ابْــذُر يــــا أخـــي !.. بقلم: ريما محمد أنيس الحكيم

ابْــذُر يــــا أخـــي !!!!

القصة القرآنية في ثوب معاصر …

قراءة في رواية (أبي اسمه إبراهيم) للدكتور أحمد خيري العمري

 

بقلم: ريما محمد أنيس الحكيم

 

تلعب القصة دوراً محورياً في عملية التربية، والمنهج التربوي في القرآن يجعل منها وسيلةً هامة من وسائله في تربية الإنسان على صعيد كُلٍّ من النفس والجسد والعقل، للوصول به  إلى مستواه الفطري الأصيل.

فالقصة من الأسس الهامة للعملية التربوية التي يتبعها القرآن الكريم إلا أنه لم يسُق من القصة إلا ما يتعلق بالغرض الذي سيقت القصة من أجله، كي تظل الصلة متينةً بينها وبين المناسبة الداعية إلى ذكرها بحيث تبعث القصة فيها الأهمية وتمدها بالحركة والحياة. من أجل هذا لا تكاد تجد القرآن يسرد حوادث القصة سرداً تاريخياً تبعاً لسلسلة الواقع والأحداث، إذ من شأن ذلك أن تبتعد القصة بالقارئ عن المناسبة والغرض الأصلي اللذين ذُكرت بصددهما. (1)

والقصص التي ذُكرت في القرآن الكريم لم تذكر على سبيل القص والرواية فقط، وإنما لها دورها في عملية البناء والتنمية للإنسان، وهي ليست قصص تروى عن الماضي فقط، إنما هي قصصٌ حدثت في الماضي، تُروى لنا لنكتشف منها حلولاً لتنمية الحاضر وبناء المستقبل.

قصص تؤهل الإنسان ليكون إنساناً صالحاً، يستخرج منها العبر، ويكتشف منها ما يجب أن يكون في الحاضر والمستقبل.

((هناك قصص قديمة، بل وقديمة جداً، لكنها تظل جديدة، بل إنك قد تشعر أنك جزء من هذه القصة، وأنك ستصير بطلاً من أبطالها.. وستشعر أيضاً أنها ستدور أيضاً في المستقبل، قد تتغير الزخارف الداخلية (الديكورات) والأثاث المحيط، وأسماء الأبطال، ومواقع الأحداث، لكن (القصة) نفسها ستظل تقريباً بلا تغيير..)) (2)

ومن القصص التي سردها الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم قصة سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، حيث ذُكرت في عدة مواضع من القرآن وبأسلوب يتناسب مع المكان الذي ذُكرت فيه، ودون أن يتبع السرد التاريخي لها.

تناول الدكتور أحمد خيري العمري قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام كما وردت في القرآن، دون سرد تاريخي، إنما فقط سرد الأحداث وفق ترتيب منطقي ورؤية جديدة نحو فهم أعمق للعبر التي أراد الله أن يعرفنا بها لنصنع المستقبل وفقاً لهان لنكون نحن (إبراهيمَ) زماننا الحالي، لنصنع التغيير الذي صنعه سيدنا إبراهيم، بما أن الأزمان توارث طغاتها ومجرميها، وتنقلهم معها ليكونوا معنا في كل جيل، ولنعاني منهم في كل زمان، ولتتحرك همتنا ونسعى نحو التغيير كلما أُعلنت حالة الطوارئ:

((أنَّ الأمة في خطر، فانتفض يا إبراهيم، واسعَ نحو التغيير،

وكُن أول المسلمين))…

ومن وحي تجربة الدكتور العمري الرائدة، كان لي بعض الوقفات التي لفتت انتباهي، ووجدت أنها من الممكن أن تكون أفكار اللبنة الأولى في سعينا الحثيث نحو التغيير، ومحاولاتنا المستمرة لتقديم مشروع إسلامي ناجح على كافة مستويات الحياة..

*     *     *     *     *     *

تبدأ الرواية مع قصة سيدنا إبراهيم منذ طفولته الأولى، لتروي لنا قصةً تحمل في ثناياها أفكاراً نهضوية وقواعد حياتية تحقق لمن يطبقها أن يكون أول المسلمين، وليبذر كلٌّ منا بذرته التي يقدر عليها من بذور النهضة..

حيث يشعر سيدنا إبراهيم عليه السلام بقوة إلهه الحق أمام غيره من الآلهة الضعيفة المصنوعة بيد عابديها، يشعر بتميزه، وهذا دليله على كونه الإله الحق أمام غيره من الآلهة.. شعوره بقوته لأنه مع الإله الحق وضعفهم أمامه…

((وجدها تُنادي تلك الآلهة المزيفة بأعلى صوت….

ووجد نفسه يُنادي ذلك الإله الواحد، بلا صوت، لم يعرف كيف يُناديه، لكنه عرف أنه لا يحتاج أن يرفع صوته كما تفعل تلك الكاهنة وآلهتها المزيَّفة، إلهٌ حقيقي مثل إلهه سيعرف ما يُفكِّر به، ولن يحتاج إلى أن يتواصل معه بصوتٍ مسموع….

….. قال في نفسه : ” أيُّها الإله الواحد، الإله الحقّ، ساعدني“.. شعر براحةٍ عجيبة وهو يقول هذا النداء: ” الإله الواحد.. الإله الحقّ“.. شعر أن الكاهنة ومعها حاشيتها وآلهتها وكهنة المعبد وتراث الأجداد والأعمدة الفخمة في الهيكل، كلُّها كانت تبدو ضعيفةً أمامه..

كان يقف أمامهم وحده، لكن لأنَّه معه الإله الواحد، الإله الحقّ، فقد كان أقوى!!))

 

ولنبدأ في التغيير، علينا أولاً أن نجتث الأفكار القديمة من جذورها، عملية البناء تستلزم الهدم أولاً، فكيف ستبني بناء صحيحاً على بناء خرب مهدم، علينا أن نبدأ بالهدم، وعملية الهدم هذه صعبة جداً، وقد تسبب لنا الأذى، وقد يرفض أصحاب تلك الأبنية هدمها لاعتيادهم عليها، لكنها الحقيقة الصعبة، لا بُد من الهدم لنبدأ بالبناء..

((اكتشف إبراهيم أن الهدم خطوةٌ مهمَّةٌ من أجل البناء..

لا تستطيع أن تبني، إن لم تهدم.. لا بد أن تهدم، بذرة (الهدم) هي التي تُمهِّد للبناء..

ومن أجل أن يُمَهِّدَ للفكرة الجديدة، للإيمان بالإله الحق، كان لا بدَّ من أن يهدم الإيمان بالآلهة المزيفة..

من أجل بذرة الإيمان الجديد، كان لا بُدَّ أن يُوَجِّهَ ضربةً للإيمان العتيق…))

 

ولكن.. هل يكفي الهدم؟؟ وهل سنقنع الناس بأهمية ما نبنيه بمجرد هدمنا لأبنيتهم القديمة، وهل يكفي اجتثاث المعتقدات القديمة من الأعماق لنزرع بعدها ما نريد، ونضع البذور الأولى.. لا.. لا يكفي الهدم، الهدم عملية ضرورية، لكنها ليست كافية، يلزمنا معها إحضار الدليل المقنع لنزرع الجديد، ليسمح لنا الناس ببناء الجديد، ليتقبلوا الجديد، علينا أولاً أن نقدم لهم الدليل لإقناعهم بأهميته..

