من أجل ختمة واحدة ، تساهم في يقظة أمة :د أحمد قطشة

_quran__by_shooosha2من أجل ختمة واحدة ، تساهم في نهضة أمة

د.أحمد قطشة

(مفهوم العبادة “الكمية”   في رمضان… ودعوة للنهضة)

(يقدم الصديق الدكتور أحمد قطشة في هذا المقال رأيا سديدا يخص بعض الظواهر الرائجة حاليا في ميدان الدعوة ، التي نؤكد احترامنا لمطلقيها و لجهودهم دون ان يلغي الاحترام أهمية الترشيد و التصويب..كما يقدم في النهاية مشروع لفكرة ننتظر من القراء تفاعلهم معها و مقترحاتهم بخصوص تنفيذها على أرض الموقع..!)

مع كل رمضان، تُشحن القنوات التلفزيونية بنوعين من البرامج، يمكن تقسيمهما لدينية ودنيوية، أو دينية وترفيهية، بإعتبار أن الأمر ساعة وساعة، ولكوننا لسنا مهتمين بحجم الأخطاء والمخاطر في البرامج الترفيهية أو الدنيوية “تشمل المسلسلات وبرامج الطبخ والمسابقات ولقاءات الفنانيين…”، كون أن هذه الأخطاء والمخاطر واضحة للعيان ولا تكاد تخطئها عين، فالحديث سيكون عن الشق الثاني من البرامج الرمضانية.

 

من أول أيام الشهر الفضيل، ولربما من قبل، يحاول الوعاظ التلفزيونيون على إختلافهم، شحذ همم الناس بأي شكل وبأي طريقة، وطالما أن النية السليمة لوحدها لا تكفي، فلذلك لا نجد إنعكاساً مباشراً لكل ذلك الوعظ عبر هذا الكم الهائل من الفضائيات الدينية، لا نجده ولا نلمسه على أرض الواقع إلا في النذر اليسير، وغالباً ما يكون شكلياً وسطحياً ببعد واحد.

 

برأيي أحد أسباب هذا، هو الإهتمام بالمقدار بدلاً من الإهتمام  بالنوعية، فمنذ سنوات، وعبر أحد من إُصطلح على تسميتهم بالدعاة الجدد، خرجت فكرة تنظيم العبادات على شكل جدول، وتنوعت الجداول، وتعددت، تبدأ من صلاة سنة الفجر، ثم الفجر، ثم الجلوس بالمسجد وهكذا وهكذا، بمعنى آخر عد الطاعات والعبادات التي أنجزها شخص ما خلال يوم رمضان، ولا أدري مالهدف الحقيقي، هل فعلاً ستحفز الإنسان على فعل المزيد، أم ستركنه إلى راحة على إعتبار أنه أدى وانتهينا، والباقي على رب العالمين، وبنهاية الشهر ينظر إلى جدوله، بكل فخر، ثم ينساه بقية أيام السنة.

 

إن الفكرة نفسها تبدو غريبة ومثيرة، فعد الطاعات وكتابتها، يعني أنها قليلة ويمكن عدها وإحصاؤها، بل يعني أكثر أنها هي الشاذة والغريبة، والأصل هو عدم الطاعة والمعصية، وفعلياً فالمعاصي هي الأكثر وهي التي لا يمكن عدها وإحصاؤها، أليس من الأحرى فعلاً عمل جدول المعاصي، فنخجل من أنفسنا أن نكتب فيه كم معصية قمنا باليوم، فنقلل عددها

 

عجبي من هذا الأمر، فبدلاً من أن نعد معاصينا، ونكتبها باليوم وبالعدد، لنحاسب أنفسنا عليها قبل أن يحاسبنا رب العالمين عليها، نكتب طاعاتنا وعبادتنا، ربما خوفاً من أن تسقط إحداها من الحساب، وحاشى لله وللملائكة الكرام.

 

غير أن الأمر هذه السنة كان أكثر غرابة، ومرة أخرى لا أنكر النية السليمة، وأن الهدف هو إحداث التغيير، لكن برأيي لا يمكن أن يكون التغيير عبر زيادة العدد، فالرسول أخبرنا “ولكنكم غثاء كغثاء السيل” لم يقل لنا، لم تكونوا تصلون أو تصومون، لم يقل لنا أنكم لا تقرؤون القرآن، لكن بمفهوم أن الكثرة لن تغير شيئاً طالما كانت كثرة عددية فقط، فهذه السنة، ظهر ذلك الداعية وأعلن عن مشروع لختم القرآن لملايين المرات، خلال شهر رمضان فقط، وجعل عبر موقعه عداداً لذلك، يضغط عليه كل من ختم القرآن.

 

لقد تحول الأمر فعلياً هذه المرة إلى إهتمام بالعدد، فلم يكن أي إشارة من قريب أو بعيد للتدبر أو التفكر، ليس مهماً، المهم هو أن تقرأ وتقرأ، أن يعمل العداد.

 

مرة أخرى، ولزيادة التوضيح، أنا شخصياً من المقدرين لهذا الداعية ومن المقدرين لجهده وعمله، ولولا إهتمامي بما يقدم لم أكن لأكتب أو أعلق، ولمعرفتي أنه همه كبير أيضاً بحجم الأمة، كان عليه أن يكون أكثر عمقاً من مجرد عداد للقراءة، ولو كنت أريد التشهير فهناك الكثير من الدعاة يمكن أن يكونوا هدفاً أسهل.

 

صحيح أن الرسول عليه الصلاة والسلام أخبرنا أن بكل حرف من القرآن حسنة، لكنه عليه الصلاة والسلام أخبرنا عن أقوام يقرؤون القرآن لا يصل لحلقهم، بل ونحقرصلاتنا لصلاتهم و صيامنا لصيامهم، فهل نقول أن الحديثين متناقضين، بالطبع لا، مع إدراكي للتفسيرات التاريخية التي قد تساق في الحديث الثاني.

 

كنت وددت أن أجد مكاناً يدعى فيه لقراءة القرآن بتدبر وليس بتعجل بهدف ختمة الشهر، على حسن النية فيها وعظيم الثواب بإذنه تعالى، لكن للآسف وجدت مواقع تدعو لختمة كل ثلاثة أيام، يعني 10 أجزاء في اليوم، فقلت سبحان الله، ألا يتنافي هذا نفسه مع القرآن وأدب التعامل معه (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) [صـ : 29]، بل لعله حسب الأمة كلها ختمة واحدة يُتدبر فيها القرآن بالوجه الذي يريده الله سبحانه ويرضي رسوله، لكنها ختمة توقظ أمة.

 

لا أريد أن أعود للماضي وأروي قصصاً عن صحابة وعلماء وتعاملهم مع القرآن، لعلمي أنها معروفة للجميع، لكن أود أن أدعو وعبر هذا الموقع القراء الكرام، وهم ممن يهتمون بالنهضة عن طريق القرآن الكريم، أدعوهم جميعاً، وطالما أنهم يقروؤن القرآن لختمه، ومتوقع أن بعضهم لهم ورد يومي لقراءة القرآن خارج رمضان، أدعوهم أن يتفكروا جيداً فيه، ويجدوا الآيات المفتاحية لإحداث نهضة شاملة في أمتنا، ثم وعبر هذا الموقع لترسل كل هذه الآيات المفتاحية، فنتدبرها جميعاً، علنا نخرج بالمنهج الذي نرى أن المشي فيه سيحيي هذه الأمة بعد موتها، وليكن موعدنا رمضان القادم بإذن الله، فهذه سنة كاملة، نجمع فيها الآيات، ثم نستبط منها منهجيةً نرى كيف يمكن أن نطبقها على أرض الواقع، ونبدأ فيها في رمضان، في نفس الشهر الذي نزل فيه القرآن، وفي نفس الشهر الذي اختاره الله ليغير البشرية فيه، فلعل الله يأذن ونغير ونتغير فيه، فهي دعوة لختمة واحدة فقط، ختمة توقظ أمة.

 

 

 

عن غض البصر ، من واشنطن !

worldview11عن غض البصر، من واشنطن!

اهداء خاص الى شادي. ق

د.أحمد خيري العمري- القدس العربي

عندما طلب مني أحد قرائي الشباب أن أكتب عن غض البصر قبل حوالي سنة، وعدته خيراً من باب المجاملة لا أكثر.. لم أكن أدرك قطعا أني سأضطر للوفاء بوعدي ولو كنت في واشنطون، بالضبط كما لم أتصور قط يوم ذهبت إلى ميريلاند لحضور محاضرة “شبابية” أن موضوعها الأساسي سيكون عن غض البصر..

يومها اتصل بي صديق يعرف اهتمامي بأمور الشباب عموما وبالذات شباب “الجيل الثاني” من مسلمي أمريكا، وسألني إن كنت أرغب في حضور محاضرة للشباب المسلم وعن الشباب المسلم في كلية مونتغمري في ولاية ميرلاند، ولاختصار الوقت فقد انتظرته لكي يمر علي على المحور الذي يربط أجزاء ما يعرف بواشنطون الكبرى ( واشنطون العاصمة مع أجزاء من فرجينيا وميريلاند).. لم أكن أدري أني سأكون على موعد مع ما هو أكثر من المطر الذي فاجأني وقتها.. بل مع موعد مع جزء كبير من مشاكلنا كمسلمين في كل مكان .. في الغرب أو في الشرق.. في أمريكا في أي بلد من بلداننا..

وصلنا متأخرين قليلا، ولكن لم تفتنا مشاهدة أول المتحدثين .. كان شابا في أواسط العشرينات من العمر، له طلة الدعاة الجدد في بلادنا ولكنه مثال حي على كون الطلة وحدها لا تصنع الدعاة، فالتشابه بينه وبين الناجحين منهم ينتهي بحسم عند الطلة والوجه الحسن والابتسامة التبشيرية، بعدها ستسمع حديثا ستستنكره (حتى لو سمعته في بلداننا !) وسيكون الإنكار والاستنكار أكبر عندما يكون الحديث موجها لشباب مسلم في أمريكا: أي لشباب يفترض أن يوجه لهم خطابا يقويهم ويساعدهم في تنمية قدراتهم كمواطنين أمريكيين ومسلمين في الوقت ذاته..

المتحدث اختار لدرسه أن يكون بشكل “قصة”.. لا بأس.. المهم المضمون، لكن المشكلة كانت في المضمون نفسه، أزعم هنا أن القصة لو رويت لمجموعة من المتخلفين عقليا لربما استنكروا شدة تخلفها وانتبهوا للأخطاء فيها.. مرّ علي بعض الوقت وأنا أستمع للقصة متخيلاً أنه سيطلب من الحضور بعد أن ينتهي أن يعددوا له الأخطاء التي وقع فيها (أي كي يكون الدرس تفاعليا..) لكني كنت حسن الظن أكثر مما يجب.. إذ لم تكن لديه نية من هذا القبيل إطلاقا..

القصة باختصار تحكي أن شابا عفيفا يغض بصره ويحفظ القرآن ويسكن في مكة المكرمة قرر أن يتركها ويهاجر من أجل الدعوة، ركب السفينة من ميناء مكة (هكذا !!) وكما هو متوقع تعرضت السفينة لعاصفة وغرق جميع الركاب إلا هو حيث تعلق بخشبة قادته إلى شاطئ البحر، وهناك أخذ يتلو القرآن بصوت رخيم وتجمع عليه السكان الذين سروا به جدا لأنهم مسلمون ولكن ليس هناك بينهم من يقرأ القرآن أو يحفظه.. وأخذوه بسرعة إلى ابنة الملك التي كانت قد استلمت الحكم للتو بعد وفاة والدها وتحتاج في أسرع وقت إلى زوج ليكون الملك!!! وهكذا قررت أن تتزوجه وأن يكون هو ملك البلاد المتوج، إذ من سيكون ملكاً أفضل من شخص يحفظ القرآن ؟.. وهكذا تم الزفاف في نفس اليوم وسط فرحة السكان.. وانتقل الشاب العفيف من السفينة الغارقة إلى قصر الملك في يوم واحد فقط.. أما المفاجأة الكبيرة فكانت في الخاتمة: فبعد انصراف الجميع واختلاء الشاب بزوجته الملكة التي خلعت النقاب أخيرا.. وإذا بالنقاب يتكشف عن صاحبة أجمل وجه في العالم .. وإذا بدموع زوجها تنهمر من عينيه من شدة الفرح!!!

العبرة من كل هذه القصة واضحة: احفظ القرآن وغض بصرك وسنتتهي إلى أن تكون ملكا أو تتزوج من ملكة جمال على الأقل.. والعبرة هنا ليست خاطئة وسطحية فحسب، بل هي مؤذية وسلبية أيضاً، لأنها تعطي رسالة تسطيحية جدا عن كل شيء: عن المقاصد من التكليف وعن كون الجزاء دنيوياً وفورياً بل وحتى عن الجمال باعتباره مظهرا خارجيا يجعل الدموع تنهمر..( هذه بالذات لم أفهمها بصراحة!!)

أكرر مرة أخرى: هذه القصة رويت على أسماع مجموعة من الشباب الجامعيين المسلمين الذين يعيشون في عاصمة الدولة الأقوى (حاليا ) في العالم.. ومتطلبات الفاعلية في هذا المجتمع أبعد ما يكون عن مضمون تلك القصة .. هذا عدا عن مخالفة هذا المضمون الصارخة لكل ما جاء به الإسلام.. أنهى الأخ درسه بأبيات لا تصلح حتى لبريد القراء كتبها في زوجته..

كان هناك بعض المجاملات الفاترة بعد أن انتهى من درسه، والتفاعل الواضح الوحيد كان من سيدة أفغانية متقدمة في السن حضرت المحاضرة مع ابنتها الشابة..

المتحدث الثاني كان أفضل بما لا يقاس، لكنه أفضل بمقاييس لست واثقا أنها كافية لمواجهة الضغوطات التي يعانيها الشباب والشابات عموما، وفي الغرب وأمريكا خصوصا..

