“الإعلام “افيون الشعوب

“الإعلام” أفيـون الشـعوبbrain-wash2

د.أحمد خيري العمري- القدس العربي

صبيحة  ما يعرف بعيد الحب” طالعتنا وسائل الإعلام المرئية في الولايات المتحدة بخبر حزين نغص على العشاق فرحتهم و جعلهم يشعرون بأن هناك في هذا العالم شئ آخر غير الورود الحمراء و الهدايا التي يتبادلونها في عيد الحب..

الخبر الحزين كان ترتيبه الثاني بعد خبر غير مهم عن الجدال بين أنصار اوباما و معارضيه في الكونغرس عن تمرير مشروع  الأنقاذ الاقتصادي ..

الخبر الحزين كان عن سرقة “كلب” في ضواحي واشنطون ، الحادثة مر عليها اكثر من ثلاثة أيام  و بذلك اكتسبت الحق في اعتبارها حادثا يستحق الاهتمام و الاحتمالات الجنائية..تأخذنا الكاميرات الى مكان الجريمة ، حيث قفز السارق المفترض من السياج ، و سيشار لنا إلى آثار مروره على ارض الحديقة  ( لن نلاحظ شيئا طبعا) و سيحدد لنا موعدا تقريبيا لوقوع الحادثة الاليمة ثم سنرى صاحب الكلب و هو يتحدث بتأثر بالغ ( لم نعد  نستطيع مواصلة حياتنا ، لا ناكل و لا ننام ، كما لو ان هناك موت في العائلة!)..قد نتخيل ان الكلب المسروق هو من “كلاب الزينة”.. لكن صـورة الفقيد بين اعضـاء الاسرة ستنفى ذلك الخاطر جـذريا ، فالكلب هو كلب بمعى الكلمة ، مع علاقة قرابة مؤكدة بفصيلة الذئاب ، كلب لن يمكن سرقته بسهولة حتى لو تم تخديره( لم يتحدث احد عن اثر لتخدير بالمناسبة !) ، لِم لَم يدافع عن نفسه كما سيفعل حتى كلب زينة صغير ؟ ينبح ..يعض ..يفعل ما تفعله الكلاب ( و البشر أيضا احيانا !)..سيتضـح ان هناك كلب آخر ( بمعنى الكلمة أيضا !) يمتلكه صاحب الكلب الاول و لكنه لم ينبح و لم يدافع عن أخيه.. سيقول لنا صاحب الكلبين بتأثر أن الكلب الاخر مكتئب منذ الحادث ، بينما سينظر الكلب للكاميرا و يتثاءب بلا مبالاة..

هذا هو بأختصار بعض ما جاء في نشرة الاخبار الصباحية ، صبيحة ما يسمى بعيد الحب..

و لم يكن ذلك استثناءاً ، ففي اليوم الذي وصلت فيه الى واشنطون و كانت مذبحة غزة على أشدها ، فوجئت بخبرين رئيسيين يسيطران على نشرات الاخبار و الجلسات الحوارية في القنوات الوطنية الامريكية ، الخبر الاول كان يدور حول زيادة وزن مذيـعة سمـراء شهيرة و معاناتها من جراء ذلك ، و الخبر الثاني كان عن وفاة نجل نجم سينمائي مشهور ، حادثة وفاة طبيعية بلا شبهة جنائية او انتحار او حتى جرعة زائدة من المخدرات ..

هذان الخبران – إن جازت التسمية أصلا –سيطرا تماما على جلسات الحوار و كانا من ضمن من أهم برامج الحوار على أهم القنوات الوطنية “سي ان ان ، سي بي اس ، اي بي سي”..أي أنني هنا لا اتحدث عن الاخبار في قنوات التسلية و الترفيه و القنوات المحلية ، بل عن أهم القنوات و اكثرها رصانة  بالمقاييس الامريكية طبعا.

لا أنكر هنا ان هذه القنوات تحدثت شيئا هنا و هناك عن “الأزمة في غزة” “تعبير الأزمة هو العنوان الرئيسي لما جرى” و لكن هذا كله كان ضمن كم و كيف هائل من الاخبار من على شاكلة الفئة الاولى ( العثور على رجل يحتجز 30 قطة في منزله ، أم زوجة اوباما تريد أن تعيش في البيت الابيض ، مطربة ما تجاوزت السرعة القصوى على الطريق العام ، و أخرى ضربها صديقها الرياضي..الخ) و هي الاخبار التي تحتل العناوين الرئيسية في الصحف التي توزع مجانا في المترو و تدور على مدار الساعة مع وسائل الإعلام الرئيسية التي قد تقدم مرة واحدة في اليوم مرورا سريعا على اخبار العالم ( و لكن ليس في عطلة نهاية الاسبوع بكل الاحوال ) أما  سائر الاخبار فتدور  في ذلك الفلك الذي يتلهى بأتفه التفاصيل و يجعلها أهم ما يستحق المتابعة ..

