سبب النزول ليس المقصد (2) “لا إكراه في الدين” نموذجاً..

puzzle_pieces_id150248_size500o1سبب النزول ليس المقصد (2)

“لا إكراه في الدين” نموذجا” ..

د.أحمد خيري العمري

القدس العربي  2/11/2009

في مقال سابق، كنا تطرقنا إلى العلاقة بين سبب النزول والمقصد، وهي العلاقة التي أوضحنا أنها بمثابة نقطة اختراق أولية للواقع من قبل النص الإلهي، هذه النقطة تكون مثل النقطة التي تخترق فيها الحقنة الوريدية الجسم، ثم ما تلبث أن تترك نقطة الاختراق لتتوزع في الجسم كله..

في المقال السابق، كان الحجاب هو النموذج الذي أوضحنا فيه أن سبب النزول ليس هو المقصد، بمعنى أن التفريق بين الأمة والحرة ليس هو المقصد النهائي من حكمة التشريع الإلهي وإن كانت تشمل ذلك، لكن انتفاء وجود الإماء والجواري لن ينفي التشريع وحتميته، بل سيجعلنا نبحث عن المقصد الأعم والذي يتعالى عن تفاصيل الزمان والمكان، وهذا يتطلب آلية في النظر إلى سبب النزول بإلغاء التفاصيل المباشرة والنظر إلى معانيها الأعم والأشمل، وهكذا يمكننا فهم سبب نزول آية الحجاب في التفريق بين الإماء والحرائر باعتباره “هوية” لكل مسلمة بغض النظر عن موضوع الإماء والحرائر كلياً، وكذلك يمكن فهم سبب “الخروج لقضاء الحاجة” بصفته وسيلة لتسهيل خروج المرأة ومشاركتها في المجتمع بتحييد أنوثتها عن تلك المشاركة لتقليل التشويش المحتمل عن هذا..

بعبارة أخرى: فهم سبب النزول المباشر يساعدنا في الانفصال عنه، والاتجاه نحو المقصد الأعم، ودون فهم سبب النزول سيكون هذا الانفصال معطلا، وربما لن يكون من الممكن فهم المقصد أصلا..

وإذا كانت آية الحجاب قد تعرضت لمحاولة “حصر” الحكم في سبب النزول المباشر من أجل جعل الحجاب يبدو “منتهي الصلاحية “، فإن آيات أخرى تعرضت لإطلاق غير منضبط وتعميم غير مشروط بمعزل عن فهم سبب النزول، وهو الأمر الذي يجعلها أحيانا في حالة من التصادم المباشرمع نصوص أخرى، ويجعلها أحيانا في حالة من الهيمنة والمركزية على كل ما سواها من النصوص الأخرى..

و آية “ لا إكراه فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ” البقرة 256 تمثل نموذجا لذلك الإطلاق الذي تتعرض له بعض الآيات بطريقة تجعلها تفارق سياقها الأصلي، بل وربما تتعارض مع نصوص أخرى وهذا هو الأخطر.. فقد تحولت الآية عند البعض إلى رديف مباشر لشهادة التوحيد “لا إله إلا الله”- أي إنها صارت معنى التوحيد، وصارت تساوي –حرفيا- الإسلام كله.. وليس ذلك افتراء على تيار اللا إكراه بل هو ما يتصدر دعوتهم وما ينادون به صراحة، وما يؤمن به ويطبقه – عن حق- رواده الذين نكن لصدقهم مع أنفسهم ومبادئهم كل الاحترام والتقدير.

البناء النظري للأمر يجد رواجا هذه الايام ، و هو الرواج الذي يمكن فهمه بكونه رد فعل طبيعي لحركات العنف المجاني التي استخدمت نصوصا أخرى لتبرير عنفها ، خاصة في ظل عقيدة النقص التي تدفع البعض الى أن يكونوا في موقف دفاعي عن الإسلام حتى لو كان الثمن التضحية بالثوابت.. و هي عقيدة النقص ذاتها التي تجعلهم مصرين على تقديم “شهادة حسن سيرة و سلوك ” للاسلام موجهة الى من يهمه الامر من الحكومات المحلية و الدولية على حد سواء( و الى الذات المستلبة أيضا ..!)..حتى لوكانت هذه الشهادة مزورة و حتى لو كان بناؤها النظري يعاني من تناقضات لا حل لها ..

لكن المشكلة ليست في البناء النظري فحسب ، إذ أن التطبيق العملي لهذه النظرية وخاصة من الناحية التربوية، كان لا يخلو من نتائج كارثية بدأت مقدمات آثارها تظهر بالتدريج ويتوقع لها الازدياد إذا تم تعميم هذا الفهم وانتشاره، فقد توسع التطبيق العملي ليضم الكثير من وسائل التربية ويصنفها ضمن “الإكراه” … الترهيب والتخويف وأي نوع من العقوبة صارت “إكراها” وبما أن “لا إكراه في الدين” فهذه كلها مرفوضة من قبل هؤلاء حتى لو كانت هناك نصوص أخرى تدعمها أو تسمح بها.. بل تطرف البعض ليضع “إقناع” الطفل ضمن الإكراه حتى لو لم يستخدم أي إقسار في هذا الإقناع!!..

لسنا هنا بصدد الخوض في النتائج السلبية لكل هذا، لكننا نبحث أساسا في التأصيل النظري للأمر وفي الإطلاق الذي تعرضت له آية اللا إكراه حتى صارت بديهة لا تستحق التعليق.

سبب النزول لا يتحمل الإطلاق المستخدم

بعيدا عن كل ما هو سائد حاليا، سبب نزول الآية يخص حادثة معينة اختلف المفسرون في تفاصيلها، لكنهم لم يختلفوا في سياقها العام الذي سيقدم لنا رؤية مختلفة تماما، وغير متعارضة في الوقت نفسه مع بقية النصوص القرآنية..

1.عن ابن عباس قال: كانت المرأة تكون مقلاتا(لا يعيش لها ولد)، فتجعل على نفسها أن عاش لها ولد أن تهوده. فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا(الأنصار): لا ندع أبناءنا! فأنزل الله تعالى ذكره:”لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي”.

2. عن أبي بشر، قال: سألت سعيد بن جبير عن قوله:”لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي” قال: نزلت هذه في الأنصار، قال: قلت خاصة! قال: خاصة! قال: كانت المرأة في الجاهلية تنذر إن ولدت ولدا أن تجعله في اليهود، تلتمس بذلك طول بقائه. قال: فجاء الإسلام وفيهم منهم، فلما أجليت النضير قالوا: يا رسول الله، أبناؤنا وإخواننا فيهم، قال: فسكت عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى ذكره:”لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي” قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”قد خير أصحابكم، فإن اختاروكم فهم منكم، وإن اختاروهم فهم منهم” قال: فأجلوهم معهم.

3.عن السدي :”لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي”: نزلت في رجل من الأنصار يقال له أبو الحصين: كان له ابنان، فقدم تجار من الشام إلى المدينة يحملون الزيت، فلما باعوا وأرادوا أن يرجعوا أتاهم ابنا أبي الحصين، فدعوهما إلى النصرانية، فتنصرا فرجعا إلى الشام معهم، فأتى أبوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أن ابني تنصرا وخرجا، فأطلبهما؟ فقال:”لا إكراه في الدين”. ولم يؤمر يومئذ بقتال أهل الكتاب، وقال: أبعدهما الله! هما أول من كفر! فوجد أبو الحصين في نفسه على النبي صلى الله عليه وسلم حين لم يبعث في طلبهما، فنزلت:( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) [ سورة النساء: 65] ثم إنه نسخ:”لا إكراه في الدين” فأمر بقتال أهل الكتاب في” سورة براءة .

4. نزلت في أهل الكتاب إذا قبلوا بذل الجزية لم يكرهوا على الإسلام، وذلك أن العرب كانت أمة أمية، ولم يكن لهم كتاب يرجعون إليه، فلم يقبل منهم إلاّ الإسلام أو القتل، ونزل في أهل الكتاب لا إكراه في الدين يعني إذا قبلوا الجزية فمن أعطى الجزية منهم لم يكره على الإسلام، فعلى هذا القول تكون الآية محكمة ليست بمنسوخة وقيل: بل الآية منسوخة وكان ذلك في ابتداء الإسلام قبل أن يؤمروا بالقتال ثم نسخت بآية القتال، وهو قول ابن مسعود وقال الزهري: سألت زيد بن أسلم عن قول الله تعالى لا إكراه في الدين قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين لا يكره أحداً في الدين فأبى المشركون إلاّ أن يقاتلوا فاستأذن الله في قتالهم فأذن له، ومعنى لا إكراه في الدين أي دين الإسلام..

وقيل :{ لا إكراه فِي الدِّينِ } في الكتابي إذا بذل الجزية، أو نسخت بفرض القتال..

وقيل: بل هي مخصوصه فان أهل الكتاب لا يكرهون.

و لسنا هنا بصدد أن ندلي برأي في مسألة النسخ، لكننا نعرض الأقوال لبيان أن الإطلاق الذي تتعرض له الآية حاليا غير محسوم إطلاقا، ومجرد وجود حديث فقهي عن الناسخ والمنسوخ في الأمر يدلنا على وجود آيات تتعارض ولو جزئيا مع “لا إكراه في الدين” ( آيات القتال عموما وآية الجزية في أهل الكتاب) علما أن آيات السيف تلت آية اللا إكراه وهو الأمر الذي جعل النسخ يبدو منطقيا لمن قال إن الآية منسوخة، علما أن تخصيص آيـــة اللا إكراه بكونها نزلت في أهل الكتاب وجمعها مع آية الجزية يبدو متسقا مع عموم آيات الكتاب الحكيم.. أي مع المنظومة الفكرية التي تتعامل مع الآيات الكريمة بتضافرها وتكاملها.. وليس مع منظومة تبني نفسها بانتقاء آيات متفرقة..

آلية الانتقاء والإطلاق.. منهج العنف و اللاعنف:

و قبل أن نبحث عما يمكن أن نفهمه من سبب النزول للاتجاه إلى المقصد من الآية نذّكر أن آلية الإطلاق إن صحت بالنسبة لآية اللا إكراه – فهي ستصح بالنسبة لكل آية أخرى تعارضها، فبعد كل شيء، ما الذي يجعلهم محقين بخصوص هذه الآية ويجعل من يطلق آية “وقاتلوا في سبيل الله و اعلموا أن الله سميع عليم ” البقرة 244 -مثلا أو أي آية أخرى وردت في القتال- على خطأ ؟ وكل منهم يستخدم الآلية ذاتها في قراءة النص: آلية انتقاء نص معين ومنحه السلطة المطلقة على بقية النصوص وجعله العدسة التي يتم من خلالها قراءة كل النصوص سواء كان ذلك لغرض تمرير وتبرير أيدلوجية معينة، أو كان بلا غرض معين..

لا أقول هذا دفاعا عن الطرف الآخر الذي تورط في الدم الحرام، وولغ في ذلك إلى حد بعيد، لكني أؤكد فقط أن منهج التطبيق واحد حتى لو اختلفت نتائجه على المدى البعيد..

ما الذي تقوله لنا أسباب نزول هذه الآية؟ وكيف يمكن الخروج من سبب النزول الخاص إلى المقصد العام؟

عدم نزول الآية ومقصدها مع المشركين:

سبب النزول كما مر سابقا يضع الآية في محور ” إسلام أهل الكتاب” أي إنها لم تنزل في المشركين من العرب إطلاقا .. وهذا يعني ضرورة وجود “مشترك أساسي هو الكتاب بكل ما فيه من إيمان بالله وبالرسالات “- حتى لو شابه التحريف – قبل الأخذ بمبدأ القوة الذي علينا أن نقرّ أولا أنه طبق عمليا مع مشركي العرب.. وأن نقرّ أيضا أن نصوصا كثيرة لا مجال لذكرها الآن قد دعمت هذا الأسلوب مع غير أهل الكتاب دون مشركيهم…

كما أن الآية عندما نضعها مع آية الجزية سيتبين لنا أن الإكراه لا يشمل كل ما نعتقد حاليا أنه “إكراه “: فلو شاء أحد من أهل الكتاب الدخول في الإسلام وفي نيته التخلص من الجزية فحسب، فهذا ليس إكراها، ولو كان كذلك لبرز لنا تناقض ننزه الذكر الحكيم عنه، الإكراه إذن هو الإقسار بالقوة فحسب: التعذيب، التهديد بالقتل.. ويقوي ذلك ما جاء في الذكر الحكيم “ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ” والتي نزلت في عمار بن ياسر وأصحابه الذين عذبهم المشركون.. وعلى هذا سيخرج من الإكراه الوسائل المختلفة في الإقناع والحث والترغيب فقط …وسيدخل ضمنها الإكراه : القوة واستخدامها فحسب.