بعبارة أخرى: كان “غض البصر” هو المحور الأساسي لأغلب إجاباته عن تساؤلات الشباب في موضوع صراعهم مع شهواتهم ومع التحديات التي تواجههم..

التفتُّ لأتفحص الحضور: كانوا شبابا وشابات في أعمار لا تتجاوز العشرين، عددهم لم يتجاوز الثلاثين ( من أصل 400 مسلم موجود في الكلية، وكلهم مسلمون أمريكيون بالولادة أو التجنس).. نجد فيهم المحجبة والسافرة بتحفظ والسافرة بلا تحفظ والملتحي بتحفظ والملتحي بلا تحفظ والحليق والحليق جدا..الخ.

من الخارج ستجدهم يشبهون الشباب في بلادنا، لكن الأمر لا يعدو تشابها سطحيا، فالشباب الذين يمتلكون نفس المظهر في بلادنا هم “متأمركون “.. أما هؤلاء فهم أمريكيون، والفرق كبير جدا بين الحالتين وإن كنت لست في صدد الخوض فيه الآن..

استطعت أن أمد جسور الحوار مع أحد هؤلاء الشباب.. لست واثقا من أنه كان حوارا بقدر ما كان استدراجا واستجوابا حول مواضيع تهمني معرفتها ليس من الكتب أو من الإحصاءات أو من تحليلات البرج العاجية، بقدر ما أحصل عليها ممن يعيشونها ويعانونها على أرض الواقع..

كان شابا قال إن اسمه “شان”، اتضح لي لاحقا أن اسمه الأصلي احتشام، باكستاني المولد، جاء إلى أمريكا مع أسرته وهو في الثامنة من العمر، وصار أمريكيا بالتجنس- على الأقل..

سألته وأجابني، وواصلنا حوارنا لاحقا عبر مكالمات هاتفية طويلة، كان سؤالي الأول له هو هل شعرت أن المحاضرة تقدم لك الحلول؟ هل تشعر أن “غض البصر ” سيكون حلا لشباب مسلم في أمريكا في العشرين من عمره أو دون ذلك..؟

كنت أتوقع الجواب السلبي لكن لم أتوقع أبدا ما سمعته..

كان جوابه صادما…

قال لي بلا تردد : لو أني قمت بغض البصر عن الفتيات، فسيتصور الجميع هنا أني شاذ جنسيا!

كلامه منطقي جدا، لكنه لم يخطر في بالي قط، هذه أمريكا، ليست دمشق ولا بغداد ولا جدة ولا القاهرة.. الشاب عندنا، في مجتمعاتنا، يواجه ذلك الاستفزاز اليومي غير الطبيعي لشهواته وغرائزه الطبيعية بدرجة قد تختلف من مدينة إلى أخرى ومن مكان إلى آخر: لكن الاستفزاز موجود ومدعوم بشحنة إعلامية لا يمكن إنكارها.. ( ولا أنسى هنا ذكر الشابات أيضا، فالاستفزاز سواء..).

ولكن الشاب عندنا لا يزال يمكنه – بصعوبة، أقر بذلك- أن يغض البصر ويتحصن بالأمر الشرعي.. دون أن يتهم من قبل أقرانه “بالشذوذ الجنسي”.. ستكون هناك أقوال أخرى متهكمة ( مُطوَّع ؟ معقد ؟ شيخ ؟ ) ولكن الأمر لن يصل لاعتباره شاذا (آمل أن أكون على صواب.. وأن التدهور لم يصل لهذه النقطة بعد)… هناك عموما “تفهم” للأمر ناتج عن معرفة مسبقة بالأمر الشرعي ولو حتى مع عدم الالتزام بالأمر..

لكن هذه أمريكا: الأمر هنا غريب لهذه الدرجة، ولا علاقة له بكون الدين السائد هو دين آخر غير الإسلام، لأننا نعرف أصلا أن تعاليم السيد المسيح بهذا الشأن (التي لا تزال موجودة في الإنجيل المتداول ) أشد مما هي عندنا، ولكن الدين كله تم وضعه في زاوية معينة وظيفته الأساسية هي التخفيف من ضغوط الحياة المعاصرة لا أكثر ولا أقل ( وهي نفس الزاوية التي يسعى البعض لجعل الإسلام فيها )، وبالتالي فان الحديث عن غض البصر لن يكون له موقع من الإعراب في وظيفة كهذه.. وهكذا فان شابا أمريكيا مسلما قد يتمكن من الإفلات من الزنا، ومن ” المواعدة”، ومن ضرورة أن يكون له صديقة، ولكن أن “يغض بصره ” كلما مرت فتاة، ومع سبق الإصرار والترصد، فانه سيضع نفسه أمام محيطه وأقرانه في وضع حرج: سيعدون وضعه غير طبيعي: إما شاذ جنسيا…. أو “لا شيء ” جنسيا .. لكن أحدا لن يفهم أنه يحاول الالتزام بأوامر دينه، وأنه يحاول قدر الإمكان إبعاد الحطب عن نيران غرائزه..

والوضع الطبيعي لأي شاب طبيعي – عندما يواجه تهمة “اللاشيء “جنسيا هي أن يثبت العكس، كما يكون الأمر أشد وطاة عندما يتهم بالشذوذ، فإنه سيحاول حتما أن يثبت العكس بطريقة أشد..

جوابه هذا، على بساطته أنهى الأمر بالضربة القاضية، لم يعد هناك ما يقال بعدما قال ما قال..

بعبارة أخرى، من بين كل ما يمكن غض النظر عنه، فإن ملاحظة هذا الشاب لا يمكن غض النظر عنها إطلاقا..

كنت أعرف أن هناك ميلا عند الناس للظهور بأفضل مظاهرهم وأحوالهم عند مقابلتهم لرجال الدين، وينعكس هذا على أسئلتهم التي ستبدو غالبا تدل على تقوى ( مولانا ما هو الوقت الأنسب لصلاة الضحى؟!!) وهذا الميل للأسف يقدم معطيات غير دقيقة لرجال الدين هؤلاء ويقدم لهم صورة متفائلة عن الوضع العام لجمهورهم، ولا أزال أذكر داعيا وشيخا معروفا (ألقابه تتضمن بالإضافة إلى هذا لقب العلاّمة) قال على شاشة التلفاز مرة عن إيمانه الجازم بأن تسعين في المائة من المسلمين محافظون على صلاتهم ولا يقترفون الكبائر.. وبغض النظر عن الخطأ الفادح في الرقم فإنه علينا أن ننتبه إلى أن إحاطة المشايخ من قبل ناس معينين (لديهم درجة معينة من الالتزام وبالتالي نوع معين من الأسئلة) تسهم في جعل بعضهم يعيشون في عالم أكثر مثالية من العالم الحقيقي (ما دامت أخطر الأسئلة هي عن العادة السرية فهذا يعني أنه لا أحد يزني !!، هذا عدا عن الكبائر الاخرى التي لا يتحدث عنها احد مثل أن تمضي حياتك دون أن تفعل شيئا على الاطلاق.)..

كل هذا كنت أعرفه وكنت أتصور أن أجواء الانفتاح في الحوار في الغرب ستجعل الأمور أكثر وضوحا للشيوخ والدعاة العاملين هناك، قلت لشان: لِم لم تخبر الشيخ بذلك بعد انتهاء الدرس، لِم لم تخبره أن الشاب منهم سيتهم بالشذوذ إذا غض بصره عن الفتيات..؟؟

أشار ببساطة إلى الشباب الباقين، قال لي إنهم سيتهمونه بقلة الالتزام ويسكتونه فورا.. (إذن الأمور عندنا كما عندهم، وبينما ثبتت براءة النعامة من دفن رأسها في الرمال عند استشعار الخطر فإني لست واثقا من براءتنا نحن..)

تساءل شان عن إمكانية “غض البصر ” مع زميلة تشاركه في التجارب المخبرية في الكلية، أو تشاركه في كتابة تقرير، وفي الحالتين لم يختر مشاركتها أو سواها، ولا يمكن له أن يحول الأمر إلى “دراما” بطلبه أن يكون مع زميل ذكر أو أن يكون وحده، تساءل عن إمكانية “غض البصر” في مجتمع يعتبر أن التواصل بالعين eye contact أساس من أساسات التواصل والتفاهم.. بل ويعد من دلائل الثقة بالنفس في مجتمع يقدس الثقة بالنفس!..

“شان” قال أشياء أخرى كثيرة ولعل المجال لا يتسع لها هنا، و”غض البصر” جزء يسير جدا من التحديات التي تواجه الشاب المسلم الملتزم في الغرب (وفي مجتمعاتنا السائرة بخطى متسارعة نحو تغريب يستورد أسوأ ما في الغرب خاصة)..

لكن علينا أن لا نقلل على الإطلاق من أخذ هذه التحديات على محمل الجد، ومن جعل التجديد في النظر للأمر الشرعي متوزانا بطريقة لا تعجز الشاب ولا تخرج عن الأمر الشرعي في الوقت ذاته: فلننتبه هنا إلى أن المشكلة الأساسية في “النظر” هي في الخيال الذي يعقبه، ووسائل الإعلام تشحن هذا الخيال وتجعل من الآخر ( الأنثى أو الذكر) كائنا جنسيا فحسب لا هم له سوى الجنس والجنس القذر تحديدا وهذا الأمر يكون أكثر تأثيرا على نظرتك للمرأة التي لا تعرفها ( أي النسوة اللواتي تراهنّ في الطريق أو في وسائل المواصلات ولا تملك حوارا معهن ) بينما الأمر مع من تعرفهنّ وتحتكّ بهنّ في العمل يكون أقل تأثيرا لأنك ببساطة” تعرفهن” وتعرف أنهنّ لسن “هكذا”..(الشيء ذاته ينطبق على الذكور بالنسبة للإناث)..و لا يعني هذا عدم الابقاء على حواجز و حدود واضحة في التعامل ، و لكن الخطر هنا لن يكون من مجرد النظر بل من أشياء اخرى لذا فأن غض النظر وحده لن يزيحها.

بعبارة أخرى يجب التفريق بين “النظر” في التعامل الحتمي مع الجنس الآخر في مؤسسات التعليم والعمل المختلفة وبين النظر غير الحتمي في الطريق أو سواه.. الأول سيتضمن حتما التواصل بالعين بطريقة تلقائية ( ولا داعي لإنكارها أو إنكار حتميتها، حتى الشيخ الذي كان يعطي الدرس كان يرد على أسئلة الفتيات وينظر لهنّ أثناء ذلك ) ولكن التنظير الفقهي لذلك لا يزال متأخرا عن الممارسة وهذا ما يجعل الأمر يبدو متساويا مع النظر غير الحتمي والذي يحمل الحطب الفعلي إلى نيران الخيال والشهوة.. أي الحالة الثانية التي أتصور أن غض النظر يجب أن يوجه لها بشكل حاسم.. والتوازن في كل ذلك سيقدم بديلا منطقيا عن جهود أدعياء التجديد التي تحاول إباحة التفلت تحت مسميات مختلفة (من إباحة القبلة للتخفيف عن الضغوط الجنسية! وصولا إلى إباحة الزنا نفسه تحت مسمى ملك اليمين) .. وهي الأقوال التي “تستثمر” أزمات الشباب ومعاناتهم أكثر مما تحاول مساعدتهم..

سيقول البعض إن هذه سفاسف تفصيلية تجاوزها الزمن وإن “غض البصر” سقط بالتقادم.. لكن دعونا نتذكر: “الأمر” جاء في القرآن الكريم، وليس عبر حديث مختلف في صحته أو أقوال فقهاء لكي نغض النظر عنها..

إنه القرآن.. وإذا كنا نؤمن حقا بأنه صالح لكل زمان ومكان، فعلينا أن نجد دوما امتدادات معانيه وآفاقها في واقعنا، مهما بدا الأمر للوهلة الأولى خارج فترة الصلاحية..

فلنتذكر هنا أيضا أن “غض البصر” وسيلة للتقوى وليس التقوى بحد ذاتها، لذلك جاء السياق القرآني “قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ” الحديث عن المؤمنين، وليس عن الذين آمنوا، والفرق أن الإيمان هنا صار صفة ملازمة لهم، صار وسيلة تعريفية لهم، وليس مجرد فعل ماض ارتبطوا به..

الفرق هو الإيمان الحقيقي، الإيمان بوصفه قضيةً للحياة، الإيمان الذي هو المحرك الداخلي الذي يجعل الأشخاص يبدعون وينتجون ويلتزمون، هذا الإيمان –وحده- ولا شيء سواه، يمكن أن يجعل الإنسان يترفع عن شهواته، لا أقول أن يدخل في رهبانية حرّمها الإسلام أصلا، ولكنّ إنسانا كهذا سيتمكن من غض بصره عن ما حرم الله، لأن رأسه يحلق في أفكار وقيم أعلى بكثير.. لقد ارتفع بفكره، فتمكن من غض بصره..

بعبارة أخرى، أولئك الشباب الذين تحتدم أمورهم فسلجيا في مواجهة كل هذا الاستفزاز المتعمد الذي يستنزف خيالهم وقواهم، هؤلاء يحتاجون أن نضع في رؤوسهم إيمانا بنهضة ما، إيمانا بنهضة تستمد جذوتها من القرآن الكريم.. عندها ستكون أمورهم أقل احتداما..

أي حديث يركز على “غض البصر” دون أن يمر بما سبق يشبه المفاصلة على مواصفات إطار سيارة، قبل شراء السيارة نفسها…

الحديث ضعيف و الأمة ضعيفة…

weak20linkالحديث ضعيف ، و الأمة ضعيفة..

