالي الغابات يتلونون كما تتلون الألسنة والحضارات…. وهم لا يتقنون في الحياة إلا أمرين زيادة أرصدتهم بالأوراق الخضراء، وتقديم قوالب السمّ الزعاف مزينة بأسطع الألوان وأعذب الألحان… قوالب تقدم للأمة جرعات منتظمة من التغريب والتهميش والتطبيع…..

كل عام وأقساط التعليم لأبنائنا لا تجسّد عملية سطو مؤطر بأنظمة وقوانين وتشريعات…

كل عام  ومعرض كتابنا أهم التظاهرات يحشد الآلاف، وتسخر لتمويله الملايين، وتهتم به وسائل الإعلام أكثر مما كان في حفل زفاف راقصة الإغراء على أحد رجال المال والأعمال…

كل عام وقانون الأحوال الشخصية يُقِرّ ما أقره الله تعالى لخلقه فلا ابتداع… ولا للأمم الأخرى اتباع…

كل عام…. كل عام…. كل عام…

أمتي الحرة… أمتي الأبية…. أمتي العربية و الإسلامية… لك مني سلام وتحية…. وأمنيات بعيد سعيد وأيام هنية

أمتي العربية و الإسلامية… اقبلي مني هذه الأماني…

وآخرها: إلى كل نفس أبية:

كل عام وخرفان الأضاحي أنبل وأشرف ما نضحي به للفوز بهذه الدنية …

وكل عام وخرفان الأضاحي أزهد وأقل ما نضحي به للفوز بالآخرة …

أحمد خيري العمري لن ينال نوبل أبدا !بقلم :د.محمد عباس

innovision2012 

الدكتور أحمد خيري العمري

كاتب عراقي كبير

لن ينال جائزة نوبل أبدا!.

(الدكتور محمد عباس كاتب و أديب و مفكر و طبيب مصري مرموق و محاصر في الوقت نفسه ، شرّفني بكتابة مقال عني في مجلة “المختار الاسلامي” المصرية ،و حملني في مقالته أمانة كبيرة أرجو ان أكون على قدر تحملها ، و أن أكون  بعضا مما قاله … له الشكر الجزيل على أشياء كثيرة منها أن مقامه و سنه لم يمنعاه  من كتابة ما رآه و توسمه في كاتب من جيل أبنائه..)

 

 

كان اكتشاف شاعر في القبيلة العربية حدثا هائلا يفوق أي حدث عداه.. كان زلزالا يهز القبيلة كلها.. نفس الزلزال الذي أصابني وأنا أكتشف الكاتب الدكتور أحمد خيري العمري(ويرجع في نسبه إلى سيدنا عمر بن الخطاب).

لكم كنت حزينا لأن المشروع الأدبي الذي ابتدأته منذ ربع قرن قد أجهض، كان جزءا كبيرا من مشروعي الفكري هو ما يفعله الدكتور أحمد العمري الآن.. إرساء قواعد أدب وفكر عربي إسلامي لا يستمد جذوره من الغرب.. ليس بسبب التناقض أو القطيعة.. بل عن طريق تواصل من يعلم أنه أسمى.. حاولت ولكنني حوصرت.. توقفت عن كتابة الرواية والقصة وخرجت شاهرا سيفي لأدافع عن البديهيات المنتهكة والمنكرة..وسلمتنا الهزائم للهزائم حتى خارت العزائم.. وكلما جاءت هزيمة قلت هذه مهلكتي.. فتمضي ولا نهلك حتى تجيء بعدها قارعة أشد فأقول هذه.. هذه.. لكن الأمور لا تنتهي والهزائم أيضا.

من أجل هذا كان انبهاري بالدكتور أحمد خيري العمري وهو طبيب أسنان عراقي  ولد في بغداد عام 1970 لأسرة موصلية الجذور، تخرج من كلية طب الأسنان جامعة بغداد عام 1993، اصدر كتابه الأول “البوصلة القرآنية” في عام 2003، باحث مهتم بفكر النهضة المستمدة من الثوابت القرآنية، له الآن  خمسة عشر عنوانا مطبوعا غير المقالات المنشورة وهي :

1- البوصلة القرآنية

2- سلسلة ضوء في المجرة بست عناوين

3- ليلة سقوط بغداد

4- الفردوس المستعار و الفردوس المستعاد

5- أبي اسمه إبراهيم

6- سلسلة كيمياء الصلاة بخمس عناوين

لا أخفي انبهاري بما قرأت للكاتب الكبير، انبهار جعلني أخجل من أنني لم أعرفه قبل ذلك،  وهو كبير ورائع ومبهر-مهما كانت أخطاؤه أو خلافنا أحيانا معه- وإنني لا أراه بعين اليوم فقط.. بل أراه بعين الزمن الآتي بعد أن تكتمل تجربته وتزيد خبرته ويقارب على الانتهاء دوره.. انظروا-على سبيل المثال- كتابات سيد قطب أو نجيب محفوظ في الأربعين من عمره وكتاباته في الستين والسبعين.

 

المبهر في أحمد العمري.. أو في اكتشافي له أنني من خلاله  فهمت  مشاعر الكاهن في قصة أصحاب الأخدود.. حين ظن أنه سيموت حسيرا دون أن يجد غلاما يحمل علمه ورسالته.. وفجأة وجد الكاهن الغلام.. وعلم أنه سيتجاوزه ويتفوق عليه.. ولشد ما أفرحه ذلك. فهمت تلك المشاعر وأنا أكتشف أحمد خيري العمري ينفذ فعلا مشروعا ظننته وئد بحصاري. ينفذه بصورة رائعة متميزة ربما تفوق ما ظننت أني أفعل.

أقرأ الآن في أربعة كتب له في نفس الوقت. البوصلة القرآنية. إنه أول كتبه. وهو سفر ضخم يقع في 600 صفحة. وبرغم أنه الكتاب الأول إلا أنه يتضوع نضجا وحكمة، كان له صدى واسع  عند صدوره.

يقول العمري في البوصلة القرآنية: ” كل ذلك عندما جاء المَلَك للغار، وقال لذلك الرجل تلك الكلمة الهائلة الرهيبة: {اقْرَأْ}.

بعد صمت طويل – دام حوالي ستة قرون. جاءت كلمة السماء: {اقْرَأْ}.

{اقْرَأْ} إنها أول كلمة اختارها الله ليعرف نفسه إلى نبيه. بل إلى آخر أنبيائه.. وهي لا تشبه أبداً الكلمات الأخرى التي قيلت للأنبياء الآخرين.

ففي كل الرسالات السابقة كان الخطاب الإلهي يعتمد على إعجازٍ (حسي)؛ عصا تسعى، يد بيضاء، طير يعود إلى الحياة.. في كل الرسالات السابقة كان الله يخاطب في الإنسان حواسه. لكنه في هذه المرة، ربما لأنها المرة الأخيرة ، اختار – عز وجل – طريقة أخرى. مضموناً آخر، وصيغةً أخرى..  القراءة: أول فرض فُرِض في الإسلام، قبل الصلاة والصوم والزكاة والحج.(…) لكن الرجل الذي أنزلت عليه {اقْرَأْ} كان أُمياً. وقد ظل علماؤنا لفترة طويلة يفسرون ذلك أنه من أدلة النبوة وأوجه الإعجاز – في مواجهة المشككين بصدق نبوة محمد (عليه الصلاة والسلام)..لكن الانطلاق من أرضية التصديق يمنح ذلك التناقض الظاهري بين {اقْرَأْ} وبين أُمِّية النبي أفقاً واسعاً للتأمل وفضاءً رحباً للتحليق. إنه يحرر القراءة من أسوارها الأبجدية وحدودها اللغوية – على سعتها – ليطلقها في عالم المعاني شديدة الثراء والخصوبة. إنه يحرر القراءة من المفاهيم الجامدة للتلقين الغبي إلى قراءة ما هو غير مكتوب في بطون الكتب، إنه دعوة لقراءة كتاب الكون المفتوح، المتمثل في كل ذرة من ذرات الخليقة.. والمتجسد في كل حبة رمل، ونسمة هواء، وثمرة شجر.إنه دعوة للقراءة في كتاب النفس الإنسانية: في كل نزعة خير ونزوة شر، وعاطفة حب تسمو بها النفس، نحو الجمال والسمو، أو تهوي بها نحو الرذيلة والانحدار. والمتأمل في اللفظ المجرد {اقْرَأْ} في اللغة العربية يجد في ثراء المعاني المرتبطة به زوايا جديدة للنظر نحو الأمر الأول، بل الفرض الأول الذي نزل في الغار. فمشتقات {اقْرَأْ} ترد بمعاني: الحمل. الجمع، من المجموع. الفقه. المدة الزمنية. وكل واحدة من هذه المعاني تمنح {اقْرَأْ} بعداً جديداً يوضح رؤيتنا لما حدث في الغار يومها.

