حجاب “آمنة” …

حجاب “آمنة”..

حجاب آمنة
حجاب آمنة

                           

 

                        د.أحمد خيري العمري

القدس العربي- 5/10/2009

عندما أخبرتني زوجتي بأن آمنة قررت أن ترتدي الحجاب.. انتابتني مشاعر لا يمكن إنكار اختلاطها.. ولا يمكنني أيضا إنكار استغرابي من كم تلك المشاعر، ومن التناقضات الموجودة فيها.. ولا أدري إن كنت متفرداً بتلك المشاعر أم أنها مشاعر مكبوتة مر بها الكثير من الآباء مثلي..

قلت يومها كلاماً متوقعاً من المباركة والدعاء.. لكني انتظرت أن أخلو بنفسي كي أحلل تلك التناقضات..

آمنة لم تبلغ الحادية عشرة بعد، من الناحية الفقهية لم تبلغ بعد المرحلة التي يجب أن ترتدي فيها الحجاب، لكنها ورثت من الناحيتين “عظاماً” جعلتها تبدو أطول من عمرها، وفي أكثر من مرة كنت أراها تعود من المدرسة ومعها أطفال صغار، فسألتها مستغربا :لم تمشين مع أطفال أصغر منك في السن؟ فردت باستغراب أكبر:  إن هؤلاء معي في نفس الصف..

طولها بالمقابل لم يسلبها “قلب الطفلة” الذي تملكه…. تضحك عيناها معها عندما تضحك، ويصير فمها مربعا عندما تبكي (لذا يتحاشى الجميع ذلك!) لا تزال تلعب بالدمى، وتتشاحن مع شقيقتها  الصغيرة على تلك الدمية أو سواها.. وتغار من هذا الأمر التافه أو ذاك، وتقول “مع السلامة” عشر مرات كلما خرجت من البيت، ويمكن لها أيضا أن توقظني من النوم لكي تودعني فقط  وتقول “مع السلامة” رغم أنها قد ترجع قبل استيقاظي!..

آمنة لا تزال طفلة إذن في اكثر من جانب، لكنها في تلك المرحلة البين – بين، حيث  لا يعود قالب الطفل ملائما، لكن القالب البديل لم يتهيأ بعد..

رغم ذلك قررت آمنة الحجاب، وسألتها والدتها أن تؤخر قرارها لبعض الوقت بحنكة الأمهات وخبرتهن، وفعلاً تم اختبار القرار، وتجاوز بصموده فترة الاختبار، وكان رمضان فرصة لذلك كله..

و عندما اتصلت بها صديقتها ليلة بدء المدرسة، لتسألها سؤالا- نسائيا بامتياز!!- ” هل ستسرحين شعرك؟!!”.. كان جواب آمنة بفرح حاسم: لقد تحجبت..

تحجبت آمنة إذن، فلِم يشعر والدها بهذا الارتباك، وهو من كتب ودافع عن الحجاب، وابتكر اسما خاصاً بأولئك الكتاب الذين يحاولون إخراج آيات الحجاب عن معانيها..؟؟

ربما لا يتعلق الأمر بجزئية الحجاب بقدر ما يتعلق بجزئية “الأبوة”.. فالحجاب عندما تقرر ابنتك أن ترتديه سيقول لك ضمنا: إن طفلتك لم تعد طفلة بعد الآن، صحيح أنها ولدت فيما يبدو أنه الأمس، وأنك لا تزال تذكر رائحتها التي لا بد أنها تشبه رائحة الجنة، وتذكر كيف اتفقت ( أو اختلفت!!) مع والدتها على اسمها، ولا تزال تذكر خطوتها الأولى وكلمتها الأولى وأجوبتها الذكية الأولى.. إنها لا تزال طفلة في نظرك، لكنها فجأة “تشق الأرض” وتصير صبية أو تكاد، و تتخذ قرارها بنفسها، و قرارها هذا: الحجاب…

فجأة ستفهم أنها لم تعد تلك الطفلة، وأنك لم يعد بإمكانك أن تحملها على كتفيك بسهولة، وسيقول لك ذلك: إنك تقترب من حيطان الأربعين بسرعة لم تتوقعها على الإطلاق.. سيكون ذلك كله أصعب عندما يأتي قرار الزواج لاحقاً، وقرار الحجاب يعني أن ابنتك لم تعد طفلة، وسيعني ذلك لاحقاً ولو بعد حين أنها ستتزوج،  لم أمرّ بهذا إلى الآن، لكني أعرف أنها سُنَّة الحياة، وأدرك أيضا أن ذلك كله سيكون صعبا جدا يوم يحدث، ليس لعقدة ذكورية شرقية كما قد يحلو للبعض أن يتخيل، بل لسبب بسيط آخر: وهو أن البنت عندما تتزوج “ينطفئ” ضوء ما في بيت أهلها…و يعود من الصعب جدا إنارته من جديد..

عندما رأيتها للمرة الأولى بعد الحجاب، وكنت عائداً من سفري، تذكرت ما قالته لي والدتها من كون الحجاب قد جعلها تشبه “فُلة”.. وفُلة- للقلة التي لا تعرف- هي نسخة إسلامية من  الدمية “باربي”.. والإسلامي فيها هو الحجاب، وطقم الصلاة.. ورغم أن المقارنة واردة جداً، وأنها فعلا صارت تشبه فُلة مع الحجاب، إلا أني لم أرتح للتشبيه، فلدي موقف نظري مضاد  أصلا من “باربي”.. وهو موقف لا يلغيه تحجب باربي ولا وضع طقم الصلاة ضمن إكسسوراتها ، فباربي في رأيي  تكرس في وعي الأطفال نموذجا معينا للجمال عموما وللأنوثة خصوصا مع  تركيزها على تضاريس جسدية ينبغي إبقاء الأطفال في معزل عنها، وتكريس هذا النموذج يضع الأطفال مبكراً في سباق محموم نحو محاولة مقاربة النموذج “بالنسبة للإناث”، ومحاولة قسر أنفسهن داخل هذا القالب، وهو القالب الذي نرى كيف يتم تعميمه وتكريسه لاحقا عبر وسائل الإعلام المختلفة..

كانت آمنة إذن تشبه فُلة، وهو أمر يروق لها طبعا ولكن لا يروق لوالدها الذي يفلسف كل شيء ويعقده  ( ويعقد مقارنات بين “دورا” و”باربي” تنتهي بانتصار الأولى على الثانية، وهو أمر تسر له الشقيقة الصغرى لآمنة..)، ولكن في رأيي إن  تحويل المرأة إلى  دمية  أمر خاطئ حتى  لو ارتدت الحجاب، بل بالذات عند ارتدائها الحجاب.. فالحجاب ( كما أفهمه، وليس كما هو مطبق!) هو تحديدا وسيلة لمنع تسليع المرأة وتحويلها إلى دمية.. بعبارة أخرى: الحجاب هو آلية لجعل المرأة فعالة ومشاركة اجتماعياً دون أن تكون أنوثتها وسيلة للتشويش أو المنافسة، وهو أمر علينا الإقرار بوجوده في كل مكان حتى في المجتمعات التي تدعي أنها تجاوزت أمور الكبت ..

الحجاب يجعل المرأة قادرة على أن تكون إنسانا دون أن تحولها أنوثتها إلى سلعة، إلى دمية، لا أستطيع أن أنكر أن الكثير من مرتديات غطاء الرأس هن مثل الدمى- سلوكاً وشكلاً- أيضا لكنهن يضعن غطاء على روؤسهن ولست بصدد إصدار الأحكام عليهن، لكني أذكر فقط أن الحجاب هو في حقيقته رمز لمنظومة فكرية وسلوكية متكاملة تضم ما سبق الإشارة إليه من تسهيل مشاركة المرأة بتحييد أنوثتها وتضم أيضا مبدأ “الفصل”- الذي صار يعد اليوم سبة وجريمة وهو في حقيقته صمام أمان لضمان نمو الأفراد والمجتمعات- وتضم مفاهيم أخرى كذلك.. لا أرى معنى للحجاب إذا كان قد شرع فقط من أجل الخروج لقضاء الحاجة كما يروج البعض، لو كان الأمر كذلك لما احتاج الأمر تثبيتاً في نص قرآني صالح لكل زمان ومكان، بل لربما وجد مكاناً مناسباً في حديث نبوي يخص الأمر بالتحديد.. لكن وجوده في القرآن يجعل منه تشريعا من أجل خروج المرأة، من أجل شرعنة مشاركتها في بناء المجتمع، من أجل عرقلة ( وليس إلغاء) تحويلها إلى دمية.. إلى سلعة .. كما هي اليوم للأسف، بل كما تساهم حركات تحرير المرأة في ذلك عبر ترويج لصورة المرأة- الدمية باعتبارها نموذجا للتقدم والحرية..

هل تفهم آمنة ذلك كله؟ ليس بعد بالتأكيد.. وسيكون من قبيل المبالغة ادعاء ذلك، لكنها تدرك تماما أن ما ترتديه على رأسها هو أكبر من مجرد قطعة قماش، وأنه يرتبط بسلوكها بشكل مباشر، وأنه هوية عليها احترامها وإجبار الآخرين على احترامها عبر ما تفعله..

سيقول البعض إن آمنة لم تختر الحجاب بالضبط، بل إننا غرسنا فيها هذا الخيار بالتدريج حتى لم يعد لديها سوى أن تعلنه، و أقول هنا: نعم وبالتأكيد، وأستطيع أن أذكر عشرات التفاصيل الصغيرة التي ساهمت في ذلك، من قضاء فترات طويلة يوم الجمعة مرتدية الحجاب قبل الذهاب الى المسجد، ومن التزام والدتها بالحجاب، و من الحوارات غير المباشرة التي تدور أمامها، كانت آمنة  عندما تريد أن تلعب وتبدو كالكبار كما تفعل البنات، فإنها ترتدي الحجاب أو طقم الصلاة، بدلا من وضع الماكياج أو الإكسسورات إياها..

بالتأكيد غرسنا ذلك فيها، هل هناك من يعترض على ذلك؟ هل هناك من يدعي أنه لا يزال بإمكانية وجود خيار حر حقاً في عالم يبدأ بغرس المفاهيم في رؤوس الأطفال حتى قبل أن يبدؤوا بالكلام .. بعبارة أخرى: زميلة آمنة التي اتصلت بها تسألها إن كانت ستسرح شعرها هي أيضا تعبر عما غرس فيها من مفاهيم سواء من أهلها أو من المحيط العام بكل مكوناته، والفتاة التي ترتدي الضيق والفاضح أيضا، وتلك التي تترك الباب مفتوحا لصديقها ليدخل خلفها دون علم أهلها تعبر عما غرس في داخلها من مفاهيم…(و كذلك الفتي الذي يدخل بطبيعة الحال !) كل ما في الأمر أن الغرس كان عبر وسائل إعلامية أكثر خبثا وسطوة وقدرة.. أغلب “الخيارات” التي يختارها الناس هي تعبير عن غرس مسبق، لا أنكر هنا وجود خيار حر وفردي ناتج عن وعي مختلف، لكن ينبغي أيضا الإقرار بأن ذلك نادر جدا وغير مهم إحصائيا..

أجمل ما علق في ذهني من الأمر، هو جواب آمنة لوالدتها التي أخبرتها أنها يمكنها “تأجيل الأمر” إن أحبت، قالت لها بكل بساطة : أليس فرضاً علي؟

تلك البساطة الخالية من التكلف… من التذاكي المصطنع…  من الفذلكة الفارغة… التي يتشدقون بها عندما يحاولون نزع آية الحجاب من معانيها: تاريخية النص، الحد الأدنى والحد الأعلى، الإنزال والتنزيل والنسبية والصيرورة والسيرورة والكينونة والغائية والإيدلوجيا السياسية وكل السخافات الأخرى في هذا السياق، كلها ستبدو بلا معنى أمام ما قالته ابنتي وهي ترفع كتفيها بلا مبالاة “أليس فرضا علي ؟”..

شيء آخر، كلما قرأت من أحد المتثاقفين شيئاً عن الأمر وعن كونه “صراع بين القديم والجديد” انتابتني رغبة في الضحك على رؤيتهم القاصرة، ذلك أني أنتمي الى أسرة لم تعرف الحجاب إلا متأخرا جدا، وكان والدي رحمه الله قد أرّخ لحركة السفور في العراق  في أحد كتبه، وكان تأريخه للأمر منحازا بلا شك للسفور..

أدرك أني أقدم هنا “وليمة فرويدية” هائلة لمنتقدي” إذن مشكلته مع أدعياء التجديد هي كناية عن مشكلته الحقيقية مع والده ؟!!” لا، أبداً، والدي رحمه الله انتمى لجيل مختلف، كتب كتابه في الخمسينات من القرن الماضي، و قد أصيب جيله بما يكفي من الأزمات والهزائم التي جعلته يعيد النظر بكثير مما كان بديهيات بالنسبة له يوما ما، وانتهى الأمر لاحقا بتغيير كبير في موقفه قبل وفاته رحمه الله..

و ما حدث معي و مع والدي حدث أيضا مع جيلي عموما ، فكثير من ابناء جيلي كان عليهم أن ينحتوا طريقهم بحثا عن الايمان الذي لم يغرس كما يجب في طفولتهم..و ربما كانت الكثير من مشاكلنا ناتجة بطريقة ما عن هذا التاخر في الغرس…

أنظر لحجاب آمنة، فلا أرى فيه صراعا للأجيال، ولا إيدلوجيا سياسية مزعومة لم أنتمِ لها يوما ما، و لكن أرى جيلا آخر أتمنى له أن يكون أفضل مني ومن جيلي، وأعرف أن الأخطار المحدقة به كبيرة، لكني أطمح أن يكون أقوى منها جميعا.. أرى جيلا آخر، أتمنى أن يكون هو الجيل الآخر القادم لا محالة، أو يساهم على الاقل في مجيئه..في التمهيد له..

