حرب المصطلحات : د. ديمة طارق طهبوب

dictionary1حرب المصطلحات

اللغة…وسيلة التخاطب المكونة من حروف و كلمات و جمل بها نتكلم و نتحاور، و في اقصى الحدود نتجادل و نتخاصم، و لكننا قليلا ما نراها كسلاح و أداة تشكل المفاهيم، و تبلور القناعات، و تنشر الثقافات، و تمكن الناطقين بها من السيطرة و التحكم.

و يدلل الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر على خطورة اللغة قائلا: ” الكلمة ليست نسيمًا عليلاً يداعب مخيلاتنا وعقولنا دون أن يؤثر فيها، ولكن الكلمة هي أداة الإرسال والاستقبال و التوجيه، هي مسدسات محشوة قد تحمي الخير أو تجهز عليه”

و قد أصبحت الانجليزية بانتشارها الواسع لغة التخاطب العالمي global language، و بهذا انتقلت الدول الناطقة بالانجليزية لتمسك زمام إدارة العالم و تنشر ثقافتها الخاصه عن طريق اللغة، فيصبح المرء لا يستطيع أن يولي شمالا أو جنوبا الا إذا تكلم الانجليزية، و لا يحصل علما أو منصبا الا إذا كان إتقان الانجليزية من أول مؤهلاته

و اللغة ليست أداة حيادية، و إنما هي حسبما يقول الدكتور محمد عمارة أوعية تحمل مفاهيم و مضامين و سلوكيات، و في ظل ثقافة العولمة ،التي تغيب الخصوصيات الثقافية و الدينية، تعتبر المفاهيم ليس فقط عابرة للقارات و إنما للحضارات، و تعتبر أن ما ينفع المرأة و سياقات التجربة النسوية في الغرب ينطبق انطباقا تاما على كل نساء الأرض، و لا تقيم وزنا لما يُعرف بنظرية جغرافيا الكلام التي تقول أن صحة الكلام تختلف باختلاف البيئات و الأماكن.

إن السيطرة اللغوية للانجليزية منحتها أفضلية تحديد المعايير و المقاييس و النمذجه and models standards، و ما يعتبر فضيلة أو رذيلة، أو تقدما أو تخلفا مقارنة مع المقياس الغربي، فكلما اقترب الآخر العربي و الاسلامي من النموذج الغربي عُدِّ متقدما، و كلما ابتعد مكتفيا بمراعاة الخصوصية عُدِّ محافظا متخلفا

و المأساة الأكبر في تعاملنا مع المصطلحات الانجليزية في المعاهدات الاممية التي تُعنى بالمرأة و الطفل و الأسرة هو أخطاء و تجاوزات الترجمة التي تتغافل، بقصد أو جهل ، عن أبعاد المصطلح في اللغة و الثقافة التي كُتبت فيها، و تنقله الى العربية ترجمة حيادية خاطئة لا تحمل أي دلالة معنوية تدل على معناه و كيفية استعماله في اللغة الأم

و من أمثلة ذلك مصطلح الجندر gender الذي ظهر أول مرة في وثيقة مؤتمر السكان في القاهرة عام 1994 في واحد و خمسين موضعا، و عندما طالب ممثلو الدول العربية بمعرفة معناه تُرجم خطئا ليعني الجنس sex اي الذكر و الأنثى، بينما معناه كما ورد في تعريفات منظمة الصحة العالمية و الموسوعة البريطانية هو “المصطلح الذي يصف الخصائص التي يحملها الرجل و المرأة كصفات اجتماعية لا علاقة لها بالاختلافات العضوية، بمعنى أن التكوين البيولوجي للذكر و الأنثى ليس له علاقة بالنشاط الجنسي الذي يُمارس،و يمكن حسب هذا التعريف أن يقوم الرجل بأدوار الأمومة، و تقوم المرأة بأدوار الأب، و أن تكون المرأة زوجا تتزوج امرأة من نفس جنسها، و بهذا تكون قد غيرت صفاتها الاجتماعية و هذا الأمر ينطبق على الرجل أيضا” و هذا بالطبع ما يفتح المجال في الاتفاقيات الدولية لتقبل و تقنين الشذوذ على انه طبيعة اجتماعية لا غضاضة فيها، و الملاحظ ان كثيرا من الاتفاقيات و الاعلانات لم تعد تستخدم كلمة homosexuality لتعني الشذوذ بما تحمله من ظلال سلبية و تجريمية و اقصاء و بعد عن الفطرة المحصورة بالذكر و الأنثى و استبدلتها بكلمة gay  و بالرجوع الى قاموس المورد العربي فإن المرادف بالعربية هو مرح أو مبتهج أو متحرر في علاقاته الاجتماعية، و ليس هناك أي إشارة الى اللأخلاقية التي تحملها كلمة الشذوذ و الشاذ التي استبدلت بالعربية أيضا الى كلمة المثليين، و كأنهم جنس ثالث طبيعي الوجود في الحياة، و لم يكن ما أقدم عليه بعض الشاذين في الدول العربية من طلب ترخيص جمعية لهم خارجا عن السياق العالمي في النظر الى الشواذ باعتبارهم أصحاب حقوق و مواطنة كاملة ، ففي الغرب لهم نوابهم و جمعياتهم و امتيازاتهم الأسرية، و يُعاقب بالسجن و الغرامة من يميز ضدهم

و من المصطلحات أيضا مصطلح المتحدين و المتعايشين unions and couples الذي استخدم اول مرة في مؤتمر القاهرة بعد الدعوات لتغيير هياكل الأسرة النمطية المكونة من أم أنثى و أب ذكر، و السماح باسر الالتقاء الحر بدون زواج أو عقد شرعي أو كنسي عن طريق المساكنة و المشاركة  المدنية civil partnership بين زوجين من نفس الجنس أو جنسين مختلفين، و دعم الأسرة بكافة أشكالها The family in all its forms

و من المصطلحات الخطيرة مصطلح الجنس الآمن و الصحة  الجنسية sexual health و التي تفسرها وثيقة مؤتمر القاهرة بكونها حق لجميع الأفراد (و ليس الأزواج) مما يعني إمكانية ممارسة الجنس دون الزواج بشرط أن يكون مأمونا بتوفير حبوب منع الحمل للإناث، و الواقيات للذكور، و توفير الثقافة الجنسية لكل الناشطين جنسيا من المراهقين، و دعم المراهقات الحوامل بتوفير خدمات رعاية الطفولة المبكرة، و كذلك كان كل طفل يولد من علاقات غير شرعية يُعرف بابن زنى أو طفل غير شرعي illegitimate child، ثم أصبح يطلق عليه طفل مولود خارج إطار الزواج out of wedlock، ثم تطور ليصبح طفلا طبيعيا natural child، ثم أصبح المصطلح في قمة الإيجابية ليطلق عليه طفل الحب love baby، و من سيعترض على الحب أو يجرمه؟؟؟

أما اتفاقية سيداو، فقد بنت على هذه المصطلحات، و أصبحت تطالب بإعطاء المرأة حقوقها بغض النظر عن حالتها الزوجية irrespective of her marital status، و معنى ذلك سواء أكانت متزوجة أو غير متزوجة و مرتبطه بعلاقة مع رجل قد ينتج عنها أطفال، أو متزوجة من إمرأة مثلها و ترغب بالانجاب بالطرق البديلة، و ليس فقط المعنى الذي نعرفه في دولنا العربية بان تكون المرأة إما عزباء أو متزوجة أو مطلقة أو أرملة

أما الأدوار النمطيه stereotypical roles و التي يُنظر اليها سلبا فهي تتمحور حول دور المرأة كأم، حيث يُنظر للأمومة كعمل غير منتج أو مربح ،و لا يساهم في التنمية أو الدخل القومي الذي يمكن للمرأة أن تحصله لو خرجت للعمل و تخلت عن دورها كأم، كما يُنظر في  هذه الاتفاقيات للأمومة على انها دور اجتماعي و ليس بيولوجي، و بالتالي تكون الأمومة ليست حكرا على المرأة و يمكن للرجل و الأب أن يمارسها

أما المصطلح الأهم و التي تدور حوله اتفاقية السيداو فهو مصطلح التمييز discrimination و هو في اللغة الانجليزية يعبر عن واقع الظلم و الاجحاف أكثر من تعبيره عن مجرد التفرقة بين الرجال و النساء، فليست كل تفرقة بين مختلفين (الذكور و الإناث) ظلما، و ليس كل اختلاف في الوظيفة الحياتية بسبب الاختلاف في الجنس تمييزا أو عنفا ضد المرأة، فالمساواة لا تتحقق الا بين متماثلين في السمات و الخصائص و الوظائف، أما العدالة فتنطبق على المختلفين و هذا ما ينادي به الاسلام

إن التعامل مه هذه المصطلحات و ترجمتها أمر في غاية الخطورة إذا لم ندرك أبعادها الاجتماعية، و للتدليل على ذلك ففي مؤتمر اسطنبول للمستوطنات البشرية عام 1996تفجر الصراع بين الوفود المشاركة على تعريف الأسرة، و كان السؤال: هل الأسرة خلية اجتماعية يجب تدعيمها. أم هي الخلية الاجتماعية التي يجب تدعيمها؟ أي حول إضافة أل التعريف، و ما تحمله من مفهوم التعدد و الاختيارات اذا غابت، أي ان الأسرة احدى الخلايا الاجتماعية و ليست الخلية الوحيدة، و ما تحمله من معنى الحصر و الاستغراق بإضافة أل ،لتكون الأسرة هي الشكل الاجتماعي الوحيد المقبول به، و انتهى الصراع أمام اصرار دول الاتحاد الأوروبي بوجود أنماط مختلفة من الأسرة

في السياسة من قبل ضاعت فلسطين بإضافة حرف الواو و إسقاطه بين النسخ الأصلية من الوعود و قرارات التقسيم و ترجماتها، فهل ستضيع الأسرة و هي اللبنة الأساسية و القاعدة الأقوى في حفظ أوطاننا بأل التعريف، و بسوء نية أو سذاجة في استيراد و ترجمة المصطلحات و المعاهدات؟؟؟

قيل قديما “عندما يسوء الزمان تصبح الأذن سلة للمهملات و العين جرابا للخرداوات” فهل أصبحت آذاننا و أذهاننا جرابا تفرغ فيه الأمم حثالة تجاربها؟؟

إن استبدال كلمة الشذوذ بالمرح ليس خبط عشواء، إن هذا الاستخدام اللغوي كمثال يؤثر على منظومة الاخلاق و الممارسات الاجتماعية و ينطلق الى دوائر أكبر ليكشف عن خطورة هذا السلاح، سلاح الكلمات و المفردات و الترجمة  التي تغير المعاني فتلبس ثوب الأخلاقية و الديمقراطية و العدالة لمن تريد وتنزعه عمن تشاء لتكشف عن عورات تريد الصاقها بالعالم العربي و الاسلامي بدأت بمصطلح الأصولية fundamentalism  و ترجمة كلمة fundamental و هي الصفة من المصدر بمعنى أساسي أو أولي أو جوهري أو رئيسي و لو رجعنا لتاريخ الكلمة لوجدنا أنها تدل على مذهب العصمة و هو مذهب بروتستانتي انتشر في القرن العشرين يؤكد على أن الكتاب المقدس معصوم عن الخطأ ،ولكن الكلمة حورت و سيست الى معنى آخر مراد بعينه لضربة بعينها و هي وصف العالم العربي والإسلامي بالتزمت و التشدد و التعصب، فأصبح الاسلام ليس أساسياً و جوهرياً كما معنى كلمة fundamental و صار الانتساب اليه و ممارسة شعائره اصوليه متعصبه fundamentalism طورتها السياسة اللغوية الأنجلو – أمريكية إلى إرهاب و محاور للشر.

