حكاية الواحد من عشـرة !

حكاية الواحد من عشـرة !

د.أحمد خيري العمري- القدس العربي

قال لي “برايان” صديقي الأمريكي المسلم: هل تريد أن تسمع قصة كريهة؟

قلت له بحماس: بالتأكيد!

قال لي: إن له زميلة في الجامعة مسلمة من الجيل الثاني من المهاجرين أخبرته أن أهلها سيزورونها في سكنها الجامعي، و أن عليها الآن أن تخفي ” الدمى”..“Her toys”.

سكت، وسكتُّ أنا. لم أفهم إلا أن أهل الطالبة لا يحبون الدمى التي تحتفظ بها ولوهلة تصورت أن الطالبة تجمع دمى طفولية في وقت تخطت فيه مرحلة الطفولة وأن أهلها غير راضين عن ذلك!53333-bigthumbnail4

قلت له بتردد: إذن أهلها لا يحبون الدمى؟

عندها فهم أني لم أفهم، فقال وهو يشدد على كل حرف: إن الدمى لها شكل هندسي معين (ذكر الشكل ولا أرى ضرورة لذكره هنا)..وفهمت!.. إنها دمى جنسية..

سألت بعدها سـؤالا أظنه واحدا من أغبى الأسئلة التي طرحتها في كل حياتي:

 هل هي عذراء ؟

قال بتهكم : عذراء؟؟! عذراء وتجري كل شهر اختباراً للأيدز.. عذراء!

سألته بحزن: هل هي مسلمة؟

قال هذه الكلمات التي تلخص الفاجعة: والداها مسلمان، ويتصوران أنها كذلك!..

كانت القصة كريهة و صادمة  أكثر مما توقعت ولا أذكرها هنا إلا لأنها تمثل جزءاً من واقع مخيف ومسكوت عنه تردت إليه أوضاع الجيل الثاني في الولايات المتحدة، أي الجيل الذي ولد وكبر هنا في أمريكا ولم يمتلك جذوراً قوية تربطه بالمجتمع الأم، بالثقافة الأم.. بالمنظومة القيمية الأصلية..

لا أملك إحصاءات ولا أريد التعميم ولا ظلم من استطاع النجاة من هذا المصير، لكن الظاهرة موجودة ومخيفة والسكوت عنها بل نفيها والإصرار على عدم وجودها – والتغني بمنجزات الجالية – لا يمثل في رأيي غير حالة “إنكار مرضية متقدمة”..

هذا ما أكده لاحقا صديقي الدكتور عبد الرحمن ذاكر الهاشمي أخصائي الطب النفسي، و الذي بحكم عمله في الاستشارات النفسية واختلاطه بالجالية في معاقلها الرئيسية يعرف الكثير عن خفايا الموضوع..

و الخفايا مرعبة فعلا، وهي تشير ليس إلى فقدان الهوية فقط في نسبة كبيرة من أفراد الجيل الثاني بل إلى فقدان كل صلة موضوعية بالحلال والحرام.. علما أنها تحدث  ضمن عوائل فيها  أفراد من الجيل الاول  تميزوا بالالتزام بالدين لكن ذلك لم يمنع الانهيار الذي حدث لأبنائهم في الجيل الذي ولد وكبر في أمريكا.. من ضمن الخفايا المؤلمة اضطرار بعض العوائل إلى السماح لأولادها وبناتها بجلب رفيقهم أو رفيقتهم من الجنس المعاكس وتركهم خلف الأبواب الموصدة لا لشيء إلا لأن ذلك يظل أهون من السهر في البارات والتعرض لخطر المخدرات أو لأن ممارسة الجنس مع رفيقة واحدة يبقى أهون من حفلات الجنس الجماعي التي يختلط فيها الحابل بالنابل.. (وهي الحفلات الشائعة بين طلبة وطالبات الجامعات).

لهذه الدرجة؟ هل يمكن أن نستغرب؟ أليست هذه محض نتيجة منطقية؟ ألا نرى طلائع ذلك أصلا في مجتمعاتنا التي غزاها التغريب وقيمه (بالذات ما هو سلبي منها) من بين أيديها ومن خلفها.. ألن يكون ذلك من باب أولى أكثر وضوحا وانتشارا هنا في الغرب؟

عندما كتبت كتابي الصغير “تسعة من عشرة” قبل سنين، استندت على إحصائية قام بها جفري لانغ، وانتهى فيها إلى أن واحدا من أصل عشرة من أفراد الجيل الثالث يبقى متمسكا بدينه أما التسعة من عشرة المتبقية فيفقدون أي رابط بدين الجيل الأول..

يومها كان هناك من أيّد، وهناك من اعترض، و كان هناك من قال ببساطة إن النسبة متفائلة جدا..!

 أخشى اليوم أني صرت أقرب للرأي الأخير.. فالخروج من بطن الحوت لن يكون سهلا إذا تربى أولادك فيه، إذا صار وطنهم.. فكيف بأولادهم الذين سيصير بطن الحوت موطن آبائهم أيضا؟

لا أريد أن أقول إن النجاة مستحيلة، فذلك ظلم كبير للواحد من عشرة ولمن ساهم في نجاة الواحد من عشرة، لكن للنجاة سننها وقوانينها في كل زمان، وهي في بطن الحوت تتطلب “سنناً” إضافية قد لا تكون متوفرة للجميع.. أقصد هنا توفير ” بيئة إسلامية” لا تمنح العزلة عن المجتمـع الأمريكي (وهو أمر غير مطلوب بحد ذاته ولا معنى له أصلا ما دمنا نتحدث عن جيل أمريكي بالولادة والتجنس) ولكنها بيئة تمنح الحصانة المتوازنة اللازمة للتفاعل والانفتاح على المحيط الخارجي.. وهي بيئة لا تتوافر بسهولة في مجتمع مثل المجتمـع الأمريكي إلا بتوافر المال الذي يمكن أن يقدم هذه البيئة عبر المدارس الإسـلامية (الموجودة فعلا  بنجاح في بعض الولايات و لكنها لا تقدم خدماتها الا لجزء بسيط من الجالية التي يقدر عددها بحوالي ثمانية ملايين مسلم)  و هذه المدارس الاسلامية الخاصة غالية الثمن نسبيا – خاصة بالمقارنة مع المدارس العامة المجانية – وهي قد تكون مرهقة ماديا حتى في حالة طفل واحد بالنسبة لبعض العوائل، فكيف مثلا بعائلة فيها من اثنين إلى ثلاثة أطفال كمعدل؟

وسواء كان الثمن المرتفع هو السـبب، أو عدم توافر هذه المـدارس في كل مكان، فإن حوالي99 % من الأطفال المسلمين في أمريكا يذهبون إلى المدارس العامـة ..

لكن مالذي يحدث هناك ؟ مالذي يتعرض له الطلاب في هذه المدارس  ؟

- حوالي 70% منهم مارس الجنس كاملاً.

-  43% منهم مارس الجنس مع شريك دون وجود علاقة عاطفية  تربطه بهذا الشريك.

-  14-20% من الفتيات حملن ( دون زواج طبعا ).

-  10% منهم أصيب بمرض تناسلي.

-  74% منهم شرب الكحول.