هل يمكن ان يتحمل “حجاب آمنة” كل هذا الكلام؟..بالتاكيد..إذا أصررنا أن ألامر أكبر بكثير من “قطعة قماش”..

 

 

 

انهيار “الاقتصاد اللاقتصادي”…بقلم دمشقي معبراني

market-crash 

انهيار “الاقتصاد اللاقتصادي”..

دمشقي معبراني

قبل أن نسير في قراءة هذه الحلقة نعود ولنذكر بشيء قد يضيء بقعا أكثر على الحلقة السابقة  وهو أنه في بورصة العملات يتم التداول يومياً بما لا يقل عن 2 تريليون دولار ..!!وهناك من يقول أنه يومياً لا يقل عن 3 تريليون دولار ..!!
هذا الرقم الهائل يمثل قيمة العملات التي يتم بيعها وشراءها كل يوم في مختلف أنحاء العالم .

وبالتالي السؤال كم تكون محصلة الخسارة على المجتمعات يوميا .سنويا.عقديا …؟

 ونتابع بقول يضيء شيء من الحقيقة لعالم الاقتصاد والسياسي الأميركي والذي خاض حملة انتخابات الرئاسة كديمقراطي في الأعوام 1980، 1984، 1988، 1992، 1996،2000  ليندون لاروش :

(ليس إجحافا أن نقارن معظم ما يعتبر اليوم عموماً بالخبرة الاقتصادية الحديثة بمحاولة إدخال رأسك في سروالك كخطوة أولى لتسحبه إلى أعلى قدميك. فانطلاقاً من نقطة البداية لألف باء الاقتصاد الفيزيائي، يكون ما يستحق أن يعرف من مادة تعليم الاقتصاد المعاصرة قابلاً للاختصار في أسبوع واحد من الدراسة تقريباً. إن هذا التصريح ليس تصريحاً دبلوماسياً بحق، لكنه الحقيقةَ عاريةً

إن ما يعتبر اليوم “علم الاقتصاد” في الكتب والنشرات المحترفة هو في الواقع {{نظرية النقد}} ليس إلا. إذ يتم تجاهل بعض أهم مواضيع الاقتصاد الفيزيائي أو يتم حذفه من المقرر علناً. أما القاعدة البديهية للفكر النقدي إجمالاً فهي {{“اشتري برخص وبع بغلاء”}}؛ إذ يُنظَرُ إلى كل شئ من منظور السماسرة وأصحاب البنوك المتعاونين معهم.

وتنقسم مغالطات نظرية النقد المعروفة إلى نوعين يتمم أحدهما الآخر، ويمكن تشخيص النوع الأول من شعار {{“سحر السوق”}}، وهو الشعار الذي يستعان به لتوضيح جميع أوجه العملية الاقتصادية من منطلق نظرية الأسعار. إن هذا الأمر يؤدي إلى جعل محاولة وصف العملية الاقتصادية كما تحدث في حياة الواقع وصفاً صائباً من الأمور المستحيلة وأمرا بالغ التعقيد في المحاولة الفاشلة لا محالة. أما المصدر الرئيسي الثاني لبيان عجز النظرية النقدية فهو الجهد الذي يبذل في سبيل تبرير الصيغ المتعددة …… على إنها ممارسات اقتصادية فعالة لكي تظهر وكأنها تشرح لنا السبب وراء ضرورة اعتبارها خصائص لا غنى عنها في العملية الاقتصادية ككل. إن هذا الأمر يزيد محاولة الوصف إغراقاً في التعقيد)

ثم نكمل بالقول:

ألا يجب أن ينظر إلى كل شيء من منظور المنفعة الكلية للشعوب والأمم أي كمنظور المنفعة الكلية لأب حنون على أسرته يراعي ويحافظ في قصده مصالح كل أسرته ضعيفها وقويها كبيرها وصغيرها ولتتكامل وتسير ناهضة بسلام وبقوة متعاونة لتعلو باسمها ونسبها على الأسر المجاورة.

لا من منظور فردي أناني لولد من أولاده لم يراعي مصالح بقية أخوته وظن أن القوة بالتخلص منهم وربما استعبادهم  واستخدامهم حتى إذا ما ضعف أو كبر أو انهار اكتشف على الأقل حقيقة حاجته لهم  وخاصة عندما يظهر له من يريد أن يفعل به ما فعل بإخوته.

وبالتفصيل نقول :

 إن الأمثلة على ما سبق كثيرة وسواء أفرادا أو أمما والمثل في التحليل الفني يقول: إن التاريخ لا يتكرر ولكنه يعيد نفسه

 وعليه لا بد من الرجوع إلى الإقتصاد الصحي الحكيم للنهوض بالأمم وهو الاقتصاد الذي يبحث دائما عن التوازن في قوى العرض والطلب من منظور المنفعة الكلية العادلة التي تهدف لتأمين حياة طيبة للأمة بتكامل وتعاون أفرادها حياة لا خوف فيها من المستقبل وحيث انهيارها بإفناء أفرادها أو جماعاتها لبعضهم البعض بعيدا عن التأرجح والفوضى والظلم والذي نصل إليه من المنظور الفردي.

وبالتالي لابد من العودة إلى التحليل الإقتصادي الأساسي الحقيقي والحكيم الذي يصل بنا إلى أولا إلى الكيفية التي تستعاد بها العافية الاقتصادية للأمم والمبنية على معالجة أسباب المرض واستئصالها وليس باجتهادات ظنية أمية في الطب والحكمة وان كانت  مبنية على علم مادي استقرائي ناقص وحقيقته الصاعقة بأنه يعالج الأعراض فقط و سيأخذهم إلى الموت والهلاك في النهاية وان مر فيهم في وقفات  وهدنة فما هي إلا حل مسكن مؤقت وان أراح الناس في ظاهره  فما هو إلا مرحلة انتقالية تتلوها البطشة الكبرى حيث ظهور فساد الأمر وأن جذور المرض زادت شراسة.

والذي يصل بنا ثانيا إلى الكيفية التي نتفادى بها النكسات والزلازل الاقتصادية المختلفة التي تبدد موارد البلاد نهائيا .

منطلقا بحكمه:1- مالذي ينبغي تأمينه من الحاجات والثروات الحقيقية لا الوهمية وحسب الأولوية  إطعام البشر أولا أم إطعام الحيوانات.2-كيف سيجري الانتاج  باستعباد للعباد أم أن الاقتصاد سيكون في جهد العمل والتعويض سيكون في التطور بالتكنولوجيا التي تخدم العباد من أجل راحتهم وليس من أجل الاستغناء عنهم كمرحلة أولى للتخلص منهم فيما بعد.

3-من الذي سيتلقاها أبشكل متساوي أم عدلي بإعطاء كل ذي حق حقه .ولكل المواد أم هناك استثناءات

4- وبأية سرعة سينمو الاقتصاد وسينهض زحفا يكون في آخر الركب الحضاري أم ركضا لا يلبث أن يتعثر أم قصدا في المشي يتغير و يتناسب مع الواقع والحاجة الآنية و الزمان والمكان والارتباط بما يدعمه أو يجاوره.

بقلم : دمشقي معبراني

 

 

 


 

 

عن العيد و أوهامه ..: د.عبد الرحمن ذاكر الهاشمي

eid-saeed32الأخوة الصائمون والأخوات الصائمات

 

سلام عليكم ورحمة وبركات

سلام عليكم ممن أنزل القرآن في رمضان ، وفرض صيامه ، كما فرض الفطر بعده والفرح بصيامه وقيامه

تقبل الله منا ومنكم ، وغفر لنا ولكم ، وجعلنا وإياكم ممن خرجوا بعلاقة متينة مع القرآن وأنفسهم وأهل الخير من حولهم

وأسأل حبيبي الرحمن في علاه أن يبلغنا الله وإياكم رمضان ، ويشرفنا وإياكم أن نكون ممن يحسنون الاستعداد له في قابل الأيام

كما أسأله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته ، وأن يبارك لنا في صيام الأيام الست من شوال ؛ اللهم آمين .

 

قبل أن أبدأ رسالتي التي يغلب على موضوعها الطرح الناقد ، أود أن أتوجه بمباركة خاصة بهذا العيد :

·        مبارك عيد أبي وأمي ، وآبائنا وأمهاتنا الذين لهم بعد الله الفضل في كثير من الخير الذي ننعم به .

·        مبارك عيد إخواننا وأخواتنا في الله ، أولئك الذين نحيا معهم في “جنة الدنيا” قبل الآخرة بإذن الله ورحمته .

·        مبارك عيد علمائنا وأهل الذكر من هذه الأمة ، الذين يقفون حصنا منيعا وحارسا أمينا على دين الله .

·        مبارك عيد أولئك “الجنود المجهولين” الذين يجعلون لحياتنا معنى أسهل ، ويخدموننا في بيوتنا وخارج بيوتنا ، العمال والمهنيون وأهل الاختصاصات ورجال الأمن “العدول” ؛ لهؤلاء أقول : جزاكم الله عنا كل خير ولكم منا التحية .

·        مبارك عيد أولئك الذين لا يملكون ما يسعفهم ليشاركونا فرحة العيد ، ممن ابتلوا بفقر ذات اليد ؛ لهؤلاء أقول : مبارك عيدكم ، فوالله إن فرحتكم به – على ما بكم من فقر “ظاهر” – أحق وأجلى من فرحتنا نحن ، ووالله إنكم حجة لنا أو علينا ، وعلينا لكم حق معلوم ، فأكرمونا بابتسامة راضية تجعل من عيدنا فرحة حقيقية .

·        مبارك عيد أولئك الذين صاموا بحق ، فغنموا من رمضان ما حق لهم أن يغنموا : فكرا وعقيدة وسلوكا .

·        مبارك عيد أولئك الذين أعطوا أنفسهم من رمضان حظا وافرا ، وأعطوا رمضان من أنفسهم حظا أوفر .

·        مبارك عيد أولئك الذين سيشعرون قبل غيرهم وأكثر من غيرهم وأعمق من غيرهم ، سيشعرون بمرارة الفقد وحلاوة الوجد ، مرارة فقد رمضان ، وحلاوة ما يجدون من فرحة الفطر ولذة الأجر . أولئك الذين أعلم يقينا أنهم سيعلمون أنهم هم المعنيون بهذه الكلمات عندما يقرؤونها ، لكنهم هم – أيضا – الذي سيخشون هذا “اليقين” ، ورعا وخشية وطلبا للإخلاص ؛ لهؤلاء أقول : إني أحبكم في الله .

·        مبارك عيد أهلنا المسلمين الذين يعيشون في بلاد “مسلمة !” يشعرون فيها بالغربة : غربة الدين وغربة الحرية .

·        وختام مسك المباركة : مبارك عيد أهلنا وفخرنا وتيجان رؤوسنا ، الأحرار في “الأراضي المحتلة” ، في فلسطين وفي العراق وفي السودان وفي تركستان الشرقية – التي يعاني أهلها المسلمون من قمع السلطات الصينية لهم حتى منعوهم من الصلاة جماعة في رمضان – وفي باكستان وفي الهند وفي أفغانستان وفي الفلبين وفي “الجمهوريات المسلمة المستلقة عن الاتحاد السوفيتي السابق” .

 

ولأن الرسالة منطلقة من أمريكا :

·        مبارك عيد أولئك النفر القليل – الذي أسأل الله أن يكثرهم في الناس – من إخواننا وأخواتنا هنا في أمريكا ، أو هناك في الشرق ، أولئك الذين يحملون الإسلام فكرا وعقيدة وسلوكا ، يحملونه معهم أينما كانوا وحيثما حطوا رحالهم ، في حلهم وترحالهم ، في بيوتهم ومع جيرانهم وفي أماكن دراستهم ومهنهم ، وأخيرا : في أماكن عبادتهم .

 

ولأولئك الذين يريدون أن يختصروا على أنفسهم وقت القراءة ، أنصحهم بالقفز إلى الفقرة المعنونة : تطبيقات عملية للاحتفال بالعيد .

 

في هذه الرسالة :

·        أولا : من أين جاءت الفكرة ؟

·        ثانيا : المسلمون في أمريكا وعلاقتهم بغيرهم ، صورة “متطورة” عن أولئك الذين في بلاد “العرب” وأوطانهم الأم !

·        ثالثا : “العيد” ، كمثال عملي على هذه العلاقة “الوهمية” .

·        رابعا : أسباب تفسر الظواهر المختلفة لهذا النوع من العلاقات “الوهمية” .

·        خامسا : تطبيقات عملية للاحتفال بالعيد .

 

أولا : من أين جاءت الفكرة ؟

 

النسخة الانجليزية من هذه الرسالة (والمرفقة أدناه) هي أصل هذه الرسالة ، حيث ترجح لدي أن أهنئ المسلمين والمسلمات من إخواننا وأخواتنا هنا في أمريكا هذا العيد (عيد الفطر) بفكرة عملية تحمل رسالة واضحة ومهمة ، وتبحث في أمر أراه مهما : الوهم الحائل بين المسلمين وغيرهم ، في بلاد الغرب !

 

وقلت في نفسي : لعلي أرسل النسخة العربية منها لاحقا لأن ما فيها يصدق على المسلمين في بلاد “العرب” أيضا كما هو في بلاد “العجم” – أو المسلمين في الشرق والغرب – مع شيء من الاختلاف ؛ ثم أكد هذا الهاجس رسالة وصلتني تحمل نفس المعنى ؛ فصار عنوان الرسالة : الوهم الحائل بين المسلمين وأنفسهم من جهة ، والمسلمين وغيرهم ، في بلاد العرب والغرب !

 

إن كثيرا من المسلمين أو الذين ينتسبون إلى الإسلام باتوا يعانون من أمراض نفسية ومجتمعية تظهر بأعراض مختلفة ومتنوعة ، ولعل موضوع هذه “المعايدة” يعالج إحدى هذه الأعراض .