لكن ما هو مهم و ما هو غير مهم قد يكون نسبياً بعد كل شئ ، و حادث حريق بسيط  في الحي المجاور قد يكون أهم بالنسبة لك من زلزال مدمر في الصين ، و لن يكون منطقياً أن نحاسب المواطن الامريكي على أن وسائل اعلامه لا تنقل له مشاكلنا ( و هذا قد يكون صحيح نظريا و لكن ليس عملياً لأن جزء كبير مما يدور في الشرق الاوسط يحدث بمباركة و مشاركة الحكومة التي يفترض ان هذا المواطن قد اختارها و هذا يجعله في موضع المشاركة هو الاخر ، و لكن سأترك هذا الامر الان فقط من أجل نقاش الفكرة الاصلية)..

 لا يمكن أن نطلب من الإعلام الامريكي التركيز على مشاكلنا نحن لسبب بسيط ، هو أن هذا الإعلام  لا يركز حتى على مشاكل المجتمع الامريكي نفسه ، فليس صحيحا البتة ان الامريكيين و وسائل اعلامهم يهتمون بكلب مفقود لأن لا مشاكل اخرى لديهم ، هذا ببساطة هراء ، إنها امريكا و ليست سويسرا و لا  اللوكسمبرغ ، هناك فقر  و تشرد ، هناك معدلات جريمة مرتفعة ، هناك عنف ، هناك نسبة امية هي الاعلى بين مثيلاتها في العالم الغربي ، و كل هذه المشاكل موجودة في البنية الاجتماعية الامريكية حتى في حالات الانتعاش الاقتصادي ، و لكنها تزداد بحدة عند الازمات الاقتصادية كما هو الحال الآن ، حيث تؤثر الازمة على حياة كل فرد امريكي..

ربما سيكون الاهتمام بفقدان كلب أمرا مفهوما لو لم اكن ارى كل يوم اولئك المشردين الذين يسكنون المترو و الذين زحفوا بالتدريج حتى على محطات المترو في المناطق الراقية ( زادت نسبهم في 22 مدينة امريكية كبرى بنسب تتراوح بين 10-50% في العشرة الاشهر الاخيرة فقط) ..ربما كنت سأصدق ان الامريكيين لا مشاكل لديهم و لذا فأن اختفاء الكلب قد يكون قضية ، لو لم اكن ارى كل يوم ، عند مدخل المترو رجلا يقف و هو يحمل لافتة كتب عليها “قبل ثمانية اشهر كنت املك منزلا مثلكم جميعا”( أود أحيانا ان أقف معه و أحمل لافتة أكتب عليها : و أنا أيضا ، قبل أن تشرّفونا بمجيئكم !).. كان يمكن ان أتفهم الاهتمام بوزن المذيعة السمراء لو لم أكن ارى الطلاب “سمراً و بيضاً” يعتصمون على ابواب جامعة دي سي ، لأن جامعتهم أمام خيارين : اما ان ترفع كلفة الدراسة بنحو 20% أو أن تغلق ابوابها..كان يمكن ان أفهم كل ذلك ، لو لم يمر ذلك الخبر العابر عن الاب الذي قتل اولاده الاربعة و زوجته ثم أنتحر لأنه لم يعد قادرا على توفير الطعام بعد ان تم الاستغناء عنه في العمل . خبر كهذا مر عابرا دون ان تعقد عنه جلسات حوار و دون ان يستضاف “المستشار الروحي” كما حدث مع قضية وزن المذيعة (بالاضافة الى 3 مستشارين آخرين)  و هكذا تم إطفاء الخبر وسط فقاعات الاخبار الاخرى التي يتم إدامتها دوما بفقاعات مماثلة..

للوهلة الاولى قد يبدو ان “الاخبار” هنا قد تحولت لتصير جزءاً من “صناعة التسلية ” و بالتالي صارت خاضعة لقانون” نسب المشاهدة “و نظرية “ما يطلبه الجمهور” العتيدة ..لكن هذا محض توصيف لما إنتهى له الامر ، وربما كان صحيحا في البداية فقط قبل ان تتطور وسائل الإعلام  بالشكل الذي تطورت فيه ، أي قبل أن تنبت لها أذرعا اخطبوطية متعددة تمتد الى كل مكان ، فذوق الجمهور و متطلباته صارت تحدد سلفا من قبل وسائل الإعلام ، على الاقل خيارات هذا الجمهور صارت تحدد من قبل وسائل الإعلام ثم يكون له “حق الاختيار” من بين الخيارات المحددة سلفا..هناك نسبة محددة من الجمهور ستظل متمتعة بأستقلالية و سترفض الخضوع لغريزة القطيع المكبّل  بأذرع الاخطبوط ، لكن هذه النسبة ستظل مهملة احصائيا و لا يمكن القياس او حتى التعويل عليها..