- 20% منهم شرب الكحول لدرجة السكر في المدرسة أي أثناء الدوام الرسمي.

- 10% منهم قام ببيع المخدرات إلى زملائه.

- 40% استخدم عقاقير ممنوعة.

- 20% منهم قام بسرقة أشياء من المتجر shoplifting.

-  19% اشترك في عنف تجاه شخص آخر أدى إلى حدوث تداخل طبي..[i]

( و هذه الارقام لا تعتمد على عينة من ولاية محددة ، بل هي ارقام وطنية مقارنة اي انها تشمل طول و عرض الولايات المتحدة )

إذن  99% من أطفال الجيل الثاني من المسلمين ينمو ويكبر في بيئة كهذه وحتى لو افترضنا جدلا أنه نجا من التعرض للانغماس المباشر في هذه الفعاليات، فإن النمو في ظروف كهذه لن ينتج شخصا صحيا على الإطلاق..

“الجيل الثاني ” هنا ضحية… ضحية لا يجب جلدها والحكم عليها، لقد “وضع” في هذه البيئة رغما عن أنفه، وضعه والداه طبعا (الجيل الأول) وبدوره الجيل الأول يكون أحيانا ضحية، فليس كل من هاجر إلى أمريكا كان يبحث عن الحلم الأمريكي بالثراء وجنة السلع، ولكن بعيدا عن التلاوم والاتهام فإن كون الجيل الثاني ضحية يجب أن لا يكون مبررا لبقائه كذلك..

الأمر الآخر الذي لجأ له البعض من أجل النجاة هو تقديم بيئة” معقمة” تماما لينشأ الطفل فيها.. التجربة تسمى بالتعليم المنزلي home schooling وقد بدأها الإنجيليون لأسباب مماثلة، والتجربة لا تزال فتية في المجتمع الإسلامي في الولايات المتحدة، لكنها موجودة ومعوقاتها موجودة معها ( التكلفة العالية في حالة وجود مدرسين خصوصيين tutoring  أو اضطرار أحد الوالدين إلى عدم العمل إذا كان هو من سيشرف على التدريس.. بالإضافة إلى مخاطر نفسية محتملة ناتجة عن عدم اختلاط  الطفل مع أقران في سنه..)

أي شخص “يعيش” في الولايات المتحدة، وأقصد بـ “يعيش” أي يعيش حقا وليس يزورها في مؤتمر ويزور مساجدها في صلاة العيد (!) ويجتمع بقادة الجالية الفخورين بمنجزاتهم التي لا ترى بالعين المجردة، أقول أي شخص “يعيش” في أمريكا لا يمكن له أن ينكر الخطورة الإحصائية الواضحة لوضع الجيل الثاني إلا إذا كان يمارس “غض البصر” تجاه هذه الاوضاع ، إلا إذا كان لا يريد أن يعلم.. يدفن رأسه في الرمال كي لا يرى ما يحدث حقا..

إنها آلية الإنكار، تمنح طمأنينة مزيفة لكنها لا تجدي نفعا في إيقاف الخطر الحقيقي، بالضبط كما سيحدث لو أنك أشحت بوجهك عن الثقوب في السفينة ونظرت إلى الجهة الأخرى.. ربما لن ترى الماء وهو يتدفق، ربما لو سددت أذنيك لن تسمع صوته أيضا.. لكن هذا لن يوقف تدفق الماء.. وستغرق السفينة رغما عن أنفك وأنف إنكارك..

هذا ما يحدث مع الجيل الثاني والثالث من المهاجرين، والإنكار والتغني بالمنجزات المجهرية للجالية لن يزيد الانهيار إلا حدة .. ولن يزيد الجيل إلا ضياعا..لا أنكر هنا ان ذلك كله قد يكون صادما جدا خاصة في ظل التغني المعتاد بمنجزات الجالية .. و لا أنكر أيضا اعجابـي و احترامي الشديدين لمن تمكن من الصمود و التوازن..لكن احترامي للأقلية الصامدة العاملة الفاعلة يجب ألا يكون أقوى من خوفي على الاكثرية..

في خضم ذلك فليتذكر المواطنون في بلداننا شيئا : أنهم يكادون يصيرون مهاجرين في بلدانهم بالتدريج، لأن قيم الأمركة هاجرت إلينا وتوطنت وأخذت الجنسية على رؤوس الأشهاد.. ربما الأرقام ليست بالسوء الذي هي فيه هنا.. لكن امنحوا لكل شيء وقتا وسترون..

إلا إذا …إلا إذا..إلا إذا حدث ما يجب أن يحدث..

إلا إذا .. تعرفون ماذا…

 

 


[i] SEX, DRUGS, AND DELINQUENCY IN URBAN AND SUBURBAN PUBLIC SCHOOLS

Jay P. Greene, Ph.D.

Senior Fellow, Manhattan Institute for Policy Research

Greg Forster, Ph.D.

Senior Research Associate, Manhattan Institute for Policy Research ,EDUCATION WORKING PAPER NO.4  JAN 2004 

كي لا يصير تمرُنا شيصاً..!

The Key To Successعن حديث “أنتم أعلم بأمر دنياكم”(2) : كي لا يصير تمرُنا شيصاً..!

د.أحمد خيري العمري – العرب القطرية

 http://www.alarab.com.qa/details.php?docId=76554&issueNo=452&secId=23

القراءة العلمانية المتناقضة لحديث “أنتم أعلم بأمر دنياكم” ستجعلنا نحاول قراءة الحديث من جديد لنتفحص معانيه ودلالاته التي قد لا تتحمل إطلاقا عبء بذرة العلمنة المزعومة..

الحديث صحيح بالتأكيد، و صيغته الأصح التي وردت في صحيح مسلم هي “ أَنَّ النبيّ -صلى الله عليه وسلم- مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ فَقَالَ « لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ ». قَالَ فَخَرَجَ شِيصًا فَمَرَّ بِهِمْ فَقَالَ « مَا لِنَخْلِكُمْ ». قَالُوا قُلْتَ كَذَا وَكَذَا قَالَ « أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ ». وفي صيغة أوردها الإمام أحمد عن أم المؤمنين عائشة أَنَّ النبيَّ – صلى الله عليه وسلم- سَمِعَ أَصْوَاتاً فَقَالَ « مَا هَذِهِ الأَصْوَاتُ ». قَالُوا النَّخْلُ يُؤَبِّرُونَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ « لَوْ لَمْ يَفْعَلُوا لَصَلُحَ ». فَلَمْ يُؤَبِّرُوا عَامَئِذٍ فَصَارَ شِيصاً فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ – صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ « إِذَا كَانَ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ فَشَأْنَكُمَ بِهِ، وَإِذَا كَانَ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ فَإِلَيَّ »..(و الشيص هو التمر الذي لم يتم نضوجه ) و ينبغي هنا أن نسلط عدة إضاءات على الحديث :

1-أن الحديث روي بأسانيد صحيحة عن السيدة عائشة وأنس بن مالك وطلحة، أي إنه على صحته يبقى في خانة أحاديث الآحاد التي على الرغم من أن كونها آحادا لا يعني عدم الأخذ بها ما دام سندها صحيحاً إلا أنها في الوقت نفسه لا يمكن أن تملك دوراً تأسيسياً كما هو ممكن مع الأحاديث المتواترة (معنى ولفظاً) وكما هو من باب أولى مع النص القرآني..