 

أقول :

 

لطالما زارني هذا الخاطر حول العيد وما يمارسه المسلمون فيه من سلوك : عبادات وعادات ، وأثر هذا السلوك في منظومة الهوية والوظيفة والهدف ، أو كما أقول دائما : من أنا ؟ ولم أنا ؟

ولطالما تحدثت في هذا الأمر في الجلسات الخاصة والعامة ، إلا إنني لم أفكر قبل الآن بالكتابة في هذا الأمر .

ولكن مقدم “العيد” علي هنا في أمريكا – العيدين الماضيين وهذا العيد – دفعني بقوة للكتابة في هذا الشأن .

 

قبل عام من الآن ، وعندما وصلت إلى أمريكا مع زوجتي غادة وابنتي مريم ، بدأت – كعادتي – بمراقبة المجتمع الإنساني من حولي ، وذلك لأسباب منها : أمر الله لنا ﴿قل : سيروا في الأرض﴾ ، وطبيعتي الشخصية ، واهتمامي بأمر النفس وما يتعلق بها ﴿وفي الأرض آيات للموقنين ؛ وفي أنفسكم ، أفلا تبصرون﴾ ، وطبيعة السفر وما يحمله من تعرض لمعارف وعادات مختلفة تدفع على الفضول وطلب العلم ، وطبيعة هذا البلد الذي يطل على العالم بشكل سطحي – إذا عنينا عوام أهله – ومؤثر – إذا عنينا سياسته الخارجية – في الوقت الذي يطل على ذاته بشكل آخر ، وغير ذلك من أسباب .

 

ثم قدر الله لي أن أتنقل بين ولايات متعددة ، لأسباب منها : ملاحظة ودراسة مختلف الجوانب الاجتماعية في هذا البلد ؛ واستجابة للدعوات التي أتلقاها من الجاليات “المسلمة” في هذا البلد ، إما للمشاركة في مؤتمر ما ، أو لعقد حلقة تدريبية أو حلقة نقاشية ، أو للمشاركة في فعالية معينة كمخيم تدريبي أو تربوي أو غير ذلك ؛ أو لمرافقة زوجتي غادة في أسفارها “المهنية” ؛ وغير ذلك من أسباب .

 

وكان مما وجدته في أسفاري تلك – وهي بمعدل مرة أو مرتين في الشهر – وفي تلك الولايات بالذات – حتى لا أقع في فخ التعميم – ، وكان مما أسفت له في ذات الوقت : حال ما يعرف بالجاليات المسلمة هنا – إلا ما رحم ربك – .

 

لافتة : زياراتي للولايات المختلفة – أو حتى للبلدان المختلفة – لا تحمل المعنى المعتاد للزيارة من حيث إنها عبارة عن سلسلة من المجاملات وجلسات الضيافة والحديث السطحي ، بل هي كشف لواقع حقيقي بعيد عن “التلميع” الذي يحرص عليه بعض أهل هذه الولايات – أو البلدان – ، وهذا ليس أمرا يتعلق ب”عبقرية” شخصية ، بل لأن الناس يحرصون على اغتنام وجود متخصص “نفسي” ليخرجوا كل ما في جعبتهم من “مشكلات” ؛ هذا بالإضافة إلى انكشاف بعض “المستور” الذي يظهر بالرغم من كل محاولات الستر في تلك الأماكن .

 

لافتة : والحديث عن أمر الجاليات “المسلمة” في هذا البلد ليس مقصدي هنا ، فهذا أرجئه لأنني وضعت له رسالة أنوي كتابتها لاحقا ، إن شاء الله .

 

ثانيا : المسلمون في أمريكا وعلاقتهم بغيرهم ، صورة “متطورة” عن أولئك الذين في بلاد “العرب” وأوطانهم الأم !

 

نعم ، صورة “متطورة” !

 

والتطور إما أن يكون في الاتجاه الموجب ، أو أن يكون في الاتجاه السالب ! وهذه الرسالة هي لتحليل صورة من صور التطور في الاتجاه السالب .

 

لافتة : أقول هذا كراهة أن يقع البعض في فخ سوء الظن والاعتقاد بأننا نتعمد التغافل عن “بعض” الصور المتطورة في الاتجاه الموجب ؛ والأمر الآخر أنني سأركز في حديثي هنا على مسلمي “المهجر” أي الذين ليسوا من أهل البلد أو بعبارة أخرى الذين ليسوا “أمريكان أسلموا” ، وإن كانوا من مواليد هذا البلد !) .

 

أقول : لم يكن مفاجئا لي عندما علمت أن كثيرا من المسلمين هنا لا يكاد يعرف أحدا بأمر “دينهم” ! وأعني بهذا من يلقونهم ويتعاملون معهم في حياتهم اليومية ، مثل : الجيران ، وصاحب البقالة المجاورة ، وزملاء المهنة ، والمسئولون عن مدارس أبنائهم والمدرسون والمدرسات ، إلخ .

 

ومن نافلة القول أن هؤلاء “المسلمين” لا يتواصلون مع هذه الأصناف إلا بما تعارف عليه القوم من “تحية باردة وابتسامة سطحية وكلمات غير مقصودة في معظم الأحيان” ؛ ناهيك عن مشاركتهم في مناسبات مثل “العيد” !!!

 

·        قال لي أحدهم : “جيراني لا يعرفون إلا إن زوجتي ترتدي زيا غريبا – الحجاب –” !

·        وقال ثان : “أشعر بالحرج عندما يقدم لي أحدهم طعاما في نهار رمضان ولا أدري كيف أشرح له الأمر” !!

·        وقال ثالث : “يا عبدالرحمن ، لا أدري كيف تتجرأ على الصلاة في قارعة الطريق (على الرصيف المكسو بالعشب ولا يقطع الطريق على أحد) أو بقرب سيارتك في مصف السيارات ! أنا لا يمكنني أن أتخيل نفسي في هذا الموقف” !!!

·        وقال رابع : “أنا آخذ بفتوى الجمع في الصلاة ، فأجمع صلواتي كلها عند عودتي من العمل ، لأنني لا أملك أن أصلي في مكان العمل” !!!!

·        وقال خامس : أنا لا أحب هذا اللباس (البنجابي أو الباكستاني) الذي يحرص بعض المسلمين هنا على ارتدائه عند حضورهم صلاة الجمعة أو العيد ؛ ألا يكفينا ما نحن (المسلمين) فيه من بلاء وسوء مظهر” !!!!!

 

إلى غير ذلك من كلمات تترجم طريقة تفكير “ضعيفة ومثبطة” تؤثر بشكل سيء على علاقة المسلمين بأنفسهم وبغيرهم .

 

ثالثا : “العيد” ، كمثال عملي على هذه العلاقة “الوهمية” .

 

و”العيد” لا يشكل أي استثناء عن القاعدة !

 

ففي الوقت الذي نعتقد فيه أن من الطبيعي والمشروع ، بل والمفروض أحيانا ، أن نحيا شعائر ما نعتقده من دين أو فكر أو نظام ، وأن يكون لنا حرية التعبير عن شعائرنا أمام الآخرين – دون المساس بحرياتهم أو حقوقهم – ، في ذات الوقت ، نجد “كثيرا” من المسلمين في أمريكا لا يتجاوز احتفالهم بالعيد بعض الممارسات التي – مع كونها منغلقة على ذواتهم – ليس فيها ما يشعر “الآخر” بهذه الكينونة وتلك المنظومة وذلك الدين العظيم المعروف باسم “الإسلام” .

 

نعم ، رأيت حرص مسئولي المساجد على تذكير الناس بدفع زكاة الفطر قبل صلاة العيد – وشيء من التبرع للمسجد – ، ورأيت اجتماعا لصلاة العيد ، ورأيت مسلمين يجلسون في حضرة خطيب العيد وهو يخطب ولكن دون أي تركيز أو إنصات – في الحين الذي تحمل فيه بعض الخطب معان غاية في الأهمية ! – ، ورأيت “موائد إفطار عامرة” صبيحة يوم العيد بعد الصلاة ، ورأيت أماكن معدة للعب الأطفال على اختلاف أعمارهم ، ورأيت صحفا ومصورين “أمريكان” يقدمون لتغطية “الحدث” ، ورأيت – في بعض الولايات حيث عدد المسلمين كبير بما يكفي – حجزا لمدينة ألعاب صغيرة بأكملها لعوائل المسلمين – حسبما يتفق مع أيام العطلة الرسمية في البلاد – ، ورأيت – في نفس الولايات – احتفالات ومهرجانات يعتلي صهوتها “مغنون” – منهم “الرائع والمتميز” ومنهم “المسخ” – و”مهرجون” أو “كوميديون” – كما يحبون أن يصفوا أنفسهم – ومعظم ما يقدمونه هو “نكات مشوهة على الطريقة الأمريكية” مع وجود استثناءين فقط – حسب علمي – ، ورأيت صورا تنشر على الشبكة الرقمية لبعض الفعاليات … فقط … هذا فقط …

 

نعم ، رأيت كل هذا …

 

إلا إنني لم أر ، أبدا ، وعلى الإطلاق ، تفاعلا حقيقيا مع غير المسلمين – كأفراد – في أعيادنا ، سواء كانوا جيران بيت أم سكان حي أم زملاء مهنة ومكان عمل أم مدرسين ومدرسات لأبناء المسلمين وبناتهم ، أم ، أم ، أم …

 

لم أر “حياة حقيقية” يحياها المسلمون مع غيرهم من أبناء هذا البلد – مواطنين أم وافدين – ؛ لم أر مشاركة للآخرين بما لدينا من عظيم نعمة وجزيل فضل ، ذلك هو الإسلام ؛ لم أر حرصا غلى اغتنام مثل هذه “المناسبة” ولو لاستفزاز فضول هؤلاء القوم !

 

لافتة : هذا لا يعني أنني أدعو أن يكون دافع القيام بهذه الأعمال استفزاز القوم واستثارة فضولهم ، فهذا يقدح أولا في النية والإخلاص ، ثم يجعل أعمالنا “متكلفة” غير حقيقية ، ولكني ذكرت هذا من باب : أضعف الإيمان .

 

أؤمن أن الإسلام دينا بمعنى أنه منهج حياة شرعه الله كي نحيا على هذه الأرض حياة أقرب إلى “الجنة” ، مع عدم إغفال سنة الله في هذه الحياة : الابتلاءات .

 

وهل الإسلام إلا منهج حياة كاملة يسري في ذواتنا ليظهر في سلوكنا وحياتنا اليومية ؟ وما عدا ذلك ، فهي “علمانية” تجعل الدين محصورا في أشكال سالبة جامدة “منزوعة الحق” ، تسير ب”الإسلام” إلى ما أشرت إليه في رسالة سابقة باسم “الإسلام الكنسي” الذي بات ينتشر بشكل أو بآخر .

 

أليس الأصل أن يظهر الإسلام في حياتنا فكرة وعقيدة وسلوكا : قولا وعملا ؟

 

أليس هذه إحدى صور الفهم والتدبر لقول الله ﴿ادخلوا في السلم كافة﴾ ؟ ومن المعلوم أن ﴿السلم﴾ هنا هو الإسلام .

 

وأعود لأقول : إذا كان “العيد” لا يشكل دافعا لنا لنظهر ديننا “عقيدة وعملا” ، فماذا يبقى بعد هذا ؟

 

ما الذي ننتظره لنظهر مشاعرنا وشعائرنا على المستوى الفردي في حياتنا اليومية ؟

·        هل ينبغي علينا أن ننتظر محنا ومصائب وابتلاءات مختلفة لنظهر “جلدتنا” على حقيقتها ونزيل “الأقنعة” ؟ وليت ذلك يكون ، فأراني صرت أخشى على جلدتنا “الموت” من شدة ما منعناها عن “النور” .

·        هل ينبغي علينا أن ننتظر أن يقوم أحدهم بسب الله – جل في علاه – أو القرآن أو الرسول صلى الله عليه وسلم أو أهل بيته أو الحجاب أو غير ذلك من “رموز” ؟ ولقد كان ذلك ، فما كان منا إلا أن انقسمنا إلى طوائف : طائفة تسب وتشتم وتضرب وتفجر و”ترهب” الآخرين ، وطائفة تلتزم الصمت بدعوى الحكمة و”التكتيك المرحلي” ، وطائفة تحاول أن تطلب رضا “الآخر” كرد فعل عكسي بدعوى “المبادرة” ، وطائفة تجتمع لتنشر “وثيقة موقعة” تتحدث عن ضوابط النقد ومعايير التعامل و”حوار الحضارات” : وثيقة فيها عبارات أكاد أجزم أنها ذاتها التي تتكرر في كل حدث من هذه الأحداث ، وطائفة لا علاقة لها بكل ذلك من قريب أو بعيد فالدنيا شغلها الشاغل ، وطائفة تمارس “دينها اليومي” وتحاول أن تغتنم الفرصة لتتعلم منها شيئا جديدا ، وطائفة ، وطائفة ، وطائفة ، وهلم جرا …

·        هل ينبغي علينا أن ننتظر أن تحتل دولة “عربية” – ولا أقول “إسلامية” –  لتظهر “إسلاميتنا” ؟ ولقد كان ذلك ، فما الذي ظهر من “إسلاميتنا” غير بعض التجمعات والتبرعات و”الكلام السهل” ؟

 

أين “سلوكنا اليومي” من كل هذا ؟

 

ولكن ، وحتى لا نظلم مسلمي “المهجر” ، دعونا نفكر بصوت عال معا :

·        أليس هذه الصورة صورة “متطورة” بعض الشيء عن المسلمين في بلادهم وأوطانهم الأم ؟!