النفي لجنس الإكراه في لحظة دخول الدين:

لكن ما هو أهم من هذا كله هو الانتباه أن الآية تتحدث عن “الدخول في الدين”، عن اعتناق الدين، وتنفي الإكراه في هذا الأمر: من تحدث عن نفي جنس الإكراه، لكون “اللا” المستخدمة في الآية هي “لا النافية للجنس” كان محقا، لكن الأمر يخص الإكراه كله لحظة اعتناق الدين- بالمعنى الذي تحدثنا عنه من الإكراه، ولا يخص الدين كله: أي لا يخص جنس الدين وعموم تفاصيله، بل يخص الدخول فيه واعتناقه، أي إن اللحظة التي تقرر أن تدخل فيها لهذا الدين يجب أن تكون لحظة خالية من الإكراه والقسر.. عليك أن تدخل وأنت لا تكره هذا الدخول فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [سورة الكهف: 29] لكن بعد ذلك ستكون هناك تفاصيل عليك أن توطن نفسك على قبولها، وتجبرها على أدائها حتى لو كنت في أعماقك غير مرتاح لها، حتى لو كانت لا تناسب الميل الفطري للراحة والسهولة كما في “كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ” (البقرة 216) فكون النفس البشرية تكره القتال وتميل إلى المسالمة لا يعني أن عليها أن تتجاوز الأمر الإلهي بالقتال عندما يحين الأمر، والأمر بالقتال هنا هو جزء من الدين بطبيعة الحال ما دام صادرا عن الله عز وجل..

وأداء هذا الأمر على الرغم من الكراهية الفطرية له لا يعني إطلاقا أنه “إكراه في الدين “.. لأن ذلك سيدخل في الجمع بين المتضادات التي ننزه القرآن عنها، والأمر يحل ببساطة بما مر سابقاً من كون آية “لا إكراه في الدين” تخص الاعتناق، الدخول في الدين، أما غير ذلك فلا بد من مغالبة الحرج الذي نجده في أنفسنا من بعض الأوامر الشرعية “ فلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ” والإيمان هنا هو كمال الإيمان بطبيعة الحال ورفع الحرج ومغالبة ما قد لا تميل له النفس وأهواؤها يدخل في صلب الإيمان والدين والعبودية، ولا مكان لجعل آية “لا إكراه في الدين” وسيلة لجعلنا نتوقف عن طاعة الأوامر الشرعية بحجة أننا نجد أنفسنا مكرهين عليها ما لم نقتنع بالحكمة المباشرة لها (ولا يعني ذلك قطعا عدم البحث عن الحكمة من هذا الأمر الشرعي أو ذاك لكن من قال إن تطبيق الأمر أولا يعيق فهم الحكمة؟ على العكس قد يكون التطبيق الملتزم بالأمر يفتح أبواب الفهم المتجدد)…

ليس ذلك فحسب، فالآية القرآنية الكريمة تصف وصفا دقيقا لحظة الاعتناق، لحظة الدخول في الدين التي لا بد أن تكون حاسمة وجذرية في حياة كل من يدخل هذا الدين: إنها اللحظة التي يعلن فيها الإنسان أنه قد كفر بكل ما هو طاغوت، كل ما هو غير الله، وأعلن أن هناك رشدا واحدا عليه أن يتبعه، وأن كل طريق آخر لا يؤدي إليه هو محض “غي”..إنها تلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها التي يتمسك بها من اعتنق هذا الدين والذي لا يمكن له أن يتركه بعد أن وجده.. هل هناك وصف أدق من هذا للحظة الدخول في الدين؟؟

أليس اعتناق الدين بمثابة عقد توقعه بنفسك وتلزم نفسك بالالتزام بكل شروطه؟ حتى لو وجدت مشقة هنا وكرها في ميولك لأمر هناك؟ بل بالذات عندما تجد في نفسك حرجا ما؟ .. هل نسينا في غمرة الحديث عن الإكراه أن ديننا اسمه “الإسلام”.. وأنه – بالتعريف- يعني ذلك الاستسلام بلا قيد ولا شرط لله عز وجل.. وأن أعلى معان العبودية تضم أن تغالب ما تجده في نفسك مما يتعارض مع هذه العبودية..؟ ..

في الختام نكرر تفهمنا للظروف التي نشأ فيها تيار “اللا إكراه” وتموضعه الحرج بين مطرقة حركات العنف المجاني التي استخدمت نفس آلية الانتقاء والإطلاق وسندان الحكومات التي أنتجت العنف في زنازينها وزادت عليه، لكن “ردود الأفعال” تبقى مجرد ردود افعال ، لا تنتج فكرا إصلاحيا صامدا حتى لو كانت نية الإصلاح موجودة.. فالمجتمعات لا تصلح بالنوايا الطيبة فحسب، خاصة وأن هذا الفكر قد وجد مؤخرا من يتبناه و يروجه لمآرب أخرى لا تخفى على لبيب، و تخفى حتما على سواه!


نشر المقال السابق في جريدة القدس العربي بتاريخ 12/12/2008

الا مالكا ….: د. محمد موسى باباعمي

بسم الله الرحمن الرحيم

إلاَّ مالكاً…

خواطر في الذكرى 1145344281_74aa569147_o1السادسة والثلاثين لوفاة مالك بن نبي

(1973-2009) 

 

إلا مالكا…

*عندما ينقد الناقد ما آل إليه المسلمون في هذا العصر، من ذلَّة ومهانة وتبعية، ثم يحمِّل المسؤولية للعلماء في مقدمة مَن يتحملونها… فإنه لا يلبث أن يتوقف برهة، فيقول: إلاَّ مالكا

*حين يشكو المحلِّل الانفصامَ الرهيب بين الفكر والفعل، بين العلم والعمل، بين التفسير والتغيير… فإنَّ الحياء يتملَّكه ليُعلنها صريحة بملء فيه: إلاَّ مالكا

*عندما يلاحظ المثقف جهلَ بعض الممارسين للقراءة بالتراث الإسلامي، وجهل البعض الآخر بالتراث الغربي، ومن ثمَّ يولد حوار الطرشان بين هؤلاء وأولئك… فإنه وبكل جرأة يقف فيصرخ أمام الأشهاد: إلا مالكا

————–

الأسئلة الثلاثة:

*مَن هو مالك بن نبي؟

*مِن أي طينة هو، هذا الخرِّيت العبقريُّ، الذي بزَّ كلَّ مشتغل بالفكر والحضارة في هذا العصر؟

*هل يُنسب إلى وطن، أو زمن، أو قبيلة، أو لغة، أو ثقافة…؟

ثلاثة أسئلة لا أجد لها جوابا، وإن كنت سأختصر لها فرضيات، أو بالأحرى سأصنع لها أطروحات، وأترك الباحثين ليختبروها، فلينفوها أو ليثبتوها:

 

الأجوبة الثلاثة:

الأول- مالك بن نبي رجل عدلٌ، بلغ فكرُه مبلغ الرشد، وتحدَّى بنموذجه كلَّ نماذج النهضة بمختلف مسمياتها: الإصلاح، والنهضة، والتغيير… فكان نموذجا لوحده، وعلى حدِّ تعبير العمري: إنَّ ابن نبي هو “البراديم المختلف” الذي لما يكتشف بعد.

وأضيف: إنه صاحب “نموذج الرشد”، و”براديم الرشد” بلا منازع.

 

الثاني-  حين بحثنا عن طينة مالك بن نبي نكون قد نقَّبنا في جذور الرجل الفكرية والثقافية والحضارية، أي عن إمكانية بناء نًسخ من مالك بن نبي، باتباع نفس المسار، أو أكبر منه، بإبداع مسارات جديدة  بعد الوعي بتلك الجذور والمنطلقات…

فهل درس ابن نبي في “الكتاتيب”، أم في “المعاهد”، أم في “الجامعات”، أم في “مدراس التجربة والحياة”، أم عند “علماء مختلفين”، أم “في أحضان أسرة مختلفة”؟ أم…؟

 

ثالثا- هل أخذ ابن نبي العلمَ من “الشرق” أم نهله من “الغرب”؟ ومع كونه قد تعلم هنا وهنالك، فأيًّ نسبة تعود للشرق في فكره؟ وأي نسبة ترجع إلى الغرب؟ أم أنَّ جدلية الشرق والغرب ترتفع عن مثالنا هذا؛ لأنَّ الكثيرين اتبعوا نفس النهج، ولم يبلغوا ذات المبلغ؟

هل كان مالكُنا عشائريا ارتوى عبقرية العشيرة؟ أم وطنيا تمثل عمق الوطن؟

أقول والله أعلم: مالك بن نبي نحلة جوالة، يحطُّ أنى يشاء وكيفما يريد، ويأكل ما لذَّ وطاب، وما قد ينغِّص الذوق ويجرح الحلق؛ لكنه أبدا ـ بعقله النير الراشد ـ يقوم بعملية التحليل والفرز والانتقاء، فيستوعب الطيِّب، ويطرح الخبيث… وهو في هذا لا يتكلف ولا يتصنَّع، بل يتصرَّف بأريحية، وهدوء، واتزان، وروية…

إنه عالميٌّ كونيٌّ بشريٌّ: قبل ميلاد العولمة ميلادا قيصريا، وقبل تشكًّل الكونيةِ تشكلا مشوَّها، وقبل صياغة البشرية صياغة ظالمة؟

وأخيرا، بمناسبة الذكرى السادسة والثلاثين لوفاة عالمنا ومبدعنا، نستذكر مذكراته التي طبعت أخيرا، وفيها إضافة فصل “الدفاتر” (les carnets)، و”الكاتب” (l`écrivain)، و”العفن” (pourritures)… والتي من معالمها الزمنية والمعرفية، في آخر أيام حياته:

 

مقتطفات من مذكراته آخر أيامه

*يوم 04/06/1973

“هذا الصباح، على الساعة 10:52، أتممت مطالعة الأجزاء العشرة من تاريخ الطبري…” (فلنتفكر في دلالة هذا الفعل)

*10/06/1973

*”بعد أن طالعت كتاب “التاريخ المقدس” لدانيال روبس (Daniel Rops)، ها أنا ذا أعيد مطالعته من جديد، ومما ألاحظ بحق أنَّ المسلم يجد صعوبة في قراءة الفكر اليهودي-المسيحي؛ وهذا مظهر من مظاهر الصدام بين ثقافتين، الأولى (الثقافة الإسلامية) التي تعطي للتوحيد المعنى الأكثر نضجا، والثانية (الثقافة اليهودية-المسيحية) التي تعطي صورة لنوع من     

الشهوانية غير المصقولة”.

*لكنَّ ما يثير الانتباه في مذكرات الرجل الجبل، هو وعيه بمسؤوليته ودورِه الحضاريِّ إلى آخر رمق في حياته، وحتى آخر يوم من أيام حياته، التي لم تكن مُريحة البتَّة، ومع ذلك نطالع نصا يذيب صخور الجمود، ويجمِّد القلوب المائعة والعقول المرسلة، فيقول:

*17/06/1973

“رويدا رويدا، في هذه السنة التي أغلِق بها حلقة 69 عاما من عمري، أتعجَّب أنِّي أجد نوعا من الإحساس بشعور الارتياح؛ فأنا مثل رجل محمَّل بعبء ثقيل، يشكر الله تعالى أن قدَّره على تحمُّله إلى أبعد نقطة ممكنة، ولأطول مدة محتملة؛ غير أنَّه ينتظر ـ مع ذلك ـ الوقتَ الذي يضع فيه الحِمل عن عاتقه. حياتي كانت ثقيلة جدا ووطؤها كان شديدا على النفس؛ ومع اقترابي من سن السبعين آمل نهايةً بيسرٍ وخاتمةً بسكينةٍ. هذه النهايةُ التي أرجو أن تتأخر إلى أبعد مدى ممكن، ما دامت بناتي في حاجة إليَّ…”

 

الفكر مذهبي، ومالك وإخوانه أيمتي

بهذه الكلمات المشعَّة نورا ونارا، وبهذه المشاعر الملتهبة ثورة وانتصارا، نتذكر مالك بن نبي، داعين الله تعالى أن يتقبل منه جهاده واجتهاده، وأن يدخل كلَّ مبرة من المبرَّات الكثيرة في عالمنا الإسلامي، ممَّا هو ثمرة من ثمرات فكره ونضجه ورشده… أن يدخل كلَّ ذلك في ميزان حسناته، ويثبه عليها أحسن الثواب… ويجزيه بها الفردوس الأعلى.

ولقد قلت يوما، وأعيدها اليوم: “إنَّ لكل إنسان مذهب يتمذهب به، وإني أرى المذهبية الفقهية قد انحسرت في الشعائر، فلا أتنكر لها ولا أنفيها، غير أنَّ الفكرَ هو مذهبي، ومالكا وإخوانَه هم أيمتي…

بهذا ألقى الله، ولا أبالي…

 

د. محمد موسى باباعمي

ليلة السبت‏، 1 نوفمبر 2009م

‏ 13‏ ذو القعدة‏، 1430

حفرية أردي : صفعة في خد آل داروين : طه كوزي

darwin_in_shades1حفرية “أردي”

صفعة في الخد عل القوم يتعظ….

طه كوزي

 

عجبي أن يتطاول بعض باحثينا إلى الاعتقاد بنظرية داروين والإيمان بها أكثر من داروين نفسه؛ بالرغم من كون الفرق واسعا والبَون شاسعا بين النظرية التي يُفترض أنها تحتمل الخطأ والصواب؛ والدوغما (Dogm) الذي يرتقي إلى مستوى العقيدة الصماء التي لا تقبل النقاش والتفاوض؛ فالاكتشاف الأخير من علماء أمريكان صفعة في وجه المعتقدين بالداروينية، وصفحة جديدة في تاريخ المعرفةالإنسانية.

قد يقول البعض: ما هي عقدتكم تجاه نظرية داروين؟

قد يتحامل بعض المثقفين والمتثاقفين أحيانا على من يقف في وجه نظرية التطور ليَنقدها من وجهة نظر “إبستمولوجية معرفية”، متأبطين خلفيات فكرية مسبَّقة، بأن الوقوف أمام هذه النظرية هو من تمام العاطفة التي لا تحمل في ثناياها أدنى دليل، فبالنسبة إليهم يمكن أن يتعارض المخبر البيولوجي مع المسجد في الشرق؛ كما تعارض الإنجيل والمخبر في الغرب.