د.ديمة طارق طهبوب

 

انصر أخاك ..ظالما أو مظلوما …بقلم دمشقي معبراني

انصر أخاك ظالما أو مظلوما

قراءة في كتاب “لفق المسلمون إذ قالوا…”..

بقلم : دمشقي معبراني

عندما يكون الظالم أخ لنا من أبناء أمتنا ومجتمعنا فيكون نصره بأن نمنعه من ظلمه ونرده الى أسرتنا فنقول :

عفوا أخي صاحب كتاب (لفق المسلمون إذ قالوا ) تريث قليلا: و من اجل أن لا يعيد التاريخ نفسه معك

 فعلى اعتبار قولك أن لفق تعني زخرف وموه بالباطل فلنتذكر قول الشيطان في جوابه التلفيقي :أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين

إن الشيطان وإن أقر بخيرية سيدنا آدم وكان بعض الحق في كلامه إلا أنه فرغه من محتواه و استخدمه كزخرفة وتمويها لتلفيق أراد بمجمله الباطل كله وهو أن  الشيطان  خير من سيدنا آدم وطبعا لمقام خلافة الله في أرضه وحيث اعتمد في تلفيقه أن الخيرية لمقام الخلافة تتبع لأفضلية المادة و حركيتها ووفق منظوره فقط

وهذا ما فعلته وتفعله في كتاباتك وخاصة هذا الكتاب الأخير حيث تجرأت و تجاوزت كل الحدود فوصلت إلى المسلمين وعلمائهم قديمهم وحديثهم عامة والصحابة بشكل خاص فأقررت لهم بالخيرة لزمانهم إلا أنك اتهمت الكل بالتلفيق ثم لتصل بنا إلى أنك وأمثالك الأفضل لخلافة الله في هذه الأرض فهل تتابع إلى رسول الله  أم تتركها لمن ورائك بل أنك في الحقيقة  و لمن يضع النقاط على الحروف يرى أنك  قد وصلت سواء كان ذلك بوعيك أم لم يكن

إن الكاتب وإن تغنى مبدئيا باللغة العربية ومدح الرسول وتكلم في الأسوة الحسنة حسب منظوره وأقر بخيرية الصحابة ولكن لزمانهم فقط  وقال بمعجزة القرآن وعرض الأسس الرئيسية في محاولة فهم الآيات القرآنية والتي لا تتعارض على حد زعمه مع اشتراطات وضعها كبار الأئمة ورجال الدين أنفسهم لفهم كتاب الله من إتقان ومعرفة للغة العربية وتفسير القرآن بالقرآن ومعرفة لأسباب النزول . . . (وأظن هذه النقط التي وردت في كتابه تشير إلى الأساس الرابع للفهم والذي أشار إليه إشارة بقوله : وأن على الإنسان أن يستعين بأخيه الإنسان ) وعلى الجملة فما أراد بذلك إلا تمويها وزخرفة ليشد السمع بإصغاء يمكنه من الوسوسة والنفث في العقد وليخفي مراده مبدئيا فتطمئن النفس لموضوعية كاذبة عميه  تقر للنفس بخيرية عاطفتها لكن تجعلها محدودة مع القول بأفضلية متفتحة لغيرها فيحرف ويسير العقل مقيدا إياه بسحر بياني (وإن من البيان لسحرا) في ظلمات وسلاسل  الجهل  بعلم ناقص محدود إن أنار ولبعض الوقت طرفا وجزءا من الصورة الكلية الواقعية فهو يظلم بقية الأطراف والأجزاء فيحجب العقل عن رؤية الصورة بكليتها ونورانيتها وترابط أجزائها كل في موقعه المكمل للصورة ثم ما ورائها من مدد وحياة وهكذا حتى يبلغ بالمرء مرتبة يسيطر بها على كليته بالباطل بما زخرف وموه ليبعده عن الحقيقة إذ يصل في النهاية ليفرغ ما قال به مبدئيا من معناه وروحه وحيث الموت بقتل معنوي فينطبق عليه قول: و قاتل الجسم معروف بفعلته   وقاتل الروح لا تدري به البشر

أفبعد ذلك وسوسة وتلفيقا أعظم من ذلك

لقد انطلق بدافع الحسد لمن اختارهم الله ليثبت أنه ومن يسير على نهجه الأفضل لخلافة الله في أرضه وحيث إمداد هذه الحياة بمنهاج من صياغتهم يطورها ويجددها وعلى السماء أن تقبل ما أراده العباد (وطبعا الأفضل حسب منظورهم )في سبيل تحسين حالهم وأمرهم على حد زعمهم فقد ظنوا أن حياتهم بتطوير حياة أجسادهم فقط وأن بأيديهم إنشائها فما أفلحوا وخسروا الحياتين  بسيرهم  نحو الموت الروحي وابتعادهم وانقطاعهم  عن الاستمداد  لروح من الله وما يستوي الأحياء ولا الأموات

فينطبق عليهم قول: لله در الحسد  ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله

بل سيتحقق بواسطتهم القول :إذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود

وسينقلب السحر على الساحر

و بتفصيل لما سبق ومع العودة عليه بقول الكاتب نفسه :بالكأس التي تسقي سوف تشرب

نبدأ مع اللغة العربية بمرور سريع فنراه وإن تغنى بها بداية وطرب لأغانيها وأشعارها وكلماتها فما ذلك إلا زخرفة وتمويها إذ تتفاجأ في النهاية  أنه يكشف لك ومع استعراض علمه الواسع بها ومن منظوره الذي يظن أنه لا موضوعي ولا صادق سواه عن قصورها وتخلفها عن غيرها من اللغات في اللحاق بركب هذا العصر وتطوره. .بالإضافة إلى أنه يصدر حكما بالإعدام عليها لاغيا لحركة روحها عن جسدها بادعائه أن اللغة تفهم بصرفها فقط ولا داعي لنحوها الذي هو من تلفيق الأقدمين  .

وطبعا ما ادعاه لا حقيقة له البتة بل على العكس بل فقط وإن أخذنا بقوله جدلا إن الأمر الجديد الوحيد الذي جاء به دين الإسلام هو قدوة التغيير والتطوير فالأولى أن نقول أن لغة هذا الدين بالتالي اختارها الله لأنها الأجدر والأصلح لمجارات قدوة التغيير والتطوير ولنا عودة بتفصيل على ما سبق ولكن لمن المستغرب بمن يدعي العلم الواسع باللغة العربية أن يغيب عنه قولا يمكن على الأقل الاستئناس به لفهم بعض متشابهاتها البسيطة وهو أن الضمير يعود على الأقرب فهل بعد ذلك نستطيع أن نفهم الحديث :خلق الله آدم على صورته ؟ فهما غير الذي فهمه الكاتب والذي استعان به ليثبت من وضوح وبساطة الحديث وحسب ما فهمه أن الأحاديث الصحيحة لا يمكن أن تفهم مجازا كما قال أهلها وبالتالي علينا أن لا نقبلها بجملتها على حد قوله

 بل إننا بذلك القول نرد كثيرا من الدس على رسول الله (ص):كما في الآية الكريمة: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم) سورة الحج -52 واللبيب من الإشارة يفهم

إن الكاتب مبدئيا يقول الرسول الكريم ثم يفاجئك بالفصل التام بين الرسول والنبي بادعاء أن لا للعنة الترادف في اللغة العربية

والسؤال كيف تريد أن تهدم اللغة العربية وقد أوجدها الله وليس الموضوع فقط أن ترى مقدارها بالنسبة للغات الأخرى ولكن الموضوع الأساسي هو هل هي فعلا عظيمة بما تعطيه لنا من جهة إعرابها ومجاراتها لتطور الحياة الإنسانية

وهل هي تعرب عن حاجات النفس الإنسانية وفطرتها  انك تقول أن اللغة غير معقلنة وتستدرك بنحوها  ولم تنتبه إلى أن إلغاء النحو سيسهل لبس الحق بالباطل  وسينحى بلفظ القول عن معناه المراد إلى معنى غير مراد كما في مثال كلمة النبي بالشدة إليها بدون شدة  ثم تقول لا ترادف وتقصد في الحقيقة لا تطابق  وتقع في ذلك في نظرك إلى الترادف والتطابق فعندما تتكلم عن الترادف لفظا أراك تتكلم عن التطابق فعليا وأنت لا تدري فتكون قد طابقت وجعلت الترادف تطابقا وعلى هذا لا ترادف لفظا بين كلمة الرسول وكلمة النبي تؤدي و بما تعنيه عندك  إلى الوصول بنا إلى فصل الربط بين الكلمتين نعم لا تطابق تام بين كلمتي النبي والرسول  وكذلك القران والكتاب والفرقان وكذلك السنة النبوية والحكمة كما يقصده البعض بحسن نية دون إن ينتبه له وهو يستخدم له لفظ الترادف  لكن الحقيقة أن الترادف فيه تقاطع أو اجتماع على معنى واحد فلا يصل بنا إلى الفصل بتاتا

 ثم إن إنقاص التراكيب في أمثلتك تلبس علينا التطابق من عدمه وذلك كمثال استدليت به على الفصل بين الرسول والنبي وذلك أن يكون الشخص مهندسا ومديرا للعلاقات العامة في آن واحد ما تعنيه أن كل وظيفة مفصولة عن غيرها  إلا أن ذلك مع التدقيق يظهر أنه لا يوجد انطباق في المثالين فالمثال الذي سقته وان كان يمكن أن يكون ويوجد في الواقع إلا أنه حتى يكون متطابقا مع مثال الرسول والنبي ويؤدي دوره بما يعرف بالتمثيل أو القياس أن يكون هذا الشخص مديرا للعلاقات العامة الهندسية بل أنه اختير في الأساس ومن ضمن ما اختير لأجله لأوليته في مجال الهندسة  وعلى ذلك فالرسول معناه مترادف على معنى النبي بمعنى أن هناك تقاطع أو بالأحرى اجتماع على معنى وجوهر واحد وقد يكون المترادفان أحيانا أحدهما متضمن للآخر وربما أحيان أخرى يكاد أن يصل إلى تطابق وعلى ذلك