·        هل يمارس المسلمون في “الشرق” شيئا بعيدا عن هذا ؟

·        هل يعني “عيدنا” في الشرق إلا حلقة في سلسلة “العادات والأعراف” التي تشوه الدين وتمسخ أهله أكثر مما تخدمه كما يجب له أن يخدم ؟

·        هل يعني “العيد” في الشرق إلا حلقة في سلسلة ضياع الأوقات والإسراف في حق الجسد والروح ، بل والإصرار على قطع صلات الأرحام أحيانا ؟

·        أليس “مسلمو المهجر” هم امتداد طبيعي لمسلمي “الشرق” ؟  

 

رابعا : أسباب تفسر الظواهر المختلفة لهذا النوع من العلاقات “الوهمية” .

 

وأسباب هذا كله ظاهرة ؛ إن عقلناها ، فهمنا هذه الظواهر ؛ ولا يعني فهمنا للأسباب أننا نبرر هذه الظواهر أو غيرها ، فالتحليل والفهم شيء ، والتبرير شيء آخر .

 

ومن الأسباب “السالبة” لهذه الظواهر :

·        الجهل بالشرع وما يتبع ذلك من جهل بضرورة حمل أمانة الخلافة في الأرض وهم الدعوة إلى الله .

·        سبب ناتج عما قبله : قلة أو عدم الشعور بالمسئولية تجاه الدين والدعوة إلى الله ، والوهم السائد بأن الدعوة هي مهمة “الأئمة وشيوخ الدين وخريجي كليات الشريعة و”دعاة الفضائيات” والوعاظ والمنقطعين لأمر الدعوة والتبليغ”

·        سبب ناتج عما قبله : قلة تقدير الذات ، والشعور المسبق بالنقص ، وهذا ما يحمله كثير من “المهاجرين” إلى هذا البلد ، مهما اختلفت مستوياتهم المعرفية والأكاديمية ؛ فكم من هؤلاء من يرون أنهم دون “الإنسان الأمريكي” ؟!

·        سبب ناتج عما قبله : “الوهن” ، وهو ما تنبأ به محمد صلى الله عليه وسلم من “حب الدنيا وكراهية الموت” ؛ وهذا الأمر لا يحتاج إلى أدلة ، فالنظر إلى عالم اليوم عامة وهذا البلد خاصة – بل وحال “المهاجرين” على وجه أدق – يدلنا على انتشار “جاهلية الجسد والمادة” وطغيانها على حساب الدور الأهم في هذه الحياة : الخلافة في الأرض وعبادة الله . فكيف إذا علمنا بانتشار ظاهرة أخرى لدى – بعض – الجاليات “المسلمة !” : التجارة في المحرمات ، كبيع الخمر ولحم الخنزيز والمراباة وبطاقات القمار والميسر وما إلى ذلك !!!

·        الشعور بالخوف وقلة الأمن تجاه ما يعانيه المسلمون من “حرب” موجهة من قبل الغرب عامة وأمريكا خاصة .

·        الفهم المغلوط والسائد بأن “الأمريكان لا يهمهم أفكار الآخرين وأديانهم” ، بل وكثيرا ما سمعت بعض أبناء وبنات بعض الجاليات “المسلمة” هنا يرددون هذه العبارة بالحرف : “هؤلاء القوم عبارة عن بهائم ، لا يهمهم أي شيء سوى الأكل والشرب والنوم وممارسة الجنس والاستمتاع بالدنيا” ! وقد قالها لي البعض : “لا تتعب نفسك يا عبدالرحمن ، هؤلاء لا يكترثون إلا بمهنهم وأموالهم” . وغير ذلك من عبارات “التثبيط” التي تخرج من أفواه “جاهلة ضعيفة متخاذلة واهنة” .

·        سبب ناتج عما قبله : الفهم المغلوط والسائد بأن مثل هذه الأفكار ومثل هذا السلوك – التحية وإظهار معتقداتنا والتواصل معهم ومهاداتهم في أعيادنا وغير ذلك –  لا تفيد تغيير شيء في الواقع . وكل ما نفعله “لن يغير هؤلاء القوم” . وهنا ينسى هؤلاء أن القاعدة القرآنية تقرر ما يلي : ﴿وإن تولوا فإنما عليك البلاغ﴾ ؛ ﴿إنما أنت مذكر ؛ لست عليهم بمصيطر﴾ ؛ ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾ ؛ ﴿فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا﴾ . وأختم بهذه التقرير القرآني : ﴿وما على الرسول إلا البلاغ المبين﴾ فهل نحن نبلغ ؟! وهل بلاغنا ﴿مبين﴾ ؟!

·        تجنب الخوض مع هؤلاء القوم في أمر الدين ، مخافة الوقوع في المحظور : شبهة أو شهوة . وهذا ناتج من نواتج الجهل بالشرع وما يتعلق به ؛ فكم رأيت من مسلمين لا يحسنون شرح أبسط قواعد الدين – التوحيد ، والصلاة ، وصيام رمضان ، والحج ، والحجاب ، وحرمة الربا – ، ناهيك عن الشبهات التي باتت تنتشر كجرثومة الهواء ؛ هذا إذا ما سألهم أحد هؤلاء القوم عن الدين ، فهل نتوقع من أمثال هؤلاء “الضعفاء” أن يبادروا في أمر الدعوة ؟!

 

كان هذا سردا لبعض أسباب هذه الظاهرة ، وهي أسباب “سالبة” كما ظهر .

 

وحتى لا أقع في فخ “النقد الذاتي السالب” ، سأضيف بعض الأسباب التي يظهر أنها “موجبة أو إيجابية” وتحمل شيئا من “حسن الظن” ، ومن هذه الأسباب:

·        طبيعة البلد وأهله التي تحصر العلاقات الإنسانية في حدود ضيقة جدا ، مما يجعل من أمر التواصل معهم وعرض ومشاركة ما لدينا من أفكار وعقائد وسلوك “المهمة المستحيلة” لدى كثيرين .

·        قلة الموارد المادية أو المعنوية (الأفكار) . وأنا شخصيا لا أميل إلى تصديق هذا السبب ، إلا إنني وضعته هنا من باب إيجاد العذر ؛ وأقول إنني لا أميل إلى تصديق هذا السبب لسببين : أن إيصال الفكرة لا يتطلب مالا وافرا بقدر ما يتطلب ابتسامة صادقة فقط ، ولأن العالم الآن صار مليئا بأفكار سهلة التطبيق ، بل إن انتشار جاهلية الإسراف والاستهلاك ومخلفاتها في الإعلام وأماكن التسوق – وهذا البلد رائد في هذا المجال ، فلا يمر شهر دون موسم من الأعياد والمناسبات التي يحتفلون بها – لم تترك لنا حجة فندعي أننا لا نملك أفكارا كافية .

·        صعوبة تطبيق بعض الأفكار لظروف بيئية محيطة بالمسلم أو المسلمة . وهذا – وإن كان شبه مستحيل إذا ما اعتبرنا ما قلناه سابقا – قد يظهر في أشكال مختلفة مثل : الاضطهاد الظاهر والجلي للمسلمين في بلد معين أو في مجتمع معين ، وانشغال المحيط بهم من الهموم أو مصيبة من المصائب – عامة أو خاصة – .

 

خامسا : تطبيقات عملية للاحتفال بالعيد .

 

أحمد الله أن من علي بفرض فرحة العيد ، وأن من علي بسنة محمد صلى الله عليه وسلم الذي علمنا فيها فرحة العيد .

وأحمد الله أن من علي بنعمة الفرحة بالعيد والشعور به شعورا متجددا كما لو كنت لا أزال ابن العاشرة .

وأحمد الله أن من علي بنعمة الحرص على أن أحيا هذه الفرحة مع من حولي ، في أي مكان على وجه هذه البسيطة .

 

وأنا هنا أضع بين يديكم أفكارا عملية كنت ولا زلت أستشعر أثرها في فرحة العيد :

 

·        إذا كنا ننشد “السلام” وندعو “السلام” أن ينعم علينا ب”السلام” ، فلننشر “السلام” في عيدنا وما بعد عيدنا . فلنسلم على من نعرف وعلى من لا نعرف ، ونصحب السلام بالابتسامة .

·        إذا كنا ننشد “الرحمة” وندعو “الرحمن الرحيم” أن يرحمنا ، فلننشر “الرحمة” في عيدنا وما بعد عيدنا . فلنحنو ولنبادر بسؤالنا على الفقير والسائل واليتيم والصغير والكبير والأرمل والعجوز والمرضى

·        إذا كنا ننشد “العفو” وندعو “العفوّ” أن يعفو عنا ، فلننشر “العفو” في عيدنا وما بعد عيدنا . فلنعفو عن خلافات “صغيرة” إذا ما قارناها بهموم “الدين والأمة” ؛ فلندعو بظهر الغيب في حق من خالفونا ؛ فلنعفو “حقيقة” عنهم .

·        إذا كنا ننشد “الكرم” وندعو “الكريم” أن يكرمنا ، فلننشر “الكرم” في عيدنا وما بعد عيدنا . فلنكرم الآخرين بعطايانا : الصغار والكبار ، ومربية الأطفال ، والخادم أو الخادمة ، وحارس البيت أو البناية ، وساعي البريد ، وعامل المرآب (مصف السيارات) ، وعمال الأماكن العامة كالمطاعم ومدن الألعاب والمرافق العامة وغيرها . وليس بالضرورة أن يكون الكرم “نقودا” ؛ وإليكم هنا ما أتعمد فعله في الأعياد : عندما أزور الناس والأرحام لمعايدتهم ، أحرص على قلة الأكل ، ولكني أحرص في نفس الوقت على أن لا أرد ضيافتهم ، فآخذ ما يقدمونه لي من “حلوى وسكاكر وموالح وغير ذلك” وأحتفظ به ، وأضعه جاهزا بين يدي وفي سيارتي أو في حقيبتي ، وأقدمه لحارس البيت أو البناية وللخادم أو الخادمة ولعامل محطة الوقود أو لبائع في محل تجاري أو لعاملة في مكان عام أو لنادل في مطعم أو … أو … أو … أما إذا كنت من أهل “نعمة المال” ، فحبذا أن أنوي مسبقا بأن كل عطية أو تقدمة للمال ستكون بنية الصدقة والمودة وتأليف القلوب والدعوة إلى دين الله ؛ وهنا أكرم حارس البيت أو البناية أو الخادمة أو الخادمة أو عامل محطة الوقود أو بائع المحل التجاري أو العاملة في مكان عام أو النادل في المطعم أو … أو … أو … بشيء من المال مصحوبا بابتسامة صادقة وكلمات طيبة تعزز فيهم تقديرهم لذواتهم وتقديرنا لهم .

·        إذا كنا ننشد “الحفظ” وندعو “الحفيظ” أن يحفظنا ، فلننشر “الحفظ” في عيدنا وما بعد عيدنا . فلنحفظ أنفسنا وأهلينا على ما كنا فيه مع رمضان ، فلنحفظ أنفسنا بالثبات ، ولنحفظ من حولنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحمكة والموعظة الحسنة والتي هي أحسن ، ولنحفظ أمر ديننا حتى يحفظنا الله جل في علاه .

 

أما عنا نحن ، فلقد كانت فكرتنا العيد الماضي هنا من أبسط ما يكون :

·        اشترينا أكياس ورقية صغيرة ملونة ، وبطاقات معايدة فارغة – لنكتب فيها ما نريد نحن – تحمل طابعا شرقيا في زينتها ، وشرائط زينة لتغليف الأكياس ، ومجموعة من الحلويات والسكاكر الشرقية .

·        ملأنا الأكياس بالحلوى والسكاكر ، وغلفناها بشرائط الزينة ، وكتبنا عبارات منتقاة حرضنا فيها على مراعاة طبيعة البلد وأهله ، ثم وقعنا بطاقات المعايدة بأسمائنا ورقم بيتنا .

·        وضعنا الأكياس أمام كل باب من أبواب الجيران .

·        أما في أماكن العمل (المستشفى) : فقد أحضرنا باقات مختلفة وحلوى مع بطاقة مكتوب عليها سبب المناسبة ، لكل طاقم العمل ، أقول : كل طاقم العمل .

·        وأما عن الحياة اليومية ، فد حرصنا أن يظهر هذا الأمر في “الحضانة” حيث تذهب “مريم” ، فاستأذنا الإدارة أن يكون غداء اليوم التالي ليوم العيد على حسابنا مع عدد من “البالونات” والهدايا لكل أطفال “الحضانة” . ولأن إدارة “الحضانة” أعلمتنا بأن قانون “الحضانة” ينص على أن لا يظهر أي رمز ديني للاحتفال ، فلقد عدلنا عن فكرة طباعة عبارة “عيد مبارك” على “البالونات” وأبقينا ما عدا ذلك . ولاقت الفكرة استحسانا كبيرا من إدارة “الحضانة” .

 

لافتة : لا تنتظروا ردا من الناس على ما تفعلون ، فإن حصل وجاء شيء من الرد فيها ونعمت ، وإلا فالأصل أن لا ننتظر تغير الناس بين ليلة وضحاها ؛ ﴿إن أجري إلا على الله﴾ .

لافتة : مرفق لكم هنا روابط صور باقة المعايدة التي وصفتها في الأسطر السابقة :

http://www.sisterpower.net/photo/eid-gift-01?context=latest

http://www.sisterpower.net/photo/eid-gift-02?context=latest

لافتة : لمن تصلهم هذه المعايدة بعد يوم الفطر الأول ، أنصح بتطبيق ما ورد فيها في أقرب عطلة رسمية بعد العيد .

 

تقبل الله منا ومنكم

وعيدكم مبارك ، وأيامكم كلها مباركة

 

والسلام

عبدالرحمن ذاكر الهاشمي

سراب الجنان الموعودة في بورصة العملات

crash1سراب الجنان الموعودة في بورصة العملات

بقلم دمشقي معبراني

 بورصة العملات سوق ساحرة ، تبيع وتشتري فيه العملات على النت ومن خلال البنوك وبشركات وساطة وأنت في فراشك تحلم.. فيتحقق لك فيه مرابح خيالية.. فهل ذلك حق أم باطل ؟ فعلى حد قولهم وتقديراتهم وعلى مواقع الإنترنت المهتمة بهذا الموضوع ترى أن نسبة الربح فيه هي 10% والتي تكون حسب إدعائهم حصرية ” للأذكياء” الذين يستعينون بالتحاليل الإخبارية والتقنية ومؤشراتها والتي تكون إما مجانا أو بإشتراك مدفوع الثمن فتكون صائبة أكثر وعلى فرض أن ذلك صحيح مبدئيا فالمشكلة تبدأ من هنا فالكل يدخل أول الفخاخ فيظن نفسه أنه من أولئك الأذكياء ال 10%.