(…)

وهكذا فـ {اقْرَأْ} هي دعوة لقراءة الكون بأجمعه.. الخليقة بأجمعها، والتاريخ، والنفس البشرية..

وهكذا يواصل العمري كتابه الضخم.. ويذهلني أنه انتهي من كتابته قبل عامه الثالث والثلاثين.

***

يبدو مؤلفه الهائل الآخر: “الفردوس المستعاد والفردوس المستعار” مرثية قطرات دموعها جليد. إنه كتاب ضخم هو الآخر يقع في ستمائة صفحة إلا قليلا..

للوهلة الأولى.. فجأة.. وعلى حين غرة.. تسقط في الزمهرير تتلقفك دوامة المقدمة النازفة للكتاب فتظل تدور حتى تنتهي من الكتاب كله ولا تعود بعد قراءته كما كنت قبلها أبدا. يقول العمري في الإهداء:

اهدي هذا  الكتاب إلى القناص الأمريكي الذي قتل – بــدم بـارد- الخالة منى عبد الهادي العبيـدي وزوجها الدكتور أحمد الراوي.. وخمس وعشرين شخصا آخرين من المدنيين تصادف أنهم مرّوا من أمام مكمنه على مشارف مدينة الرمادي ظهيرة يوم الرابع عشر من تموز 2004.. بدلا من رصاصات مماثلة كالتي أطلقها عليهم اهدي هذا الكتاب إليه..و إلى كل زملائه الآخرين.. اهديه إليه، وإلى دقته في التصويب : رصاصة واحدة فقط على رأس زوجها.. – وتسليه بإطلاقه بضعة عشر رصاصة عليها.. اهديه إلى القيم التي دفعت به إلى هنا و إلى رأسه الفارغ إلا من نظرته المحددة سلفاً لكل الأمور. وإلى حضارة الرجل الأبيض التي جاء لينوب عنها.. والى ثقافة البوب كورن التي جاء لينشرها.. اهديه إليه، عندما يعود إلى بلاده، سواء بكفن أو على عكازة أو عكازتين.. أو سالماً يمشي على قدميه.. وأهديه إليه، عندما يحتضن زوجته، وأولاده، ويجلس بينهم بينما يحكي بطولاته مع أولئك المتوحشين الذيــن هــم نـحن…، ورسالته التي أداها في جرنا إلى درب الحضارة.. لقد أدى قسطه أكمل وجه في حوار الحضارات- الذي يتحدثون عنه- كانت تلك الرصاصات المنفلقة هي سطوره التي أداها بشكل عملي.. ابلغ وأكثر تأثيراً من كل الأقوال.. هذا الكتاب هو ردي عليه، وهو سطوري أنا في ذلك الحوار. و كما كان هو دقيقا في التصويب ، آمل أن أكون أكثر دقة..

د.احمد خيري العمري “

وبالفعل.. كان أكثر دقة..

إنني أناشد كل صاحب رسالة في هذه الأمة أن ينشر هذا الكتاب وأن يكتب عنه.. وأناشد شبابنا جميعا أن يقرؤوه. بل أناشد كتابنا أن يدرسوه.. لأن أحمد خيري العمري من ذلك النوع من الكتاب الفطاحل الذين يتجاوز تأثيرهم الثقافي القراء إلى الكتاب والمفكرين. نعم.. إنه لا يعلم القراء فقط بل يعلم الكتاب كي يعلموا القراء.

يتحدى العمري الدين الجديد.. دين الحضارة الأمريكية ويثبت بكل الوسائل أنه دين جديد لا يبدأ بالتصارع مع الأديان الرئيسية بل يتعايش معها ليزيحها في النهاية أو ليفرغها بالكامل من مضمونها.

***

 مفتون أنا برائعتيه عن إبراهيم ونوح عليهما السلام في روايتين بديعتين تصلحان للكبار كما للصغار.. ويا له من ملمح يخطف القلب خطفا وهو يصف الكفار من قوم نوح عليه السلام وهم يشرفون على الغرق، فيقول أنه بان على ملامحهم أن الموت أهون عليهم من الإيمان بالله و من الاعتراف بأنهم كانوا مخطئين..

وكأنه يصف علمانيينا ودعاة الدولة المدنية..

***

يخطف القلب في مجموعته البديعة عن الصلاة بطريقة عرضه وسرده وبمنهجه الفكري.. إنه يتحدث مثلا عن تكفير الصلاة عن الذنوب بينها إلا الكبائر.. لكنه يكشف لنا ما لا يخطر لنا على بال وإن استقر في الضمائر.. ذلك أنه يكشف لنا أن الكبائر ليست فقط ما نرتكب.. بل أيضا في تلك الأشياء التي لا نفعلها لتكون أكبر الكبائر أن تعيش حياتك لا تفعل شيئا.

***

في كتابه :”يوم، شهر، سنة”.. يبلغ ذروة جديدة من الروعة.. خاصة في نهايته الآسرة حيث يتكثف النثر فيضارع الشعر حيث يتخيل أنه يموت قبل أن ينتصر في قضاياه لكن كلمات كتبه تكمل المعركة عندما تطير الكلمات من السطور.. تخرج من بين الصفحات كالمارد من القمقم.. وتتطاير في الهواء بلبلا وكناريا ونورسا وصقرا وهدهدا يغار..

***

مقالات العمري رائعة..

تحليلاته رائعة..

الجانب الروائي فيه رائع..

لكن”ليلة سقوط بغداد” تظل حبي الأول..

ولكن المساحة المتاحة لم تعد تتسع لمزيد.

فقط أقول أنه لن ينال جائزة نوبل أبدا.. سوف ينالها زميله طبيب الأسنان الآخر  الدكتور علاء الأسواني.. وقد تعلم كلاهما وعمل فترة في أمريكا.. وبادر الأسواني بالتشهير بأمته والسخرية من ثوابتها فحق له أن تطبق شهرته الآفاق و أن يبدأ انتظاره لنوبل بعد ثلاثة أعمال قيمتها مشكوك فيها تماما..

أحمد خيري العمري لن ينال نوبل أبدا لأنه يدافع عن ثوابت أمته.. يكتب بدمه وبجماع عقله وروحه.. إنه لا يبيعهم شيئا فكيف ينال منهم شيئا؟!.

المقارنة بين الاثنين تدل على مدى فساد الثقافة في بلادنا.

أحمد خيري العمري ومضة أمل وشعاع ضوء يحمل لنا رسالة أننا لن نتلاشى ولن نبيد ولن تهلك بيضتنا..

أحمد خيري العمري دليل على أمة ولود ستقهر ما تواجهه من صعاب..

أحمد خيري العمري لطمة  هائلة على وجوه غليظة لأشباه كتاب وأشباه نقاد وأشباه مفكرين سلعهم الشقاق والنفاق والسحاق والشذوذ والعهر والكفر وعبادة الذات.

أحمد خيري العمري شجرة وارفة تستحق من كبار نقادنا الشرفاء أن يلتفتوا إليها.. فذلك حق القارئ في عالمنا العربي والإسلامي.. حق القارئ الذي أغرق في مستنقعات الدنس وغياهب الظلمات أن يحس لمسة طهر وبصيص نور.. من أجل ذلك وجب مناشدة كبار نقادنا وأخص بالذكر عمالقة النقد: الأستاذ الدكتور إبراهيم عوض.. والأستاذ الدكتور جابر قميحة.. والأستاذ الدكتور حلمي القاعود.. وغيرهم( والترتيب أبجدي!).

أما القراء فإن موقع الدكتور أحمد خيري العمري هو:

http://www.quran4nahda.com

أما الدكتور أحمد خيري العمري نفسه فإنني أناشده أن تكون بعض أعماله معروضة كاملة على الشبكة العنكبوتية وليس مجرد ملخصات لإنتاجه المتميز..

وذلك حق الأمة عليك.. يا حفيد عمر بن الخطاب.. رضي الله عنه.

دكتور محمد عباس

 

 

 

DNA الأمة.. الخلية التي تلخّص حياة وتطوّر أي أمّة : براء أصفري

depression_genetics1DNA  الأمة.. الخلية التي تلخّص حياة وتطوّر أي أمّة

 

  لمعت في ذهني فكرة انطلقت من ذلك الحديث الشريف في أنّ إماطة الأذى عن الطريق يعد شعبة من شعب الإيمان. هذه الإماطة التي تعودنا أن نراها متمثلة بـحجرة صغيرة في وسط الطريق وأن إماطتها لهذه الحجرة ستجعلك تجتاز أدنى شعب الإيمان! هكذا جميعنا يرى الموضوع. لكن كالعادة, ثمّة شيءٌ جديد.