دعني أوضح….


الإنجيل والمخبر متناقضان تماما بدليل الآيات الأولى من الكتاب المقدس، فالمخبر البيولوجي الفرنسي مثلا يعتقد بنظرية التطور ويرفض أي طرح آخر بديل من أصحاب نظرية الخلق مسيحيين كانوا أم مسلمين، وقد تمت محاولة على مرّتين من الحكومة الفرنسية في سنة 2007 فرض قرار على الاتحاد الأوربي يقضي بمنع نشر كتب تتحدث عن نظرية الخلق وتوزيعها في أوربا؛ يحدث هذا في بلاد تتغنى فيه الحناجر بحرية المعتقد، وحرية الرأي، وحرية التعبير صباح مساء.
تفترض نظرية الخلق أن هذا الكون لم يأت وليد الصدفة، كما يزعم آل داروين، وأن التطور فيه لم يحدث من صنف إلى آخر أو من جنس إلى آخر؛ بل كان تطورا تفرضه سُنة التدرج الكونية في النماء (
والله خلقكم أطوارا)، وأن هذا الكون ليس للصدام والصراع وتحطيم الآخر من أجل البقاء؛ بل الأصل فيه القيم والبناء والتعاضد والتعاون.     
              ما لم يفهمه هؤلاء أن الإسلام دين علم وعمل، دين معرفة حقيقية لا تخلط بين الديني والروحي (
temporal and spiritual )، بل تعتبرهما مَعينا واحدا للمعرفة (Le Savoir ) متلازمان لا يتناقضان لأن خالق الأكوان هو نفسه مُنزّل القرآن، فاتحاد المعرفة التجريبية والغيبية هو أمر فصل فيه القرآن الكريم منذ أزيد من أربع عشرة قرنا.

                                                      فلِم معارضة نظرية التطور إذن؟
إن نقد نظرية التطور وبيان مغالطاتها وتناقضاتها، ليس لمجرد أنها تخالف صريح النص القرآني الذي يشكل بالنسبة للمسلمين مصدرا أساسيا للمعرفة (مع أن بعض الباحثين في العلوم التجريبية في بلاد الإسلام لم يستوعبوا هذا بعدُ)، ليس هذا فحسب بل لأن الداروينية تخطت كونها مجرد نظرية بيولوجية لتصبح لها أبعادها الفكرية والعقدية والسياسية والاقتصادية…. مع أني ألاحظ على من يتتبع هذه الكلمات، أن النقد الموجه لهذه النظرية لا يعني الرفض المطلق لنظرية التطور بل يعني أن هناك ما نأخذه وما نتركه، ما نستفيد منه وما نلفِظه.  

                                                                 أخطاء داروين وآل داروين….

1- إنفلوانزا “ادعاء الحق المطلق” :
لا أحد أصم من الشخص الذي لا يود الاستماع إليك: (
Nulle n’est plus sourd que celui qui ne voulais pas t’entendre )، إن الأصم إذا أردت محادثته فإنك ستتمكن من التخاطب معه عبر الحركات والأصابع وتقاسيم الوجه، أما من لا يود الاستماع إليك فإنك لا تملك لمخاطبته من سبيل:  لا الحجة ولا الإقناع  ولا الحركات ولا حتى الصفعات، لأنه في نهاية الأمر لا يود الاستماع إليك وكفى؛ فادعاء الحق المطلق الذي يصدر منه هؤلاء، لا يمنح لمخالفيهم في الرأي  حقهم الطبيعي في المحاورة والنقد، هذا ما أرجو أن يستدركوه حين يقرؤون هذه الكلمات، هذه هي الإنفلوانزا الحقيقية التي وجب التصدي لها وتوفير مصل واق منها.
لا أجد مصلا واق أكثر فعالية لمرض ادعاء الحق المطلق لآل داروين، واعتبار مخالفيهم أنهم في الخطأ المطلق سوى أن يعودوا بأفكار داروين من مستوى الاعتقاد الدوغماتي (
Dogmatic) إلى مستوى النظرية التي كانت في يوم من الأيام افتراضا، والذي نما مع الزمن ليصير نظرية، والتي يمكن أن تُكتب لها الوفاة في أي لحظة ظهر فيها طرح أكثر قوة وأكثر إيضاحا لما يعتري الكون من غموض.


2- تحول الداروينية من مجرد نظرية إلى رؤية كونية (World View):
بالإضافة إلى تحول الداروينية إلى معتقد،إلا أن الأخطر أنها تحولت إلى أداة بها يفسِّر الغرب سياساته وطرق تعامله في الساحة السياسية (انظر كتاب أدولف هتلر:
Mein Kamft كفاحي)، والتحولات الاقتصادية (انظر: نظرية مالتش)، والسلوكات النفسية، والتغيرات الاجتماعية…، فالنقد الذي نوجهه إلى الداروينية هي كونها تحولت من مجرد نظرية كغيرها من نظريات علمي تطبيقي إلى رؤية يُفسر بها الوجود وتصدر من خلالها السياسة الدولية تحت عنوان بالبند العريض: الصراع من أجل البقاء.

 لذا فقد استثمر الغرب في نظرية داروين لتكون مبررا للحركات الاستعمارية القديمة والجديدة.


أردي*… صفعة في الخد علّ القوم يتعظُ

إن الاكتشاف الأخير للحفرية المسماة “أردي” ينبغي أن لا يأخذ هالة إعلامية أكثر من اللازم لأنها ليست الدليل الوحيد والأوحد على ضعف ما تقوله نظرية داروين، فالأدلة كثيرة على التجزيء
(
la stigmatisation) والتعميم (l’anecdotisme)  وغيرها من العيوب المنهجية التي وقع فيها آل داروين، إلا أن “أردي” جاءت في وقت مناسب ومن أناس مناسبين فلو اكتشفت من غير الأمريكان لطَفت النمطيات والأفكار والأحكام المسبقة إلى السطح، لذا جاءت “أردي” لتُردي بالدليل العلمي والمادي (لأنهم يؤلهون المادة) وتبين أن أفكار داروين ليست حقا مطلقا، ولا رؤية كونية بل هي مجرد نظرية.  

نداء عاجل للباحثين

لقد سئم العالم الإسلاميّ أن يعود إليه باحثوه وأبناؤه من دراساتهم العليا من الداخل أو الخارج بقليل من المعرفة وكثير من الأحكام المسبقة والمعتقدات المقتضبة، فهذه الكلمات نداء عاجل إلى كل هؤلاء أن يغرفوا من كل المعارف مهما تنوعت وتعددت، لأن هذا يمثل واجبا شرعيا لا يختلف فيه اثنان، بل أن يعود إلى وطنه بمعارف عميقة مع المحافظة على رؤيته الكونية القرآنية التي هي الثابت الوحيد.

       

                                طه كوزي

                                معهد المناهج

الجزائر

 

درس الصين العظيم : ليس بالتغريب وحده تنمو الأمم

510636007_6e70786bfd   

درس الصين العظيم: ليس بالتغريب وحده تنمو الأمم

 

                          د.أحمد خيري العمري

اسلام اون لاين- http://mdarik.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1254573493442&pagename=Zone-Arabic-MDarik%2FMDALayout

 

ما فتئ دعاة التغريب، بمختلف أطيافهم واتجاهاتهم، لا يتركون فرصة تفوتهم دون أن يذكرونا بأن الحل الوحيد للخروج من تخلفنا وسباتنا هو المضي خلف الغرب خطوة خطوة.. حذو القذة بالقذة..

الدعوة ليست جديدة، ومنذ أكثر من قرن وهي تمر بمراحل وأطوار مختلفة، مدفوعة أولا بواقع متخلف لا جدال في انحطاطه، وثانياً بوجود تجربة غربية لا جدال في نجاحها.. أي مقارنة بين الواقع المتخلف والتجربة الغربية (المتقدمة) كانت حتما لصالح الدعوة إلى التغريب..

بعض هذه الدعاوى كانت يسارية – ماركسية، بعضها كانت ليبرالية إلى الحد الأقصى، وبعضها كانت أقل تطرفا، وهناك اليوم “أجنحة تغريبية” واضحة حتى داخل الإسلاميين، تدعو إلى أسلمة التجربة الغربية بشكل صريح، والأسلمة أحيانا لا تكون أكثر من تحفظ هنا أو هناك على بعض المظاهر الغربية دون الانتباه إلى جذور هذه المظاهر وأصولها..

والحقيقة أن نجاح التجربة الغربية يسهم في دخول مقاييس نجاحها كجزء من منظومة التفكير والحكم ولو على نحو غير واع، أي تصبح جزءا من طريقة الحكم على الأشياء ومن “رؤية العالم” بطريقة تجعل من محاولة التوفيق ( ولو كان تلفيقا ) بين الإسلام والغرب مجرد تحصيل حاصل.. مجرد محاولة لجعل “التغريب” أيسر.. لا يعني هذا قط اتهام هؤلاء بالعمالة كما جرى الفهم السطحي لأي انتقاد، بل يعني أنهم ببساطة لا يرون حلا آخر لمشاكل أمتنا غير استيراد المناهج الغربية ووضع شعارات إسلامية عليها هنا أو هناك.. دون أن ننكر أنهم يتحفظون على مظاهر الانحلال الموجودة في هذه التجربة..

أمران يتعرضان كثيرا للتركيز في إطار الدعوة للتغريب، ضمن أشياء أخرى، مناهج التعليم، والديمقراطية، وغالبا ما يتم طرح التغيير في مناهج التعليم، والديمقراطية، باعتبارها جزءا من الحل لمشاكل التنمية المستعصية في بلداننا ( الديمقراطية هي الحل، إصلاح مناهج التعليم هو الحل.. الخ).. ومما لا شك فيه أن مناهج التعليم في معظم بلداننا تعاني من مشاكل خطيرة، كما أن النظم السياسية ليست في وضع أفضل، لكن الإصلاح المؤدي للتنمية لا يمر بالضرورة بالوصفة الغربية وبقواعدها المقدسة.. رغم سهولة الانزلاق إلى ذلك باعتبار أن التجربة الغربية هي الأكثر وضوحا وهيمنة..

لكن التجربة الصينية تقدم نموذجا شديد الاختلاف والنجاح في الوقت نفسه: الصين أصبحت في ظرف عقود  قليلة واحدة من أكبر القوى الاقتصادية في العالم، منتقلة من اقتصاد زراعي متخلف ومثقلة بمشاكل ورثتها من تطبيق صارم للثورة الثقافية في عهد ماوتسي تونغ.. دخلت الصين اقتصاد السوق لكنها دخلته بمعاييرها هي، ولم تتخلَّ عن سياسة سيطرة الحكومة المطلقة على السوق الداخلي ومختلف آليات الإنتاج ..

كل ما في التجربة الصينية، لو قرأناه بعيون التجربة الغربية ووصفة التنمية التي تم تعميمها علينا، يؤدي إلى أن الصين ستكون منافسا لنا في الفشل والتخلف، لكن الصين، بدلا من ذلك، زاحمت كبرى الدول في أرقام نموها، وبدت كما لو أنها عاملا أساسيا في إنقاذ العالم من هاوية الإفلاس التي سقط فيها عقب الأزمة الاقتصادية الأخيرة، وما تقدم شركة صينية لشراء مصانع سيارة الهمر Hummer  من شركة جنرال موتورز (ضمن خطة الإنقاذ من الإفلاس) إلا  صفقة ذات دلالة مغزوية كبيرة، حيث تقوم الصين بشراء رمز أمريكي مثل الهمر وجنرال موتورز.

الصين، على سبيل المثال، ليست ديمقراطية، بل تعاني من حكم الحزب الواحد منذ أكثر من سبعين عاما، وأحوال الحرية فيها ليست أفضل منها في بلداننا، ومجزرة تيانمين عام 1989  التي سحقت فيها الدبابات مئات الطلاب وكذلك مجزرة الأيغور مؤخرا ليستا سوى أدلة إعلامية كبيرة على طبيعة الحكم في الصين، وهي طبيعة قمعية نعرفها جيدا في بلادنا وتآلفت معها شعوبنا حتى صارت جزءا من ذاكرة جمعية..

الإعلام في الصين في أغلبه حكومي يسبح بحمد الحزب والقائد، وحتى الإعلام الخاص خاضع لرقابة حكومية صارمة تحرم الدخول مطلقا في بعض الموضوعات ( من ضمنها شرعية الحزب الشيوعي ).. ومنظمة “مراسلون بلا حدود” تصنف جمهورية الصين الشعبية ضمن أسوأ الدول فيما يتعلق بحرية الصحافة (تسلسلها 167 من أصل 172، وكل الدول العربية أفضل منها حسب هذا التسلسل، وإن كانت بعض هذه الدول قريبة جدا منها!!).. حتى الانترنت خاضع لرقابة شديدة، وعندما تضع كلمة  “تيانانمن ” في محرك البحث في الانترنت في الصين، فإن أجهزة الرقابة الحكومية تأخذك إلى صور لزهور ومناظر طبيعية ساحرة بدلا من صور أشلاء الضحايا المدهوسين بالدبابات. ( يذكرني هذا بحقيقة أن برامج اختراق الحجبPROXY التي يستخدمها الكثيرون في بلداننا لاختراق الحجب الحكومي المفروض على بعض المواقع، هي برامج صينية صممها شبان صينيون لاختراق المنع الذي تفرضه حكومتهم، ونستوردها نحن طبعا كما كل شيء، لكن بفارق أن الشباب هناك يضطرون لتحديث البرامج دوما لأن حكوماتهم تحدّث المنع باستمرار، أما عندنا فيمكن استخدام نسخ قديمة لأن حكوماتنا غير متابعة جدا لحسن الحظ!)