وأن ما سواه هم الأغبياء والحمقى والمقامرين ومن دون أن ينظر ويهتم ببقية مجتمعه الذي سيكون وتبعا للإحصاء السابق خاسرا بنسبة 90%.. فما أعظم الخسارة وما أعظم أثم من يساعد عليها حتى لو كان لا يدري .

ثم نسأل بتحقيق هل هناك 10% فعلا ولنفرض جدلا أنها موجودة سترى أنها على الأغلب إن وجدت ستراها وبتحقيق إحصائي متنقلة لا تثبت على فئة معينة وكأن لهذا سره البرمجي وبمعنى أن الذي يربح الآن على إستراتيجية معينة سيخسر غدا حتما على نفس الإستراتيجية ولكن ومع الوقف أن الذي يخسر الآن ليس شرطا أن يربح غدا

وبالتالي بالمحصلة نصل إلى أن هذه ال 10% تكون آنية بمعنى أنك إن تابعت الفيلم كله من البداية إلى النهاية ثم أعدت الإحصاء ستجد أن النسبة ومن جهة الدوام قد تكون في أحسن أحوالها 1% وبالتالي 99% خسارة على المجتمع فما أعظمها .

ثم إن تابعت بعد ذلك محققا أكثر ستجد أنها وعلى الأغلب بل وعلى حد قول البعض نضرب ضربتنا في البورصة ونهرب ستصل النتيجة إلى أن تكون ….. وأترك الإجابة لغيري.

وتوثيقا وتأكيدا منطقيا لما سبق وليطمئن القلب أكثر:

تجد أن كثيرا من شركات الوساطة وقد لمست هذا الأمر على الواقع كل الحقيقة فهي التي ترى عيانا وبالجملة كيف تخرج الأموال وتنسل من كل حدب لا تلبث ومن دون وعي أو قدرة على ضبط النفس من أن تقول” أنا أولى بأموال بلدي من غيري فدعني” وعلى حد قولها “ألعب الناس السحابة أو الميكر ماركت فآخذ من الخاسرين90% وأعطي الرابحين 10% وأغطي على الأمر برأس مالي عوضا عن الفتات الذي يدفع لي من الخارج كعمولات لي على أني فرع لها كشركة وساطة بل حتى العمولات التي تدفع لي كلما زاد عدد الخاسرين وبالتالي المشتركين…!”ولذلك بحثه…

ثم يتداعى الأمر أكثر من ذلك ويزداد الطمع فتحاول حتى ال10% خسائر والتي تعد ربحا لغيرها أن تقللها وبطرق برمجية معينة كالتأخير في تنفيذ الصفقات والتحكم بذلك بهد ف تخسير المشتركين وتقليل ربحهم ودون أن ينتبه أغلب المشتركين إلى أن ذلك يفعل بهم من سنين وهم في غفلة عن ذلك.

وبالمتابعة وعلى الرغم من تلك التغطية قد يأتي شركة وساطة ضعيفة إمكانية التغطية عدد من المضاربين وبضربة واحدة يربحون كثيرا مما يؤدي إلى خسارتها وإشهارها الإفلاس مضطرة فيظهر النصب وما تم إفساده علنا.

والى هنا تبدأ تدرك الأسرار من وراء العروض الخيالية لك على مواقع النت من عروض مغرية كأن تأخذ 200 دولار عندما تضع 2000 دولار أو تأخذ 2000 دولار عندما تضع 5000 دولار وقس على ذلك أسرار الدورات المجانية وتسهيل الاستشارات والاشتراكات وعروض توظيف الأموال وتشغيلها وغير ذلك.

علما أن ما سبق هو جزء من الناحية المادية أما باستقراء للناحية المعنوية فحدث ولا حرج:

انشغال وأي انشغال بل استغراق لا تصحو منه بل إن الأوقات والصحة والأخلاق والسعادة من الأسر والمجتمعات لتنسل انسلالا.. إن الفرد ليصبح متوترا جدا عصبي المزاج متعشق لها لحد الإدمان وربما أصعب من المخدرات بل إنها تصل الى أن تنسل الحياة.

فهل من بعد ما سبق وهو غيض من فيض له بحوث كثيرة ستتضح الإجابة للعنوان .

إن الإجابة إذن نعم إنه سراب حقيقي وليس باطلا وبالتالي لا يوجد ماء للظمآن ولا حتى جنان.

وبالتالي أنت فعلا في فراشك تحلم ولكن بأحلام اليقظة فهل أتضح الأمر وبدأ الفساد يظهر بعد تلك الإضاءة عسى أن تستدرك المجتمعات والأفراد أمرها وسواء المضاربين أو حتى الموظفين في شركات الوساطة فتدرك ما تفعله بنفسها وبغيرها وربما بدون أن تعي تماما ما تفعل… وتنهض من غفلتها لتعود إلى البناء الحقيقي والتكاملي للمجتمع لا الوهمي والفردي الأناني.

وللكلام بقية…

بقلم : دمشقي معبراني

 

 

 

 

 

الواح و دسر

d8a3d984d988d8a7d8ad-d988d8afd8b3d8b133-copy

 

http://www.quran4nahda.com/?p=930

 

 

من أجواء الرواية “..في الأيام التالية، صرت أترقب مرور السيد نوح، وهو ينظف الشارع، ما إن أراه حتى أهب لمساعدته وأنا أتلفت يميناً وشمالاً خوفاً أن يراني أحد من إخوتي أو من الجيران أو من الخدم – ويخبر أمي وأبي ويصير منعي من الخروج أمراً محتماً.

بعد كل مرة كنت فيها أساعد السيد نوح، كنت أركض لأقيس طولي.. ومرة بعد مرة، كنت أصاب بخيبة الأمل. لم يكن هناك من زيادة. كنت أسأل نفسي: هل أخطأت في المرة الأولى وكانت زيادتي مجرد وهم؟.. هل أخطأت في شيء آخر؟.. صرت أستعيد كل كلمة قالها نوح لعلي أجد فيها الجواب عن أسئلتي، لعلي أفهم لم زاد طولي في المرة الأولى ولم يحدث شيء في المرات التالية.

جاءني الجواب من السيد نوح نفسه، ودون أن أسأله حتى، خرجت ذات ظهيرة عندما مرّ كعادته – وأسرعت ألمّ ما يرميه الجيران والمارة وأنا أتلفت حولي خوفاً من أن يراني أحد.

عندما اقتربت منه، ثبت عيناه علي وقال لي: “نور.. أنت تنظف الشارع وأنت مرتبك، تتلفت خجلاً مما تفعل.. أو خوفاً مما تفعل”.

هززت رأسي موافقاً، كان ذلك واضحاً جداً وما كنت أخفيه أصلاً.

“عليك ألا تخجل مما تفعله. عليك أن تكون فخوراً به، عليك أن تحبه” قال وهو يخترقني بنظراته.

“هل تعرف معنى كلمة شموخ؟” سألني، هززت رأسي بالنفي.

 “أن تكون شامخاً يعني أن يكون رأسك مرفوعاً حتى عندما تنحني للأرض لتزيل عنها أذى الآخرين وإهمالهم”.

سكت كما لو كان يدعني أفكر بما يقول ثم تابع “بالضبط كما يكون النسر شامخاً دوماً حتى وهو يهبط ليلتقط من الأرض طعاماً لصغاره”. سكت أيضاً بينما – كنت أحاول أن أتخيل ما يقصده.

“هل تعرف كيف تظهر حبك لما تفعله حتى وأنت تنحني لتلقط شيئاً مهملاً من على الأرض؟” لم ينتظر ردي. “تذكر كيف تنحني  أمك لتغطيك وأنت نائم؟ إنها تنحني، لكنها تفعل ذلك بحب. عليك أن تفعل ذلك مثلها. أن تفعله بحب..”

أذكر ذلك. أذكر تلك النظرة على وجه أمي، أكثر من مرة أتظاهر بالنوم عندما تأتي لتتأكد من ذلك، ومن بين جفوني أرى تلك النظرة، وأشعر بالحب من قبلتها على خدي بينما تغطيني..

“هل رأيت منظر الفلاحين في الحصاد؟ كيف ينحنون وظهورهم مشدودة وصدورهم مرفوعة، رغم أنهم ينحنون بالمناجل من أجل أن يقطعوا السنابل ؟، إنهم فرحون بالحصاد، فرحون أن تعبهم سيثمر أخيراً، كذلك أنت، يجب أن تمتلك نفس هذه الروحية، عليك أن تفكر أن ما تفعله هو حصاد بطريقة ما.. ولو تأخر”..

قال ذلك ومضى، ورأيت خلفه خيطاً مضيئاً من الكلمات التي قالها.

ثم توقف والتفت، وقال لي: “نور.. تذكر أنك يجب ألا تفعل ذلك لكي يزداد طولك.. بل لكي تكبر.. لأننا لا نكبر إلا عندما نفعل الشيء الصحيح”..

ومضى..

                                   *        *      *

سجلت كلماته في ذاكرتي. حاولت أن أجسم ذلك النسر الشامخ، وتلك الأم المحبة، وذلك الفلاح المشدود.. حاولت أن أكون فخوراً بما أفعله حين أنظف الشارع.. تدربت على ذلك كما لو كنت أتدرب على إيقاع جديد، أتذكر كل كلمة قالها السيد نوح وأنا أتدرب على ما قاله..

لكي أتمكن من ذلك، أخذت أبتعد عن بيتنا، كي أفلت من نظرات الأهل والجيران. كنت خائفاً في البداية رغم ذلك.. وكنت خجلاً أيضاً من أني أفعل ما يفعله الأراذل وعمال التنظيف.

بالتدريج، تخلصت من ذلك. قل اهتمامي بنظرات الآخرين وتعليقاتهم، صرت أقل خجلاً وخوفاً وانزعاجاً، مع الوقت، بدأت أتلمس طريقي نحو ما قال. لم يعد الأمر أني لم أعد خجولاً ولا خائفاً فحسب، بل صرت بالتدريج، أشعر بالفخر، قليلاً في البداية، لكن زاد ذلك بالتدريج.

تسرب لي شعور غريب بالمتعة، بالفرح، وأنا أنظف الشارع، لا أعرف كيف؟ لكنه حدث.. فجأة وجدت نفسي أحلق كالنسر في الأعالي عندما أنحني لألتقط الأذى من الطريق، أفعله كما لو كنت أحصد شيئاً رائعاً، لا أعرفه.. لكني كنت أنتظره منذ زمن طويل..

*   *      *

وكان جزءاً من الحصاد هناك على ذلك الحائط، كنت أجد (الفرق) هناك، في زيادة طفيفة نعم، لكنها كانت هناك، تتراكم بالتدريج..

لقد كنت أكبر، بالضبط كما قال السيد نوح، كان شيئاً ما يضاف إليّ، إلى طولي، كلما قمت بالشيء الصواب من أجل هذا العالم..”

فيزياء الذنوب : سهير أومري

confusion1فيزياء الذنوب

معادلات وردود أفعال في طريق التقوى

سهير علي أومري

“لعلكم تتقون” العلة التي لأجلها فُرِضَ الصيام علينا وعلى الذين من قبلنا… لعلنا نتقي الله في أقوالنا وأفعالنا وجميع أحوالنا… سلَّم التقوى الذي كلما أتى رمضان يكون على أمل أن يرانا قد صعدنا درجاته فأصبحنا في مرتبة عليا منه، ولكن يتفاجأ أنه يؤدي بالنسبة لنا كل عام الوظيفة ذاتها، وهي أن عليه أن يمسك بأيدينا لنقف أمام هذا السلم، ونحاول ارتقاءه، ثم يمضي ليعود في العام القادم ليجدنا عند النقطة التي بدأها معنا العام الفائت….

فلماذا يا ترى كان هذا واقعنا؟ فكّرت ملياً في الأمر محاولة أن أصل إلى أهم العوائق التي تحول بيننا وبين طريق التقوى، وأبحرت في رحلة إلى داخلي متذكرة نماذج عديدة لأناس استطعت من خلالهم ومن خلال نفسي قبلهم أن أستنتج أمراً في غاية الأهمية وهو:

 أنه لن يكون المضي في درب التقوى ممكناً ما لم ندرك أمرين هما:

1-معادلة الذنوب التي يخضع لها كلٌّ منّا عند ارتكابه هذه الذنوب؟

2-كيف تكون ردود أفعالنا عادة تجاه ما نرتكبه من ذنوب؟

فإننا إن تمكنا من تحديد هذين الأمرين يصبح بإمكاننا أن نبصر ماذا علينا أن نفعل لنتقي الله…. بمعنى آخر يصبح طريق التقوى واضح المعالم والأبعاد لأننا بذلك ندرك الموقع والمكان الذي نقف فيه، ونستطيع أن نحدد الوجهة والطريق الذي علينا أن نسير فيه لنصل إلى مرضاة الله تعالى….