فرسول الله ليس ساعي بريد وناقل للرسالة كأي رسول فحسب كما يظن بل هو مكلف من جهة عليا و مبلغ بروحه وكله لهذه الرسالة وحريص في مهمته أن يساعد و يصل بالأنفس إلى ربها لتحيا بإقبالها عليه ( وبلغ الماء الثوب بمعنى بلغ كل ذرة فيه)وهذا ما فعله مع الصحب الكرام إذ لم يجعلهم متلقين غير متبصرين بل جعلهم علماء بأنفسهم معلمين ومنورين لغيرهم بل توفى وهو راض أنه بلغ الرسالة تمام التبليغ وشهد الصحب بذلك (ألا هل بلغت قالوا نعم قال اللهم فاشهد) و لقد قال فيهم (ص):أصحابي كالنجوم ولم يقل كالكواكب  وقرت عينه بتأديته لمهمته على الرغم من عدم انتشار الإسلام في الأرض بعد إلا أنه بنى النواة والفئة التي أنار لها بنور نبوته وتخطيطه لتقوم وتصل بالإسلام إلى كل الأرض بارتباطها الدائم  بروحه المقدسة والمستمدة التأييد من الله (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين# لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) سورة الأنعام -161-162 والتي ستبقى مستمرة تعود بتجدد إلى قيام الساعة 

والنبيّ بالشدة هو المخبر عن حقيقة بتأكيد وعندما تضاف كلمة النبي الى كلمة الله تصبح نبيّ الله فيصبح معناها المخبر عن حقيقة بتأكيد وكشف من الله بنور  وليس فقط النبي بدون الشدة فننتقل إلى معنى الحامل والناقل لخبر وعلى هذا فالعلماء الحقيقيون الذين لهم نور من الله هم فقط ورثة الأنبياء وليس أية علماء فكيف بالذين احتجبوا بظلمة المادة

أما السنة النبوية فموضوعها الحكمة أولا في إصلاحها لهذه الأنفس لتتزكى ولتكون أهلا لتلك النفحة الروحية والحكمة ثانيا في إصلاحها للأجساد وقاية ومداواة إصلاحا عاليا فرديا ومجتمعيا ومن كل جهات الحياة طبيا واجتماعيا واقتصاديا زراعيا وصناعيا وتجاريا…..

  ولهذا بحثه العالي حيث الشرع الشريف والشريف العالي ( كل ما على شرفا)

ثم إذا تكلم الكاتب في الأسوة الحسنة حسب مفهومه ومنظوره تراه أفرغها من حسن معناها وإن موهها وأبقاها على زخرفها

فعلى حد زعمه أن النبي عندما جهر بدعوته كان مستندا إلى نسبه الشريف والى تحليه بمكارم الأخلاق الحميدة السائدة        التي كانت أساس قبول الناس عامتهم وخاصتهم فإذا أضفنا لذلك قوله في رده على د.زغلول النجار  أن الإيمان بالله ربا واحد ا هو دليل إيماني وليس دليلا علميا نراه قد جرد الرسل الكرام  في دعوتهم  من الأدلة والحجة البالغة والمنطق والحكمة وأبقاهم فقط على العواطف والأخلاق دون العلم والموضوعية  وحيث استدلاله بقول رسول الله(ص):(إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق  ) وبالتالي ليتضح لنا في النهاية ما قصده من معنى أساس قبول الناس للدعوة إلى الله

ونرد عليه بالقول:

إن أكثر علماء المادة يبدون أشياء جزئية ناقصة التكملة وغير مترابطة فلا يهتدى إلى مواقعها الحقة إذ يخفوا ويظلموا الصورة الكاملة ثم ما ورائها من حياة أو موت حتى لا يستبان  ضلال أدلتهم —-

وعمى موضوعيتهم وقلة علمهم مقابل أكثرية ظنية وصولا إلى إضاعة الحياة

إن أكثرهم نظروا لأنفسهم بمادتها ولم يعبروا إلى ما ورائها ومن يمدها فأعجبوا بها وظنوا فيها الأفضلية على غيرها في قيادة الأمم فسيطرت عليهم بعلو شهوتها فلم يتجاوزوا ويستكملوا بعلمهم ما وراء ما أنارته لهم وبالتالي لم يستطيعوا أن يطلبوا الصدق مع فطرتهم فكان همهم أن لا ينكشف و ينفضح أمرهم فلذلك كان من صالحهم إخفاء الحقيقة ولو بالإفساد وسفك الدماء

وبالتالي كان همهم الأكبر إطفاء نور الله بأفواههم وقطع الطريق على أهل الحق المبين فقال القسم السطحي منهم:أن أهل الأديان لا يملكون دليلا علميا موضوعيا لبرهان ما يذهبون إليه وعليه فان إتباع أي من الأديان المختلفة يستند إلى التصديق والتسليم والإيمان بالغيب وهو يقوم على دليل إيماني لا علمي موضوعي بل يطالبون الآخرين بالإيمان والخضوع والتطبيق معتمدين على أدلة غيبية (ميتافيزيقية)

فالله مطلق غير موضوعي  فليس هناك إمكانية لعلم ذاته أي ما هو بمعنى ما ماهيته وبالتالي الإيمان به لا يكون إلا غيبيا وأن الرسالة غير موضوعية  فكيف تثبت نزول الوحي الذي يصل الإله بالرسول فذلك غير ممكن بالتجربة و كذلك الآخرة غير موضوعية فهل سبق للأموات أن عادوا وتحدثوا عما شاهدوا أو سمعوا ولم ينتبه هذا القسم أن مقاله وان كان ظاهرا حاول فقط أن يحصر الدين على دليل إيماني لا علمي موضوعي فيجعله شخصيا مزاجيا متوارثا فقط مع جعله محكوما من الماديين أهل الأدلة العلمية الموضوعية فانه يعني أنه بعمله ألغى دين الله وأثبت دين الماديين بل الطامة الكبرى التي لم ينتبه لها أن ما قاله لم يتبصر إلى ما سيؤدي بالنتيجة حيث تظهر حقيقته والتي تصل بنا باللاموضوعية إلى اللاصدقية وبالتالي إلى الباطلة والتي تبدو من الآن لمن يدقق السمع والبصر بما يقولها القسم الأعمق الرئيس والقدوة لهم فقد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر فقالوا أن الحقيقة هي أن الله غير موجود وأن الكون لا يهتم البتة بالبشر أو الجنس البشري وأن تاريخ البشرية كله ليس أكثر من مجرد نقطة تافهة في هذا الكون الواسع   والتي ما أن تبدأ في الظهور حتى تتلاشى أبدا دون أن تترك أثرا.لا توجد أخلاق.لا يوجد خير ولا شر وبالطبع لا شيء اسمه الحياة الآخرة فهذه مجرد قصة من قصص العجائز

إنهم يقولون بالمادة ويخفون ما توصل له العلم المادي نفسه وفي نهاية أفقه بأن السر وراء المادة –والتي ما هي إلا الوهم بذاته ——-

ثم بإنارة واستبيان كيف يرون الحقيقة حقيقة عندهم وبأي مقياس علمي يقيسون صحتها وصدقها وموضوعيتها وبالتالي يظهر لنا مدى أفقهم:

نبدأ بتفصيل وإنارة لما يدعونه الحقيقة وهي أن الله غير موجود  

إن هذا التركيب ناقص وقد أخفيت كلمة منه وهي ( عندهم) فيصبح التركيب: الحقيقة عندهم أن الله غير موجود-     فجعلوا ذلك أفق العلم وقاسوا مار أوه  على غيرهم (وما أريكم إلا ما أرى)وثبتوه باستقراء ناقص فكان ذلك عندهم كمال العلم إذ سيطرت عليهم نفسهم المادية بحسها البصري وخيالها فجعلوا العلم محصورا بما يخضع للحس المباشر وغاب عنهم إن العلم في حقيقته بالنسبة للنفس العاقلة والحاكمة الفعلية هو رؤية لحقيقة الشيء وجوهره وإدراكه إدراكا مطابقا للواقع و بمعنى أن العلم على أرض الواقع ولو كان علما حقيقيا صادقا وقائما بنفسه فان النفوس تختلف برؤيته بين نفوس ترى وتبصر من حقائقه وتدرك من أبعاده وبدرجات ومن جهات مختلفة وبين نفوس عمية عن رؤية حقائقه وغير مدركة لأبعاده وبدرجات ومن جهات مختلفة

 إن العلوم كثيرة ولكن لكل علم موضوع والخطأ تعميمه على العلوم كلها وفي ذلك  مشكلتهم وتلبيسهم إذ اعتبروا الموضوع واحد في العلوم كلها وهو المقدار والماهية  حيث ما ينظر في ذاته وماهيته ويلمس ويحس ويخضع لتجربة حسية ونسوا أن الموضوع هو ما يمكن أن يجرد ويدرك فيخبر عنه والأهم ما يبرهن فيه والأساس الذي ينسب ما يحمل إليه حتى يتم إدراكه بحدوده ولوازمه وأعراضه و يبرهن فيه  وحتى يبرهن فيه يجب أن ينظر فيه وهنا التلبيس يظهر بشكل أكبر إذ جعلوا النظر مقصورا ومحصورا بالحس ولم يتبين لهم وغاب عنهم أنهم ينظرون إلى الحاكم الفعلي في أنفسهم فقط من نافذة الحواس وخاصة البصر لأنهم لم يتعرفوا على غيرها وحيث أنهم عندما يحكمون بالعقل على علم لا يحكمون بحواسهم كما يظنون ويتوهمون إنما يحكمون بعقولهم من نافذة حواسهم وغاب عنهم أيضا أن ما يمكن أن يغيب عنهم قد يظهر لغيرهم حتى من نفس نافذتهم فكيف بك من نوافذ أخرى ولو أنهم لم يفروا من عون الله ورجعوا إلى ربوبيته لعرفهم ذلك وأشعرهم بكيان نفسي ولفتح لهم نوافذ أخرى تختلف أشكاله ودرجاتها كل حسب صدقه وسعيه

وليست كلمة موضوعي دائما تعني أنها سلاح للإنسان يرفعه بظن ليدل به على قوته العلمية وكثرتها و إنما هي أحيان تدل على عجزه حيث أنهم عندما يقولون أن النظر في ماهية الله غير موضوعية فان ذلك لا يدل إلا على ضعف الإنسان وعدم إمكانيته النظر في ذات الله( ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين)الأعراف -143

كما أن الموضوعي موضوع ليبرهن فيه في الأساس فيلتبس عليهم أنه ليبرهن عليه وهنا يظهر الموضوعي أنه ليس فقط لينظر في صورته فيستدل على ذاته وان كان ذلك ممكن وإنما ينظر فيه  ليبرهن على ما ورائه وهذا يستدعي نظر في وجهات أخرى للإنسان يعرف بها ما تريده له تلك الذات العلية وبمدد منها  يهديه وبما وضع له في فطرته 

لقد نسوا أن العقل ليس بمادي  إنهم يطالبوننا أن نخضع للعلم الوضعي الذي لا يتخطى ما ينقله الحس المباشر ويريدوا أن ينسونا أن القوة الحسية المدركة ذاتها ليست مادية و لا تحس بحاسة من الحواس ذاتها ولا يدركها الخيال أيضا وإنما هي معلومة بالاستدلال ونسلم بها وندرك أننا ندركها وندرك أننا ندرك أننا ندركها وهكذا وكذلك القدرة والعلم والإرادة بل الخوف والخجل والعشق والغضب وسائر هذه الصفات نعرفها من غيرنا معرفة يقينية بنوع من الاستدلال لا بتعلق شيء من حواسنا بها فمن كتب بين أيدينا عرفنا قطعا قدرته وعلمه بنوع من الكتابة وإرادته استدلالا بفعله