إذن لا ديمقراطية ولا حرية في الصين، وحسب مسطرة المفاهيم الغربية كان يجب أن يكون ذلك كله مقدمة لاقتصاد سيئ ونمو متدهور، فالازدهار والتقدم والرفاهية كلها أمور مترادفة (إعلاميا وحسب نفس المسطرة) مع الديمقراطية والحرية بمفهومها الغربي حصرا..

لكن هذه المعادلة لا تعمل في الصين على ما يبدو، بل إن نتائجها تشير إلى نتائج ليست مختلفة فحسب بل ومضادة، وهو الأمر الذي لا مفر من مقارنته مع إخفاق آخر لنفس المعادلة يتم دوما تجاهله أثناء الترويج لشعار “الديمقراطية هي الحل”.. فالهند توصف بكونها “أكبر ديمقراطية في العالم”، والانتخابات الديمقراطية تجري فيها منذ أكثر من خمسين عاما وبمقاييس “بريطانية”، ومعدل حرية الصحافة فيها يتفوق على مثيله في الولايات المتحدة الأمريكية، ورغم ذلك فالديمقراطية العريقة لم تجلب الرفاهية لشعب هو الأول في عدد الفقراء بالمطلق والثالث في عدد الفقراء نسبيا ( أي بالمقارنة بنسبتهم من عدد السكان الأصليين)، ولا يزال 70% من سكانه يعيشون اقتصاداً زراعياً لم يتغير إلا قليلا منذ عشرات العقود، كما أن معدل الفرق بين الأثرياء والفقراء فيها من أعلى المعدلات عالميا..

من ناحية أخرى، فإن نظام التعليم في الصين يكاد يكون نموذجا لكل ما يجب أن ينتج التخلف والسلبية حسب نفس المسطرة الغربية للمفاهيم، التعليم في الصين لا يزال قائما على الحفظ والاستظهار وإرهاق الطالب بالفروض والواجبات المنزلية (معدلات انتحار الطلاب في الصين هي الأعلى عالميا) والمواد الدراسية تكون غالبا خالية من التحفيز على التساؤل والنقاش، وبالتالي لا تؤدي إلى الإبداع..(أو هكذا نتصور ..)

بالإضافة إلى ذلك، فان القيم التعليمية في الصين لا تزال قائمة على الطاعة والمبالغة في مظاهر الاحترام مثلما هو الأمر في الموروث الصيني التقليدي، كما شهدت برامج الدراسة الحكومية في الصين في العقود الأخيرة عودة قوية لمبادئ كونفوشيوس (حكيم الصين الأشهر والمؤسس للديانة الكونفوشيوسية الأكثر انتشارا في الصين ) بعدما كانت هذه المبادئ مبعدة أثناء الثورة الثقافية (1966-1976) باعتبار كونفوشيوس ممثلا  للنظام الاقطاعي!  اليوم تلاقي نفس المبادئ القبول والدعم حتى من الحزب الشيوعي الحاكم (الذي لا يزال يرفض الدين عموما ويتحايل على الأمر باعتبار الكونفوشيوسية فلسفة أكثر منها ديناً ).. بل إن المدارس الخاصة في الصين التي سمح بها مؤخرا صارت تستخدم القيم الكونفوشوسية كوسيلة لجذب الزبائن، فكلما كان التركيز على هذه القيم أكثر في البرامج الدراسية زاد إقبال أولياء الأمور على تسجيل أبنائهم فيها ( هل يذكركم هذا بشيء معاكس يحدث عندنا ؟؟؟)..

القيم الصينية – التقليدية التي يركز عليها في هذه البرامج تركز على القيم الجماعية حيث الكل والمجتمع مقدم على الفرد في الفلسفة الصينية (قارن مع القيم الغربية التي تركز على الفرد والفردية ) القيم الصينية تركز على الانسجام والتناسق بين مختلف العناصر والأشياء المتضادة ونبذ الجدل والمناظرة ( قارن مع القيم الغربية التي تركز على مفهوم التنافس والبقاء للأصلح واستخدام الجدل عريق جدا وله جذوره الإغريقية الراسخة في الحضارة الغربية ككل)..

بالتأكيد هذا المقال ليس محاولة للترويج لنموذج صيني في التنمية مقابل النموذج الغربي الأكثر انتشارا، بل هو مجرد تذكير بحقائق تبدو منسية في غمرة سيطرة الإعلام (الغربي عموما) على عقول وطرق تفكير الكثيرين..

وبالتأكيد أيضا، سبب نجاح التجربة الصينية لا علاقة له بحكم الحزب الواحد أو بالقمع والاستبداد ولا باعتماد الدراسة على الحفظ والاستظهار ( وإلا لكنا – في الحالتين- الشعوب الأكثر نموا وبلا منافس !)..

درس الصين العظيم هو في إمكانية النمو والانتهاج والفاعلية باستخدام الموروث الحضاري كمنصة انطلاق لهذا النمو والنهوض..درس الصين العظيم يتلخص في ان تجد كل امة شرارة إلهامها و انطلاقتها من عمق موروثها نفسه دون ان تتحكم بها (عقيدة نقص) تجاه التجارب السابقة ودون أن تحاول محاكاة هذه التجارب باعتبار (أنه ليس بالإمكان أبدع مما كان).. في النهاية: مناهج التعليم وأنظمة الحكم هي محض وسائل وليست أهدافا بحد ذاتها، وإذا ضاع الهدف عن أمة ما، فلا وسيلة حقا – مهما كانت متقنة – يمكنها أن تقود هذه الأمة الي نهضتها..

هل هناك من يعتقد حقا أن الموروث الصيني يضم عناصر للنهضة والانطلاق أكثر مما يضمه كتاب الله وسنة رسوله ؟ هل هناك من يعتقد حقا أن بإمكان الصينيين أن يبنوا نهضتهم دون المرور بالتغريب ولا نستطيع نحن ؟..لا أشك أن البعض سيرد حتما على هذين السؤالين بالإيجاب ( نعم يستطيعون ولا نستطيع نحن !) ولكن هذه هي بعض أعراض النقص التي لا شك أنها ستقل وتضمحل تدريجيا عندما تقدح الأمة زناد نموها ونهضتها.. عندها لن تكون الوسائل ( مناهج التعليم، أنظمة الحكم ) مستوردة بالضرورة، بل ستكون منسجمة أولا  مع روح هذه الأمة وأهدافها…

سيكون الدرب صعبا ولا بد، لكن كذلك هي الدروب إلى كل ما هو جدير بالحياة..

 

عن الخروج من “عصورنا” الوسطى …

desert_steps_id58672_size3501عن الخروج من “عصورنا” الوسطى ..

د. أحمد خيري العمري

القدس العربي -16/10/2009

الإنصاف والتفهم لا يكفيان بالضرورة للفهم الكامل ، وبالتالي لا يكفيان لتقديم الحلول .

و روبرت فيسك ، الصحفي البريطاني المعروف ، لا يعوزه الإنصاف ولا التفهم لقضايانا ، وهو لا يحتاج إلى ثناء مني ولا من سواي ، فهو من القلة النادرة التي وقفت بثبات مع قضايانا : احتلال العراق ، وغزة ، ولبنان … إلخ ؛ بينما كان بعض المثقفين الليبراليين العرب يشيدون بالتدخل العسكري وبشبهونه بأثر الغزو النابليوني على أوروبا ونهضتها .

مقاله الذي نشر بتاريخ 29 يوليو في الإندبنت البريطانية يستحق أكثر من وقفة ، وأكثر من تأمل .

عنوان المقال يطرح تساؤلا جارحا : “لماذا الحياة في الشرق الأوسط متجذرة في العصور الوسطى ؟”

Why life in the Middle East remains rooted in the middle ages?

من حق روبرت فيسك أن يسأل ، ومن حقه أن يجيب أيضا ، لكن الإنصاف والتفهم ليسا بالضرورة كافيان للتشخيص ولتقديم الدواء .

يقر فيسك أولا بأن التدخل الغربي والمؤامرات الاستعمارية لها دور في الوضع المأساوي الذي تعيشه غالبية المجتمعات العربية وفي إبقائها على ما هو عليه ، لكنه يقر أيضا بأن ذلك لا يكفي لتفسير استمرارية التدهور .

وهذا صحيح ، وهي نقطة ستحسب لصالح فيسك عندما نرى كيف أن البعض من كتابنا قد تخلوا تماما عن أي اتهام أو إشارة للغرب ، لصالح إدانة كاملة وشاملة لكل ما هو “نحن” ، فقد انتقلنا من خطابات “نظرية المؤامرة” الحماسية التي لا ترى مشكلة إلا في الغرب إلى خطابات “نظرية اللا مؤامرة” التقريعية التي لا ترى فينا إلا كل ما يستحق النبذ ولا ترى في الغرب غير ملائكة وجمعيات خيرية .

يضع فيسك ملاحظات هامة وجديرة بالاهتمام ، لكن إطار رؤيته العام سيبقى أسيرا للرؤية الغربية ، وهذا ما لا يمكن لومه عليه .

يبدو ذلك واضحا من العنوان : فهو ، للدلالة على التخلف الذي نعيشه ، يستخدم مصطلح “العصور الوسطى” ، وهي الفترة الأسوء أوروبيا والتي تمتد لعشرة قرون منذ سقوط الإمبراطورية الرومانية في القرن الخامس الميلادي الى القرن السادس عشر الميلادي حيث بدأت بوادر النهضة الأوروبية والاصلاح اللوثري .

لكن ماذا كنا نفعل خلال ذلك ؟ كان ذلك هو عهد نهضتنا وازهارنا ، كان ذلك هو بالضبط عصرنا الذهبي : عصر الفتوحات الإسلامية ، عصر الرشيد والغيمة التي أينما حملت مطرها فسيعود خراجها للمركز ؛ مهما كانت لدينا تحفظات على بعض ما حصل في تأريخنا فإنه يبقى التأريخ الأنصع الذي لم تحدث فيه مجزرة كبيرة واحدة أثناء بناء الدولة وانتشارها . (لا يدخل المسلمون قائمة المجازر التأريخية إلا في فترة متأخرة جدا وفي اطار المجازر المتبادلة مع الصليبين والتي ابتدأها الصليبيون أصلا ، على فرض صحة وجود هذه المجازر وحيادية المصادر التي ذكرتها ، بينما كل الإمبراطوريات التي سبقت وتلت الدولة الإسلامية كانت ترتكب المجازر أثناء انتشارها وتوسعها).

خروج الأوروبيين من عصورهم المظلمة تزامن مع تدهور تدريجي مرت به الأمة ، ومن ثم ولوجنا في عصور مظلمة تخصنا ، واستمرارنا فيها رغم كل صيحات النهوض ومشاريع النهضة المجهضة وفرصها المهدرة .

قروننا الوسطى تملك بعض التشابه مع قرونهم الوسطى ، لكن هناك أيضا اختلافات جذرية : الكنيسة كانت تمتلك القوة والسيطرة إبان هذه العصور ، كانت تحكم بيد من حديد على كل شيء حرفيا ، الأمر كان أكبر بكثير من مجرد تحالف بين الإقطاعيين والنبلاء ورجال الكنيسة ، بل كان هناك سيطرة مباشرة على الحكم ، كانت الكنيسة هي المؤسسة الأقوى في تلك الفترة ، كان ملوك أوروبا يطلبون رضا البابوات والكرادلة ويتملقونهم بل ويخشونهم ، وقصة الملك هنري الرابع معروفة ،فقد ارتحل لأشهر من مكان إلى آخر طالبا المغفرة من البابا جريجوري السابع إلى أن وصل إلى منتجع صيفي حيث كان البابا يقضي الصيف ، وهناك “ركع” للبابا أمام الناس طالبا السماح منه .

لا يمكن إنكار وجود نوع من التحالف التأريخي بين بعض رجال الدين عندنا وبين السلطات ، كما لا يمكن إنكار أن هذا التحالف ساهم في أحيان كثيرة في تكريس الظلم والاستبداد ومنح الشرعية له ، لكن هذا التحالف كان أحياناً من باب “التحصيل الحاصل” لا أكثر ولا أقل ، ورجال الدين الذين انخرطوا في هذا الأمر لم يكونوا أكثر من “وعاظ” و “ندماء” مقربين للحكام، وهؤلاء “نظّروا” لسلطة المتغلب أيا كان لكنهم لم يكونوا سلطة فعلية مستقلة كما الكنيسة ، ولم يكن لديهم قوة فعلية خارج هذا القرب وبالتالي لم يكن هناك إمكانية كامنة للسيطرة التي مثلتها الكنيسة بصفتها المؤسسة الأقوى في أوروبا القرون الوسطى ؛ لا يمكن أصلا تخيل موقف مماثل لذلك الذي حدث بين البابا وهنري الرابع من قريب أو بعيد ، كان هناك رجال دين نأوا بأنفسهم عن الأمر كله – وهم غالبية تخيلت أن اعتزال الأمر سيكون بلا عواقب سلبية لاحقة– وآخرون قاموا بدور المعارضة ، ولكنها بعيدة جدا عن أن تكون معارضة أنداد ، فضلا عن أن يكون لرجل الدين فيها السطوة والانتصار . (الحوادث التي انتصر فيها رجال الدين كانت عابرة ونادرة رغم أهميتها ، مثل إبن حنبل ، و العز إبن عبد السلام ) .