د.أحمد خيري العمري الجزيرة نت

http://www.aljazeera.net/NR/exeres/B21D1C33-4FBF-46AF-BC2E-07C8315DC5AF.htm

بعض المفاهيم السلبية الراسخة في الثقافة الجمعية والعقل الجمعي تكون مستفزة جدا من شدة سلبيتها خاصة إذا تسترت خلف نص ديني مقدس بريء تماما من الفهم السلبي له، ويكون الاستفزاز أشد وطأة عندما يكون هذا النص الديني حديثا ضعيفا لا يستحق إلا الإبعاد والإقصاء ومع ذلك يعامله البعض كما لوكان صحيحا بل وتعامل الفكرة داخله بتقديس شديد على أساس أنها “سنة من السنن الإلهية”!.. والنتيجة النهائية لذلك هي تكريس المفهوم السلبي بدلا من استئصاله وتقويته بدلا من اجتثاثه من جذوره..

بعض الأحاديث الضعيفة قد لا يندرج ضمن ما سبق، قد تكون مجرد كلمة طيبة أو قول مأثور في فضائل الأعمال أو المزيد من العبادات.. وهذا ما جعل بعض أهل الحديث يتساهلون في أحاديث من هذا النوع.. لكن هناك أنواع من الأحاديث الضعيفة التي توحي للوهلة الأولى أنها مسالمة ولكن أثرها الخطير الكبير لا يدرك إلا على المدى البعيد المتراكم..

وهكذا، فإن حديثا ضعيفا يمرر “بدعة” شعائرية قد يكون أقل خطرا من حديث ضعيف يمرر مفهوما سلبيا إلى فكر الأمة.. فالشعيرة البدعية تكون واضحة جلية للعيان، سهلة التشخيص، وبالتالي سهلة الاستئصال نسبياً، أما الفكرة التي تدخل في تلافيف العقل الجمعي فهي تجري منا مجرى الدم ولا يمكن تمييزها بسهولة لأنها تصير بالتدريج جزءا من الرؤية.. من طريقة النظر.. من منهج الحكم على الأشياء..

كثيرة هي الأحاديث الضعيفة التي مررت “مفاهيم سلبية” وحصنتها خلف قداسة النص النبوي وصارت هذه المفاهيم مقدسة بدورها، والتجرؤ على نقاشها صار مثل الخوض في حقل ألغام تاريخية ودينية.. رغم أن الأمر كله في أساسه مبني على ما لا يمكن البناء عليه: مجرد حديث “ضعيف”..

من هذه الأحاديث حديث “كما تكونوا يولى عليكم”.. وهوحديث ضعيف ولم يخرجه إلا الديلمي ولم يصححه أحد من علماء الحديث ولست بصدد ذكر ما قاله العلماء في السند أوالمتن .. كما أني لست بصدد ذكر ما قاله بعض المختصين فيما يتعلق بالصياغة اللغوية للحديث المخالفة للسان العرب والمشهور في قولهم فيما يتعلق بحذف النون من الفعل “تكونوا”، لكني أودّ أن أذكر أن هذا الحديث صار جزءا من العقلية التي تربينا عليها: عقلية عدم محاسبة الحاكم أو ولي الأمر.. عقلية تجعلنا مستعدين لتقبل أخطائه وكوارثه على أساس أن لدينا نحن أيضا مساوئ وخطايا حتى لوكانت من نوع آخر…. صحيح أن بعض من يستعمل “الحديث” يهدف إلى أن يبدأ الناس بإصلاح أنفسهم كخطوة أولى.. لكن هذا في واقع الأمر يشبه الدخول في حلقة مفرغة: فإصلاح المجتمع يتطلب دوما القيام بخطوات قد يرفضها ويحبطها “ولي الأمر” السيئ الذي تولى أمرنا لأننا نستحق ولايته – بحسب فكرة الحديث الضعيف -.. (لا أعتقد أني بحاجة إلى أمثلة وشواهد هنا للتوثيق ).. يجب أن لا ننسى هنا أن “ولي الأمر” يلعب دورا يشبه دور القدوة أوالمثل للجماهير سواء كان ذلك بطريقة واعية أوغير واعية.. وعندما يكون ولي الأمر ( أوالحاكم، أو الرئيس.. أي تسمية أخرى) حازما جادا في عمله فإن ذلك ينعكس على الجماهير التي يحكمها، والعكس صحيح أيضا: عندما يكون لاهيا، عابثا.. فإن ذلك ينعكس حتما ولوعلى نسبة معينة من الشعب الذي يحكمه.. وهكذا فإن المثل العربي السائر(الناس على دين ملوكهم) يعبر عن ملاحظة لظاهرة بشرية صارت اليوم تدرس في علم النفس، بل صارت جزءا أساسيا مما يعرف بعلم نفس القيادة (Leadership psychology ).

الآلية التي يحدث عبرها تقليد الجمهور للقائد أو اتباعه آلية معقدة وتشمل ما هوأعمق من مجرد الإيمان بالزعيم أوالخوف أو التملق أو الرغبة في السلطة.. فهذه تحدث في الجزء الواعي من السلوك، لكن جزءا عميقا من اتباع القائد أوالزعيم يعود لجذور نفسية عميقة تعرف في علم النفس التحليلي باسم الانتقال Transference حيث يسقط الجمهور ” طاعته ” تجاه القائد نحو رمز آخر، أبوي غالبا، بطريقة لا شعورية ومنفصلة عن مشاعره الواعية تجاه هذا القائد.. وهذا يفسر ما نعرفه تماما من سلوكيات ” محيرة ” يقترفها أشخاص نعرف جيدا كرههم للزعيم ولكنهم في ساعة معينة يتصرفون بطريقة معاكسة تماما وتظهر منهم مبالغة في الطاعة العمياء..

غالبا ما يفسر ذلك بأنه الخوف من “البطش”.. لكننا نعرف أكثر من غيرنا أن البطش قد يفسر السكوت عن الحق ولكنه لا يبرر المبالغة في إظهار الطاعة.. هل هو مجرد النفاق والتملق؟ رغم أن هذا وارد أيضا إلا أنه لا يكفي لتفسير الظاهرة عند نسبة كبيرة من الجمهور الذي لا يمكن اتهامها بالنفاق بهذه السهولة..

إذن علاقة الجهور بالقائد ملتبسة ومعقدة وتشبه العلاقة بين البيضة والدجاجة في السؤال الشهير.. واختصار ذلك بمقولة خاطئة ومنحها القداسة عبر نسبتها اليه عليه الصلاة والسلام أمر خاطئ علميا وأخلاقيا وقبل كل ذلك شرعيا.. فضلا عن اعتبار ذلك كله “سنة من السنن الإلهية”..!

من ناحية أخرى، التاريخ يكذب هذه السنة المزعومة، فالناس الذين تولى عليهم عمر بن عبد العزيز – كمثال لا خلاف عليه لولي الأمر الصالح- هم ذاتهم الذين تولى عليهم من سبقه ومن خلفه.. لم يتغيروا.. ولا يمكن الزعم أن الناس تغيروا بمجرد إعلان البيعة لخليفة جديد..

الشيء ذاته ينطبق على حكامنا المتعاقبين في التاريخ المعاصر: فهم ليسوا سواء في ( الخير أوالشر!) ولا يمكن التصور أن شعوبنا قد تغيرت( إلى الأفضل!) بمجرد سماعها “البيان رقم واحد”..

لا أنفي هنا أهمية التغيير الشامل والتغيير من القاعدة فذلك لا خلاف عليه ولكن ذلك لا يعني أن معادلة التغيير الشامل يجب أن تقصي دور القائد وتركز على الجمهور فحسب.. ولكن عملية التغيير الشاملة معقدة وتشمل البنيتين الفكرية والاجتماعية وتشمل أيضا القائد الذي قد يشارك في قدح زناد التغيير..

مقولة “كما تكونوا يولى عليكم “- والتي أنتجت بدورها مقولات أخرى تقدم المعنى نفسه بلغة معاصرة- تسطح كل ذلك وتشوهه وتقدم تفسيرا جاهزا لكل ما يفعله الحكام وأولياء الأمور.. وتقدم بالتالي تبريرا لأفعالهم بحجة أن الأمر “سنة إلهية”!

كيف انتشرت مقولة كهذه رغم معارضتها لأحاديث صحيحة (حديث كلمة حق عند سلطان جائر وحديث تغيير المنكر على سبيل المثال لا الحصر) بل وآيات قرآنية كثيرة تحث على التغيير؟ كيف صارت مقولة كهذه جزءا من منظومة التفكير وهي تنسب له عليه الصلاة والسلام الذي كانت كل حياته نموذجا يدحض هذا المفهوم؟

لا ريب أن بعض المؤسسات التي استفادت تاريخيا من مفاهيم سلبية كهذه كان لها – ابتداء- دور في الترويج لمثل هذه الأفكار.. لكن هناك عامل آخر أزعم أنه أقوى وأكثر تأثيرا من ذلك: إنه العامل السلبي الموجود في النفس الإنسانية الذي سُمي في علم النفس بعامل الانحياز للسلبNegativity biases والذي يفسر الكثير من الظواهر الإنسانية المعروفة..

مفهوم سلبي كمفهوم (كما تكونوا يولى عليكم ) يقدم لمعتنقيه راحة وأمانا مزيفين: إنه يقنعهم أن لا داعي لمسائلة الحاكم لأنه في النهاية جزءٌ من سنة إلهية.. جزء من العقوبة الإلهية التي يستحقها الناس، ولذلك فالمواجهة معه خاسرة حتما حسب هذه المفهوم (من يجرؤ على مواجهة السنن!؟) مالم يتم إصلاح الطرف الأول من المعادلة المزعومة، وعندما يتم ذلك فالمواجهة لن تحدث لأن المفهوم يوحي بأن ولي الأمر سيصلح تلقائيا ( سيتوب مثلا، أوسيموت بنوبة قلبية ويخلفه من هوأفضل..)..

لا أدعو هنا إلى “الثورة” بمعناها  خلط عندنا للأسف بمفهوم الانقلاب، بل أدعو أيضا إلى ثورة ضد مفاهيم كهذه ، لأنها المادة الخام لكل مظاهر الاستبداد، لأنها تقدم التربة الخصبة التي تجعل أي مستبد (سواء تخفى خلف العلمانية أوالديمقراطية أوالإسلام) يستبد أكثر وأكثر..

دعونا لا ننسى أن حكامنا لم يأتوا من كوكب آخر، بل نشؤوا ضمن نفس المنظومة الثقافية التي نشأت فيها شعوبهم، لقد رضعوا هذه المفاهيم كما رضعتها الجماهير: فإذا ما صاروا قادة وزعماء( بهذه الطريقة أوتلك!) تصوروا أن شعوبهم تستحق ما تنال.. ولذلك فاستئصال هذه المفاهيم ونزع الشرعية المزورة عنها هو أمر لا بد منه من أجل مستقبل خال من الاستبداد..( أو على الأقل أقل استبدادا..!)

أمران لا بد من الاشارة إليهما هنا: كلما جرّ بعض الحكام المصائب والويلات على شعوبهم كنت أرى البعض (من شعوب أخرى) يمصمص الشفاه ويتحسر قائلا: “كما تكونوا يولى عليكم!” ويتضمن هذا إدانة جماعية لتلك الشعوب وهي إدانة ظالمة وفيها تعميم غير عادل، وفي الوقت نفسه تمنح هذه الإدانة نوعا من الراحة للقائل، إنه يقول ببساطة إن هذه الشعوب تستحق ما يحدث لذا فلا داعي للحزن أو الألم ناهيك عن المساعدة..

سؤالي هنا هو: هل شعوبنا سيئة لهذه الدرجة لتنال ما نالته؟ وإذا كانت الإجابة بنعم، فلم لا يكون هذا قد حدث نتيجة لتسلط هؤلاء الحكام، وليس تسلط الحكام هوالذي نتج عن سوء الشعوب..؟

بل لماذا لا تكون الشعوب سيئة لوجود هذه المفاهيم أصلا، ووجود من يكرسها ويروج لها بدلا من أن يحاول استئصالها وينزع زورها المنسوب إليه عليه أفضل الصلاة والسلام..؟

الأمر الثاني: إن نقد مظاهر الحياة الغربية ومسلماتها لا يعني على الإطلاق التسليم بكل ما في تراثنا، ففي تراثنا أيضا سلبيات تراكمت وتكاثرت عبر القرون وتمكنت بعض هذه السلبيات من إيجاد قداسة وهمية عبر حديث ضعيف هنا أوموضوع هناك أو نص صحيح مجتزئ من سياقه على طريقة (لا تقربوا الصلاة).. بعض هذه السلبيات لم تنمُ أصلا ولم تزدهر إلا في فترات خمول الحضارة الاسلامية وانهيارها.. لكن وضع التراث كله في “سلة واحدة” يجعلنا لا نميز كثيرا بين ما يمكن استثماره في النهضة و بين ما يجب اجتثاثه من أجل النهضة ..و الحديث المذكور ليس سوى مثال بسيط على كوم من الأحاديث الضعيفة وما شابهها التي مارست دورا تخريبيا في بنية الأمة.

مشروع النهضة الحقيقية التي نحتاجها لا يمكن إلا أن يتأصل عبر نصوص صحيحة ثابتة، وهو المشروع الذي عليه ألا يتهاون في اجتثاث كل ما هو دون ذلك مهما كان محصنا بالأعراف السائدة .. أي تهاون في ذلك يشبه البذار في حقل لم تعزق أعشابه الضارة جيدا، سينتهي الأمر بالأعشاب وهي تزاحم البذور الجديدة في غذائها وهوائها.. ومن ثم تنتهي بقتلها…

وإلى حين ذلك، ستبقى المفاهيم السلبية بقداستها الوهمية تنخر جسد الأمة وتمنعها ليس من فاعليتها ودورها فحسب ، بل تقلل من مناعتها وتجعلها بالتالي أكثر عرضة للتغريب بكل أشكاله. .

(رمضان كريم) برعاية شركات الملأ المعاصر!

(رمضان كريم) برعاية شركات الملأ المعاصر!