وعلى اعتبار سيطرة الحواس وخاصة البصر على الإنسان في بدء حياته أصبح لا يستطيع إن يتخيل شيئا إلا وله لون و شكل ومقدار قياسا على  ما أدركه  في  بداية حياته فظل مهيمنا عليه وبالتالي على أحكامه ولم يستطع التخلي عنه فأصبح ذلك منظارهم الوحيد في رؤية الأمور والذي طبعا لا يصل بهم إلا إلى ظاهر الأمور وصورها دون وصول فعلي لما ورائها و جوهرها وحقيقتها فخفي عنهم الكثير وما أصابوا و علموا إلا قليلا (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)على اعتبار اعتمادهم على منظار أو نافذة واحدة في بحثهم العلمي تصل بنا إلى التعرف فقط على الألوان ويتبعها معرفة الأشكال والمقادير فكان قياسهم مقداريا والبرهان عندهم على الموضوعي الذي يمكن أن يقاس مقداره فجعلوا ذلك أفق العلم وقاسوا ما حصلوه  على غيرهم وثبتوه باستقراء ناقص

لقد كان العلم عندهم هو العلم المادي التجريبي وعلى رأسه علم الهندسة الذي موضوعه المقدار و إلغاء ما ورائه مما غاب عنهم من علم الكتاب وعلى رأسها علم الحكمة الذي يريك حقائق الأمور بادراك مطابق لوضعها و في الموقع المحكم (بل إن علومهم وعلى سطحية رؤيتها واعتمادها منظار واحد فهي ضيقة الأفق لا تقرب من الواقع إلا بعد وقت طويل وتعديل كثير لأنه ظني سطحي ضعيف بل كالأبرص الذي ظن طرف شيء جذع شجرة حتى إذا عاد بنفسه إلى ربه  فأبرأه من مرضه فنظر فرآه رجل فيل ثم توسع في نظره مستكملا  فرأى الفيل كله وكذلك الإنسان الذي بصره ضعيف في رؤية الحقائق إن عاد واستعان بربه وبحسن ظن من خلال عباده البصيرين لعرف أين توضع الصورة الجزئية من الصورة الكلية بحكمة وعلم والهام الهي واكتشف الأجزاء المختفية عنه وعاد واستكمل في نفسه الصورة و ببقية أجزائها الظاهرة  فأدرك من الحقيقة  ما يجعله يدرك أنه كان مخطئ بحكمه السابق

فالحقائق والأسرار لا متناهية و فوق كل ذي علم عليم وعليه فالعلوم والرؤى بل النوافذ كثيرة  وما يطلب البرهان على صدق موضوعه في علم يختلف في علم آخر فمن الخطأ التعميم بأن الموضوع واحد فنأخذ موضوع علم الهندسة هو المقدار و نقيسه به كل العلوم ونعممه ونثبته باستقراء ناقص ونظن في أنفسنا أننا العلماء الراسخون

حتى إن ذلك يظهر في تنوع العلوم المرتبطة بما يظهر للحواس والتجربة فعلم الطب موضوعه الشفاء والمعالجة و موضوع الحساب العدد وموضوع العلم الطبيعي جسم العالم من جهة ما يسكن ويتحرك  وموضوع النحو لغة العرب من جهة ما يختلف إعرابها وموضوع المنطق تمييز المعقولات وتلخيص المعاني .

فإذا لا يعتمدون إلا على نافذة ومنظار واحد تنظر من خلاله نفوسهم وعقولهم للحكم على الأمور بالإضافة إلى أنه حتى من خلال هذه النافذة علمهم ورؤاهم قليلة لاعتمادهم المنهج الاستقرائي والذي في أغلبه ناقص يصعب استكماله على الإنسان باعتماده على نفسه وظنه وتجاربه وعمره دون غيره وبتيسير وعون من ربه فكيف يدعون رؤية ومواجهة الحقيقة العامة  وهم لم يستطيعوا قراءة إلا شيء قليل و كانوا أميين في غيره

إنهم يتبعن الظن وان الظن لا يغني من الحق شيئا فليتركوا الحقيقة لغيرهم ولا يغطوا جهلهم بادعاء أنه لا أدلة وليعلموا أن ما غيب عنهم قد يظهر لغيرهم وان الإيمان وان كان بالتقليد لأكثر الناس فانه في حقيقته قد يكون بالعلم كله وبتثبيت بنور من الله يصل به إلى اليقين وصولا بالمرء إلى كمال التصديق  وأما الذي يقول أنه دليل إيماني ويقصد بالإيمان اللادليل فكأنه ناقض نفسه إذ يصبح التركيب دليل لادليلي

لقد نسوا أنه عندما يطلب المقدار وهو موضوع علم الهندسة فذلك وسيلة ليبرهن فيه صدقا أو كذبا بتحصيل يقيني عند النفس أما في الطب فان موضوعه الشفاء والمعالجة وان كان المقدار يساعد كمؤشر ولكن في النتيجة والعمق ما يهم هو الشفاء والمعالجة  والمشكلة هي تعميم موضوع علم الهندسة على العلوم كلها ونسيان أن لكل علم موضوعه  ثم الطامة الكبرى نفي الموضوعية عن أمر لا يقدر

فالغاية النهائية من الموضوعي  هو لأن يبرهن فيه لا لأن يقدر فقط في بعض العلوم وحيث أن لكل علم موضوع خاص به لا يعمم على غيره

ثم إن التقدير أيضا لا يخضع للمادة وحدها فالإنسان لا يقدر غيره إلا بما يقيسه على شيء يعلمه أو يجده أو يدركه في نفسه ثم يجعله مقياس له في التواصل مع غيره إن هذا الوجد والإدراك لا يتعلق ولا يخضع للحس والخيال بل أنه يعلم بالاستدلال ويدرك بدون خضوع للحس والخيال

فالإنسان وبفطرته عندما يستشعر في نفسه بالعجز المطلق بوجد وإدراك لها وليس فقط بإقرار يصدق بالكمال المطلق استدلالا بفطرته فكيف بالعون والرحمة الإلهية بمعية الفطرة الكاملة الصادقة السليمة

فبرؤية عظيم الإمداد الإلهي وبوجد وإدراك وحيث حاجة الإنسان له ترى الإنسان يسبح بحمد ربه ويطمئن له مصدقا برب العالمين دون الحاجة لإدراك مقداره وطلبه من هذه الجهة كما فعل فرعون (وما رب العالمين) فما ذلك إلا الشطط بعينه فكيف إن استعان الإنسان بربه ليمكنه من هذه الرؤية بقوة فيكون إدراكه وعلمه يقينيا بنور من الله

وكذلك موضوع الزيرو ايرور لمن يقول بها(أي الخطأ النسبي المرتكب في إهمال وحذف الأرض من الكون لصغرها نسبيا في لغة العلوم الأساسية) يظهر دجله  فهذا أيضا ليس من جهة المقدار والحجم والكم وإنما الموضوع بالمقام فالكل للأرض  والكل والأرض مسخرة للإنسان

إن الإنسان يظن أن ما يجده نتيجة بحثه هو إبداع واختراع جديد منه ويغيب عنه إن ذلك هو كشف من الله وبعونه لطلب من الإنسان وعن بحثه فالدواء كشف وليس إبداع وكذلك الطاقة والسلاح وأسرار العلوم والتقنيات الحديثة والبرامج وغيرها بخيرها وشرها هو إيجاد من الله يكشفه للإنسان وقد جعل في فطرة الإنسان حب الفضول للاكتشاف فالإنسان في أصله لا يعلم شيئا وقد هيئ لتلقي العلوم ثم عند طلبه وبصدق يمده الله بذلك الكشف والرؤية فكيف شيء لا يعلم شيئا في أصله يستطيع أن يعلم بذاته أشياء بدون تهيئة ثم لا يكون هذا العلم بتصرف وتسيير الهي وان ترك للإنسان حرية الاختيار وسواء بدافع الخير أو الشر فمن جهة جسده ونفسه التي بين جنبيه من يسير له الحواس و الأعضاء والدماغ وغيره من أجهزة الجسم وضمن نظام يتغير في كل لحظة بتوافق وتطابق تبعا لطلب الإنسان وحاجاته أهكذا يتم الأمر لوحده وحتى يصل إلى نتيجة عن تتبع أم هناك يد عظيمة من وراء ذلك

وكذلك من جهة نفسه العاقلة فمن أوجد في نفسه المعاني بعد تحصيلها من الوجود بعرض بعد أن لم يكن في نفسه شيئا ولم تكن شيئا  وهيئ النفس لان تتلقى هيئة أو مثال  المعاني  بترتيبها ثم يوجدها دون غيرها وبقدر يتوافق ويتطابق مع طلب الإنسان وحاجته في كل لحظة على طول حياته بل للناس كلهم في كل لحظة على طول حياتهم بل وأكثر وأكبر مما نتصور

وبعد كل هذه العظمة نقول ليس هناك إرادة لله يريدها للإنسان أن يحصلها تناسب تلك العظمة وما ذلك إلا القول بالعبثية فكيف لا يسعى الإنسان ليعلم ما هو المراد منه ويبقى على الظنون وظاهر الألفاظ وسطحيتها وصولا إلى العبثية  دون رؤية الحقيقة وبتثبيت من الله

فهل يترك الله الإنسان لنفسه بعد كل هذا الإمداد وما سخره له  في أن يصل إلى ما خلقه من أجله أم لا بد أن يعينه فيعلمه عن طلب من الإنسان وسعي ويهديه إلى الحقيقة وينور له الطريق ثم الغرابة بعد ذلك إن يستغني الإنسان بما وجده في نفسه عن معرفة ربه ومدده له وينسى أن ما وجده في نفسه أصلا هو من ربه وبمدد منه فينسب ما وجده في نفسه لنفسه ويجعله أفق العلم  ويقيس عليه ويثبته باستقراء ناقص انه ليتبين في أفاق العلوم إن اعتماد الإنسان الفرد على نفسه بل الأمة على ذاتها لا يصل بهم إلى الكمال العلمي بل لا بد من استكمال العلم والتجارب بعلوم وتجارب الغير من الأفراد والأمم وذلك ما يحاول البعض إخفاؤه ليغطي سرقته لعلوم السابقين مدعيا لنفسه إبداعاته المذهلة والتي في أكثرها ومبادئها بل المفيد منها حقيقة  هي المستنبطة من الكتاب الإلهي الناطق الحق بتصديق بالحق لما في هذا الكون الكتاب الجامد

إلا أن هذا الاستكمال طريقه طويل صعب يستلزم العمر بكامله ومع الأخذ بعين الاعتبار أنه كله من الله فلم لا يعود الإنسان إلى ربه من البداية طالبا منه التوفيق هداية ورشدا وتسديدا وتأييدا وكثير من الأمثلة بعودة الماديين إلى القران الكريم