ما هو السبب في كل هذا ؟ و أنا مرة اخرى لا اتحدث عن عدم اكتراث الإعلام الامريكي لمذابحنا و مشاكلنا ، بل لمشاكل الامريكيين أنفسهم ، كيف حدث كل هذا ؟

الحقيقة ان الإعلام “يستثمر” إمكانات موجودة داخل النفس الانسانية ، لكنه “يجّيرها ” لجهة اخرى ، في داخل النفس البشرية هناك فعلا “الميل الى التعاطف” مع الانسان و هو ميل ايجابي و يمكن لو وضع في مسار آخر أن يسخر لصالح العمل على تغيير الواقع السئ..لكن بدلا من ذلك  يأتي الإعلام و يصرفه في اتجاه آخر تماما ، اتجاه لا يؤدي إلى شئ إطلاقا ، بل الى طريق مسدود ، فبدلا من التعاطف مع المشردين و المسحوقين و الفقراء من أصحاب المشاكل الحقيقية ، هناك هذه المشاكل المفتعلة التي “سيضخ” الاهتمام بها من قبل وسائل الإعلام ، والتي لن تؤدي إلى شئ..مالذي سيحدثه مثلا الاهتمام بوزن المذيعة؟ مالذي سيحدثه التأثر لحادثة وفاة طبيعية ؟ لا شئ قطعاً غير صرف النظر عن المشاكل الحقيقية.. أما التأثر بمشاكل اولئك المسحوقين و المهمشين و الفقراء فأنه ربما يؤدي الى الوعي ..و الوعي قد يؤدي الى الرغبة في التغيير .. و الرغبة في التغيير قد تؤدي الى ( ما لا يحمد عقباه) بالنسبة لملأ كل زمان و مكان..أي الى الثورة…

و هذا بالطبع ما يعمل الإعلام على “درئه” ليس فقط لأنه موظف عند الملأ الذي يهمه استمرار الوضع الساكن ، بل لأنه بطريقة ما صار جزءاً من هذا الوضع الساكن ككل..

و لأن ما يخطط و يحدث للمجتمع لا يمكن أن يحصر فقط بالطــبقة الادنى و الاقل دخـلا ، و لو كان ذلك أكثر ظهورا فيها ،و لكن للمجتمع ككل فأن الامر هنا يشبه عملية بتر لعضو من اعضائك تجري دون ان تنتبه لأن الإعلام هنا يقوم بعمليـة التخدير و الالهاء عما يدور..و هذا هو في الحقيقة الاستعمال التاريخي للأفيون الذي كان يستخدم في العمليات الجراحية لغرض تخدير المريض و تخفيف آلامه..و هذ هو- بالضبط- الاستخدام الحالي للأعلام ، إنه افيون الشعوب الذي يخدرها و يلهيها عما يدور و يفعل بها ، بل أكثر من ذلك يسهل تشكيل سقف وعيها و تحديد خيـاراتها ، و يقودها لتختار ما حدد سـلفا انها ستختاره ، و ستتصور هذه الجماهير خلال ذلك انها تفعل ما تفعل بكامل وعيها و إرادتها..أنه أفيون الشعوب الذي قد يكون الشعب الامريكي ضحيته الاولى بهذا الشكل المبرمج الحاذق و على هذا النحو الواسع..لكن لأن الامور تتداخل في العالم بسرعة ، فان العالم كله صار يتعرض بالتدريج لما تعرض له الشعب الامريكي ، و ها نحن نرى الاذرع الاخطبوطية للأعلام  تمتد لأوطاننا و تحاول ان تفعل الشئ ذاته ، مرة بأسمائها الاصلية المباشرة و مرة بأسماء معربة هي في حقيقتها مجرد “استنساخ” عن الأفيون الاصلي هناك..

مهما تحدثنا عن تأثير الإعلام سلبا و ايجابا في بلداننا العربية فأن الامر لا يمكن أن يقارن بتأثيره على الفرد الامريكي ، و ربما لا يعود ذلك الى استقلالية “مفترضة” للفرد العربي بل الى ركاكة و بلادة أغلب وسائل الإعلام العربية خاصة الرسمية منها..مقابل الحذق و المهارة التي تمكنت من خلالها وسائل الإعلام في الغرب ان تكون أفيونا حقيقيا..