د.أحمد خيري العمري

( ..نشر في السنة الماضية في القدس العربي.. و نعيد نشره اليوم)burger_king_ramadan11

عندما تنفصل الشعيرة عن معانيها، فإن ممارسي هذه الشعيرة لا يسقطون بالضرورة في مجرد (اللا معنى)، بل قد يحدث ما هو أكثر من ذلك، من السقوط في معنى مغاير تماماً، بل في” المعنى- النقيض” بالضبط.

يحدث ذلك مثلا مع الصلاة، التي أراد لها شارعها أن تكون إقامتها وسيلة لبناء الإنسان كي يساهم في بناء العالم وإقامته على أسس أكثر عدالة، فإذا بها تتحول، عند مفارقة هذا المعنى، إلى وسيلة لإبقاء الوضع على ما هو عليه، باعتبار أنها تكفر الذنب الحاصل بين الصلوات، حتى لو كان الذنب يشمل الحياة كلها ومعناها والطريق الذي يسير فيه الفرد المصلي..

لكن هذا الانفصال عن المعنى، المؤدي إلى السقوط في معنى نقيض، يتوضح بصورة  جلية في شعيرة أخرى، هي الصيام؛ فالانفصال عن المعنى الجوهري في شعيرة الصيام، وهو معنى متضمن بوضوح في معنى الفعل صام أي (أمسك- انقطع) الذي اختفى تماما ًأدى إلى تحول الشعيرة إلى مناسبة احتفالية، يختفي فيها معنى (الانقطاع)، ويحل معه معنى يشجع على المزيد من الاستهلاك…

 كيف حدث ذلك مع رمضان؟ حصل أولاً ذلك الانفصال عن المعنى – الجوهر في الشعيرة، التي عندما نجردها من تفاصيلها الفقهية، نجدها تتمحور حول الانقطاع عن الأكل والشرب والعلاقة الزوجية(=الجنس)، ولو لفترة زمنية محددة.

نلاحظ هنا أن الانقطاع هو عن الأشياء الثلاثة التي لا يمكن للجنس البشري الاستمرار من دونها، إنها الأضلاع الثلاثة التي تكون المثلث الأدنى الذي نشترك فيه مع معظم الحيوانات الأدنى في سلم مخلوقاته عز وجل، وهو المثلث الذي لا يحقق الإنسان إنسانيته إلا عبر الخروج منه.. وإلا بقي”إنساناً ببعد واحد ” – والتعبير أستعيره من هربرت ماركيوز- بينما الخروج من هذا القفص المسطح يمنح الإنسان أبعاداً أخرى يحقق من خلالها إنسانيته..

 الانقطاع الشعائري هذا (= الصيام) هو انقطاع يميزنا عن بقية الحيوانات (التي لا تفعل شيئاً كهذا بالمناسبة) ، وهو انقطاع في الوقت نفسه، يعلمنا الخروج من هذا القفص المثلث الأضلاع، ذي الأبعاد المسطحة، إلى أفق يكمل الإنسان فيه، بإرادته، ارتقاؤه بعيداً عن بقية المخلوقات التي تعجز أصلاً عن الخروج من هذا القفص.. الانقطاع الشعائري هنا، يذكرنا، في جوهره أن هذه الأضلاع الثلاث مجرد وسائل لا غايات بحد ذاتها، أي إننا لا نحيا لكي نأكل ونشرب ونمارس الجنس كما هو حاصل ومتحقق في المعنى الأضيق والأكثر رواجاً  للحياة، على العكس من ذلك، يجب أن تكون هذه الأبعاد الثلاثة – وسائلَ – لا غايات.. وسائل من أجل صنع حياة تتجاوز هذه الأبعاد إلى تحقيق الغاية من الحياة نفسها…

عندما نقطع شعائرنا عن تلك الأبعاد، فإننا نتلمس تلك الأبعاد الأخرى غير المرئية التي يمكن لنا أن نكون من خلالها.. أبعاد تبعدنا عن البعد المادي السطحي المباشر الذي نشترك فيه مع الحيوانات.

الذي حدث ليس فقط أننا ابتعدنا عن هذا المعنى العميق (والبسيط في آن، بالمناسبة)، عبر اعتبار الصيام مجرد “هدنة مؤقتة” نستأنف بعدها الغوص حتى الأذنين في فخ الأبعاد الأكثر تسطيحاً، بل إننا انغمسنا فيما هو أسوء… فإذا كان الصيام هو انقطاع شعائري عن ضروريات الحياة، أفلا يكون من باب أولى انقطاعاً عن غير الضروريات، عن تلك الكماليات التي جعلتها ماكنة الإعلام تبدو كما لو كانت أساساً من أساسات الحياة؟..

وهكذا تحول رمضان، من شهر الانقطاع عن الضروريات المادية من أجل الخروج بالإنسان من أبعادها المسطحة إلى الأفاق المتعددة الأبعاد، إلى شهر يصير فيه الاستهلاك العلامة الأكثر تميزاً وبروزاً، وسقط الشهر الفضيل في أسر الشركات عابرة القارات، التي استثمرت الشهر لتجعله وسيلة لإنماء النزعة الاستهلاكية، مستغلة النصوص الدينية عن فرحة الصائم، التي هي فرحة خروجه من أسر الأبعاد الثلاثة، لتحجمها وتقزمها وتحولها إلى فرح سطحي عابر بمنتج ما أو سلعة تسوقها وسائل الإعلام وماكنة الدعاية، حتى صار  من خارج نطاق المفكر فيه، أن نفصل رمضان، عن التسوق له، (باعتبار أن الانقطاع عن الطعام والشراب صار مجرد هدنة هدفها استجماع القوى للمزيد من الاستهلاك)  أو أن نفصل العيد عن التسوق للعيد، باعتبار أن العيد لا يمكن أن يكون عيداً دون أن يتسابق الجميع لإثبات مقدرتهم الشرائية.. ومزيداً من ضخ الأرباح في جيوب وأرصدة كبرى الشركات العالمية، التي صار خبراؤها، يتحدثون صراحة عن استخدام أكثر الوسائل فاعلية من أجل (تحويل رمضان إلى موسم لعيد الميلاد) “of   Ramadan  Christmasization حيث إن عيد الميلاد – الكريسمس – تحول ومنذ عقود، بواسطة سطوة الإعلام الذي تسيطر عليه المؤسسات والشركات الكبرى، إلى الموسم الأهم لزيادة الأرباح، بحجة شراء الهدايا احتفالاً بعيد ميلاد السيد المسيح !

وهكذا تم تأميم الشهر الفضيل عند البعض ، وصار موظفاً عند الشركات المصدرة للسلع (غالبها أجنبية طبعاً)، وزاد القفص ذي الأبعاد الثلاثة بعداً رابعاً هو بعد النزعة الاستهلاكية، وبعد أن كان القفص السابق يجعلنا نعيش لنأكل، ونعيش لنشرب، ونعيش لنمارس الجنس ( = أي نعيش لنمارس غرائزنا، ككل الحيوانات لا تفقه من حياتها غير غرائزها).. تم “غرس” غريزة جديدة  بكل ما في ماكنة الإعلام من قوة: إنها غريزة التسوق والاستهلاك…

 و هكذا صرنا، بالإضافة إلى كل ما سبق، نعيش لنتسوق..! وصار التسوق ركناً أساسياً من أركان الهوية الإنسانية الجديدة، وغريزة جديدة من غرائزنا، وصار التسوق، وامتلاك المزيد من السلع (غير الضرورية غالباً) سمة أساسية يتم بها تعريف الإنسان المعاصر.. صحيح أن هذه النزعة (غير مشتركة) مع الحيوانات، ولكن هذا (التميز) لا يمنح الإنسان رقياً عنها بالضرورة، ولا يجعله إنساناً أفضل.. لكنه بالتأكيد يجعل أرصدة الملأ الأعلى المعاصر – المتحكم بمصائر الـ 90% من العالم- في وضع أفضل ..وأكثر امتلاءاً..

الذين لم يولدوا بعد : هدية شهر رمضان المبارك

للدعوة أشكال لا تنتهي ..و كلما ظهرت تقنية جديدة ، أو نمط جديد في التواصل ، ظهر في أمة محمد -عليه الصلاة و السلام -من يسخرها لخدمة هذا الدين و نشر الوعي به..

هكذا كان الامر مع ظهور شرائط الكاسيت أول مرة ، و مع ظهور الفيديو ، و مع ظهور الاقراص الليزرية ، و الفضائيات ، و الانترنت ..كل هذه أدوات ووسائل ، يستخدمها أصحاب الاهواء لنشر أهوائهم ، و يستخدمها عباد الله لنشر كلمة الحق..

لا جديد  في كل هذا ، لكن مناسبته ان مجموعة من الفتيات الفاضلات ، الناشطات على الفيس بوك (لهم صفحة رائعة اسمها ربانيون)، قمن مشكورات بمفاتحة دار الفكر  للموافقة على وضع كتاب “الذين لم يولدوا بعد” للتحميل المجاني طيلة شهر رمضان المبارك..و لقد تفضل الاستاذ عدنان سالم حفظه الله بالموافقة مشكورا على الامر جزاه الله عنا و عن المسلمين كل خير..

و كتاب “الذين لم يولدوا بعد” هوفي الحقيقة كتيب من سلسلة “ضوء في المجرة ” و رمضان هو محوره الاساسي

و نحن إذ نستضيف الكتاب كاملا هنا كهدية لكل القراء نذكرهم بضرورة الالتزام المعنوي  و الاخلاقي بان لا يتجاوز استخدامه فترة الشهر الفضيل ، أي أن لا يقوم أي أحد بوضعه في موقع آخر من مواقع التحميل التي لا تراعي حقوق النشر ، فالامانة في النهاية موقف و التزام و ليس مجرد شعار نتشدق به..

و قبل ان نقوم بتحميل الكتاب أرجوكم الدعاء لفقيدة نسأل الله ان يتغمدها في رحمته ، و هي الفقيدة أروى الشابندر ، و كانت من ناشطات الموقع ، و قد توفت اليوم أثر حادث مؤسف ، كما نسأل الله عز و جل أن يلهم زوجها الصديق فاروق الجبوري و والدتها و شقيقها الصبر و السلوان..

 

الكتاب للتحميل  اضغط على    notbornyet4

البرمجة اللغوية العصبية ..و الاتجاه المعاكس : بقلم سهير علي اومري

البرمجة اللغوية العصبية…. والاتجاه المعاكس

سهير علي أومري

-      تعلَّمَ مبادئ التحكُّم بالذات فلم يكترث لنكبات أمته ولا لنكساتها ولم يتعاطف مع دمعة سالت ولا قلب جرح….

-       تعلَّمَ مبدأ الفصل…. فأصبح يشعُّ تقوى وإيماناً حتى إذا ما حلّ الظلام مضى متستراً برداء الليل الأسود وهو ذاهب لقضاء ليلة حمراء… ثم يعود في الصباح ذاك التقيّ الورع دون أن يخالجه أدنى اضطراب نفسي أو شعور بالذنب …

-      تعلَّمَ أن يبتعد عن جلد ذاته فها هو مبتسم سعيد على الدوام غير مبالٍ بعدد القلوب التي كسر ولا عدد النفوس التي حطّم….

-      تعلَّمَ أن الناس على أنواع سمعيين أو  بصريين أو  حسيين وعرف أن زوجته حسيّةٌ تماماً فأصبح يتقن فنّ خداعها لإخفاء خياناته المتكررة.

-      تعلَّمَ كيف يعزّز دائماً ثقته بنفسه ولا يستسلم للصعاب… فها هو يصرُّ على موقفه الظالم، ويدافع عن  نفسه حتى الموت وكل ذلك بهدوء وثقة واتزان…

-      تعلَّمَ أن يكون مبتسماً على الدوام فأتقن هذا الفنّ، وخاصة عند بكاء ضحاياه.

-      تعلَّمَ أن يكون مبتسماً على الدوام حتى عندما تحل النكبات بأمته أو يهدد الأعداء وطنه….

-      تعلَّمَ أن يلوم نفسه ولا يتوجه باللوم على الآخرين، ومنذ ذلك الوقت وهو يلوم نفسه كيف تزوج بهذه المرأة التي قضى معها ما يقارب عشرين عاماً وأنجب منها خمسة أولاد….

-      تعلَّمَ أن ينسلخ من واقعه وينظر للأمور من خارجها عندها شعر بالراحة تجاه المبلغ الكبير الذي تقاضاه رشوة لأنه رأى كل من حوله يفعلون مثله…..

-      تعلَّمَ أن يردِّد كل صباح: أنا سعيد، أنا غني، أنا شخص مفيد ونافع،… ثم غدا في طريقه كعادته ليجلس في المقهى، فيدخن ويلعب الورق حتى وقت متأخر من الليل…

-      تعلَّمَ كيف يكسب جليسه بالتوافق والتطابق في حركاته ومفرداته فتمكن من تسويق بضاعته الفاسدة بمبلغ كبير وربح باهظ….

-      تعلَّمَ أن يتعامل مع الناس وفق مبدأ win win أي اربح تربح فها هو قبل أن يقدّم معروفاً يحدد كيف ستكون طريقة السداد….

-      تعلَّمَ مبدأ التفويض في المهام فها هو يكلف زوجته وأولاده بكل أعباء الحياة ويتفرغ هو للعبادة والذكر والدعاء، وهو مرتاح الضمير هادئ البال…

-      تعلَّمَ كيف يتخلّص من مشاعره السلبية بكتابة ما يزعجه على ورقة، ثم القيام بحرقها بعد تمزيقها…. فكانت آخر ورقة أحرقها تلك التي سطّرها بدموع آخر فتاة عرفها….