  القصة تبدأ من اختيار حرف الجر (عن) بدلاً من (في). فكل ما نحن نعمله في حياتنا اليومية هو إماطة الأذى في الطريق. فالعادة هي أننا نسير في الطريق وعندما نرى الأذى المتواجدة في الطريق والمتمثلة دوما ً في أذهاننا على أنها حجرة ما فإن إزاحتها جانباً سيكفل الموضوع تماماً. لكن القصة لم تروى هكذا بل قال الرسول محمد صلى الله عليه وسلم: إماطة الأذى عن الطريق, وهذا يضعنا أمام معاني كثيرة.
أولاً, أن كلمة الأذى في الحديث جاءت معرّفة وغير معرّفة في آن معاً. فجاءت معرّفة بآل التعريف لأن الأذى بالذات (بكل ما تحمل كلمة أذى من معنى) هي شديدة الوضوح لأي إنسان بالفطرة, أو على الأقل يجب أن تكون كذلك. وغير معرّفة لأن الحديث لم يحدد ماهيّة الأذى, فربما يكون أذى جسدي كما ربما أن يكون أذى بصري أو سمعي أو بيئي وذوقي.. كما أنّ الشيء المهم هو أن نوعية الأذى سيختلف من جيل لآخر, فالآذى التي تخرجه عوادم السيارات في طرقنا اليوم مثلاً لم تكن موجودة أثناء زمن الحديث, وبالتالي نجد أن لا جدوى من تحديد نوعية الأذى ما دام معنى الأذى يشمل كل المعاني بدون استثناء.
ثانياً, حتى نفهم أهمية حرف الجر (عن) لابد لنا من ذكر المثال التالي: قام المهندس بإزالة العقبات المتواجدة في المشروع. أي هناك مشروع فيه عقبات, قام المهندس بعد معرفته بوجود العقبات بإزالة تلك العقبات. أما الحالة الثانية: قام المهندس بإزالة العقبات عن المشروع. فهذا يعني أن المهندس قام بإزالة أي عقبة ممكن أن تواجه المشروع. هنا نتكلم عن معالجة العقبة قبل حدوثها ووقوعها, نتكلم هنا عن استمرار بحثك عن أي عقبة ربما سيواجهها المشروع حرصاً منك على سلامة المشروع. تماماً وبذات المعنى نستطيع تطبيقه على الحديث. إماطة الأذى عن الطريق, خوفك من أن يتأذى أي شخص من المارة, وسعيك وتفكيرك الدائم اليومي ليبقى ذلك الشارع (الطريق) بدون أذى. أذى جسدي متمثل بحجرة ممكن أن يتعثر منها أو بضجيج ممكن أن يتأذى منها من يسير في الطريق, أو… أو… هنا أصبح اهتمامك بالآخر جزءاً منك ومن تفكيرك اليومي, أن تشعر بالأذى والضرر لأنه يتأذى ويتضرر. وليس فقط أن تشعر بل أن تسعى بكل جهدك بإزالة الأذى. هنا يخرج الموضوع من مجرد واجب وصدقة ويدخل إلى أعمق من ذلك بكثير إلى أدنى أبواب الإيمان. إن الحديث بصورة مباشرة يربط أفعالك تجاه الغير مع أدنى درجات الإيمان, مع أول خطوة من مسار الإيمان الطويل.
ثالثاً, كلمة الطريق المذكورة في الحديث تضع النقط على الحروف وتنهي المسألة تماماً, فالطريق كان المقصود منه المكان العام المكتظ بالسكان, تماماً مثل كلمة الشارع لدينا اليوم. لكن شتّان بين الطريق ذاك وبين الشارع لدينا. الطريق الذي أراده الحديث هو الطريق الذي تسير فيه ولا تتأذى لا جسدياً ولا بصرياً ولا سمعياً ولا ذوقياً منه. الطريق الذي كل من يسير فيه يكون همّه الأول أن لا يتأذى الطرف المقابل, حتى ولو كان الذي يسير لا علاقة له بالأذى, لكنه يعلم جيداً أن عدم إماطة الأذى عن الطريق ربما سيهدد إيمانه, كون هذا العمل من أدنى أبواب الإيمان.
الحديث, بالتحديد, يجعل من الطريق مرآة تعكس واقع وحال الشعب الذي يعيش فيه. إنه يختصر المسألة كلها بصورة واحدة, بصورة الشارع وعلاقة من يمر فيه مع بعضهم. لأنه يعلم جيداً أن من يزيل الأذى عن الطريق لابد له من أن يكون كذلك في البيت ومكان العمل والعبادة. لا يمكن أن يرائي أبداً في هذا الشيء.
جرب هذا الأمر بنفسك, امشي في شوارع حارة فقيرة أو غنية, ستستطيع بعد فترة من السير أن تكتشف طرق عيش سكان هذه الحارة. همومهم ونظافتهم وثقافتهم وأخلاقهم وانتظامهم وأهدافهم في الحياة كلها ستراها معكوسة في الشارع. وكذلك الأمر لو انتقلت إلى بلد آخر. فأي بلد سيُختصر كاملاً في مشهد الشارع.
فالحديث الذي تعودنا أن نراه مجرد إزالة حجر عن الطريق, أصبح مرآة للأمة, أصبح تلك الخلية التي تختزن وتختزل القصة بأكملها.

  أعلم أن الصورة التي قدّمتها عن ذلك الطريق الذي تسير فيه بدون أن تتأذى جسدياً وبصرياً وسمعياً وذوقياً أشبه بأن يكون مثالي, إلا أن نظرتك أنت (أقول أنت, لأني أؤمن بإمكانية حدوث تلك المثالية (المدينة الفاضلة), بل أؤمن تماماً بحدوثها بالمستقبل القريب) نعود, إلا أن نظرتك أنت للموضوع على أنه مثالي هذا لا يعني أبداً أنه إذا كان من الصعب الوصول إلى 100% فلا فرق أن نعمل 20%. بل القصة كلها أن تسعى لتعمل وتصل إلى 100% وإن لم تستطع فاسعى إلى 99% وهكذا. الفكرة ليست إن كان بإمكاننا تطبيق المدينة الفاضلة أم لا, الفكرة هي: هل ستكون واحد من الذين يساهمون ويبنون تلك المدينة أم لا. إني أعلم تماماً أن المدينة تلك ستبنى معنا أو بدوننا, والفرق الوحيد الذي سيحدث لو انضممنا وساهمنا هو في استعجال بناء تلك المدينة وإمكانية رؤيتها بالعين المجردة.

ولأني لا أكتب لمجرد الكتابة, يجب أن نضع خطوات عملية لتطبيق ما جاء في المقال.

 

براء أصفري
19-11-2009

 

المؤمن يعرف جيداً أين يجد ضالته ..

6a0109d0fc14da000f011017a52d88860e-500pi1الحديث ضعيف و الأمة ضعيفة (2)

المؤمن يعرف جيدا أين يجد ضالته..

د.أحمد خيري العمري – القدس العربي

بين الحين والآخر، تطفو على السطح ظواهر وصرعات “مستحدثة”، تجد من يروج لها ويسوقها، قد تكون أحيانا مجرد خبرا علميا يروج على أنه نظرية، وقد تكون مذهبا فكريا لا يملك من الفكر إلا قشوره ولا حداثة له إلا في شذوذه، وقد تكون مجرد صرعة عابرة في علم النفس “الشعبي” أو فقاعة لامعة فن التعامل، ولكنها تجد أشخاصا لا ينقصهم الذكاء يروجون لها ويعتاشون عليها، كما تجد أشخاصا لا تنقصهم النية الحسنة يصدقونها ويبتاعونها..

كل ذلك طبيعي، هناك عند البعض ، و لأسباب لا مجال للخوض فيها ،  الحاجة إلى “وجبة ” للمضغ الفكري لا يشترط وجود أية قيمة غذائية فيها.. فقط مادة للاجترار، والشرط الوحيد فيها أن تكون مستوردة وبغلاف براق لأسباب لا تخفى..

ما هو غير طبيعي، أو على الأقل ما لا يمكن السكوت عنه، هو أن يتكئ الترويج على احترامنا للحديث النبوي، ويخلط بين هذه الصرعات وقبولنا أو تقبلنا لها، وبين  طاعتنا  لحديث نبوي نؤمن بقداسة منظومته..

فبعد أن يتم تقديم كل صرعة من هذه الصرعات، بما تضمه من أفكار وأقوال يحاول مروجوها أن تكون مأثورة، يلتفتون لمن يحاول الاعتراض أو التشكيك أو التلميح إلى وجود ما هو مخالف للثوابت فيها، فيقولون  قال عليه الصلاة والسلام :” الحكمة ضالة المؤمن، أنّى وجدها فهو أولى بها..”.. ويحاولون إسكاتنا بهذا.