وإليكم هذه الدراسة المتواضعة التي أقدّمها حول هذا الموضوع والتي أسأل الله تعالى أن تكون معيناً لنا في درب التقوى والطاعة…

·       معادلة الذنوب:

لنتفق قبل كل شيء أنه ما من ذنب يرتكبه العبد إلا وفق هذه المعادلة النفسية فهي أساس كل ذنب أو حرام في حياتنا وهذه المعادلة هي:

الشهوة+ فرصة (غير شرعية) + ضعف = ذنب

وأقصد بالشهوة هي نقطة الضعف، وربما كانت ليست نقطة بل نقاط ضعف موجودة لدى كل منا…. تتراوح أنواعها وشداتها بين شخص وآخر، وهي الشهوات على اختلاف أنواعها “المال، السلطة، الجنس……إلخ” فهذه الشهوات عندما تتاح لنا فرص (غير شرعية) لإشباعها تقف النفس أمام مفترق طريقين: إما أن تقوى وتثبت على شرع الله، أو تضعف فتزلّ وبالتالي تقارف الإثم وترتكب الذنب….

·       متى لا نقع في الإثم؟

الجواب ببساطة سيكون عندما نقوى على أنفسنا ونجاهدها، ولكن يجدر بي أن أشير إلى أمر هام أيضاً، وهو أن قوة الشهوات في نفوسنا والفرص المتاحة لنا تساهم في ارتكابنا الذنوب، أو ابتعادنا عنها، فربما كانت الشهوة موجودة ولكنها غير متأججة، ولم يصادف صاحبها فرصة لإشباعها (بطرق غير مشروعة)، وبالتالي فإنه لا يرتكب ذنباً، ولا يقع في الإثم…

مثال:

شهوة (حب المال) (متوسطة) + فرصة الرشوة (غير متاحة) = لا  ذنب

وربما صادف أحدنا فرصة كبيرة لإشباع إحدى شهوات النفس، ولكن هذه الشهوة بالذات لا مساحة لها في نفسه أصلاً أي غير موجودة، وبالتالي فإنه أيضاً لا يقترف الذنب ولا يقع في الإثم…

مثال:

شهوة (حب المال) (غير موجودة) + فرصة الرشوة (متاحة) = لا ذنب

أنواع الفرص:

أما في حال كون الشهوة متوسطة أو متأججة في النفس وهي ما نسميه هنا (نقطة الضعف) فإن صاحبها ربما يبقى في مأمن من اقتراف الذنب إلا إذا أتيحت له الفرصة، والفرصة نوعان:

-       إما أن تتاح له فلا يكون له علاقة في إيجادها (أي تأتيه امتحاناً من الله) فتضعف نفسه ويستسلم لها وهنا تكون المعادلة الأولى أي:

شهوة (حب المال) (متأججة أو متوسطة) + فرصة الرشوة (متاحة لا يد له في إيجادها) + ضعف (واستسلام) = ذنب

-       أو يركض هو لاهثاً لإيجاد الفرصة، فتراه يبحث في أنواع الحرام هنا وهناك ليطلق العنان لشهوته، وهنا يكون الذنب -والله أعلم- أكبر.

مثال:

شهوة (حب المال) (متأججة أو متوسطة) + فرصة الرشوة (يوجدها بنفسه) + ضعف (واستسلام) = ذنب.

معادلة التقوى:

أما إن كانت الشهوة متأججة في نفس صاحبها وأتيحت له فرصة فتغلب على نفسه وقاوم شهوته وترك الذنب فهذا يكون عين التقوى أي:

 شهوة (حب المال) (متأججة أو متوسطة) + فرصة الرشوة (متاحة لا يد له في إيجادها) + ضعف (يرافقه جهاد ثم انتصار) = لا ذنب (عين التقوى)

وإنني أوردت هذه المعادلات سعياً مني لما يلي:

1-             أن يحدد كل منا متى يتهدده الخطر وذلك عندما يبصر بارقة فرصة غير شرعية تتراءى له ويعرف نقطة الضعف التي لديه تجاهها فيجند نفسه لهذا الجهاد…

2-             أن يدرك أنه عندما لا يرتكب الكثير من المعاصي أنه ليس محسناً على الدوام بل لأن الفرص ربما غير متاحة له، أو أن الشهوة لديه ليست قوية، أو أن الشهوة لا مساحة لها في نفسه أصلاً…

3-             أن يدرك الفارق بين الامتحانات التي يضعه الله تعالى أمامها عندما تتاح له فرص الحرام، وبين أن يسعى هو بنفسه وراء هذه الفرص ويبحث عنها…

والآن آتي إلى ردود أفعالنا تجاه الذنوب التي نقترفها

·       كيف تكون ردود أفعالنا عادة تجاه ما نرتكبه من ذنوب؟

رأيت هذه الردود تنحصر في أربعة أحوال يتقلب بينها صاحب الذنب – على فرض أننا جميعاً متفقون بالفطرة على ما هو حلال وما هو حرام في سلوكنا وأفعالنا – وهذه الردود واحد منها فقط هو السلوك المحمود الذي أمرنا الله تعالى به عندما نخطئ أو نذنب وهي:

1-            الحزن والقنوط:

يحزن المذنب ويتألم ويؤنبه ضميره حتى يشعر أنه مهما فعل لن يرجع كما كان، فيسيطر عليه اليأس من نفسه ومن إصلاحها، ويقتنع أنه شخص غير جدير برحمة الله، وأن الله لا شك سيعاقبه بل سيدخله النار…. عندها يستسلم لضعفه ويقنط من رحمة الله ويمضي في ارتكاب الخطأ ذاته وربما أخطاء أخرى غيره.

2-            تخدير الضمير:

يقرُّ بأنه مخطئ، ولكن يخدر ضميره بأداء الفرائض والعبادات على اعتبار أن الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينها، ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما، وأن الله غفور رحيم، وأن الحج يكفر ذنوب الماضي كله، وأن السير إلى المسجد يكفر بكل خطوة يخطوها ذنباً ويرتفع بها درجة… وأن عينه لن تمسها النار إن دمعت من خشية الله، فتراه لا يفتأ كل يوم يجلس يذكر الله ويعتصر سوائل جسمه لتدمع عينه لا بل عيناه..، ويصبح في هذه الحالة مثالاً لانفصال العبادة عن السلوك، يناقش في الصغائر والكبائر، وينتقي من الذنوب ما صُنفِت أو ما صنفها هو أنها من اللمم _على اتساع مفهوم اللمم _ فيرتكبها عن قصد مستسلماً لضعفه أمامها، وربما قادته هذه الصغائر إلى الكبائر، ولكن لا مشكلة طالما أنه يمتلك ممحاة للذنوب تكمن في العبادات المتناوبة التي يدأب عليها، مع ثقته برحمة الله ومغفرته لأن الله غفور رحيم….

3-            سياسة التبرير:

يرتكب الخطأ نتيجة ضعفه فيجد لهذا الخطأ حلاوة ولذة فتتعلق نفسه به ويشعر أنه غير قادر على تركه، وأنه يريد الاستمرار في ارتكابه مدى الحياة، ولكن هذا السلوك خطأ وذنب عظيم فما العمل؟

عندها يبدأ باتباع سياسة خطيرة ألا وهي سياسة التبرير…. ولهذه السياسة ثلاثة أنواع:

-       تبرير شخصي: فيبرر خطأه ويختلق الحجج والأعذار… فما فعله كان بدافع ضعفه أو بدافع حاجته أو بدافع ظروف حياته القاسية التي تفرد بها والتي لاشك سيقدرها الله له… وبذلك يغدو الذنب هو الخيار الأوحد الذي هو مضطر له ولا يستطيع العيش دونه، وهو شرط لاستمرار حياته.

-       تبرير عام: فيبرر خطأه بأنه أصبح شائعاً وكل الناس يفعلونه، فكيف سيكون مختلفاً عنهم؟ إنه يخجل من مخالفتهم وخاصة إذا كانت له مصالح معهم….

-       تبرير فقهي: وهذه أشد الحالات وأخطرها إذ يبدأ هذا الشخص بالبحث والتنقيب ليثبت أن ما فعله من خطأ ويود أن يستمر في فعله ليس خطأ في الأصل، وليس حراماً بحال من الأحوال… فيسأل هنا وهناك ويتعلق بكلام أدعياء التجديد الذين انتشروا في الآونة الأخيرة وتفوقوا في “صناعة الفتوى” فأخذوا يلوون عنق النص الديني على اختلاف نوعه – قرآن، حديث- ليكون ملائماً لرغباتهم ومحللاً لشهواتهم لتصبح أغلب _إن لم تكن كل_ المحرمات حلالاً من المباحات لا بل من المستحبات، ويبدأ بالحديث عن تطور الأحكام بتطور الأزمان، وأن وقتنا يجب أن يكون له فقه جديد (ولو كان هذا الفقه سيقلب – إن لم يكن سيلغي – ثوابت الدين وأصوله فلا مشكلة المهم أن ما يفعله صحيح مباح) وهنا ينتقل هذا الشخص إلى مرحلة أصعب، وهي أنه يشعر بالرغبة في جعل كل من حوله يرتكبون الذنب الذي يفعله هو ليشعر براحة الضمير أكثر فأكثر، فلا يعدم لإقناعهم وسيلة، ويصبر عليهم ويأخذ بأيديهم رويداً رويداً ليصبحوا نسخة عنه يؤيدون أفكاره ويوافقونه على فعله بل ويفعلون مثله….

4-            التوبة والإنابة:

إنها رد الفعل المحمود الذي يستوجب صاحبه رحمة الله ومغفرته ويتمثل في أن يرتكب المذنب الخطأ بدافع ضعفه وحاجته، فلا يبحث عن فتوى تحلّل له ما فعل، ولا يمضي مستمراً في خطئه متكئاً على عباداته وطاعاته، ولا يبرر خطأه على نحو شخصي، ولا على نحو عام، وفي الوقت نفسه لا يستغرق في لوم نفسه فيقنط من رحمة ربه، بل يحاسب نفسه على ما فعل يؤنبه ضميره فيندم ويقرر عدم العودة…. يقرّ بضعفه بل يذهب إلى الله بضعفه… يلوذ بكنفه ويأوي إلى رحمته وكرمه…. يقف بين يديه مستشعراً مدى تقصيره وحاجته إليه… ثم يبدأ بهمة وإرادة مقبلاً على الله مستعيناً به طالباً منه العون على ضعفه والمغفرة لذنبه…

وهذا النوع الأخير هو ما أمرنا الله تعالى أن نكونه، فالله تعالى لم يخلقنا ملائكة بلا شهوات نفس ولا رغبات بل “خلق الإنسان ضعيفاً” وعلم أن فينا ضعفاً وجعل ذاك الصراع الذي نعيشه بين شهوات أنفسنا ورغباتنا وبين الحق الذي يريدنا أن نتمثله في حياتنا جعله محض الإيمان وجوهر الإيمان، وذلك عندما نجاهد أنفسنا ونحجبها عن المعاصي والآثام، وحتى إذا غلبتنا أهواء نفوسنا فزللنا نبادر فنلوذ بكنفه، ونحتمي بحماه، ونطلب عونه ورضاه…. لأننا نعلم أن لنا رباً يغفر الذنب، ويفرح بتوبة العبد، ويمدّ يده في الليل ليتوب مسيء النهار، ويمدّ يده في النهار ليتوب مسيء الليل…. وفي الوقت نفسه لا نتكئ على مغفرة الله ورحمته فنخوض غمار الذنوب والمعاصي ونتقلب فيها عن سابق إصرار وتصميم….

إن هذه الأحوال الأربعة تمثل ردود أفعالنا تجاه ما نرتكبه من ذنوب وإننا لن نبدأ مسيرة التقوى إلا إذا وعيناها وعرفنا موقعنا منها.

خاتمة:

فيزياء الذنوب: معادلات الذنوب وردود أفعالنا تجاهها…. إنها بوصلتنا نحو إدراك الخلل ذلك لأن معرفة المرض إنما هو نصف العلاج…. وتقييمنا لأنفسنا ومواقفنا يجعلنا نبصر كيف سنتقي الله تعالى، وكيف سنسمح لرمضان هذا العام أن يحقق الهدف الذي زارنا من أجله… “لعلكم تتقون”

لقاء على هامش توقيع “الواح و دسر”

لقاء على هامش توقيع “ألواح و دسر”

أجرى الحوار : الاستاذ وحيد تاجا. نشر في موقع دار الفكر..

اليوم .. كان موعد زوار ” دار الفكر ” مع الدكتور أحمد خيري العمري ليوقع على كتابه الجديد الصادر عن الدار والذي حمل عنوان لافتا (ألواح ودسر (..

في لمحة سريعة عن كتابه الجديد “الواح و دسر” سألنا  الدكتور احمد خيري العمري عن هذه الرواية و قال :

 - ربما يصعب جداَ على أي كاتب أن يتحدث عن كتاب كتبه أو رواية ألفها، بل ربما الأمر أيسر ليس على الناقد المختص فحسب بل حتى على القارئ  العادي أما شهادة الكاتب  في كتابه فتكون مجروحة والجرح هنا سلبي  وايجابي ، فالشهادة السلبية قد تكون من باب التواضع الزائد ، والشهادة الايجابية قد تكون نتيجة أوهام “العظمة الزائفة” التي قد تعتري بعض الكتاب…..

وقد قيل في الأمر أن  الكاتب لا يعرف عن كتابه أكثر مما تعرف الشجرة عن الهندسة الزراعية ، لكل ذلك أجدني مضطراً للقول بأن كل  ما سأقوله عن” ألواح ودسر” هو من أن الرواية  باب من أبواب  “المحاولة” ونجاح هذه المحاولة أو فشلها لن يقرره إلا الناقد الوحيد الذي يمتلك المصداقية  و هذا الناقد  هو الزمن وهو الذي سيقول كلمته بعدما نكون قد رحلنا جميعاَ للأسف. 

-”الواح و دسر” محاولة لماذا بالضبط؟

ألواح ودسر  محاولة لكسر الهوة الوهمية بين القصص القرآنية وبين واقعنا اليومي المعاش وهذه المحاولة قد تأخذ شكل الرواية العجائبية أو الفنتازيا أو حتى الكوميديا السوداء في جانب  من جوانبها، وهي تتعمد عن سبق إصرار وترصد كسر حواجز الزمان والمكان لأن هذا بحد ذاته هدف لها ، فإخراج القصص القرآنية من قوالب “الحدوتةالتاريخية إلى اللحظة اليومية أي إلى مفهوم” الآن وهنا” ،هو الذي يمنحها استمرارية تأثيرها بل و استمراية إعجازها..