-      تعلَّمَ أن تكلُّف السلوك والمثابرة يولّد الإحساس والشعور لذا لم يكن أمر اندماجه في مجتمعات غريبة عن قيمه ومبادئه أمراً صعباً، فذلك لم يكلفه أكثر من أن يتكلف تقليدهم في لباسهم وطريقة كلامهم وأسلوب تفكيرهم فترة من الزمن…

-      تعلَّمَ كيف يُحدِث لنفسه رابط فرح وابتهاج، فها هو ينظر لضحيته المضرجة بالدموع فيبتسم سعيداً ويمضي فرحاً منتشياً… هكذا يفعل بعد انتهاء كل علاقة…

-      تعلَّمَ مبدأ التقبّل الإيجابي لذاته والإيمان بقدراته فاقتنع أن مديره شخص فاشل، وهو أصلح منه لهذا المنصب، كما أنه جدير بأن يفوز بالزواج من فلانة بدل ذاك الذي حظي بها… ثم مضى لتحقيق أهدافه….

-      تعلَّمَ كيف يستعمل المفاتيح العشرة للنجاح فها هو يتنقل في سلم النجاح مرتبة تلو مرتبة… وكان آخر نجاح حققه عندما نال مبلغاً لا يحلم به مقابل توقيع صغير جرّه بقلمه على ورقة لبثت على مكتبه أياماً عديدة….

-      تعلَّمَ كيف يستعمل القبعات الست للتفكير فمضى في رحلات صيده وقنصه واثقاً من نفسه بادئاً بالقبعة الزرقاء، فيضعها ليقرر أي قبعة سيستخدم، ثم يضع القبعة الخضراء ليبدع في ابتكار أساليب الغش والخداع والمكر، ثم يضع القبعة الحمراء ليزين أساليبه بالمشاعر المزيفة التي يسيطر بها على فرائسه، ثم يضع القبعة البيضاء ليحدد واقع الحال وما آلت إليه الفريسة بعد أن تم خداعها واستسلامها وما يمكنه قنصه منها، حتى إذا تم له ما يريد يضع القبعة الصفراء ليشعر بتفاؤل كبير بنجاحاته وانتصاراته، وبهذا يكون قد شارف على نهاية المطاف، فيبادر ليضع القبعة السوداء مدافعاً عن نفسه ملقياً باللوم على فريسته، ثم يمضي غير آبه ولا وجل سعيداً بمهارته في استخدام قبعات التفكير الست ذات الفوائد الألف….

·       ملاحظة:

كلامي ليس على سبيل التعميم أبداً، بل هو وصف حقيقي لبعض ممارساتٍ لبعض مَن تعلّموا هذا العلم وتمكّنوا منه وربما كانوا مدربين فيه ومجيزين لبعض مستوياته…. وقد سُئل الشيخ الشعراوي رحمه الله تعالى: أفي بيتك تلفاز؟ فأجاب نعم.. وفي بيتي سكين أيضاً.. استغرب السائل وسأله عن علاقة السكين بالتلفاز، فوضح له أن كلاً منهما سلاح ذو حدين فهو يستخدم السكين لإقراء الضيف وليكون في مهنة أهله، وربما استخدمها غيره للقتل، والتلفاز كذلك..

·       خلاصة قولي: إن كل ما بين أيدينا من علوم ومعارف ووسائل اتصال وتكنولوجيا شأنها شأن السكين يمكن أن تكون أداة نفع أو أداة قتل…. وكل أداة وكل علم صاحبه الإخلاص أخذ بيد صاحبه، وكل أداة وكل علم صاحبه الرياء هوى بصاحبة إلى أسفل سافلين..

 

استعدادا لشهر رمضان ، لنتذكر معنى الصوم :د.أحمد قطشة

bright-rainbow-clouds2استعداداً لشهر رمضان، لنتذكر معنى الصوم

د.أحمد قطشة

كما هو معلوم، أيام قليلة ويطل علينا شهر كريم، فيه أحد أهم العبادات، العمل الصالح فيه له نكهة خاصة، شهر ليله ونهاره سواء، فرصة مفتوحة للتقرب لله عزوجل، وهو شهر العمل، وليس شهر النوم والكسل، فيه وقعت معركة بدر الكبرى، وفتح مكة، ومعركة حطين، وقعت عندما كان الناس يعرفون معنى الصيام.

 

كثير منا بدء صومه وهو في سن صغير من العمر، تعلمنا حينها أن الصوم هو عدم الأكل والشرب، وكثيراً ما كنا نتفاخر بصيامنا ليوم كامل أمام أصحابنا، حتى لو لم نكررها في اليوم التالي، وللآسف منذ ذلك الوقت، فإن مفهوم الصيام إنحصر في الامتناع عن الطعام والشراب، ولم يستطع كثير منا، إلا من رحم ربي، معرفة المعاني الحقيقية للصوم، لدرجة أن طفلاً لو سألنا لماذا نصوم؟ لأجبناه: لكي نشعر بالفقراء والمساكين. ومن حسن الحظ أن هذا الطفل لا يتبادر لذهنه سؤال من قبيل: ولماذا إذاً الفقراء والمساكين يصومون؟ أو لماذا أيضاً الامتناع عن الماء؟ فهو متوفر في أي جامع مثلاً.

 

لنتحدث بداية عن ضرورة الاستعداد لهذا الشهر، ولماذا يجب أن يكون ذلك قبل بدءه، فكما تعرفون قصة الصحابي حنظلة الذي أتى رسول الله يبكي ويقول لقد نافقت، وعندما سأله عليه الصلاة والسلام : قال: (يا رسول الله! إذا كنا عندك كأننا نرى الجنة والنار رأي العين، فإذا ذهبنا إلى أهلينا وأولادنا وعاشرنا النساء والضياع نسينا. قال: لو تكونون كما كنتم عندي -أي: لو بقيتم على هذه الحالة- لصافحتكم الملائكة في الطرقات ).

أقول هذا حال صحابي بين يدي رسول الله ،فما حالنا نحن؟ لعل قلوبنا دقائق وأيام وليس ساعة فساعة، من أجل هذا لا بد من الاستعداد لمثل هذه المواسم العظيمة، فكيف إذا كان موسم تُعتق فيه الرقاب من النار، ألا يستحق الاستعداد له؟

 

قد يقول قائل: الشهر 30 يوماً، دعنا ننهي الملذات قبل الانقطاع، وخلال الشهر ندرك الأجر، فأقول وماحال من سيتوفاه الله أول ليلة من الشهر، هل أدرك العتق من النار بقيام أول ليلة فقط، وكان قبل ساعات قليلة يلهو ويتمتع ، ثم علم بدخول الشهر، فوقف في المسجد يصلي التراويح. لا أعتقد أن الامر بهذه البساطة.

 

بعبارة أخرى، يجب أن يكون هدف كل منا، العتق في أول ليلة من رمضان، فإن لم يتحقق في أول ليلة، كان الهدف ثاني ليلة، وهكذا حتى يتحقق بفضل الله، عندما يرى من المرء اجتهاده وحرصه، فلا أحد يدري ساعة المنية متى تكون، ولا أحد يضمن العيش حتى يدخل رمضان، فهذا أولاً.

 

الله سبحانه  وتعالى عندما فرض العبادات والطاعات، جعل في كل منها هدفاً واضحاً يمكن الوصول إليه وقياسه دنيوياً، فقال سبحانه عن الصلاة (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ) [العنكبوت : 45] ، وبالتالي من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فعليه أن يراجع صلاته، وقال سبحانه عن الزكاة والصدقات(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا) [التوبة : 103]، فمن لا يشعر بأنه يتطهر عند التصدق، ومن لا يشعر ببركة رزقه رغم حرصه على الزكاة، فعليه أن يراجع نفسه مرة أخرى.

 

والصوم ليس بخارج عن هذه القاعدة، ففي القرآن الكريم نقرأ في أول آية للصوم قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة : 183]، وفي سورة البقرة أيضاً في آخر أيات الصوم نقرأ (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) [البقرة : 187]، فكما هو واضح وكما يعرف الكثيرون الأمر إذاً متعلق بالتقوى.

 

لكن ماهي التقوى؟

تقليدياً تعلمنا أنها أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية، وتقليدياً أيضاً يعني هذا الكلام الابتعاد عن المعاصي و المنكرات، وهذا صحيح، لكن في القرآن التقوى لديها معنى آخر أيضاً.

 

يقول تعالى في أول سورة المائدة (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ )[المائدة : 2]، في هذه الآية يأمرنا الله بالتعاون على البر والتقوى، وينهانا عن التعاون على الإثم والعداون، ثم يأمرنا بالتقوى مرة أخرى، هذا الأمر بالتقوى يكون تعريفه أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية، لكن ماذا عن التقوى الأولى، يأمرنا الله بالتعاون على البر، وهو كل حسن، وينهانا عن التعاون على الإثم وهو كل خطيئة،فهما ضدان البر والإثم،  ويأمرنا بالتعاون على التقوى وينهانا عن العدوان، فالتقوى إذاً هي مقابل العدوان.

 

أي عدوان؟ وعلى من؟ بطبيعة الحال أي عدوان على أي أحد نحن منهيون عنه، وأي أحد تشمل أيضاً العدوان على أنفسنا، وهو العدوان الذي يطرد التقوى، هو العدوان على النفس، بتركها لشهواتها ورغباتها، لا يملأها إلا التراب، هذا العدوان الذي يُهلك والعياذ بالله.

 

فهمنا الآن معنى التقوى بأنها ضد العدوان على النفس بالمعاصي، فما علاقة ذلك بالصوم؟

 

لنعد لمعنى كلمة الصوم باللغة العربية، فالصوم لغة تعني الامتناع والإمساك، عن أي فعل، حتى ولو كان من الكلام، كما في القرآن الكريم عن مريم عليها السلام (إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً) [مريم : 26]، فهو إذاً  الامتناع، وشرعاً هو الامتناع عن الأكل والشرب، وما يفطر خلال نهار رمضان.

لكن ما علاقة الطعام والشراب بالتقوى، وهل إذا امتنعت عن الأكل والشرب، سأصبح تقياً؟ بالتأكيد لا، فالامتناع عن الطعام والشراب، ماهو إلا رمزٌ فقط، للامتناع الأكبر عن المعاصي والشهوات، وهذا الأخير هو الذي يحقق التقوى، وليس عدم الأكل والشرب، بل إن  الامتناع عن الأكل والشرب، لا حاجة له إن لم يمتنع المرء عن المعاصي، كما يقول عليه الصلاة والسلام (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه)، فالحديث واضح تماماً، لا حاجة لترك الطعام والشراب، إن لم يترك المرء هذه المعاصي.

 

حسناً، علمنا الآن معنى التقوى، ومعنى الصوم، وهدف الصوم، فكيف نقيس ما أنجزناه خلال شهر رمضان، للآسف لا يمكن قياس ذلك إلا بعد رمضان، عندما ترى نفسك وتشعر إيمانك هل ينقص قليلاً قليلاً، أم دفعات ودفعات، هل تشعر بالإيمان ملأ قلبك وسيكفيك لشهور قادمة، أم حسبك أول أسبوع ولربما أول يوم من شوال، هنا نعرف هل قُبل صيامنا، وهل حققنا هدف الصيام أم لا.

 

بعد أن عرفنا كل ذلك، كيف نستعد للشهر الفضيل إذاً، بدايةً وقبل كل شيء، يجب أن نتوب لله توبة عامةً شاملة، نغسل بها ما ران على قلوبنا، طوال سنة كاملة، ويجب أن نحدث توبة خاصة لكل ذنب خاص نعرفه، ويترافق ذلك مع كثرة الاستغفار، فهذا ما يغسل القلوب ويلينها، ثم بعد ذلك، نعقد النية على أن نبلي بأحسن ما نستطيع خلال الشهر الفضيل، ليتحقق لنا العتق في أول ليلة فيه،فإن لم يكن ففي التي تليها وهكذا،  ثم بعد ذلك زيادة فعل الخيرات، من صلاة وصدقات، وإماطة الأذى عن الطريق، والتبسم في وجوه الناس وغير ذلك كثير.

 

هذا كله سيُليّن القلوب بإذن الله، ويجعلها مستعدة لجرعة إيمانية عالية، تساعدنا على البقاء متصلين برب العالمين لسنة كاملة ولرمضان قادم بإذنه تعالى.

عندما تفقد الكلمات معانيها : بقلم سهير علي أومري

عندمـا تفقـد الكلمـات معــانيها

سهير علي أومري

هل جربت أن تقرأ كلاماً بلا معنى؟!

هل سمعت يوماً كلاماً بلا معنى؟!

هل يمكن للحروف أن تلتقي فتشكل كلمات، ثم تجتمع هذه الكلمات لتشكل جملاً وعبارات، ثم تقف هذه العبارات بطلَّتها البهية لتبدو براقة لامعة، فتقترب منها معجباً بألوانها فإذا هي جوفاء بلا معنى…

عندها فقط تتساوى الكلمات كل الكلمات، فلا يعود لوجودها معنى ولا لمعناها معنى…؟!

عندما تجتمع الكلمات وتتعانق لتشكل شبكة تطبق علينا فتحوط بكياننا، وتملأ قلوبنا وأرواحنا بعد أن تعبر ممراً طويلاً أوله آذاننا وآخره كل خلية في أجسامنا لنجد بعدها أنفسنا أسرى لهذه الكلمات، وليس هذا فقط، بل تقودنا هذه الكلمات، وتسيطر على مشاعرنا وتبرمج حروفنا فننطق بكلام يشبه ما سمعناه لكنه يشبهه باللون فقط إلا أنه يختلف عنه كل الاختلاف بالرائحة والطعم والقوام…. لأننا عندما قلناه خرج حاملاً معه وهج قلوبنا ودفء مشاعرنا…. قَصَدْنَا به كل معانيه ابتداء من حروفه وانتهاء بجمله وعباراته….

عندما يستوي كلام الحب والمشاعر الصادقة وكلام المجاملة المداهنة بهدف الارتقاء بين الناس بعذوبة المنطق وحلاوة اللسان.

عندما يستوي كلام الود والوفاء والإخلاص وكلام الرياء والنفاق بهدف تحقيق المآرب والغايات.

عندها يبدو الكلام ظاهره فيه الرحمة والحب والأمان وباطنه فيه العذاب والألم والخذلان….