إذن المقارنة تمتلك تشابهات ولكن المؤسسات التي سيطرت على الوضع في الحالتين مختلفة تماما .

يقول فيسك إن العرب لا يمتلكون انتماءا حقيقيا لأوطانهم بالمفهوم الغربي للكلمة ، لا يشعرون أن أوطانهم لهم ، كل ما هو في الشارع ليس لهم ، كل ما هو خارج إطار ممتلكاتهم الفردية الشخصية لا يعنيهم ؛ وهذه حقيقة لا مناص من الإقرار بها ؛ وهو يلاحظ أيضا أن بيوت العرب نظيفة بشكل عجيب “spotlessly clean” ولكن شوارعهم تعج بالأزبال والقمامة ؛ وهي ملاحظة صحيحة أيضا ، وهناك مقابل معاكس لها في الدول الغربية ، حيث لا توجد طقوس وتقاليد نظافة شخصية كالموجودة عندنا وفي بيوتنا ، و لكن توجد شوارع نظيفة (ليس في نيويورك !) ، والملاحظتان وإن وردتا في سياقين مختلفين في كلام فيسك إلا إنهما مرتبطتان جدا : إنه عدم الانتماء الذي نشعر به ، أو يشعر به أغلبنا على الأقل ، والذي يجعل الكثيرين غير مكترثين لما يجري خارج سور البيت ، “حوالينا ولا علينا” .

قد يكون رد الكثيرين على الأمر مرتبطا بسؤال : وماذا قدمت لنا أوطاننا كي ننتمي لها ؟ والسؤال وجيه ، ولكنه يرتبط بمنظومة فكرية كاملة هي في الحقيقة منتجة وناتجة عن هذه الأوضاع في الوقت نفسه .

يذكر فيسك أوضاعا محبطة يعيشها العرب ، ونعرفها جيدا (ويزايد قليلا في بعض الأمور التي صارت جزءا من بديهيات الإعلام الغربي والعربي أيضا رغم عدم وجود إحصاءات توثقها ، مثل ما يسميه العنف المنزلي ، وجرائم الشرف والاغتصاب ، وهو أمر تتعمد وسائل الإعلام تضخيمه لأغراض واضحة إلا إنها في الحقيقة لا تملك حجما مؤثرا أو حتى قريبا من التأثير) . يذكر عن الفساد والرشوة والدكتاتورية والمحسوبية والشباب الذين يحملون شهادة الدكتوراة ويعملون سائقين لسيارات الأجرة ، ويقول شيئا جارحا عن الشباب المتعلم الذكي الذي كل طموحه السفر إلى الخارج ، يقول بالحرف : القرآن بالنسبة لهم غال جدا ، ولكن كذلك الغرين كارد Green card !!!

يعتبر فيسك إن هذه الأوضاع هي التي جعلت من العقل العربي غير منتمي للوطن ، وقد يكون في قوله وجاهة لا يمكن تجاهلها ، لكني أذهب إلى ما هو أبعد من ذلك ، وأزعم أن العربي كان دوما هكذا ، كان دوما لا منتميا لشيء إلا لنفسه ، ومن ثم عشيرته ؛ لم يكن له وطن أصلا ما دامت الخيمة عنوانه الدائم ، ومادام الترحال هاجسه وواقعه ؛ كيف يمكن للانتماء أن ينشأ عند من يرتحل دوما ؟

لا أتحدث هنا عن البدو والأعراب فقط ، بل عن “ثقافة جمعية” سكنت حتى المدن وجعلت من سكانها بدوا رحلا أدركوا ذلك أو لم يدركوه ، ثقافة تجعل منهم غير منتمين ، غير مساهمين ، غير منتجين ، غير فاعلين ، حتى لو كانوا يستخدمون أحدث التقنيات المستوردة .

أقول ذلك كله وأكمل : إن العربي لم يخرج من ذلك كله إلا مرة واحدة فقط ، ألا وهي عندما صار مسلما ، وحده الإسلام نجح في أن يحول ذلك النكرة الهائم على وجهه إلى إنسان فاعل ، وحدها القيم الدينية التي حملها الإسلام والقرآن إلى عقله ووجدانه جعلت منه إنسانا غير العالم في عقود قليلة ، قيم ربطت الإيمان بالعمل الصالح ، وجعلت “الأنا” تذوب في “النحن” ، وجعلت من المجتمع سفينة واحدة إما أن تنجو وينجو ركابها أو تغرق و يغرقون جميعا . كانت هذه هي معجزة الإسلام الحقيقية : أنه نجح مع أمة هي الأدنى حضاريا في مقاييس زمانها ، وجعلها – في فترة قياسية – الأمة الأفضل ؛ وهذا يجعله محتويا دوما على قيم فاعلة كامنة يمكن أن تنفع أي أمة في أي مرتبة حضارية .

فمالذي حدث بالضبط ؟ كيف تركنا عصور نهضتنا إلى عصورنا الوسطى ؟

حدث الإنفصام التدريجي بين القيم الدينية وبين الواقع ، ممثلا في نظم الحكم أولا ، لكن القيم الاجتماعية ظلت مسيرة عبر القيم الدينية ، ومع الوقت زاد الشرخ اتساعا ، وزاد من حدة الشرخ تفتت الدولة المركزية إلى دويلات متناحرة ، وصارت القيم الدينية بالتدريج قيما فردية ، يسيطر عليها الطابع الشعائري المفرغ من الفاعلية الاجتماعية ، واختفى مفهوم “فتح العالم” الذي سكن هاجس الجيل الأول وحل محله مفهوم يركز على “الآخرة” كما لو كانت منفصلة عن العمل في الدنيا .

وكل هذا كان سمادا خصبا للاستبداد والفساد والتفكك ، وعادت الدولة لتكون مجرد نسخة حديثة من العشيرة الجاهلية ، يأتي ريعها من الرعي (صار اسمه اليوم استثمارا هنا وهناك) أو من السلب والنهب (صار اسمه اليوم رشوة ومحسوبية ونسبة وعمولة … إلخ) ، وكل فرد داخل العشيرة الحديثة لا ينتمي لشيء إلا لنفسه ولعائلته الأقرب ، وكل شيء “حوالينا ولا علينا” ، ولا يعود يهم حقا إلا إذا صار “علينا” .

كلما انسحبت القيم الدينية من فاعليتها عاد ذلك الأعرابي الساكن في أعماقنا ليطل برأسه ويستبدل به رؤوسنا جميعا ، مهما كانت الشهادات الجامعية والألقاب التي نحملها ، بل مهما كانت الادعاءات والشعارات “تقدمية” و”علمانية” و”ليبرالية” ، فإن الواقع سيسيطر عليه ذلك البدوي الذي يتحكم بالعقل واللاوعي الجمعي .

وحدها القيم الدينية ، التي عندما خرجت منا خرجنا نحن من نهضتنا ، وحدها قادرة على تفعيل هذا الفرد ، وتحويله الى إنسان فاعل ، إلى جزء من جماعة ، ووحدها قادرة على الخروج بنا من عصورنا الوسطى والتي تختلف عن “عصورهم الوسطى” .

خروجهم لم يحدث إلا عبر الخروج من الكنيسة .

أما خروجنا ، و يا للعجب ، فلا يمكن إلا عبر العودة إلى القيم الدينية …

“كنتم خير امة”..رؤية جديدة : د. أحمد قطشة

together1 

 كنتم خير امة”..رؤية جديدة : د. أحمد قطشة

 

 

لطالما إرتبطت هذه الآية بأذهاننا، بأنها تصريح رباني لأمة محمد عليه الصلاة والسلام، بأنها أفضل أمم الأرض، وأن أفضليتها تنبع من كونها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وما يغلف ذلك كله الإيمان بالله، وبذلك يرتاح ضميرنا، لأن أحداً من أمم الأرض، لا يؤمن بالله كما نؤمن نحن، فضلاً على أنهم لا يملكون مانعرفه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر…

 

فهل نحن فعلاً أفضل أمم الأرض؟ وهل تعني الآية فعلاً هذا المعنى؟ وماهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ وما علاقة الإيمان بالله في كل هذا؟

 

بداية لنعرض الآية الكريمة كاملة أمامنا (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ )[آل عمران : 110]

 

ولنعد أيضاُ في نفس الوقت لمعاجم اللغة العربية، ونتوقف عند معنى كلمة خير، فالمعاجم تقول لنا:( أن كلمة خير، هي ضد الشر، وأن الخير تعني النفع)، والمعنى الأخير، هو الذي يستقيم مع سياق الآية، ليصبح المعنى أنكم أنفع أمة اخرجت للناس، وما يؤكد هذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام (خَيْرُكم خَيْرُكم لأَهله )، فالأفضلية إرتبطت تماماً بمقدار النفع المتأتي من هذا الشخص تجاه أهله، فالخير هو من الخيرية، وليس من الأفضلية، بل إن الأفضلية متحققة بمقدار الخيرية الناتجة عن هذه الأمة، أو عن هذا الشخص.

ومن هنا نلاحظ قوله عليه الصلاة والسلام (إن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين حتى النملة في حجرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير)، رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب صحيح وصححه الشيخ الألباني.

 

غير أننا لو نظرنا لسياق الآيات، لوجدنا أن كلمة الخير، لا تحمل أبداً معنى الأفضلية، بل كانت واضحة الدلالة في هذه الآيات أنها تعني الأنفع والأصلح، يقول رب العزة (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) … (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) …( لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114)) آل عمران

 

لتكن منكم أمة يدعون إلى الخير، وبعدها بعدة آيات كنتم خير أمة أخرجت للناس، ثم وصف الله سبحانه لطائفة من أهل الكتاب، بأنهم يسارعون في الخيرات، كما نلاحظ تواتر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه الآيات جميعها.

 

ولو كان رب العزة سبحانه وتعالى، يريد القول بالمعنى الأول الذي صدرناه في بداية المقال، لكان الأصوب لغوياً القول بأنكم خير أمة أخرجت في الناس، وليس للناس، فإستعمال اللام هنا، دل أن هذه الأمة، تحمل رسالة عالمية بإمتياز، تفيد كل الناس، مهما كانوا، وأينما كانوا، فهذه الأمة أنفع أمم الأرض لغيرها، ومقدار أفضليتها مرتبط بمقدار نفعها لغيرها، وهو ما عبر الله سبحانه وتعالى عنه، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل إن أحد أشكال الخير والنفع للناس، هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

بطبيعة الحال، ما يتبادر لذهن القارئ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو تلك الأوامر الدينية، التي تصدر من أشخاص أو هيئات، إرتبطت بهذه الظاهرة، بل وإرتبط فعل الحض على الطاعات بهذه التسمية، مع أن التسمية أوسع من أن نضيقها بهذه الخانة.

 

يبدو ذلك واضحاً من الآية نفسها، فهذه الأمة، أنفع الأمم للناس، والناس، قد يضمون المؤمن والكافر، وإذا فهمنا جواز أو وجوب حض المؤمنين على الطاعات وترك المنكرات، فهل يستقيم دعوة غير المؤمنين لذلك، مع أنهم لا نقف نحن وهم على أرضية مشتركة، يمكن بها فعل ذلك، فهل يستقيم حض الملحد مثلاً على الصلاة، وهو لا يؤمن أساساً برب العالمين.

 

لنعد مرة أخرى ونتأكد من معنى المعروف، فالقاموس المحيط يقول أن “المعروف هو اسم لكلِّ فِعلٍ يُعرَفُ حُسْنُه بالعقل أو الشَّرْع، وهو ضد المنكر”، وهذا تعريف شامل لما نريده، فالمعروف ما تعارف الناس عليه عقلاً أنه جيد، وما أقره الشرع أنه جيد، وبالتالي لا تجد أمة من أمم الأرض، لا تحض في أدبياتها على الصدق، والأمانة، والإلتزام، والحرص على الوقت، كما لا تجد أمة منها، لا تنهى عن الكذب، والغش والخداع، فهذا هو المعنى الذي يقوم به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع من لا يؤمن بالله.

 

أما مع الذين يؤمنون بالله، فلا يقتصر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حدود الأوامر الدينية، كما نفهمه في حدودنا الضيقة، بل يتعداه ليصل به حدوداً لا يمكن إهمالها أو حصرها.

 

إنني أرى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو الصيغة الإسلامية للحوار الداخلي للمجتمع، هو الطريقة التي تتم بها تصحيح الأخطاء، سواء شرعية، أم عرفية، هو الصيغة التي تكفل تساوي الجميع أمام القانون، إنها حوار يستطيع فيه اي شخص أن يقول رأيه، ويجب على البقية الإستماع والتنفيذ، بكل رضا، طالما أن الرأي استند على قاعدة المعروف والمنكر، ولم يستند على قاعدة أخرى، تدخل فيها إعتبارات القوة، سواء كانت قوة معنوية متمثلة بالصلة من المتنفذين بالمجتمع، أم بقوة مادية مدعومة بوفرة من المال.

 

إنها الصيغة المنشودة والمعبر عنها، في كل مكان في هذا العالم، حتى في أعرق برلمانات الأمم، فالمعروف ما تعارف الناس على حسنه.

