تحرير النص الديني من عتبات الماضي ، البيئة نموذجا د.أحمد قطشة

 

nature1تحرير النص الديني من عتبات الماضي

مفهوم البيئة نموذجاً

د.أحمد قطشة

يعد مفهوم البيئة، والإهتمام بها، من المفاهيم الحديثة نسبياً، فقد ظهر في منتصف سبعينات القرن الماضي، وتقدم ليصبح أحد أهم المواضيع التي تشغل بال دول العالم كله،غنيها وفقيرها، لأن التغيرات المناخية البيئية، لا تنحصر في دول محدودة، بل تتجاوزها لكل قرية وبيت، مهما كان بعيداً في أطراف المعمورة، فمن ثقب الأوزون، للإحتباس الحراري، والتغيرات المناخية التي صارت ملموسة لكل منا، من خلال إرتفاع درجات الحرارة، صيفاً وشتاءً، وتناقص الأمطار والثلوج، أو تساقط الأمطار في خارج أوقاتها المعروفة، فهذه كلها من تأثيرات هذه التغيرات.

ولعل موضوع البيئة، يكاد أن يكون غائباً تماماً عن أحاديث رجال الدين، (بالطبع هناك من تكلم عن الموضوع) وخطب الجمعة، بل وربما يكاد أن يكون غائباً عن أحاديث رجال السياسة في أوطاننا العربية والإسلامية، جهلاً أو إنشغالاً عنه، مع أننا إذا راجعنا النصوص الدينية، من القرآن الكريم والسنة النبوية، سنجدها تتتحدث بصراحة عن هذه المفاهيم، ولكن لأن كثيراً منا، لا يقرؤون هذه النصوص، إلا من خلال أعين الفقهاء الأوائل، فلم تعد تثير هذه النصوص، غير ما أثارت لدى أولئك الفقهاء، ولو سألنا رجل دين عادي عن البيئة، لوجدنا حديثه واسعاً فضفاضاً دون أن يلامس بشكل مباشر هذه النصوص، مع أن بعض المفسرين قارب بعض المفاهيم البيئية التي نعرفها حالياً في شروحاته للقرآن الكريم، وأعني بذلك عدم الاذى المباشر، بمعنى عدم قطع الأشجار ونحو ذلك، مما  كان مشاهداً في تلك العصور، وهنا تكمن المشكلة، فأغلب المتقدمين المتكلمين في التفسير، لم يوردوا مشاكل التلوث أثناء شروحاتهم للقرآن الكريم، مع أن الىيات واضحة الدلالة على ذلك.

 

بمتابعة كلام الله سبحانه وتعالى القرآن الكريم، سنجد أمثلة واضحة، انتبه إليها بعض المجتهدين والمشتغلين في الإعجاز العلمي كقوله تعالى في سورة الروم (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)، حيث فسرعبد الدائم الكحيل، الفساد بأنه التلوث الذي نراه حالياً في الأرض والبحر، وهو ناتج بطبيعة الحال عن ما أنتجته وفعلته أيدي البشر في الأرض.

 

وواقع الأمر اننا إذا تقصينا لفظة الفساد في القرآن، فإننا سنجد أنها تحمل معنى التخريب المادي المباشر، إضافة للمعنى المعنوي من إحداث الذنوب وغيرها، كقوله تعالى في سورة البقرة (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) بل إن لفظة الفساد في القرآن ترافقت بشكل دائم تقريباً مع كلمة الأرض أو ما يدل عليها كالبر والبحر، ولكم أن تراجعوها عبر برامج البحث في القرآن الكريم، وهذه دلالة مباشرة على نوعية الفساد، فساد يغير بطبيعة الأرض، فيهلك الحرث والنسل، فهو متعدٍ، لا يضر فقط بالكائن الحي المعايش لهذا الإفساد، بل يصل للقادم من الأولاد والحيوانات، وكل ماهو نسل، فهو يضم حكماً كل مادة ضارة، يتم رميها و إلقائها في هذه الارض.

 

أما في السنة النبوية المطهرة، فلعل أبرز حديث يقرع ذهن المتأمل في هذا الموضوع، قوله عليه الصلاة والسلام:(الإيمان بضع وسبعون – أو بضع وستون – شُعبة، أعلاها: قول: لا إله إلا الله. وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق. والحياء شعبة من الإيمان) متفق عليه، وبرغم وضوح الحديث أن إماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان، وبرغم الحديث الآخر (كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع عليه الشمس، يعدل بين اثنين، ويعين الرجل في دابته، ويحمله عليها، ويرفع له عليها متاعه، ويميط الأذى عن الطريق صدقة) صحيح ابن حبان، لكن الخطاب الديني، لم يستطع أن يحرر إماطة الأذى لتشمل أي شيء قد يؤذي، ولم تستطع التفسيرات والشروحات أن تشمل التلوث بكل أشكاله ومعانيه.

غير أن الغريب في الأمر، أن قوله عليه الصلاة والسلام ( جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) لم يخرج عن كونه رخصة للصلاة بأي أرض، وأن الأصل في الأرض الطهارة، وفي حقيقة الأمر، لو تأملنا في هذا الحديث، لوجدناه يقول أن الأرض تحولت لمسجد، لها قدسية المسجد، ولها حقوق المسجد وواجباته، ولها حرمته أيضاً، فما لايجوز فعله في المسجد، لا يجوز فعله بهذه الارض، كالإهمال والتلويث والإفساد،  بل لعل العبرة بالنهي عن الإفساد بالأرض أن كونها مسجدٌ للتعبد والصلاة، فالأصل أننا مستخلفون بهذه الأرض لعمارتها، عمارةٌ تجعلها في النهاية مكاناً لا يعبد فيه إلا الله وحده، تماماً كالمسجد.

 

إن تحرير النصوص الدينية، من المفاهيم التي تتوقف عند نصها، دون النظر لعمق معناها، هو ما يجعل الكثير يظنون أن هذا الدين لا يهتم بمثل هذه القضايا، وتحريرها وإعمال العقل فيها، بما يتناسب مع مقاصد الشريعة، هو ما يجعلنا نؤكد أن صلاحية الدين الذي اختاره الله سبحانه وتعالى ليكون الدين الخاتم، صلاحية تتجاوز الزمان والمكان الذي نزل فيها هذا الدين، كما يتجاوز فهم المتقدمين لنصوصه، دون الإساءة لشخوصهم واجتهاداتهم.

 

مَن يخاف مِن داليا مجاهد ؟

dalia

 

مَن يخاف مِن داليـا مجاهـد ؟

د.أحمد خيري العمري- القدس العربي

قبل أقل من سنة من الآن، قرأت مقالاً لكاتبة عربية معروفة، تقدم فيه رشيدة داتي وزيرة العدل الفرنسية المغربية الأصل في حكومة ساركوزي، بصفتها نموذجا للنجاح العربي- المسلم في الغرب..

كان النموذج محبطاً جدا في الحقيقة، فرشيدة داتي تمثل انسلاخاً تاماً من كل جذورها العربية والإسلامية، ونجاحها الشخصي أمر لا يمكن أن  يحسب إلا  لها وحدها، وليس لأصولها المغاربية بأي حال من الأحوال: نحن هنا لا نتحدث فقط عن وجه أسمر تعمّد ساركوزي اختياره في حكومة يمينية متطرفة وضد المهاجرين، ولا نتحدث أيضا عن امرأة فقدت صلتها بدين أسرتها فحسب، بل عن امرأة حملت سفاحاً وأنجبت وهي وزيرة، ووالد طفلتها مجهول حتى اللحظة (لكنها صرّحت أن من حق ابنتها معرفة اسم والدها.. عندما تبلغ الثامنة عشرة!).

يومها، حاولت أن أكتب عن نموذج مغاير: عن نموذج  لامرأة نجحت في الوصول إلى مركز مهم في الغرب دون أن  تفقد هويتها الأصلية.. على الأقل دون أن تفقدها لهذه الدرجة!..

وبصراحة لم أجد.. ربما جهلا مني، وربما تقصيراً مني في البحث.. لكني لم أجد ما أريد: هناك بالتأكيد عدد كبير من السيدات الفاضلات اللواتي حققن نجاحاً كبيراً في الغرب وتمسكن في الوقت ذاته بهويتهن الإسلامية، لكن ذلك كان مرتبطاً على الغالب بنجاح ذي طابع مهني خاص أوضمن نشاط اجتماعي مرتبط بالجالية.. فمن المعروف مثلا أن مهنة  الطب بسبب مكانتها الاجتماعية وأرباحها المادية تستقطب المتفوقين من أبناء المسلمين في الغرب ( تقول النكتة الرائجة عن مسلمي أمريكا: قال الأول للثاني بحماس: الإعلام مهم، يجب أن نشجع أولادنا على دراسته، كل ما يحتاجه المسلمون في الغرب هوالإعلام، سأله الثاني: هل درسه أحد من أولادك الأربعة؟ رد الأول: لا الحمد لله، كلهم أطباء!!)..

لكن هذا النجاح الشخصي لكثير من مسلمي الغرب الذين تمسكوا بهويتهم الإسلامية لم يرافقه نجاح مماثل في المراكز السياسية في البلدان الغربية التي صاروا مواطنين فيها.. قد يفسر البعض هذا بسياسات تهمشهم وتحصرهم في زاوية معينة بسبب “تدينهم”.. لكن مما لا ينكر عزوف الكثيرين من هؤلاء عن الأمر وانشغالهم بتحصيل الرزق و/ أو أمور “الجالية”..

في الوقت نفسه: تبرز أسماء مشابهة لرشيدة داتي.. أسماء تحمل الاسم المسلم ولكن تعبر عن ذوبان تام في الهوية الغربية.. بل ومع مغالاة في الأمر كما لو أن أصحاب هذه الأسماء يتعمدون ذلك للتعويض عن الأثر المسلم في أسمائهم.. لست بصدد ذكر بعض هذه الأسماء الآن لكنها كانت مدللة في عهد الإدارة الأمريكية السابقة، وتستضاف وتقدم بصفتها تمثل المنفذ الوحيد لمسلمي امريكا للوصول: أن يكفوا أولاً عن كونهم مسلمين ..

لكن مع تعيين “داليا مجاهد”  مستشارة للرئيس الأمريكي أوباما في مجلس الأديان الذي أسسه، تغير الأمر كليا..

أود أن أوضح هنا أني لا أكتب عن داليا مجاهد إلا بعد اطلاعي على كتابها (مع جون اسبوزيتو– من يتحدث عن الإسلام ؟ Who speaks for Islam? ) ومشاهدتي لمعظم اللقاءات التلفزيونية التي قامت بها..

أفهم مسبقا كل ما سيقال عن نوايا أوباما في تعيين امرأة محجبة في البيت الأبيض: ومحاولته  ربح الحرب التي خسرها بوش عبر اكتساب العقول والقلوب.. وأفهم أيضا من ينظر بتشكك إلى كل مفردات الخطاب الأمريكي الجديد على أنه مجرد مكياج جديد لا أكثر، ومن ناحيتي لا أعول على تغيير كبير في سياسة أمريكا في العالم العربي (حتى لوكان أوباما يريد ذلك فعلا..).. لكنه على الأقل لن يكون أسوأ، فمن الصعب جدا لأي رئيس أن يكون أسوأ من الرئيس السابق..

لكن هذا الأمر يخص الشرق الأوسط فحسب، أما بالنسبة لأمريكا ومسلميها فالأمر لم يعد كما كان.. ولا يجب أن ننسى ذلك أونتجاهله..

بالنسبة لما يقرب من 8 ملايين مسلم أمريكي (إذا صحت إحصائية النيوزويك)، كانت السنوات الثمانية الماضية سنوات عجاف جدا (كما كانت بالنسبة للجميع في كل مكان!)..كان هناك ترصد إعلامي لهم وكانت تهمة الإرهاب تلاحقهم كشبح.. التنوع العرقي الذي هوالأكبر في أية طائفة دينية في الولايات المتحدة زاد من تشرذمهم وبالتالي من تأزمهم: كأن الإعلام يعاملهم  ككتلة واحدة بينما هم شظايا متفرقة طائفياً وعرقياً واجتماعياً.. نسبتهم السكانية التي لا تتجأوز 4% وعدم وجود ولاية واحدة تفوق نسبتهم فيها الـ 3%  بالإضافة إلى عزوفهم التقليدي عن المشاركة جعلهم كتلة مهملة انتخابياً إلا في مناطق قليلة جدا.. ذلك جعل هويتهم (المهددة أصلاً) أكثر عرضة للذوبان والخطر في عهد السنوات العجاف الثماني.. (رغم أن هذا كله ولّد رد فعل عند البعض للمزيد من التمسك.. لكن هذا موضوع آخر).

لكل ذلك، وبغض النظر عن نوايا أوباما، فإن دخول سيدة “محجبة” إلى البيت الأبيض، له معان كثيرة للمسلمين في أمريكا..

سينظر لي البعض “نظرة” تأفف وازدراء: معان كثيرة من أجل قطعة قماش ؟.. متى ستكفون عن ذلك؟

نعم.. معان كثيرة في قطعة قماش تختصر منظومة فكرية متكاملة.. قطعة قماش هي بمثابة علم ترفعه داليا مجاهد كل صباح عند دخولها لمكتبها التابع للبيت الأبيض.. فلنتذكر هنا أن داليا مجاهد ليست موظفة في مصلحة حكومية في واحدة من بلداننا، تضع “ايشاربا” على شعرها كيفما اتفق، وربما لا تصلي حتى، وربما لا تضعه أحيانا..!

لا.. داليا مجاهد متمسكة بحجابها ضد تيار عاتٍ لا يجبرها حقيقة على خلع حجابها (كما حدث في بعض بلداننا الإسلامية!) لكنه يجردها أولا وبالتدريج من المنظومة الفكرية التي يمثلها هذا الحجاب، وبالتالي يصبح الحجاب مجرد قطعة قماش يسهل نزعها تحت هذه الحجة أو تلك (كما حدث للكثيرات بالفعل).

لكن داليا مجاهد ليست من هؤلاء.. لا أشك للحظة واحدة أن مشوارها المهني الناجح الذي أوصلها إلى معهد غالوب أهم مراكز الاستطلاع وقياس الرأي ( أوتكوينه؟) في الولايات المتحدة قبل أن يوصلها إلى البيت الأبيض كان سيكون أسهل بكثير فيما لوكانت بلا حجاب.. لكن الطرق السهلة ليست بالضرورة هي الطرق الصحيحة، خاصة لمن كان يمتلك منظومة فكرية متكاملة لها منهجها الخاص ومقاييسها الخاصة..

في كل مرة تتحدث فيها داليا مجاهد فإنها تتحدث بلغة مفهومة جدا بالنسبة للغربية: لا أقصد هنا الإنجليزية السليمة فهذا سهل، بل أقصد لغة الأرقام، لغة الإحصاء الذي يكون أحيانا أكثر إقناعا من أي منطق بالنسبة للغربيين (حتى لوكانت الأرقام لا علاقة لها بالمنطق!)..لا تتحدث داليا مجاهد عن الإسلام قط، ولا عن نصوصه، ولا عن كونه يدعوإلى السلام والرحمة فذلك الحديث استهلك تماما ولم يعد له أثر حقيقي، بل إنه استخدم أحيانا من الأشخاص ذاتهم الذين قادوا حروبا “دينية” ضد المسلمين.. داليا مجاهد لا تدافع عن إسلام مثالي تاريخي لم يعد له وجود، فذلك أمر لا يهم المتلقي الغربي من قريب أو بعيد، إنها تستخدم لغة الأرقام لتقدم له صورة أخرى عن المسلمين.. صورة مغايرة عما هوسائد في الإعلام الغربي..

تمارس داليا مجاهد انتقاءات إحصائية محترفة وتقدمها بذكاء شديد لتصدم النظرة الغربية، من انتقاءاتها المفضلة مثلا: العداء لأمريكا في فرنسا مقارب للعداء لأمريكا في العالم الإسلامي، بل ويفوقه بكثير فى بعض الدول الإسلامية!..

نسبة من يؤيد الحكم بالكتاب المقدسBible   (بعهديه القديم والجديد) في الولايات المتحدة مقاربة جدا لنسبة أولئك الذين يدعون إلى حكم الشريعة في بلدان العالم الإسلامي، ونسبة أولئك الذين يدعون إلى أن يكون الكتاب المقدس هو”المصدر الوحيد للتشريع” مقاربة جدا لأولئك الذين يدعون الدعوة ذاتها في بعض بلدان العالم الإسلامي.