((قال والد إبراهيم بغضب: “الأمر ليس بهذه البساطة التي تتخيلها، الآلهة موجودةٌ فينا وفي عاداتنا وفي رؤوسنا.. لقد تربَّينا على عبادتها، لن يكون الأمر أن يأتي ولدٌ في سنِّك ويسأل بعض الأسئلة ثم نترُكَ آلهتنا ونُطيعه.. عندما تهدم هذه الآلهة وتنسفها، فإنَّ عليك أن تجدَ بديلاً.. أفهمت ؟!!.. أين هو بديلك الواحد الذي تتحدَّث عنه.. لا بُدَّ أن يكون موجوداً وواضحاً.. لكي تُقنع الناس به..”…

ظلَّ سؤاله يتردَّد في رأس إبراهيم.. وظلَّ يُفكِّر..

كان والده على حقّ…

ليس الأمر في أن يَهدم الآلهة فقط..

كان عليه أن يعرف المزيد عن الإلهِ الواحدِ.. الحقّ)) …

 

فلنبدأ إذن في عملية البحث عن أدلة ما نريد بناءه، ثم لنهدم القديم، ولنبدأ عملية البناء.. ولكن لنعلم أن ومضة النور التي ومضت في عقولنا وجعلتنا نفكر ونبدأ بالبناء إنما هي ومضة من الله سبحانه، إنما هي هدية من ربنا جل وعلا.. إنما هي ومضة نور في الظلمة التي تحيط بنا.. إنما هي قمر منحنا الله إياه لينير ظلمتنا..

((ظلَّ إبراهيم يتلفَّت.. بين الاتجاهات، يبحث عن إشارةٍ، عن رسالةٍ، عن طريقٍ يدلُّه إلى الإله الحق..

….. وفجأةً.. التمع ضوءٌ في رأس إبراهيم، حدث معه بالضبط كما سيحدث معكم عندما تبحثون عن زرِّ الضوء الكهربائي وسط الظلام، تتلمَّسون الزرَّ في الظُلمة، تتعثَّرون قليلاً، ثم تعثرون عليه، وتضغطونه.. فإذا بالضوء يطرد الظلمة كلها، دفعةً واحدة..))…

 

لنشكر الله على هديته تلك، ولنبدأ عملية البناء.. ولكن… هل سينتهي البناء في حياتنا؟ هل سنعيش لنرى البناء مكتملاً، وإن لم تبدأ فرع الشجرة في النمو، فهل سنصاب باليأس، أم أننا سنكمل سيرنا؟

سنرحل.. كلنا سنرحل.. ولكن.. هل تركنا البصمة التي ستشفع لنا عند الله يوم القيامة قبل أن نرحل؟ أم أن حياتنا كانت دون أي فائدة تذكر؟ هل مررنا وتركنا أثراً؟ أم أن الرمال بعد مرورنا بقيت مستوية؟

كيف كانت حياتنا، سؤال موجع يؤلمني كلما فكرت فيه على مستوى الناس، مشكلتنا أننا نبدأ بفكرة جميلة رائعة، لكننا نمل مع مرور الزمن، لأننا نستعجل وجودها على أرض الواقع، لا نقبل الانتظار حتى تأخذ وقتها، فنتركها.. فتموت الفكرة..

وباعتقادي الشخصي إننا سنحاسب إن تركنا الفكرة النافعة تموت، كما سيحاسبنا الله على وقتنا فيما أضعناه، وعلى عمرنا فيما أفنيناه، فإنه سيحاسبنا على أفكارنا كيف طبقناها، وتلك الجيدة والنافعة منها، هل سعينا نحو تحقيقها أم تركناها تموت في عالم الخيال والأوهام؟؟

هي أفكار راودتني حين قرأت هذه الكلمات:

((قرَّر إبراهيم أنه إذا رحل فعليه أن يترك بذرةً ما.. بذرةً لرفض الأصنام.. بذرةً تكشف ضلال الأجداد وأخطاءهم.. بذرةً تكشف للناس أن لديهم في رؤوسهم (عقول) عليهم استخدامها…

فكَّر أن ليس عليه أن ينتظر البذرة ويراها وهي تنمو وتكبر وتنضج وتُثمر… قد يأتي غيره ليسقيها، وقد يأتي آخر ليحميها ، قد تكون كل الظروف مواتية لنموِّها كما كانت الظروف مواتية للبذور التي تركها في الحديقة..

سيرحل.. نعم سيرحل..

لكنه قبل أن يرحل عليه أن يترك بذرةً في رؤوس أهل مدينته..

بذرةً كبيرة…

بذرةً قويـَّـــة..

بذرةً لا تُنسى…

وربما ستتكفَّل قوانين الإله الحق بنُموِّها ونُضجها..))

جعلتني هذه العبارات أحلق معها لأنظر في بذورنا.. هل نقبل أن نبذرها فقط، أم أننا نأبى إلا أن نفعل كل شيء لتنميتها؟

 

تذكرت عبارة مالك بن نبي رحمه الله تعالى حين قال:

((ستحملُ إشعاعاتُ الصباحِ الجديد ظِلَّ جُهدِكَ المبارك في السَّهلِ الذي ستبذرُ فيهِ، بعيداً عن خُطُواتِكَ.. وسيحملُ النسيمُ الذي يمرُّ الآن البذورَ التي تنثُرُها يداكَ… بعيــداً عن ظِلِّكَ.. اُبْــذُر يا أَخـــــي))

فلتبذر يا أخي.. وليكن عملنا الآن على مستوى البذار فقط، ولا نعلم، ربما سنتمم عملية التنمية، ربما لن تكون فكرتنا هي في اللبنة الأولى فقط، وربما أطال الله أعمارنا لنرى الشجرة تنمو والبناء يكتمل.. ولكن لنترك هذه الأمور لله تعالى الآن.. ولنبدأ عملنا.. وليكن منطلقنا..

(( ابــذر يــا أخـــي ))

 

انتهى

 

 

 

 

 

(1)  منهج تربوي فريد في القرآن ، د. محمد سعيد رمضان البوطي ، ص 49 + 50.

(2)  رواية (أبي اسمه إبراهيم)، د.أحمد خيري العمري، المقدمة ص 15.


ترانزيت و عقد الالتزام بأرض الشام : سهير علي أومري

damas1ترانزيت… وعـقد الالــتزام بــأرض الشــام

سهير علي أومري

لم أقف مع نفسي هذه الوقفة من قبل إلا أنني وقفتها أخيراً… كان ذلك عندما قرأت مقالة الدكتور أحمد خيري العمري بعنوان (ترانزيت في سماء “البلد البعيد الذي تحب”) والتي لم تكن ترانزيتاً له وحده بل كانت ترانزيتاً لي أنا أيضاً تحدث الدكتور أحمد في هذه المقالة عن رحلته من واشنطن إلى دبي وكيف أنه كان يريد الوصول بأقصى سرعة لزيارة أمه المريضة في المشفى لذا لم يشأ أن يكون في رحلته أي ترانزيت… ولكن الترانزيت الذي حدث لم يتمثل في هبوط طائرته في أرض أو مطار بل كان يتمثل في لقاء جوي جمع بينه وبين العراق على بعد آلاف الأقدام… العراق التي تركها منذ ثلاث سنوات ولم يعلم أن أول لقاء بينهما سيكون هو هذا اللقاء…. وقفت أمام كلماته و صدق مشاعره… رحلت في أعماقي رحلة جديدة… أوقفت نفسي في محكمة مواجهة لأنني أعلم أنني كثيراً ما تهربت من الكتابة عن وطني… وليس هذا فقط بل كثيراً ما تهربت من القراءة للذين كتبوا عنه… ذلك لشعور ربما ينتاب الإنسان عندما يتيقن أن مفردات الدنيا بأسرها وعبارات اللغات كلها تبقى عاجزة عن تصوير إحساسه أو رصد مشاعره…. “قاسيون المحبة، شام الخير، شام الياسمين، سوريا يا حبيبتي…” عناوين هزيلة… عبارات ضعيفة قاصرة أتهرّب من قراءة مقالاتها كلما رأيتها… وأنا أقول في نفسي كيف للكلمات مهما كانت رصينة أن تترجم حباً طغا على كياني… حباً مد جذوره في هذه الأرض مع كل نفس تنشقته فيها… حباً لا يقاس بوحدات القياس التي عرفتها اللغات جميعاً…. حباً أجد نفسي الآن مع كل الطاقة النفسية التي أستجمعها مكبلة أدرك مدى تقصير كلماتي وعجز عباراتي إلا أنني وجدت أن لا مفرّ من المواجهة لا مفرّ من الوقوف لا لأتغنى بالشام وحبي لها ولا لأعدد أسباب هذا الحب ودوافعه بل لأسبر حقيقة مغيبة تتعلق بالمعايير التي تجعل المرء منا لا يتعلق بوطنه….