2- أن النص الصحيح خال تماما من عبارة “أمور دنياكم” التي تستخدم عادة وخاصة في المنطق العلماني، والنص الصحيح يحدد “أمر دنياكم” والفرق بين المعنيين كبير ويتجاوز مسألة “حرف أضيف سهوا”.. فعبارة “أمور دنياكم ” تخدم المعنى الذي يرومه العلمانيون أكثر من عبارة” أمر دنياكم ” التي وردت في السند الصحيح، علما أني لا أعلم سندا صحيحاً أو ضعيفاً وردت فيه عبارة ” أمور دنياكم” إنما هو مجرد استخدام شاع وانتشر، ورغم أن الأمر قد لا يكون أكثر من مجرد “سهو” ، إلا أني أحب أن أنبه هنا إلى أن الأستاذ طرابيشي كان في منتهى الدقة وهو يحدد أسماء الرواة ويعدد طرق الأسانيد، و هي الدقة التي فارقته في ذكر نص الحديث..، و لم يكن الأمر فقط في لقائه مع إسلام أون لاين الذي قد يقبل فيه الخطأ لاعتبارات فنية، إلا أن الأمر نفسه تكرر في كتابه سالف الذكر.. مما يبعد أمر الصدفة والسهو..

والفرق بين اللفظين كبير، والاستخدام العلماني يوحي للسامعين ( عموما ) أن الرسول أخبرهم أنهم أحرار في أمور دنياهم، أما اللفظ الصحيح فيتحدث لسامعيه عن أمر ” بعينه ..

3- سياق الحادثة التي وقع فيها الحديث يشير إلى مرحلة مدنية مبكرة غالبا، ذلك أن الرسول الكريم استغرب صوت التأبير وذلك أمر طبيعي إذا كان حدث في السنة الأولى للهجرة  فالمكيّون لا يعرفون هذه التقنيات الزراعية كما جاء في النص الذي أورده الطبراني في معجمه الأوسط : (قال فتركوا اللقاح فجاء تمر الناس شيصاً قال رسول الله ما أنا بزراع ولا صاحب نخل لقحوا) ومن المعلوم أن للتأبير فترة محددة (غالباً في بداية الربيع ) والمكي الذي لم يزر المدينة سابقا في هذه الفترة لن يعرف التأبير، لذا لا بد أن يكون الرسول عليه الصلاة والسلام قد سمع صوت التأبير في أول ربيع مرَّ عليه في المدينة ..

4- علينا أن نتنبه هنا إلى أن الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام لم ينهِهم بالضبط عن التلقيح، بل قال “لو لم يفعلوا لصلح “.. أي إنه لم يحدث نهي صريح، وكان لا يتحدث معهم مباشرة بدليل صيغة الغائب المستخدمة، والأمر هنا هو أنه كان يضع عملهم ضمن إطار السنن العام وآية “وأرسلنا الرياح لواقح “(الحجر 22).. وكان الهدف من هذا هو تعليم المسلمين عموما ( والأنصار خاصة باعتبارهم من كانوا يقومون بالتأبير، و كانوا أحدث عهدا بالإسلام من المهاجرين) تعليمهم أن الأمر لا ينتهي عند السنن الإلهية بل على الإنسان أن يستخدمها، أن يستثمرها، بل أن يتجاوز  ذلك وصولا إلى أن يكون جزءاً منها..

5- يتضح مما فعله الزراع من ترك التأبير أنهم كانوا يمارسون التأبير دون علم حقيقي وإدراك لما يفعلون أي إن الأمر كان أقرب إلى الصنعة والعادة منه إلى المعرفة العلمية المرتبطة بالملاحظة والتحليل والاستنتاج.. والحقيقة أن أي موعظة أو تنظير لِجَعْلِهم يفهمون الأمر حقا لن تكون بمنزلة الدرس العملي الذي تعلموه عبر خسارتهم التي حدثت في الموسم اللاحق.. ندما لم ينتج نخلهم سوى الشيص..

6-فلنلاحظ هنا مستوى التطور الذي حدث في نمط تفكير الفرد المسلم وخلال فترة وجيزة عبر المقارنة بين ما حدث في التأبير آنفا وما حدث في غزوة بدر عندما سأل أحد الصحابة الرسول الكريم” يا رسول الله، منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتعداه ولا نقصر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  بل هو الرأي والحرب والمكيدة “.. فتفكير المسلم خلال فترة قصيرة استطاع أن يستوعب الأمر ويطرح أسئلة بهذا العمق في مسائل بهذه الخطورة.. فالصحابي هنا فرّق بين الوحي المُنزَّل القاطع، و بين “أمر دنيوي ” تفصيلي، يتعلق بوسيلة تنفيذ الأمر القاطع.

7- من كل ما تقدم، يتبين لنا أن عبارة “أمر دنياكم ” الواردة في حديثه عليه الصلاة والسلام تشمل التفاصيل والوسائل التي عزل الرسول الكريم نفسه عنها ما لم يكن صاحب خبرة فيها، بعبارة أخرى الأصل هو المقصد والمقصد هنا هو الخلافة في الأرض وإعمارها والعمل ورفع الإنتاج فيها بشكل يكفي الجميع، أما وسيلة تحقيق ذلك فهو أمر يتغير من وقت لأخر، ومن مكان لأخر.. لو أن الحديث جاء في سياق يتعلق بما يتقنه أهل مكة من التجارة لكانوا هم هنا أعلم بأمر دنياهم، ولو كان الأمر يتعلق بما نفهمه من تقنيات الحاسوب لكنا نحن أعلم به.. الأمر هنا لا يتعلق بالمعرفة بمعناها الشمولي بل بعلم الوسائل والآليات فحسب،وهكذا فان التلقيح باستخدام الطائرات هو وسيلة أكثر نجاعة من التأبير اليدوي، وهو في النهاية أمر من أمور الدنيا يعلمه أهل زمان ومكان بعينه.. وكذلك فإن تقنيات التهجين الزراعية هي مما يدخل في وسائل تحقيق المقصد، وهي بالتالي من أمر دنيوي مما يعلمه أهل الخبرة في زمانهم.. بعبارة أخرى: الحديث يخص الوسائل والآليات التي تحقق المقصد ويحيلها إلى أهل الخبرة في كل زمان و مكان ما دامت لا تخالف نصا شرعيا محددا، و هو ما يجب أن نتذكره هنا إذ أنه عليه الصلاة والسلام لم ينههم قط عن التأبير..

ولكي نوضح الصورة أكثر، فإن حفظ القرآن الكريم كان مقصدا شرعيا منذ البداية، لكن آليات تحقيق هذا المقصد ووسائله تغيرت باستمرار ولا مشاحة في ذلك، فقد حفظ أولا في صدور المؤمنين، ثم على جريد النخيل، ثم جمع في مصحف واحد، ثم تفنن المسلمون في كتابته بنماذج فنية فريدة، وبقي الوراقون ينسخونه بأيديهم، ثم دخل مرحلة الطباعة التي كانت حجرية أولا ثم صارت حديثة صقيلة، ثم دخل مرحلة الأقراص المدمجة وهاهو اليوم يصير كتابا صوتيا تستطيع أن تنصت له وأنت في طريقك إلى جامعتك أو مدرستك أو عملك.. وكل هذه مجرد وسائل وآليات قصدها عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث.. وأهل كل زمان و مكان أعلم بها من غيرهم..