و الخديعة هنا متعددة الأضلاع، وضلعها الأول يمرر أن ما يقولونه هو الحكمة، وقد يكون أحيانا مجرد  “رأي” رجل أعمال رأسمالي ناجح والنجاح بالنسبة له هو “زيادة ثروته بغض النظر عن أي شئ آخر”، أو قد يكون قولاً لرجل دين وثني ( صار يسمى الآن زعيما روحيا، ونعرف جيدا أين يضع التصنيف القرآني معتقداته وروحانياته، ولكن كما تعلمون، أهم شيء حاليا هو “قبول الآخر” و كل ما يقوله و يؤمن به هذا الآخر، حتى لو كان وثنيا مشركا.. ).. وقد يكون قولا ومذهبا لزعيم سياسي بنى تجربته على موروث وثني “محلي”.

مع ذلك يجد هؤلاء الجرأة للزعم أن خلاصة تجارب هؤلاء تمثل “الحكمة”، وأن البحث عنها – عندهم وعند سواهم -هو جزء من اتباعنا له عليه الصلاة والسلام..

الضلع الثاني في الخديعة يحاول التمويه على حقيقة أن الحكمة بالمعني القرآني لا علاقة لها بالحكمة بمعناها الفضفاض العام الذي يحاولون تمريره،  أي معنى القول المأثور الذي يمثل خلاصة تجربة إنسانية بشرية محدودة في مضمار معين ولهدف معين.. التشابه بين الحكمتين لا يتجاوز التشابه العابر في الأسماء ولا يمتلك قرابة حقيقية.. فالحكمة التي وردت في القرآن الكريم في أكثر من موضع تدل في سياقاتها على معنى محدد لا علاقة له بما يروج حاليا.. جاء في التنزيل العزيز )رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ )البقرة129
قال في تأويلها  الطّبري:..( ثم اختلف أهل التأويـل فـي معنى الـحكمة التـي ذكرها الله فـي هذا الـموضع، فقال بعضهم: هي السنة، وعن قتادة والـحكمة: أي السنة.
وقال بعضهم: الـحكمة هي الـمعرفة بـالدين والفقه فـيه. .. وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال : “الكتاب والحكمة” الكتاب والسنة.

والصواب من القول عندنا فـي الـحكمة: أنها العلـم بأحكام الله التـي لا يدرك علـمها إلا ببـيان الرسول صلى الله عليه وسلم والـمعرفة بها، وما دلّ علـيه ذلك من نظائره.

فروى ابن وهب قال: قلت لمالك ما الحكمة؟. قال : المعرفة بالدين والفقة فيه.

 وقال قتادة: الحكمة هي السنة، وذلك لأن الله تعالى ذكر تلاوة الكتاب وتعليمه ثم عطف عليه الحكمة فوجب أن يكون المراد بها شيئاً آخر وليس ذلك إلاّ السنّة. وقيل الحكمة: هي العلم بأحكام الله تعالى التي لا يدرك علمها إلاّ ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم والمعرفة بها منه. وقيل الحكمة: هي الفصل بين الحق والباطل. وقيل: هي معرفة الأحكام والقضاء وقيل:  الحكمة هي فهم القرآن). انتهى كلام الطبري و يماثله كلام سواه من أهل التفسير في الآية.

إذن خلاف أهل التأويل في الأمر لا علاقة به بأخذ الحكمة من بورصة “وول ستريت” أو من هذه التجربة أو تلك شرقا أو غربا ، بل يبقى دائراً حول  ثوابت القرآن الكريم والسنة ، و هي ثوابت نؤمن  بشموليتها و صلاحيتها لكل زمان و مكان ..

هناك بعض الآيات في القرآن الكريم التي قد لا تعطى هذا المعنى للحكمة لو أخذت بشكل منفصل ومستقل عن بعضها البعض، ولكن تضافر الآيات وتكاملها هو ما يمنح للفظ الحكمة معناه القرآني الخاص..

و لا نعني هنا –إطلاقا- نفي وجود “الحكمة” خارج النص الديني المقدس ، لكن نشير فقط الى الى التناقض الكامن في استخدام  لفظ “الحكمة “- المنتمية إلى منظومة قرآنية  لها مفهومها الخاص للكلمة- للترويج لحكمة  بمفهوم آخر و من منظومة أخرى.

 ضلع الخديعة الأكبر هو ثالث الأضلاع، فالحديث الذي يشهره هؤلاء في وجوهنا هو حديث ضعيف أصلا  رغم شهرته  لكن كثرة استعماله حولته من مجرد حديث ضعيف إلى بديهة لا تناقش،  الحديث ضعيف،.. أورده الترمذي وقال حديث غريب، وأورده أيضا ابن ماجة والعسكري والقضاعي في مسند الشهاب  بنفس سند الترمذي عن أبي هريرة، والضعف فيه يعود إلى وجود إبراهيم بن الفضل الذي ضعف من قبل أهل الحديث وقيل عنه ما لا مجال لنقله هنا.. قال الألباني عن الحديث : ضعيف جدا. ولم يصحح الحديث أحد من أهل الحديث ولم ينقل عنهم تقويتهم لإبراهيم بن الفضل.

أدرك جيدا أن نزع “حديث ما” رسخ بقوة في العقل الجمعي أمر صعب ولن يكون بمجرد أن نقول إن الحديث ضعيف، بل الأمر صعب بصعوبة  بتر عضو من أعضائنا، لكن إذا كان الحديث الضعيف يستخدم من قبل البعض لتمرير مفهوم مضاد ومعاكس لكل ما تمثله السنة النبوية، فهل هناك خيار آخر غير أن نتصدى للمفهوم بكل أساليب تمريره؟..

المشكلة أن هذا الحديث الضعيف، وبالذات بالطريقة التي يستخدمه بها هؤلاء، يقدم صورة افتراضية “للمؤمن ” تجعله أشبه بأولئك الهائمين على وجوههم  الباحثين عن حقيقة ما، أولئك الذين هم أقرب لمذهب اللا أدرية منهم لأي إيمان حقيقي، فالحقيقة بالنسبة لهم زئبقية دوما، وهم يضعون لها شروطا مسبقة تجعلها أصلا غير قابلة لأن تقتنص.. هذه الصورة تجعل من المؤمن يبحث  دوما عن شيء ضائع ” والضالة في لسان العرب هي الحيوان أو الدابة الضائعة بالمناسبة”  وهذا مفهوم  ومنطقي عندما يكون يبحث عن إيمانه، يبحث عما يؤمن به، لا بعدما آمن!.. المؤمن بالتعريف، يعرف جيدا أين هي الحكمة، إنها ببساطة في مصدر إيمانه، في تعليمات من آمن به، في منهجه، في أخلاقه..في التزام أوامره و اجتناب نواهيه.

هل يعني هذا أننا يجب أن نكتفي بما لدينا ولا نتفاعل مع التجارب الإنسانية والحضارية بكل سقطاتها وسموها؟ بكل سلبياتها وإيجابياتها؟ إطلاقا، وعلى العكس، التفاعل لا يكون إيجابيا، ولا يكون مثمرا، ولا يكون “نهضويا”، إلا عندما تؤمن بأنك تملك الحكمة ( لكنك لم تستخدمها كما يجب)، وأن في تراثك توجد إمكانات كامنة وكنوز لم تستخدم بعد، إنه التفاعل الذي يمنحك البوصلة التي تمنعك من الانبهار وتمنحك الحصانة، تمنحك القيم والمقاييس، التفاعل الذي يجعلك تدخل معادلة التفاعل وأنت مؤمن بأنهم وإن سبقوك في مجالات معينة فإن ذلك لم يكن إلا لتقصيرك، وأن ما يجب أن تكون عليه، ما يجب أن تكونه، هو أفضل مما هم عليه وأفضل من كل مقاييسهم..

أما التفاعل الذي تدخله وأنت مؤمن بأنهم الأفضل وعقيدة نقصك تجاههم تحكمك، فهو تفاعل مستلب لن ينتج إلا نسخا مشوهة.. تفاعل قد ينتج ناطحات سحاب شاهقة، لكن  قاعدتها ستكون منخورة حتما..

و لا يعني هذا إطلاقا الانتقاص من ثقافات “الامم الأخرى” و تجاربها ، و لكن الايمان بأن أيمانك هو الافضل ، هو جزء من طبيعة الأشياء ،  بل هو من طبيعة “الايمان” نفسه..أي “مؤمن” هذا الذي  يؤمن بأنه قد يجد “حكمة” أفضل عند أيمان آخر ؟

أُدركُ هنا أن وسائل التسويق لن تعدم وسيلة أخرى، وأن قوة التسويق لبعض هذه المذاهب والأفكار يعود أحيانا إلى ضعف أساسي في المتلقي والمسوق له، والذي يجعله عرضة لأي بضاعة مهما كانت متهافتة ( فكيف إذا كانت براقة؟)..