قال لي أحد المغتربين ذات يوم: وطني حيث تصان كرامتي، حيث أعيش بحرية وأجد العدل وأتمتع بالكرامة، وطني حيث تتنفس فكرتي فتجد لنفسها طريقاً إلى النور لتعلو دون أن يقف في وجهها حاجز… هذا هو وطني لا عبرة عندي لأصل أو جذور أو انتماء بغير هذه المقاييس… فأجبته يومها: ليست البطولة أن يكون وطنك هو المكان الذي تتنفس فيه فكرتك، وإنما البطولة الحقيقية برأيي أن تجعل فكرتك تتنفس في وطنك…

ثم تذكرت قول الشاعر:

بلادي وإن جارت عليَّ عزيزة           وأهلي وإن ضنوا علي كرام

ثم سألني كم من البلدان زرت؟ فقلت له ثلاثة…. فضحك، ثم أخذ يحدثني عن جمال الطبيعة وجمال العمران في بلدان أوربا.. حدثني عن نظافة الشوارع عن أخلاق الناس… احترام القوانين، احترام العمل، احترام الإنسان، فقلت له: ربما بحسب رأيك كانت هذه الأمور عندنا مفقودة، ولكن ما دخل الشام بهذا؟! ألا ترى معي أن الشام مظلومة معنا….. ألسنا نحن من فعل بها هذا… لماذا نظلمها ونحاكمها ثم نجلدها فنكرهها فنتركها ونحن الذين فعلنا بها كل هذا، ربما ستقول لي: لستُ أنا ولستِ أنت من فعل بها هذا… بل هم من فعلوا بها هذا، ولكنني أقول لك: إن مسؤولية الجميع نطلقها دائماً على كل الناس ما عدانا… ومن هم الجميع غير أنا وأنت وهو وهي وهم وهنَّ؟!…. أفنقوم نحن بظلم بعضنا وننشر الظلم من حولنا والإساءة للبشر والحجر ثم نكره الأرض بما عليها… أليس لهذه الأرض حق علينا بأن نعمّرها وننشر الخير والفضيلة فيها أو على أقل تقدير نمنع الفساد فيها بادئين بأنفسنا ثم أهلنا؟!… أليس هذا أولى من أن ندير لها ظهورنا ونولي هاربين منها متنكرين لها راكضين وراء مصالحنا غير آبهين بها… ألا نخاف من وقفة تحاسبنا الشام فيها أننا تخلينا عنها… الشام أمي… الشام قدري وكيف للمرء أن ينتزع أمه من قلبه أو يهرب من قدره….

ثم تذكرت كم من المرات سمعت من المغتربين الزائرين من أبناء الوطن عبارات تهكم وازدراء وهم يرثون لحالنا نحن المقيمين في أرض الوطن، وكيف أنهم وجدوا الخلاص والعيش السوي عندما تركوا هذه الأرض وتوجهوا إلى حيث يعيشون مرفهين… كم كنت وما زلت أرثي لحالهم ربما أضعاف ما يرثون لحالي لأنهم وإن وجدوا المال إلا أنهم فقدوا في قلوبهم إحساساً هو عندي أغلى من كنوز الدنيا… شعور ينتابني وأنا أنظر إلى قاسيون صباح كل يوم وأنا ذاهبة إلى عملي وأرى كيف يحتضن بيوت الشام ويضمها كما تضم الأم وليدها… شعور ينتابني وأنا أنظر إلى الشام تحت المطر ووقت الربيع وعند السحر…. شعور ينتابني في رمضانها ومع تكبيرات أعيادها.. شعور أحسسته يوم فقدتها وأنا بعيدة عنها عدة أشهر يومها تمنيت لو أنني اصطحبت معي قليلا من ترابها… يومها أدركت معنى الدموع التي ذرفها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خارج من مكة بعد أن هدر فيها دمه فوقف عند مشارفها ينظر إليها من بعيد وهو يقول: ما أطيبك من بلدة وأحبك إلي ولولا أن قومك أخرجوني منك ما سكنت غيرك….

أجل كان المقال الذي قرأته ترانزيتاً لي جعلني أدرك حجم المسؤولية التي أحملها تجاه هذه الأرض التي ولدت فيها والتي أحيا عليها… مسؤولية جعلتني أدرك أن حب الوطن ليس شعوراً يخالج القلب فيعجز اللسان عن ترجمته فحسب بل هو عقد التزام أبديٍّ بهذه الأرض… التزام ورثته من أجدادي وسأتركه لأبنائي بأن أكون ابنة بارة لها لا أتنكر لها لأنني بذلك أكون قد خذلتها مرتين مرة يوم تنكرت لها ومرة يوم قعدت عن مهمة الخلافة التي أوجدني الله تعالى من أجلها بان أعمرها وأنير دروبها بنور الخير والسعادة والإيمان….

الشام حيث يهيم فؤادي فلم يكن لأي اعتبارات أخرى عندي معنى، وإن كان أجدادي السابقين ينتمون لقومية أخرى غير العربية إلا أنني لن أبحث في جذور الماضي لأتمسك بانتماءات وهمية، فما أؤمن به أنني هنا ولدت أنا وأبي وجدي وعلى هذه الأرض عشنا وفيها أرجو الله أن تكون نهاية رحلتي عندما أمضي بعد أن

أسلِّم أبنائي عقد الالتزام بأرض الشام….

 

 

 

 

 

ترانزيت في سماء “البلد البعيد الذي تحب”..

ترانزيت في سماء “البلد البعيد الذي تحب”..








د. أحمد خيري العمري   أيار 2009

على قلق كأن الريح تحتي“، أريد أن أركب الريح، أو أسابقها لكي أصل حيث ترقد والدتي في المشفى في الامارات.. الرحلة من واشنطون الى دبي تستغرق أكثر من ثلاث عشرة ساعة، و أي “ترانزيت” سيعطلني أكثر مما أحتمل..لذا كان طلبي الوحيد من وكيل السفريات ان تكون الرحلة مباشرة : بلا ترانزيت !

لكنه لم يكن يدري، كما لم أكن أدري أنا أيضا أن الرحلة كلها ستكون “ترانزيتا” بطريقة ما.. ولم أكن أدري وأنا أستقر في مقعدي أن الشاشة المثبتة أمامي ستنقلني إلى ترانزيت لم يكن في بالي ولا حساباتي..