 

غير أن شيئاً ما ينقصنا في هذه المعادلة، فقد يتعارف الناس على شيء سيء، كما تعارف قوم لوط على الفاحشة، وكما يتعارف مدمنو المخدرات على حقن بعضهم البعض بها، فمايفعلونه معروف بالنسبة لهم، وقد يصل الإنحراف ليصيب المجتمع بأكمله، كما في قصة قوم لوط، وكما في قصة أهل مدين، عندما تعارفوا على بخس الوزن.

 

فمالذي يحدد المعروف من غير المعروف، هنا يكمن سر قوله تعالى (وتؤمنون بالله)، إنه الإيمان به سبحانه، والإحتكام لمنهج يسمو على طمع البشر وأهوائهم، منهج لا يتغير بتغير الزمان والمكان، منهج لا يرتبط بتطور وتقدم، ولا بتخلف وتأخر، لا يحيد ولا يتبدل، موصول بالسماء.

 

ومن هنا نقول أن الأخلاق، وبرغم وجودها في الفطرة الإنسانية منذ خلق الله آدم، تبقى بحاجة للإتصال بشيء ثابت، مرجعية واضحة، تعود إليها، وتنضبط بمعاييرها.

 

وكما نرى أيها الإخوة، فإن معنى الآية مختلف تماماً عن ما اعتدنا سماعه، بل هو معنى كبير وعميق، يعود بالنفع على كل البشرية، فالحمد لله الذي جعلنا من خير أمة أخرجت للناس، وجعل خيريتها متعلقة بمقدار نفعها للناس، وصلى الله وسلم على معلم الناس الخير.

 

ملاحظة ختامية:

أدرك أن الكثيرين مايزالون بإنتظار بدء المشروع الذي تحدثنا عنه، ختمة النهضة، وإن شاء الله العمل جارٍ فيه، وقريباً سنعلنه، بعد تذليل بعض الصعوبات الفنية المرتبطة بالموقع، ومقال اليوم، يمكن إعتباره مثالاً على النتائج التي ستخرج بإذنه تعالى من هذا المشروع، وغني عن القول، أن بعض أفكار المقال، مستقاة من سلسلة محاضرات لأحد الدعاة من اليمن.

و لي فيها مآرب اخرى !! غسان ماضي

jw-131ولي فيها مآرب أخرى   

                                 

                                                غسان ماضي

في سهل منبسط بين مكة والطائف يقع سوق عكاظ الذي كان واحدا من أسواق الجاهلية العامرة ، وقد كان الشعراء والفصحاء والبلغاء يقصدونه من كل فج عميق  فيعتلون فيه ظهور دوابهم وينثرون من أفواههم جواهر البلاغة الآسرة، إذ أن أثمن  بضائعهم يومها لم تكن سوى الشعر والبلاغة والأدب، من أجل ذلك كان “الكتاب” وما  فيه من وجوه بيانية مذهلة معجزة العرب الذين بعث فيهم محمد صلى الله عليه وسلم.

وكانت ثمود قوم صالح قد احترفوا رعي الغنم والإبل والشياه فكانت معجزة نبيهم ناقة الله وسقياها، ومعجزة الناقة قد تكون أبلغ معجزة لقوم استأنسوا القرب من الأنعام والبهائم. وهكذا لو رحنا نستقصي معجزات الأنبياء مع أقوامهم لوجدنا أن المعجزة تأتي من  جنس  ما برع به القوم “وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ “.

إن تناسب المعجزة مع  إبداعات المستهدفين بالدعوة فيها قدر عال من التحدي الذي قد يخلق ثورة في أرواح  القوم تفضي إلى انبهارهم واستسلامهم لرسالات أنبيائهم ومن ثم إيمانهم بعد ذلك . حسنا أظن أننا نتفق إلى هنا فدعونا نفكك هذا اللغز،…. ونتساءل لماذا كانت معجزة موسى  عليه السلام إلى قومه العصا ؟؟ بماذا برع بنو إسرائيل حتى تكون معجزتهم العصا؟  ما السر في هذه العصا التي كان يحملها موسى عليه السلام؟ وما هي هذه المآرب  الأخرى لموسى في عصاه؟

 قبل أن نغوص في أعماق نصوص الوحي المقدس لنجيب عن هذه التساؤلات دعونا  نرجع بذاكرتنا عبر التاريخ آلاف السنين ونتوقف عند هذه اللحظة التاريخية في حياة بني إسرائيل والتي وثقتها آيات الكتاب المبين.

(وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) الأعراف

موسى عليه السلام يعلن في قومه يوم الرحيل، وفي ظلمة الليل وهدأة السحر يتجمع  بنو إسرائيل تحت إمرة موسى عليه السلام ليقودهم صوب الخلاص، ويبدو أن فرعون  استشعر حركة بني إسرائيل فجهز جيشه على عَجَل ولحق بهم حتى إذا ما اقترب موسى من البحر أيقن بنو إسرائيل بالهلاك إذ إن البحر من أمامهم وفرعون وجنوده  من وراءهم، فأخذوا يصرخون مذعورين أنهم مهلكون! ولكن موسى عليه السلام كان يملأ قلبه وصدره وكفاه ثقة بمولاه، كان كله يقين بأن ربه لن يخذله فأمره الله أن يضرب  بعصاه البحر فاستحالت مياهه طريقا معبدة يابسة على جنباتها جبال عظيمة من الماء فاجتاز موسى ومن معه اليم ووقف على الشاطئ، فعاد البحر سيرته الأولى وابتلعت مياهه جيش فرعون العرمرم وغرق الطاغية الجبار. ورأى بنو إسرائيل بأم أعينهم جلاديهم يهلكون عن آخرهم، هؤلاء الجنود الغرقى هم الذين  كانوا يقتلون أبناءهم ويستحيون نساءهم ويستذلون رجالهم ….يا له من مشهد سيبقى أبد الدهر عالقا في ذاكرتهم إنه مشهد فرعون الغريق يستنجد بهم ويستجديهم ويصيح بملء  فيه معلنا إيمانه بالذي آمنت به بنو إسرائيل.  

بطرفة عين وفي لحظة إلهية قاهرة انقلبت المعادلات وتغيرت موازين القوى وإذا بالعبودية  تنقلب حرية والضعف قوة والذلة عزة . دعونا نتوقف هنا عند هذه اللحظة بالذات ، لحظة  الانتصار التي طالما حلم بها أبناء إسرائيل، وطالما توقفوا على مشارف الزمن يترقبونها وينتظرونها فإذا بها حاضرة بين أيديهم واقعا يحيونه.إنها لحظة الانتقام، لحظة الخلاص من الذل، والانعتاق من العبودية ، إنها لحظة تضج بالإعجاز والروعة، عصاهم العجيبة  بأمر الله تشق لهم البحر، وتدشن جبال الماء على جنبات الطريق، يا لها من ملحمة إعجازية تملأ القلوب إيمانا وتصديقا وعبودية. ..

كان الأمل ببني إسرائيل بعد هذه المعجزات المتتاليات أن يقضوا ما تبقى من أعمارهم في محاريب التبتل والعبودية لهذا الإله العظيم الذي استنقذهم من العذاب. ولكن اسمعوا مالذي  فعله بنو إسرائيل عقب هذه اللحظة؟ وجدوا أناسا على شاطئ البحر يعكفون على أصنام  لهم فجاءوا موسى يرجونه أن يجعل لهم صنما إلها كما لهم آلهة!!!  أمعنوا النظر في الآية كيف رتبت المشاهد، (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ ) فأتوا …

 هل رأيتم الفاء الفورية التي التصقت بكلمة أتوا والتي جاء بها التعبير القرآني هنا، فهذه الفاء تفيد الترتيب مع التعقيب وكأن الفاء تريد أن تحدث فتقول: أنهم أتوا مباشرة بعد الخروج من  البحر وطلبوا من موسى إلها يعبدونه ، بعد لحظة الانتصار ومشاهد فرعون الغريق، مشاهد مياه البحر تنقلب يابسة وجبالا، مشاهد النجاة، كل هذه المشاهد ما زالت حاضرة حية في أذهانهم. ..

ما زالت ثيابهم مبللة بالرذاذ الذي أصابها من مياه البحر،ما زالوا يلهثون وأنفاسهم تتلاحق من توالي المشاهد والأحداث.كيف لموسى أن يصدق أذنيه ؟ ألم تؤثر فيهم مشاهد الإعجاز؟ ألا يجدي معهم هذا الكرم الإلهي الذي حباهم الله به؟ ألا يتذكرون أيام الذلة والعبودية والهوان؟

آه …!! هنا بدأت أفهم لماذا وصف الله قلوبهم بالحجارة في تعقيبه على قصة البقرة التي ذبحوها، حيث أن رجلا من بني إسرائيل قُتل فاختلفوا فيمن قتله، فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة ويأخذوا قبضة من لحمها ويضربوا به جسد الميت المسجى. فإذا بالميت تدب به الروح وتكتب له الحياة ويترجل على قدميه يحدث فيقول: إن الذي قتلني فلان. فرأى بنو إسرائيل ولأول مرة في حياتهم كيف يحي الله الموتى. حقا إنها آية تدير الرؤوس وتُلين قلوب عتاولة البشر وتفجر  في أرواحهم ينابيع الخير والصدق والعطاء. ولكن الغريب أن القرآن وهو ينقل لنا تفاعل بني إسرائيل وردود فعلهم على هذه العجيبة الخارقة يصف قلوبهم عقب المعجزة بأنها غدت كالحجارة. فهم لم يتأثروا بهذا الذي أبصروه ولم يلقوا له بالا وكأن شيئا لم يحدث، وبقوا على كفرهم وعنادهم وعنجهيتهم وتكذيبهم بآيات الله ورسله.

فهم لا يمتلكون في صدورهم قلوبا تنبض بالحياة بل حجارة من صوان!وأنى للحجارة أن تعي مشاهد الإعجاز والإيمان والروعة!!!       

لم ييأس موسى عليه السلام من إيمان قومه رغم ما فعلوه، بل جاءهم بالألواح من السماء  فيها الهدى والنور، وأخذ يريهم المزيد من الآيات والمعجزات فرأوا بأعينهم كيف تتفجر  الحجارة ينابيع ماء تبعث الحياة في الصحاري القاحلة، ولم تبخل عليهم السماء وجاد الله  عليهم بالمن والسلوى.

ظن موسى عليه السلام بعد كل هذه العطايا والمعجزات أن الإيمان  أخذ طريقه إلى قلوب قومه فأخذ يذكرهم كيف أن الله أكرمهم وجعلهم ملوكا وآتاهم مالم يؤت أحدا من العالمين، ودعاهم لدخول الأرض المقدسة. ولكنهم خيبوا أمله وخذلوه مرة أخرى ودعوه ليذهب هو وربه للقتال أما هم فسيبقون هاهنا قاعدون. فما كان من موسى عليه السلام إلا أن رفع كفيه إلى السماء يشكو بمرارة إلى مولاه جحود قومه …

(قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ)… إلا نفسي وأخي، .. هذا هو حصاد السنين لموسى مع قومه. عشرات السنين من التربية والدعوة والكرم والإعجاز  عاقبتها “إلا نفسي وأخي..”

يا لها من تجربة قاسية عاشها نبي الله موسى مع هؤلاء القوم،  أظن أن مثل هذه التجربة وأقسى منها تكررت مع كل أنبياء بني إسرائيل، بل إن كثيرا من أنبيائهم انتهت بهم النبوة إلى القتل على أيديهم. أما تجربة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مع اليهود فلا تكاد فصولها تختلف عن تجارب إخوانه الأنبياء. .

كانت آيات الوحي التي تنزل من السماء ترسم الخريطة الذهنية المعقدة لبني إسرائيل.

 وكان القارئ لهذه الآيات يُلقى في روعه عبثية إيمان هؤلاء القوم. ولكن صحابة رسول  الله صلى الله عليه وسلم كانوا يطمعون في إيمان اليهود في يوم من الأيام فهم أتباع نبي  وأصحاب رسالة وكتاب. ولكن نزلت الآيات هذه المرة تدعو المتفائلين الطامعين بإيمانهم  لإعادة حساباتهم فمحال أن يؤمن هؤلاء الذين يحرفون  كلمات الكتاب وهم يعلمون أنها  كلمات الوحي القادمة من السماء.(  أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) البقرة.

     لقد كانت آيات الله تروي تاريخ اليهود القبيح وماضيهم المثقل بالخطايا والآثام لتؤكد استحالة إيمانهم (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ)، لو أريتهم كل معجزات  الأرض لن يتبعوا دعوتك، رغم أنهم كانوا يعرفون الرسول صلى الله عليه وسلم وكتابه كما يعرفون أبناءهم إلا أنه وعلى مدار التاريخ كله لم يؤمن بالرسول صلى الله عليه وسلم من اليهود سوى الآحاد. وذلك لأن الأنبياء جاءوا يخاطبون البشر بالبينات والحجج والبراهين وهذه المفردات تستعصي على أفهام بني إسرائيل، فبأي لسان يكلم أنبياء الله هؤلاء القوم؟

لما أراد الله أن يأخذ من بني إسرائيل الميثاق رفع الجبل فوق رؤوسهم وظنوا أنه واقع بهم عندها قالوا سمعنا …

” فلما رجع الجبل إلى حيث كان استدركوا فقالوا وعصينا…” هم هكذا إذن لا يؤخذ منهم شيء إلا والجبال فوق رؤوسهم.فهم لا يفهمون إلا لغة العصا، هي العصا وحدها من يفهم هؤلاء.أما غيرها من  لغات الأرض فلا جرم أنهم لا يفهمونها. أعرفتم الآن لماذا كانت معجزة اليهود العصا،

ألا تتذكرون قول المتنبي في أمثال هؤلاء:   

 لا تشتري العبد إلا والعصا معه     إن العبيد أنجاس مناكيد  

في أول حديث لموسى مع ربه في أيام دعوته الأولى سأله الله عن تلك التي بيمينه فقال  موسى “ … هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى ” .