ضمن هذا الفهم كله لا أجد الحديث يفتح “الثغرة” التي يرجوها العلمانيون في علاقة الإسلام بالدنيا بقدر ما يشدد على تكامل وشمولية العلاقة بينهما..

أكثر من هذا لا أجد في الحديث بذرة العلمنة التي أكد الأستاذ طرابيشي وجودها، بقدر ما أجد فيه بذرة أخرى، لكنها ليست بذرة افتراضية في نص منعزل ومنفرد، بل موجودة في منظومة النصوص المتكاملة، بذرة تعلمنا كيف تتكامل الوسائل مع المقاصد، كيف نجدد الوسائل من أجل ضمان الحصول على المقاصد..

الحديث في هذا السياق ينبهنا إلى الكيفية التي يمكن من خلالها أن تنمو البذرة لتصير نخلة شامخة تخرج تمراً رطبا جنيا.. بالذات يحذرنا من أن يصير تمرنا شيصاً.. وهو التمر الذي لم يتم نضوجه والذي بلا نواة غالبا.. والشيص لا ينتج إلا عندما نتخلى عن الوسائل، أو عن تجديدنا لها،.. أو نتركها تماما بانتظار ما لن يأتي..

و بعد كل شيء، ألم تكن مشاريعنا المعاصرة في أغلبها مشاريع لم تنتج إلا الشيص..ألم يكن الشيص هو حصاد التجارب المريرة موسماً بعد آخر؟ أليس ذلك منطقيا جدا

بناءاً على ما سبق: هل يمكن أن ينتج غير الشيص من كل ذلك: من ذلك التخلي عن الوسائل والآليات، أو التخلي عن تجديدها، أو الاكتفاء بالآليات دون النظر إلى الغايات والمقاصد ، أو التخلي عن الاثنين معا واستيراد وسائل وغايات جاهزة نتصور أنها يمكن أن تنمو في تربتنا كما فعلت في تربتها الأصلية..

ماذا سوى الشيص يمكن أن ينتج عن ذلك كله..؟  و ماذا سوى أن نعيد النظر بوسائلنا ونتمسك بثوابتنا من أجل أن تثمر مقاصدنا .. كي لا يكون الشيص حصاد الموسم القادم …

 

 

 

“كُفَّ عن التذمر، و أبدأ بالثورة ..”

 

“كُفَّ عن التذمر، و أبدأ بالثورة ..”

د.أحمد خيري العمري-القدس العربيdali-egg4 19-3-2009

كنت مارّا بسرعة في الحي الصيني في واشنطون عندما استوقفني منشور يوزعه أحد الشباب أمام إحدى قاعات السـينما، المنشور كتب عليه :”كف عن التذمر ، و ابـدأ بالثــورة!” Stop bitching and start revolution!” و الـ bitching   في لغة الشارع وفي هذا السياق تعني المشاكسة، المناكفة، والتذمر أكثر مما تفيد المعنى الآخر، الأكثر شهرة لهذه الكلمة في عالمنا العربي بسبب سيطرة المعنى البذئ عبر الأفلام الامريكية..

رجعت إلى الشاب وسألته عن المنشور، بدا سعيدا جدا بالاهتمام وكان من الواضح أن ذلك نادر جدا معه، كان شابا لعله في أوائل العشرينات من عمره، يشبه كل الشباب في عمره في العالم لولا القرط الذي في أذنه اليسرى ( كان ذلك يعني في السابق أن الشخص المعني شاذ جنسيا ولكن الآن اختلطت الأمور بشكل يصعب  تحديد ذلك!)..

تحدث عن المنشور  بحماس تشم منه رائحة الصدق، ولكن للأسف لا يمكن إلا أن تشم رائحة أشياء أخرى أيضا..

قال إنه ينتمي لمجموعة تدعو للثورة ضد النظام العالمي الذي يستعبد النوع الإنســاني كله  ويشن الحروب من أجل حصد المزيد من الأرباح..

ما كان يمكن لأحد أن يكون أكثر موافقة له مني… ولكني سألته من أنتم بالضبط ؟ ماذا تفعلون من أجل الثورة؟

التمع القرط  في أذنه وهو يقول إنه فنان من مجموعة من الفنانين في مختلف المجالات، يستخدمون فنهم في تحريض الناس على الثورة ضد النظام  العالمي الذي يرزحون تحت أغلاله..

حسناً جداً، إنه الفن من أجل الثورة إذن! و لكن ماذا بعد؟ ما هي هذه الثورة؟ فهمنا أنها ضد النظام “الرأسمالي” القائم ( لم يستخدم هذه الكلمة ربما لكي لا يصنف أنه يساري لكن كان يحوم حول معانيها) ولكن ما البديل الذي يطرحونه؟ ما هي وسائل هذه الثورة وما أهدافها أصلا؟

هنا بدا أقرب الى الارتباك منه الى الحماس، و بدا كما لو أنه لم يحفظ الدرس جيدا أو لم يفهمه، تحدث شيئا عن توازن الإنسان مع البيئة، و عن “الناس يمشون في الشوارع كما لو أنهم خرجوا للتو من فلم سينمائي جميل”، وعن السلام والأخوّة بين البشر.. كان من الواضح “أنهم” لم يقولوا  له ما يجب أن يقول أو يفعل عندما تحدث الثورة.. وأن السؤال ربما لم يخطر في باله.. إنها ثورة والسلام !

لاحقا ، عندما تصفَّحت المجلة التي  باعني إياها اكتشفت “أنهم” هم أيضا لا يعرفون ماذا  سيفعلون ربما لأنه لا يوجد هناك شيء لفعله! حتى إن المؤسسين للمجموعة ( وواحد منهم له مؤلفات وطلّة بوهيمية كما يجدر بمفكر حر أن يملك!) لا يقترحون البدائل، هناك حديث عن “توازن الإنسان مع البيئة” واستهلاك أقل  للطاقة ، وحديث عن الفن الذي ينتجونه (فن إلكتروني بعيد تماما عن سائغتنا وتذوقنا) ولكن لم تحقق المجموعة شيئا غير مزرعة جماعية في واحدة من الولايات الجنوبية، ومن مقترحاتهم العملية  السماح للأطفال بالمشاركة في التصويت للانتخابات ( لِم لا؟ هل سـيكون الأمر أسوأ! كما لو أن البالغين بالغون حـقا ويمتلكون قرارهم بمعزل عن عملية غسيل الدماغ الجماعية التي يقوم بها الإعلام!)

لا شك عندي أن بعض هؤلاء الشباب جادون في ثورتهم وفي تمردهم على مجتمعهم لكن لا شك عندي أيضا أنهم بعيدون جدا ليس عن تحقيق أهدافهم فحسب و لكن عن عن كل الوسائل التي تحقق لهم ذلك.. إنهم لا يمتلكون حتى القدرة على قيادة إضراب عن العمل للضغط على المؤسسات القائمة، لسبب بسيط جدا: أنهم في أغلبهم عاطلون أصلا عن العمل!!