بل أقول  أن الله جعل للإنسان من نفسه مثلا يستدل به على ربه فتكون موضوعا ينظر فيه  ويستدل فيه ويتحول إلى معرفة قياسية عبورية إذ علمت المثل ولم تعلم الأصل فعرفته بأنس واستشعار بدون ملامسة للأصل

أما موضوع التجربة فإننا وبعد تبيين أنه ليس من شروطها لتكون موضوعية  أن تخضع  للحس المباشر فاستقراء الكاتب ناقص إذ في الإمكان تجربتها بشروط موجودة في إمكانيات كل بشر ولكن الإنسان لا يستطع لغلبة شهواته أن يستفيد منها ويحقق شروطها إلا الرسل الكرام والله أعلم حيث يجعل رسالته  تبعا لذلك ولكن رغم ذلك فمن النبوة ونورها يمكن أن نعرف شيئا يكون موضوعيا بتقديرنا لها بدرجات وكل حسب قدره

وكذلك الآخرة وبدءا بالموت بل وحديثا يظهر و ينتشر أن كثيرا من الناس يعودون من حالات بدايات الموت والانقطاع عن عالم المادة فاسألهم إن وجدت من تثق بصدقه ليجيبك طرفا مما سألت عنه

هذا بغض النظر أن من يصدق بالحسنى في هذه الحياة الدنيا يسهل عليه الانتقال والقياس بتصديقه إلى التصديق بالحسنى في الحياة الآخرة

إنهم ينكرون ما وراء الطبيعة ولكنهم عند مواجهة الموت وانكشاف الغطاء يكون البصر حديد ويعودون إلى إقرارهم بما وراء الطبيعة متضرعين( وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين)سورة يونس-90

 بل إن الرب الكريم يساعدهم أحيانا ليرجعوا إليه في أوقات شديدة لا ينكرونها ليكتشفوا ما في فطرتهم بشكل أعمق حيث تقف فيها أبصارهم وتخشع فيزول أثرها على نفوسهم فيعودون إلى فطرتهم ونداء روحهم طلبا واستمدادا للحياة شاعرين متبصرين بمنتهى عجزهم المطلق ومقرين بالكمال المطلق الذي تلجأ إليه فطرتهم (–وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا -)الأسراء -67– حتى إذا كشف الله عنهم تلك الشدة وعادوا إلى الراحة الدنيوية رجعت أبصارهم وحواسهم وشهواتهم ووهمهم وسيطرة على أنفسهم  وأخفت الحقيقة وما هو إلا مثل يشير ويعرف إلى طرف من حقيقة النفس والروح التي ينكروا موضوعيتها فالحقيقة أنهم ضلوا بالطبيعة عما ورائها ولو أنهم تتبعوا واستشعروا في طريق السلام واليسر طريق رسول الله ما وراء الطبيعة لحكموا بحق ولتخلصوا من غطاء الوهم والخيال وكان بصرهم حديد إنهم يحكمون بشيء في داخلهم لا يظهر لحواسهم على حياتهم وموتهم الجسدي فكيف بك بحياتهم وموتهم النفسي وبعجز وانكسار للقوة التي وراء الطبيعة

إن مثلهم كمثل الموجود في بيت مظلم وهو ينظر من نافذة إلى الخارج فانغر بما رآه و أعجب به إعجابا أغفله وأنساه داخل البيت وبأحسن أحواله ظن أنه خير ممن داخل البيت وربما قد يحزن عليه إذ رآه جاهلا بما خارج البيت على حد زعمه ولو أنه رجع إلى ربه واستنار بنوره لأضاء له داخل البيت و لذهل عقله وخر ساجدا لما يرى ما يجعله يفنى عن نفسه وروحه وكذلك النفس المحبوسة في الجسد والناظرة من منظار حواسه فقط إلى الخارج المادي

إنك ومن يسير على نهجك تسيئون إلى الإنسانية كلها عندما تخرجون عليهم بنورانية عوراء تدعي الأفضلية و القدرة على إمداد هذه الحياة بمنهاج من صياغتكم يطورها ويجددها وعلى السماء أن تقبل ما أردتموه وتنسون  أن الشخص الذي ينظر بعين واحدة لا يجيد التسديد فتراه إذا جاء يعالج شرايين القلب قطعها وقتل المريض فإن كذب على نفسه وغيره بأنه حاول جهده فهو كاذب فإن استمر وتحرى الكذب ولا زال مع غيره فهو دجال فكيف بمن ينظر بعين واحدة فيها عمش وبرص لا ترى إلا قليلا من الجزيئات المادية وتدعي العلمية والموضوعية وتنسى أن الإنسان هو بالنفس لا بالجسد إنسان و بالتالي يجب أن ينظر إليه بالعينين المادية والروحية حتى يتم التسديد والمعالجة الحكيمة

بل إن الكاتب عاد وخلص الأسوة الحسنة حتى من زخرفها الذي يقول به وحيث قوله : أنه لا معجزات مادية لرسول الله إلا الشريعة الصالحة في كتاب الله فقط و يخفي المعجزة الروحية تراه يعود ويقول أن القرآن لم يكن معجزا في شكله أو مضمونه ولم يدفع الكثير منهم ومن عرب شبه الجزيرة إلى الإيمان واعتناق الدين الجديد وكان لا بد من السيف والقوة والقهر لتوحيد تلك القبائل تحت راية الإسلام وظله هذا وإن كان في تاريخنا وزمننا اليوم حيث قامت الدول ونشأت الأمم وحددت خارطتها وعلمها وسياسته ومواطنيها وأراضيها وأجواءها فلا يمكن قبول ذلك أي الأسوة الحسنة في استعمال السيف والقوة والقهر إلا أنه أوجد تلفيقه أو تخريجه زخرفيه على حد زعمه بأن النبي بما فعله في ذلك الوقت  لم يخرج عما عرفه التاريخ وطبقة عظماء البشر من قبله فهو لا يفهم  من الأسوة الحسنة إلا تفاعلها مع كل معطيات المكان والزمان بكل الوسائل الممكنة والمتاحة في ذلك الوقت والتفاعل هنا أنه لم يخرج عما كان سائدا في زمنه سواء كان ذلك في شبه جزيرة العرب أو في أرجاء المعمورة كلها ثم يصعقك أخيرا بأنها لا تصلح إلا لزمانها وما علينا إلا أن نستأنس بها فلقد جعل الأمر تبعا للزمان والمكان وليخلص أخيرا بأن أي إسقاط لتلك المقومات والمعطيات على أيامنا المعاصرة بحجة أنها من أسس الدين أو من الأسوة الحسنة ستكون له نتائج كارثية على الأمة الإسلامية أولا وعلى العالم بأسره ثانيا

ونرد عليه بالقول:

إن الموضوع هو إحياء نفس ونظر في روح الشيء يتطلب الحكمة والطب والتي هي في سنة نبينا الشريفة وفي ذلك الإعجاز الأكبر فكلها بما فيها يهدف إلى إصلاح الأنفس و إحياءها فتتزكى ليتقبلها الله وتكون أهلا لتلك النفحة الروحية .وليس الموضوع بناء مادي لفرد أو لدولة ينظر إلى مادة الشيء ومكانه وزمانه ويقف عند صورته وظاهره فقط دون جوهره وعلى هذا فان جاء دكتور مهندس يريد أن يطبب لك ولد من أولادك يكاد يموت فهل تتقبله ورغم علمه الكبير في مجال الهندسة أم تقول له دع عنك ذلك فأنت أمي في مجال الطب والحكمة و بأحسن أحوالك لديك ظن تجريبي وان كان لك حسن نية وأظن ذلك فيك فقد تقتله وربما تذبحه وأنت تحسب أنك تداويه وتحسن صنعا

وفي المقابل قد يضطر الحكيم وبدافع الرحمة في وقت من الأوقات إلى استعمال السيف والقوة وعندما تتاح له تلك الإمكانية ولكن فقط من أجل إنقاذ مجموعة من الناس ضد من يقودهم ويسيطر عليهم والى الهلاك في دنياهم وخسران آخرتهم يأخذهم

فمن لا يفهم في الطب والحكمة يظن أن الجراح الذي يقوم بالعمليات الجراحية يذبح ويقتل المريض بل المشكلة أنه لا يستطيع أن يميزه عن أئمة القتل وفي أحسن أحواله يقول ذلك السائد في زمانه

أما من جهة قوله أن القرآن لم يكن معجزا في شكله أو مضمونه وبالتالي لم يدفع الكثير منهم ومن عرب شبه الجزيرة إلى الإيمان واعتناق الدين الجديد

فالقول فيه:إن الإنسان لا تكفيه أية توعية وعلى أية حال إنما يجب أن تكون هذه التوعية معتمدة على نور من الله يحرك للإنسان فطرته وضميره ويصلحها له عن طلب يخرج من الإنسان ذاته وبمدد من ربه يبعثها فيصلح الإنسان  ويصلح به المجتمع ولكن الذي يحصل أن الإنسان يسلم أموره للماديات ويتعود على ظلماتها وتنطلق غرائزه وشهواته فتغلب عقله وتسيطر عليه فتطمس فطرته فترى إنسان شهواته كحب الطعام والنساء تغلب عقله وأخر غضبه يغلب عقله وأخر حبه السيطرة والتملك يغلب عقله فكيف ستتم توعيتهم إن الكلام الفكري والحجة المنطقية قد تقنع إنسان ويقر بذلك في سره أو جهره  ولكنه في لسان حاله لا يستطيع أن يتغلب على شهوته وغضبه وحبه السيطرة والتملك وبالتالي لن يعتنق غير دينه الذي اعتاد عليه وبالتالي يتبين سبب عدم اعتناق عرب شبه الجزيرة وغيرهم للدين الجديد خاصة إذا تبين إعجاز القرآن الكريم في شكله ومضمونه

بل إن الكاتب قصر التحدي النهائي للقرآن بأنه يكمن في آيات الذكر الحكيم كلها وكلمة سورة لها معنى مجازي إذ لا يعقل أن يكون التحدي بثلاث آيات فقط كما هو الحال في سورة الكوثر

كما أن التحدي لا يكون إلا بعد اكتمال آيات الكتاب بشكلها ومضمونها

ونرد عليه بالقول:

إن الكتاب كله ليصل بالنفس إلى حياتها في إقبالها على الله وحصولها على نظرة منه يتجلى بها على قلب عبده في صراط مستقيم يوضح في هذا النظام  فمن حصل على نظرة من الله وذاق التجلي ووصولا إلى تقدس قلبه عن الشهوات والهوى والدنيا والشيطان يكون قد حقق العبودية وبتثبيت وعون من الله فكان أهلا لأن يقول كما الراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا أي قولا بناء على ما سبق من تأسيس بنيانه على تقوى ونور من الله فيكون قولا يرضاه الله وأن يجتمع عليه عباده  وبتسديد منه بل انه وبعد تلك النفحة الروحية من الله وعبر رسوله يفهم على ربه من الإشارة والحرف وبذلك قول الله : (حم*عسق* كذلك يوحى إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم)سورة الشورى أي وبمثل ذلك فما ذلك الذي فهمه رسول الله والرسل من قبله من خلال هذه الأحرف فكيف لا يكون الذكر الحكيم كتاب علمي معجز شكلا ومضمونا ألأن هناك ومضات فقط أنت لا تفهمها ألا يوجد احتمال أن استقراؤك ناقص وأن هناك من يفهم من ورائها الكثير الكثير وربما شيء من ذلك الكوثري ذو الثلاث آيات وبنور من الله بل انه الكتاب الحكيم  الذي فيه أسرار الحياة كلها بإيجاز والإعجاز بإيجاز وقد يصل إلى أن يكون في حرف فكيف بك بسورة ذات الثلاث آيات انه رسالة للنفس لتعلم وعبر العلم للروح فهي نظام ومخطط لتصل النفس إلى حياتها وحيث نفحة الروح وليست فقط نظام ومخطط للمخطط نفسه فقط بل لما ورائه ولهذا بحثه الطويل وعلى هذا فمن عرف الهدف مع النور النبوي وسار على المخطط بآياته (والآية هي الدليل على الإعجاز) حتى بدأ قلبه يحيا من بعد موت أدرك إعجاز هذا القرآن في نفسه وتبين له أنه الحق

ومن جهة أخرى فإن إعجاز هذا القرآن ورؤية آياته تظهر في آفاق العلوم فيتبين لنا أنه الحق وعلى ذلك الأمثلة الكثيرة

وعلى الجملة فإن القرآن الكريم يعتمد المنهج الاستنباطي في العلم والذي يعطيك كمال وكامل الحقيقة لا المنهج الاستقرائي الذي يعتمد مبدأ الإحصاء والذي وإن كان يقترب من  الحقيقة فإنه قد يغيب عنه من اكتمال الصورة ما هو الأهم إذ يعتمد مبدأ الجزئيات حتى يصل إلى الكليات ففيه حق بينما الاستنباطي يبدأ معك من الكليات لتنطلق مع الجزئيات وفيه الحق كله

وعندما نتكلم في إعجاز القرآن ليس معناه أننا سنتكلم في الإعجاز الجديد فقط وإنما الأساس في إعادة إحياء وإظهار إعجاز  الذكر الحق الذي أ ورده الله في الكتب السماوية السابقة والذي غاب وأخفي منها الكثير وما تبقى منه إلا القليل الذي تداخل مع كلام البشر بالإضافة إلى التميز بالشمول والقوة ومجارات التطور عما سبقه من الكتب السماوية بتوسع أكبر يناسب هذا العصر

فعندما نتكلم عن إعجاز خلق الإنسان مثلا و ذلك وإن كان قد ذكر في الكتب السماوية السابقة نرى القرآن يتكلم في ذلك الإعجاز مصدقا لم سبقه من الحق ولكن بقدر أعلى و بتوسع أشمل وأقوى وأدق يناسب هذا العصر وتطوره وبشكل يدل على قدر ذلك الكتاب العالي وانه  منزل من عند الله على رسوله لا منقولا عن الكتب السابقة كما يدعي البعض ولذلك بحوثه كما عند ذكر النطفة والعلقة والمضغة والقرار المكين

إن عدم فهم تلك النقطة السابقة بالإضافة للفهم الخاطئ لبعض الآيات التي وردت يجعل لأعداء القرآن والمتربصين به مأخذا وحجة للقول بعدم إعجازه و لإظهار التناقض فيه بعضه مع بعض من جهة وتناقضه مع الواقع من جهة أخرى ولا وجود في القرآن لذلك التناقض وما سببه إلا الفهم الخاطئ ومن الأمثلة على ذلك: الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما)الطلاق -12

أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون ) الأنبياء -30 و لذلك بيانه..

ثم يقول وما ظاهرة البحث في  ما يسمى بالإعجاز العلمي إلا الخروج عن الموضوعية العلمية وسعيا وراء الكسب المادي والشهرة وسطحية في المحاكمة والمعرفة وهدرا لمال ووقت الأمة المهدور أصلا

ويتابع الكاتب بتهكم إن كان  سرا فكيف يعرفه فالقول أنه يقال مثلا سر مصلحة دلالة على شيء قد عرف وظهر لأصحاب الخبرة وإن قلوا دون غيرهم وإن كثروا بالإضافة إلى المثل الذي يقول صدور الأحرار قبور الأسرار

فإن قلنا أن القرآن الكريم يتألف من مجموعة من السور كل منها يتألف من مجموعة من الآيات ثم تذكرنا أن الآية هي الدليل على الإعجاز فكيف تكون ظاهرة البحث في  ما يسمى بالإعجاز العلمي خروجا عن الموضوعية العلمية

وقبل الخوض في الإعجاز العلمي المادي فإن القرآن الكريم معجز لأنه يتكلم في الدليل المعجز على عظمة وجود الله وعظمة أسمائه الحسنى وعظمة أفعاله التي سخرت هذا الكون لهذا الإنسان مما يدل على عظمة مهمته عند النظر في عظم التهيئة له

لقد هدم الكاتب اللغة ليستفرد وليسأل أين ذكر ذلك ..

ونسي أنه في اللغة هناك شيء اسمه بالتضمن فمن يشير إلى البيت مثلا فإنه يشير إلى البيت وما فيه وذلك للإيجاز ومن جهة أخرى فهناك لمحات وأسرار جعلها الله لمن جد السعي وكان أهلا للوصول

وعلى الرغم من ذلك فهناك في أفق العلوم الاستقرائية أمور تظهر إعجاز القرآن الكريم—–

أما صفات صاحب الأسوة الحسنة فحتى لزمانها كانت غير مميزة عن غيرها بشكل كبير (حين تكلم الكاتب عن الصفات الخلقية)حيث يرى في قوله تعالى :وإنك لعلى خلق عظيم )أن هذا المدح يعود على الخلُق الذي وصف بأنه عظيم وكان أشراف العرب يتصفون به معتمدا في إثباته لذلك:أنها كانت من أوائل السور في بداية الدعوة في مكة فكيف يعتبر الذكر الحكيم  خلق النبي (ص) عظيما ولم يكن القرآن مكتملا بعد وكيف للسيدة عائشة أن تعتبر خلقه القرآن حينها عندما سئلت عن أخلاق النبي حيث أجابت (كان خلقه القرآن) ومع اعتبار أن السور الأولى التي يزيد عددها على عشرين سورة لم تسم القرآن باسمه فأين كانت أخلاق النبي الكريم في تلك السور السابقة علما أن الآية التي امتدح فيها الذكر الحكيم أخلاقه هي من سورة القلم التي يأتي ترتيبها الثاني (حسب الأزهر) بعد سورة العلق وبالتالي هذا القول عام في شكله ومضمونه لا تحديد فيه ولا دقة تليق بصفات سيد البشر وان تبناه معظم الأئمة أو الدعاة في أقوالهم وكتاباتهم مع استعراضه لكثير من التناقضات

ونرد عليه بالقول:

عودة ببدء مع القران الذي في حقيقته وموضوعه أنه رسالة من الله رب العالمين للإنسان يقرأ عليه حقائق هذه الحياة والوجود والغاية التي خلق من أجلها وبواسطة الرسول الكريم فمن فهم هذا الأمر وتذكر ولم ينسى أن أول آية نزلت على الرسول الكريم كانت : أقرأ عرف مهمة رسول الله و بما تدل عليه هذه المهمة من أقرأ لعبادي حقائق ما انطوت عليه أوامري من الرحمة واللطف و الإحسان وكيف شهد الصحابة لرسول الله في حجة الوداع بأنه أدى المهمة عندما سألهم ألا هل بلغت قالوا نعم قال (ص) اللهم فاشهد  وكيف أنصبغ خلق رسول الله بها حتى أفنى حياته معها وعلا سعيه فيها فلم يكن فقط ذو خلق عظيم كالقمر يعكس نور غيره بل كان كالشمس يضيء من ذاته الأخلاق الربانية وبعلو متصاعد لا ينقطع و بما يعكس على غيره فاستحق القول وإنك لعلى خلق عظيم كتقرير حقيقة كونية يزهق أمامها كل قول يخالفها مما ورد ولو كان مدسوسا في التراث نفسه

بل يكشف لك  الكاتب أنه حتى في الأمور المظنونة يميل إلى الأسوأ الضعيف المصدر( حين تكلم عن الصفات الخلقية) حيث يرجح أن النبي الكريم لم يكن يمتاز في مظهره الخارجي أو ملامحه وتقاسيمه العامة عن سواه من الناس في قريش فالشعر الطويل للرأس واللحية كان سائدا ومألوفا في شبه الجزيرة العربية وكذلك الحال في لون بشرته

إنه يرى أن النبي كان يتمتع بشخصية مميزة محببة وهي ما يعبر عنها اليوم بالكاريزما تشد إليها الآخر كما الحال في بعض المفكرين والقادة والعظماء والتي لا علاقة لها بالحسن أو الجمال أو الوسامة أو البدر لا من قريب ولا من بعيد

ونرد عليه بالقول:

لماذا لا يستأنس بدعاء الرسول : اللهم كما أحسنت خلقي فأحسن خلقي؟

بل ويزيد الكاتب أن النبي كان أشكل – الشكلة حمرة في بياض العين- وحمرة العينين ليست من الصفات الجميلة التي يتغنى بها العرب وقد يرى فيه البعض ظاهرة مرضية والرد عليه سؤالا لم لا تكون تعبيرا عن كثرة قيام الليل وبكاء العين لرقة القلب.

 أما صفة الخاتم – بعد مقاطعة المعطيات حولها- فيقول بأنها شامة كبيرة عليها شعرات متفرقة وهي في حقيقتها إن وجدت ظاهرة ليس فيها من الإعجاز في شيء وقد يمتلكها أي إنسان عادي في أيامنا هذه وكثير منا يسعى لإزالتها لأنها تعد عيبا ونقصا في الخلقة قد يشير إلى ظاهرة جلدية مرضية خطيرة والرد عليه سؤالا لم لا تكون من آثار سنة الحجامة فتكون ظاهرة صحية عظيمة؟

وبعد ذلك يسأل ما الجديد الذي جاء به الإسلام ليستحق أن يسمى دين الله  وهنا الطامة الكبرى إذ جعل وحصر دين الله بالنقص والحاجة للتطور والتعديل لا بالكمال .