 موسى عليه السلام وهو الذي خَِبر قومه كان يعلم أن روح العبودية تتغلغل في أعماقهم  وتسكن في دماءهم وأنهم لا يقادون إلا بالعصا كالحمير والبهائم التي لا تحسن السير  إلا إذا ألهبت ظهورها بالسياط. ..

أوعرفتم الآن بعض مآرب موسى الأخرى في عصاه …

                             العبد يقرع بالعصا      والحر تكفيه الإشارة !

 

“حاضر بابا “

fatherhood-copyright-2005-paul-c-smits1  ” حاضر بابا !”                                                   

د.أحمد خيري العمري

 (كتبتها لأبني زين العابدين قبل ثمان أشهر ، لكنه فضّل أن لا تنشر..ثم حدث أن نشرت مقالة اخته “حجاب آمنة” ، و طالبه البعض بأن يفرج عن ما كتب له ..فوافق أخيرا..)                               

الحبيب زين العابدين..

أقول لك السلام عليكم، وأسمعك ترد عبر القارات، ترد بالطريقة المميزة التي تعرف كم أحبها، وكم أحب سماعها منك مرة بعد أخرى.. هي والجملة الأخرى،  التي تكاد تكون مثل علامة مميزة لك.. والتي اخترتها عنوانا لرسالتي..

تعرف أني كنت أعلق دوما مازحا أنها “مجرد كلام”.. لكني أحبها أيضا رغم ذلك.. و أقول لك الآن: إني سأحبها أكثر إن لم تكن مجرد كلام.. فدعها تكن كذلك.. (أسمعك تقول: حاضر بابا !).

أعرف كم ستكون مشاعرك متضاربة تجاه هذه الرسالة،  فخلف قشرة لا مبالاتك التي تغيظ الجميع، أعرف أن هناك في أعماقك راداراً دقيقاً يتحسس لأدق الإشارات.. أعرف أن وجهك الآن ربما يكون قد تغير، وأن دمعة ما على وشك النزول من عينيك.. أقدر ذلك وأتفهمه، لكن أطلب منك ألا تتمادى فيه، بالضبط كما أطلب ألا تتمادى في اللامبالاة، لا تتمادى في جعل مبالاتك تعطل تفاعلك مع الأمور.. لا تدع ذلك يستهلكك ويستنفذ طاقتك.. بين اللامبالاة المغيظة، والمبالاة المبالغ بها، هناك مساحة وسطى علينا أن نجعل أنفسنا دوما بها.. مساحة هي الأكثر خصوبة والأكثر قدرة على الإنتاج..

أعرف أيضا أنك لن تفوت الفرصة دون أن تحاول أن تغيظ شقيقتيك.. على الأقل آمنة.. أقول لك يا زين لا تفعل ذلك.. ليس فقط لأني سأكتب لهما أيضا عندما يحين الوقت.. ولكن لأن ذلك ما يجب أن تكف عنه ( حاضر بابا !)

إثنا عشر عاما يا زين منذ أن رزقني الله بك وجعلتني أبا.. إثنا عشر عاما  تغيرت فيها أشياء كثيرة في العالم، في وطننا.. فينا.. تغيرت حياتي.. وتغيرت أيضا حياتك.. وأنت تعرف طبعا ما أعنيه ( أزم شفتي هنا، وأتمنى أن تفعل  أنت أيضا،   فلنتفق أن نكون أقوياء.. سنتظاهر بالقوة حتى لو لم نكن أقوياء.. لأن ذلك قد يجعلنا أقوياء لاحقا.. )..

.. سنقول الحمد لله، وعندما ستفهم الحمد لله فعلا يا زين، ستفهم أن ” الحمد ” يستحق أن تقول من أجله “الحمد لله”..

إثنا عشر  سنة إذن يا زين منذ أن جعلني مجيئك – الذي أحمد الله عليه- أبا.. وجعلني ذلك أفهم نفسي أكثر، وأفهم علاقتي بأبي أكثر.. لكني لا أريد أن أتحدث عن نفسي اليوم.. أريد أن أتحدث عنك.. بعبارة أخرى: عنّا..

كنت أتمنى أن أكون قريبا منك اليوم.. أنا واثق أنك تريد هذا أيضا، لكن يا زين،  القرب والبعد نسبيان، كما الضعف والقوة..

عندما كنت في مثل سنك كان والدي قريبا جدا مني بمقاييس الأمتار والسنتمترات.. لكنه  كان بعيدا جدا.. منذ أن أخذه المرض من دوره كأب، أو على الأقل منذ أن أخذ المرض كل احتمالية للقرب أو لدوره كأب..

كنت في العاشرة عندما سقط والدي مشلولا، وفقد القدرة على النطق والتعبير, وبقي كذلك إلى أن توفي بعد 23 سنة.. كما تذكر جيدا.. ( المدهش أنه عز وجل قد اختار تأريخ ذلك اليوم الذي سقط فيه والدي، الخامس عشر من شباط، ، ليكون يوما لمجيئك أنت، كما لو أنه درس لي عن تداخل الأشياء، عن ولادة الأمل من أقاصي اليأس.. )

إذن كما ترى، ربما نكون قريبين جدا.. ولكن مع ذلك نكون بعيدين جدا: بعيدين دونما أمل..

وربما نكون على بعد آلاف الكيلومترات، ورغم ذلك فإننا نجد وسيلة للتواصل.. وسيلة للقرب الذي قد يكون أقوى من القرب المباشر.. أقرب من الأمتار والسنتمترات..

والحقيقة أني أشعر بالقرب منك ومن شقيقتيك أكثر من أي وقت، لا يوجد شيء أراه  دون أن أحاول أن أتوقع رد فعلكم تجاهه، بالضبط أحاول أن أراه كما أتوقع أنكم سترونه أنتم، وأحاول أيضا أن أتدخل هنا وهناك، وأحضر إجابات تجعل عملية التفاعل بينكم وبين ما ترون منضبطة دون انبهار مرضي، ودون عداء مرضي أيضا..

و لذلك فإن الطبيعة الخلابة في فرجينيا، بالذات التي في الطريق بين فرجينيا وواشنطون دي سي، ستجعلني أقول لكم كل مرة،  كل مرة !:  إن هذه الطبيعة من حق السكان الأصليين!  لكي لا ننسى قط أن ما حباه الله لهذه البلاد من طبيعة هو ما جعل أمريكا بالقوة التي هي بها الآن، وإنها أصلا لم تكن لهم.. بل بنيت على حق مغدور ومنهوب..

و عندما أرى الصف المنتظم الطويل أمام الباص ( حتى قبل وصوله بربع ساعة وأكثر)، فإني لا أنسى أن اذكر أن هذا التنظيم الذي يستحق الإعجاب لم يتطور ليصير تنظيما في العلاقات الزوجية والشخصية، وهكذا فإنهم يقفون بمنتهى النظام أمام الباص ( وهو أمر يستحق الإعجاب وديننا يأمرنا به بكل الأحوال ) لكنهم يتدافعون في أمور أخرى، قد تكون أخطر على المدى البعيد..

حتى أجمل ما رأيت هنا، وهو عادة القراءة  المنتشرة ( ليس فقط في المترو والباص، بل حتى أثناء المشي ) حتى هذه العادة  التي نعرف جيدا أن من سيفعلها في بلادنا سيعد مجنونا رسميا دون الحاجة إلى التأكد من الطبيب، وهي العادة التي أسرعتُ إلى أخذها دون تحفظ بسرعة كما لو أنني كنت أنتظر ذلك منذ أن ولدت،  حتى هذه العادة ما كنت سأدعها تمر دون أن أنبهكم إلى العناوين المقروءة، إذ إن إعجابي بالعادة (الأمريكاني!) لن يجعلني أغفل عن كون معظم الكتب المقروءة والمنتشرة كتبا سطحية وتجارية أو روايات إثارة وتشويق بلا عمق ولا أهمية  حتى من الناحية الأدبية..

باختصار،  أنتم معي دوما، أفكر فيما ستقولون، وأفكر فيما سأقول، أتصرف ككيميائي في مخبره منشغل دوما بتحضير اللقاحات والتطعيمات،  التي آمل أن تمنحكم المناعة والحصانة، لا من أجل مجيء “محتمل” لأمريكا فحسب ولكن لأن الانبهار موجود في كل مكان، سواء كنت هنا أو هناك، تعيش المشهد  بشكل حي ومباشر، أو تعيشه من خلال فوكس أو channel 2.. أليس كذلك ؟ ( حاضر بابا!)..

 حبيبي زين..

 ها أنت  تتوّج أعوامك  الاثني عشر بمسؤوليات ربما تبدو أكبر منك ومن حجمك،  و لكن الكبار لا يولدون كبارا يا زين، إنهم يكبرون بالتدريج،  بالضبـط  إنهم يخـتارون أن يكبروا ( والبعض لا يفعل ذلك على الإطلاق رغم أن جسمه سينمو وسينبت له الزغب فوق شفتيه )، لكن الكبار كانوا يوما صغارا، ثم صقلتهم تجاربهم، وجعلتهم ينضجون.. مرة أخرى: لقد اختاروا ذلك..

و ها أنت الآن، تأخذ بيد خالة أبيك، نيابة عني وعن آخرين ، و عن كل ما علمناه لك ، وخاصة ما علمته لك أمك .. وتقودها إلى المستشفى.. و تبات معها الليل أيضا..

أقول لك، دمعت عيناي عندما أخبرتني أمك بذلك.. لكنها دمعة الفرح..  تذكرت كلمات أغنية  كنت أدندنها لك  يوم كنتَ ابن أشهر.. لا أدري إن أخبرتُكَ بذلك أو لا..

كنت أقول لك كلمات أغنية ربما لم يقصد كاتبها إلا كلاما عاطفيا عاديا ” سخافات حب كما تقول أختك أروى !“،  لكن ما كنت  أرددها كما قصدها مؤلفها.. وإلى الآن،  لا أعتقد أن عواطف كهذه يمكن أن تكون حقيقية إلا إذا كانت صادرة من أم لابنها أو أب لابنه..

 كانت الكلمات تقول..  “عندي ثقة فيك.. عندي أمل فيك.. .و بيكفي !.. شو بدك يعني أكثر بعد فيك؟.. عندي حلم فيك،  عندي ولع فيك.. و بيكفي !..  شو بدك أنه يعني موت فيك ؟ والله رح موت فيك.. صدق إذا فيك.. وبيكفي!.. شو بدك مني إذا متت فيك ؟.. بكتب شعر فيك، بكتب نثر فيك.. وبيكفي ! شو ممكن يعني أكتب بعد فيك؟”..

و لكني لم أكتب الشعر والنثر فيك حقا، كل ما كتبته بطريقة ما، هو من أجلك، من أجل شقيقتيك أيضا، من أجل ذلك الجيل الذي ثقتي فيه مستقاة من إيماني بالله، إيماني بأن هذا الجيل قادم لا محالة.. وأملي أن تكونوا منه.. أن تلحقوا به.. أو يلحق بكم.. لم تكن ثقتي مجردة عن العمل في “البذار” لما أعتقد أنه يساهم في مجيء هذا الجيل .. أو على الأقل يسرّع فيه..

ولذلك عندما يبدر منك أو من شقيقتيك ما يشير إلى أن “الرسالة  وصلت”  فإني أشعر أن ثقتي قد تكون في محلها.. وأنكم ربما قد صرتم من ذلك الجيل الآخر الذي أهديت له كتابي الأول، وكل كتبي بطريقة ما، الجيل الذي عندما أتفاءل أن أرى إمكانية انتمائكم إليه..

هذه المرة، ربما لن يكون هناك هدية تقليدية كما في كل مرة، وكان يمكن أن أفعل ذلك رغم البعد، وقد فعلتها مرة وأنت تذكر ذلك، لكن الهدية العادية كانت ستجلب الفرح ربما، لكن ليس القرب.. وأعتقد أن القرب الآن هو ما يهم أكثر..

اليوم وأنا أكتب ويحدث في البيت ما يحدث، أعرف كم هو ثقيل أن تتحمل كل ما هو على عاتقك اليوم، أعرف أيضا كم هو ثقيل عبء أن تكبر وأنت في الثانية عشرة،  لكني فرح رغم ذلك، ليس لأن ما تقوم به اليوم يكتب في صحيفة أعمالك فقط، بل  لأن ذلك يكتب أيضا في سجل شخصيتك ( ربما الأمران متطابقان !) و ها أنت تتلقى ثقلا على كتفيك، لكنك تكسب أيضا تجربة جديدة.. تكسب خبرة جديدة.. نستطيع دوما أن نتجاوز مصاعبنا بهذه الطريقة، قد يبدو الأمر في البداية تلاعبا في الألفاظ،  لكن الأمر سينجح، وسيبدو الثقل أخف! صدقني..   ( حاضر بابا !)..

على الأقل، أعرف اليوم أن أمك ليست وحدها، وأني لم أتركها وحدها في الشام، بل تركتها مع رجل راشد “عندي ثقة فيه !”..