إنهم لا يريدون سوى “الثورة “!! لكن ماذا بعد؟ ماذا بعد أن نثور ونحطم الأغلال التي تشدنا الى “النظام القائم”؟ ما البديل؟ هل سنعيش في اللانظام؟ هل ستنظم الأمور نفسها بنفسها؟ هل هي الفوضى الخلاقة مجددا؟!..

أليس عدم وجود البديل سببا أساسيا في فشل ثورات من هذا النوع ؟ بل ألا يمنح ذلك قوة إضافية  للمؤسسات القائمة لأنها ستبدو على الأقل متماسكة وواقعية رغم ثغراتها وعيوبها.. بينما ستبدو تلك الدعوات إلى الثورة مراهقة فكرية لا أكثر ولا أقل..

هذه الحركات الثورية التي تنتشر بين بعض الفئات (خاصة الشباب) ليست ظاهرة حديثة، بل يمكن القول إنها نشأت وتطورت مع تطور المجتمع الغربي على النحو الرأسمالي خاصة في المرحلة التي تلت الحرب العالمية الثانية ، ولكن هذه الحركات كانت تذوب دوماً  داخل التيار الاجتماعي العام وتمكنت المؤسسات القائمة ليس من القضاء عليها فحسب بل تجنيدها أحيانا ضد أخطار أكثر جدية ( مثل الشيوعية أبّان مدها ) أو استغلالها لحصد المزيد من الأرباح.. وهكذا كانت ثورة الهيبيين في الستينات أوضح مثال.. فقد كانت الحركة الهيبية في جوهرها تمردا ضد نمط الحياة الرأسمالية ( وامتصت بذاك جزءا كبيرا من الزخم المعادي للرأسمالية الذي كان يمكن أن يدعم الشيوعية)، لكن هذا التمرد لم ينتج غير حياة تمرغت في أوحال المخدرات وعقاقير الهلوسة والجنس ( بالإضافة الى سمتين أكثر وضوحا: الشعر الطويل وعدم الاغتسال !).. وهكذا كان البديل الهيبي عابرا مثل فقاعة وسرعان ما تمكنت المؤسسات من احتوائه داخل أجنحتها بل والاستفادة من رموزه الفنية (فريق الخنافس – البيتلز – مثلا الذي بدأ ممثلا لثورة الشباب ثم سرعان ما صار أعضاؤه جزءا من النخبة الرأسمالية التي حققت أعلى الأرباح من الأسطوانات على أيدي هذا الفريق)..

 وسرعان ما تحول  الجيل  الشاب الجديد من هيبية  الستينات، إلى موظفين  في ذات المؤسسات التي ثار عليها الجيل السابق لهم ( والتعبير السائد هو أنهم تحولوا من hippies  الى yuppies  وهي الكلمة المضادة الساخرة المؤلفة من الأحرف الأولى من young urban professionals  أي “موظفين شباب في المدينة”  بعدما قدّم الهيبيون أنفسهم كمتمردين في العراء بين الاشجار و الحشائش.. ) واليوم صار الهيبيون مجرد ذكرى لظاهرة فنية أنتجت أغاني دخلت الأرشيف و نمطاً من الملابس لم يعد يرتديها أحد..

لكن حذار! فهذا ليس مصير الهيبيين وحدهم! بل هو مصير أي حركة ثورية تركز على فكرة التمرد، و على شعارات التمرد، وعلى الترويج للتمرد والهدم عبر أفضل الأساليب (= الفن) أكثر مما تركز على ما تريد بناءه بعد الهدم ..

 أي حركة “تنادي بالتغيير” لن تكون أكثر من مجرد شعار يخدم المؤسسات القائمة ما لم ترتبط هذه الحركة بمشروع فكري متكامل يحاول أن يقدم البديل أو يرسم ملامحه.. بدلا من أن يتغنى بالشعارات الفضفاضة ويهجو ما هو قائم ..

قد تكون بعض شعارات التغيير والثورة جميلة وبرّاقة ومبدعة.. لكن ذلك كله لا يكفي “لصنع التغيير”على الإطلاق..

 ويجب أن يذكرنا الأمر بشيء آخر.. قد يكون مبدعا وجميلا، لكنه كان يهيم على وجهه بين الوديان، دون أن يحاول تعبيد الدرب للخروج من متاهة الوديان..

“وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ *وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ * إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا……”

 

الشعراء 224-227

ربما كانت الآية في سياق نزولها التاريخي تتحدث عن حركة الصـعاليك في الجاهليــة، وثوارها الشعراء الذين لم تكن حركتهم أكثر من” صعلكة ” ثورية  أنتجت شعرا جميلا لا أكثر ولا أقل..

 لكن أليس هذا التوصيف صالحاً لكل زمان ومكان؟؟ ألم تكن الكثير من الحركات الثورية مجرد حركات “صعلكة” لم يبق منها سوى الفن الذي أنتجته ( الهيبية ، الوجودية ..الخ)..

ومرة أخرى حذار! فبعض الحركات الإسلامية قد تسقط في نفس الفخ الشهي، فخ الشعارات الجميلة المفرغة من المضمون والعمق و  التخطيط للتحقيق..

 يمكن بسهولة أن أقول للشاب ذي القرط اللامع في الحي الصيني: إن “الإسلام هو الحل” لانه الحل فعلا  لمشاكله ومشاكلي ومشاكل النوع الإنساني ككل، لكن ذلك يجب أن يرتبط بمشروع فكري واقعي متكامل.. وليس بمجرد الشعارات والأناشيد.. ليس بمجرد الدعوة الى تحطيم ما هو قائم..فذلك نذير بالفشل و الذوبان فيما هو سائد..

بعض الحركات الأخرى، المحسوبة أيضا على التيار الإسلامي”التجديدي”، بذلت جهودها في تفكيك ما هو قائم و سائد من مفاهيم، دون أن تبذل جهوداً مماثلة في تركيب مفاهيم بديلة وتأصيلها بربطها بالنص الديني.. وهذا مرة أخرى نذير مبكر بالفشل الحتمي.. ولن يصب إلا في خدمة المفاهيم السائدة بطريقة أو بأخرى.. بل إنه سيزيد من قوة المؤسسات القائمة وحصانتها لأن كل”فشل” لن يكون مجرد فشل للثورة، بل سيكون نجاحا لهذه المؤسـسات ولرصيدها المتراكم..

أي حركة تركز على الشعارات أكثر مما تركز على المضمون، و تصب جهودها في الهدم بمعزل عن البناء، لن تكون أكثر من صعلكة شعرية فنية في أحسن أحوالها، أو مجرد مشاكسة، مناكفة.. تذمر.. لكنها ليست الثورة، وبالتاكيد ليست النهضة..

وللتوضيح فقط  ولكي يطمئن الرقيب الذي صار يسكن أقلامنا : الثورة التي أتحدث عنها لا علاقة لها من قريب أو من بعيد بما يفهمه هو من الثورة.. أي بالانقلابات العسكرية وبالبيان رقم واحد المعتاد..