نسبة من يؤيدون “قتل المدنيين الأمريكيين” لا تتجاوز الـ 7 % في العالم الإسلامي، وهذه الـ 7%  -كما تقول داليا- لم تكن أكثر تدينا على الإطلاق من الآخرين الذين يرفضون  الأمر.. أكثر من هذا: إن من يرفض قتل المدنيين برر رفضه بالاعتماد على نصوص دينية (نص قرآني أوحديث نبوي) بينما لم يكن هناك ولا حتى شخص واحد – كما تشدد داليا – من النسبة المؤيدة استخدم نصا دينيا ليدعم تبريره.. لماذا إذن ارتبط الأمر في الأذهان بالدين الإسلامي ونصوصه؟ ترد داليا مجاهد بحسم بشقين: الأول إصرار الإعلام الغربي  الذي يلعب دور تكوين الأذهان على ذلك، والثاني هو أن من قام بهذه العمليات استخدم حقيقة أن 80% من المسلمين يقولون: إن الدين يشكل جزءا مهما من حياتهم، ليبحث عن قاعدة للدعم له.. لا ننسى هنا أن  نسبة تأييد المواطنين الأمريكيين لقتل المدنيين المسلمين  تفوق الـ7% بكثير! (حسب إحصائية قامت بها جامعة ميريلاند ونشرتها الكريستيان ساينس مونيتور بتاريخ 27/2/2007 فإن 24% من الأمريكيين يؤيدون ذلك ذلك!!)

من المواضيع الشائكة الأخرى التي تستخدم فيها داليا مجاهد الأرقام لتقول شيئا مختلفاً عما تردده ماكنة الإعلام الغربي ( والعربي المتغرب في أحيان كثيرة وبحماس منقطع النظير) هو موضوع حقوق المرأة في العالم الإسلامي.. فالمرأة تقدم إعلاميا بصفتها “الحسناء المعذبة” من قبل الشريعة ورجالها في العالم الإسلامي: لكن داليا مجاهد تقول: إن أرقام النساء والرجال سواء في تأييد الشريعة بلا فارق إحصائي يذكر( أي إن تأييد الشريعة لم يتأثر بالجندر طيب الذكر!)..بل إن النسوة غالبا- عكس ما هوسائد إعلامياً – يعتبرن أن الشريعة هي التي ستمنحهن حقوقهن.. تعرض مجاهد أيضا أرقاماً إحصائية عن مرتكبي جرائم الشرف فتثبت أنهم غالبا غير متدينين ولا يؤدون أبسط الشعائر (الصلاة والصيام ) كما أنهم غالباً ما يحملون تاريخاً في السوابق الإجرامية: أي إن الأمر في النهاية مجرد جريمة أخرى لا علاقة للتدين بها، ( على العكس قد يكون التدين عاملا إيجابيا في الأمر بطريقة ما: ربما يساهم في منع الجريمة بمنع أسبابها أصلاً..!).الأمر ذاته بخصوص الديمقراطية التي تعتبرها ماكنة الإعلام الغربية (والناشطون العرب من ورائها..) هي الحل لكل مشاكل المسلمين، فإن الغالبية العظمى ممن أحصتهم داليا يرغبون في رؤية تداول سلمي للسلطة يحدث في بلدانهم لكن دون الأخذ بالديمقراطية الغربية كنموذج يجب تطبيقه بالتفصيل..

الأمر المهم في كل هذه الأرقام ليس نتائجها المغايرة للسائد فحسب، بل إنها تتخذ طرقا علمية في قياس الرأي بحيث يكون النموذج المأخوذ من دولة ما يمثل بشكل نسبي الطبقات الاجتماعية – معدل الدخل والتعليم – في هذه الدولة.. وهكذا هوالأمر بالنسبة لـ35 ألف شخص في 35 دولة إسلامية شملتها الدراسة.. وهكذا فإن رأي من يسمون غالبا بالناشطين والناشطات  في الجمعيات إياها يتحول ليأخذ حجمه الحقيقي (مقارب للصفر..!)..حيث إن هذه الجمعيات ونشاطاتها تتبع مصادر تمويلها حتماً.. ولذا نرى الفرق الكبير بين ما تقوله الإحصائية وبين ما تردده  ناشطات حقوق المرأة مثلاً..

هل ستحدث إحصائيات داليا مجاهد صدمة بحيث تغير الرأي العام الغربي؟ لا طبعاً فالأمر أعقد من ذلك بكثير.. لكنها ستحدث على الأقل ثقباً ما في الجدار العالي الذي استطاع لعقود أن يغسل الأدمغة في الغرب وفي غير الغرب..هذا الثقب المدعوم بقوة من مكانة غالوب وسمعتها قد لا يكون كافياً ولكنه جيد كنقطة انطلاق جديدة خاصة بالنسبة لمسلمي الغرب..

لكن ما هو مهم جدا في كل ما تمثله داليا مجاهد هو وجود نموذج ناجح للجمع بين الإسلام وبين المواطنة الفاعلة في المجتمع الأمريكي.. داليا مجاهد مثلها مثل الملايين اكتسبت الجنسية الأمريكية وعلينا أن نعتبرها مواطنة أمريكية حتى لواحتفظت بجنسيتها المصرية، بمجرد أدائها لقسم المواطنة فإن واجبها كمسلمة سيحتم عليها عدم الحنث بهذا القسم والإخلاص للوطن الذي انتمت له: لكن واجبها كمسلمة سيحتم عليها أيضا أن تحاول الإصلاح ما استطاعت ضمن هذا المجتمع، أن تحاول أن تكون نموذجاً إيجابياً فاعلاً للإسلام في هذا المجتمع (وهوأيضا واجب المسلمين في مجتمعاتهم من باب أولى، قبل أن ننسى!)..لعقود كان المهاجرون المسلمون يجدون أنفسهم أمام خيارين عندما يصبحون مواطنين أمريكيين: إما الذوبان التام وفقدان كل أثر للهوية المسلمة، أو الانكفاء والعزلة عن الفاعلية والتأثير داخل مجتمعهم الجديد، داليا مجاهد تمضي إلى الطريق الآخر ( والأصعب ولكن الأسلم على المدى البعيد).. إنها تمضي إلى التوفيق الإيجابي بين مواطنتها في هذا البلد وبين دينها وقيمه..

 بالمناسبة: “حجاب” داليا مجاهد أبعد ما يكون عن “الحجاب الأمريكي” السائد في أوساط كثيرة حتى داخل مجتمعاتنا: الذي ليس أكثر من غطاء للرأس مع ملابس ضيقة جدا، هذا الحجاب الأمريكي هومجرد قطعة قماش “لإسقاط الفرض” لا أكثر ولا أقل.. دون أن يرتبط بما وراءه من قيم، لكن حجاب داليا، المقبول كمواصفات حتى داخل مجتمعاتنا، أكثر جدية بكثير: لأنه يمثل فعلاً منظومة فكرية تحرص داليا على إبرازها دون خجل أوشعور بالدونية.. وهي تقدم بذلك – خاصة بدخولها إلى البيت الأبيض – المثال والنموذج لذلك الجيل القادم من المسلمين الأمريكيين الحيارى بين مفترقي الطريق: إما الضياع أوالعزلة، مجرد وجود داليا مجاهد بحجابها ومنطقها المتماسك، وتمسكها بدينها يفتح لهم طريقا آخر.. طريق أن تكون أمريكيا دون أن يعني ذلك أن تتخلى عن تدينك أوتتركه جانبا.. بل أن نجعل منه وسيلة للإصلاح داخل مجتمع يحتاج إلى الكثير من الإصلاح..

من يخاف من داليا مجاهد إذن؟.. بالتأكيد الخوف واضح في أوساط اليمين الديني المحافظ الذي يتصيد لأوباما أية هفوة، مواقعهم التي تداولت الخبر قالت بالحرف في عناوينها الرئيسية إن داليا مجاهد قريبة من تنظيم متشدد مستدلة على أنها أدلت بتصريحات لموقع الإسلام أون لاين..!، أحد هذه المواقع قال إن القاعدة افتتحت مكتبا للاستشارات في واشنطن!!، وموقع آخر قال: “مسلم كيني يعين مسلمة مصرية مستشارة له!!”..

لكن هناك خوف أكبر وربما أقل وضوحاً وربما لا يحاول أصحابه التعبير عنه: أولئك النسوة اللواتي تم دعمهن للظهور في الإعلام الموالي لللإدارة السابقة على أنهن نموذج للنساء المسلمات: بعضهن كن يبدون كما لو أنهن قد تم استقدامهن من المصحة للتو لتقديم هجوم مقذع على الإسلام ونبيه، وبعضهن كن أكثر أدباً يتحدثن عن الإسلام بإيجابية أكثر ولكنهن عمليا يقدمن إسلاماً نظرياً لا مكان فيه لأي شيء (عدا عن الحجاب طبعا..)..

أدعياء التجديد الديني أيضا، يحق لهم أن يخافوا من داليا مجاهد، فقد بذلوا جهودا كبيرة لخلع الحجاب في العالم الإسلامي، وإضفاء صفة الشرعية على هذا الخلع، تمريراً لمشروع ليبرالي واضح المعالم، وإذا بداليا مجاهد وحجابها يضعهم ومشروعهم جميعا في زاوية ضيقة للغاية.

كل ناشطة إسلامية في الغرب عموماً وفي أمريكا خصوصا، وضعت حجابها لهذا السبب أوذاك، عليها أن تراجع أسبابها حقا مع ظهور نموذج مغاير مثل نموذج داليا مجاهد ..

بالمناسبة : حجاب داليا مجاهد ليس على رأسها فقط..

إنه على رأسي أنا أيضا.. كما يقول أهل الشام الغاليين.. بلهجتهم المحببة..

يدري الخلاص من الشقاوة من شقى : بقلم رغداء زيدان

يدري الخلاص من الشقاوة من شقي

 

رغداء زيدان

 

 

إذا رجعنا إلى المعاجم اللغوية وبحثنا في معنى كلمة الحرية لوجدنا أن العرب تصف الشيء بأنه حرّ للدلالة على خلّوه من الشوائب التي قد تغيّر من صفاته المميزة, فيقولون مثلاً: ” ذهبٌ حرّ ” أي خالي من الشوائب الأخرى التي تختلط بمعدن الذهب فتنقص من قيمته وتغير من صفاته.

 

ولكننا نستخدم كلمة الحرية اليوم للتعبير عن حالة الإنفلات من القيد, وبهذا نحوّل معنى الكلمة إلى وجهة جديدة لا تعبّر عن معنى الكلمة الإيجابي, فهي تحمل معنى النقاء والتميز, فالحر من أي شيء هو من لا تشوبه شائبة تؤثّر على كيانه فتغير فيه. وهي من جهة أخرى تحمل معنى الفاعلية, فإذا اتجهنا للإنسان ووصفناه بالحر, فنحن نعني أنه الانسان الذي استطاع أن يتخلّص من كلّ الصفات التي تخرجه عن إنسانيته. وبهذا فإننا إذا استخدمنا كلمة الحرية عكساً للعبودية فإننا نستخدمها بشكل اصلاحي, فكأننا نقول إن العبودية هي صفة سلبية إذا دخلت على الإنسان أخرجته عن إنسانيته وجعلته مخلوقاً آخر لا يستطيع القيام بما توجبه عليه صفته الإنسانية, ووظيفته التي خلقه الله من أجلها.

 

وإذا دققنا النظر فيما سبق فإننا سنصل إلى فكرة أخرى, وهي أن التحرر كفعل, يستلزم شعوراً بالشائبة أو المعوق الذي دخل على الشيء فمنعه أو أعاقه عن القيام بوظيفته التي كُلّف بها. ولتوضيح الصورة نأخذ مثلاً ” تحرير” المرأة, هذا المطلب الذي مازلنا نسمع كلاماً كثيراً حوله, وخصوصاً في وقتنا الحالي.

فتحرير المرأة يُستخدم كمصطلح يُقصد به تخليص المرأة من كلّ المعوّقات التي تمنع قيامها بوظيفتها في المجتمع, بصفتها امرأة حرّة. ولكننا إذا نظرنا إلى الدراسات التي اهتمّت ببيان هذه المعوّقات تمهيداً لتخليص المرأة منها, نجد أن معظم الدعوات اتجهت إلى اعتبار الحجاب مثلاً معوّقاً من هذه المعوّقات, فكثرت الكتابات التي هاجمت الحجاب, وحاولت إقناع القارئ بسخفه وعدم ضرورته, بل إن بعض هذه الكتابات جعلت القارئ يظن أن خلع الحجاب سيكون هو المخلّص الوحيد لهذه المرأة المسكينة.

وبالطبع فإن هذا ليس صحيحاً, فأنا كمحجبة لا أشعر مثلاً أن حجابي معوّق لي, يمنعني من أداء عملي وخدمة مجتمعي, ولكنّ المعوّق الذي أشعر به هو تلك النظرة لحجابي على أنه معوّق, فكثير من الوظائف تمنع استخدام المحجبات, وكثير من الناس وخصوصاً من يدعي التثّقف منهم, ينظر نظرة احتقار واستخفاف للمرأة المحجبة, ومسلسلاتنا خير دليل على هذا, فغالباً نجد أن المحجبة هي امرأة جاهلة متخلفة, متعصبة, بل وراضخة ذليلة. وبهذا تصبح هذه النظرة إلى حجاب المرأة هي المعوّق للمرأة وليس حجابها بحد ذاته.

وحتى نكون منصفين يجب أن نقول إن النظرة المعاكسة لهذه النظرة, والتي تعتبر المرأة عورة كلها هي أيضاً نظرة معوقة لتحرر المرأة, وليست بأفضل حال من النظرة الأولى, فكثير من الناس يعتقد أن المحجبة يجب عليها التزام بيتها, ويجب عليها الانعزال, بل حتى لا يجوّزون لها المشاركة في النشاطات الترفيهية البسيطة بحجة “أنت محجبة وهذا لا يليق بك”.

وبسبب هذا التقدير الخاطئ والدراسة السطحية لمعوّقات تحرر المرأة, دخلنا في معارك ثانوية, وابتعدنا عن الموضوع الأساسي, فهل ما نراه من عري من قبل معظم من تمتهن الغناء اليوم, من مؤديات لا يمتلكن من مؤهلات الغناء شيئاً, ولكنّهن يمتلكن استعداداً لكشف أكبر قدر من مفاتن الجسد, وقدرة على التمايل وتمثيل ايحاءات مثيرة, قد ارتقى بهن حتى أصبحن متحررات فعلاً من معوقات تمنعهن من أداء وظيفتهن في المجتمع؟ أعتقد أنني سأسمع جواباًسيكون مطابقاً لقول الشاعر, الذي يمثّل النظرة السطحية إلى وظيفة المرأة, والتي تحصرها في تأمين المتعة فقط, حين قال:

هُنَّ النساء حبائل الشيطان……………….ِيعنو إليها أشجع الشجعانِ

يسلبنَ ألباب الرجال بنظرة……………. واللحظ مغناطيس كل جَنانِ

فإذا مشين ومِلن في حَليٍْ وفي………….. حُلَل أثرن مكامن الأشجانِ

وإذا سفرن عن المحاسن للورى……… فهناك مصرع كل قلب عاني

 

ومن الأمور التي يبحثها الباحثون حول معوّقات تحرر المرأة وليست هي من المعوّقات فعلاً, مسألة المساواة مع الرجال في كل شيء, وهذه الدعوة هي من السطحية بمكان بحيث أنها ترمي فيما ترمي إليه إلى تغير طبيعة المرأة نفسها. فالرجل والمرأة متكاملان ولا يمكن أن يتساويا, وليس في كلامي هذا انتقاص للمرأة, ولا تفضيل للرجل, فالتفاضل بين الأشياء يكون بين أشياء متماثلة, فنقول على سبيل المثال هذا النوع من القماش أفضل من هذا النوع من قماش آخر, فالنوعان هنا متماثلان ولكنّ في أحدهما مميزات أفضل من الآخر, ولكن لا يجوز أن أقول مثلاً إنّ هذا المشط أفضل من هذه الكرسي, فالمشط شيء مختلف عن الكرسي في خصائصه الأساسية, ولا يمكن المقارنة بينهما.