لا يمكن تعميم الركاكة و البلادة على كل وسائل اعلامنا ، خاصة في العشر سنوات الاخيرة ، لكن ذلك يمكن ان يكون سلاحا ذو حدين : فالحذق الإعلامي  يمكن أن يكون أفيونا يلهي الجماهير عن عملية بتر لعضو من اعضائها ( لدماغها مثلا؟..لهويتها ؟)..و يمكن ان يكون وسيلة لنشر الوعي و تحرير الانسان من عبوديته لملأ كل زمان و مكان..الإعلام يمكن أن يكون موظفا عند تاجر المخدرات ..و لكنه يمكن أيضا  أن يكون موظفا عند “الحقيقة“..عند ما يجب أن يكون..عند فكر يبذر للنهضة و يمهد لها و يزرعها في عقول الجماهير و يحوّل هذه الجماهير  من موقع المتفرج السلبي الذي أدمن التصفيق للمنتصر ( حتى لو كان فريق كرة) الى موقع الفاعل البنّاء ..لن يكون ذلك بوعظ مباشر  او بالخطابية التي اغرقنا أنفسنا بها ، بل بالحذق الذي يتسلل على أطراف أصابعه ليسكن الوعي  و اللاوعي  و كل تلافيف الدماغ والروح….و عندها ، عندها فقط ،  قد يحدث ما سيحمد عقباه..

 

 

العلمانية هدف إسلامي؟!

 

عن حديث “أنتم اعلم بامر دنياكم “(1) : العلمانية هدف إسلامي؟

العرب القطرية

http://www.alarab.com.qa/details.php?docId=74274&issueNo=431&secId=23

 churchstate2

  د. أحمد خيري العمري

رغم ان تهمة انتقاء حديث نبوي معين و معاملته خارج سياقه و ظروفه هي تهمة تلصق عادة بالاسلاميين ( عن حق في بعض الاحيان!) إلا أنه من الواضح أن آلية التعامل هذه لم تعد تخصهم فقط بل صارت تستخدم أيضا من قبل اعدائهم التقليديين أيضا من العلمانيين و اللبيراليين الذين صاروا يستخدمون نفس الآلية في التعامل مع نص ديني كانوا سابقا لا يحاولون اصلا الاقتراب منه ، و السبب واحد في الحالتين : الوصول الى ترسيخ حكم معين مسبق بكل وسيلة حتى لو كان عبر  الانتقاء و من ثم التعميم..

فاذا كانت بعض التيارات الاسلامية مثلا تعامل حديثا مثل “أُمرت أن اقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله ” بطريقة مجتزأة خارجة عن منظومة النصوص المتكاملة ، فأن ذلك لا يقل خطئأ عن خطأ تعامل العلمانيين مع حديث “أنتم أعلم بأمور دنياكم “( و هذه الصيغة المستخدمة لم ترو في سند صحيح و لنا عودة لهذا بالذات لاحقا) ..هذا الحديث استخدم عموما من قبل العلمانيين ثم استخدم مؤخرا على نحو اكثر تحديدا من قبل واحد من منظري العلمانية المعروفين ( جورج طرابيشي في كتابه “هرطقات عن الديمقراطية و العلمانية و الممانعة العربية الصادر عن دار الساقي 2006 ، و لقاء له مع شبكة الاسلام أون لاين بتاريخ 2 يوليو 2008 )الذي أعتبر الحديث بذرة للعلمنة في الاسلام  و وصل الى أن  “العلمانية مطلب اسلامي ” استنادا على هذا النص تحديدا..

و انا هنا لا أناقش فكرة العلمانية و صوابها و خطئها على الاطلاق بل أناقش فكرة استخدام نص ديني من أجل التأصيل لها ، كما هو الحال مع هذا الحديث..فهذه الآلية تحتوي في نظري على ثلاث ثغرات  كافية لقتل الفكرة المروج لها برمتها..

الثغرة الاولى : إن استخدام النص النبوي و لو من أجل تأصيل المشروع العلماني يحتوي ضمنا على الاقرار بسلطة هذا النص و قدرته على تحديد الاتجاه الدنيوي و لو بعد الف و اربعمائة سنة من صدوره و هذا يضرب الفكرة العلمانية في عمقها الاهم : الفصل بين ما هو ديني و ما هو دنيوي..