ولكن لا داعي للشرح له لأنه لن يفهم بكل الأحوال… فليطمئن فقط أنها ليست خطة انقلابية!

..أنها الثورة !

وسيفهم عندما تحدث!

 

 

ذكورية التربية في المجتمعات العربية : سهير علي أومري

ذكورية التربية في المجتمعات العربية

سهير علي أومري

يقول المتنبي:

وَمَا التأنيثُ لاسم الشمسِ عَيْبٌ ولا التذكيرُ فخرٌ للهلال

 

مواقف وعبارات نراها ونسمعها في مجتمعاتنا وأسرنا العربية تتكرر أمامنا كل يوم تتعدى موقف الفرح عند إنجاب الولد والحزن عند إنجاب البنت، وتتعدى افتخار الحامل بالذكر على الحامل بالأنثى، والإكرام الذي تحظى به الأولى من قبل المجتمع إلى قضية أهم وأعمق تأثيراً، وهذه المواقف تتلخص في تربية الولد أي الذكر بطريقة تعزز فيه أنه أعلى درجة من الأنثى وأنه مقدم عليها في الحقوق ومقدم عليها في الصلاحيات هذه القضية التي تسود أسرنا العربية على نحو شائع وبطرق عديدة تتجلى في مواقف مختلفة منها المواقف التالية:

منذ أن يبدأ الطفل (الذكر) بالتمييز والإدراك وقبل أن يتجاوز عامه الرابع أو الخامس كثيراً ما نسمع من والديه عبارات يزرعانها في نفسه تتأصل جذورها لتمتد وتمتد ثم تؤتي أُكُلَها مع تقدُّم سنّه، فعندما يتشاجر الطفل مع أخيه مثلاً ويبكي يقولان له مستنكرَين: “أهكذا يبكي الرجل” وعندما يبدي خوفاً من أمر ما يقولان له: “الرجل لا يخاف” وربما يهددانه بأن يضعا له قِرطاً في أذنه ليصبح مثل البنت لأنه يخاف، أما عندما يقع ويتألم ويبكي فيحاولان أن يشدّا أزره ويشجعاه بقولهما: “أنت مثل فلانة الطفلة… ما هذا!! أنت تبكي!! الرجل لا يبكي” وإن قام الطفل بعمل متميز كأن نجح في تركيب المكعبات فصنع بيتاً، أو رسم بضعة خطوط على الورقة، أو قام بترتيب غرفته، أو ذهب إلى سريره لينام ولم يخف من الظلمة، فيكون الثناء عليه بأنه أصبح رجلاً حقاً وأثبت ذلك بجدارة، وفي كل مرة تُلفط أمامه كلمة رجل تلفظ بطريقة “أبو شهاب وأبو عصام” نفسها يعني بتشديد الجيم ومد الألف لتصبح (رجّــاااال)، وفي كل مرة يودّان فيها توبيخه أو تعنيفه تكون بتشبيهه بالأنثى أو تهديده بأن يصبح أنثى….

وينمو هذا الأمر ويتفاقم مع تقدم الطفل (الذكر) في السن فعندما يصبح فتى يافعاً، فحدّث ولا حرج عن قائمة المسموحات التي يتمتع بها الولد التي تُمنح له لا لشيء إلا لأنه ولد، عدا عن ردود الفعل التي يلاقيها تجاه أخطائه والتي تكون بسيطة جداً فيما لو كان الذي ارتكب الخطأ ذاته بنتاً، فمن السماح له بالخروج والتأخُّر عن المنزل والدراسة عند أصحابه إلى تقبل محاولته للتدخين وغيرها…. ويغيب عن الوالدين أمر هام أن انحراف الولد لا يقل خطورة عن انحراف البنت أبداً بل ربما كانت له نتائج اجتماعية تؤدي إلى هلاك الفتى والقضاء على مستقبله تماماً، وكثيراً ما سمعنا عن فتيان تم الإيقاع بهم في مستنقع الرذيلة والمشكلات السلوكية والأخلاقية وقضي على مستقبلهم بسبب الصلاحيات التي كانوا ينالونها في أسرهم وعدم الاكتراث لأخطائهم والمبادرة إلى علاجها لا لشيء إلا لكونهم ذكوراً يحق لهم ما لا يحق لأخواتهم من الإناث.

مع أن الله تعالى في محكم تنزيله لم يفرق بين الذكر والأنثى لا في التكليف ولا في الحدود ولا في الأجر والحساب، فكلاهما في الأجر والمثوبة سواء قال تعالى: مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40)” غافر

وكذلك كلاهما في العقوبة والحساب سواء فالله تعالى لم يجعل خطيئة الرجل أياً كانت أهون من خطيئة المرأة قال تعالى: “لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (73) الأحزاب

أما في السلوك والأخلاق فقد أمر الله تعالى كلاً من الذكر والأنثى بالالتزام بحدود الله على حد سواء فمثلاً أمرهما بالابتعاد عن مقدمات الزنا والالتزام بالعفة والفضيلة وقال تعالى: ” قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ… (31)” النور

ولم يعل الله تعالى خطيئة الزنا فاحشة للمرأة وذنباً صغيراً للرجل بل جعل الله تعالى عقوبة الزنا للذكر مثل الأنثى تماماً قال تعالى: “ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ… (2)” النور كما جعل عقوبة السارق مثل عقوبة السارقة تماماً

ويتعدى الأمر خطورة عندما يشبّ الفتى ويصبح رجلاً ناضجاً (في السن) إذ يترسخ في نفسه أن نعته بالمرأة إنما هو سبة رديئة، بل أكبر سبة توجه له، وبالتالي فإن أراد أن يسب أحداً فأوجع كلمة يوجهها له أن ينعته بالمرأة… وكذلك فقد شاع في مجتمعاتنا أن من عبارات الثناء على المرأة بأن يقال لها: “أخت رجال” ناسين أن الكثير من الصفات التي يزعم الرجال أنها تخصهم دون النساء كثيرون منهم يفتقدونها وما ذلك إلا لأنها صفات إنسانية منها ما يكون مكتسباً بالفطرة أي موروثاً ومنها ما يتحلّى بها الإنسان (ذكراً كان أو أنثى) بسبب عوامل اجتماعية وبيئية يعيشها، فالشجاعة مثلاً صفة إنسانية لا علاقة لها بالمرأة والرجل، ولربما تمتعت بها المرأة إلى حد يفوق الرجل بدرجات، وكثيرة هي القصص التي تحدثنا عن شجاعة النساء عبر التاريخ منها قصة صفية بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم عندما قتلت ذاك الذي اقترب من حصن النساء في غزوة الخندق بينما لم يستطع الصحابي الجليل والشاعر الكبير حسان بن ثابت أن يقترب منه ليدافع عن النساء المسلمات حتى لم يستطع الاقتراب منه بعد قتله ليأخذ سلاحه، وقبل كل هذا لم يقدر أن يخرج مع المسلمين لمواجهة العدو لما كان يفقده من الشجاعة ورباطة الجأش وقوة القلب مع أن أحداً لا ينكر قوته وجرأته في مواجهة المشركين من أهل مكة ولكن شجاعته كانت تكمن في شعره فقط…

ومثل الشجاعة صفات أخرى كثيرة يظن الرجل أنها ترتبط بالرجولة وأنها حكر عليه فقط، ولكنها في الحقيقة صفات إنسانية من الممكن أن تتحلى بها المرأة كما يتحلى بها الرجل تماماً، كالحكمة في إدارة المواقف والتعامل مع الأمور، والشهامة والنخوة، والحزم، واتخاذ القرار، والوفاء بالوعد كما يقولون (كلام رجال)…..