أُدركُ أيضا أن المفهوم الذي يروج عبر هذا الحديث الضعيف، مفهوم البحث عن الحكمة التي لا علاقة لها بثوابت الحكمة القرآنية، سيجد من يدافع عنه بحرارة، وهو دفاع لا معنى له في نهاية الأمر… لماذا أساسا نؤصل مفهوما لا سند حقيقي له إلى الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام؟..، الحديث ضعيف، يمكن أيضا تهجئة الكلمة للتوضيح: ض.ع.ي.ف..، نقطة انتهى!

 

ملحوظة : لا علاقة لهذا المقال  بأحد شباب الدعاة المميزين، الذين تصادف أن الحديث الضعيف يحتل نشيدا مصاحبا لبرنامجه المميز. الداعية له ثوابته الواضحة وهو بالتأكيد ليس من المشار إليهم في المقال.

 

 

عن غوانتانامو في ليلة الهالويين : التنكر بالزي الحقيقي

mask20of20sanity1

عن غوانتانامو في ليلة الهالويين : التنكر بالزي الحقيقي

د. أحمد خيري العمري

القدس العربي – 5 /11/2009

 

بالنسبة لجيلي ، يرتبط الهالويين بسلسلة أفلام رعب ابتدأ إنتاجها الراحل مصطفى العقاد ، كانت العولمة لا تزال في مراحل مبكرة ، ولم تكشر عن أنيابها كما حصل لاحقا ، ولذلك لم يكن الهالويين أكثر من فلم رعب متوسط الجودة حتى بمقاييس أفلام الرعب ، تدور أحداثه في ما بدا أنه عيد غريب الاطوار ، مع بعض الأزياء التنكرية وبوجود اليقطينة المجوفة إياها …

 

مع الوقت ، ومع ازدياد حقنة العولمة وجرعة التغريب ، زادت معلومات الأجيال عن الهالويين ، وصارت صور الأطفال بأزيائهم التنكرية وهم يطرقون الأبواب مألوفة أكثر فأكثر في برامج التسلية والترفيه الإجباري (علما أن سلسلة أفلام الرعب لا تزال قائمة وإن كنت لا أدري كم وصل رقم الجزء الآن !) … أدرك الآن أن الاحتفال قد تم استيراده إلى بعض عواصمنا العربية ولكنه لا يزال محصورا في فنادق الخمس نجوم ونوادي الطبقة الأرستقراطية … وبالتالي لا أتوقع أن يتأخر تسربه كثيرا إلى الطبقات الأقل الراغبة بالانضمام إلى النخبة … علما أن الاحتفال بالهالوين أمريكي حصريا ، و أن وصوله إلى أوروبا  بالنسخة الامريكية الحالية لم يحدث إلا في العقدين الأخيرين (وأن بابا الفاتيكان – الحالي – قد ندد بالاحتفال بالهالويين بسبب وجود رموز وثنية مضادة للمسيحية … أي أنه بعباراتنا قد أصدر فتوى ضد المشاركة فيه !) …

الجذور الوثنية للهالويين واضحة ، وقد اختلطت بين بقايا ديانة أوروبية وثنية قبل المسيحية مع ممارسات وثنية لسكان قارة أمريكا الأصليين … وما هو واضح أيضا في الاستعداد المبكر للهالويين هو قدرة المؤسسات الاستهلاكية على استغلال أي مناسبة ، مهما كانت ، لتحويلها إلى فرصة لجلب الأرباح والمكاسب : فقبل شهر من المناسبة غزت الأسواق ملابس تنكرية لشخصيات مختلفة ، كارتونية وغير كارتونية ، شريرة غالبا ، و خيّرة أحيانا ، وعندما أقول “غزت” الأسواق فإني لا أعني أسواق الملابس الجاهزة أو محلات الأطفال فحسب ، فهذا أمر محسوم سلفا ، ولكني أقصد حتى محلات “السوبر ماركت” الصغيرة . بل وحتى الصيدليات ! (ولكن مالغريب في الأمر ؟ فالصيدليات في أمريكا تبيع السجائر ، أكرر … السجائر العادية بعلاماتها التجارية المعروفة وليس سجائر خاصة بالامتناع عن التدخين مثلا … وكل شيء جائز في أرض الأحلام ما دام يدر الربح وما دام هناك كتابة بأحرف صغيرة جدا على علبة السجائر تقول إنه مضر بالصحة … ولا يهم بعدها حجم الإعلان المروج الذي يقول شيئا آخر) …

 

كل ذلك كان متوقعا ومنسجما مع فكرتي  عن عيد الهالويين حيث يدق الأطفال الأبواب ويطالبون بالحلوى … وهو الأمر الذي يشبه تقليد شعبي عراقي (اسمه الماجينا) لا علاقة له بالهالويين أو التغريب حيث يجتمع الأطفال في رمضان أو قبل الأعياد ويطرقون الأبواب من أجل الحلوى …

 

في اليوم الموعود قررت أن اذهب سيرا إلى “جورج تاون” – المدينة التاريخية في واشنطن – لأشاهد مواكب الأطفال وهم يرتدون الأزياء التنكرية ولألتقط الصور كنوع من السياحة الاجتماعية  في عادات الشعوب لا أكثر و لا أقل … أقلقني أن لا أرى مواكب أطفال في طريقي ، وقدرت أني ربما أكون مبكرا جدا أو متاخرا جدا … في الطريق هاتفني صديقي عبد الرحمن الذي يعيش في ولاية كارولاينا الجنوبية ، وأخبرني بأن تجربته مع الهالويين في الليلة السابقة انتهت بأنه بكى على البشرية الضائعة -!- ، سرد لي مشاهداته في مدينة تشارلستون التي يبدو أنها ابتدأت الاحتفالات قبل موعد الهالويين … وكانت طقوس العربدة الجماعية العلنية قد هزته خاصة أن تشارلستون كانت في نظره مدينة محافظة.. قلت في نفسي إن واشنطن قد تكون محافظة أكثر إذ لم ينبهني أحد من الزملاء الى اختلاط الهالويين بطقوس العربدة … وقلت إن العربدة حتى لو بدأت فستبدأ حتما في وقت متأخر عندما أكون قد رجعت و شبعت نوما … وقفت في طريقي وابتعت بطارية لكاميرتي لأتمكن من التقاط “صور الأطفال و ملابسهم التنكرية” …

 

لم أستخدم الكاميرة إطلاقا . لم يكن ذلك ممكنا  . ليس لأنه لم يكن هناك أطفال تقريبا ، ولكن لأن البالغين كانوا قد ارتدوا ما لا يمكن أن أوثقه بكاميرتي . لم تكن حفلة العربدة قد بدأت ، لكن كل ممهداتها – بالضبط كما وصفها عبد الرحمن – قد بدأت ، كان الزي التنكري النسائي الأكثر انتشارا هو زي المومسات للأسف ، أو تنويعات على زي المومسات مثل  زي “الممرضة الفرنسية اللعوب” … أو زي الشرطية التي ترتدي القليل من الملابس وتحمل معها “الكلبشات الحديدية” بكل الايحاءات السادية الموجودة في ذلك … كان هناك زي نادلات “البلاي بوي” وهن يضعن على رؤوسهن علامة رأس الأرنب الشهيرة المميزة للبلاي بوي … بعض الشابات لم  يكن يرتدين زي نادلات البلاي بوي لكنهن ارتدين ملابس قصيرة جدا ووضعن على رؤوسهن شارة أرنب البلاي بوي ذاتها … كان هناك منظر يثير المزيد من الغثيان لسيدة (حامل جدا) تبدو كما لو أنها تجاوزت أشهر الحمل التسع وكانت ترتدي زي المومسات أيضا بطريقة تجعلك تأسف على كل معان الأمومة وعلى من يسكن تلك البطن النافرة  تحديدا (ربما كان تأخره في المجيء احتجاجا بطريقة ما على هذا العالم الذي توشك أمه أن تضعه فيه …) …

 

لم يكن هناك أي زي نسائي “محترم”، لا يوجد “الأميرة النائمة” أو “الجنية الطيبة” أو حتى الشريرة ولكن المحتشمة  على الأقل ! … كانت هناك سيدة واحدة بدينة ترتدي ملابس القرويات الأوروبيات (الهولنديات تحديدا ، بدلالة القبقاب الخشبي المميز) وكان رفيقها يرتدي زي ما قبل التاريخ ، أي إنه تعرى بالنيابة عنها أيضا … ووضع شعرا مستعارا كثيفا على صدره ليستعير فحولة صارت من تراث ما قبل التاريخ  