الثغرة الثانية : و هي ناتجة بطريقة ما عن الثغرة الاولى ، إن هذا الاقرار الضمني بسلطة النص الديني( و للنتنبه هنا أنه حديث نبوي و يندرج ضمن احاديث الآحاد  و ليس نصا قرآنيا مثلا) يمنح هذه السلطة لأي نص ديني من مستواه و من مستوى اعلى ، لا يمكن حقا “حجر” هذه السلطة لنص ديني ننتقيه على هوانا ومن ثم  نمنعها عن نصوص دينية أخرى .. بعبارة اخرى ، عندما يستخدم المفكر العلماني نصا دينيا ليروج للعلمانية او ليؤصل لها  فأنه في الوقت نفسه و دون ان يشعر يروج ل”حُجيّة السنة” أي أن تكون السنة النبوية حجة بحد ذاتها ، و هذا يضعه و مشروعه في خانة ضيقة جدا ، ذلك ان حُجيّة السنة نفسها ستفرز احكاما اخرى بالاستناد على نصوص نبوية أخرى و لا يمكن هنا للمفكر العلماني الاعتراض على استخدام هذه الالية “هنا” لانه استخدمها شخصيا “هناك” ، عند نص آخر.. ،كل ما في الامر أنه انتقى نصاً معينا و من الواضح انه انتقاه لأنه وجد فيه معنى يمكن أن ينسجم مع فكره المسبق..

الثغرة الثالثة : ان مقارنة هذا الحديث بالجملة الانجيلية “أعط ما لقيصر لقيصر و اعط ما لله لله” و اعتبارها سببا لنشوء العلمانية في الغرب –كما أصر الاستاذ طرابيشي- امر سيحتوي على قدر كبير من الاختزال و التبسيط ان لم يكن التسطيح..فالعلمانية كتجربة تاريخية بكل ما لها و ما عليها لا يمكن أن تعود لعامل واحد منفرد ، و لن يكون هذا العامل نصا دينيا بكل الاحوال..فالعلمانية أعقد بكثير من ذلك و قد ولدت نتيجة لصراعات اجتماعية امتلكت محدداتها و منطلقاتها داخل رحم التجربة الغربية …و تبسيط الامر بعزوه الى جملة في الانجيل  أمر يجب ان لا ننزلق الى مستواه..

ان نشوء العلمانية تاريخيا ارتبط بما لا يمكن ان نتناساه  بالصراع مع المؤسسة الدينية ، و هو الصراع الذي انتهى الى الفصل بين “الكنيسة” و “الدولة” ، أي بين “المؤسسة الدينية” و الدولة و ليس بين الدين و الدولة كما هو شائع..لا يمكن تجاوز هذا الامر إطلاقا عند الحديث عن العلمانية و نقلها الى التجربة الاسلامية، في الوقت نفسه فأني لن انزلق الى فخ التبسيط الذي ينفي وجود “مؤسسة دينية ” اسلامية و بالتالي ينفي الحديث عن العلمانية برمته .

 لن اقول هذا لأن التجربة التاريخية الاسلامية أفرزت فعلا  مؤسسات دينية ، لكنها مختلفة تماما عن المؤسسة الكنسية ، فهي متماهية مع المجتمع بطريقة تجعل محاولة فصلها أكثر صعوبة و تعقيدا مما حدث في التجربة الغربية( و بكل ما في هذا التماهي من نقاط قوة و ضعف أيضا)..بل أن لفظ “العلمانية ” نفسه قد لا يناسب التجربة الاسلامية كما ناسب التجربة المسيحية التي لا تحتوي اصلا على تشريعات دنيوية “مرتبطة بالعالم” عكس ما هو موجود في الشريعة الاسلامية التي تدخل في التجربة الدنيوية من الالف الى الياء..

 

ربما كان كل ما سبق من ثغرات لم يغب عن بال من طرح الفكرة و روّج لها لكنه كان يستخدمها فقط لأيجاد منفذ الى الناس عبر النص الديني  ، أي من أجل الدعوة الى العلمانية و تقريبها الى أذهان عامة الناس.. لكن هذا المبرر يمكن ان يكون ثغرة أخرى لأن المفكر هنا يعرف ان الدعاة على الجانب الاخر يجيدون هذه الآلية و يتقنون أستخدامها شعبويا و تعبويا أكثر منه و لذا فان الترويج لهذه الالية يتضمن ترويجا غير مباشرا لنفس الآلية عندما تنتقي نصا آخراً..

احب أن أؤكد هنا على حق العلمانيين في الايمان بما شاءوا ، فحتى حق الكفر داخل ضمن المشيئة الانسانية التي أطلقها القرآن الكريم.. لكن الدخول ضمن متاهة التناقضات و استخدام النص الديني من أجل الترويج للعلمانية هو ما يستحق الاعتراض حقا..و شخصيا أعتقد إن العلمانيين سيستحقون الاحترام أكثر لو كانوا اكثر صدقا و انسجاما مع طروحاتهم ، و لو تركوا هذا التوفيق التلفيقي ، الذي يمارسه بعض الاسلاميين كذلك .. بنفس القدر المتواضع من النجاح !