وبالنسبة للمرأة والرجل لا يجوز أن نقول الرجل أفضل من المرأة أو أن المرأة أفضل من الرجل كما لا يجوز لنا أن نطالب بمساواتهما ببعضهما لأنهما متمايزان ولكنهما بنفس الوقت ليسا منفصلين, فلا يتم عمل أحدهما دون الآخر لذلك فهما متكاملان. وبالرغم من ذلك نجد من يطالب بالمساواة بينهما, وكأنه بهذا يطالب بتغيرهما وسلب إمكانية تكاملهما وتعاونهما لبناء البشرية.

 

طبعاً أتمنى أن لا يُفهم من كلامي أنني أغض الطرف عن وضع المرأة المزري في مجتمعاتنا, فلا يمكن إنكار هذا, ولكن يجب علينا التمييز الحقيقي لمعوّقات تحرر المرأة بصورة واضحة لا لبس فيها, حتى نصل في النهاية إلى نتائج صحيحة, وصدقت باحثة البادية حين قالت:

من يطلب العلياء دون تدبـر……………. لا تعجبن لسعيه أن يخفق

هلا صرفتم بعض وقتكمو على………رأب الصدوع ورتق ما لم يرتق

يا ليت شعرى والمشارب أمرها………….متعاكس من أى ورد نستقي

فدعوا النساء وشأنهن فإنما……….يدرى الخلاص من الشقاوة من شقي

 

 

 

العلمانية العربية : تدجين أم تدجيل ؟ (1-2) بقلم ليون الافريقي

head4(في البدء كان الكلمة)  و الكلمة هي يسوع المسيح عليه الصلاة و السلام، و هو بافتدائه لخطايا البشر من فوق الصليب- حسب الايمان المسيحي- بات يمثل تجسد المقدس في الدنيوي من خلال طبيعته الثنائية، و صار نقطة تقاطع الإلهي بالبشري. و إن كان يُفترض أن تعود الإرادة الحرة للإنسان حاكماً لأفعاله، فإن ما حدث أن الوجود المقدس للمسيح استمر عبر الكنيسة التي هي جسده، و هذا المقدس المطلق لا بد من عزله عن بقية الدنيوي النسبي مع استمرار تأثيره فيه، و لهذا كان وجود رجال الدين داخل أسوار الكنيسة ليديروا أمور المؤمنين الذين خارجها يعنون بأعمال العالم.. العلمانيون. ذاك هو الظهور الأول لمصطلح العلمانية.

كانت الامبراطورية الرومانية قد تابعت ما بدأته مع السيد المسيح مستعينةً بأولئك الذين طردهم من الهيكل، فاضطهدت الشهداء الأوائل في حدودها الشرقية، مما سيدفع بولس الرسول إلى الهرب إلى قلبها لينتشر دين الله في أوروبا و يصل روما، حيث سيتم اختطاف المسيحية و نسبها إلى الغرب رغم أنها ابنة الشرق وفق جغرافية المسيح (التعبير للبطريرك إغناطيوس الرابع هزيم في مداخلته على محاضرة أسقف كانتربري في 28 يناير 1999) تماماً كما سبق لزيوس في الأساطير الإغريقية أن اختطف أوروبا ابنة ملك صيدون (لبنان) و هرب بها عبر المتوسط إلى جزيرة كريت. باعتناق الامبراطور قسطنطين للدين الجديد وصلت الكنيسة للمرة الأولى إلى الاحتكاك بالسلطة.. الخطيئة الأولى، لكن الظلم لمّا يهدأ.

كان هناك اضهاد غربي مستمر لمنابع المسيحية و كنائسها التي حافظت على روح الدين دون تأثر بالوثنية الرومانية، من ذلك الكنيسة الآرية و النسطورية و المنوفسية اللاتي تمت إدانتهن في المجمعات المسكونية في نيسيا 325 م، أفسوس 431 م، خلقيدونيا 451 م على الترتيب، و بعد هذا الأخير على الأخص أمعنت الامبريالية الرومانية في اضطهاد الشعوب التي استعمرتها بتهمة الهرطقة في الدين الذي هدتها إليه أصلاً! في شكل مذابح جماعية مارستها الكنيسة البيزنطية الرسمية ضد مسيحيي الشرق، كان من نتائجها شبه انفصال عضوي للكنيسة السريانية في سوريا و الكنيسة القبطية في مصر عن كنائس الروم الرسمية في القرنين الخامس و السادس الميلادي. و بعدائها للكنيسة الرسمية، مهّدت هذه الكنائس الوطنية الطريق أمام موجة الهجرة العربية الخامسة و الأخيرة متمثلة في الفتوح الإسلامية، و التي لا تعد غزواً بل تحريراً لأشقاء في العروبة من ظلم الرومان وفق كلمات ميخائيل السرياني بطريرك السريان الأرثوذكس في القرن الثاني عشر، و مثله يوحنا القبطي أسقف نيقو و سواروس الأشموني، ساعد أيضاً في هذه الفتوح و استقرار دولتها سياسة تطبّق للمرة الأولى في تاريخ البشرية بعدم إجبار الشعوب على اعتناق دين حكامها (و هو أمرٌ تأخر في الغرب حتى الثورة الفرنسية و الأمريكية في القرن الثامن عشر)، و ترتّب عليه أن فتح أهل إيلياء “القدس” الأبواب للمسلمين خلاصاً من ظلم هرقل، و سيبقون يطالبون بالعهدة العمرية إلى يومنا هذا كما يفعل المطران ميشيل صباح مطران الروم الكاثوليك في القدس، و بالمثل فعل الأقباط أمام جيش عمرو بن العاص، و للأسف ستدفع المسيحية المشرقية ثمن خلاصها عندما يحتفظ الروم بنقمتهم حتى الحروب الصليبية و يقتلوا فيها من أبناء دينهم في الشرق ما يوازي نسبةً من قتلوا من المسلمين.

كانت الامبراطورية في انهيارها الأخير، و باتت أوروبا ممالك مسيحية متناحرة متشتتة بينما الهوة تزداد اتساعاً بين الكهنوت المقّرب من المقدّس و من السلطة على حدٍّ سواء، و بين (العلمانيين) الذين يجب عليهم الرضوخ للمشيئة الإلهية التي تنطقها دون تفكير، و ستمر العصور الوسطى بظلامٍ حضاري علمي و فكري يستمر التذكير به في مدارسهم إلى اليوم كي لا يجازف أحد بتكرار ما حصل. كان التناقض يزداد في فكر الكنيسة بين مسؤوليات روحية لا تؤديها إلا لملء خزنتها من منح المناصب الكهنوتية للإقطاعيين مقابل تبرعات باهظة و بيع صكوك الغفران للبسطاء كي يضمنوا مكاناً في جنة السماء بعد أن غُصبوا على الاقتناع بخسرانهم لنعيم الأرض، و بين مطامع سياسية باستمرار قوتها من خلال تحالف الفاتيكان مع الملك المسيحي الأقوى في أوروبا – و لم تكن موفقة دوماً في رهاناتها -  أو تأليب الأطراف على بعضهم ليستمر بالتحكم من خلال اختياره على من يسبغ بركته، كان التناقض يتسارع بين رغبة الكنيسة المترفة بالإسهام في عصر النهضة و التمتع بفنونه، و بين اضطهاد كل من يقترب من سلطتها المطلقة و يهدد امتلاكها وحدها للحقيقة الكاملة، فأُحرقت كتب و أُعدم علماء، و كانت الهرطقة أسهل التهم لمن يمتلك شيئاً من كتب العرب القادمة من الأندلس. حدث الانفجار الأول، و اشتعلت الثورة اللوثرية كمحاولة إصلاح داخل الدين قامت بكسر الأسوار و جعلت المقدس يحل في كل المؤمنين به داخل و خارج الكنيسة بحيث تنتفي مهانة العلمانيين لجهلهم بالكهنوت و حرمانهم من بركته، لكنها لم تنجح سوى في خلق المزيد من التناقضات و الحروب بين الممالك الأوروبية التي تنهار تباعاً أمام جيوش العثمانيين المسلمة، ليمثل تناحرها كقوى مسيحية لاهية عن خطر الغزاة قمة المأساة لشعوبها. كان الانفجار الثاني و الأهم نتيجةً متوقعة للجهل باستقراء التاريخ، فقامت الثورة الفرنسية على مبادئ إنسانية و ممارسات وحشية تجسدت في قول الثوريين “اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس”. و عندما هدأ بحر الدم، كان الإكليروس قد خسر كل سلطاته لصالح الذين عزلهم و اضطهدهم من العلمانيين، و الذين سيغدون منذ ذاك الوقت أولئك الرافضين لحكم الكنيسة التي استغلتهم و سخّرتهم لمصالحها الخاصة.

لا شك أن الانشقاقات الكنسية (الإنجليكانية في انجلترا و الأرثوذكسية في القسطنطينية و البروتستانتية في ألمانيا عدا الكنائس المشرقية في أنطاكية و الاسكندرية) إلى جانب تفتت الامبراطورية الرومانية و ظهور الدول القومية و تناحراتها ساهم في وصول أوروبا إلى تبني خيار العلمانية حلاً لا بد منه للخلاص من تحالف الدين مع السلطة كي يصل إلى مقاليد الحكم من استبعدتهم الكنيسة على الدوام، إضافة إلى عاملٍ مهمٍ آخر يتمثل في ضرورة دمج القوة الاقتصادية الحاكمة (اليهود عبر التاريخ الأوروبي) ضمن المجتمعات و السلطة دون تمييز عنصري، و لذلك ارتبط خلاص اليهود من عذابهم عبر القرون بانتهاء حروب الكاثوليك و البروتستانت مثلاً، فالعلمانية الاجتماعية ستلغي عامل التمييز الديني و ما ينجم عنه من اضطهاد بحيث يتسنى لليهودي الاستمرار في سياساته المستغلة دون تفريغ النقمة “المقدسة” فوق رأسه. و بشكلٍ متزامن مع ازدياد القوة الاستعمارية و تقاسم الدول الأوروبية للعالم، بدا لشعوبها أن هذا الطريق قد أتى لهم أخيراً بما كانوا يريدونه من سلام داخلي و رخاء معتمد على شقاء الآخرين، و بدت الكنيسة راضخة نوعاً ما لهزيمتها رغم عودتها للتحالفات الخاسرة، فاليوم نجد الأحزاب اليمينية الأوروبية المتبنية لذات الليبرالية السياسية و الاقتصادية لأحزاب اليسار أنها لم يتبق لها سوى محاربة الليبرالية الاجتماعية و التغطي بعباءة الدين، فتقوم بتوثيق علاقاتها مع الكنيسة التي تمد يدها للجميع عسى أن تنتشلها من وهدتها يدٌ ما، من ذلك حوار الأديان الذي أرسى قواعده البابا يوحنا بولس الثاني، أو الحوار مع العلمانية للوصول إلى صيغة “صحية” على حد تعبير البابا بينيدكت السادس عشر في لقائه مع ساركوزي يوم 12 سبتمبر 2008. بالمقابل فإنه من المدهش أننا لن نجد بين أعمدة الهوية الأوروبية الحديثة [المسيحية، الرأسمالية، الحرية، الفردانية] ذكراً للعلمانية، فإن تذكرنا أن الدين هو “الطريق” و “طريقة الحياة”، سنفهم ذلك لأنها قد أصبحت دين الناس الفعلي الممارس يومياً خاصة مع شيوع الفلسفة المادية المنتشرة مع الرخاء الاستعماري و غرور القوة، و أما المسيحية فهي مجرد قشرة يراد منها التميز عن العدو، الآخر القابع في الشرق مع بارانويا مستمرة من عودته لغزوها، مادياً أو ثقافياً، و آخر تجليات ذلك هو الإسلاموفوبيا و الشيطنة الإعلامية لكل ما هو مسلم (و التركيز الآن على الأوروبيين المسلمين/ المهرطقين الخارجين عن ثقافتهم و حضارتهم الوحيدة) و كل ما يحمل ملامح شرقية، و العلمانية الغربية اليوم باتت ضرورة ملحة في صد المد الثقافي الاجتماعي للحضارة القادمة من الشرق، أبسط مظاهرها إجراءات فرنسا ضد المظاهر الدينية بما فيها الحجاب، معارضتها لانضمام تركيا القوية اقتصادياً إلى الاتحاد الأوروبي مقابل ضم مباشر لرومانيا و بلغاريا اللتين تشكلان عبئاً كبيراً على بقية أعضاء الاتحاد، تصريحات ملكة الدانمارك ضد المسلمين في فبراير 2005 و التي تم استكمالها في حملة الرسوم المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه و سلم، و من بعدها الأفلام الهولندية و قضية حجاب الشرطية المسلمة في النروج… و غيرها مما يطول ذكره. لا يزال الغرب بعد أكثر من ألفي عام يرفض الآخر و يحاربه. لا يزال الغرب خائفاً من التحديق في المرآة، و العبور إلى الضفة الأخرى.

إذاً فقد بدأت العلمانية كثورة تهدف إلى إبعاد المؤسسة الدينية عن السلطة الحاكمة، و انتهت إلى فصل الدين عن المجتمع بحيث بات الخروج عن كل التعاليم الدينية القديمة – ما صلح منها و ما بطل – مطلباً للتحرر من قيودها، تستوي في ذلك إطلاق العنان لحرية الفكر مع الانفلات الجنسي و تلبية الرغبات الجسدية المختلفة دون حدود، و باتت مهمتها التكريس للثقافة المادية التي لا تعترف سوى بالذي تدركه الحواس الخمس و يلبي شهواتها غي عالم كل ما فيه – من قيم و حتى إنسان – يمكن تسليعه، في مواجهة الروحانية التي لم تستطع حل مشاكل الأرض إلا بوعود السماء. و باتت إحدى أشيع الصور التي تبيّن التناقض الباطن في الثقافة الغربية مشهد امرأةٍ لم تجد سوى جسدها العاري لتثبت وجودها و تهين قيمتها، مع صليبٍ يزيّن عنقها و ما هو دونه! أو تجريم الزواج المتعدد القانوني مع الامتناع عن ذلك حيال العلاقات الجنسية خارج مؤسسة الزواج، فلا بأس بأن يكون للرجل بضع صديقات سرير في أنٍ واحد و لكنه سيلقى جزاءه إن قام بتوثيق علاقتين أسرويتين معاً! عادت المسيحية غريبة في الغرب نتيجة السياسات الخاطئة للمؤسسة الكنسية عبر العصور في اضطهاداتها و تحالفاتها الخاسرة و معاداتها لخروج العلم عن مسلّماتها اللامنطقية، و باتت مجرد قشرة وثنية تلبي حاجة السوق من خلال الاحتفالات الباهظة في أعياد الميلاد و القيامة، أو قشرة ثقافية من تسمية الأيام و الناس بأسماء القديسين في مواجهة المختلف الذي ينمو في عقر دارهم كل يوم.

فنشأة العلمانية و ضرورتها التاريخية مرتبطة عضوياً بالغرب و حاجته للنهوض من القاع إلى القمة بتحرير الفكر المقيّد ، و هي تجربة غنية بكل ميزاتها و تطوراتها و أخطائها خاصة عندما انحرفت – كحال الأديان – من كونها وسيلة للحياة إلى غاية الحياة. لكن هل يتوافق ذلك مع الشرق الذي سادته في القرون الأخيرة ثقافة عربية إسلامية؟

لن أركز هنا على كذبة نشوء المبادئ الإنسانية التي تطلبها البشرية في زماننا – مثل الديمقراطية و الحرية و مساواة المرأة بالرجل في القيمة – في الحضارة الإغريقية التي هي أم التاريخ الغربي، و سنتناسى تاريخ الفينيقيين و البابليين في المجالس الاستشارية و التشريعات القانونية، و الإنجازات العلمية الفرعونية و البابلية،  و أن أول وثيقة في حقوق الإنسان كانت ميثاق قورش الكبير الذي لا يزال نصه معتمداً في الأمم المتحدة، أو أن أول إجماع على حماية حقوق الإنسان كان في حلف الفضول العربي .. سأنتقل إلى أصول الثقافة المستمرة إلى يومنا، و لنتذكر الدولة المدنية التي قامت في يثرب مع مبايعة محمد بن عبد الله قائداً سياسياً فيها بُعيد الإيمان به نبياً صاحب رسالة رحمةً للعالمين، لنتذكر قيمة المواطنة المتساوية بين يهود القبائل الثلاثة التي كانت تعيش فيها و حياتهم المشتركة مع الأوس و الخزرج التي لم تتبدل عندما صار هؤلاء أنصاراً، بل لم يتم تكليف اليهود بأي مساندة للدولة الوليدة عندما وقعت مسؤولية إيواء المهاجرين على عاتق الأنصار من نقطة الواجب الديني – الذي يعتدي على حرية اليهود في الاعتقاد – دون محاربته – على الأقل صراحةً – و دون أن تحرمهم حق المعارضة و تحدي السلطة الدينية من خلال أسئلتهم للرسول عن قصص الوحي. تساوى اليهود أيضاً مع بقية أهل يثرب في واجب الدفاع عن المدينة و في حق حمايتهم إن ألمّ بها من غزو، و الأمر الوحيد الذي قوّض هذا الوضع كان ما قاموا به من مخالفة العهد “القانون” الذي اتفقوا عليه مع المسلمين بالاعتداء على سيادة الدولة و أمن مواطنيها (بنو قينقاع) أو حتى الخيانة العظمى و التآمر مع الأعداء للانقلاب على الدولة (بنو قريظة و بنو النضير) دون أخذ أحدهم بجريرة الآخر عند ارتكابهم لجرائمهم {و لا تزر وازرةٌ وزر أخرى}.