إن الإنسان من الطبيعي أن يعدل ويغير في دين موضوع من البشر (ما كان ليأخذ  أخاه في دين الملك )حيث قوانينه ونظمه وما ذلك يدل إلا على نقص الإنسان واستكمال خبرته أما الله فهو الكامل صاحب الكمال والخبرة الكاملة (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) سورة الملك-14يضع الشيء المناسب في المكان المناسب بمنتهى كمال حكمته

و لننظر إلى خلفية الكاتب التي بنى عليها أحكامه في فهمه للإسلام وهي أن الإسلام ليستحق أن يسمى دين الله عليه أن يجيء بالجديد ولقد نسي وغيره وغاب عن ذهنهم أن الدين عند الله الإسلام  وهو واحد من زمن سيدنا آدم بدأ في ظهوره غريبا وسيعود غريبا إلى قيام الساعة  فالجوهر واحد وإن بدا اختلاف في بعض جزيئات ظاهره فما ذلك إلا لحكمة الإظهار أو عدمه لأشياء تناسب وتلزم في زمان ولا يحتاج لها في غيره كأحكام الربا لا لزوم لها في عصر سيدنا آدم بينما على ما يقال أن حكم منع الطلاق لزم في عصر سيدنا عيسى لكثرة الطلاق بينما أركان الدين واحدة شهادة أن لا إله إلا اله وأن الرسول في ذلك الزمان رسول الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وكذلك الصيام وكذلك الحج ويبقى الدين واحدا وإن اختلف زمانه ومكانه و شموله و قوته في ظهوره فالرب واحد والنفس واحدة والغاية التي خلقت من أجلها واحدة  (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير )لقمان-28- … إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) الأنبياء -92و الشرع واحد (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب )الشورى-13) والكتاب الحق واحد ومهمة الرسل واحدة (قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين) الأحقاف-9

بل لا يصح أن يسمى الدين الإلهي باسم رسوله وعلى هذا عندما يذكر في الآية الكريمة: أسألوا أهل الذكر فليس المقصود بالرجال إلا الذي دانو لله بالدين القيم  وكانوا مسلمين له كل في زمانه ومنهم مسلمي هذا العصر وعلى هذا يجب أن يصحح السؤال ليقال كيف ولم يستحق الإسلام دين الله أن تدين به البشرية كلها

فإذا سرت معه إلى نهاية الطريق رأيته لم يبق لك من الإسلام إلا اسمه وجرده من معناه ليصبح بالتطور والتجديد شيء جديدا لا يبقى  منه إلا اسمه

إنه يبني على أرضيته تلك ناطحة السحاب بقوله إن الأمر الجديد الوحيد الذي جاء به دين الإسلام هو قدوة التغيير والتطوير فالله – عز وجل – في معرفته المطلقة وعلمه الأزلي عندما يعدل أو يغير في الإسلام في بعض ما شرعه لرسل الأمم السابقة فإن ذلك يبين أن الأحكام قابلة للتعديل والتغيير في سبيل مصلحة الإنسان وإن كانت السماء مصدرها

وعندما يورد – جل وعلا- في كتابه أحكاما أو أعرافا صاغها الناس وعملوا بها فإن ذلك يشير إلى أن السماء أن تقبل ما أراده العباد في سبيل تحسين حالهم وأمرهم

والسؤال بعد ذلك  أي عباد فهل الوسواس الشيطاني الإنسي الذي اعتمد على نفسه ولم يستنير بربه  تقبل منه السماء ما يدعيه في خيريته لمقام الإنارة للعباد وهل إذا قال الشيطان على ما رأى في نفسه أنا خير منه خلقتني من نار و خلقته من طين سيقبل بذلك الله ويعود فيعدل اختياره في خلافته أم إن الإصرار على قيادة حياة الناس باجتهادات ظنية أمية في الطب والحكمة وان كانت  مبنية على علم مادي استقرائي وحقيقته الصاعقة بأنه يعالج الأعراض فقط و سيأخذهم إلى الموت والهلاك في النهاية وان مر فيهم في وقفات  وهدنة فما هي إلا حل مسكن مؤقت وان أراح الناس في ظاهره وبدون عودة إلى الاستمداد الإلهي  فما هو إلا مرحلة انتقالية تتلوها البطشة الكبرى حيث ظهور فساد الأمر وأن جذور المرض زادت شراسة (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون) سورة الروم -41

أما في موضوع الصحابة فنقف عنده نعم لكثرة التلفيق فيه .

ولكن من  العجب العجاب أنه لو طبقنا منهجية الكاتب نفسها ولكن من قاعدة مختلفة عنه وهي حسن الظن في اختيار الله لظهر معنا و لصدمنا بالكثير الكثير مما لفق على الصحابة والمشكلة الأعظم تمسكنا بهذا التلفيق بحجة حفظ السند  ألا يكفي قول الله ودلالته لنا حين نسمع إفكا وتلفيقا وحيث حادثة الإفك : لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبينا ) سورة النور-12وقالوا إن هذا إلا إفك مبين لقد أشار الله لميزان حساس عند المؤمن الحق وهي نفسه التي يراها تترك الدنيا بقدر ما تتعلق بربها وآخرتها وفي ذلك الزمان عندما سمعوا بحادثة الإفك فظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا أنها لا تفعل ذلك  فكيف بصاحبة الإيمان العالي وقالوا بناءا على ما سبق إن هذا إلا إفك مبين

يبين المؤمنين والمؤمنات الذين أفلحوا في تزكية أنفسهم فكانت لهم ميزانا حساسا ممن لم يرعوا أنفسهم بل دسوها فخابوا وخسروا هذا الميزان وادعوا الإيمان وما يصدر عنه قولا بأفواههم ما ليس لهم به علم وحقيقة فسهل عليهم تلقي وإلقاء الإفك بألسنتهم وهم يحسبونه هينا وهو عند الله عظيم (إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم) سورة النور-15

 ( إذ أن الميزان عندهم قد تعطل عن العمل  ) يبين ما يجب أن يفعله الإنسان عندما يتعرض لمثل حادثة الإفك أن يأخذ بعظة الله(و لولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم# يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين ويبين الله  لكم الآيات والله عليم حكيم ) سورة النور16-17

يبين من وراء الإفك و ما غايته (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين أمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون) سورة النور-19

(إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم) سورة النور -11

يبين أنهم  يمكرون ويمكر الله : إذا أراد الله نشر فضيلة      طويت أتاح لها لسان حسود

يبين من يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صرا ط مستقيم

يبين للإنسان أنه إذا سمع من ذلك شيئا أن يعود ويسأل مقارنا ذلك مع نفسه

والسؤال الذي يجب أن يطرح على النفس مع رجاء أن تصدق مع ذاتها وبمنتهى التجرد وبشرط أن لا  يكون الميزان قد تعطل عن العمل هل  تتصور نفسك تقتل صحابيا من أجل الدنيا فكيف يقتل صحابي  صحابيا آخر من أجل الدني.ا

والخلاصة يريد الأستاذ الكاتب هدم كل المفهوم  السائد لدى المسلمين والمتوارث عن الصحابة والتابعين بصحيحه و مدسوسه لأنه على حسب زعمه في أحسن الأحوال إن صح يمكن الاستئناس به على اعتبار أنهم أهل بداوة وصحراء وتخلف وجهل من خلال إظهار التناقض بين الأحاديث والسيرة مع بعضها البعض من جهة ومع تفاسير القران من جهة ثانية ومع الفطرة والواقع والعلم من جهة ثالثة.

هذا وان كان فمن جهة أولى لدس قد دسه أعداء الإسلام تحت جنح الظلام ووهن المسلمين وتخيل البعض منهم وبحسن نية أنهم باستمساكهم بحسن الظن لحفظ توثيق نقل السند على العموم دون تبصر حقيقي وتوقف عنده  في حال معارضته المتن الذي لا يعبر إلا عن المقام العظيم لله ولرسوله وصحابته والقران الكريم والسنة النبوية الحكيمة والذي بالمقابل لا يقبل البتة أن يمس ذلك المقام بأي إفك ويعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين ويبين الله   ويحسبون ذلك هينا وهو عند الله عظيم ظنا منهم أنهم يدافعون عن الإسلام وحفظ تراثه ولكن بأسلحة لم ينتبهوا أن قد تكون فاسدة وستزيد وهنهم كل حسب درجته إلى أن يستسلم أمام فتن كقطع الليل المظلم لا ينجو منها إلا العالم بعلمه وما سبق شكل من أشكالها.

ومن  جهة أخرى بفهم خاطئ ناتج عن سوء ظن لمقام الله العظيم ومقام رسوله وصحابته والسنة النبوية الحكيمة

 لوقوفه عند التعارض  في ظاهر الأمر دون رؤية التوافق في عمقه وحقيقته إذ أنه ولو نظرنا في التراث كنظر عالم الآثار الحق الذي يعلم الحقيقي من المزيف لوصلنا إلى كثير من الحقائق من التراث نفسه وقد يظنها الذي لا يعلم قيمتها أنها تدل على الشر لا على الخير وعلى الكبر لا على التواضع (لا يعلم ما نقول إلا من اقتفى أثر الرسول ولكن حقيقة لا ادعاء).

ويصل به عوضا أن ينتبه فينبه و يحذر فيحذر من هذا الدس أن يستثمره ويستغله في هدم كلي للسنة النبوية الحكيمة وبأسلوب وان كان مظهره البدئي خيرا يدافع به عن القران الكريم ولكن  ليثبت باستدراج لاحق أنهم في أحسن  الأحوال أناس جيدين لزمانهم فقط  تمهيدا ليثبت أنه ومن يسير على دربه من العلمانيين والتحديثيين خير منهم في خلافة الله في أرضه حيث فهمهم الجديد للدين وقدرتهم على بناء حضارة جديدة على اعتبار أننا في عصر العلم والحضارة و التطور المذهل ويمكن أن نفهم القران بشكل أفضل منهم بكثير لأنهم كانوا في  عصر البداوة والصحراء والتخلف على حد قولهم

وكأن قصة بداية الحياة تعود من جديد إذ يحذرنا الله من أن نتبع خطى الشيطان الذي أبى واستكبر أن يسجد لسيدنا أدم ويدخل من بابه ليرقى إلى ربه ظنا منه بما قال :أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين

لقد ظن أن الأمر يتبع للمادة  إذ فر بتسرع من عون ربه ناتج عن عدم حسن ظن بربه وذلك لأنه لم يتعرف عليه المعرفة الحقة ففر بحسن ظن وبدون تأن إلى نفسه المظلمة المدخنة يحسبها بمقارنة مادية الأخير والأفضل لمقام الخلافة الذي ظنه استعباد للعباد ولم يتفطن  إلى أن الكون العظيم كله مسخر للإنسان ولغاية عظيمة وبمنتهى الرحمة واللطف حتى إذا استشعر الإنسان عظمة الإمداد فاستدل بها على عظمة الممد ذكره الله برحمته فاستشعر أن له نفسا غير جسده وبدأ يتعرف على ربه ونفسه ويسال عن مهمته في كونه في هذا البيت العظيم ويزيد بحثه عن ربه وماذا يريد منه حقا حتى يصل إلى مرحلة العجز إذ يرى أن ما يقدمه هو أيضا بإمداد من ربه فيقر بالعجز و حاجته للعون وينكر الاعتماد على ذاته ويقول لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين حتى يضيء الله له الطريق بدئا من نفسه وروحه فيكون منارة لغيره فيظهر الأمر أنه لا يتبع للمادة في طبيعتها بل يتبع لأمر الله وروحه في الأساس.