 

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قبل ان ننسى : “حقوق المواطن” ليست بدعة غربية !

 

قبل أن ننسى:  “حقوق المواطن ليست بدعة غربية..

  

                               د. أحمد خيري العمري- القدس العربي

                                

                                       

طالب عربي يدرس في واحدة من الجامعات الأمريكية المرموقة تعرض لإساءة لفظية من قبل أحد أساتذته، لن أقول إنها إساءة كبيرة، لكنها إساءة على أي حال، تضمنت تعريضاً غير مبرر بالدولة التي ينتمي لها الطالب والتي لم يزرها الأستاذ، ولا تفسير لهذا غير الحكم المسبق الذي يمتلكه هذا الأستاذ عن العرب والمسلمين عموما..

ولأن هذا الطالب ينتمي لواحدة من الدول العربية النادرة التي – تحترم – مواطنيها فقد اتصل فورا بسفارة بلده طالباً منها التدخل… السفارة لم تغرق الطالب وطلبه في بيروقراطية “كتابنا وكتابكم” المعتادة، بل اتصلت على الفور بإدارة الجامعة وطالبت بحزم باعتذار علني يقدمه الأستاذ للطالب وقد وافقت الجامعة على ذلك، وهذا ما كان.

لن أقول لكم “احزروا اسم الدولة العربية التي تعامل مواطنيها بهذا الاحترام” فهذا ليس هو موضوعي على الإطلاق، لكني سأذكر هنا أمرين:

الأول: إن الطالب ليس ابنا لمسؤول أو شقيقاً لوزير أو قريبا للعائلة الحاكمة من قريب أو بعيد، أي إن تدخل السفارة لم يكن بناءاً على الواسطة أو العلاقة الشخصية كما يحدث في معظم دولنا، كان الطالب مجرد طالب آخر من بين مئات الطلاب الذين يدرسون على نفقة  حكومة بلده واتصل بالسفارة على الأرقام الاعتيادية ووجد موقفا يسنده قولاً وفعلا خلال دقائق.

الأمر الثاني: إن السفارة لم تنجر إلى تسييس غير مجدي وبيروقراطي للقضية، فقط كان هناك تلميح إلى عدم ابتعاث طلاب آخرين إلى تلك الجامعة وإلى نقل الموجودين منهم إلى جامعة أخرى، وهي لغة “مادية”  يفهمها الغربيون جيدا ويزداد فهمهم لها في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية… هذا مع العلم بأن السفارة لم تنحز إلى الطالب الذي ربما يكون مخطئا وربما لا، لكنها فصلت خطأه المحتمل عن تعميم ذلك على بلده… كما إن استخدام  كلمة “التمييز” discrimination  يثير خوفا مباشرا من اللجوء إلى القضاء وهي لغة مفهومة في الغرب أيضا ومرة أخرى يزيد فهمهم لها في الأزمات الاقتصادية حيث يؤدي اللجوء إلى القضاء إلى دفع تعويضات مالية كبيرة تتجنبها المؤسسات الكبيرة حاليا…

شخصيا فرحت جدا للطالب الذي أدّت سفارة بلده واجبها في حمايته والانتصار لكرامته، كما إني لا أنكر شعوري بالشماتة عندما علمت بالحرج الذي تعرض له الأستاذ المسيء…

لكن بعد قليل، تبخر شعوري بالفرح وحل محله شعور عميق بالمرارة… ذلك أن العرب والمسلمين الذين يمكنهم أن يفعلوا ما فعل الطالب ويحصلون في الوقت نفسه على ما لقاه من دعم، هم قلائل جدا بل وشبه معدومين، إلا إن كانوا أقرباء لمسئولين في بلدانهم…

على العكس من ذلك، لا أتوقع  أن أحدا من مواطني بلدي سيفكر في الاتصال بسفارة بلده، هذا إن كان لديه رقمها أصلا! وكذلك الحال بالنسبة لمعظم الدول العربية للأسف… هناك سوء ظن مسبق مبني على تجارب تاريخية… وسوء معاملة سفاراتنا لمواطنيها هو في النهاية جزء من سوء معاملة أوطاننا لنا، وهو أيضا جزء من الأسباب التي تجعل المواطنين عندنا يصطفون منذ الفجر أمام سفارت أخرى، آملين بمعاملة أفضل في أوطان الآخرين!

تذكرت ما حدث لي منذ قرابة الشهرين عندما وجدت أن الخطوط الجوية البريطانية مناسبة للموعد الذي أرغب الوصول فيه إلى واشنطن، وطلبت أن أحجز تذكرة عليها، يومها تلعثمت موظفة الحجز طويلا قبل أن تعتذر مني وتقول إن هذا غير ممكن “في حالتي”، لم أفهم ما الذي تقصده، وأكدت لها أن تأشيرتي قانونية تماما، لكنها تلعثمت مجددا قبل أن تقول “إن الخطوط الجوية البريطانية ترفض نقل العراقيين”!