خلال أكثر من 600 عام، سيتكرر مشهد الدولة المدنية التي تنفصل فيها المؤسسة الدينية عن السياسية بل و عن الاقتصادية (تاركةً إياه ضمن النظام الحر القائم على قاعدة لا ضرر و لا ضرار)،  ناهيك عن التعارض بينهما أحياناً كما في تحدي أحمد بن حنبل للخليفة المأمون أو في ثورة أبي ذر الغفاري – أول ثورة اشتراكية في التاريخ (عجبت لجائعٍ لا يخرج على الناس شاهراً سيفه) – على بعض ما شاب عهد الخليفة عثمان بن عفان، و إن كان هناك من عصبية قبلية للعرق العربي (دون تمييز ديني) في العهد الأموي المشرقي دون الانغلاق في وجه الثقافات السائدة حينها من سريانية و يونانية و غيرها، فقد كانت الأمور في أوج ازدهارها في زمن الخلافة العباسية الأولى عندما باتت مقاليد الوزارة و الجيش و مناصب الاستشاريين و الأطباء و الحكماء في متناول كل الأديان و المذاهب و القوميات، مسيحيين و صابئة، فرسٍ و روم. لقد منحت الحرية الفكرية مجالاً واسعاً للاجتهادات الدينية و ظهور الفرق الإسلامية و الفلسفية المتعددة، و التي تم توظيفها سياسياً فيما بعد على عكس ما حصل في الغرب من انقسامات سياسية أدت إلى تشرذم ديني تماشياً مع الإرادة الحاكمة، دون أن ننكر أن الصورة لم تكن دوماً بتلك الوردية، مع تأكيدنا أنه كما في كل بلاد الأرض و في كل زمان، عندما تسوء أحوال الشعب نتيجة سياسات الطبقة الحاكمة فإن هذه الأخيرة تبحث عن كبش فداء يتلقى عنها عبء الغضب و النقمة و يلهي الناس بأمور ثانوية لا تقدّم و لا تؤخر، و غالباً ما تكون الضحية من الأقليات (عددياً أو فكرياً).

إن التاريخ الإسلامي المسيحي المشترك على وجه الخصوص أوسع من أن يناقش في بضعة سطور، سواء في وجهه الفلسفي الديني أو الاجتماعي التاريخي، إذ يشكل المسيحيون كما غيرهم نسيجاً أصيلاً في الحضارة و الثقافة و النضال و المواجهة، و الأمثلة مهما كانت عظيمة الدلالة تبقى قاصرة عن الإحاطة بحقيقة أن الشرق كان دائماً وعاءً للحضارات و حاضناً لكل الثقافات، و أن قبول الآخر و محبته و التعاون معه في بناء الحياة كان هو القاعدة، و عليه لم يكن هناك ضرورة تاريخية أو حضارية لنشوء ظاهرة العلمانية في الشرق مما اقتضته الظرفية التطورية في الغرب.


للحديث بقية

 

مايكل جاكسون : الموت بالسكتة “الحضارية”

emptiness1_thumb11                مايكل جاكسون: الموت بالسكتة “الحضارية

                          د. أحمد خيري العمري  القدس العربي

بعض الأشخاص يتمكنون فعلا من أن يصبحوا رموزا لمجتمعاتهم وحضاراتهم: يمثلون قيمها وقوتها ومبادئها، وتكون قصة حياتهم بطريقة ما، اختصارا لقصة حضارتهم وتركيزا مكثفا لها..

وبعض الأشخاص، على الجانب الآخر، يكونون أيضا رموزا لحضاراتهم ومجتمعاتهم ولكنهم يكونون رمزا لسلبياتها، لكل نقاط ضعفها، لكل ما سيكون السبب في مقتلها: ويكون نجاحهم وشعبيتهم دليلا على موت قادم لا محالة..

لا أجد أكثر من هذا تعبيرا عن كل المظاهر الاحتفالية المصاحبة لموت نجم الغناء، ملك البوب، مايكل جاكسون  والذي كان بحق “رمزا أمريكيا” an American icon.

هذا الوصف استخدم بكثافة في الإعلام الأمريكي الذي استنفر لأسبوع بعد وفاة جاكسون كما لم يحدث من قبل، والوصف حقيقي: فالمغني الراحل كان رمزا أمريكيا: مثل الكوكاكولا، مثل فورد، مثل جنرال موتورز، مثل ديزني..

ولأمريكا نقاط قوة بلا شك، ولنقاط القوة هذه رموز تعبر عنها ولا سبيل الآن إلى الدخول فيها: بعضها رموز أدبية (هيرمان ملفل، أرنست همنغواي، سكوت فيتزجيرالد)، أو رموز غنائية( سيناترا، بريسلي ) وأخرى رموز رأسمالية (روكفلر، فورد ) أو سياسية ( كنيدي، مارتن لوثر كنج)..

كل رمز من هذه الرموز عبر بشكل ما عن نمو المجتمع الأمريكي وتطوره في مرحلة من المراحل: فرانك سيناترا عبر بفنه عن “الحلم الأمريكي”، عن أحلام وقيم الطبقة العاملة المهاجرة من أوروبا في أوائل القرن العشرين والمتطلعة إلى الوصول الآمن إلى  مرفأ الطبقة الوسطى: “الممثل الشرعي الوحيد” للحلم الأمريكي، وكل ذلك تحت إشراف الراعي الرسمي لهذا الحلم: الطبقة الرأسمالية.. وكان الانتقال من الأحياء الفقيرة في نيوجرسي إلى الأحياء الغنية في نيويورك (كما في أغنية نيويورك، نيويورك) ليس حلما شخصيا لسيناترا وحده، بل حلم الملايين الذي سحرتهم فكرة الحلم الأمريكي..

ألفيس بريسلي وقف على قمة تغيرات اجتماعية عميقة عصفت بالمجتمع الأمريكي بعد الحرب العالمية الثانية، فنه عبر عن ذلك التحرر الأخلاقي الذي اجتاح جيله: عن ذلك الشك والريبة (كما في أغنية عقل شكاك suspicious mind)، عن الإحباط الذي عصف بجيل وجد في الروك والرول تنفيسا ما، إنها قيم “الفردية ” التي لا يمكن إنكار أنها كانت بمثابة الداينمو في التجربة الأمريكية، تتحول لتصير القيمة الأخلاقية العليا للجيل الجديد: جيل وجد أنه صار مثل كلب صيد، ولكنه لم يصد أرنبا واحدا ( كما في أغنية  كلب صيد Hound dog)، إنه الكاوبوي – الفرد مجددا، لكنه هذه المرة وحيد ولا يملك سنتا واحدا ( كما في أغنية كاوبوي وحيد Lonely cowboy)، ولكن هذا لا يمنعه من ارتياد أي طريق وأي قطار (كما في أغنية قطار غامض mystery train )..

لا أقول هنا إن ذلك كله كان فنا هادفا (لأنه ليس كذلك ببساطة).. لكنه عبر في مرحلة ما عن نقاط قوة أسهمت في البناء الحضاري الأمريكي، بغض النظر عن تقييمنا لهذا البناء، وبمعزل عن كون ” نقاط القوة ” هذه مناسبة لنا أو غير مناسبة: فليس كل ما هو مصدر قوة يكون صوابا، أو موافقا للشريعة. لكن هؤلاء كانوا رمزا لقيم أوصلت أمريكا إلى “النجاح” –بالمقاييس الأمريكية طبعا..

 مايكل جاكسون كرمز أمريكي، يختلف تماما عن هؤلاء.. أفهم أن السيرك الإعلامي الآن منشغل بالتمجيد لما مثّله مايكل (بعدما انشغل لسنوات في السخرية منه)، لكني لم أجد فيما يمثله مايكل أية نقطة “قوة” تحسب لصالح البناء الأمريكي، على العكس: لم أجد فيه إلا نقاط ضعف تنخر في المجتمع الأمريكي وفي الحضارة الغربية عموما..  نجومية مايكل عاصرت “انفجار وسائل الإعلام”-  بالذات تزامنت مع ولادة و انتشار الفيديو و “الفيديو كليب” وقد استفاد جدا من هذا، وهو أمر لم يتوفر لسابقيه من الرموز-.. ولذلك فإن  تأثيره انتقل بذلك من التأثير على “أمريكا” إلى العالم بأسره: بعض من لا يتحدث الإنكليزية ولا يفهمها أصلا في بلداننا العربية الإسلامية تحول ليصير من أشد المعجبين هوسا بمايكل جاكسون..

أحب أن أذكر هنا أني أنتمي عمريا إلى الجيل الأول الذي استهدفته نجومية مايكل: كنت على عتبة المراهقة عندما انتشرت ظاهرة مايكل جاكسون عالميا، ولم أتذوق مايكل يوما ولم أعجب به ولا بفنه، كنت محصنا بما فيه الكفاية ضد” ثقافة القطيع ” التي جعلت الكثيرين من أبناء جيلي  يعجبون بجاكسون، بل ويفتنون فيه أحيانا بمعنى تقليد ملابسه وحركاته..الخ.

مع ظاهرة مايكل جاكسون، تحول الفن الغنائي ليصير تسلية استعراضية، لم يعد ممكنا فصل الأغنية ( بلحنها وكلماتها وأدائها) عن تصويرها المصاحب لها، والذي تحول مع مايكل جاكسون إلى تصوير لنوع من الرقص…. لا جدال في أن جاكسون هو من اخترعه  ولكن لا جدال أيضا في أنه رقص بذيء بكل معاني الكلمة، ومليء بإيحاءات وحركات جنسية لا يمكن الادعاء ببراءتها على الإطلاق.. الكثيرون ممن أحبوا أغاني مايكل يوم انتشر أول مرة لم يحبوها سماعا أول مرة بل مشاهدة: عبر إخراج موسيقي وصوري لا يمكن إنكار براعته و”رقص” مزج بين حركات الإنسان الآلي (الذي بدأ الإنسان المعاصر بالتحول له ) وحركات الإنسان الفضائي على القمر (كما لو أن الحل هو الهرب إلى القمر). مع الوقت ارتبطت الأغاني المسموعة بالحركات الراقصة في أذهان السامعين..

لكن رسالة جاكسون خلف أغانيه كانت مسمومة جدا، : كلمات أغانيه الأولى  التي أعطته الشهرة  المدوية في أنحاء العالم كانت تعبر عن الانحطاط الخلقي بطريقة في غاية الانحطاط ! ، أي بالرقص عليها: بيلي جين Billie jean مثلا، الأغنية الأشهر والتي قدمت لأول مرة حركاته الراقصة كانت تتحدث عن فتاة حبلى لا تعرف من هو والد جنينها حقا (لكثرة الآباء المحتملين!!) و تريد أن تلصق طفلها بأي منهم !..الأغنية لا تمرر أية رسالة أو حتى أي تعاطف من خلال ذلك، فقط رقص محموم بينما المغني يؤكد أن الطفل ليس  ابنه (the child is not my son).. هل من انحلال أكثر من هذا؟..، أغنية (سيئ bad  أو المجرم الناعم smooth criminal ) كان فيها تمجيد للسوء بطريقة مريضة.. كان هناك بعض الأغاني الإنسانية، ولكن كلها جاءت في مرحلة متأخرة عندما بدأ النجاح يقل والبريق يخبو فأخذ مايكل يتكلف الاهتمام بقضايا البيئة والسلام، وكلها بدت نشازا عنه وعن مسيرته، وبعضها لم ينجح  تجاريا، والذي نجح منها نجح بفعل إخلاص المعجبين به بشراء كل ما يصدره من إسطوانات، الاستثناء الإنساني الوحيد في أغانيه أثناء فترة نجاحه كان أغنية عن المجاعة في إفريقيا ولم تكن منفردة له بل جماعية وكانت بمثابة الرد الأمريكي لأغنية بريطانية سبقت الأغنية الأمريكية بحوالي 4 أشهر عن الموضوع ذاته..

ماذا إذن غير البذاءة الراقصة على الكلام البذيء؟..السيرك الإعلامي الغربي ( وبعض السيرك الإعلامي العربي المتفرنج بطبيعة الحال) سارع إلى إيجاد قيم وهمية مزيفة لظاهرة نجاح مايكل جاكسون وما عناه لأمريكا: الإعلام الغربي ركز على أن مايكل جاكسون كسر الحواجز بين السود والبيض في أمريكا، وأحد الكتاب العرب الليبراليين استهواه الأمر وقال إن جاكسون مهّد لأوباما !!!..والحقيقة أن الإعلام هنا يمارس كعادته دورا مزدوجا في تضخيم حقائق وإخفاء أخرى: فهو يخفي حقيقة أن المطربين السود كان لهم دوما معجبوهم البيض وأن نجاحهم لم يكن أقل من نجاح معاصريهم البيض (نات كنغ كول، روب روي، جيمس براون، أريثا فرانكلين) كما أن الفترة التي سبقت  شهرة مايكل جاكسون شهدت رموزا  غنائية سوداء  ناجحة نجاحا غير مسبوق لا للبيض ولا للسود، وساعدت مايكل جاكسون في فترة من الفترات (ديانا روس مثلا).. أما أن يكون مايكل أنجح منهم فهذا يعود إلى التوقيت المتزامن مع ظهور الفيديو وقنوات الموسيقى المتخصصة MTV،  وإلى  أن الشركة المنتجة قد أحسنت استغلال حركاته كصرعة جديدة في سوق التسلية..

لكن الأمر يتجاوز هذا، فمايكل لم ينجح هذا النجاح كله إلا عندما كفَّ عن أن يكون أسود: لا أقصد هنا السواد كلون بشرة فهذا أمر لاحق: ولكن  حتى موسيقاه حملت آثارا بيضاء أكثر مما حملت من إرث السود وموسيقاهم.. و كأن الأمر يحمل رسالة معينة: كن كالبيض لكي تنجح.. وهو الأمر الذي كرسه جاكسون لاحقا بشكل بشع ومقزز عندما تحول مع مرور الوقت إلى اللون الأبيض..

إحدى أشهر أغانيه في تلك المرحلة كانت تتحدث عن التغير الذي يجب أن يحدثه “الرجل في المرآة   ” man in the mirror..تقول كلمات الأغنية( وأبدأ مع الرجل في المرآة / أقول له أن يبدأ بالتغير من نفسه)..  عظيم جدا: لكن هذا التغيير اتضح أنه لم يكن أكثر من التحول إلى اللون الأبيض والملامح البيضاء.. هذا التحول عكس احتقارا عميقا للذات وللسود وإرثهم وثقافتهم، الأعذار الطبية التي قدمها جاكسون كانت سخيفة وواهية، ولو كان الأمر يتعلق بمرض جلدي لهان الأمر: لكنه أيضا عدل من شفتيه الممتلئتين مثل كل السود لتصير مثل شفاه البيض، ومن أنفه الأفطس الذي يعتبر علامة مميزة للسود ليمرره في سلسلة من التحولات ليشبه في النهاية أنف كليوباترة!! (ولا يمكن التأكد إن كان صالحا للتنفس أولا ). إذن جاكسون لم يجسر الهوة حقا بين البيض والسود بقدر ما عبر عن ضرورة ذوبان السود في ثقافة بيضاء إمبريالية لا تسمح لأحد حقا بالوجود إلا وفق شروطها ومعاييرها.. زواجه لاحقا من امرأتين بيضاوتين لا يمكن إلا أن يكون استمرارا لذلك: زواجه من ابنة بريسلي كان محملا بالمعاني، فبريسلي ينتمي أيضا إلى الجنوب العنصري المعادي للسود، وكانت هذه المصاهرة بين الفتاة البيضاء والشاب الأسود سابقا- الأبيض لاحقا.. بمثابة قبول رمزي للعنصرية البيضاء بالسود بعد أن أدوا كل ما يستطيعون ليتخلصوا من سوادهم.. زواجه اللاحق من الممرضة لا يخرج عن هذا الإطار إلا مع إضافة أنها يهودية.. واليهود لم يكونوا قط على صلة طيبة بالسود.. لكنهم كانوا  دوما على صلة طيبة بالمال بغض النظر عن بشرة صاحبه!!