 مع الأخذ بعين الاعتبار أنه وحتى من الجهة المادية أن النار المدخنة تحجب نور الشمس وان أضاءت بنفسها طرفا أظلمت أطرافا بينما الطين يمكن أن يصنع منه المشكاة والمصباح والزجاجة ليحتوي الزيت ويتلقى النار القدسية فينير لغيره الطريق.

النخر من الداخل : د. ديمة طارق طهبوب

1543341-3-lost-identity3النخر من الداخل

(عندما لا يصبح السكوت من ذهب..تبدأ النساء المسلمات بالرد)

د.ديمة طارق طهبوب

إن تأثير ما يسمى بالحركات النسوية العربية و الاسلامية على الدين و الثقافة يعد أكثر خطرا في كثير من الأحيان من تأثير الحركة النسوية الغربية، إذ من السهل التعامل بمنطق الرفض و العداء و الشك في تقييم التجارب الغربية التي تنطلق من واقع مخالف لديننا أو حضارتنا التاريخية أو ثقافتنا الحالية، و لكن الأمر لا يكون بهذا الوضوح و الحدية عندما نتعامل مع النساء من بنات جلدتنا، أو ديننا و حضارتنا اللواتي يتبنين الطروحات الغربية و يحاولن تفصيلها و تجميلها و إخفاء بعض شرورها، و إلباسها ثوب التوافق مع الدين و الشريعة و ما صلُح من الموروث الاجتماعي

و هنا تكمن الخطورة، فالنساء بطبيعة الفطرة يعمدن الى التكاتف و التعاضد و الثقة و كأنهن صف و جسد واحد، و مهما اختلفت الأشكال و المذاهب، تتقن النساء فن التقارب و الدبلوماسية، فمن لم تكن ابنة بلدي، فهي ابنة ديني، أو ثقافتي العربية، أو أختي في الانسانية، لذا فالتخوين قليل، و سياسة كسر العظم و الفكر بين النساء قليلة، و قد يشتعل النقاش غير أن الابتسامة تكون خاتمة المطاف، و لو كانت تخفي وراءها جبالا من الاختلاف

و بهذا المنطق من الثقة أو السذاجة أو قلة المعرفة الشرعية و النسوية للنساء العربيات و المسلمات نجحت الحركات العربية النسوية في نشر الفكر النسوي الغربي اللاديني، و اختراق الكثير من الحصانات الدينية و الاجتماعية عن طرق أطر مختلفة من العمل العام و الثقافي و الخيري

و الخطورة الأكبر أن الحركة العربية النسوية قد تنبهت الى أن مجتمعاتها قد ترفض التجارب الغربية، فعملت على إيجاد موطئ قدم لها من داخل الثقافة و الشريعة الاسلامية، فكان بداية عملها المطالبة بعصرنة أو تجديد أو تحديث أو تنوير الخطاب الاسلامي فيما يتعلق بالمرأة و الأسرة بمنطق ضرورة استجابة الاسلام لتحديات العصر، و أن ما صلح للمرأة منذ أكثر من ألف و أربعمائة سنة لا يصلح لنساء اليوم معطلين بذلك أهم صفات الاسلام كآخر الأديان و الرسالات السماوية التي تقضي بأنه صالح لكل زمان و مكان، بل و تدعو الحركات النسوية العربية كما ورد في تحقيق في مجلة النهج في عددها الخامس الى فصل شؤون المرأة عن المواضيع الدينية بتبرير أن موضوع المرأة موضوع اجتماعي خاضع لتطور الزمان و المكان، و يجب أن يُفهم و يُعالج على هذا الأساس فلا يمكن الكلام مثلا عن مجتمع حديث يضمن حقوق المرأة و يقبل في الوقت نفسه بتعدد الزوجات بحجة أن هذا التعدد قد نص عليه الشرع، و في هذا دعوة واضحة لتعطيل الشرع و استبداله بالقوانين المدنية الوضعية

كما و ذهبت بعض الحركات النسائية الى أن الدين بشكله الحالي المعروف في الكتاب و السنة و مصادر التشريع يكرس دونية المرأة بتفضيل الرجل عليها في مجالات القوامة و الميراث و الشهادة و تعدد الزوجات و الحجاب، و تذهب المتطرفات من النسويات الى مناقشة قضية أنوثة و ذكورة لفظ الجلاله (الله)، و يتساءلون لماذا يشير القرآن الى الله بضمير المذكر دون المؤنث، و لماذا يجعل الضعف و القلة من نصيب المرأة و القوة و السلامة من نصيب الرجل، و ينتقدون ذكورية الفقه الاسلامي كون الفقهاء الأربعة رجال، جاهلات أو متناسيات أن أول فقيهة و مفتية كانت السيدة عائشة رضي الله عنها التي أمر الرسول صلى الله عليه و سلم المسلمين بالتعلم منها و أخذ الفقه عنها في قوله “خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء”

و لإضفاء مظهر الأسلمة على بعض الحركات النسوية في بعض الدول العربية التي ما زالت تعتبر الاسلام دين الدولة و مصدر التشريعات، قامت بعض الحركات النسوية بتبني الأطر الفكرية و العملية لحركات نسوية في بلاد إسلامية، و من هذه الحركات ما يُعرف بحركة أخوات في الاسلام Sisters in Islam التي انبثقت من منظمة مساواة Musawah، و الأسم جذاب و يركز على النقطتين سالفتي الذكر: الثقة و التعاضد، و العمل من داخل الاسلام لتطبيق الفكر النسوي، و هذه المنظمة بالغة الخطورة، فقد نشأت أول ما نشأت من ثماني سيدات كما تقول رئيستها زينة أنور التقين مع شيوخ و مفسرين لتفسير و فهم القرآن بما يتوافق مع قضايا تحرير المرأة، ثم تعاظم شأنها لتصبح حركة مرخصة و مؤثرة في القوانين المحلية في ماليزيا، لتصبح حركة عالمية بانضمامها الى التحالفات النسوية العالمية كممثلة للحركة النسوية الاسلامية

إن أخطر الطروحات التي تقوم عليها أخوات في الاسلام، و من يشاكلها من الحركات و الجماعات، هي الدعوة الى إسلام جديد يملك فيه الجميع حرية فهم و تفسير و تطبيق النص القرآني و الشرعي، و الدعوة الى الاجتهاد دون الحاجة الى شرعيين، و في ذلك تقول رئيسة الحركة في مقال لها بعنوان “عندما لا يصبح السكوت من ذهب تبدأ النساء المسلمات بالكلام”: لا يكون غريبا اليوم أن تكون النساء في المقدمة في تحدي السلطات الدينية التقليدية و الحركات السياسة الاسلامية…فنحن مؤمنات بالله …و نشعر بضرورة إصلاح ديننا و إعادة تشكيله” و تطالب الحركة بإعادة النظر في الكبائر و عدم تجريمها مثل الزنى و شرب الخمر و الشذوذ، و هي نفس مطالبات الحركات النسوية الغربية و المعاهدات الأممية، فتعترض زينةأنور في مقالها قائلة: “لقد تم إدخال جرائم جديدة و مراقبة الأخلاق العامه…فتناول الطعام أمام العامة في رمضان و احتساء الخمور في الأماكن العامه، و ارتداء النساء لملابس الرجال، أو ارتداء الرجال لملابس النساء، و المثلية و السحاق و التصرفات البذيئة كلها أصبحت جرائم تعاقب عليها الشريعة الاسلامية”، بل و تذهب الحركة الى أبعد من ذلك بنعت الأراء الاسلامية الأخرى بالظلامية في مقابل ما تقدمه من اسلام عصري مستنير ترفض فيه العودة الى  جذور الاسلام نصا و شريعة و تاريخا فتقول أنور: “إذا رغبنا أن نحيا حياة وفقا لتعاليم الدين فالدعوة الساذجة بالعودة الى عصر اسلامي ذهبي و مثالي غير متصل بالعالم اليوم ليس هو الحل”

إن هذه الحركات النسوية التي تحاول الدخول من باب الاسلام و تتهمه إما بالرجعية و التخلف و الحاجة الى العصرنة لمسايرة التطورات الزمانية، أو تحاول العمل من خلاله بالمؤامة بين الطروحات الغربية النسوية و محاولة تفسيرها و مقاربتها للاسلام تجد لها مثالا في القرآن في حالة من بنوا مسجد الضرار، الذي كان في ظاهره مسجد للضعفاء و في حقيقته لمنافسة مسجد قباء و التفريق بين المؤمنين و فيه قال تعالى: “و الذين اتخذوا مسجدا ضرارا و كفرا و تفريقا بين المؤمنين و إرصادا لمن حارب الله و رسوله من قبل و ليحلفن ان أردنا الا الحسنى و الله يشهد إنهم لكاذبون، لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه” هذا المسجد ما يزال كما قال أحد العلماء “يتخذ صورا مختلفة في ظاهرها للاسلام و باطنها لسحق الاسلام أو تشويهه و تمويهه و تمييعه، و يتخذ في صورة أوضاع ترفع لافتة الدين عليها لتترس وراءها و هي ترمي هذا الدين، و مساجد الضرار هذه يتحتم كشفها و انزال اللافتات الخادعه عنها”

إن التعامل مع مثل هذه الطروحات المنظمة في فكرها و عملها و وسائل دعمها و انتشارها يحتاج الى آلية بنفس القوة من ناحية التصدي الفكري يقودها هيئة علماء ثقات من كافة المذاهب يخرجون للأمة بإجماع في أمور حياتها المصيرية، و التصدي العملي لها بالحوارات و محاولة الالتقاء و توحيد الجهود ان أمكن و تقديم البدائل الاسلامية التي تعلم المسلمين أول ما تعلمهم الفرق بين سمو التشريع الرباني و أخطاء المسلمين في تطبيقه و ان خطأ المسلمين لا يُنسب للاسلام مهما كانت مكانتهم فالكل يؤخذ منه و يُرد عليه الا المعصوم صلى الله عليه و سلم

قد يقول قائل أن الأمر محسوم، فالحركات النسوية مدعومة بالقانون و الاعلام و كل وسائل التشريع المحلي و الدولي، و أن لا فائدة من محاولة التصدي، و لكن سجل الانسانية من أول الأوديسة الى آخر الفتوحات الاسلامية يثبت أن صناعة التاريخ و الانتصارات كانت محاطة على الدوام بالتحديات، و كان المنتصرون في بداياتهم شرذمة مستضعفين الا أن الصبر و دوام المثابرة كان كفيلا بإزهاق الباطل في النهاية.إن القوانين و المعاهدات-حتى و إن أُقرت- تبقى جامدة مجمدة اذا لم تجد من يطبقها، فالعمل الآن هو ميدان النفس الانسانية تثقيفا و دعما و تشغيلا لتكون قادرة على الوقوف أمام كل أنواء التغيير و الاستهداف

د.ديمة طارق طهبوب

 رابط مقال زينة أنور (عندما لا يصبح السكوت من ذهب تبدأ النساء المسلمات بالكلام) http://www.almultaka.net/ShowMaqal.php?module=96c1f97fad58a28d7c785a42700f80e0&cat=17&id=258&m=2706dcdc93ee303be526b21827931774