( بالمناسبة: أمك ليست فقط أفضل أم في العالم كما أخبرتها أنت قبل أيام، لكنها أيضا دليل من أدلة وجوده عز و جل.. على الأقل بالنسبة لي، لكن هذا موضوع آخر.. وقد نتحدث عنه لاحقا.. حاضر بابا !)

وبالمناسبة أيضا عندما دعاني صديقي الأفغاني إلى منزله، صلينا العشاء جماعة، وصلى ابنه بقربي، ابنه اسمه مؤمن، وهو بعمرك بالضبط.. وعندما أنهينا الصلاة،   منعت نفسي  بصعوبة من أن أحتضنه، وأغمره، كما كنت أفعل معك ومع آمنة بعد كل صلاة نصليها معاً..

شيء آخر: كنت سابقا أغمركم فقط عندما نصلي جماعة، اليوم أحتضنكم بعد كل صلاة..

لا.. لا تبك يا زين.. لقد اتفقنا أن نكون أقوياء.. حتى لو لم نكن أقوياء فعلا.. فالقوة تأتي أحيانا من التظاهر بها.. .

لا تبكِ.. زم شفتيك..

 أريدك أن تسمعنيها عالية ومتفجرة،  كما أُحبها،  كما هي دوما..

 حاضر بابا.. !”..

قولا.. و فعلا.. هذه المرة!

 

ملحوظة : كل ما أكتبه يكون برسم النشر العاجل أو الآجل.. وكل من أكتب لهم يعرفون ذلك ( ويأخذون احتياطاتهم منه !).. هذه المرة على سبيل الاستثناء، لك الحق أن تكون  الوحيد الذي يقرأ الرسالة.. لك الحق أن ترفض أن أنشرها.. اخترت أنا منذ زمن ألا أترك شيئا للأدراج ( ولا للورثة!).. لكن إن أحببت أنت سأفعلها (هذه المرة فقط)..  وإن أحببت أن أشارك الجميع بها فهذا  أيضا يعود لك..

 

 

الدراما السورية (+18).. لماذا؟؟ ريما الحكيم

child-watching-television-silhouette1الدراما السورية (+18).. لماذا؟؟

بقلم: ريما محمد أنيس الحكيم

 

 

كعادته، استُغلَّ رمضان هذا العام لترويج منتجات فكرية جديدة، أو بالأحرى غريبة عن مجتمعاتنا، وكان بين مسلسلات رمضان لهذا العام تنافسٌ محموم لإبراز أيها الأقدر على تسميم عقول المشاهدين وترويج الأفكار المخلَّة بالأدب.

الدراما هذا العام جاءت بالجديد أمام ما كان يبث في الأعوام الماضية، جاءت بأفكار جديدة، وغريبة عن حياتنا.

ولكن للأسف.. لم تستطع معالجتها بشكل يتناسب وعاداتنا وتقاليدنا، مما جعلها تظهر كنسخٍ مُشوَّهة عن الدراما الغربية بأفكارها وطريقة إنتاجها وتصويرها.

وبالتالي.. نتج لدي سؤال خطر على بالي منذ بداية ظهور مسلسلات هذا العام في رمضان!! لكنني لم أستطع الإجابة عنه بعد!!

……………………………………..

هل يعقل أن تتحول المسلسلات السورية إلى مواد ممنوعة رقابياً؟؟..

هذا ما أثبتته لنا مسلسلات رمضان هذا العام، وهذا ما رأيناه في ما يعرض على شاشات التلفاز من مسلسلات يعتبرها مشاهدوها مسلسلات جيدة نوعاً ما..

فقد اعتاد المواطن العربي على اعتبار المسلسلات السورية “نظيفة أخلاقياً” نوعاً ما مقارنة مع غيرها من المسلسلات، ومن المعروف أنها استطاعت كسب ود المشاهد العربي، وأنها استطاعت الوصول إلى قلبه بما كانت تحمله من إسقاطات على الواقع المعاصر، وتحليلها لمشاكل عالقة وإيرادها للحلول الممكنة..

لكن رمضان هذا العام حمل لنا مفاجآت جديدة، حمل لنا مسلسلات سورية (+18)، ومصطلح (+18) بالنسبة للأفلام والبرامج الغربية يعني أن هذا البرنامج لا تصلح مشاهدته لمن هم دون عمر الثامنة عشرة.. يعني أن هذا البرنامج يحوي ما يُعتبر ظهوره على شاشة التلفاز منافياً للأخلاق!!!

وهذا ما حملته لنا مسلسلات رمضان بشكل عام، فلم يخلُ أي مسلسل تقريباً من مشاهد مخلة بالأدب، أو حوارات منافية للذوق العام.. مما يوحي لنا بأن الرقابة كانت نائمة هذا العام..

تحولت المسلسلات إلى مواطن للأفكار الخبيثة التي تسربت إلى عقول أجيال الشباب الجديدة، وقد قُدِّمَت على أنها للتوعية بما يحدث حقاً في مجتمعاتنا..

ولكن هل حدوث أمر ما في مجتمع ما يعني إظهاره للناس عامة بشكل تمثيلي مع إشارة خفيفة جداً إلى سوئه، وأحياناً حتى تلك الإشارة تنعدم، ويبقى المسلسل مجرد راوٍ لأمر مخل بالمجتمع دون تبيين حقيقته..

وهل يجوز لنا أن نظهر الفساد ونساعد في نشره بين الناس بحجة التوعية؟؟

أم هل يمكن للجيل الجديد أن يُميز بين الفعل الصحيح والفاسد بمجرد عرضه على التلفاز، أم أن عرضه قد يساعد في ترسيبه في عقله الباطني بشكل غير مباشر، ومن المعلوم أن تكرار رؤية الشيء تساعد على اعتياده..

لا أريد أن أدخل في النوايا، ولن أسيء الظن – مع أنه بات ضرورياً مع ما يظهر – لكنني سأتكلم عن وقائع رأيناها في الدراما السورية هذا العام..

……………………………………..

عن ماذا سأتكلم؟؟.. لن أتكلم عن مشاهد الغزل والحب التي انتشرت بين ثنايا المسلسلات السورية وكأنها أمر طبيعي بين اثنين يحبان بعضيهما، ولن أتكلم عن القيم الغريبة عن مجتمعاتنا التي دخلت إلينا عن طريق الدراما التي أصبحت تنشرها كما لو أنها قيمنا الأصيلة.. لن أتكلم عن غرس حب المال والجاه والظهور والشهرة في نفوس الجيل الجديد على أنها حلم حياتهم وطموحاتهم تتحدد في إطارها.. ولا عن تحويل اللصوصية إلى شطارة، واتباع الشهوة إلى حب حقيقي، وحب التباهي والظهور إلى أعمال خيرية..

كل هذا لن أتكلم عنه في مقالي هذا.. وما يهمني كثيراً أن أتكلم عنه، هو أن الدراما السورية هذا العام اخترقت حواجز ما كان يجوز لها اختراقها، ودخلت أبواب لم تُفتح في مجتمعاتنا..

سأتكلم عن مسلسلين اثنين (دون أن أذكر اسميهما)، تحدثا عن ظاهرة جديدة، وإن وجدت في مجتمعاتنا، فإنها موجودة في الخفاء ووراء الأبواب المغلقة، ولا زال مجتمعنا بأكمله ينفر منها ويرفض وجودها في ثناياه رفضاً قاطعاً..

ألا وهي: ظاهرة الشذوذ..

ظاهرةٌ يرفضها الدين والعرف والمجتمع، ولا تقبلها النفس السوية، ظاهرةٌ نسمع عن وجودها أحياناً في مجتمعنا ولكن بشكل سري ومتكتم، لكننا لا نراها عياناً.. ظاهرةٌ يرفض من يفعلها أن يعلن عنها للناس، لأنه يعلم في داخل نفسه أنه يرتكب شيئاً من أشد المحرمات البشرية، لكنه وإن كان يفعله، فإنه يخشى كثيراً من معرفة الناس بها..

ظاهرةٌ اعتدنا إن أردنا أن نتكلم عنها أن نشير إليها إشارة فقط، وإن أردنا أن نجد لها الحلول على أنها مشكلة، أن نحلها بشكل جذري دون محاولة نشرها أكثر..

ظاهرة لا يجوز أبداً الإعلان عنها في مجتمع كمجتمعنا – حتى إن حواها وراء بعض أبوابه – إلا أنه يرفض وجودها بشكل قاطع..

ومع كل ما سبق.. أبرزتها تلك المسلسلات.. أبرزت الشذوذ في مشاهدها، ومع أنها حاولت إبرازه على أنه أمر معيب، إلا أن المصيبة كانت في مجرد إظهاره على التلفاز، الذي يشاهده الجميع كباراً وصغاراً..

لم يعد هناك حرمة لوجود طفل يشاهدها في البيت، ولا لأبٍ لا يريد لأطفاله مشاهدتها، ولا لكبير يُنَزِّهُ بصره عن رؤية (الخنا) كما ينزه نفسه عن العمل به..

من المعروف أن الدراما السورية كانت تحمل القيم الصحيحة وتحاول في مسلسلاتها أن تبرز القيم النبيلة التي نريد كلنا أن نحملها، ولا تألُ جهداً في محاولة توعية الجيل الجديد وإظهار الحلول لمشكلات المجتمع كاملاً… ولكن يبدو أن هذا كان سابقاً فقط..

فأي توعية هذه حين أعرض على شاشة يراها الصغار قبل الكبار ما لا يجوز لي أن أخبر الصغار به بعد؟؟ خصوصاً حين نعلم أن الأمهات للأسف يثقن في الدراما السورية وقد تسمح الواحدة منهن لطفلها أن يتابع أحد المسلسلات حتى وإن لم تكن تعرف ما يعرضه وما هي قصته..

وأي توعية حين أظهر مرضاً خلقياً خطيراً في المجتمع وأكون عاملاً من عوامل نشره..

وأي توعية حين لا أعرض الحل الصحيح لهذا المرض، وأعرضه فقط دون عرض العلاج؟؟؟

أم أي توعية حين يظهر أحد الشبان في مسلسل ما على أنه شاذ، ونرى من حوله يقبلون ما هو عليه دون أن يعترضوا على ما يفعل، ويعتبرونه حراً فيما يفعل، ويقولون أنهم لا يحاكمونه على أمر خاص به؟؟

أم أن هذه التوعية تكون بأن نجعل الشباب الجديد يرى أمراً جديداً من الممنوعات عليه، دون ذكر علاج للمشكلة، لعله يحاول ممارسته في يوم من الأيام؟؟

هل هذه هي التوعية الصحيحة التي باتت تحملها لنا الدراما السورية؟؟

……………………………………..

ظاهرة جديدة لم تكن مسبقاً، ومع أن البعض قال لي بأن الدراما السورية منذ عدة سنوات بدأت تظهر فساداً جديداً لم يكن في مشاهدها..

لكن هذا العام كان اختراقاً واضحاً لحرمة مجتمع كامل.. بل حرمة وطن كامل، فمن المعروف أن الدراما السورية محبوبة في كل أرجاء الوطن العربي..

كانت الدراما هذا العام تجاوز غير مسبوق للحدود التي تواضعت عليها الأعراف، تجاوز غير مقبول بأي شكل من الأشكال ولا يحتمل التأويل بأي وجه…

يبدو أن الدراما السورية بالفعل تتجه لتكون دراما (+18)، لا يجوز لمن هم تحت سن الـ (18) رؤيتها أبداً.. وإلا فإنها ستسبب انحرافات أخلاقية جديدة..

خصوصاً وأنه من المعلوم أن للتلفاز دورٌ كبير في تغيير المفاهيم وإقناع الجيل الجديد بقيمٍ غريبة عنهم كلياً، ودوره محددٌ في أنه يبثُّ “الصورة” .. الصورة التي ينظر إليها الإنسان بعينه فتدخل إلى عقله الذي يحللها ويتناغم معها ويعيها ويتفاعل مع تأثيرها ويضعها ضمن محفوظاته ومفضلاته.. الصورة التي أصبحت أداة إخضاعٍ لا شعوريٍّ لمتلقيها، والتي لم تعد مجرد أطياف وظلال، بل باتت أداةَ حفرٍ وتشكيلٍ في عقل رائيها …. الصورة التي تُبثُّ عبر التلفاز، فتتحكم في عقل مشاهدها وتملك الوسيلة إلى تغيير مفاهيمه وتفكيره.. وفي عصر الصور الذي نعيش فيه، بات ذلك ممكناً جداً، بل محققاً على أرض الواقع..

ويبدو أن عملنا الآن يكمن في توعية الآباء والأمهات بخطر الدراما الجديد، لعلهم يحمون أبناءهم منها، ومع أننا في عصر انفتاح كامل على المعلومة، ومع أن الطفل بات بإمكانه أن يرى من المحرمات ما يشاء عبر الإنترنت، إلا أننا لا نقبل أبداً أن يتحول التلفاز أيضاً إلى بؤرة فساد جديدة..

تلك كانت وجهة نظري القابلة للنقاش والحوار، لكنها رؤية آلمتني رمضان السابق، خصوصاً حين تخيلت أمَّاً تطمئن لأن يشاهد ابنها الصغير مسلسلاً سورياً، وهي تعمل في المطبخ أيام رمضان دون أن تراقب ما يشاهد طفلها بعناية، لأنها مطمئنة إلى أن هناك حدوداً في الرقابة على المسلسلات السورية، ولم تعلم أن الرقابة كانت نائمة هذا العام، ولعلها لن تصحو !!!!!!!!!!!