الخذلان لقلوب صدّقت هذا الكلام وفهمته بظاهره، ولم تبحر في خفايا مقاصد قائليه أو غاياتهم أو مآربهم…. وما ذلك إلا لأنها كانت تعتقد أن للكلام وجهاً واحداً فقط هو الوجه الذي تعنيه هي وتتوجه به إلى الناس… كلاماً واضحاً صادقاً يحمل دفء قلوبها وحرارة مشاعرها لا كلاماً ملوناً بألوان الطيف  التي تمتزج لتصبح هذه المرة لوناً أسود يحمل معه خبث المقاصد وسوء الأهداف والغايات….

عندما يصبح سبك الجمل والعبارات مهنة لها محترفوها ومتقنوها عندها فقط ستقرر أن تضع في وجه الكلام الذي تسمع حاجزاً تمنع عبوره إلى قلبك تسمعه بأذنيك وتسمح له بالعبور إلى عقلك فقط… لتفكر فيه وتمعن النظر في صفات قائليه النفسية والاجتماعية…

عندها ستقرر أن تجعل بين ما تسمع وبين قلبك سداً منيعاً لا تخترقه الكلمات مهما كانت مزينة بزخارف المعاني والتأويلات….؟؟!

عندها ستقرر أن تخرج من سجن العبارات وتعيش حياتك بكل ما تعنيها لك…

ستعيش حياتك قوياً تقول ما تعنيه دون رياء دون نفاق، معلماً أولئك المخادعين أن الكلمات التي جعلوها تفقد معناها جعلتهم معها أسماء بلا معنى… جاؤوا إلى الحياة وسيغادرنها أرقاماً بل أصفاراً وجدت على الهامش الأيسر لهذه الحياة لم يكن لهم وظيفة إلا أن يعلمونا كيف تبقى كلماتنا صادقة طاهرة تحمل طهارة الحروف وجلال المعاني التي بها أوجد الله تعالى هذه الدنيا فقال لها: كن فكانت…

عندما تفقد الكلمات معانيها ستبقى الدنيا بأسرها وبكل معانيها تنظر وتبصر لترى كيف تفقد حياة أولئك المخادعين معناها لتغدو

حـــياة بــلا معـنى

 

 

 

 

 

 

العلمانية العربية : تدجين ام تدجيل ؟(2-2) بقلم ليون الافريقي

vanishing-point-kathy-jennings2 

رابط الجزء الأول من المقال  

http://www.quran4nahda.com/?p=797

إذاً و قد تبيّن لنا أن الضرورة التاريخية للعلمانية غير متحققة في منطقتنا، هل نستطيع القول أنها باتت ضرورة واقعية حاليّة نتيجة استمرار طفو الطائفية الدينية على السطح و تهديدها بطوفان شامل؟

 

لا بد من أن نتذكر أولاً أن الإنسان الذي أعطاه الله ما لم يعطي أي مخلوقٍ آخر، يسعى إلى احتكار الله/ الحقيقة المطلقة / النعيم الأبدي، بحيث يكون له وحده دون العالمين – و لطبيعته الاجتماعية سيشاركه رهطه و قبيلته التي تشكّل نسخة منه – منذ قابيل الذي لم يتقبّل منه قربانه فقتل أخاه كي لا يستأثر بالله دونه، فيما كان أمر الله أن جعل البشر شعوباً و قبائل ليتعارفوا، و أن إرادته اقتضت ألا يكونوا أمة واحدة و أن يكون طريق الإيمان و فعل الصالحات مفتوحاً أمام الجميع ليصلوا إليه، و لهذا فالإيمان الحقيقي بالله يقتضي تشارك محبته لا الاستئثار بها و هو ما تقوم الطائفية عليه. ناهيك عن كون الطائفية كما العلمانية، تجربة إنسانية تاريخية لها ظروفها و عواملها التي تختلف حسب الزمان و المكان. لقد وجدنا أن الانقسامات الدينية المسيحية نجمت في أساسها عن خلافات سياسية تاريخية بين القوى الدولية المعتنقة لها، و أما في حالة الإسلام فما حدث هو العكس، فأئمة المذاهب السنية الأربعة الكبرى هم أصحاب مدارس فكرية و مجتهدون في تطوير العلوم الفقهية و الشرعية، و بعضهم من تلاميذ الإمام جعفر الصادق أو تلاميذ تلاميذه، و إن كان الانقسام السياسي بدأ منذ علي و معاوية مروراً بثورات الحسين بن علي و عبد الله بن الزبير، فإن هذه المدارس لم تتشكل سوى في نهايات القرن الهجري الثاني، و بالتالي قامت المعسكرات السياسية بتبني ما يناسبها منها لتضفي صفة القداسة على وجودها و شرعيتها مؤكدة أنها وحدها من على حق و سواها على باطل. ظاهرة الطائفية استمرت، و هي في الحاضر وفق جورج طرابيشي ليست سوى استمراراً للماضي بحيث اختزل التاريخ بأحداثه و ظروفه، مغيّباً الحاضر السياسي و الاجتماعي و الديني. إن حضور الماضي في الحاضر ثابت و لكن ليس بإمكانه أن يختزله، و سنجد خلاف هذه النظرة عند أحد أهم المفكرين العلمانيين في القرن العشرين، مهدي عامل، الذي قام في كتابه “في الدولة الطائفية” بتفصيل الخطاب الطائفي اللبناني مثالاً و شرحه ضمن بنية الحاضر الاجتماعية بصفته يهدف إلى حماية هيمنة الطبقة البرجوازية اللبنانية لا بكونه ثابتة تاريخية مستمرة عبر العصور،و قس على ذلك في كل تجربة معاصرة.

عبر التاريخ و حتى اللحظة الحاضرة، كانت المجتمعات الأكثر تحضراً و تقدماً هي تلك الغنية بتعددها الطائفي – القومي و الديني- طالما بقي أناسها واعين لأهمية هذا التعدد كثروة وطنية، مبدين من الانفتاح على الآخر و سيادة الحريات الدينية و الفكرية ما يعزز من القدرات الحضارية و الطموحات الإنسانية. إنّ المواطنة لا تقوم بإنهاء كل انتماء آخر بل تقوم بحشد هذه الانتماءات في صالح الوطن.

لكن بتغير الظروف، تاريخياً أو عسكرياً أو اقتصادياً، و بما يؤدي إلى سيادة الاستبداد و انتشار الفساد، لن يكون القانون فوق الجميع، بل سيصبح خاضعاً لأهواء فئة قليلة تسيّره لمصالحها، و لحمايتها من الأكثرية المظلومة ستعمل على منح الامتيازات و مفاتيح القوة و السلطة لقوة حراسة تحميها، و بالمقابل ستشعر الجماعات التي خارج هذه الفئة و ملحقاتها بتهميشها و غربتها في وطنها، خاصة إن تم إلهاؤها بالتناحر فيما بينها بإلقاء الذنب فيما يحصل كل مجموعة على الأخرى، بحيث تصبح كل واحدة “وطناً” لناسها دون غيرهم من إخوتهم المختلفين و منشئةً قانونها الخاص الذي تحلم بفرضه على الجميع لإثبات وجودها الضحل الذي يرتكز منذ اللحظة على فكرة اضطهادها حالياً و عظمتها لو قُدّر لها الخروج من القمقم. هكذا تدخل المجتمعات في حالة فقدان هوية، يتملكها الخوف على الذات و الخوف من الآخر، و تتبنى عندها ثقافة الانغلاق و الجهل و عزل نفسها عن باقي الأقليات التي تمثل الآخر،  و يتساوى في هذه الحالة الوضع الطائفي الذي يغلّب فئة على أخرى بدعوى الاستعلاء و احتكار الحق و الحقيقة، مع تقديس التجانس الديني و القومي الذي يكبت كل الاختلافات و التمايزات (و هو بالضبط ما تقاتل العلمانية العربية لحصوله) بدعوى إلغاء كل الانتماءات و قصرها على نسخة وحيدة مشوهة غير مفهومة من “الانتماء الوطني الموحد”، و بين هاتين الحالتين اللتين تشكلان وجهين لعملة واحدة تُخلق بيئة تخلّف أحادية لاتعددية يتم فيها خوض كل المعارك السطحية و الحروب غير المجدية التي لا ينتصر فيها طرف على آخر، و لكن حتماً يخسر الوطن.

ماذا بقي للعلمانية العربية من حجة في فرض نفسها حلاً أوحداً لمجتمعاتنا؟ تاريخياً لم تكن التطور الطبيعي في مسيرتنا الزمنية، اجتماعياً تمثل انكفاءً عن قبول اختلاف الآخر كما هو و التعاون معه في البناء ما لم يصبح مثيلاً للنسخة الوحيدة التي تنادي بها، استراتيجياً ليس بإمكانها أن تقوم بما أدته العلمانية الغربية من حصار الدين داخل ثكناته – كنائسه، ليس لأننا ننكر وجود مؤسسة دينية إسلامية (بصفة الإسلام هو الدين السائد في عموم المنطقة) و لكن لأن اختلاف طبيعتها و تداخل الروحاني بالدنيوي فيها أدّى إلى تغلغلها في نفوس الناس على اختلاف مشاربهم، و بحيث تكون مهمة نزعها و عزلها أشبه بانتزاع العظم من قلب اللحم حيّاً! إن العلمانية العربية المعاصرة – و بخلاف الفترة الذهبية لعلمانية المد القومي العروبي -  تشترك بشكل رئيسي في مشروع تجريد الهوية الوطنية من عمقيها العربي و الإسلامي، و بما يسعى إلى إعادة تعريف المنطقة من وطن موَحّد أكبر يتعرف بهويته الحضارية و الثقافية و لا يمكن للمشروع الصهيوني أن ينتظم فيه، إلى شرق أوسط جديد تتشاركه دول ناطقة بالعربية و أخرى بغيرها تندمج فيه إسرائيل – و بوصفها الأمة الوحيدة الحقيقية!- من موقع مركزي مهمين لتؤدي وظائفها الاستراتيجية وكيلاً عن المركز الامبريالي الامبراطوري. هذا المشروع يصل إلى تفتيت الدولة القطرية نفسها و تفكيك بنيتها الاجتماعية السياسية لتصبح مجرد ائتلاف هش من الكانتونات العرقية القبلية و الطائفية المذهبية، فقط عندها يمكننا أن نقول إننا انتهينا إلى غير رجعة.

إلام يهدف العلمانيون العرب؟ يمكن تصنيف المنتمين إلى تيار العلمانية العربية المعاصرة إلى أربعة فئات:

1-     “العلمانية العقلانية”، و هي قلة متنوّرة تتبنّى خطاً فكرياً وطنياً واعياً و لكنها للأسف غير مسموعة على صعيدٍ واسع يتناسب مع أهميتها، منها على سبيل المثال لا الحصر عزمي بشارة، هيثم منّاع، برهان غليون،.. و غيرهم ممن يُعضّ عليهم بالنواجذ مهما اختلفنا معهم، و بالنهج الذي يحملونه يمكن أن يؤدوا ليس تقدماً وطنياُ فحسب بل حتى تحريضاً على التجديد و الإصلاح داخل التيارات الأخرى لا سيما الدينية. هؤلاء تم ظلم كثير منهم بداعي انتمائهم الديني و اتهامهم بتبني خيار العلمانية بهدف ترتيب أوضاع أقلياتهم في المجتمعات الإسلامية في الشرق، و هو إن كان صحيحاً أحياناً و بدرجة ثانوية إلا أنه لا يلغي كونهم من أهم المفكرين في التاريخ الحديث الذين استطاعوا فهم تركيبة مجتمعاتهم و تطلعاتها و أفكارها، إن كان في ذلك أنطوان سعادة الذي عرف أننا جميعاً مسلمون، منا من على طريق محمد و منا من على طريق يسوع، و لا عدو لنا في أرضنا إلا اليهود الغاصبين لحقوقنا، أو الحكيم جورج حبش الذي طالما افتخر بقدرته على التوفيق داخل ذاته كما مع من حوله، بين عقيدته المسيحية و ثقافته الإسلامية و أفكاره الماركسية… كما أن كثيراً من هؤلاء مسلمون مثل طه حسين و قاسم أمين، و بعضهم يُعدّون من داخل التيار الديني مثل رفاعة الطهطاوي و محمد عبده و الأمير عبد القادر الجزائري.

2-     “متمردون لأجل التمرد”، هؤلاء هم الترجمة البشرية لمعنى الفشل، و في جزء من مأساتهم يبقون ضحية لواقعنا الذي نستمر في التردي في هزائمه، بحيث تكاتف مع خمولهم و غرورهم لتحويلهم إلى قوة تدميرية ليس لها أي قدرة أو حتى قصد للبناء، و يتبنون العلمانية في شكلها الأكثر تطرفاً المعادي للأديان و قيمها و أخلاقها، سواءً بالتصريح أو إبداء وجه الحمل الوديع و دموع التماسيح، و بعضهم ممن يخفي عنصريته المذهبية تحت قناع اللادينية، و لا زلت أذكر إحدى هذه النماذج على موقع اللادينيين العرب عندما خرجت عن طورها في إحدى الموضوعات و كشفت المستور من تعصبها البذيء معترفةً بكل شيء، و قد تقدم رهطها بعد ذلك لإدارة الموقع بطلب حذف الموضوع لمستواه المتدني المليء بالشتائم المتبادلة – رغم أنها ليست المرة الأولى و لا الموضع الوحيد الذي يحفل بالسباب – حرصاً على إخفاء الفضيحة من تستر الطائفية خلف قناع العلمانية. خطورة هؤلاء الأخيرين خصوصاً تكمن في كونهم حجة خطرة للمتشددين القابعين على الضفة الأخرى و الذين سيستغلون الشذوذ لتعميمه على القاعدة و بما يهدد أصحاب دين أو مذهب هؤلاء العنصريين بصفتهم عينة تمثيلية عنهم! خطرٌ آخر يأتي من ناحية هؤلاء المتمردين المنقادين وراء ذواتهم و البحث عمّا يميزها بأي ثمن، يكمن في إمكانية تجنيدهم بسهولة من قبل الجهات الغربية المعنية إما لصالح المشروع التفتيتي في المنطقة أو لعقلية صراع الحضارات و الأرماجدون، و بحيث يصلحون ليكونوا نفير حرب داخلية لا تثير سوى البغضاء و الفرقة، و ربما تكون وفاء سلطان إحدى أوضح الأمثلة على ذلك. في جميع الأحوال، لا أجد فائدة من معالجة وضع هذه المجموعة، فهي تضمحل ذاتياً مع الزمن، و إصلاح الوضع العام كفيل بإنقاذ من لا يزال بالإمكان إنقاذه، أما الباقي فلا أسف عليهم.