هكذا بكل بساطة: العراقيون كلهم، مرة واحدة!

سألتها إن كان ذلك يشمل مواطني دول عربية أخرى اتهم مواطنوها بما يعرف بالإرهاب… لكنها أجابتني بالنفي “لا، فقط العراقيين”… قلت لها: لكننا لم نخطف ولا حتى طائرة واحدة! لكن ذلك كله لم يكن من اختصاص الموظفة التي كانت في النهاية تنفذ التعليمات…

شعرت بذل لا حدود له، لا لشيء إلا لأني أعرف أن حكومة بلدي – التي هي في أحسن حالات علاقاتها ببريطانيا لأسباب لا تخفى- لا تأبه ولن تأبه للأمر… ولن تحاول إزالة هذا التمييز الذي يلحق بشعب كامل دون سبب واضح أو غير واضح…

شعرت بذل وأنا أتخيل أن الخطوط البريطانية التي تمنع العراقيين كلهم دون أن يرف لها جفن لن تستطيع مثلا أن تمنع حاملي فيروس الإيدز مثلا أو المتحولين جنسيا من الركوب في طائراتها، لأن هؤلاء سيكون خلفهم مؤسسات تحميهم وتطالب بحقوقهم، أما العراقيون فهم مشردون في المنافي بلا ظهر يحميهم وعليهم أن يتدبروا أمورهم إما بأبتلاع الإهانات والتعود عليها (وسب من تسبب بها!) أو بالرد عليها بمثلها وأكثر(الاحذية هنا ستكون خيارا رائجا!) ولكن الاتصال بالسفارة سيكون أمرا مستبعدا جدا، بل إن المواطنين يحملون هم الذهاب إلى السفارة لإنجاز معاملة ما، أكثر من أي شيء آخر… (ولا يمكن هنا إنكار أن بعض موظفي السفارات يتصرفون استثناء على نحو أخلاقي تماما وفي منتهى التعاون، لكن هذا يعود لشخوصهم وليس لأسلوب السفارات في التعامل مع المواطنين).

لم ينتهي أمر الذل هنا، فعندما حجزت على خطوط عربية متجهة إلى واشنطن، كان خط الرحلة يتضمن التوقف في عاصمة دولة شقيقة لمدة أربع عشرة ساعة، وهذا يتضمن الإقامة في فندق كما هو الأمر مع كل ترانزيت يتجاوز و