من بين الخيارات في تلك الشاشة كان ذلك الخيار الذي يوضح لك موقع الطائرة من خط سير الرحلة على خريطة تشكل في حالتي العالم بأسره، تجاهلت الأمر في البداية، إذ ما إن تقلع الطائرة حتى تحلق فوق المحيط الأطلسي الذي أسماه أجدادنا بحر الظلمات، و لا أحد يريد أن يتذكر ذلك طول الوقت، خاصة عندما يكون لديه ما يكفيه من الهواجس مختلفة النوع..

قضيت أكثر من نصف الوقت مع كتابي وأوراقي، ولم يخطر في بالي أن أعرف موقع الطائرة لكني لمحت من شاشة مجاورة أننا فوق شمال أوربا.. بعد قليل وجدت أننا فوق أنقرة، وبدأ خط الرحلة (الذي لم أكن قد فكرت فيه قبلها) يتشكل في ذهني.. وبدا لي أن الطائرة تتجه لتحلق فوق العراق.. ذلك البلد البعيد الذي أحب.. ذلك البلد الذي كلما ابتعدت عنه كلما أحببته أكثر.. واشتقت إليه أكثر.. ذلك البلد الذي لن تكون كلمة “قسري” لتفسير بعدي عنه.. بل ستبدو كلمة قسري قاصرة ومسطحة لوصف ما حملني وحمل الملايين غيري على اقتلاع أنفسهم من ذلك الوطن الذي صمدوا فيه لعقود صعبة، ثم جاء وقت صار الصمود نفسه يتطلب الصمود..

بصراحة، لم أكن مهيئاً للقاء فوق السحاب مع وطني… كنت أعتقد أن لقاء كهذا يجب أن يكون مرتبا، بإنذار سابق على الأقل، لكن يبدو أن أهم لقاءاتنا هي التي تكون بلا ترتيب ولا تخطيط..

جلست أراقب الشاشة باستسلام، كنت أتمنى حقا أن لا يحدث اللقاء.. أن تعدل الطائرة من خط سيرها وتمضي إلى خط آخر أبعد، أن يخطفها أحدهم لأي سبب ولا يطلب سوى أن نذهب بعيدا.. شرقا أو غربا، لا فرق.. المهم أن نصل إلى دبي دون أن نمر بذلك الترانزيت الاستثنائي..

لم تختطف الطائرة، بل وجدت نفسي مختطفا – مكمما و مقيدا- للشاشة وهي تقترب رويدا رويداً من المجال الجوي لوطني.. كنت أراقب الصورة الافتراضية للطائرة على الشاشة، وكانت مقدمتها تقترب أكثر فأكثر، و بدت حافتها المدببة كسكين يخترق تلافيف وأحشاء ذاكرتي.. بدت تلك الرحلة العجلى من واشنطون إلى دبي كما لو أنها ستكون رحلة داخل تاريخي الشخصي وغير الشخصي، من هنا بالضبط قبل أن ندخل في المجال الجوي العراقي، من منطقة “ديار بكر”، جاءت أسرة والدتي قبل قرون، قبل أن يكون هناك حدود ترسمها بالمسطرة “المس بل” القادمة من عاصمة الضباب أيام كانت لا تغرب عن إمبراطوريتها الشمس.. وكانت ديار بكر تضم ذلك الخليط العرقي الذي كان دوما سر القوة والتميز في العراق: مزيج العرب والأكراد والأتراك.. (لا أدري لِم يفترض الآن العكس!).. وعندما جاءت الأسرة إلى بغداد مع السلطان مراد الرابع في القرن السابع عشر تبغددت تماما حتى اندثرت حكاية ديار بكر، و لم يعرف قط ( ولن يعرف قط بطبيعة الحال !) إن كانوا عربا أو تركمانا أو أكرادا.. حتى لو تم فحص أثر السلالة بالحامض النووي لن يؤدي ذلك إلى أية نتيجة، فالمنطقة كلها كانت بوتقة انصهرت فيها الأعراق التي منحت للعراق عزه وقوته أيام كان له ذلك.. شاء قدر خط سير الرحلة أن يجعلني أمرُّ بذلك أولاً قبل أن ندخل المجال الجوي العراقي كما لو أنه يذكرني بحقيقة شخصية وغير شخصية في الوقت نفسه..

دقائق وظهر في الشاشة أننا دخلنا المجال الجوي العراقي، من النافذة نظرت إلى الغيوم وقلت لنفسي إنها غيوم عراقية وإن بدت تشبه سواها.. كنا فوق الجزء الذي لا أعرف إن كان سيبقى أو سينفصل من بلادي والذي أعرف أيضا أني أحتاج إلى ما يشبه التأشيرة إن كنت أريد الدخول و المكوث..

دقائق أخرى وحلقنا فوق الموصل، وأحسست بدمي يغلي منتشيا بالأمر كما سيفعل كل موصلّي يفخر بذلك حتى لو لم يكن قد وطئ أرض الموصل بأطراف قدمه!.. هنا استقر أجدادي بعد مجيئهم من الجزيرة العربية، وهنا ضربوا بجذورهم وإنجازاتهم.. لم يأتوا مهاجرين بالضبط، بل استقدم أول من جاء منهم من قبل الدولة العثمانية التي أرادت أن تكرس المذهب الحنفي وتقويه في مناطق نفوذها.. وكان جدي الأكبر فقيها على المذهب الحنفي في الحجاز، ولهذا السبب أو سواه نجح الأمر وكرس المذهب فعلا، لكن أجدادي الذين نقلوا المذهب الحنفي إلى أهل الموصل أخذوا منهم بالمقابل مذهبهم و” “تموصلوا”” جدا بكل ما في ذلك من نقاط قوة وغير ذلك… أخذوا منهم ذلك الإحساس بالتميز والتفوق والجدية الذي يميز أهل الموصل عن سواهم والذي يجعلهم يؤمنون أحيانا بأنهم الأفضل في كل الأحوال، و كيف لا وهم يؤمنون أن آدم هبط في الموصل، وأن سفينة نوح استقرت في الموصل و ان القرية التي نفعها أيمانها في القرآن هي الموصل! هذا الإحساس بالتفوق الذي قد يساء فهمه أحيانا هو الذي يجعلهم في الوقت نفسه يملكون الدافع للتميز والتفوق.. وهو الذي يجعلهم يتميزون ويتقنون فعلا.. ويتمسكون بموصليتهم حتى لو كانوا لم يروا الموصل أصلا..

(كنت في العاشرة من عمري ، و لم أكن أذكر أي شيء عن زيارة واحدة قمنا بها للموصل وكان عمري دون الرابعة قطعا، جاء ضيف عربي صديق لوالدي، وتبرعت له بتلك المعلومة: نحن من الموصل لكننا نسكن بغداد!..

نظرت لي والدتي -البغدادية منذ خمسمائة عام كما تقول!- شزرا وشرحت للضيف: والده أيضا ولد في بغداد ولا يتقن غير البغدادية لهجة للحديث، لكنهم لن يكفوا عن قول أنهم من الموصل !..).

لم أعرف الموصل حقا إلا بعد ذلك بسنين طويلة عندما درست في جامعتها، أحببت المدينة دون أن يكون لأصلي ونسبي علاقة بالأمر،لم يكن حبي لها من النظرة الاولى كما حدث مع الشام مثلا ، بل كان حبا عقلانيا جدا ، بالطريقة الموصلية التي تحسب لكل شئ حساب ، انتبهت إلى أن تحفُّظ أهلها الخارجي الذي يعده البعض برودا يخفي صدقا وإخلاصا نادرا على المدى البعيد، ثم انتبهت إلى أن هذا التحفُّظ لا يعدو أن يكون سورا خارجيا تورثه المدينة لسكانها كجزء من إتقانها الصمود بوجه الغزاة، فهمت أن الكثير من الصفات اللصيقة بأهل المدينة تشكلت عبر هذا الصمود المضيء الذي جعل المدينة قلعة حصينة بوجه الغزو الصفوي، وهو حظ لم يسعف بغداد المنكوبة بموقعها الجغرافي الذي جعلها أكثر انفتاحا وهو ما سهل دخول الغرباء الذين لم ينصهروا حقا في بوتقة التبغدد بل حاولوا إعادة تكوينها بحسب موروثاتهم التي جلبوها معهم شرقا أو غربا..