باختصار، كان مايكل أفّاقا دعيّا يوم غنى “لا فرق بين أن تكون أبيض أو أسود ” لأنه لو لم يكن هناك فرق فلا داعي حقا لتقوم بـ20 عملية جراحية لتصبح أبيض الملامح والبشرة.. كل ما يقوله السيرك الإعلامي حاليا عن جسر الهوة بين الأعراق مزيف، على العكس: كان جاكسون رمزا للأسود الذي يشعر بالدونية من سواده.. كان يمثل “الشعور بالنقص” تجاه الرجل الأبيض”، وهو شعور بالنقص لا يخص السود في أمريكا فحسب، بل يخص الملايين من شعوب أخرى تمتلكهم الدونية تجاه أمريكا وحلمها الأبيض: وكان إعجابهم بجاكسون وافتتانهم به، يمثل ولو في اللاوعي، ذلك الحلم المريض بالخروج من البشرة السمراء أو الصفراء أو السوداء إلى بشرة الرجل الأبيض.. (هل أحتاج أن أذكّر هنا بمساحيق تبييض البشرة وإعلاناتها البغيضة التي تكرس كل ذلك وتستثمر الشعور بالنقص لتحقق ما لا يقل عن 13 مليار دولار في عام 2008  فقط؟)

لكن جاكسون لم يكن رمزا أمريكيا في هذا فقط، فقد عبر وبنجاح كبير ليس عن إلغاء الفواصل بين الأعراق (وهو أمر كان سيكون إيجابيا لو كان حقيقيا) ولكن عن إلغاء الفواصل بين الجنسين.. بدأ جاكسون طفلا ثم صار بالتدريج  رجلا بلا علامات للتخنث عليه، كان صوته رفيعا لكنه كان صغير السن أنذاك.. وعندما تجاوز العشرين كان صوته مقبولا كرجل لولا محاولاته تنعيمه، لكن فجأة بدأت بعض المظاهر النسائية تظهر عليه: أحمر الشفاه لم يعد يفارق شفتيه، ثم الكحل الذي لم يفارقه (حتى في وفاته)  حتى ظهر في السنين الأخيرة في  الحجاب و”العباءة” النسائية الخليجية عندما كان في البحرين.. تقول النكتة الرائجة عنه أنه تحول “من رجل أسود إلى امرأة بيضاء !!”..

هذه الحيرة في هويته الجنسية لم تبدأ مظاهرها إلا لاحقا بعد النجاح الذي حققه، هل كان الأمر يعود لرغبته الملحة إلى لفت الأنظار وأن يكون حديث الإعلام ولو على سبيل السخرية، أم أنه امتلك مشاكله الخاصة منذ البداية؟ لا فرق كبير، لأن الإعلام حتى لو سخر منه طويلا، فقد مرر رسالة قبول اجتماعي للموضوع: أنك تضحك في البداية منه ومن مظهره لكن مع الوقت تتعود عليه وتصير هذه الحيرة الجنسية المزدوجة بين الذكورة والأنوثة “علامة” حضارية أمريكية، وهي نقطة ضعف في المجتمع الأمريكي ومايكل بالتأكيد كان رمزا لها…(لم يكن سيناترا ولا بريسلي رهبانا ولا شرفاء  من هذه الناحية إطلاقا، لكنهم كانوا على الأقل ذكورا لا شك في ذكورتهم!!)..

الأمر الثالث الذي يمكن اعتبار جاكسون رمزا له بينما هو نقطة ضعف في النسيج الاجتماعي الأمريكي هو أن المشاهير والأثرياء غالبا ما يتمكنون من الإفلات من العقاب: عندما ادعى عليه أحد الأطفال بتهمة التحرش الجنسي، تمكن مايكل من تسوية الأمر مع والد الطفل بمبلغ 22 مليون دولار، وهو الرقم الذي لم يتم التوصل إليه إلا عندما قال الطفل شيئا خاصا لا يمكن أن يعرفه أحد عن منطقة ما في جسم مايكل! أي أن القضية كانت “لابسة” جاكسون بالتأكيد، وبعد كل شيء: لِمَ تدفع كل هذه الملايين إن كنت بريئا؟؟!.. لكن القضاء الأمريكي على رغم من وجود نقاط قوة عديدة فيه لا يوجد فيه ما نعرفه بـ”الحق العام”..أي تنتهي قضية مثل هذه بمجرد تنازل صاحب الدعوى!!.. في القضية الثانية المشابهة للأولى لم يدفع جاكسون شيئا للمدعي، لكن هيئة المحلفين (jury) – والتي هي مجموعة من المواطنين العاديين يسكنون المقاطعة التي تقع ضمنها المحكمة، وهم ليسوا متخصصين في العدالة أو القانون ويمكن لهم السقوط في فخ نجومية الشخص المحاكم – قاموا بتبرئته.. وهكذا انتهى الأمر رغم أنه كان قد قال علنا في فلم وثائقي “إنه من أروع الأشياء مشاركة الأطفال في فراش واحد!!” وكان الطفل الذي اتهمه لاحقا بالتحرش مستندا على كتف جاكسون عندما قال ذلك!!!

كان جاكسون أيضا رمزا أمريكيا لا للتفكك الأسري في أمريكا فحسب بل لنشوء نوع جديد وهجين من الأسرة، النوع الذي يمتلك أبا أو أما واحدا في الأسرة: زوجته الثانية التي أنجبت طفلين أبيضين (تقول ويقول إنهما من صلبه!!) تنازلت عن الحضانة لقاء بضعة ملايين ولم ترهم مطلقا وبقي الأولاد مع جاكسون دون أن يرتبط بأخرى ( أي بدون وجود أم أو ظل لها أومن يقوم بدورها).. طفله الثالث (الأبيض أيضا!!) أنجبه جاكسون من أم مستأجرة surrogate mother..أي من أم أجّرت رحمها وبويضتها لتقدم طفلا لجاكسون، لم يعرف أسمها قط بناءً على عقد الاتفاق بينهما، بل إن شهادة ميلاد الطفل كتب عليها مقابل خانة اسم الأم: لا يوجد (none).. أستطيع تفهم الأسباب التي تدفع زوجين إلى اتخاذ رحم مستأجر عندما تكون الزوجة عاقرا مثلا، أما عندما لا يكون هناك زوجة أصلا فما المعنى من ذلك؟.. أكثر من هذا: ما ذنب الطفل أن يكتب في شهادة ميلاده أن أمه لم تكن سوى رحماً مستأجرا فضلت أن تأخذ الأموال حتى على ذكر اسمها ؟ ما معنى كل التباكي على  حقوق الأطفال  عندما نحرمهم من أبسط حقوقهم وأكثرها أصالة: أن يكون لهم أم، حتى لو كانت غير موجودة أو غائبة، أن يكون لهم في ذاكرتهم صورة لها، أو لمسة حنان، لا أن يقال في شهادة الولادة: لا يوجد؟..

لكن العائلة المكونة من زوج واحد single parent family أصبحت حقيقة إحصائية في المجتمع الأمريكي، وهي حقيقة ستنتج أمراضا اجتماعية كثيرة لاحقا، ومرة أخرى سيكون جاكسون رمزا مسخا للعائلة المسخ.. مرة أخرى: إنه رمز لمرض من أمراض هذه الحضارة..

الأمر الأخير الذي لا يمكن تجاوزه في ظاهرة جاكسون وتعبيرها عن أمراض الحضارة الأمريكية هو الاستهلاك الذي أدمنه مايكل (كأن يرسل المربية للتسوق ومعها مليون دولار!!) وتظهر بعض اللقطات الوثائقية في مطلع الألفية جاكسون وهو يتصرف كمحدث ثروة في متجر للأنتيكات: يشتري كل التحف في المتجر تقريبا، ثم يذهب إلى اللوحات الزيتية ويشتريها كلها دون حتى أن ينظر لها… تفسير ذلك نفسيا سهل وهو يعبر عن “الفلسفة ” التي قامت عليها قيم الاستهلاك: فالاستهلاك يقوم بعملية تعويض للتقدير المتدني للذات، وهو التقدير المتدني الذي لم يخفه جاكسون يوما والذي وصل لحد كره واحتقار الذات والذي حاول دوما أيضا أن يعوضه عبر عمليات التجميل  بلا جدوى..

لكن إذا كان الاستهلاك أساسيا في أمريكا من أجل دفع عجلة الإنتاج ابتداء، فإنه في حالة جاكسون ( كما في حالة أمريكا  اليوم ) وصل حدودا  قاتلة من السرف: ليس غريبا أبدا أن ينتهي الرجل الذي كان يوما ما أغنى أغنياء العالم وهو مدين بنصف مليار دولار ويعيش في بيت مستأجر.. هل يمكن أن ننسى هنا المقارنة مع أمريكا: صاحبة أضخم اقتصاد في العالم، وصاحبة أكبر ديون في العالم أيضا !!

هل يمكن أن يقول أحد هنا إنه يحب فن جاكسون فقط بمعزل عن كل ذلك؟ لا طبعا، يمكنه فقط  أن يحب جاكسون دون وعي أن كل ذلك يتسرب في لاوعيه.. جاكسون وصورته وما مثله كان حزمة واحدة لا يمكن تجزئتها، لأن الإعلام اليوم اختلف عما كان عليه أيام كان النجوم يقدمون فنهم ولا تكاد تعرف شيئا عن حياتهم الخاصة: مع جاكسون الوضع اختلف، وارتبط فنه بكل ما مثله من “سوء” في حياته التي لم تكن خاصة على الإطلاق..

لا يمكن هنا تجاوز ظاهرة النفاق الإعلامي التي صاحبت حياة جاكسون ووفاته، فقد سار الإعلام باتجاه “نسب المشاهدة” سلبا وإيجابا، منذ التسعينات والإعلام يتخذ منه مادة للسخرية والضحك لأن ذلك كان يرضي الجماهير التي لم تعد تعجب به كمطرب بل صارت تتفرج عليه للتسلية، وفور وفاته انتبه الإعلاميون إلى الأمر بشكل مختلف، حيث أن معظم من راهقوا على أنغامه لا يزالون  يشكلون شريحة تتميز بقدرة شرائية عالية، وموت مايكل جاكسون يمثل بالنسبة لهم موت فترة معينة من حياتهم،( أغلبهم امتلك البومات جاكسون يوم كانت أسطوانات وأشرطة كاسيت، والآن حان الوقت لشرائها مجددا على أقراص ليزرية!!) لذلك سرعان ما تحول المزاج الإعلامي ليدخل في  مهرجان استعراضي رخيص في رثاء وندب المطرب الراحل (السي إن إن مثلا قدمت خمسين دقيقة عن مايكل جاكسون في كل ساعة إخبارية تقدمها، أي أكثر من 80 % من بثها ولمدة أسبوع كامل كما لو أنه أول أو آخر من مات على كوكب الأرض، وحققت بذلك أعلى نسب المشاهدة بين كل القنوات في هذه الفترة، عدا قنوات الترفيه التي تفرغت تماما للأمر وتم غالبا إخفاء قضايا التحرش بالأطفال، أو عرضها بشكل منحاز باعتباره “حبيب الأطفال الذي أسيء فهمه! ” أوفي أحسن الأحوال ضمن سياق: يحق للمبدع ما لا يحق لسواه!!)..

الأمر الآخر الذي لا يمكن تجاوزه هنا هو ذلك التحقيق المستمر عن الدواء الذي قتله أو الدواء الذي لم يقتله، كما لو مشكلته بدأت قبل بضعة ساعات من وفاته، كما لو أنه مات بجرعة مفرطة من هذا العقار أو ذاك وليس من جرعة مفرطة من نمط حياة مفرغة من القيم الإيجابية ومليئة بكل ما هو سلبي في الحياة الأمريكية..( وهذا الأمر هو في حقيقته هوس أمريكي بالبحث عن أسباب جزئية مباشرة لمشاكل كبيرة).

لم تكن السكتة القلبية التي أردته أكثر من تعبير فسلجي عن السكتة الحضارية التي كان جاكسون رمزا لها. .هل ستموت أمريكا واقفة كما مات رمزها المسخ؟ لا أدري.. ربما تستطيع أمريكا أن تغير مسارها هنا أوهناك، ربما تستطيع أن تستعيد بعض إيجابياتها المندثرة.. ربما تستطيع أن تعالج بعض الأمراض التي كان جاكسون رمزا لها.. هذا بالتأكيد شأن الأمريكيين وليس شأني..

لكن ما هو في عمق شأني هو منظر أولئك الشباب العراقيين الذين ظهروا على السي إن إن ليعبروا عن حزنهم على وفاته التي تزامنت- بالصدفة – مع انسحاب القوات الأمريكية..

كان ذلك الحزن ( والذي أعرف أنه عمّ أرجاء المعمورة كلها وليس بلدي العراق فقط) تعبيرا عن مظهر من مظاهر الاحتلال الذي لا يمكن عقد اتفاقيات الانسحاب فيه، الاحتلال الذي يسكن الرؤوس والقلوب وليس القواعد والأراضي..

وأسوأ ما في الأمر، أن جاكسون كان رمزا لكل ما لا نحتاجه من أمريكا، كان رمزا للشعور بالدونية والسلبية، لكل مساوئها وسلبياتها وأمراضها  في هذه المرحلة من مراحل تطورها..

لو أن الرمز كان يمثل حب النظام، أو الاعتزاز بالوطن، أو التقدم العلمي..(وهي قيم موجودة  إلى حد ما  في أمريكا) لربما كان يمكن الاستفادة منه..

لكن هذا المسخ، الذي خلقه الله في أحسن تقويم، ثم أردى نفسه  أسفل سافلين.. هو آخر ما يمكن الاستفادة منه حاليا..أوفي أي وقت.

ملف الشذوذ الجنسي : د. أحمد قطشة

الأخ أحمد قطشة باحث سوري يحضر للدكتوراه في  العلوم الطبيعية في اليابان و يتخصص في العلاج بأستخدام الخلايا الجذعية  ، و قد كتب  4 مقالات مهمة عن الشذوذ الجنسي من منطلقات علمية مدعمة بمراجعها الاكاديمية و قام مشكورا بأرسالها لأتشرف بنشرها في الموقع. المقالات الاربعة تشكل ملفا واحدا متكاملا و ارتأيت نشرها سوية لتكون ملفا جاهزا للمهتمين بالأمر و المدافعين عن القيم الدينية في مواجهة الغزو الثقافي الذي نعيشه..

نشكر الدكتور قطشة على مقالاته المهمة و نتمنى له التوفيق في دراسته ..و أن يكون دوما هذا المثل الناجح الذي يجمع بين التفوق العلمي و الاهتمام بقضايا الامة..

 

 

في الشذوذ الجنسي ..

د.أحمد قطشة

 

العلم أيها الأعزاء، ليس دفوعات تقدم أمام القاضي ليقبلها أو يرفضها، أي أنه ليس مجرد أقوال تقولها و عليك أن تهتم بالنتيجة، في العلم هناك اعتبار كبير للآليات التي وصلت بها لهذه النتيجة، و مصداقية النتيجة تكمن في أن غيرك وصل لنفس النتيجة بنفس الطريق أو بطرق مختلفة، حينها تصبح هذه النتيجة موثوقة، و يمكن البناء عليها لمرحلة أخرى، أرجو أن يبقَ ذلك في اعتباركم أثناء القراءة. و تذكروا أن لا أحد يناقش في صحة أو عدم صحة أي معلومة علمية تطرح هنا أو هناك، ببساطة لأننا لسنا نحن المخولين بتحديد الصحة من عدميتها، إنما الاعتراض، كان على إعتبار هذه النظريات نهائية، كما كان على فهم هذه العلوم واضحة النتيجة، و إلباسها لباساً لا يليق بها.

 

ما أعرضه اليوم هو ترجمات لعدد من المقالات التي حصلت عليها خلال بحثي، أثبتُ هذه المقالات في الأسفل، بعضها مفتوح المصدر، وأغلبها يحتاج لتسجيل، ويمكن في بعض الأحيان أن تجدوا مقتطفات منها عبر الشبكة.