 

بالنسبة للذكور … كان هناك ملابس لدراكولا أو زومبي أو القراصنة “العائدين من جديد !” وبعض الشخصيات المتفرقة الأخرى ، كما كان هناك كمية كبيرة من الذكور الذين ارتدوا ماكياجا نسائيا كاملا (وهو الأمر الذي أشهد لواشنطن أني لم أصادفه فيها من قبل إطلاقا …) … حتى زي معتقلي “غونتانامو” كان  له حصة في ذلك … لم أشاهد أي زي لشخصية “طيبة” أو إنسانية… صحيح إن الهالويين قد رسخ باعتباره يوما للموتى والأرواح ، لكن هناك موتى طيبون وأرواح طيبة أيضا ، حتى شخصيات السوبرمان أو الوطواط التي رسخت في أذهاننا صورة البطل الفرد الذي ينقذ كوكب الارض ومن عليه ، لم أشاهده إطلاقا رغم وجوده في الاسواق مع بقية الازياء …  شاهدت بدلا عنه هياكل عظمية تجوب الشوارع وترفع أقنعتها لتشرب البيرة .. أكثر الأزياء إنسانية واحتشاما بدت لي زي “الدب” الذي كان من المفترض أن يكون مرعبا … لكنه بدا أكثر ألفة وإنسانية من كل الأزياء الأخرى …

 

(فلنتذكر هنا أن زي سجين غوانتانامو بالنسبة للغربيين لا يمثل نفس الصورة الذهنية التي في أذهاننا عن السجين المظلوم ، بل هو يمثل “عدوا محتملا” … أي أنه يصب ضمن الشخصيات الشريرة الأخرى ، ولو كانت هناك أزياء لشخصيات إنسانية لقلت إنه ربما يمثل احتجاجا ضمنيا على اختراق القانون والدعوة إلى إغلاق المعتقل وهي دعوة موجودة فعلا ، كما إني قرأت في إحدى المواقع الخاصة بأزياء هالويين تحذيرا شديدا وجادا من ارتداء “زي الانتحاري وحزامه الناسف” …) …

 

من الأمور الشائعة جدا والمكملة للأزياء باختلافها ، هو “ندبة” مستعارة في العنق أو الوجه … كما لو أنها طعنة لم تلتئم تماما ، تشترك في ذلك الممرضة الفرنسية والشرطية وأرنبة البلاي بوي ، مع دراكولا أو الهيكل العظمي … الجميع – تقريبا – يمتلك تلك الطعنة غير الملتئمة …

 

كان من الواضح جدا أن وراء الأكمة ما وراءها … وأن اختيار الأزياء لم يكن صدفة أو عشوائيا على الاطلاق ، بل إن كل هؤلاء يعبرون عن مظاهر عميقة في الحضارة الغربية ، سواء أدركوا ذلك أم لم يدركوه …

 

عدت إلى البيت قبل أن يبدأ الاحتفال الرسمي (ليس ذلك لأنفي وجودي في مهرجان العربدة والمجون بل لأني ببساطة أنام مبكرا أكثر من قدرتكم على التخمين) … وعندما بحثت على الشبكة على التفسيرات النفسية العلمية للظاهرة وجدت أرشيفا كاملا من الدراسات والأبحاث التي تثبت أن الأمر أكبر بكثير من مجرد زي تنكري واحتفال سنوي … كل “زي” من هذه الازياء  يمثل من وجهة نظر علم النفس الشخصية الكامنة التي توجد في أعماق الفرد ، بل ربما يكون متنكرا السنة كلها بملابس رسمية وجادة ، ولا تظهر شخصيته الحقيقية إلا ليلة الهالويين … ربما يعبر عبر هذا الزي عن أعمق رغباته ، أو عن رأيه الحقيقي في نفسه …

 

هل يمكن تجاهل زي المومس والتنويعات عليه باعتباره الزي الأكثر انتشارا بين الإناث ؟ هل يمكن حقا أن لا نربط بين ذلك وبين حقيقة أن المرأة الغربية صارت مشاعا جنسيا حتى لو كان ذلك برغبتها الظاهرة وبكامل إرادتها المجبرة والمقنعة بالاختيار … أو ما سيبدو أنه كامل إرادتها لكنه في الحقيقة إملاء من إملاءات الحضارة التي تحتوي ذلك ؟!

 

هل يمكن أن نتجاهل “أرنبة” البلاي بوي … مع حقيقة أن الحضارة الغربية التي حررت المرأة لا تزال تشترط عليها أن تكون “أرنبة” … أي أداة جنسية مطيعة … حتى لو كانت تحمل أرقى الشهادات وتتشدق بحقوق المرأة ومكانتها … ؟!

 

هل يمكن إلا أن يكون ذلك مرتبطا … ومرتبطا أيضا مع الحقيقة “الإحصائية” التي وثقتها دراسة حديثة نشرت مؤخرا (أغسطس2009) عن كون شعور المرأة الأمريكية بالسعادة قد قل بانتظام خلال الأربعين سنة الماضية ، ووصل إلى أدنى نقطة في هذه السنة بالذات ، أي في السنة التي أشرفت فيها المرأة على المنافسة في دخول البيت الأبيض … (الدراسة أجريت في جامعة بنسلفانيا ونشرتها  المجلة الاقتصادية الأمريكية ،و أتمنى إرسال نسخة من الدراسة إلى حركات تغريب المرأة عندنا  ، لكن مالذي أقوله ؟ الدراسة لا تهم والإحصاءات لا تهم ، والسعادة أيضا لا تهم ، المهم هو التغريب وليذهب كل شيء بعده إلى الجحيم … ! )

 

هل يمكن أيضا الهرب من اختيارت الذكور التي تركزت على الشخصيات الشريرة ؟ المحللون النفسيون يبرزون هنا شعورا مزمنا بالذنب يؤدي إلى إختيار الشخصيات الشريرة ، ويبرزون كذلك شعورا مزمنا باللا أمان insecurity الذي يجعل اختيار شخصيات قوية وشريرة نوعا من آلية الدفاع عن النفس … كما لو أن المجتمع الأمريكي بماكنته الاستهلاكية يسحق الأفراد كما يسحقهم وحش مفترس ، ولا يجد هؤلاء وهم في براثنه إلا أن يتقمصوا وحشا آخر صغيرا كرد فعل دفاعي لا تأثير له غير الظهور في ليلة الهالويين …

 

و ذلك الماكياج النسائي المفرط على وجوه الذكور ، ألا يعكس حيرة في الهوية لا بد أن تنتج في خضم فوضى انهيار الجدران بين الجنسين ؟

 

وتلك الندبة غير الملتئمة ؟ هل يمكن إلا أن تكون ذلك الجرح النازف باستمرار من البقية الباقية من الفطرة ؟

 

استوقفني أيضا زي سجين غوانتانامو … هل هو اختيار لا واع يبرز أن المجتمع كله – وليس غوانتانامو فحسب – قد تحول إلى معتقل “لا قانوني لأن قضبانه غير مرئية ولكنها لا تقل قوة وهيمنة عن أعتى القضبان الحديدية … قضبان وسلاسل استهلاكية تنشؤها الشركات الكبرى وأصحاب رؤوس الأموال و تشد الفرد إلى المزيد من الديون المتراكبة التي يبقى رهينا بتسديدها طيلة حياته …

بدت لي ليلة الهالويين مناسبة حزينة يطلق فيها البشر إشارات استغاثة صاخبة ، لكن للأسف يساء فهم صخبها على أنه دلالة الاحتفال والسعادة …

 

لا تساؤلات عندي بشأن ما سيرتديه أعضاء النخب عندنا وهم يقيمون الهالويين في فنادق الخمس نجوم والنوادي الأرستقراطية ، فنحن نستورد المناسبات وملابسها وأمراضها حزمة واحدة ، وحتى لو لم نكن نعاني من المرض فلا بأس من التمارض وادعاء المرض من أجل أن نبدو متقدمين ونليق بالهالويين …

 

أما لو دعي أدعياء التجديد الديني ودعاة التغريب إلى حفلة كهذه ، فلا شك عندي أنهم سيختارون – بلا وعي- شيئا يعبر عن حقيقتهم : ربما اليقطينة المجوفة ستكون رمزا مناسبا ، يعبرون فيه عن كونهم مجرد قشرة فارغة من اللب ، أو ربما  زي “فزاعة الطيور” … “خيال المآتة” سيعبر عنهم أفضل … بفارق إن “خيال المآتة” لها ظل … أما هؤلاء فلا ظل لهم …