3-     “الغربان”، و هم المستغربون المنقادون بشكلٍ أعمى خلف النموذج الغربي دون أي اعتبار للمسار التاريخي و اختلاف التطور الحضاري، فلا بقوا على أصواتهم الأصيلة و لا استطاعوا تقليد العندليب. هؤلاء في مجملهم مختزلون – و هم يدرون أو لا يدرون – ضمن المشروع الغربي للهيمنة العالمية، و هذا يفسّر انخراط معظمهم في تيار الليبرالية العربية المتماهي مع الليبرالية الجديدة، بحيث  يحرصون على الانسلاخ عن أوطانهم و مجتمعاتهم، تبنيهم المظاهر الأجنبية – التي تميزهم عمن حولهم من (الجهلة) – في طريقة كلامهم و منهج حياتهم، إنكار هويتهم و ذم تاريخهم و احتقار شعوبهم، و إعلاء شأن الغربي الذي يتشبهون به و يلتحفون إزاره ليشعروا بمجدٍ زائف على حساب الانتقاص من قدر حضارتهم. هؤلاء يرددون الدعاية الفكرية الغربية دون تفكير، فتجدهم يذمون أفعال المقاومة، و يعتبرون صراع الوجود ضد إيران و أما إسرائيل فمجرد خلاف حدود – و الخلاف لا يفسد للود قضية – و تصبح دول الممانعة دول منافقة داعمة للإرهاب و مثيرة للقلاقل في المنطقة و مهددة للسلم الإقليمي، و ينتقدون كل همسة تصدر عن التيار الإسلامي و ينعقون بقدسية فصل الدين عن السياسة، في حين لم يصدر عن أيٍّ منهم مجرد تلميح عن انحياز البطريرك صفير لفريق 14 آذار صراحةً، أو تأييد البطريرك إغناطيوس الرابع هزيم لميشيل المر على حساب اللواء عصام أبو جمرة بما يمثله كلٌّ منهما من خط سياسي. هؤلاء في جزءٍ كبيرٍ منهم كما سابقيهم، جلّ ما يُخشى منهم هو تعاونهم في زيادة إغراقنا في مستنقع الرمال المتحركة، إلا أنهم أكثر ذكاءً و أقدر على المناورة و التخفي و هدر الوقت في معارك جانبية تمنح حياتهم معنى على حساب النهوض ببلدانهم، من أمثالهم شاكر النابلسي و عبد الرحمن الراشد و فؤاد الهاشم. و ربما في قلةٍ قليلة منهم، يمكن الأمل لهم أن يتم التعامل معهم كما المجموعة التالية

4-     ” المتوجسون”، و هؤلاء ينادون بالعلمانية لا إيماناً بها و لكن لأنها تشكّل أهون الشرور – حتى لو أدت لتهميش جزء من هويتهم و لو ظاهرياً -  و طوق نجاة من طوفان الآخر، الذي يفترض به العداء لما تعنيه العلمانية من المساواة بين الأديان – و هو في الحقيقة تصفير لها و لدورها في المجتمع – فلا يعدون كونهم رد فعل مدفوع بغريزة البقاء و اعتبار عدو عدوي صديقي. هؤلاء هم أهم من يجب إخراجهم من حالتهم، ليس لتفريقهم عن سابقيهم فحسب، بل لأن العقلية التي تتملكهم تفتت وحدة الوطن و تحوّل الآخر إلى عدو يخيّرهم بين الطرد أو الانصهار، و للحقيقة قد يكونون على حق في ذلك نتيجة بعض الأفكار المتطرفة التي يحملها بعض المتدينين، لكنهم يقعون في ذلك في ذات خطأ تعميم الشذوذ على القاعدة. لا يمكننا أن نقبل أن تستشرِ نقطة الضعف هذه إلى أن تصل حداً يشابه التجربة القبطية المؤلمة التي تمر بها مصر، و لا يجب أن نأخذ بقلة اهتمام تصريحاتٍ سياسية أو تقارير إعلامية تركّز على تفريغ المنطقة من أهلها المسيحيين و التمييز الذي يتعرضون له في بلدهم، يترافق ذلك كله مع عملٍ دؤوب منذ عقود بتقديم تسهيلات الهجرة إلى الغرب بداعي تجانسهم معه رغم أنهم يحملون ثقافتنا، لكنه ما يسعى إليه أصحاب عقيدة صراع الحضارات الذين يريدون جعلنا عدواً خالصاً “لا تشوبه شبهة تشابه” ليعلنوا حربهم التي يريدون بها الاستئثار بالعالم، حتى النوايا الحسنة داخل الوطن و خارجه التي تعبّر عمّا يشبه ذلك من اهتمامٍ تمييزي لوضعهم يشي بعكس ما يُفترض منه، فمسيحيو العراق يُقتلون كما سنته و شيعته، و مسيحيو القدس يُهجّرون كما مسلميها، و مسيحيو سوريا يصطفون على أبواب السفارات كما بقية إخوانهم، فلمَ التركيز عليهم و كأنهم مختلفون عن بقية نسيجهم!؟ هؤلاء إن بكوا فهي عيوننا التي تدمع، و إن ضحكوا فهي أسناننا التي تلمع، و عندما تتشابك الأيدي في حلقة دبكة فهي أقدامنا التي تدك الأرض ملتحمةً بها، أفنسمح لأحد أن يميّز بيننا؟ كلنا سواء.

 المسؤولية في هذه النقطة تحديداً تقع على عاتق الجميع، حكومةً و شعباً، جماعاتٍ و أفراداً، بدءاً من الانفتاح الروحي و الفكري على الآخر، مروراً بحوار حقيقي بنّاء يقوم على ترسيخ متبادل للكثير المشترك بين الجميع أولاً و من ثم و تقبل الاختلافات بصفتها جزءاً من سنة الله في الكون و ثروةً في موزاييك الوطن المتميز التنوع، المصارحة بكل الشكوك و المخاوف التي تتملكنا تجاه الآخرين بنيّةٍ صافية تحمل من الحب و الرجاء ما ينقّي العلاقات من كل ما يشوبها من تطرف أو بغضاء، وصولاً إلى ما ليس له من بديل من دواء و هو علو سقف القانون الوطني فوق الجميع، ألا يكون هناك أي تمييز لا إيجابياً و لا سلبياً تجاه طائفة أو قومية أو فئة أو حزب أو تيار، الجميع مواطنون لا يتميزون عن بعضهم في الحقوق و الواجبات إلا بما يقدمونه من أفعال تجاه الوطن، عندها لن يخش أحد من خطيئة الإلغاء.

لقد قال د.يوسف حبي ذات مرة: “إن الله لو لم يرد التعددية لما خلق الكون ألواناً، و بدون الآخر لن أكون أنا و لن أستطيع تأكيد ذاتي إن لم أقبله و يقبلني.”  ليرحمه الله، و ليعطنا قلوباً تعقل ما قاله هذا المؤمن المخلص.

ربما هناك الكثير الكثير بعد كي يقال، لكنني سأتوقف هنا و أنا أتذكر معكم ما قاله الأب جهاد بطّاح: “بالنسبة للمسيحي العربي، الإسلام ليس مجرد ثقافة أو كتاباً قرأه بل حياةٌ معاشة، و المسلم لا يجهل الدين المسيحي بل يجلّه، فقليلٌ من الانفتاح و الحوار الجدّي البنّاء يمكن أن يوصل إلى حضارة إسلامية مسيحية مشتركة تستطيع أن تكون رسالة للغرب كي يقبل بالتعددية”.

عندما تسيرون على تراب بلدي الطاهر فتذكروا أن كل من عليها، ليس سوى نحن في المرآة. كلنا سواء


 

 

سبب النزول ليس المقصد : الحجاب نموذجا…

diggingسبب النزول ليس المقصد: الحجاب نموذجاً

د.أحمد خيري العمري- القدس العربي

(هذا المقال سقط سهوا  عند إنشاء الموقع ، و اعادته الى ذهني المناقشات حول مقال الدكتور أحمد قطشة ، و قد نشر بتاريخ 12/12/2008 في القدس العربي)

نؤمن، كجزء أساسي من إيماننا بديننا، أن القرآن الكريم فوق الزمان والمكان، لكننا نؤمن أيضاً أن لأزلية القرآن نقاط تماس مع الواقع، نتجت عن تنزيله من مكمن أزليته الخارجة عن كل تصنيف، إلى الواقع الإنساني المتبدل باستمرار..

نقاط التماس هذه، أو إحداثيات التنزيل، المحكومة مسبقاً بعلم الله الأزلي الذي وسع وأحاط كل شيء، يجب أن تملك ارتباطاً بهذا الواقع الذي تتنزل عليه، لكن هذا لا يعني على الإطلاق، أن الواقع هو الذي يحكم هذا التنزيل أو يتحكم به. الواقع هنا، في هذه الحالة، هو  “مهبط” لنزول الوحي، والمهبط يمكن أن يكون عابراً، بل هو عابرٌ على الأغلب، ما دام الواقع متغيراً باستمرار، أما الوحي النازل، فقد نزل، وترك مهبطه، إلى حيث الواقع ككل..

نقطة التماس إذن بين الوحي الأزلي، والواقع الإنساني، هي نقطة تماس عابرة، إنها نقطة اختراق لا بد منها من أجل الالتحام، لكنها مجرد نقطة، أدّت مهمتها وانتهت لحظة الاختراق، إنها مثل حقنة دوائية تحمل الدواء إلى الجسم، وتخترق الجسم في نقطة ما من الوريد، لتنتقل إلى أوردة الجسم كله، ولكن هذه النقطة لن تتحكم بهذا الجريان الا من ناحية تجريدية جدا..أي عبر الغاء تفاصيل الواقعة و الاحتفاظ بخطوطها العامة..

لكن نقطة التماس هذه، باعتبارها المدخل لما هو أزلي، يجب أن تكون مرتبطة بشروط موضوعية تسهل فهم النص الأزلي وقراءته من قبل العقل الإنساني.. وهكذا، فإن واقعة بدر، ستكون مدخلاً لنص مختلف عن نص يدخل واقعة أحد، أو الفتح، أو عموم المرحلة المكية.. لكن هذا لا يعني على الإطلاق، أن النص (أو قراءته) ستظل محكومة بمجرد نقطة الالتحام تلك.. ففي حياتنا دوماً واقعة مثل بدر أو أحد أو الفتح.. ويمكنك أن تكون في قمة زهو انتصاراتك فتعيدك “الأنفال” إلى واقعك كي لا تزهو أكثر مما يجب، ويمكن أن تكون في درك هزيمتك فتربت عليك “آل عمران” وتقويك من أجل أن تجعلك تقوم من دركك وكبوتك نحو قمة خلقت من أجلك..

والسبب في اختيار نقطة معينة للاختراق دون غيرها واضح، وقد وضحه النص القرآني نفسه، {قال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلاً} [الإسراء:25 / 32].

فالقرآن جملة واحدة فعلاً، لكن تنزيله “مرتلاً” كان من أجل التثبيت: تثبيت الفؤاد عبر فهم النص مرتبطاً بالواقع.. وهو واقع سيتغير بالتأكيد، وسيكون للنص قراءة أخرى تثبت الفؤاد أيضاً.. ولا تتناقض مع القراءة السابقة…

كل هذه المقدمة كانت من أجل توضيح أن سبب نزول النص هو ليس المقصد منه، إنه مجرد نقطة تماس الأزلي مع العابر، مجرد مدخل، مجرد اختراق دخل من خلاله النص إلى الواقع، وكان للواقع شروطه وظروفه التي يمكن من خلالها فهم جزئي للنص..

سبب النزول بهذا يمكن أن يكون جزءاً من المقصد، وليس المقصد كله، لكنه محض جزء عابر، أما المقصد من النص فإنه فوق ذلك، يظل المقصد من النص، عبر تبدل الأزمان يضخ القراءات التي لن تتناقض على الإطلاق مع بعضها، لكنها ستتعدد.. مرة أخرى، أؤكد وأثبت: سبب النزول ليس هو المقصد، لكنه يكون أحياناً جزءاً منه..

أقول هذا كله، لأن هناك إستراتيجية واضحة الآن، صارت تستثمر الخلط الموجود بين الأمرين، لصالح إبطال النص بأكمله، بداعي أن سبب النزول قد اختفى، وبالتالي لم يعد للنص (وما يحتويه من حكم شرعي) موقعاً فاعلاً من الإعراب..

وهذه الإستراتيجية تفترض كما هو واضح أن سبب النزول هو المقصد، وتبنى على فرضيتها هذه متتالية من النتائج مرتبطة بتلك الفرضية المغلوطة.. وهي إستراتيجية تجد من يروّج لها، وتجد من ينخدع بها أيضاً، المروّجون هم طبعاً أدعياء التجديد الديني وغيرهم من العلمانيين أو الليبراليين، الذين يستخدمون كل ما يمكن من الوسائل من أجل إبطال النص، وعزل الدين، لا عن الدولة فحسب كما يدعون، بل عن الدنيا ككل، عن الحياة بأسرها..