ويرفع الكثيرون من الرجال في مجتمعاتنا راية تفوّقهم على الأنثى بأن الله تعالى جعل للرجل عليها درجة متذرعين بقوله تعالى: ” وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228)” البقرة، ولكن من المناسب أن نوضح أن هذه الدرجة التي جعلها الله تعالى للرجال على النساء إنما هي درجة تكليف وليست درجة تشريف إنها درجة تقضي بأن يكون الرجل قوّاماً على أمور المرأة ومسؤولاً عنها ليقوم بحاجاتها ومتطلباتها وينفق عليها وليس بأنه يفضلها ويفوق عليها بأصل تكوينه وخلقه….

وقفــة حســاب:

فما أجدرنا ونحن على أبواب نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة أن نعيد التفكير في طرق معاملتنا لأبنائنا والأسس التي ننشئهم عليها، وأن نزرع فيهم احترام الأنثى وتقديرها والاعتراف بما منحها الله تعالى من صفات وقدرات، وترسيخ مبدأ هام في نفوسهم وهو أن الصفات الإنسانية الحميدة أو القبيحة لا تتعلق بالذكر والأنثى، وإنما هي صفات موروثة أو مكتسبة يتصف بها كل منهما بحسب أسرته وبيئته، أما ما اختُصَّ به الذكر فإنما هي صفات جسدية، وبالمقابل فقد اختصت الأنثى كذلك بصفات جسدية تميزها على الرجل، فكل منهما خصَّه الله تعالى بصفات معينة وما ذلك إلا لغاية عظيمة وهي عمارة هذه الأرض واستمرار الحياة عليها….

تهنــئة:

وما أجدرنا بأن نعزز مكانة الأنثى التي هي نصف المجتمع وتلد وتربي النصف الآخر، ويطيب لي في هذا المقام أن أتوجه إلى كل رجل ولدت له أنثى لأنقل له عبارات تهنئة بليغة وردت في كتاب معاهد التنصيص على شواهد التلخيص لمؤلفه: “العباسي” جاء فيها: ” أَهلاً وسهلاً بعَقيلة النساء، وأم الأبْناء، وجالبة الأصهار، والأولاد الأطهار، ومبشرة بأخوة يتناسَقون، ونجباءَ يَتلاحَقون. فادَّرع يا سيدي بها اغتباطاً، واستأنف نشاطاً، فالدنيا مؤنَّثة، والأرض مؤنَّثة ومنها خلقت البرية، وفيها كثرت الذرية، والسماء مؤنَّثة، وقد زينت بالكواكب، وحليت بالنجم الثاقب، والنفس مؤنَّثة، وبها قوام الأبدان، ومِلاك الحيوان، والحياة مؤنَّثة، ولولاها لم تتصرف الأجسام، ولا عُرف الأنام، والجنة مؤنَّثة، وبها وُعِد المتقون، وفيها ينعم المرسلون، فهنيئاً هنيئاً ما أُوليتَ، وأوزعك الله شكر ما أُعطيتَ….”

 

 

 

بريد استثنائي من قارئ استثنائي..

401770711_1c48f5ee871بريد استثنائي من قارئ استثنائي ..

د.أحمد خيري العمري

لكل كاتب قارئه الافتراضي الخاص به ، قارئٌ ما يسكنه ، يساكنه ، يحاوره ، يوافقه على رأيه (غالبا!) أو يعترض عليه في كل جملة كالوسواس الخناس..

لكل كاتب قارئ افتراضي يسكنه و يتلبسه كالقرين..لا مفرَ منه ..له ايجابياته و لكن له أيضا سلبياته..ذلك أنه إذا تساهل كثيرا و تمادى في الثناء فأنه سيجعل ذلك الطاووس الموجود في أعماق كل كاتب يتضخم أكثر مما هو مقبول و ربما يتحول الطاووس الى أخطبوط هائل الحجم يقتل اول ما يقتل صدق الكاتب و بالتالي موهبته..

أما إذا تمادى في العكس ، في النقد و التقريع و عدم الرضى ، فأنه سيحبط الكاتب و يجعل كتاباته حبيسة أدراجه ، أو -و هو الاسوء-  حبيسة صدره..

القارئ الافتراضي يمثل القارئ الذي يتصور الكاتب أنه يكتب له ، و يتصور ان ما يكتبه سيؤثر عليه ، يجعله يتغير ..يجعله يغير أفكاره على الاقل..سيجعل حياته تأخذ منعطفا آخرا..

حياته ( ق . ك) “قبل الكتاب” لن تكون مثل حياته (ب.ك) “بعد الكتاب”…

قارئي الافتراضي الاول كان من الصنف الثاني الذي يتمادى في النقد لدرجة الاحباط ، و قد جعلني أكف فترة عن الكتابة ، بأصراره الدائم على الكمال الذي هو خارج نطاق القدرة البشرية ، لكني سرعان ما تخلصت منه ، فقد كان من نعم الله علي انه جعلني اتزوج أفضل إمرأة يمكن لكاتب ان يحظى بها ..و بدلا من ان تقوم بالحيل و المكائد التقليدية التي تعزل زوجها عن امه مثلا ، فقد قامت بطرد القارئ الافتراضي ، و حلت هي محله ، بل أذكر انها هددتني  بالويل و الثبور عندما لمست عندي رغبة في “إعادة كتابة” كتابي الاول..( تمت اعادة الكتابة لاحقا و لكن تحت عهود و مواثيق بعدم الاستمرار في  في ذلك الى ما لا نهاية!)

 

 و هكذا فان القارئ الافتراضي تم إبداله بقارئ حقيقي ، لا أنكر ان هذا القارئ قد يكون متحيزا ، متحمسا لهذا السبب او ذاك لكن طالما كان ينتقد هنا و هناك أيضا ( كما هو الامر معي و مع زوجتي ) فأنك تستطيع ان تؤمن بوجود حد أدنى من المصداقية..

الفرق الاساسي بين القارئ الحقيقي و القارئ الا فتراضي هو ان الاول يقارن مع كتب اخرى ، لا يركز على الامور الصغيرة و تفاصيل الهوامش ، اما القارئ الافتراضي و لنه يعيش في عالم إفتراضي ، فانه لا يقارن بل يطالب بالكمال بالمطلق المستحيل و يدخل في متاهة التفاصيل و يضيع في متاهة صنعها بنفسه ( بعض القراء الحقيقيين يفعلون ذلك أيضا و ذلك لأنهم يعيسشون في عالم إفتراضي ايضا و لكن هذا موضوع آخر..)

و هكذا فقد حل القارئ الحقيقي محل الافتراضي ، ليس مع زوجتي فحسب ، بل  استطيع ان أقول اني قرأت البوصلة كله ،  و لكن بالتدريج ، بصفحاته الستمائة ، على صديقي زيد..عبر الهاتف!