 

مقدمة عامة و تعاريف أساسية :

 

عندما تتحدث مع أحد المدافعين عن ظاهرة الشذوذ فأول ما يقوله لك : إن الشذوذ الجنسي موجود في الحيوانات كما موجود في كل المجتمعات البشرية! و إذا تجاوزنا فكرة وجوده في الحيوانات، بإعتبار وجود أشياء كثيرة لدى الحيوانات غير موجودة لدينا، و لعدم جواز التأسيس الانساني على ذلك كما يقول الكثير من علماء النفس و السلوك،( و إلا فيجوز لأم أن تقتل أولادها لأن بعض الحيوانات تفعل ذلك، أو يجوز لأحد ما أن يقتل أبناء أحد آخر لأن أحد الأسلاف فعل ذلك)، فإننا سنتوقف عند كلمة كل المجتمعات البشرية، و هذا أحد اثنين : كذب فاضح أو جهل فاضح، بدليل أن هناك مجتمعات بشرية كاملة لا تحتوي لغاتها على كلمات لتوصّف هذه الحالة (1) أي أن كلمة Homosexuality  لا يوجد لها مقابل في تلك اللغة، ككلمة أصيلة.

 

 

لننتقل لتعريف الشذوذ الجنسي أو المثلية الجنسية أو Homosexuality ، يعرفها قاموس أوكسفورد بأنها العلاقات الجنسية بين أفراد من نفس الجنس، و Homosexual  هو الشخص الذي يقوم بهذه العلاقة.

 

يُعتبر هذا التعريف أبسط التعاريف على الإطلاق لتوصيف هذه الحالة، و إن كان اللغويون اتفقوا على هذا التعريف، فإن علماء النفس لم يتفقوا بعد على تعريف محدد لهذه الحالة.

 

لنبدأ أولاً بتعريف موسوعة علم النفس Psychology Encyclopedia : هو بقاء أو استمرار عاطفة، حب “رومانسية” أو انجذاب جنسي لأشخاص من نفس الجنس.

 

يعتبر هذا التعريف عريضاً جداً، مجرد وجود عاطفة لشخص من نفس جنسك يعني أنك قد تكون مثلي جنسي “فقط لكي لا أقول شاذ”، وهذا التعريف بهذه البساطة هو إشكالية حقيقة، و الكثير من الباحثين لم يعتمدوه.

 

إن التعاريف الأخرى تشمل تعقيدات أكثر في تعريف الشذوذ الجنسي، حيث أنها تدخل عامل السلوك في التعريف، و سنرى لاحقاً كيف أن الجنس و ممارسته، هو سلوك و ليس مجرد ردة فعل بهيمية، أو نتيجة حتمية لاستثارة هرمونية.

 

في عام 1994 وضع Weinrich (2)  تعريفاً لها ضمنّه عاملين:

 

1-أنها الفعل التناسلي، أو 2- الإثارة الجنسية المستمرة على مدار فترة طويلة

 

  ( either (1) as a genital act or (2) as a long-term sexuoerotic status).

 

قبل ذلك بعام، عرف LeVay (3)  التوجه الجنسي بشكل عام على أنه :توجيه المشاعر الجنسية أو السلوك الجنسي، لأفراد من الجنس المقابل (الطبيعيون أو مغايرو الجنس) أو لأفراد من نفس الجنس (الشواذ أو مثليي الجنس) أو لأفراد من لكلا النوعين (ثنائي الجنس).

 

في هذه التعاريف تم إدخال عنصرين أو مركبين في التعريف، مقارنة مع التعاريف القديمة ( تشمل دراسات من أكثر من 60 سنة و التي كانت تتضمن مركب واحد فقط و هو السلوك، و تجاوزاً لن أعرض هذه التعاريف) ، هذين المركبين هما :

 

1- الحالة النفسية، و ذلك عبر عبارات : المشاعر الجنسية أو الإثارة الجنسية ، في كلا التعريفين على الترتيب.

 

2-السلوك، و ذلك عبرعبارات : السلوك الجنسي أو الفعل التناسلي، في كلا التعريفين على الترتيب.

 

لنلاحظ في هذين التعريفين أن الربط بين مركبي الجنس تم عبر استخدام “أو”، مما يعني أن أحدهما كافي للقول عن شخص ما أنه شاذ جنسياً.

 

لنعرض المزيد من التعاريف، لندرك أن المسألة ليست بالبساطة المتخيلة، في أطلس و معجم علم الجنس   “A Descriptive Dictionary and Atlas of Sexology” أوردFrancoeur (4) و زملائه تعريفاً عريضاً ل Homosexuality  على أنها حدوث أو وجود الانجذاب الجنسي والإهتمام ، و فعل تناسلي حميمي بين شخص و أفراد آخرين من نفس الجنس

 

 (The occurrence or existence of sexual attraction, interest and genitally intimate activity between an individual and other members of the same gender) .

 

قبل ذلك كان   Stedman’s Medical Dictionary    (5) عرف Homosexuality على أنها سلوك جنسي يتضمن التقاء “اتصال”جنسي، بين أفراد من نفس الجنس، خاصة بعد سن البلوغ “التعريف في الهامش(6).

في هذه التعاريف تمت الاشارة للعومل النفسية على أنها انجذاب جنسي و إهتمام، و ذلك فقط في أطلس و معجم علم الجنس، في حين تم التعبير عن السلوك الجنسي بشكل واضح في تعريف معجم Stedman، و تم التعبير على أنها الفعل التناسلي الحميمي في تعريف أطلس علوم الجنس، الملاحظ أنه تم الربط بين هذين المكونين، بإستخدام “و” و ليس “أو”، بعكس التعاريف أعلاه، و بالتالي لم يعد واضحاً هل فعلاً كلا المركبين مهمين لتحديد هذا النمط من التوجه، أم أن السلوك لوحده فقط.

كما هو واضح فإن اختلاف التعاريف لنفس الحالة، جعل العلماء يتسائلون، هل فعلاً الحديث يتم في كل مرة عن نفس الشيء، وليس شيء مختلف (7) ، و من خلال كل المراجعات التي قمت بها، لم أجد شيئاً يؤكد على أن هناك تعريف محدد للمثلية الجنسية أو الشذوذ الجنسي، بل إن بعض التعاريف تدخل عوامل اجتماعية و بيئية ضمن مكونات الجنس و لم تقتصر على هذين العاملين، و هذا الاختلاط في التعاريف منذ القدم حتى اليوم، هو الذي جعل العلماء ينتقلون لاستخدام مصطلح التوجه الجنسي Sexual Orientation للتعبير عن ميول الشخص الجنسية، و تعاريف الميول الجنسية، لم تقل إختلافاً عن تعاريف الشذوذ نفسه.

 

 

 

 

المراجع :

 

 

 

1 – Bancroft, BJ of Psycharity 1994;164:437-440

 

2 – Weinrich, J.D Homosexuality. Human Sexuality: An encyclopedia, Garland, New York.

 

3 – LeVay, S. (1993). The Sexual Brain, MIT Press, Cambridge, MA.

 

4 – Francoeur, R. T., Perper, T., and Scherzer, N. A. (eds). (1991). A Descriptive Dictionary and

 

     Atlas of Sexology, Greenwood Press, New York.

 

5 – Stedman’s Medical Dictionary. (1982). Williams and Wilkins, Baltimore, MD.

 

6 – Sexual behavior, including sexual congress, between individuals of the same sex, especially past 

 

      puberty .

 

7 – Defining and Measuring Sexual Orientation: A Review. Archives of Sexual Behavior, Vol. 26, No.

 

      6, 1997 .

 

8 – http://www.meddean.luc.edu/Lumen/Meded/urology/hrmphdt.htm

 

 

 

         

 

جـِنسانية أم ميول جنسية  ؟؟

 Sexuality or Sexual orientation

لن أعرض عليكم دراسات أيضاً قديمة، لكن سأقفز لدراسة تعتبر نسبياً قديمة، لكن لأن نتائجها ما تزال مثيرة للجدل حتى يومنا هذا، فسأعرضها.

 

في عامي 1948 و 1953 قدم Alfred Kinsey (1) دراسة ضخمة تم فيها وضع مقياس ثنائي القطب، لكنه متصل عبر مراحل مختلفة، حدد من خلالها ماهو التوجه الجنسي لفرد ما، بعد أن تجرى عليه الاختبارات، عُرف هذا المقياس بمقياس كينسي Kinsey Scale و الذي يتألف من الدرجات التالية:

 

Kinesy 0 سوي جنسياً يفضل الجنس المقابل بشكل حصري و لا يحمل أي توجه جنسي لأفراد جنسه

 

Kinesy 1 سوي جنسياً يفضل الجنس المقابل و يحمل توجهاً جنسياً خفيفاً لأفراد جنسه

 

Kinesy 2 سوي جنسياً يفضل الجنس المقابل مع توجه جنسي قوي لأفراد جنسه

 

Kinesy 3 ثناثي الجنسBisexual يفضل أفراد جنسه بنفس درجة أفراد الجنس المقابل و دون أفضلية لأحدهما على الآخر

 

Kinesy 4 مثلي الجنس يفضل أفراد جنسه و يحمل توجهاً جنسياً قوياً لأفراد الجنس المقابل

 

Kinesy 5 مثلي الجنس يفضل أفراد جنسه و يحمل توجهاً جنسياً خفيفاً لأفراد الجنس المقابل

 

Kinesy 6 مثلي الجنس يفضل أفراد جنسه بشكل حصري و لا يحمل أي توجه جنسي لأفراد الجنس المقابل

 

 

قبل أن أعرض الانتقادات الشديدة التي تمت لمنهجية الدراسة أساساً، لنشرح قليلاً المشكلة التي صنعها Kinsey بهذا المقياس. ببساطة غاب تعريف محدد للميول الجنسية وللشذوذ، عندما جعل المسألة مقسمة ل 7درجات.(2).

 

ما حصل في الدراسة أيضاً أن Kinsey و بالرغم من أنه إعتبر أن الجنس مكون من شيئين مختلفين : التجربة الجنسية الحالية لحظة الدراسة (السلوك)، و التفاعلات النفسية (العوامل النفسية)، لكنه أخطأ بشدة عندما دمجهما سوية و اعتبر أن قيمتهما واحدة، و بالتالي فإن مقياس Kinsey وضع أشخاصاً مختلفين عن بعض اختلافات كلية بناء على مقاييس جنسية، وجعلهم في فئة واحدة.(3-4)

 

لتوضيح هذه النقطة، Kinsey عندما ميز المركبين المكونيين للجنس، العامل النفسي و السلوك، أعطى لكل منهما مقياس من عشر درجات، ثم أخذ المقياسين و جعلهما علامة واحدة. لنفرض أن لدينا شخصين(المثال تقريبي)، أحدهما حصل في المقياس النفسي على 8 من 10، و على السلوك 3 من 10، المتوسط 5.5 من 10، و الشخص الثاني، أخذ في السلوك 8 من 10، و العامل النفسي 3 من 10، المتوسط 5.5 من 10، إذن هما ضمن نفس التصنيف، في حين فعلياً أن أحدهما سلوكه لم يكن مثلياً حصل على 3 ، و الآخر سلوكه مثلي حصل على 8 ، لكن وُضعا في نفس المجموعة، في حين أنه وفقاً للتعاريف التي عرضناها سابقاً هما ليسا من ضمن نفس العينة.

 

و في العام 1979 قدم عالمان دراسة مكثفة لهذا المقياس(5) ، وبيّنا أنه ليس كما أًريد له أن يظهر، أي أنه مقياس متصل بين الفئتين الرئيسيتين (أسوياء – شواذ)، بل بيّنا العكس، أنه مقياس متقطع، و أن الدرجتين 2 و4 لا يمكن تحديدهما بسهولة،عند أشخاص لهم تاريخ طويل من مختلف العلاقات الجنسية (سوية و شاذة)، و الأهم أن الدرجة 3 هي الأكثر إثارة للجدل، خاصة عندما نواجه حالات مختلطة بشدة و مستمرة من العلاقات الجنسية المتعددة، سوية و شاذة ، لاسيما أنه سيكون من الصعب على العينة المدروسة أن تستعيد بوجه الدقة عدد المرات التي قامت فيها بإتصال جنسي مع شريك ما من جنس ما، الأمر الذي سيؤدي لخلل في التعامل مع هذه الحالات بالنسبة للكوادر الطبية.

 

للمزيد من التوضيح حول هذه النقطة أيضاً، Kinseyعندما قدم مقياسه قال أنه لا يمكن أن نصنف العالم إلى خراف و ماعز فقط، أو أبيض و أسود،بل يوجد مراحل كثيرة بين هاتين النهايتين، و بالتالي لا يمكن أيضاً أن يكون إما شاذ أو إما مثلي، بل لابد من وجود هذه المراحل، أيضاً وفق Kinsey كل هذه الدرجات مشغولة و يمكن أن تجد أشخاصاً يمكن وضعهم في هذه الفئات، ما قاله العالمان Masters & Johnson أن هذا الكلام غير دقيق، و أن إحدى الدرجتين 2 أو 4 بشكل أو بآخر مقطوعة، و الأهم أن الدرجة 3 من المستحيل تأكيد 100% أن أحداً ما يمكن أن يكون في هذه الفئة، بالمناسبة هما انتقدا أيضاً أن Kinsey أساساً ليس باحث في علوم الجنس، بل هو مشتغل بالتصنيف، لذلك فأنه من السهل عليه أن يُوجد تصنيفات على الورق، لكن على أرض الواقع ليست حقيقية.

 

كما هو واضح أيها السادة، هذا المقياس أدى لعدم وضوح من هو الشاذ جنسياً، هل هو المصنف ضمن الدرجات 4-5-6، أم 3 إلى 6 أم 5 و6 فقط، أم من 1 إلى 6 ، و هذا ما تريده جمعيات الشواذ ليتحولوا لأكثرية في المجتمع، استطراداً جمعيات الشذوذ هذه أيضاً شكلت مجموعات ضغط على الجمعية الأمريكية لعلوم النفس، لتتخذ قرارها الشهير برفع الشذوذ الجنسي من قائمة الأمراض النفسية، بل و أكثر من ذلك، تم الاعتداء على أطباء رفضوا هذا القرار، كما اعتدوا على أطباء آخرين في مؤتمرات صحفية قالوا: أن القرار كان يحتاج لمراجعة أشمل للدراسات التي عُرضت قبل أن يُتخذ قرار فيها.

للتذكير فقط، الشذوذ الجنسي، كان في الولايات المتحدة و حتى عام 1972 مرض عقلي، و في عام 1992 غيرته الأمم المتحدة من مرض نفسي، لشيء متعلق ” بالمثلية الجنسية”، ناتج عن نقص الاثارة المأمولة في الشريك من الجنس المغاير، أو ناتج عن الألم و الكرب من الاثارة من شريك من نفس الجنس.(6) بريطانيا فعلت الشيء نفسه في العام 1994.

 

في حقيقة الأمر، إن أكثر من نقطة تداخلت في الولايات المتحدة حينها، فبالإضافة لجمعيات الشواذ، كان هناك خطة حكومية بخفض النفقات، و بالتالي رفع الشذوذ من قائمة الأمراض، يعني أنه لم يعد ضمن الضمان الصحي، و لم تعد الدولة تقدم خدمات لهؤلاء المرضى، في حين أن دراسات أخرى تحدثت عن أن هذا القرار جاء بناءً على تقديرات لقوتهم الشرائية و بالتالي فإن التبدل في النظرة إلى المثليين جنسياً و دعم حقوقهم يعود في جزء كبير منه إلى إدراك القوة الشرائية لهذه المجموعة (7)، و ليس على مقاييس علمية. أي أنه يمكن الحصول على الكثير من الأموال مقابل تقديم خدمات خاصة لهؤلاء المجموعات.

 

 

لنعد للمقياس ،إن مقياس Kinsey تم انتقاده أيضاً بسبب آلية الوصول إليه و وضعه، هذا العالم الأمريكي قام باستجواب الكثير من الأشخاص(5000 شخص تقريباً) قبل أن يضع معياره، لكن العبرة ليست دائماً بالكم، بقدر ما هي مرتبطة بالكم و النوع سويةً ، لدرجة أن Jone Tukey من الجمعية الأمريكية للاحصاء، قال بأن عينة من 3 أشخاص مختارة بعشوائية، أفضل من عينة من 300 شخص اختارها Kinsey (8).