أوضح مثال على كل ما سبق، تعامل هؤلاء مع آية الحجاب (غطاء الرأس) ومحاولتهم الدمج بين سبب النزول والمقصد من أجل إبطال الحكم الشرعي فيها.. فحسب هؤلاء نزول الآية كان من أجل التفريق بين النساء الحرائر والإماء (وهو أمر يحتاج إلى تفصيل سنأتي عليه لاحقاً)، وبما أنه لم يعد هناك اليوم رقّ ورقيق، فإنه لا يوجد داع لهذا التفريق، وبالتالي لم يعد هناك حاجة للحجاب أساساً، وكفى الله المؤمنات الحجاب..

الإستراتيجية إذن بسيطة وقد تبدو مقنعة للبعض، خاصة وأن الأمر كله مدعوم بقوة التغريب وسطوته الذي لا يزال يعتبر “الحجاب” أمراً غير مقبول يتناقض مع الرؤية الغربية للمرأة وللحرية الشخصية عموماً. هكذا يأتي الحل عبر الخلط بين سبب النزول والمقصد، لكي يبدو”قلع الحجاب” عقلانياً ومبنياً على مقصد قرآني ولا علاقة له بالتغريب.. (أو هكذا يزعمون..!)

هذا كله سيدفعنا إلى تفحص الأمر ككل، علماً أن آية الحجاب هنا هي مجرد نموذج لآلية الدمج العامد بين سبب النزول والمقصد.. وهي آلية تستهدف إبطال النص كما تقدم.

تسود طبعاً، في الكتب الفقهية، مقولة إن الحجاب إنما فرض من أجل التفريق بين الإماء والحرائر، ولن يخلو كتاب من كتب التفسير من هذا القول، وهو أمر طبيعي، إذ إن أغلب أمهات كتب التفسير قد كتبت في فترة كان الرق لا يزال موجوداً، ولهذا فقد كان التراكم التفسيري (في غالبه) يتعامل مع هذا الأمر بشكل طبيعي باعتبار أن “الإماء” لا يزلن موجودات.. لكن هذا طبعاً لا يعني على الإطلاق أن التراكم التفسيري قد قصر سبب نزول الحجاب على هذا فقط.

تفحص مجمل الأحاديث والأقوال الواردة سيدلنا على ما يلي:

أولاً – أن النص القرآني المعني لم يرد فيه أي إشارة إلى موضوع التفريق بين الحرة والأمة.. {يايها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً) [الأاحزاب: 59].

ثانياً – أن حصر سبب النزول بكونه نزل للتفريق بين الأمة والحرة جاء من طريق واحد فقط هو طريق أبي مالك الأشجعي الذي اعتمده السيوطي في أسباب نزوله، وأبو مالك الأشجعي ليس له صحبة بل هو من التابعين، أي إنه لم يحضر نقطة التماس تلك، وإنما نقل ما فهمه منها.. وقد ذكر غير واحد من أهل العلم في ذلك الكثير، ليس بخصوص آية الحجاب تحديداً، بل بعموم أن سبب النزول لكي يعتمد يجب أن ينقل ممن حضر واقعة النزول.. وهو أمر لا يتوفر في ما نقله الأشجعي.

ثالثاً – نقل الطبري في تفسيره للآية (كان بالمدينة رجال من المنافقين إذا مرت بهم امرأة سيئة الهيئة والزي حسب المنافقون أنها مزنية(=زانية) وأنها من بغيتهم فكانوا يؤذون المؤمنات بالرفث، ثم يكمل فإذا كان زيهن حسناً لم يطمع فيهن المنافقون). صحيح أنه قال أيضاً ضمن ما قال في وصف المنافقين: (ولا يعلمون الحرة من الأمة)، إلا أن السياق في أكمله كان يتحدث عن نسوة  زانيات كما هو واضح..(وربما منافقات..)

خامساً – يقول الضحاك والكلبي: إن الآية نزلت في الزناة الذين كانوا يمشون في طرق المدينة يتبعون النساء إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن، فيغمزون المرأة، فإن سكتت اتبعوها، وإن زجرتهم انتهوا عنها..

أي إن الأمر كان في حقيقته “تحرشاً” بلغتنا المعاصرة، تحرشاً يقصد به معرفة نية المرأة إن كانت زانية “أو عفيفة”، وليس اغتصاباً قسرياً كما يروج البعض، أي إن الأمة الشريفة الطاهرة، كانت تكتفي بالزجر لترد المنافقين عنها، ولم يعلم قطعاً أن أحدهم قد اعتدى على أمة رفضت التحرش.

سادساً – قال الرازي في تفسيره للآية: (المراد: يعرفن أنهن لا يزنين لأن من تستر وجهها مع أنه ليس بعورة لا يطمع فيها أن تكشف عورتها فيعرفن أنهن مستورات لا يمكن طلب الزنا منهن). وتفسير الرازي هنا لا يذكر موضوع الحرة والأمة قط، بل التفريق بين الشريفة وغيرها فحسب.

السؤال الذي سيبرز هنا، هل كان التفريق بين الإماء والحرائر يهدف إلى تعريض الإماء للأذى، وحماية الحرائر فحسب ؟ والحقيقة أن هذا يحتاج إلى تفصيل، فالعرف كان عند العرب حتى في جاهليتهم أن الحرة لا تزني قط، وأن الزنا للمملوكة فقط، وكان هذا العرف حاجزاً ليس أمام الأنثى فقط، بل حتى أمام الرجال، ولذا لم يكونوا يطلبون الزنا أو يبتغونه أصلاً إلا عند الإماء.

كان هذا في الجاهلية، ولما جاء الإسلام حرّم الزنا تماماً، على الحرائر والإماء، نساء ورجالاً على حد سواء، لكننا نعرف قطعاً، أن الإسلام لم يصنع مدينة فاضلة افتراضية، وأنه كان هناك منافقون ومنافقات، وكان هناك بشر سيضعفون أمام شهواتهم، خاصة أن هذه الشهوات كانت قد قولبها العرف الجاهلي في عادات معينة إلى عهد قريب..

ومن الطبيعي جداً أن هؤلاء كانوا سيلتقون تحت جنح الظلام ليمارسوا ما صار حراماً، لكن ولأن الظلام كان سيضم نساء شريفات خرجوا لقضاء الحاجة، فإن ذلك كان سيقتضي حتماً وضع حد بين هؤلاء وأولئك..

إذن هل تركت الإماء لمصيرهن أمام ذئاب المنافقين؟ الحقيقة أن “بعض الإماء” كن في تلك الفترة بالذات سلاحاً بيد المنافقين، فقد ثبت أن المنافقين كانوا يكرهونهن على البغاء، كما جاء في القرآن الكريم {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً} [النور:33] وكما ثبت أن بعض المنافقين كان يفرض على الإماء خراجاً (ضريبة) عليها أن تدفعها له لقاء بيعها لجسدها، وكان عبد الله بن أبي زعيم المنافقين وحده يمتلك ست جوارٍ يشغلهن في البغاء..

وهكذا، فإن الظهور بزي موحد – بين الإماء والحرائر – كان سيشجع المنافقين على التعرض للحرائر (بالذات للمؤمنات ولنساء النبي r وبناته) وكان واضحاً أنهم سيستغلون ذلك للتمادي بحجة أنهم لم يقصدوا الإساءة لأنهم لم يعرفوا أنها حرة، وهكذا فإن وضع السوية بين الإماء والحرائر كان سيستغل فوراً من قبل المنافقين لإلحاق الأذى بالمؤمنات.. وكانت المرحلة كلها حرجة وخطرة، وكان المنافقون يستغلون كل وسيلة ممكنة لتخريب المجتمع الوليد..

ما ذنب الإماء الشريفات إذن كي لا يتمتعن بالحماية التي وفرتها الآية الكريمة؟..

في هذه المرحلة لم يتغير شيء على الإماء الشريفات، لأنهن تعودن على التعامل مع تلك التحرشات عبر مواجهة رفث وبذاءة المنافقين بالزجر، أما “الحرائر” فلم يكن يعرفن ذلك، ولم يكن يعرفن كيف يواجهنه، وكان سكوتهن مثلاً (كما سيحدث اليوم) سيعد تشجيعاً للمنافقين لأن أسلوب الإماء غير الشريفات كان كذلك.. وهذا كان سيجعل المنافقين يتمادون في الأذى حتى لو كانوا يعلمون أن النسوة حرائر ولا يتجاوبن مع مطلب الزنا، لكنهم كانوا يريدون أصلاً التسبب بهذا الحرج..

وهكذا فإن الظهور بمظهر واحد يوحد بين النساء كان سيسبب مشاكل اجتماعية لا حصر لها، وكان المجتمع في غنى عنها آنذاك، خاصة وأن الإماء العفيفات لم يشتكين، لقد كن يعرفن كيف يتعاملن مع الأمر.. وهو تعامل قد لا يخلو من فظاظة وربما بذاءة، ولا يمكن تعميمه إطلاقاً ليصير سلوك النسوة في كل زمان ومكان كما سيقترح من يريد إبطال النص.

ويجب التنبيه ههنا إلى أن ما يروج من أن الإماء كن يمشين وقد أظهرن شعورهن وصدروهن، وأشياء مماثلة يطبل لها البعض لأسباب لا تخفى، هو أمر مغلوط ولا أصل له. وما يروج من أن عمر ضرب أمةً لأنها ارتدت الحجاب أمر مبالغ فيه، فقد نهاها عن ارتداء “القناع” فحسب.. (أي إخفاء وجهها..)

أما ما يذكر من أن إماء عمر كن يكشفن شعورهن وأثداءهن فهذه الواقعة لم تثبت ، بل ذكرت احيانا بلا سند (كما في كنز العمال ) ومن الواضح طبعاً أن أصلها هو الحقد على الخليفة الذي كان من ضمن انجازاته إزالة عرش كسرى ودولته.

نذكر مرة أخرى أن النص القرآني تعالى تماماً عن موضوع التفريق بين الإماء والحرائر، وأن نقطة التماس، سبب النزول، وإن كانت تحتوي على ذلك، إلا أن الأمر كان جزءاً من تفريق أكبر: التفريق بين الزانيات والعفيفات كما هو واضح.. وهو جزء من تفريق بين “المؤمنات” وغيرهن..

وإذا كان الرقيق قد اختفى، فإن الزنا والاستعداد له لم يختفِ (ولا يتصور أحد اختفاءَه قريباً).. سيبقى هناك من يطلب الزنا، وستبقى هناك نسوة مستعدات لذلك، وأخريات يرفضن بشرف وعفاف.. الحجاب إذن هنا صار هوية تعريفية تفريقية لكن التفريق لم يعد بين الحرائر والإماء ، بل رجع إلى أصله في التفريق بين الشريفات وغيرهن، أي إن اختفاء الإماء لم يعد سبباً في خلع الحجاب كما يدعي ويروج البعض، بل صار مدعاة لجعل كل من ترتبط بالشرف والعفة أن ترتديه.. فتاريخية سبب النزول تفهمنا، ، أن عدم ارتداء الإماء للحجاب كان لظرف عابر.. وأن اختفاء هذا الظرف سيجعل الحجاب عاماً لكل مؤمنة.. على العكس مما يدعون من ان اختفاء الرق يجب أن يلغي ارتداء الحجاب عن الجميع..

أكثر من هذا، صار الحجاب في عصرنا الحالي لا يمثل الشرف أمام الزنا أو مقدماته والاستعداد له( على الرغم من بقاء هذا المعنى ضمنا)، بل صار يمثل التفريق بين منظومتين حضاريتين مختلفتين، منظومة تحترم المرأة وتحرص على تحييد أنوثتها مقابل منظومة أخرى تحرص على استثمار المرأة كأداة استهلاك وترويج، وليس أداة متعة فقط، منظومة تسلّع المرأة وتجعلها وسيلة لترويج البضائع، منظومة لا ترى كبير إشكال في أن تظهر صدر المرأة من أجل بيع “معجون أسنان” مثلاً!

الحجاب، على العكس من كل ما هو شائع، لا يحجب دور المرأة عن التفاعل الإنساني، فلو كانت المرأة لا تشارك في المجتمع، حبيسة في بيتها أو بيت أبيها لما تطلب الأمر أصلاً آية قرآنية تفصل في لباسها، لكن الحجاب يحيد أنوثتها فقط، لكي يكون تفاعلها الإنساني بنّاءً بمعزل عن المضاعفات الناتجة عن “أنوثتها”.. وهي مضاعفات لا داعي لنكران وجودها في كل المجتمعات مهما ادّعت أنها تجاوزت الأمر.

ختاماً، أحب أن أذكر أن الحديث عن انتهاء وجود الإماء يحتوي على تفاؤل كبير وسذاجة مفرطة، شخصياً أعتقد أن الرقيق لا يزال قائماً وإن اختلفت أشكاله وأساليبه، ربما النخّاس التقليدي لم يعد له وجود، لكن بدلاً عن ذلك صار هناك وسائل إعلام وإيديولوجيات ومفاهيم تتحدث عن الحرية الشخصية والفردية والموضة والتعبير عن الذات..إلخ، وكلها في الحقيقة تسلّع المرأة كإنسان، وتعتبرها أداة “بغاء” مشاعية بدرجات مختلفة.. أعتقد شخصياً أن أسواق النخاسة في روما وبابل وبغداد العصر العباسي ستبدو في منتهى المحافظة مقارنة بما يجري الآن حتى في مجمعات الأسواق والجامعات والحفلات العامة.. كل الذي تغير هو أن الجواري المعاصرات صرن يعتقدن أنهن حرات، دون أن يعرفن أن عبوديتهن أقسى وأقوى لأنها غير ظاهرة، لأن القيود والسلاسل صارت داخلية، نفسية..

ومقابل كل ذلك، لا تزال هناك تلك النسوة الرافضات لكل هذا.. يتمسكن بمنظومة حضارية مختلفة.. وسيكون حجابهن هويتهن التي هي (أن يعرفن فلا يؤذين)..