كما ان سلسلة “ضوء في المجرة” كان لها جمهورها الصغير ، المكون من زملائي و من زملاء زوجتي في العمل ، و كان هؤلاء يقرأون – غالبا- قبل ان يقرأ الشخص الذي كتبت السلسلة له..

و كان هـذا كـله قـبل صـــدور كتـابي الاول..
مع صدور “البوصلة..” لم يعد الامر مرتبطا بقارئ افتراضي تم طرده من حياتي لكي أستمر بالكتابة ، و لا بقارئ حقيقي هو زوجتي أو اصدقائي..بل صار يتعلق بقارئ لم اعرفه من قبل ، لم اره و لم ير مني غير كتابي الذي دفع ثمنا  له..و لا يملك سببا او دافعا للمجاملة او الدعم..كما قد يفهم من زوجتي أو اصدقائي..

منذ أول رسالة من قارئ استلمتها بعد حوالي 6 اشهر من صدور كتابي الاول و انا أتفاعل مع تفاعل القراء معي..أفهم جيدا ان كتّابا ربما يكونون أفضل مني مرّوا على الارض دون أن يجدوا قارئا واحدا يثني عليهم في رسالة..أفهم ان هذا قد لا يعود لموهبتي المفترضة بقدر ما يعود لتوقيتها..حيث تزامنت مع الانفجار الهائل اذلي حدث لوسائل الا تصال ، و صار من السهل جدا على أي قارئ ان يتواصل مع كاتبه و يبوح له بكل ما يريد و هو أمر كان اكثر تعقيدا و صعوبة حتى عقدين ماضيين..

بكل الاحوال..و لأن نتاجي تنوعت أشكاله ، فقد استلمت رسائل  من اجيال مختلفة ، استلمت رسائل من مراهقين في السادسة عشر ، و من شيوخ في عقدهم السابع ، من طلاب  صغار في الجامعة ، و من أم قرأت لبناتها الصغيرات كتابي..(أي ان التصنيف العُمري لقرائي كان يشمل الاعمار من 7 الى 77!!)..

استلمت رسائل من من موظفين يحتلون مناصب مرموقة ، كما من مهنيين كسبة قالوا أنهم تعلموا الدخول على الشبكة فقط لكي يرسلوا لي تلك الرسالة..

بعض هؤلاء القراء تجاوز منزلة القارئ ، على اعتزازي بها ، الى منزلة الصديق المقرب الذي أثق برأيه و نقده ، بل صار هناك حلقة ضيقة منهم ترى نتاجي و تنقده و هو في مراحله الاولية..و هناك سيدة جليلة ، لم تعد قارئة و ناقدة و مستشارة فحسب ، بل صارت بمثابة الام الروحية لي..أدامها الله لي و لبقية اولادها..

إذن لا شكوى لدي إطلاقا ، فقد أنعم الله علي بذلك التواصل المضئ الذي قد يكون العزاء الوحيد الذي يحصل الكاتب عليه في هذه الارض ، فدرب الكتابة فد يكون موحشا ..و الهدف قد يبدو بعيدا لدرجة أن الاحساس باللاجدوي يكون الاحساس المنطقي الوحيد ..و لكن  يأتي “بريد القراء” بين الحين و الاخر ليمدنا – بفضل الله- بتلك الاشارات أن أستمر..أنك لست وحدك..

إذن كان القارئ الحقيقي ، بالنسبة لي ، أفضل بكثير ، ليس فقط من قارئي الافتراضي الذي بدأت معه ،بل من أي  قارئ افتراضي يرغب فيه أي كاتب ! .. لقد كان كما أريد .. و كما أفترض..و اكثر!

و كل هذا مجرد مقدمة لما أريد قوله الآن ..

فقد وصلتني مؤخرا رسالة من قارئ  بالنيابة عن مجموعة من القراء.. رسالة ما تخيلت اني سأستلمها او اتشرف بقرائتها في حياتي..بل لم أفكر يوما ان كلماتي ( في هذه المرحلة) ستتمكن من الوصول من حيث كتبوا..خلف الاسوار المحصنة..خلف القضبان ..خلف جدران سجون الاحتلال..

نعم! إانها منهم .من الاسرى هناك ..بعثوا برسالة بلا توقيع ، من خلال شقيق واحد منهم ، قالوا فيها ما قالوه ..و قالوا أيضا أنهم يتدارسون احد كتبي و طلبوا “الاذن” باجراء بعض التعديلات لأغراض الدراسة..

كل من راسلني ، و كل من تمنيت يوما ما أن يراسلني كان في واد ..و هؤلاء كانوا ليس في واد آخر ..بل على قمة جبل شاهق..

أقول : يا لبؤس اللغة ! بل يا لبؤسي ! لأن أبجديتي تقف خجلة و هي تحاول ان تعبر عما أريد قوله الان ..ليس فقط لأن كلماتي اخترقت الجدران ، و كنت اعتقد ان ذلك لا يمكن أن يحدث الا بعد فترة طويلة و بعد رحيلي أيضا ..و لكن ايضا لأن كلماتي فهمت تماما..فهمت في سياقها الصحيح و حيث يجب ان تفهم..ذلك أني لم اكتب تقريبا في القضية الفلسطينية بشكل مباشر..و لكن كل ما كتبته كان يصب فيها بشكل أو بآخر..ذلك ان القضية في جوهرها ترتبط “بتخلفنا” مقابل “تقدمهم”..و بتخلفنا أقصد تخلفنا عمّا يجب ان نكون ، عن قيمنا ، عن كتابنا..و بذلك تكون النهضة..النهضة الشاملة الحقيقية ، من الالف الى الياء، هي الحل الحقيقي للقضية الفلسطسينة ، بمعزل عن كل الحلول الجزئية الاخرى التي جرّبناها و تجرّعنا نتائجها..

فرحت بالرسالة كما يفعل العشاق برسائلهم..و تكتمت عليها كما يفعلون ، أرسلتها لقارئي الحقيقي الاول ( زوجتي ، كما لا يفعلون!)..

لكن بعد الفرح وجدت نفسي أمام عبء جديد ..هؤلاء القراء ليسوا أفضل مني كشخص فحسب ( هذه سهلة!) بل ربما هم أفضل منا جميعا..لقد جسروا تلك الهوة التي نسقط فيها بأمتياز ، الهوة بين الفكر و السلوك..قدموا حريتهم مصداقا عمليا لأفكار نتحدث نحن عنها في الصالونات و على صفحات الجرائد و الكتب..

ذلك كله يضعني و يضع أحرفي أمام مسئولية جديدة ..أمام ذلك الجسر الذي يفصل بين الفكر و السلوك ، بين الكلمة و التطبيق ، بين الهدف و التحقيق..

أتمنى مخلصا أن أكون على قدر تلك المسئولية..أن تكون حياتي ب . ب (بعد  بريدهم) مختلفة عن حياتي ق . ب ( قبل بريدهم )..

لهم ليس أذني فقط كما طلبوا..

بل   لهم،  ( بالعراقي )،  عيني ..و ماء عيني..