 

السبب في ذلك أن 25 % من العينة كانوا نزلاء سجون، و 5 % من الذكور كانوا ممتهنين دعارة ، و إلا أين نجد أيها السادة، نسبة تقول أن 46 % من الرجال قاموا بممارسة الشذوذ (9)، حتى في الولايات المتحدة، إذا لم يكن ربع العينة نزلاء سجون كما أخبرتكم، أيضاً 11.6 % (10) من الرجال البيض من نفس العينة، حصلوا على العلامة 3 في مقياسه، أي متساوون في ميولهم الجنسية، من نفس الدراسة نجد أن 4 % (11) فقط أبدوا ميول جنسية شاذة قبل سن البلوغ، في حين كانت النسبة أعلاه 11.6 %، أين ذهب ذلك الفرق،أو بالأحرى من أين أتت هذه الزيادة، أيها السادة هذه الدراسة على علاتها كفيلة بأن تدحض أي منشأ طبيعي للشذوذ.

 

إن دراسات لاحقة اظهرت أن نسبة المثليين جنسياً هي بين 1-3 %، بين ميول و شذوذ حقيقي “12-13-14″ مقارنة مع 46 % في دراسة  Kinse، بالمناسبة “نبيل فياض” السيء الصيت، يقدر عدد الشواذ في العالم العربي، وسوريا بشكل خاص بحدود20%، فتاملوا.

للأمانة العلمية فقط، أذكر أنه أعيد دراسة العينات و ظهرت نتائج جديدة، أعلنت في الذكور و لم تعلن في الاناث حتى الآن!!!، لا أحد يعلم لماذا، النتائج الجديدة قالت بأن الفارق لم يكن كبيراً بين العينات، بعد حذف العينات غير السليمة، لكن هذا الكلام لا يقدم و لا يؤخر،بسبب أن أحداً لم يستطع أن يكرر هذه النتائج في أي من الدراسات اللاحقة التي أجريت لدراسة الميول الجنسية، كما عرضنا سابقاً.

 

إضافة لذلك، علينا أن نتذكر أن دراسته تمت على أشخاص يحملون أنماط جنسية واضحة، إما ذكور أو إناث، و بالتالي فإن مقياسه أهمل المصابين بالخنوثة كمرض نفسي و ليس عضوي، و بقي يميز بين الأسوياء و الشواذ، حتى في المرتبة 3، لم يوردهم على أنهم مخنثين كمرض، بل مخنثين بالميول الجنسية، هذا الغموض في التصنيف، جعل أتباع مدرسة Kinsey يضعون أي شخص بين 1 و 5 هو مخنث “نفسياً على الأقل“.

 

أيها السادة، إن المادية حولت البشر لمجرد أرقام و تصنيفات، دون أي اعتبار لمشاعرهم، فأنت كإنسان عندما تحب أباك أو أخوك أو صديقك، وأنت كإنسانة عندما تحبين والدتك و أختك و صديقتك، فتصينفكم يقع بين شاذ و مخنث حسب درجة الحب، و لن تكونوا أسوياء إلا إذا تخليتم عن أي حب لفرد من جنسكم.

 

بالعودة لموضوعنا ،لم يتوقف الأمر عند هذه النقطة، فتصنيف Kinsey أسقط أيضاً المرضى الذين يعانون من اضطراب الهوية الجنسية Gender Dysphoria و هو مرض متفرع عن مرض أكبر يسمى مرض تحديد الهوية الجنسيةGender Identity Disorder ، الأخير يُعرف وفق موسوعة علم النفس: على أنه حالة، تعرف أحياناً بأنها الاستحالة الجنسية، و فيها يطور الفرد هوية جنسية غير متوافقة مع تركيبه الجسماني، في حين أن اضطراب الهوية الجنسية يظهر عندما تبدأ هذه الهوية برفض الجسم الذي تعيش فيه.

 

إن تصنيف Kinsey أهمل هذه النقاط بشكل فاضح، و تتالت تصانيف أخرى حاولت أن تخصص مقاييس من نفس المنوال للمرضى المخنثين، سأتجاوز عرضها اختصاراً، لكن الفكرة العامة التي جمعت هذه التصانيف، هي اختيارها لمجموعة من البشر، ثم إيجاد قواعد لها، في حين أن الدراسات الأكثر رصانة، بدأت بشكل معاكس تماماً، أخذت القواعد الاساسية و حاولت تطبيقها على الشواذ، بدلاً من محاولة إيجاد مصطلحات خاصة بهم، تبرر وجودهم، بكلمات أخرى، ما فعله Kinsey ومن ثم تلاميذه و أتباع مدرسته، أنهم أخذوا هذه المجموعات، و حاولوا أن يجدوا أو “يفصلوا” لها قوانين علمية، في حين أن الأساس أنه هناك قوانين علمية تسري على كل البشر، يجب أن يُخضع الشواذ لها أيضاً لمعرفة كم هم قريبون أو بعيدون عن هذه القوانين.

 

يعني أن الزواج معروف دائماً يكون بين ذكر و أنثى ، حتى في الحيوانات، حسناً لماذا هناك فئة من البشر لم تخضع لهذا القانون، التفكير بهذه الطريقة، فتح الباب أمام دراسات لتبحث عن الاضطرابات النفسية لدى هذه الفئات، و إخضاع مقولة “أنني لم أنجذب لشخص من جنس مغاير لجنسي” للبحث العلمي، و هذا أدى لقيام دراسات الهوية الجنسية Gender Identity.

 

إن دراسات الهوية الجنسية بينت أن معظم المثليين الجنسيين يميزون أنفسهم بشكل واضح نفسياً،أي أن هويتهم الجنسية صحيحة كمنتمين إلى الجنس المتوافق مع تكوينهم الجسدي، بمعنى أن الشاذ الذكري يميز نفسه كذكر بنفس الطريقة التي يميز بها الذكر السوي نفسه، و هذا يميزهم عمن يعانون اضطراباً نفسياً يسمى اضطراب الهوية الجنسية ،الذي يصيب الأفراد بنسب متقاربة بين المثليين و الأسوياء.(15)

 

دراسة يابانية (16)  نشرت العام الماضي، عرضت لمرضى اضطراب الهوية الجنسية أيضاً، و قالت أنه من أصل 579 حالة مرض اضطراب الهوية الجنسية، فإن 8 فقط صُنفوا على أنهم شواذ جنسياً، أي 0.01%.

 

كل هذا و نحن لم نبدأ بعد بإستعراض الدراسات الأصيلة التي حاولت أن تفسر منشأ الشذوذ، في المقال القادم سأستعرض هذه الدراسات، و ما لاقته من انتقادات، و أين توقفت هذه الدراسات.

 

 

 

 

 

المراجع :

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

1. Kinsey Alfred, Sexual behavior in Human male. http://www.kinseyinstitute.org/research/ak-data.html

 

2. انظر1

 

3. Weinrich, J. D.et al; (1993).Arch. Sex. Behav. 22: 157-168

 

4. Weinberg, M. S., et al; (1994). Dual Attraction, Oxford University Press, New York.

 

5. Masters, W. H., and Johnson, V. E. (1979). Homosexuality in Perspective, Little, Brown, Boston,MA.

 

6. Homosexuality and Psychology, Wikipedia

 

7. Wu s: Top 10 Gay-Friendly Cruises. The Boston Globe January 23, 2005

 

8. Kinsey Reports, Wikipedia

 

9. انظر 1

 

10. انظر 1

 

11. انظر 1

 

12. Gebhard PH. Incidence of overt homosexuality in the United States and Western Europe:: National Institute of Mental Health, 1972:22-9

 

13. Billy JO, Tanfer K, Grady WR, Klepinger DH. The sexual behavior of men in the United States. Fam Plann Perspect 1993;25:52-60.

 

14. Fay RE, Turner CF, Klassen AD, Gagnon JH. Prevalence and patterns of same-gender sexual contact among men. Science 1989;243:338-348.

 

15. Yule W: Developmental psychology through infancy, childhood, and adolescence. New Oxford Textbook of Psychiatry. Vol 1. Oxford University Press; 2000:257-267.

 

16. Okabe et al; Psychiatry Res. Vol 157, (2008) 315-318

 

 

في منشأ الشذوذ الجنسي

         

 

بعد أن استعرضنا تعاريف الشذوذ الشائكة، و عرضنا كيف تم الانتقال للحديث عن الميول الجنسية، سأعرض في هذا المقال النظريات التي اعتمدت على العلوم البيولوجية و التشريحية، في إثبات أن الشذوذ الجنسي إنما هو أمر طبيعي التكرار و الحدوث بين البشر.

 

.         نظرية الهرمونات :

 

قامت هذه النظرية على حقيقة مفادها أن الهرمونات تلعب الجزء الرئيسي و الأكبر في تشكيل التوجه الجنسي لدى الانسان،”و هذا الكلام و إن كان صحيحاً بدرجة أو بأخرى، لا يمكن معه قبول الجملة التالية”، و بناءً عليه فإن الشواذ جنسياً هم أشخاص و “ببساطة” مختلفون هرمونياً عنا، و طالما أن الدماغ “مبرمج” هرمونياً بشكل صارم، و إذا تجاوزنا سؤالاً بديهياً سيقفز الى الذهن، مالذي يجعل هذا الهرمون أو ذلك، يعمل عمله، أو سؤالاً من قبيل طالما أن البنية الدماغية نفسها بين الجنسين، فلماذا يوجد هرمونات مختلفة بين الجنسين، تصدر من نفس المناطق في الجسم، فإننا سنواجه أسئلة أكثر عمقاً و تهديداً لهذه النظرية.

 

حتى لا أطيل عليكم، فهذه النظرية سقطت بشكل كامل مع تقدم الأجهزة التي تسمح بقياس مستويات الهرمونات في الدم، مهما كانت تراكيزها ضئيلة، بنتيجة هذه التقنيات، وجد أن أكثر من 99% من الشواذ جنسياً لم يبدو عليهم أي اختلافات في نسبة الهرمونات في الدم (1) كما أنه لم يمكن التمييز بين التوجهات الجنسية لمجموعات من الأفراد بناء على قياس تراكيز الهرمونات في الدم (2-3-4)، عند هذه النقطة، قيل أن تأثير الهرمونات كان قبل الولادة، و بالتالي فإن هذا الشخص، عندما يأتي للحياة، فإن دماغه سيكون مبرمجاً وفق ذلك، و لا اعتبار لاختلاف الهرمونات، و بالرغم من التناقض الصارخ في هذا الطرح، إلا أنه قد أجيب عنه ببساطة، كما سنرى.

 

إن هذه النظرية أساساً لم تقدم إجابات على أي من الاسئلة التي طرحت عليها، من قبيل، أننا لو تجاوزنا صحة الفرض الذي يقول أن الهرمونات هي المحرك الرئيسي في الشذوذ الجنسي، بحيث أنه من الممكن أن يكون هناك خلل ما، أدى لاطلاق الهرمونات الانثوية عوضاً عن الذكرية أو العكس، فما تفسير بقية مظاهر الشذوذ الجنسي، مثل اشتهاء الأقدام، أو معاشرة الحيونات، او معاشرة الأطفال، طبعاً لا إجابة، إن هذا يقودنا للقول أيها السادة، أن الجنس لدى الانسان، ليس منعكس عصبي  Reflect ، يجعل الانسان كآلة لا يفكر الا بالاستجابة للتحريض مهما كانت الطريقة، بقدر ما هو سلوك ، سلوك معقد و شعور يتحرك عميقاً في النفس.

 

بالعودة لهذه النظرية، و إذا كانت صحيحة أيضاً، فمعنى ذلك يجب أن نشاهد انحرافات هرمونية أخرى و بشكل واضح لدى الشواذ، خاصة انحرافات في الغدد التناسلية، من حيث كمية و نوعية الهرمونات، كان يجب أن نشاهد أعراض أكثرلأمراض مرتبطة بإرتفاع نسبة الاندروجين “هرمون ذكوري” لدى السحاقيات، الوضع ليس كذلك أيها السادة (5-6) ، أيضاً لم يسجل تناقص في قدرة الشواذ جنسياً من الطرفين على الانجاب، بسبب هذا الاختلال الهرموني المزعوم ، و الأهم، و هو الرد على أن البرمجة تتم قبل الولادة، لم يثبت أن الأطفال الذين تمت معالجة أمهاتهم هرمونياً أثناء فترة الحمل، أبدوا ميولا جنسية شاذة (7)، و بالتالي لم تعد هذه النظرية، وطروحات الهرمونات تفيد في القول أن منشأ الشذوذ هو هرموني.

 

  2.       دراسات الدماغ :

 

بشكل عام، تلقى الدراسات التي تركز على الدماغ، و الفروق بين الرجل و المرأة المربوطة بالدماغ و حجمه، و نسبة الذكاء و حجم الدماغ، و الشذوذ و الدماغ، تلقى هذه الدراسات اهتماماً اعلامياً، يجعلها تُصور و كأنها حقائق منتهية، المؤسف في الموضوع، أن هذا الاعلام، لا يتلقى الدراسات التي تدحض هذه الافتراضات بنفس الضجة، حتى و إن كانت من نفس الفريق، و بالتالي ما يعلق في أذهان الناس، هو الاشاعة الاعلامية المرافقة لهذا الحدث أو ذاك، و من هنا كان يجب التنبه دوماً على مصدر المعلومات، و لماذا يعرض الاعلام هذه الدراسة دون تلك، و مالذي يريده من ذلك، و لعلكم تدركون جيداً من هم المتحكمون في الاعلام العالمي.

 

في عام 1982 أظهرت دراسة (8) أن ما يعرف ب Corpus Callosum  ( الجسم التفني الواصل بين نصفي المخ، عبارة عن مجموعة ألياف) أظهرت هذه الدراسة، أن هذه المنطقة لدى النساء أثخن، و بالتالي هذا ما يفسر ما تم اعتقاده بقدرة النساء على إنجاز أكثر من عمل في نفس الوقت، بسبب المقدرة العالية على التواصل، بالعودة الى تلك الدراسة، عدد العينات الممسوحة، كان عشرين عينة فقط، منذ ذلك الوقت تم مسح آلاف الأدمغة، و وجد أنه لا اختلاف بين الرجال و النساء في هذه المنطقة (9) ،يمكن أن أعرض هنا 23 دراسة مختلفة تتحدث عن هذا الموضوع بالذات،  الرابط الوحيد بين هذه الدراسات، هو النتيجة، لا فرق بين الرجال و النساء في هذه المنطقة، و برغم من ذلك ما تزال قصة هذه المنطقة تلقى رواجاً في الاعلام.

 

في عام 1985، ظهرت دراسة (10) تقول أن نواة الهيبوثلاموس في الدماغ (Hypothalamic nucleus) تمتلك شكلين مختلفين تبعاً لنوع الجنس، لكن لم يوجد أي علاقة بين هذه الأشكال، أو الحجم، و بين التوجه الجنسي (11).

 

في العام 1991، ظهرت دراسة أثارت الإعلام كثيراً في تلك الفترة، الدراسة المنشورة في Science من قبل Simon Le Vay  تظهر كم هو العلم مرعب أحياناً، و متطرف إذا أُريد له أن يُثبت أي شيء بأي شكل (تذكروا نظرية التطور).

في هذه الدراسة (12) أظهر Simon Le Vay  وجود اختلافات في حجم منطقة الهيبوثلاموس في الدماغ،

 

بين الشواذ جنسياً و بين الطبيعين و بين الرجل و المرأة، هذا الاختلاف قُدر حجمه بواحد على عشرة من المليمتر، حجم النواة أساساً يقارب النصف سنتيمتر، في منطقة مختصة بالهرمونات، و بالهرمونات الجنسية خاصة، و بالرغم من صغر حجم هذا الاختلاف، لم يمنع Simon Le Vay   من القول أن للشذوذ منشأ بيولوجي في الدماغ.

 

إذا استثنينا أيها السادة، الأسباب الايدولوجية التي ستجعل أي مجتمع يرفض هذه الدراسة، فإن الأوساط العلمية رفضتها بناء على معطيات أخرى (13)، ليس أقلها الأخطاء التقنية للدراسة (14)، ففيما عدا أن العينات التي تمت عليها الدراسة صغيرة، فإن الرجال الشاذون الذين شملتهم الدراسة، كلهم ماتوا بسبب الايدز، و هذه النقطة بالذات، هدمت كل الدراسة، إذ أنه و من المعروف أن فيروس الايدز، يمكن أن يغزو الدماغ، مسبباً أذى شديد في المخ، و بالتالي مقارنة أدمغة مصابة بفيروس الايدز، مع أدمغة سليمة، لاثبات منشأ الشذوذ الجنسي، لم يمر بسهولة في الأوساط العلمية.