في الموصل، في سنتي الجامعية الوحيدة فيها، صارت لي الفرصة لترك طبقتي الاجتماعية التي ولدت فيها والنزول إلى هموم الناس الحقيقيين الأكثر بساطة والأقل تعقيدا..

هناك في الموصل، تعرفت على زملاء لي يتشارك عشرة منهم في إيجار شقة واحدة، كل خمسة ينامون في غرفة، و يتشاركون في مدفأة واحدة (في الزمهرير الموصلّي) بحيث تبقى المدفأة لمدة ساعة في كل غرفة بالتناوب.. لم يكن ممكنا بالنسبة لي أن أنسجم مع طبقتي الأصلية في بغداد عندما أعود في عطلة نهاية الأسبوع، حيث كان اصدقائي يمارسون تناوبا من نوع آخر : الذهاب إلى نادي العلوية في جمعة ونادي الصيد في الجمعة التالية..!

سوسيولوجيا الموصل، إذن، أعادت تكوين سايكولوجيتي! (أو ربما جعلتها أقرب لما يجب أن تكون).. وهكذا تفعل المدن العريقة بك دوما عندما تفهم سر عراقتها وقوتها (وليس عندما تتغنى بالأناشيد والقصائد الفارغة في حبها).. إنها تجعلك تفهم سر قوة المدن أو ضعفها.. وبالتالي تفهم سر قوتك أو ضعفك..

(ربما كانت “عواطفي المقننة” هي حصتي من الإرث الموصلّي في عروقي، حيث التقنين في الموصل هو نتيجة لتجارب حضارية متراكمة، بينما اللاتقنين هو الصفة البغدادية الأكثر ظهورا و الذي هو الآخر نتيجة لتجارب حضارية مختلفة: اللاتقنين في كل شيء.. حبا أو كرها، أنه إما منتهى الرعاية أو قصر النهاية، بلا منزلة بين المنزلتين!)

على الشاشة كان الطريق إلى بغداد يبدو واضحا، الأربعمائة كيلومتر التي تركت بصماتي عليها في كل مرة نزلت إلى بغداد أو صعدت فيها إلى الموصل في تلك التجربة التي تبدو الآن كما لو كانت تدريبا مبكرا وبسيطا على الغربة التي سأحترفها لاحقا كما ملايين العراقيين الذين عاشوا لعقود في منزل واحد وحي واحد ومع نفس الأصدقاء والجيران.. ثم صاروا يبدلون عناوينهم كل ستة أشهر من مدينة إلى أخرى ومن حي إلى آخر.. بدا لي أن الشاشة تحكي نسخة أخرى من” قصة مدينتين” ، على ارتفاع 37 ألف قدم..

أفهم جيدا أن أهل الموصل قد لا يستسيغون ” تبغدد” من ترك الموصل وسكن بغداد، وأنهم لن يغفروا ولن ينسوا قط كيف أن لساني -على سبيل المثال- قد تبغدد ولم يعد فيه أي أثر من “القاف” الموصلية المميزة.. ربما لأنهم لم يقتربوا بما فيه الكفاية من “قصة مدينتين”.. لا أقصد هنا رواية تشارلز ديكنز، بل “قصة مدينتين” التي تعيش في كل من ورث قيم المدينتين العريقتين.. لا أقصد هنا بالإرث مجرد الانتساب، فكم من متمسك بلهجة مدينته باع كل وطنه جملة وتفصيلا، بل أقصد فهم ووعي إرث هذه المدينة والحرص على قيمها.. عندما يمتزج إرث المدينتين العريقتين معاً، تصير “قصة مدينتين” هذه ملحمة للبحث عن المعاني حتى في الأشياء اليومية الصغيرة.. بل يصير التنافس بين قيم المدينتين داخل “الوارث” دافعا ومحركا للإبداع والإتقان..

وأنا في ذلك الترانزيت في السماء بين الموصل وبغداد، تذكرت “قصة مدينتين” التي كانت والدتي تتندر أنها عاشتها في يوم واحد.. كانت تقصد رحلة مكوكية قامت بها بين بغداد والموصل من أجل أن تجلب لي بعض الأغراض عندما درست في الموصل.. كان ذلك “تدليلا بغداديا” قامت به والدتي لوحيدها، كما تقوم الأمهات في بلادنا بلا حدود أحيانا، لم أكن “ابنها المفضل” كما يقال بل كنت بطريقة ما “الوحيد الذي توسمت فيه أن يحقق حلمها الغامض الذي لا تعرف كنهه هي بالذات”.. لم يكن تدليلها دعما للذكر بطريقة تقليدية، بل كان دعما وإسنادا يفوق ذلك بكثير.. أقول ذلك وأقر بخطورته، فالمسافة بين ذلك وبين الإفساد قد تكون غير محسوسة.. قصة نجاتي من هذا (إن كنت نجوت تماما!) ليس هنا مجال طرحها، لكني أعرف تماما أن بعض أهم ما أمتلكه جاء من هذه المنطقة الخطرة التي يختلط فيها الدعم والإسناد بالتدليل الذي قد يؤدي إلى الإفساد..

(أخذتني مرة من المدرسة إلى المتحف العراقي، أذكر تماما انه كان يوم خميس، و كنت في التاسعة أو دونها، في قاعة الفن السومري وأمام واجهة زجاجية لبعض المنحوتات وقفنا وأشارت إلي: ما الذي تراه مميزا في هذا ؟..

كان مجسما منحوتا لعربة صغيرها تجرها ستة خيول.. كطفل في التاسعة وجدت أن الخيول الستة هي أكثر ما يثير اهتمامي.. فقلت فورا: الخيول؟

خيبت أملها!… قالت لي: انظر كم هي صغيرة هذه الخيول والعربة، ورغم صغرها فهي متقنة.. وهذا أصعب من نحت تلك التماثيل الكبيرة في القاعات الأخرى.. بل إنهم ما كانوا سيتمكنون أصلا من نحت ما هو كبير إن لم يتقنوا ما هو صغير..)

اهتمامها بالتفاصيل الصغيرة – كان ولا يزال -جزءا أساسيا من نظرتها لكل شيء، بالذات من نظرتها النقدية لكل شيء، تلك النظرة النقدية التي كثيرا ما تصل حدود الصدام عندما يتعلق الأمر بالأشخاص.. الأمر بالنسبة لها ينتهي بالأسود أو الأبيض.. ( والأسود غالبا !)

بطريقة ما، أخذت منها هذا: أخذت علاقة الجزء بالكل، و التفاصيل الصغيرة بالكليات الكبيرة، سواء كنت أكتب عن آية قرآنية كريمة .. أو عن مشاهدة يومية لحدث قد يبدو عاديا، أو عنها شخصيا، فإن كل ذلك لا بد أن يمر بذلك الربط الذي يمنح للتفاصيل معنى جديداً ومختلفاً.. إن كنت أمتلك أية ميزة على الإطلاق فإن هذا ربما يكون الأهم..