في الرواية الكثير من الرموز والإشارات ربما كشفها قبل قراءة الرواية قد يفسد على القارئ متعة الكشف عنها ولكنني أؤكد أن هذه الرموز لها امتداد قوي في “العقل الجمعيلشعوبنا أو حتى في “اللاوعي الجمعي”،  فهذا الوعي واللاوعي قد تشكل عبر القرون وتفاعل مع القرآن الكريم وقصصه. ..

 

استخدام هذه الرموز الكامنة بل واستثمارها قد يكون مفتاحاَ من مفاتيح التغييرالذي لا أنكر أني أنشده..

 -هل هو أدب توجيهي إذن؟

لست مهتما بالتصنيف ولست منزعجا فيما  لو صنفت الرواية في هذا التصنيف آنيا ، ما يهمني هو أن يتفاعل القراء مع الرواية وأن يكون التفاعل ممتعا لحظة القراءة ومفيدا عند الانتهاء منها.

- ولكن ماذا عن  التواصل الحميم بين المؤلف وقرائه من خلال التوقيع على كتابه ؟

- التواصل مع القراء عملية معقدة وخطرة وهي قد تؤثر سلبا كما إيجابا .

تأثيرها الايجابي يتركز في أن الكاتب يعي- مع تواصل القراء- أنه على الأقل (لا يحرث  في البحر ) و أن هناك من ينصت له ، ويمنحه نوعا من العزاء والمواساة عن  الهوة الموجودة بين العالم كما هو والعالم كما يجب أن يكون، و بين الحقيقة و الامر الواقع…

أما التأثير السلبي فهو السقوط في فخ الإنقياد للقراء والكتابة “حسب الطلب”.. بالتأكيد ما يرغبه القراء مهم جدا بالنسبة لأي كاتب لكن عليه دوما أي يفرز ما هو زائد وما هو ضروري وان يجعل بوصلته الداخلية هي الأساس ، ثناء الجمهور مهم ومغذي و لا يمكن لأحد أن يقول أنه لا يحب ثناء القراء ،لكن هناك حدودا لهذا..فالثناء يجب أن يكون ناتجا عرضيا و ليس هدفا أساسيا ،   على الكاتب أحيانا أن يصدم جمهوره وأن يبث تغييرا في وعيهم عبر عملية قد تكون مؤلمة جداً..  بينما السقوط في فخ إعجاب القراء و طلب ثنائهم  قد يمنعه من ذلك خوفا من فقدانهم  ، مسؤولية الكاتب هي أن يوازن بين هذا كله وأن يجعل إعجاب القراء وسيلة لنشر الأفكار و الترويج لها  لا غاية بحد ذاته ..

-كيف تقيم تجربتك الشخصية مع القراء ؟

بالنسبة لتجربتي الشخصية فقد كنت محظوظا فعلا بتفاعل مميز من قراء مميزين وكان لهم فضل كبير في إنماء تجربتي وتقويتها ..لا أنكر أبدا أن بعض القراء و القارئات قد أغنوا تجربتي بملاحظاتهم الدقيقة و ساهموا أحيانا في الترشيد و التصويب..بعض القراء كتبوا لي من سجون الاحتلال ، و آخرون كتبوا لي من أقاصي الارض ، بعض من تواصل معي كان في العقد الثامن ، و آخرون كانوا في العقد الثاني فقط ، و كل هؤلاء أضافوا لتجربتي رصيدا ما كان ليضاف لولا تواصلهم معي..

 

ولدى لقائنا مع بعض الزوار والقراء الذين اخذوا توقيع الدكتور العمري على كتبه حدثتنا ميداء شهابي بأنها قارئة لمجموعة من كتب الدكتور احمد خيري العمري وهو كشخص احترمه واحترم أفكاره التي يقدمها ويهمني جدا  أن أقابله مقابلة شخصية والحصول على توقيعه.

 أما الطالبة في كلية طب الأسنان آلاء المرعي أضافت على أنه هذا اللقاء له طابع معنوي رائع،  من الجميل جدا أن تزيد من طبيعة  هذه العلاقة الحميمة مع الكاتب نفسه ومما يقدمه من خلال لقائه  ويبقيك على تواصل فكري مع الكاتب.

 

أما الطبيب أحمد السيد أفادنا أن هذا اللقاء فرصة للقارئ لطرح بعض التساؤلات التي تكون في مخيلته عن  الكتاب على الكاتب  نفسه وبالتالي هذا يؤثر إيجابا على القارئ ويعطيه دافعا للقراءة أكثر.

 

الواح و دسر : كتاب جديد للعمري

d8a3d984d988d8a7d8ad-d988d8afhgd8b3d8b13-copy1“ألواح ودسر”

قراءة منحازة لرواية خارج التصنيف

د. هيفاء الحمصي

 

عندما منحني الدكتور العمري شرف الاطلاع على مخطوطته “ألواح ودسر” – فيما أسماه وقتها بجس نبض مبكر للقراء – شعرت أني أمام اختبار صعب ، ذلك أني منحازة أصلا لكل ما يخطه العمري منذ أن اطلعت على كتابه الأول “البوصلة القرآنية” ؛ يومها تخيلته شيخا يتعكز على خبرته وتجاربه ويكتب ذلك الكتاب الرائع الفريد ، فوجئت به بعدها بسنتين في الشام شابا في ريعان الشباب لا يكبر أولادي إلا ببضع سنين . قيل يومها في الصالونات الادبية : إنه ليس الكاتب ، إنه لا يمكن أن يكون الكاتب ، وكانت تلك الفرية الظريفة يومها أكبر دليل على جودة الكتاب : لم يتخيل أحد أن يكون كاتبه في الثلاثين لا يزال ! وأدركت يومها أن العمالقة لا يولدون صغارا ويكبرون ، بل يولدون عمالقة منذ نتاجهم الأول .

 

ذلك الشاب استمر بالانتاج  المبدع ، واتضح أن “البوصلة” لن يكون “بيضة ديك لن تتكرر” ، بل جاء بعدها  “ليلة سقوط بغداد” ، و”الفردوس” ، و”ضوء في المجرة” ؛ وكل واحدة منها تستحق تنهيدة ووقفة .

 

كنت لا أزال تحت تأثير “كيمياء الصلاة” عندما جاءني الدكتور العمري وبيده المخطوط ، قال لي : اتركي “الكيمياء” الآن وأعطني رأيك في الألواح والدسر ، قال لي إنه يريد رأيي بالرواية بمعزل عن كل ما قرأت له سابقا .

 

كان ذلك هو التحدي الأول : حاولت أن أخرج من تأثير “كيمياء الصلاة” – وهو تأثر طاغ لمن قرأ الكتاب وعاش في عوالمه – ، وكان ذلك تحديا سلبيا بالنسبة للمخطوط الجديد : سألت نفسي ، ما الذي سيستطيع العمري – بل أي أحد – أن يفعله بعدما كتب “كيمياء الصلاة” ؟ كيف سيستطيع أن يتحدى نفسه لينتج شيئا أقوى ؟؟؟

سألته يومها ذلك وفي ذهني أن أرد له المخطوط قبل قراءته لكي لا تشوب قراءتي مجاملة فتضره ، ولا تشوبه صراحة فتحبطه ، يومها قال لي إن الكتاب موجه لفئة أخرى وإنه ليس قلقا من ذلك .

 

بدأت في قراءة المخطوط وفي ذهني ما قاله العمري ، ولكني مع الصفحات الأولى أكتشفت أنه خدعني بتلك الجملة واستدرجني إلى فخ متقن : الأمر أكبر بكثير مما قال ، بل إنه يرتبط بإصرار العمري على ولوج كل فن وكل مجال يتمكن فيه من إيصال فكرته : سيفعل كل شيء ، يكتب كتابا دسما ، يكتب مقالا سريعا ، يكتب رسالة أدبية ، يكتب رواية !! ربما يكتب سيناريو ؛ كل شيء .

 

قبل “ألواح ودسر” ، لم أكن متاكدة من إمكانية وجود أدب إسلامي حقيقي ، وأعني هنا أن خلطة الأدب بالإسلام لم تكن واضحة جدا ، دوما كانت هناك كتابات تجمع بين الاثنين ، لكن الأمر كان غالبا ما ينتهي بوجود شخصيات تلقي مواعظ بشكل آلي وينتهى الامر ، وقد يكون ذلك أدبا توجيهيا ، لكنه لم يكن يمتلك مقومات الإبداع الأدبي الحقيقي .

 

كانت تجربة العمري السابقة في الرواية – وأعني بها رواية “أبي اسمه إبراهيم” – تحمل بذرة للأمر ، لكنها كانت رواية للناشئة ، أو هكذا كان تصنيفها – رغم أني استمعت بها جدا – ، ولسبب ما تصورت أن العمري يكرر التجربة في “ألواح ودسر” ؛ صفحة بعد أخرى ، أدركت كم كنت مخطئة .

 

“ألواح ودسر” عمل مبدع ومختلف ، والعمري يحلق فيها إلى عالم جديد من عوالم الإبداع ، إنها للوهلة الأولى رواية معاصرة لقصة سيدنا نوح ، بطلها طفل صغير يراقب ما يجري ، لكن فجأة ستكتشف أنك داخل حلم ، وفجأة لن تعود واثقا إن كان ذلك حلم العمري بشكل رواية أو أن العمري تمكن من الدخول إلى أحلامك وسرقتها وصياغتها بهذا الشكل المبدع ؛ فجأة ستجد نفسك في هذا الطفل الصغير وهو يحلم بعالم مختلف ، وهو يراقب العالم من حوله ، سنجده وهو يتلمس الإيمان ، بين الشك واليقين ، بين النور والظلام ، وستجد نفسك مبهورا حتما عندما ينطق هذا الطفل كلمة التوحيد للمرة الأولى ، حيث يقدم العمري شهادة أن لا اله الا الله في سيمفونية من الضوء بالكلمات ، وتكاد تشعر أنك تسمع بهذه الكلمات للمرة الأولى في حياتك .

 

الرواية ، عكس الروايات الحديثة السائدة  حاليا ، فيها حبكة ، وفيها تشويق وإثارة ، والعمري يمتلك فيها حرفة “الرواية” بالمعنى التقليدي الذي نفتقده للرواية ، وهو أمر مفقود في الأدب الحديث كما هو معلوم ، حيث تجد في الرواية كل شيء : علم نفس ، وسياسة ، وعلم اجتماع ، إلخ ، لكن لا تجد فيها رواية .

 

والعمري لا يقدم فقط رواية مثيرة ، بل يقدم أيضا كل ما يشغل باله من أمور ، مثل العولمة والغزو الفكري وسيادة قيم الاستهلاك ، حتى يمكن أن نقول أن “ألواح ودسر” هي نسخة روائية من كتابه “الفردوس المستعار والفردوس المستعاد” ؛ قد تجد أنه تجاوز الأمر أحيانا وأنه انحاز إلى المباشرة التي لا  تنسجم مع المواصفات الأدبية ، ولكن ستفاجأ به وقد ضبطك هذا الهاجس وقال شيئا ليقنعك أن الأمر ليس كذلك .

 

شخصيات “ألواح ودسر” تملك مفاتيحها في أسمائها ، ولكنك ستجدها شخصيات متماثلة مع ما نراه من شخصيات حولنا : سنضحك على السيدة تفاهة والسيدة نميمة والسيدة غلاظة ، ثم سنتوقف لنجد أن هذه الشخصيات موجودة فعلا حولك في أسماء اخرى ، ستجد ربما معان سياسية لشخصيات مثل السيدة حيزبونة أو السيد إمّعة أو السيد سلاّب النهاب ، ستبحث عن الطفل نور في أعماقك ، وقد تفاجأ – كما حدث معي – أن هذا الطفل موجود فعلا ولا يزال حيا يرزق .

 

يمتلك العمري خاصية “غير بريئة” فيما يكتبه : إنه يسخر كل ما أوتي من أسلوب ليكون في خدمة إفكاره وآرائه ، لا يعرف الحياد تجاه شيء ، له موقف واضح من كل شيء حوله ، وهذا يجعله مستفزا للبعض ممن يختارون الحياد واللامبالاة موقفا أكثر أمانا .

 

للعمري أيضا خاصية نادرة : إنه يجعلك تقهقه ضاحكا في صفحة ، ثم يجعلك تمسح دمعتك في صفحة تالية ، وفي الحالتين يكون قد توغل في أعماقك وتمكن منك .

 

في “ألواح ودسر” تمكن العمري من تجاوز الثغرات التي كانت موجودة في “أبي اسمه إبراهيم” والتي جعلت الكثيرون ينتقدون أنه قدم شخصية سيدنا إبراهيم عليه السلام وهو طقل كبقية الاطفال ؛ في “الواح ودسر” سيدنا نوح يظهر كالضوء من بعيد ، يأتي ويذهب ، نراه في عيون الطفل “نور” ، كما لو أن الأطفال ببراءتهم هم الأحق من غيرهم بفهم الأنبياء والرواية عنهم .