السؤال الذي عجزت الدراسة عن الاجابة عليه، هو كيف يمكن لبقعة لا تتجاوز واحد على عشرة من المليمتر،  أن تؤثر في التوجه الجنسي للفرد، و هذا التوجه متغير في الفرد الواحد من مرحلة لمرحلة، و بناء على أي أساس يمكن للشواذ جنسياً أن يستجيبوا للعلاج النفسي و يصححوا توجهاتهم الجنسية، ضد شيء موجود في أدمغتهم يأمرهم بالعكس؟

لذلك أيها السادة، لم يكن من المستغرب أن أحداً لم يكرر نتائج هذه الدراسة حتى يومنا هذا.

 

بقيت الدراسات الجينية، سأعرضها في مقال منفصل خشية الإطالة ، أرجو لكم الفائدة و المتعة فيما تقرؤون.

 

المراجع:

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

1.       M.Bablburg, Progress in Brain research,61:375-8.

 

2.       Gooren L,et,al;. Biological determinants of sexual orientation. Annu Rev Sex Res 1990;1:175-196.

 

3.       Meyer-Bahlberg HFL. Child Adolesc Psychiatr Clin N Am 1993;2:489-500 .

 

4.       Friedman RC, Downey J. J Neuropsychiatry Clin Neurosci 1993;5:131-153.

 

5.       M.Bablburg, Archive of sexual Behaviour, 1979, 8: 101-119

 

6.       Byne W and Parsons B, Archove of General Psycharity 1993, 50:228-239

 

7.       انظر 3

 

8.         Delcoste M.S and Holloway R.L, Science 216:1431-2

 

9.         Bishop, K. M. and Wahlsten, D. (1997) ‘Sex Differences in the Human Corpus Callosum, Myth or Reality?’, Neuroscience and Biobehavioral Reviews 21: 581–601.

 

10.       Swaab D and Fliers E, Science 1985,228:1112-4

 

11.       Swaab D and Hofman M, Rev Brain Research, 1988 44: 314-318

 

12.       LeVay, S. (1991) ‘A Difference in Hypothalamic Structure between Heterosexual and Homosexual Men’, Science 253: 1034–7.

 

13.     Vidal, C., La Recherche, vol. 290

 

14.     انظر 3

 

 

 

 

في منشأ الشذوذ الجنسي (2)

         

الدراسات الجينية:

 

تلقات هذه النظرية دعماً قوياً في العام 1993  عندما ادعى  Hamer وجود جينة على الصبغي X  مسؤولة عن الشذوذ الجنسي (1)، و بالرغم من أن هذه الدراسة تم دحضها أكثر من مرة (2)، إلا أنها مازات رائجة، طبعاً لأن الجرائد و وكالات الأنباء لم تتحدث عن ذلك، سأعود لهذه الدراسة لاحقاً، لكن سأبدأ بسرد تاريخي بسيط لتاريخ الدراسات الجينية التي حاولت اثبات أن الشذوذ موروث.

اعتمدت الكثير من الدراسات على التوائم لاثبات هذه النظرية، و كما تعلمون أيها الأفاضل، فإن التوائم الحقيقية، يحملون نفس الطابع الجيني، و بالتالي، فإن أي تصرف متطابق بينهما، يمكن أن يفسر على أنه موروث.

و المتابع لهذه الدراسات في بداياتها، سيجد شيئاً طريفاً، و هي أنها كانت عبارة عن عد للتوائم الحقيقين الشاذين و غير الشاذين، أو عد للتوائم الذين كان أحدهما شاذاً. (3)

 

لنتحدث عن تلك الدراست قليلاً، في عام 1967 ظهرت دراسة (4)على توائم حقيقية إنثوية (سحاقيات) تبعتها دراسة أخرى في عام 1973 (5) ، كلا الدراستين أظهرتا أن هناك انسجام في التوجهات الجنسية بين هذه التوائم الحقيقية، بين عامي 1964 و 1980، كان هناك 4 مجموعات بحثية مختلفة تعمل في نفس الموضوع، أظهرت دراساتها (6-7-8-9) أن هناك عدم انسجام في التوجهات الجنسية لدى الذكور من التوائم الحقيقية، و في عام 1986 ظهرت دراسة (10) كانت نتائجها مختلفة عن البقية، فقالت أنه من الصعب إنكار العوامل الوراثية لدى الشواذ من الذكور، لكنها أقل قيمة لدى الاناث السحاقيات!!! ، لكن الدراسة ذاتها كانت تعاني من نقص في عدد العينات، ( 4 اناث + ذكرين فقط).

 

أود أن اشير هنا الى أنه حجم العينة مهم جداً، فلا يمكن تعميم نتائج من عينة مكونة من 6 أو 20 شخص ، على الملايين من البشر، طالما أن هذه النتائج لم تكرر، و كما هو واضح أعلاه، فهناك تضارب كبير في النتائج بين مختلف هذه الدراسات.

لنتوقف قليلاً عن الدراسات الجينية التي تمت على توائم حقيقية، و لنستعرض دراسات تمت بين توائم حقيقية و توائم كاذبة، هذه الدراسات كانت قديمة، في عام 1952 قدم Kallman (11) دراسة ادعى فيها أن نسبة الشواذ في التوائم الحقيقية، كانت 100% في حين أنها كانت 12% في التوائم الكاذبة، و بغض النظر ان عيناته كانت من مصحات نفسية، و من عالم الشواذ السري حينئذٍ، فإن هذه النتائج لم تكرر حتى يومنا هذا، و لاحقاً اعترف أن نسبة 100% المذكورة كانت مصطنعة و كاذبة (12).

 

في نفس السياق، و في 1991، ظهرت دراستان، الأولى تم فيها ارسال أسئلة عبر البريد، لعدد كبير من القراء، تم من خلال الأجوبة، تحديد النمط الجنيني !!!، و التوجه الجنسي لدى المشاركين، الأعمار كانت بين 19-40 عاماً، و أعلن الباحثون أن الشذوذ في التوائم الحقيقية كان أكبر منه في التوائم الكاذبة (13)، لكن عند دراسة النتائج من قبل فريق مستقل، تبين وجود أخطاء منهجية بالدراسة، معايير Chi-squares و t-tests الاحصائية طبقت بطريقة خاطئة، أظهرت أن هناك فروق حقيقية بين الفئتين، بعد التصحيح ظهرت النتائج الجديدة لتقول أنه لا فروق حقيقية و معتبرة بين المجموعات (14).

 

الدراسة الثانية، و لاقت ضجة اعلامية كبيرة حينها، تمت الدراسة بين توائم حقيقية، و توائم كاذبة، و أطفال تم تبنيهم من قبل شواذ و سحاقيات، العينات أيضاً تم جمعها عبر اعلانات في مجلات الشواذ، و الاسئلة تم ارسالها عبر البريد، ثم تم تحديد النمط الجيني، و التوجه الجنسي عبر مقياس Kinsey ، النتائج كانت أن 50% من التوائم الحقيقية أظهروا تطابقاً بكونهم شاذين جنسياً، و لكن النسبة كانت أقل من ذلك في التوائم غير الحقيقية.

 

الدراسة عانت من مشكلة أساسية، و هي أن الأطفال الذين تم تبنيهم من قبل الشواذ و السحاقيات، أظهروا نفس الميول الشاذة للتوائم الحقيقين، و بالتالي فإنه لا يمكن بذلك القول أن التأثير كان جيني بقدر ما كان بيئياً،و بالتالي تحولت الدراسة لهذا الاتجاه.(15)

 

آخر دراسة عثرت عليها، تمت في العام 2000 و هي دراسة استرالية، (16) لم تستطع أن تؤكد أن الأمر جيني، لكن قالت أن البيئة تلعب دور مهم في مراحل متقدمة، في حين أن التوجهات الجنسية تكون موروثة عند الأطفال، بمعنى أن الأطفال كانوا قادرين على التعبير عن ميولهم الجنسي الصحيح بشكل واضح، و بغض النظر اذا كان بالإمكان اعتبار أن هذه نتيجة جديدة أم لا، فالدراسة أكدت بهذه النتيجة أن البيئة هي التي تلعب الدور الأكبر في تغيير الميول الجنسية لدى الأطفال بعد سن البلوغ طالما هم عبروا عنها بشكل طبيعي قبل سن البلوغ.

 

بالعودة لما أورتده في مقدمة الفقرة حول دراسة Hamer ، فقد قال في عام 1993 أنه وجد خمس واصمات markers على الصبغي X، هذا أدى به للقول أنه يوجد جين على هذا الصبغي يؤدي للشذوذ الجنسي عند الرجال، و إذا تجاوزنا السؤال البديهي، لماذا عند الرجال دون النساء، مع امتلالكهن لصبغيي X ، فإنني سأكتفي بما علقت Nature على الموضوع ( بوجود أي سمة افتراضية موجودة في البحث، فإن العمل لم يلقَ اهتماماً من العامة، طالما لم يتم تأكيد هذه النتائج).

 

لم يطل الأمر كثيراً ليتم تأكيد النتائج، حيث ظهرت في العام 1995 دراسة قدمت في مؤتمر علمي (17) نشرتها Science في العام 1999 (18) بعنوان : “المثلية” عند الذكر: غياب أي أدلة على وجود روابط مع الواصمات على الجين Xq28، نفت وجود أي من هذه العلامات لتحديد هذه الجينة، و اشارت لبعض الأخطاء في منهجية الدراسة، و حتى يومنا هذا ما تزال هذه الدراسة “أعني الأصلية” بين أخذ و رد، دون أن يكون هناك اختراق في الموضوع، طبعاً هناك دراسات أخرى تمت لم تتوصل لنفس النتيجة التي توصل اليها البحث الأصلي (19)، أيضاً نتائج الدراسة أعيدت مراجعتها، و قدمت الكثير من الانتقادات، لدرجة أن الذي راجع الدراسة قال: أنه حتى يتم تأكيد هذه النتائج، فإن هذه النتائج يجب أن تعامل بكثير من الشك. (20)

 

خلاصة القول في هذه الفقرة، هو أنه و حتى يظهر اختراق حقيقي في هذا الجانب، يؤكد وجود جين للمثلية، يؤدي للشذوذ الجنسي، فإنه لا بمكن القبول بمثل هذه الافتراضات، و أن أي دراسة تتم في هذا الاتجاه، عليها أن تجيب على أسئلة من قبيل:

 

1-لماذا يختلف التوجه الجيني لدى الكثير من التوائم الحقيقي؟

2-لماذا يتغير التوجه الجنسي عند أولئك الأفراد حسب مراحل حياتهم أو بعد المعالجة؟

 

إضافة لكون الافتراض بأن وجود جين للمثلية سينتقل عبر الاباء للأبناء، هو افتراض غير منطقي، بسبب عدم وجود حمل بين الشواذ أو السحاقيات، و أن الدراسة التي تمت على هذا الجين كانت تتحدث عن عائلات يتم اختيارها، و يتم تتبع نمطها الجيني.

 

يمكن القبول بمقولة “رغم أني لا أؤيدها ” أن الاختلاف بين شخصياتنا، قد يكون بتأثير جيني،هذه الاختلافات تظهر بسبب وجودها في بيئات مختلفة، يمكن أن تؤدي لظهور الشذوذ، لكن أن يتم البناء، أن كل من يحمل جين معين هو شاذ جنسي، بغض النظر عن البيئة التي نشأ فيها، أو أنه شاذ جنسي و لكن لا يعرف، و بالتالي يجب علينا أن نساعده على ذلك، فهذه الافتراضات، عدا عن أنها تتجاوز المعرفة العلمية بكل وقاحة، فهي أيضاً تتجاوز قيمة الانسان كإنسان، لتجعله مجرد حيوان لا يعرف عن نفسه شيئاً.

 

إن هذه الدراسات التي أسقطت الفرضيات البيولوجية لمنشأ الشذوذ الجنسي، لم تبني نتائجها على أفكار دينية مسبقة أيها السادة، و لم ترفض هذا المبدأ وفقاً لأهوائها، و لم تناقشه فلسفياً أو من وجهة نظر تطورية، علماً أن هناك باحثين رفضوا المبدأ الطبيعي للشذوذ، لأنه ببساطة يخالف نظرية التطور (21)، و بالتالي على السادة الذين يقبلون النظريتين سويةً، أن يوفقوا بينهما أولاً. أقتبس هنا حرفياً من هذه الدراسة:

 

On these and other grounds, we find sociobiological explanations of homosexuality to be implausible and unsupported by evidence. Evolutionary theory provides no guide to morality or ethical progress, nor for appropriate social attitudes toward homosexuality.

 

لتسهيل الترجمة و البحث، كلمة sociobiological اشتقاق من Socio “Social” + Biology

 

و لا حظوا أنهم يؤكدون أن نظرية التطور لا تقدم أي دليل على تقدم “تطور” القيم و الأخلاق، فضلاً عن تقديمها موقف اجتماعي ملائم تجاه المثلية الجنسية.

 

ربما سأعود لأعرض الدراسات التي قالت عن تأثير البيئة،و أن البيئات الشاذة ستنتج وضعاً شاذاً ،و لكن حالياً سأتوقف في هذه السلسة هنا، مع شديد آسفي لعدم المتابعة، الفكرة الأساسية من هذه السلسة، هو ان نتسائل كثيراً قبل أن نتقبل فكرة خارج عن الإطار السوي للبشرية، و أن نتفكر بأي ضجة اعلامية تحدث هنا أو هناك، خاصة علمية، و من خلال دراستي فأستطيع أن أسوق لكم الكثير من الأمثلة عن أدوار تضليلية للإعلام ، اعتماداً على دراسات علمية ثبت أنها غير صحيحة، لكن ما نزال نشاهد من هم منا، يرددونها بكل بدائية، ببساطة لأن هذا الإعلام لم يعرض لهم الوجه الآخر من الحقيقة.

 

نهاية، أقول لكل من ابتلي بهذا الأمر، لا تصدق مهما قيل لك، أن الأمر طبيعي، أو أن العلاج لا يفيد، وأحيلك على موقع الجمعية الوطنية الأمريكية لأبحاث وعلاج المثلية الجنسية http://www.narth.com/ لترى بعينيك أنه لا يوجد مستحيل، وأنه حتى في أمريكا، ومع كل الضغوط من جمعيات الشواذ، بقيت قلة تعتقد وتصدقوتقول بملء الفم أن الأمر ليس طبيعي، وأن له علاج.

 

المراجع:

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

1. Hamer, D. H.,et al;. (1993) ‘A Linkage between DNA Marker on the X chromosome and Male Sexual Orientation’, Science 261: 321–7.

 

2. Rice,et al;. (1999) ‘Male Homosexuality: Absence of Linkage to Microsatellite Markers at Xq28’, Science 284: 665–7.

 

3. Terry R, J Homosexuality, 1995, 28(1-2):115-45

 

4. Psy Quart, 1967, 41:108-133

 

5. Perkins M, Behaviour Genetics, 1973, 3:387-8

 

6. Parker N, BJ Psychiatry, 1964, 110:489- 95

 

7. Klintworth G, J Nervous and Mental Disease, 1962, vol 135:113-25

 

8. Zuger B, Comprehensive Psychaitry, 1976, vol 17:661-69

 

9. McConaghy N and Blaszczynski M, Arc of Sexual Behavior, 1980,vol 9:123-131

 

10. Eckert E et al, BJ of Psychiatry, 1986, 148:421-425

 

11. Kallman F, J Nervous and Mental Dis., vol 115:283-98

 

12. Kallman F, Psychosomatic Med., vol. 22:258-59

 

13. Bailey J.M et al, Behaviour Genetics, 1991, vol 21:75-96

 

14. انظر 3

 

15. انظر 3

 

16. Bailey: J Pers Soc Psychol, Volume 78(3).March 2000.524–536

 

17. Rice, G., Anderson, C., & Ebers, G. (1995, September). . Paper presented at the Twenty-First Annual Meeting of the International Academy of Sex Research, Provincetown, MA. Male homosexuality: Absence of linkage to microsatellite markers at Xq28

 

18. انظر 2

 

19. Bailey, J. M,et al. A family history study of male sexual orientation using three independent samples. Behavior Genetics, 29, 79–86

 

20. انظر 3

 

21. Sexual orientation, sociobiology, and evolution. J Homosex. 1983-1984;9(2-3):157-68