من والدي أظن أنني ورثت الدأب والإصرار اللحوح، ذلك الدأب الذي جعل أحد أصدقائه يقول مازحا “ما ضاع حق وراءه خيري ..”.. ولولا هذا الدأب لبقي ما أخذته عن والدتي مجرد أفكار وملاحظات وتأملات في أحسن الأحوال لا تتحول إلى مشروع حقيقي..

(ولم يكن ممكنا لذلك كله أن يكون مجديا لولا اقتراني بتلك المرأة- البوصلة التي كانت أهم ما حدث لي منذ الإسلام.. والتي سأبقى أقول إني لم أنتج أي شيء قبلها… والتي كانت هي الأخرى نتيجة مباشرة لملحمتين.. لطبعة أخرى من “قصة مدينتين”.. وبإحداثيات مختلفة قليلا.)

بغداد إذن، ممثلة في أمي البغدادية منذ خمسة قرون أعطتني هذه الرؤية التي تربط الجزء بالكل، و”الموصل” ممثلة بأبي أعطتني الدأب وهذا الإحساس اللحوح بضرورة الإنجاز، بكون “شجرة الأسرة” وجذورها العريقة ونسبها ليست إلا مسؤوليات إضافية يجب أن نكون على قدر تحملها.. وإلا تحولت – كما حدث فعلا مع الكثيرين من أفراد أسرتي من الجهتين ومن سواهم- إلى سبب أجوف للغرور و التعالي الفارغ على الآخرين بالذات .. بل وإلى عذر لعدم الإنجاز او الإنجاز الخاطئ.. ( البعض منهم ، أقولها بلا تردد ، لا يستحق سوى المصحة ! )

وبين بغداد والموصل، كما بين كل مدينتين عريقتين، يمكن لـ”قصة مدينتين” أن تكون ملحمة تجعل حياتنا تثمر حقا.. أن تساهم في جعل كل منا “شجرة مثمرة” بدلا من أن نستظل بشجرة نسب ليست “لا تسمن ولا تغني من جوع” فحسب بل قد تتحول ثمارها إلى سم زعاف إذا استخدمت كمخدر يلهينا عن مواجهة ما يجب مواجهته..

بدت لي الفكرة الأخيرة ملخصا ليس لتاريخي الشخصي.. بل لتاريخ أمتنا كله بطريقة ما.. فقد تحول تاريخها العظيم عند البعض إلى وسيلة للخدر وللتهرب من مواجهة الحاضر وتحمل أعبائه.. هل يمكن أن يكون ذلك صدفة، أن يمر ذلك كله في بالي وأنا فوق الرقعة الجغرافية التي فيها أهم ثمار نهضة الحضارة الإسلامية.. هل يمكن أن يكون ذلك صدفة؟ أن تكون عاصمة دولة الخلافة هي التي تواجه ما تواجهه اليوم مما لا أطيق الخوض فيه في هذه اللحظة..؟ هل هذه الرحلة مباشرة من واشنطون إلى دبي حقا أم أنها رحلة ترانزيت في تاريخ مستمر؟ هل هي رحلة مباشرة أم أنها رحلة ترانزيت بكاملها في ذلك التداخل الحتمي بين ما هو شخصي وحميم وبين ما هو تاريخي وجماعي.. بين التفاصيل الصغيرة وبين الصورة الكاملة..

دقائق وصرنا فوق بغداد..

(آه بغداد.. أزم على شفتي وأنا لا أرى سوى الغيوم التي تغطي سماءك.. أحبس دمعة سرية أحاول كثيرا أن أقمعها ولكنها تستطيع أن تقمعني في الكثير من الأحيان.. بغداد.. ثلاث سنوات على الرحيل والغربة.. ربما ليس عدد السنوات كبيرا بالنسبة لعمري.. لكنه أكثر من ربع عمر أولادي.. وأكثر من نصف عمر صغيرتي أروى.. بغداد.. قرار الرحيل كان صعبا.. لكني لم أدرك قط كيف أن ما هو أصعب من الرحيل سيكون قرار العودة المؤجل دوما.. ثلاث سنوات فقط ولكن العالم كله تبدل فيها.. عالمي بالذات تغير بطريقة ما كنت أتخيلها يوم رحلت عنك..)

رحبت بي بغداد بطريقتها: ما إن صرنا فوقها حتى دخلت الطائرة في مطبات جوية.. أنيرت الأضواء الحمراء وتراكضت المضيفات وطلب الكابتن أن نشد الأحزمة.. ابتسمت في سري رغم الدمعة المقموعة.. وددت لو أقول لهم أن لا يقلقوا.. لا بد أن سماء العراقيين مثلهم: إنهم يثورون  ويرعدون، ولكن في الغالب  يتكشف مزاجهم الناري عن قلب في منتهى الطيبة.. ( سيقول الجزء الموصلّي مني إن ذلك في الحالتين يحتاج الى تقنين! )..

تساءلت في سري إن كانت هذه المطبات البغدادية تحية لي من بغداد.. أو عتباً.. أو لوماً… تساءلت إن كانت رسالة حب لي على الطريقة البغدادية.. تساءلت إن كانت هذه الرسالة تحمل توقيع “المنصور”[i] حيث ولدت وحيث عملت وحيث لا تزال لافتة عيادتي موجودة في مكانها دون أن أكون أنا.. ربما كانت هذه المطبات تحمل توقيع ساحة الحرية حيث مرطبات الفقمة التي ولد ابني بعد أن جلبت لأمه نوعها المفضل “بالفستق..!”.. ربما كانت تحمل توقيع الصليخ حيث “كلية بغداد” الثانوية الأعرق التي أشعر أن جزءا مني ما زال فيها بطريقة ما، أتناقش مع آزر وأمير وأحمد ونور الدين وعلاء وجمال ونحل مشاكل العالم كله بثقة أبناء السادسة عشرة بعقولهم ( لا يوجد اثنان منهم اليوم في بلد واحد! و لكن رحلة الترانزيت هذه جمعتهم في ذاكرتي)..

ربما كانت الرسالة من “زيونة”.. من جامع “القزازة”.. أو من جامع “الزهاوي” في ساحة الأندلس.. (ستكون رسالة عتب حتما..).. ربما كانت من “بارك السعدون”.. من بيتي الذي لم يكن البيت الأفخم ولا الأضخم، ولكنه كان بيتي.. كان “البيت”.. وبعده لم تعد المنازل إلا شققا مستأجرة (هاتفني برايان: هل أنت في البيت حتى نتحدث عبر النت؟.. قلت له دون تفكير: البيت؟؟ طبعا لا! أنا في هذه الشقة المستأجرة..).. وكانت بعض هذه الشقق المستأجرة أكثر أمانا – لي ولأولادي – من بيتي.. وكان بعض أصحابها أكثر حنوا علي من أهلي.. ولكن ذلك البيت يبقى “البيت”..

ربما كانت تلك المطبات هي من “أفياء النخيل”.. تمتد وتطول حتى تصلني وأنا في الطائرة فوق الغيوم.. تجعلني أقول مع لميعة[ii] في غربتها “بعيد فَيّ النخل… والغرََّبوك بعاد” ( بعيدة هي أفياء النخيل.. لكن من غرّبك أيضا بعيد)..

ربما في النهاية كانت مجرد مطبات، مجرد ظاهرة فيزيائية لا علاقة لها بكل تداعياتي الشعرية.. ربما كانت بغداد (مثل كل المدن العريقة) لا تكترث حقا لمن يغادرها وقت الأزمة.. لأنها لا بد أن تنهض ولو بعد حين، رغما عن كل توقعاتنا وتوقعاتهم ومخططاتنا ومخططاتهم.. ربما يكون “الحين” بعيدا جدا.. لكنه لا بد أن سيأتي..