ألذكر مثل حظ الأنثيين قول عام أم مخصص بحالة معينة؟ بقلم دمشقي معبراني

gender1ألذكر مثل حظ الأنثيين قول عام أم مخصص بحالة معينة؟

بقلم : دمشقي معبراني

قبل أن ندخل في لب هذا الموضوع نمهد له بسؤال آخر يرتبط به وهو:( وليس الذكر كالأنثى) قول حق أم باطل

إن الأغلب من الناس يظن أن الولد الذكر هو الذي سيحمل اسم عائلته فقط وهو وحده ما يظن فيه الأب أنه امتداد له بل إن الأب لا يحب أن يكون أحدا أحسن منه إلا ابنه أما الأنثى وخاصة عندما تتزوج ستعمل وستشارك في حمل اسم عائلة ثانية

ومن هنا يبدأ فصل المرأة عن المجتمع بفصلها عن أحلام أسرتها الأولى ومستقبلها ومن ثم تنتج عن ذلك ردود الأفعال الكثيرة نتيجة الشعور بهذا الظلم والطامة الكبرى أن أولى ردات الفعل تبدأ من المرأة الأم على بناتها وانتقاما لا شعوريا مما فعل بها المجتمع فتراها تريد أن تبني عزها ومجدها  ومن خلال أولادها الذكور فقط من بعد ما فصلها أبوها وأخوتها عنهم معنويا .بل إن كل من الزوجين الرجل والمرأة ليحاول أن يبني حياته لوحده متنافسا و متفرقا عن زوجه وإن بدا في الظاهر أنهما متزوجان ومتشاركان في بناء أسرة واحدة

و مع الاستئناس بقول الشاعر : الأم مدرسة إذا أعددتها   أعددت شعبا طيب الأعراق

نقول كيف سيكون عطاء هذه المدرسة عندما يبدأ هذا الإعداد بما سبق من وأدها وفصلها المعنوي

لقد نسي الناس أنهم أولاد آدم فأبوهم واحد وأن الإنسان بأخوته ذكورا و إناثا يصبح قويا بل المجتمع بأسره وبأفراده وبارتباطهم القوي بما يعود عليهم بالنفع ومن كل النواحي فكلما قوي المجتمع على أساس هذا الأمر كانت القوة حقيقية لا وهمية وانعكس ذلك على الفرد والأسر ذاتها  فكان التعاون والتكافل الاجتماعي طريقهم المستقيم للبناء ومع الابتعاد عن المنافسة الفردية البحتة والتضخم الوهمي الفردي الذي لا يراعي مصالح الآخرين بل ينسفها والذي في حقيقته يكون كالبالون قد ينفجر في أية لحظة فيختفي اسم العائلة وربما اسم المجتمع فعلى مستوى الأسرة مثلا قد يدعم أحد الأبناء من الأب فيتفوق على غيره ويصبح طبيبا مشهورا ويرفع اسم عائلته بينما يهمل أخوه أو أخته ويصل أو تصل إلى درجة وبعمل واحد قد يهدم اسم عائلته وما تم بنائه خلال سنين

وكذلك على مستوى المجتمع يعمم الأمر فمثلا وعلى سبيل المعاملات التجارية مع أحدى الدول الصديقة قد يكون التجار اسما وسمعة جيدة في التعامل ثم تأتي فئة ولو كانت قليلة وبعمل واحد قد تهدم سمعة الكل وقس على ذلك ثم عمم

وما سبق غيض من فيض من الناحية المعنوية والتي لا تلبث أن تنضح بآثارها إلى الناحية المادية والتي تتابع فيها أنه حتى على مستوى الأسرة أو العشيرة سابقا كان الكم له تأثيره فالإنسان قوي أكثر بأخوة أكثر والعشيرة كذلك بزيادة عدد أفرداها فكيف إن اجتمعت الناحية الكمية والكيفية أفلا نصل إذا بالتعاون والتكاتف والتكامل والتكافل الاجتماعي إلى البناء القوي للمجتمع

ومع الأخذ بعين الاعتبار أن دعم الأب لأحد أولاده الضعاف وخاصة إن كان أنثى لن يخفف في سرعة السير أو البناء بل على العكس فان تفقد نقاط الضعف ودعمها يقوي البناء ويمنع انهياره بعد فترة ويقي من وقوف محرج للسيارة في صحراء الحياة مما يؤخر التقدم نحو الأمام أوقد يوقفه نهائيا

والى هنا نعود إلى السؤال :( وليس الذكر كالأنثى) قول حق أم باطل فنقول إذا كانت المرأة نصف الأسرة أو نصف المجتمع فكيف تكون الإجابة على السؤال : إن الإجابة المباشرة والقاطعة والتي لا نقاش بها إنه قول حق

ولكن أليس فهمنا له خاطئ وخاصة أننا اقتطعناه بفصل عما يتمه ويحدده ويوضح نسبة جهته ومجال تفضيله في موضوعه وقصته ثم عممناه على كل الأحوال والمجالات …؟؟

أليس هناك فرق عندما نقول وليس الطبيب كالمهندس في الطب ؟ وبين أن نقول وليس الطبيب كالمهندس…؟ ثم نقف ويكون المجال والقصد في الهندسة …و ليتضح أن الأمر مخصص وليس معمم

ونكمل بقول يضيء شيء من الحقيقة {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن} ليس قاعدة عامة، بل هي قيد للحالة التي يعصّب فيها الوارث الذكر أخته.

حيث إن الورثة الآخرون وفي الميراث نفسه ذكوراً وإناثا ًلهم أحكامهم الواضحة الخاصة بكل منهم، ونصيب الذكور والإناث واحد في أكثر الحالات، وربما زاد نصيب الأنثى على نصيب الذكر في بعض الأحيان، وهناك طائفة من الأمثلة: {وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُما السُّدُسُ} {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُما السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ} [النساء:11-12] وإذا تركت المرأة المتوفاة زوجها وابنتها، فإن ابنتها ترث النصف، ويرث والدها الذي هو زوج المتوفاة، الربع، أي إن الأنثى ترث هنا ضعف ما يرثه الذكر. وإذا ترك الميت زوجة وابنتين وأخاً له، فإن الزوجة ترث ثمن المال، وترث الابنتان الثلثين، وما بقي فهو لعمهما وهو شقيق الميت، وبذلك ترث كل من البنتين أكثر من عمهما.

وبالمناسبة نجد أن هذا الحكم {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن} يؤكد مسؤولية الأب على ابنته سواء كانت متزوجة أم غير متزوجة وذلك من خلال وراثتها المادية له بعد مماته فكيف في حياته فلو كانت البنت المتزوجة قد نزلت مسؤوليتها الكاملة من على ظهر أبيها في حياته كما يدعي البعض (بقول : زوجناها ومالها عندنا من شيء )لما كان لها ذلك الحظ المفروض لها من الله بعد ممات الأب و لكان الأولى الاستثناء أيضا قياسا على حياته. و كأن من بيان ذلك : أن الذكر الأخ بعد ممات أبيه هو الذي يجب أن ينوب عنه وهو خليفته في تحمل المسؤولية على أمه وأخواته فقد انتقلت إليه المهمة و سيحاسب عليها فلذلك يدعم لها وعلى اعتبار أن هذا الأخ الذكر له عائلته ومصاريفه وحمله الآخر يأخذ حظ الأنثيين لتيسر له أموره فلا يثقل عليه أمر أخته مثلا . أما الأنثى فلا تتحمل تلك المسؤولية ويأتي ذلك كدعم لها يساعدها على تحمل مسؤوليتها وتعويض لها عن والدها وضمانة لها تضاف إلى مهرها الذي أتاها أو سيأتيها من زوجها مما يزيدها تحصينا. وطبعا إلى بقاء مسؤوليتها على أخوها وان كان قد لا يكون مثل أبيها فقد أخذ ذلك في الاعتبار ,أما على حياة أبيها فان الأخ لا يتحمل مسؤولية أخته  بشكل مباشر إنما مساعد ومن باب الأخوة و المرؤة فلذلك ليس عليه عبء مسؤولية تضاف إلى مسؤوليته ولا حاجة إلى دعمه بهذه الحجة مع الأخذ بعين الاعتبار قدرة الأخ  الأفضل على استثمار أمواله بشكل مباشر وبالتالي إمكانية تكاثرها بينما يبقى مهر الأخت وما أضيف له من إرث لوالدها على الأغلب ثابتا إن استثمرته تحتاج إلى معونة لا بد أن تدفع عليها.