 

“ألواح ودسر” رواية ملحمية رائعة ، لا تشبه سواها من الروايات ، كما لا تشبه سواها من أعمال العمري ، وهي “غير قابلة للتصنيف” : هل هي فانتازيا ؟ هل هي من الأدب الواقعي – العجائبي ؟ هل هي رواية تأريخية ؟ هل هي من قصص الانبياء ؟

 

ربما هي كل ذلك ، وربما هي خارج كل التصنيف ، مثل كاتبها الذي أعتقد أن من مشاكله الحالية : كونه خارج التصنيفات السائدة : هل هو مفكر أم هو أديب ؟ أم هو الاثنين معا ؟ يكتب فكرا جديدا ثاقبا  بأسلوب أدبي ؟ أم إنه يكتب أدبا يحمل فكرا جديدا ؟ أقول : إن ذلك من مشاكله لأن الكتابة “خارج التصنيف” تجعل نتاج الكاتب مهملا من قبل النقاد وأهل الاختصاص ، ولو إلى حين : أي إلى أن يصبح هذا الكاتب مكرسا ضمن خانة قد لا تضم سواه ؛ الشيء ذاته ينسحب على حقيقة  أن العمري ليس محسوبا حتى الآن على تيار معين من التيارات السائدة على الساحة الإعلامية والثقافية ، وهذا يجعله خارج منطقة الدعم والتحزب والدفاع التي يحصل عليها الكتاب المحسوبون على تيار معين ، وإن كان يجعله أيضا مستقلا عنها وقادرا على التعبير عن آرائه بحرية أكبر .

 

للعمري نقاط قوة متعددة بلا شك : فكر جديد ملتزم بثوابت مع أسلوب أدبي خلاب ، لكن نقطة ضعفه الأساسية في رأيي تكمن في تقصيره في مجال الإعلام : نحن نعيش في عصر لم يعد الكتاب الجيد قادرا على الانتشار لمجرد أنه جيد ، بل صرنا نعيش في عصر شهد انحسارا أكيدا للكتاب لصالح الصورة المرئية ، وإذا كان العمري يريد لفكره أن يحدث تأثيرا فلا بد له أن يعد نفسه لولوج عالم الصورة مهما تطلب منه ذلك من تضحيات .

 

أتمنى للجميع قراءة ممتعة وركوبا مثمرا في الألواح والدسر .

عن كيمياء الصلاة : سهير علي اومري

securedownload1salahb1 عن سلسلة كيمياء الصلاة:

د. أحمد خيري العمري

 

http://www.thakafawaturath.com/pages/look_up_book.php?id=25

 أهمية الصلاة… ضرورة أدائها…. كيفية الخشوع فيها… عقوبة تاركها… شروط صحتها… أركانها… واجباتها… سننها ومستحباتها…. عناوين تناولها علماء الفقه وأصوله وعلماء الحديث والتفسير على مر السنوات والأعوام…. أطلّت علينا هذه العناوين في كتب المدرسة وفي العديد من الكتب التي أقبلنا على تعلمها بهدف أداء فرض منوط في أعناقنا على اعتبار طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة… أما هذه السلسلة فوقفة مختلفة مع فريضة الصلاة وقفة جديدة في مضمونها وأفكارها تناول فيها الكاتب هذا الركن الأساسي من أركان الإسلام بوصفه المعول والدرع والبوصلة والرادار لحياتنا… بوصفه المعادلة التي من شأنها أن تعيد النظام إلى عالمنا… إنها الصلاة مفتاح النهضة التي أرادها الله تعالى لخير أمة أخرجت للناس… الصلاة تلك الوصفة السحرية التي من شأنها أن تعيد التوازن إلى حياتنا أفراداً ومجتمعات…. والتي من شأنها أن تقوِّم اعوجاجنا وتهذب نفوسنا وتشيع السكينة والطمأنينة في جوارحنا…. إنها الصلاة مفتاح العمل ومبعث الهمة وسلاح الإرادة ومعراج النفس إلى عالم القوة….

سلسلة “كيمياء الصلاة” خمسة عناوين تتلاقى فيها تفاصيل دقيقة تتعلق بهذه الفريضة العظيمة لتتفاعل مع بعضها في تفاعلات كيميائية نفسية وفكرية من شأنها أن تبني نفوسنا على نحو يجعلها مؤهلة لأن تكون نواة لنهضة نرتقبها ونحلم بها…

أما العناوين الخمسة فهي: 

1-             المهمة غير المستحيلة: الصلاة بوصفها أداة لإعادة بناء العالم:

مع هذا العنوان الضخم يدخل الكاتب عوالم أفكارنا فيناقشنا، ويأخذ بأيدينا نحو برٍّ لم تطأه أقدامنا من قبل… يناقشنا في فكرة طالما جالت في خفايا نفوسنا: لماذا نصلي؟ إنه إبحار عميق لاستخراج الدوافع الكامنة وراء أدائنا للصلاة، تلك الدوافع التي تأصَّلت فينا حتى حولت صلاتنا إلى عادة بدل العبادة، ثم يمضي الكاتب مبيناً أن نتائج الصلاة تكون خارج أوقاتها الخمسة… ثم يتحدث عن الطبيعة البشرية وحاجة البشر منذ بدء الخليقة إلى شعائر وطقوس يلتزمون بها… ودور الصلاة في النماء الإنساني وارتباط إقامة الصلاة بالنهوض أو النهضة، وكيف أن الصلاة فرضت من أجل أن تغيرنا لنعيد كتابة التاريخ، ونعيد صياغة العالم بعد أن نعيد صياغة أنفسنا، وكيف تكون الصلاة ذلك الجسر بين الفكر والسلوك، وكيف يكون النموذج الأعلى للخشوع عندما تمدنا الصلاة بالطاقة لنرتقي بالواقع ونغير العالم…. 

2-             ملكوت الواقع ممهدات وحوافز قبل الانطلاق:

عنوان كبير يبحث في المنظومة العظيمة التي تسبق الصلاة كيف تكون محفزات للنهضة وسبيلا إليها… هذه المنظومة مكونة من:

·        الأذان بكل عباراته كيف يكون نداء للحياة “حيَّ على الصلاة” وكيف ترتبط الصلاة بالفلاح ليكون الأذان ذلك الزناد الذي يقدح شرارة النهضة.

·       أوقات الصلاة الخمسة تعلمنا أن نصبح جزءاً من هذا العالم، فالصلاة كتاب موقوت، وهذا يعني أن الوقت عنصر رئيسي في معادلة التفاعل الكوني، وبذلك فلا بد من وجود فلسفة للأوقات الخمسة توضح لنا السبب الذي من أجله كانت الصلاة على وقتها من أحب الأعمال إلى الله.

·       الوضوء: من الماء تتدفق الحياة، ولا بد من حكمة لكون الوضوء قبل الصلاة لا بعدها، والوضوء يتعلق بأعضاء مخصوصة لكل منها حكاية ورمز.

·       القبلة: حيث اتجاه الحضارة البديلة… بيت الله الحرام… الدم فيه حرام…. مكان محمل بالرموز والمعاني… كيف جسّد بناء الكعبة التكامل بين أبي الأنبياء إبراهيم وسيد الخلق محمد عليهما الصلاة والسلام؟.. ولماذا تحولت القبلة إليها؟… الكعبة تعلمنا أن تكون لنا حضارة مستقلة لها ثوابتها الخاصة، وكيف يكون الحجر الأسود حجر الأساس لهذه الحضارة…

·       النية ذلك الركن الذي لا يرى بالعين المجردة كيف تكون روح العبادة، وكيف تشبه النية النواة لتكون نواة الإثمار، ولتكون صلاتنا إقامة للفرض وليس إسقاطاً له.

·       التكبير (الله أكبر) إشارة الانطلاق

·       الاستفتاح… اشتقاق من الفتح فالصلاة فتح، والدعاء الأول إنما هو نقطة الشروع في طلب الفتح… وكل كلمة من كلماته لها مدلول بعيد يعلمنا ما هي صفات من يحمل مسؤولية الفتح.

3-  عالم جديد ممكن: الفاتحة العدسة اللاصقة على العين المسلمة:

الفاتحة عماد الصلاة والمدخل الأساسي للقرآن الكريم… بكل كلمة منها يستنتج الكاتب فتحاً جديداً في المعاني والأفكار متوقفاً عند كل آية بل كل كلمة منها فالبسملة هي تلك العبارة التي قالها نوح عندما حرك دفة سفينته معلناً ولادة عالم جديد فبها كان المجرى وبها كان المرسى… جملة نعلن بها مشروعنا في الحياة ووظيفتنا في الأرض وهوية مَن وظَّفنا، فنقرر أن نعمل باسمه على الدوام، ثم يأتي الحمد فيبين الكاتب متى يكون الحمد دواء مسكنا للألم، ومتى يكون مهاجما لمصدر الألم… كيف يكون الحمد إصراراً على الإيجابية وسبيلا إلى التغيير.. وما هو جوهر الحمد… أما عندما يعرفنا الله تعالى بنفسه فهذا يضعنا أمام صفاته تعالى فهو رب العالمين، وهو الرحمن الرحيم، وهو مالك يوم الدين، وفي كل منها معان يستنبطها الكاتب على نحو جديد مختلف من شأنها أن تزيد وعينا بذواتنا وحياتنا وصولاً إلى صلة أعمق بمولانا وخالقنا، أما اقتصار عبادتنا له “إياك نعبد” فهذا يفتح أمامنا معاني العبودية المختلفة لنتيقن أننا عندما لا نعبد سواه فإنما ذلك يحقق لنا الحرية الوحيدة الممكنة إنها  الحرية الحقيقية… وعندما نقصر استعانتنا عليه “وإباك نستعين” فإن ذلك يجسد حقيقة موقعنا وموقع الأشياء منا في هذه الحياة، ثم ماذا وراء طلبنا الهداية؟ وهل للهداية شروط؟ وهل لها موانع وما هي دائرة الهداية؟ ثم ما هي حكاية ( الذين أنعمتَ عليهم) وهل انتهت حكايتهم أم لا؟ وما الذي جرى مع المغضوب عليهم؟ وما حقيقة الضلال؟

وقفات مضيئة تبين لنا كيف أن الفاتحة تضع أمام عيوننا عدسة مكبرة نرى من خلالها العالم كي ندخله ونقتحمه ونعيد بناءه، وعندها نفهم الحكمة الكامنة وراء نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا عن إغماض عيوننا أثناء الصلاة…

 4- فيزياء المعاني: هيئات الصلاة نمط عمارة لبناء الإنسان:

مع هذا الكتاب يسبر الكاتب أغوار هيئات الصلاة مستنبطاً مدلولاتها ومعانيها فالقيام إنما هو النهوض، أن نقوم بدورنا وصولاً لأن تصبح الأمة بأكملها “أمة قائمة”… في القيام نضع اليمين على الشمال فما المعاني التي نفهمها من هذا؟ أما الركوع فهو خفض الرأس لكنه عمل يختص به الإنسان فقط يجعل عقله مسخراً في خدمة المشروع الذي كلفه به الله… ثم نتوقف مع سجود الصلاة إنه سجود الإرادة… ولكن ما العلاقة بين أول سجود أمر به الله تعالى الملائكة عندما خلق آدم وبين سجودنا في الصلاة؟ وكيف تكون القمة في الأرض؟ وكيف يجعلنا السجود أقرب إلى حقيقتنا… أقرب إلى رحم الأرض وكأننا سنخلق من جديد كما لو أن السجود سيعيد تشكيلنا من جديد….

5- سدرة المنتهى: حجر النهضة منصة الانطلاق:

هذه الحلقة الأخيرة من هذه السلسلة نتوقف فيها مع القعود الأخير في الصلاة تلك النهاية التي تتجدد فيها البداية وتشرق فيها روح الانطلاق من جديد، وتتجدد فيها الطاقة من جديد لمواصلة الرحلة… تلك الطاقة المنبعثة من المفاهيم… هذه المفاهيم التي تُنحَت عبر تلك الكلمات التي ليست ككل الكلمات إنها “التحيات” لماذا كانت في نهاية الصلاة وليس في أولها؟وما المعاني التي تتضمنها الثلاثية المتلازمة: السلام – الرحمة – البركات؟ وهل هناك صورة غير صالحة لعباد الله الصالحين؟ ثم يتوقف الكاتب مع معنى جديد واستنباط جديد حول الفرق بين النبي والرسول مستنتجاً أفقاً جديداً يتعلق بهذا الفرق، ثم يأتي بنا إلى الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم مشيراً إلى ورود الأمر بالصلاة عليه إنما كان في سورة الأحزاب…. مستنتجاً أبعاداً عميقة في العلاقة القائمة بين ما ورد في هذه السورة من أحكام وتشريعات تتعلق بعلاقتنا برسول الله وبين مناسبة هذه السورة التي نزلت في خضم أحداث سورة الأحزاب، فآيات الأحكام في هذه السورة جاءت لتضع النقاط على الحروف وكأنها تحفر الخنادق وتوضح حدود العلاقات بين الأفراد في الوقت الذي كان فيه الصحابة يحفرون الخندق على أرض الواقع لإنقاذ دولة الإسلام…. ثم يتوقف الكاتب ليوضح شروط العلاقة مع الشخص الأهم في حياتنا مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكيف وضعت سورة الأحزاب خطين أحمرين لهذه العلاقة، وكيف جاء الأمر بالصلاة عليه ضمانة لنا ضد هذين الخطين، ثم يتوقف الكاتب مع معان رائعة تتضمنها الصلاة على رسول الله، وكيف أنها صلاة من أجل الإنسان، وكيف أن كل معاني الصلاة كامنة في الصلاة عليه، ثم يتوقف ليسأل: لماذا الملائكة؟ ولماذا إبراهيم؟

في الفصل الأخير من الكتاب يتوقف الكاتب مع المفهوم المضيء للآل مبيناً كيف أنه مفهوم حركي ديناميكي، وكيف أنه يمنحنا منصةً للانطلاق لتحقيق ما خُلقنا لأجله، موضحاً كيف أن الاتباع يحقق لنا الانتماء إلى آل محمد… هذا الاتباع الذي هو حجر الأساس للنهضة هذا الحجر الذي لا بد أن يمر “بكيمياء الصلاة” فوحدها كيمياء الصلاة ستتمكن من إعادة المعدن الإنساني إلى جوهره وتحقيق الممكن الذي علينا دوماً أن نؤمن به إنه التغيير التغيير لأجل النهضة.

 

سهير علي أومري