كما كل مرة، قلت لنفسي إني عائد إلى بغداد ولا بد.. بالضبط “وعدتُ” نفسي أني سأحاول ذلك.. أني في أقرب فرصة سأمنح الفرصة لجذوري أن تمتد في تربتها الأصلية.. أن لا أموت غريبا في بلاد غريبة.. وأن لا يدفنني غرباء لم يعرفوني منذ طفولتي..

وعدتُ نفسي أني سأعطي نفسي تلك الفرصة: فرصة أن أدفن بالقرب من والدي.. ربما كتعويض عن حقيقة أني لم أتمكن من زيارته في قبره منذ أن دفنته ( بسبب مرور الطريق إلى المقبرة في مناطق ساخنة اعتبرت كجبهة قتال رغم أنها في بغداد).. بلى ، لقد زرته مرة واحدة فقط ..يوم دفنَا بالقرب منه ابن خالتي المقتول ظلماً.ظلماً.ظلماً…

لم يكن ذلك عقلانيا على الإطلاق: أعرف جيدا أنه لا أهمية لجغرافية الدفن بقدر أهمية تاريخية الإنجاز.. لكن أمام حقائق كبيرة كالموت ربما التفكير لا يكون عقلانيا جدا.. خاصة عندما تكون في رحلة ترانزيت على ارتفاع 37 ألف قدم تواجه فيها تاريخك كله.. (و هل حياتنا الدنيا في النهاية إلا رحلة ترانزيت من المهد إلى اللحد ولكنها رحلة ترانزيت تحدد موقعك الأبدي اللاحق..؟)..

انحرفت الطائرة باتجاه معين وزادت حدة المطبات كما لو أن بغداد تعترض على اتجاه الانحراف… وربما كان الأمر لا معنى له إطلاقا لكن خيالي الذي يربط الجزء بالكل مولع بإيجاد المعاني..

حملت كل ذلك إلى من زرعه أصلا في داخلي: إلى والدتي التي وضعوا لها حديدا ليجبر كسرها.. وهم لا يعلمون أن معدنها الحقيقي أصلب من أي حديد يمكن لهم استعماله..

هي الآن بخير والحمد لله، لكني أطلب منكم أن تدعوا لها بالشفاء العاجل كطفل مذعور يخشى أن لا يعود حضنها مضمونا كما كان دائما..

شيء آخر أخير: أعتذر من قرائي في دولة الإمارات الحبيبة الذين تربطني بهم آصرة استثنائية لأني مررت دون الاتصال -بكل ما يمثل ذلك من إهانة لكرمهم وضيافتهم- فقد كان مروري عاجلا وشبه سري لكل الظروف الشخصية السابق ذكرها، عذري الوحيد أني آتي لأزورهم فعلا مع كل سطر أخطه ..هم وكل قرائي الآخرين سواء كانوا في أرض الحرمين التي أودعت قلبي أمانة عند حمامة في حرمها الشريف ، أو بيروت التي تخرج دوما من رمادها، أو المحروسة مصر بقاهرتها واسكندريتها و شرقيتها، أو بلد المليون شهيد ، أو أولئك الذين يعلموننا فن الحياة في سجون الاحتلال.. أو أولئك الذين احتضنوني بلا حدود في جنة الأرض بلا خلاف: الشام..

و طبعا قرائي العراقيين في ذلك البلد البعيد الذي سأظل أحب[iii] الذين يعاملونني بالضبط كما هو متوقع منهم : إما منتهى الرعاية أو قصر النهاية..

و الذين سأظل احبهم ، ليس بالرغم من ذلك ،..بل ربما بسبب ذلك..


[i] المنصور : منطقة في بغداد- الكرخ ، اطلقت على اسم الخليفة العباسي ابي جعفر المنصور الذي بنى بغداد.

[ii] لميعة عباس عمارة : شاعرة عراقية من جيل الرواد في الشعر الحديث. صارت تجمع بين الفصحى و العامية منذ عقد السبعينات. تعيش غربتها في سان دييغو – كاليفورنيا..

[iii] “البلد البعيد الذي تحب” عنوان لمجموعة قصصية لكاتبة عراقية رائدة هي ديزي الأمير.. أستعير عنوانها هنا وأستميحها العذر..

نهضة مجهضة.. أم حمل كاذب آخر ؟

 

 

 

 

selfesteem1نهضة مجهضة أم حمل كاذب آخر؟

د.أحمد خيري العمري- القدس العربي

ماذا نتوقع من أمة لديها أسوأ معدل لتقدير الذات على الإطلاق؟ ماذا نتوقع من شعب تتأسس نظرته لنفسه من مجموعة آراء سلبية في ذاته وأدائه؟

لن نتوقع الكثير حتماً، ولا يجب أن نتفاجأ أن تكون هذه الأمة في قعر السلم الحضاري أو دون السلم أصلاً، ففي النهاية لا يمكنك أن تنجز حقا على كافة المستويات إن لم تقتنع حقا بقدراتك وإن لم تؤمن بنفسك وبإمكاناتك..

ولتوضيح مفهوم” تقدير الذات ” المتداول في علم النفس فهو يعرف باعتباره” التقييم العام للفرد عن ذاته” ويشمل ذلك معتقداته عن نفسه وعواطفه تجاهها، كما أنه يعدّ صفة ثابتة من صفات الفرد رغم أن بعض التغيرات الطارئة قد تحدث في الأزمات.

المصطلح دخل في علمي النفس والفلسفة في أواخر القرن التاسع عشر، ومن ثم دخل إلى ما يعرف بعلم النفس الشعبي “popular psychology” مدعوما بجاذبية الموضوع وبالفضول الشخصي الذي يمتلكه كل فرد عن ذاته ومدعوما أيضا بالاختبارات الشخصية السهلة التي تروج عبر وسائل الإعلام عبر الإجابة عن مجموعة أسئلة، وجمع نتائج الأجوبة في نقاط ترتبط بجداول (رغم عدم دقة هذه النتائج وسطحيتها في معظم الأحيان).. وعموما فإن مفهوم تقدير الذات ليس شائعا في الإعلام وبرامج الحوار وعلم النفس الشعبي فحسب بل هو واحد من أكثر ثلاث مفردات تداولا في الدراسات الأكاديمية المتخصصة في علم النفس .

نعود إذن لتلك الأمة التي حازت على أدنى معدل لتقدير الذات والتي قلنا إننا لن نتفاجأ أنها ستكون الأدنى أيضا في الإنجاز، ودعونا نقول بوضوح إننا لا يجب أن نتفاجأ إن كانت أمتنا هي تلك الأمة تحديدا لأسباب كثيرة لا تخفى و لا مجال لتعدادها.. فمستوى إنجازاتنا في القرون الأخيرة منذ أن تركنا دورنا الحضاري لا يُسِرُّ إلا العدو ولعل ذلك ينتج أو يرتبط (أو على الأقل يصاحب) هذا التقدير المتدني للذات الذي يجب ألا نتفاجأ إن كنا في قعره أو على الأقل من بين الأمم المتنافسة على قعره..

لكن ثمة مفاجأة كبيرة في قعر السلم هذا، فمن بين 53 دولة أجري فيها استفتاء عالمي موحد لتقدير الذات  كانت هناك أمة يجب أن نتوقعها من بين الأمم المتنافسة على المرتبة الأولى، فإذا بها في المرتبة الدنيا تماما.. وبفارق كبير..