ونعود إلى من يقول زوجناها ومالها حق عندنا فنقول: على فرض ذلك جدلا فان من مات عنها زوجها أو طلقها وسواء بإرادته أو بإرادتها أو لأي سبب آخر منها أومن زوجها سنرى بعد ذلك أن مسؤوليتها القيادية تعود لأباها حكما بعد أن كان هناك من انصهر معه في حمل هذا الجزء من المسؤولية وليتضح أن المسؤولية العدلية لوالدها تجاهها لم تلغ أصلا 

وبشكل أوضح نرى من حديث رسول الله (ص):اعدلوا بين أولادكم ولو بالقبل ما يعني وبالانتباه إلى أن الولد يعني ما تم ولادته ذكرا أو أنثى أن هذه مهمتكم ومسؤوليتكم العدلية ولم يتم فيه الاستثناء للبنت المتزوجة كذلك إن الزواج لم يخرجها أو لم يجعل للأب منفذا للخروج و إنما  جعل للصهر الذي هو زوجها مسؤوليتها القيادية ولم يلغ المسؤولية العدلية لأباها فجعلها مسئولة من طرفين فزادها عناية ورعاية وتشريفا,بل من لفظ الصهر نرى الاسم يتكلم ويوضح شيء من هذه الجهة إذ انصهر الزوج مع أسرتها في تحمل مسؤوليتها ورعايتها.

ونعود إلى موضوع العدالة فنجد أنها : إعطاء كل ذي حق حقه فيتضح مما سبق أن للأب التقدير في مساعدته أولاده كل حسب حاجته وأولويته فالمريض من حقه على أبيه أن يعطى بقدر مناسب والذي يجب أن يزوج أن يعطى بقدر مناسب وسواء ذكرا أم أنثى وليس من الحكمة والمناسب الزيادة و الإسراف وهكذا

وكأنه على الأب من الناحية الجوهرية أن يقف عادلا من جهته سويا بالنسبة للكل ولكن عند اختلاف الظروف للطرف الآخر حيث أولاده وحاجياتهم الضرورية ستختلف النتيجة من حيث الصورة ولا تكون متماثلة وتبقى من ناحية الجوهر عدلية متساوية

ولكن عندما تصبح ظروف الجهة الأخرى متساوية ستصبح حتى النتيجة الظاهرة متماثلة ومتساوية .

وهذا ما يتضح من حديث رسول الله(ص) في العطية:

عن النعمان بن البشير رضي الله عنهما أن أباه أتى رسول الله (ص) فقال: إني نحلت ابني هذا غلاما كان لي فقال رسول الله (ص) فقال رسول الله (ص) :يا بشير ألك  ولد سوى هذا؟ , قال : نعم , قال :أكلهم وهبت له مثل هذا ؟ قال : لا ,قال: فلا تشهدني إذا فاني لا أشهد على جور} ولقد تعددت روايات هذا الحديث حتى أن منها ما ذكر في نهايته وعلى الرغم من أنه ضعيف فنذكره لمجرد الاستئناس:ولو كنت مؤثرا أحدا على أحد لآثرت النساء

أي ولو على العكس وربما لو شعرت بأن الذكور وخاصة في هذا الزمن لن يتحملوا أخواتهم لكان إعطاء النساء أولى ولكن لو حرف امتناع لامتناع أظهر ما استقر في نفسه وما يخالجها من حنان على الأضعف وان كان ملتزما بالامتناع عنه لحكمة الشرع في منعه حيث النظر للمنفعة الكلية والتي تكون بالتطبيق والالتزام بما سبق وان تأخرت النتيجة إلى الأفق.

وهنا نصل إلى قضية تفترض أنه إذا أراد أحد الأخوة الذكور مطالبا أباه و بإصرار أن يقسم أملاكه كما يسمى على حياة عينه لحجج ما فماذا يكون القول وهل يحق له أن يفعل ذلك وبالقياس على {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن} والتي هي بما  ورد في الكتاب الكريم نجد أنها فقط مرتبطة بما ترك الوالدان أي بعد موتهما. سورة النساء(7-8-9-10-11)أم يكون ذلك تلاعبا بالألفاظ: انه ومن جهة أنه ما لم يرد به شيئا فالأولى الالتزام بالنص وحيث أنه لا يمكن له القياس بشيء فيه أمر من رسول الله (ص)ولم يكن فيه استثناء حتى نهاية الحياة ومن جهة أخرى هناك فرق بين حالتين الأولى والأب على قيد الحياة وأمواله له مع تذكر أنها تمليك مؤقت له من الله ,والحالة الثانية وهو ميت و أمواله لم تعد له بل أصبحت لورثته و لا حق له فيها , لا بل تكون حلالا لهم وان كانت حراما لوالدهم وهم لا يدرون بذلك فهو يحاسب عليها وهم لا يحاسبون إذ تعد لهم إرثا وملكا,فالسؤال بعد ذلك كيف يصح قياس الأولى على الثانية وقد اختلف بالكلية جوهرهما الأساسي وهو جهة ملك المال

ثم وما دامت الأعمار بيد الله فقد لا يموت ذلك الأب ولا بعشرين سنة لا بل قد يموت أولاده قبله أحيانا ليعود الأب ويرث من أولاده شيئا مما أعطاهم وليتضح أن ما سبق لم يكن إلا عطية في جوهرها استعير لها لفظ آخر في صورتها وليكون الأب قد تخلى أو قد دفع إلى التخلي عن مسؤوليته أمام الله وقد فرضها عليه فتركها قبل أن يسقطها الله عنه مع الأخذ بعين الاعتبار الفرق  بين أن تتخلى عنها فأنت آثم وبين أن تكون قد عجزت عنها.

أما أن تكون الحجة أو الدافع هو الخوف من تقاتل الأولاد بعد وفاة الأب فالأولى العطاء للنساء القاصرات إن خاف عليهم من بعضهم حيث أن الأخ لم يعد يؤمن على أخته حتى لو لم تكن متزوجة أو كانت وربما تطلق أو ترمل فلن يهتم بها وحدث في هذا الزمان ولا حرج.

والحل :إما أن يترك الأمر لله يختار بحكمته ما يشاء أو أن لا يسمي الأشياء كما تحلو للبعض عن تعصب ذكوري أو تمسك عرفي خاطئ 

ولا أن يهرب ليقول أن في ذلك قولان ولكل مجتهد نصيب وأن المجتهد إن أخطأ فله أجر وأن أصاب فله أجران وينسى أن المجتهد إن أخطأ فله أجر ولكن بشرط أنه في حال وجد أحدا ينبهه لا يصر على خطأه بل يكون كسيدنا عمر على ما يقال عندما قال في أمر مهر المرآة : أصابت أمرآة وأخطأ عمر.

وعلى كل الأحوال وعلى أقل تقدير نقول أنه ما دام ليس على الأب حرج أو شيء في أن يقسم ذلك عليهم بالتساوي وهو غير ملام ولا شبهة في ذلك لا بل هناك على العكس قول لو من رسول الله (ص) لكان الأولى أن يترك الأمر الآخر وهو للذكر مثل حظ الأنثيين في حياته على اعتباره شبهة وبالتالي يستبرىء لدينه من الشبهات .

بل انه في الحقيقة وبشيء من الصبر وتبادل النصح بين الناس لو عادت الأمور لحدودها لرجع الناس واستيأسوا من أطماعهم على بعضهم ولأتضح أن الأمر يمكن يقاس على مبدأ المثل يا فرعون من فرعنك…؟

بل و لعادت روابط الرحم لتتفجر بينهم فأصبحوا يتواصلون بينهم ويخافون على بعضهم بعد أن كانوا يخافون  من بعضهم إذ كشف الغطاء الطامس وأصبح البصر حديد وكان ذلك بداية لعودة النهوض بالبناء من جديد ولإعداد قوي للمدرسة التي ستخرج شعبا طيب الأعراق.

بل إن النتيجة لتظهر في الأفق و الأسر نفسها لتعود إلى حدودها ولتنصهر ولتذوب مع بعضها متكاملة في دورها في النهوض ببناء الأمة من جديد عبر ذلك الزواج والرباط بين أبنائها عوضا أن كانت تتقاتل و تتنافس مع بعضها على ملك أكبر .

وأخيرا بعد أن اتضحت وبانت الصورة نوثق ما سبق ومن باب  الاستئناس بذكر شيء اسمه العطايا الأميرية والتي كانت على زمن العثمانيين والتي لم تكن جزافا أو قانون وضعيا كما يدعي البعض و إنما كانت شرعية اجتهادية  بإفتاء من شيوخ الإسلام في ذلك الوقت وما تزال بقاياها وآثارها في سوريا إلى الآن  في الإرث الذي يتعلق بالأراضي الزراعية التي كانت في أصلها ممنوحة من الدولة أو الأمير على شكل عطية للناس في ذلك الزمان إذ كانت تعطى كتمليك مؤقت ليس من حق الفرد أن يورثها باعتبار أن للذكر مثل حظ الأنثيين و إنما تعتبر عطية يرث ويأخذ فيها وبالعدل الذكر مثل حظ الأنثى تطبيقا لحديث رسول الله (ص) والله أعلم.

             بقلم : دمشقي معبراني