إنها اليابان! اليابان هي الدولة التي كانت نتائج الاستطلاع على أفراد شعبها تشير إلى أنهم يملكون أدنى معدل لتقدير الذات…. اليابان ما غيرها! اليابان صاحبة الاقتصاد العملاق والمنجزات العلمية المذهلة، اليابان التي حققت تنمية استثنائية عرفت بالمعجزة اليابانية، والتي حققت كل ما حققته في ظل غياب أي موارد أو ثروات طبيعية (لا شيء سوى جزر وأراض غير صالحة للزراعة في معظمها وسمك).. هذه الأمة التي يفترض حسب مفهوم تقدير الذات أن تكون منافسة على “الرقم واحد”.. هي في الحقيقة صاحبة المعدل الأدنى..

هل هناك خطأ ما في نتيجة الاستفتاء؟ هل هناك تحيز مثلا؟… لا هذا ولا ذاك. الأمر ببساطة يلفت نظرنا إلى أن المفهوم الغربي لتقدير الذات (الذي لا شك بارتباطه بالكثير من منجزات الحضارة الغربية ) هذا المفهوم ليس بالضرورة صالحا لكل زمان ومكان، وهو بالتالي ليس صالحا لكل حالة قد تملك سياقات حضارية مختلفة..

بعبارة أخرى فإن التقدير العالي للذات والذي يرتبط مباشرة بمفهوم الفردية ( الأمريكي) والذي قد يكون له أثر الداينمو- المحرك فعلا في هذه الحالة – قد لا يكون صالحاً للعمل في مجتمع آخر يمتلك قيما تقدم المجتمع على الفرد كما في قيم المجتمع الياباني.. من ناحية أخرى فإن التقدير المتدني للذات في الحالة اليابانية قد تكون ( دافعاً) للمزيد من تجويد العمل، بل قد تتجسد في هوس الرغبة في الإتقان المعروف عند اليابانيين..

ولكي نكون واضحين فإن هذا التقدير المتدني للذات عند اليابانيين بات حقيقة مسلمة عند أغلب العاملين في مجالات علم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع وقد أثبتت في الكثير من الدراسات التي حاولت سبر أغوار “المعجزة اليابانية”… وهي حقيقة لا تخص اليابانيين فحسب بل عموم شعوب جنوب شرق آسيا ( كوريا الجنوبية أيضا التي حققت ما حققته من تنمية تحتل موقعا قريبا جدا من قعر السلم أيضا )…

ما يهمنا هنا أن التقدير المتدني للذات عند اليابانيين لم يعرقل نهضتهم بل ربما كان استثمارا أساسيا فيها.. النهضة التي لا علاقة لها حقا بالاحتلال الأمريكي لليابان كما يروج البعض بل التي ابتدأت فيما يعرف بعهد الميجي (1862-1912) و التي استندت أصلا على الموروث الياباني الذي يعتز اليابانيون فيه إلى حد التقديس  كأساس للانفتاح  المشروط على تقنيات الحضارة الغربية دون علومها الإنسانية..

بقية نتائج الاستفتاء لا تقل إثارة للاهتمام، فالدولة الأقوى في العالم التي أنتجت المفهوم وصدرته عبر وسائل إعلامها ونمط حياتها لم تحتل المركز الأول  وإن احتلت  مركزا متقدما بطبيعة الحال ( المركز السادس) بل احتلته دولة لا نعرف شيئا عن منجزاتها غير مذابحها التي اقترفتها ضد المسلمين في العقدين الماضيين ( صربيا!)، الدولة العبرية احتلت المركز الرابع ( لا غرابة!) هناك دولتان مسلمتان شاركتا في الاستفتاء واحدة احتلت مركزا متقدما (تركيا في المركز الثامن) و الأخرى جاءت في مركز متأخر (المغرب في المركز السادس والأربعين) ولا يمكن بصراحة الاستدلال بالمركزين للوصول الى أي نتيجة بناءاً على قمة السلم (صربيا) وقعره ( اليابان)..

الأمر المهم هنا هو الانتباه في هذا الاستفتاء و سواه – خاصة ونحن فيما نحن فيه اليوم – هو أن للنهضة طرقا متعددة وأشكالا مختلفة وأن النموذج الغربي للنهضة ليس هو النموذج الوحيد المكن بل هناك نهضات أخرى احتفظت إلى حد بعيد بموروثاتها ونجحت مع ذلك في منافسة الحضارة الغربية في منجزاتها العلمية والإنسانية.. لا يمكن الإنكار أن اليابان اليوم جزء من المنظومة الغربية، لكن لا يمكن إنكار أن نهضتها الأصل ابتدأت بالاستناد على إرث خالص خاص ، وأنها حتى اليوم لم تتبنَّ نظم التربية الغربية تماما، كما أنه لا يمكن إنكار أنها لم تتفاعل مع الغرب بمنطلق عقدة النقص الكفيلة لا بإجهاض أي مشروع نهضة فحسب بل بنفيه وإلغائه من أساسه: بجعله محض حمل كاذب.. حمل لم يحدث قط.. ولعل هذا هو الذي حدث مع الكثير من مشاريع النهضة في أمتنا، بل وبالذات مع المشروع الذي عرف بمشروع عصر النهضة، الذي كانت عقدة الانبهار والنقص شديدة الوضوح فيه لدرجة جعله مجرد حمل كاذب: يحمل بشارات الولادة دون حقيقتها الموضوعية..

أذكر بكل هذا الآن لأن عقيدة النقص التي يعاني منها البعض جعلت نتاجهم لا يكون أكثر من مجرد “أسلمة” ملفقة تضع شعارات إسلامية على نتاج غربي.. لا يمكن أن تظهر مقولة أو نظرية في التربية أو التعامل إلا وهبَّ البعض يبحثون عن الأدلة التي تؤيد تلك النظرية في بطون التراث: تتساوى في ذلك الآية القرآنية (التي قد تنتزع من سياقها) مع الحديث الصحيح أو الضعيف أو حتى القول المأثور.. والحقيقة أن التراث بتراكم القرون فيه سعة يمكن أن تسند النظرية ونقيضها.. ما دمنا نبحث لغرض إيجاد دليل على حكم مسبق أخذناه من الغرب..

و بعد أن تتم عملية الأسلمة تلك، يلتفت إلينا اولئك كما لو أنهم (أدوا قسطهم للعُلى ) ويقولون: أرأيتم؟ لقد نجحوا بفضل قيمنا نحن… كل ما علينا أن نرجع لقيمنا عبر إتباعهم..

لا أروج هنا للنموذج الياباني، ولا حتى للتقدير المتدني للذات، بل إني أؤمن أن الدين الذي انفرد من بين كل الأديان بكون الإنسان هو الخليفة، وبسجود الملائكة له، هذا الدين يبث في أعماق المؤمنين به تقديرا عاليا للذات لكنه تقدير مشروط بالطاعة، بالإيمان، بالعمل الصالح ، وبشكل جماعي- اجتماعي.. فالإنسان –عموما- في القرآن هو ” في خُسر”.. و لا يخرج من هذا الخسران  إلا  اللذين آمنوا و عملوا الصالحات ..( فلننتبه هنا إلى أن الخلاص جماعي )..

أروج هنا لنهضة تستمد قيمها من ذلك الكنز الذي لا ينضب، كنز علينا أن نقرأه بعدسة تستمد أبعادها البؤرية من الكنز نفسه، و لا تستوردها من حضارة إنسانية لها ما لها وعليها ما عليها..

أروج لنهضة تبدأ بالقرآن، ترى العالم وتقرأ تجارب الآخرين من خلاله، لا كما يحاول البعض أن يقرؤوا القرآن من خلال العالم، من خلال تجارب الآخرين.. تلك المحاولات التي لا تنتج إلا المزيد من التخبط والتبعية والاستمرار فيما لم يعد ممكنا الاستمرار فيه..