ماذا يريد الليبراليون من ابن عربي ؟

ماذا يريد الليبراليون من ابن عربي  ؟

د.أحمد خيري العمري     العرب القطرية


لم يأت حين من الدهر، منذ أن عُرِف ابن عربي، دون أن يكون للرجل مريدوه ومعجبوه وأتباعه.. وذلك أمر طبيعي جداً طالما ظل للتصوف مساحة في عالمنا، وهي مساحة ظلت تمد وتجزر، لكنها بقيت موجودة وبقي في جزء معين منها، مكانٌ لابن عربي..
وابن عربي مختلف عليه دونما شك، والآراء حوله تتدرج من اعتباره (الشيخ الأكبر) إلى (من شك بكفره فقد كفر)! وقد كفّرته طائفة من العلماء منهم العز بن عبدالسلام وابن حجر العسقلاني وابن كثير وابن تيمية، ونقل عن الإمام الذهبي قوله: «ومن أردأ تواليفه كتاب الفصوص وإن كان لا كفر فيه فليس في الدنيا كفر!»، بل إن السيوطي الذي لم يكفره وانتقد من كفّره عدّه مبتدعا وحرّم النظر في كتبه!
وبغض النظر عن التكفير أو التبجيل، فإن التيار الإسلامي العام رفض «شطحات» ابن عربي حتى لو لم يكفره من أجلها، وهي شطحات ظلت هجينة عن التراكم الفكري الإسلامي وناشزة عن مجمله، وكان وضوح نشاز بعض هذه الشطحات محرجا للمدافعين عنه، وقائمة الدفاع تتضمن القول إن الشطحات مدسوسة عليه (كالعادة!) وأنه قال في كتبه أشياء أخرى تناقض هذه الشطحات، أو أنهم يعتذرون عن ذلك بتعقيد لغته وغموضها وبالتالي عدم فهمها كما يجب، والفصل في كفر ابن عربي –كشخص- أو إيمانه أمر لا يخصنا حتماً، بل يخص الذي يعلم ما في صدورنا جميعاً، هذا مع العلم أن الكثير من الطرائق الصوفية السائدة حالياً قد نأت بنفسها عن شطحاته، أو على الأقل عن البعض من مؤلفاته..
إلى هنا والأمر عادي جداً، فلغة الرجل المميزة رغم تعقيدها وغزارة مؤلفاته منحت له مكانة معينة ضمن رفّ معين، له بالتأكيد رواده ومحبوه..
لكن غير العادي إطلاقاً، هو هذا الاهتمام الجديد بابن عربي من قبل تيار بعيد ليس عن التصوف فحسب، بل عن الدين ككل، تيار ظل يدعي العقلانية بمفهومها الغربي الديكارتي الذي لا يؤمن بغير التجربة ومعاييرها الواضحة، لكنه فجأة صار حريصاً على ابن عربي وذوقياته التي لا يمكن إخضاعها لأي معيار ومن أي نوع..
هذا الاستحضار الليبرالي-العلماني لابن عربي تجلّى في كتابات لكتاب ليبراليي التوجه (هاشم صالح، وعبدالوهاب المؤدب، ونصر حامد أبو زيد، وسواهم)، وهو استحضار لا يمكن أن يكون بريئاً البتة، بمعنى أن ابن عربي يبدو هنا غريباً وشاطحاً حتى أكثر من ذي قبل، فقبل كل شيء، فإن انتماء ابن عربي إلى منظومة التصوف، ولو في طرف الغلو والشطط منها، سيكون أمراً مفهوماً داخل هذه المنظومة ككل، أما استحضاره داخل المنظومة الليبرالية، فأمر يشبه إقسار «كارل ماركس» أو «سيغموند فرويد» داخل منظومة الفكر الإسلامي..
والحقيقة أن (شطحات) ابن عربي التي كفّره من كفره من أجلها، هي بالذات ما يريده هؤلاء الليبراليون من ابن عربي المستحضر ليبراليا، أي إن موقفهم هنا لا يشبه موقف المدافعين التقليديين الذين يعتذرون عن شطحاته بهذا العذر أو ذاك، بل في الواقع هم حريصون على (تكريس) هذه الشطحات وتأكيدها، بل والتركيز عليها والدفاع عنها..
ولا شك أن ما يفعله الليبراليون ذكي جداً، فهم يدركون أن القارئ المعاصر لا يملك النفس اللازم لقراءة مجلدات الفصوص والفتوحات، بالذات مع لغة ابن عربي التي تميل إلى الغموض والتعقيد أحيانا، لذلك فهم يقدمون وجبة سريعة معاصرة من ابن عربي تحتوي على انتقاءات معينة مما قال، وهي انتقاءات مدروسة لخدمة منظومتهم الليبرالية، وتجعل من ابن عربي (حلقة وصل) بين تراكم (محسوب في نهاية الأمر على التراث الإسلامي) وبين منظومة غربية يحاول الليبراليون منذ عقود إدخالها إلى العقل المسلم وبوسائل شتى وبنجاحات متفاوتة، ويبدو ابن عربي اليوم وسيلة أخرى من تلك الوسائل، خاصة أن اسمه مدعوم (غربياً) من قبل دوائر عديدة ومؤسسات بحثية ومراكز دراسات..
يبدأ الليبراليون نهجهم هذا بما يعدونه «مسلمة» لا جدال فيها بينما هي ليست كذلك إطلاقا، ألا وهي اعتبار ابن عربي (قمة نضج الفكر الإسلامي! في مجالاته العديدة من فقه ولاهوت وفلسفة وتصوف وعلم تفسير القرآن وعلوم الحديث واللغة والبلاغة) (أبو زيد، هكذا تكلم ابن عربي، ص 24).
هكذا مرّة واحدة وبحسم نهائي يعتبر ابن عربي قمة نضج الفكر الإسلامي في كل هذه المجالات! ما الدليل على كل هذا؟ سيلقمنا أبو زيد بمستشرقين اثنين يوافقانه على رأيه، أحدهما ياباني والآخر إسباني، وما داما ينتميان إلى المنظومة الغربية، فإنه يستغل عقدة نقصنا تجاههما، ويمرر الأمر كما لو كان (متفقاً عليه) بينما هو على الأغلب في النقيض من ذلك.
سيقول أبو زيد أيضا بلا مواربة: «إن استدعاء ابن عربي يمثل طلباً ملحاً بسبب سيطرة بعض الاتجاهات والرؤى السلفية على مجمل الخطاب الإسلامي في السنوات الثلاثين الأخيرة» (أبو زيد، ص26)، وبعبارة أخرى فإن صورة ابن عربي (المتطرفة تسامحا وبلا حدود) هي البديل عن» صورة الإرهابي حامل البندقية والسكين» (المتطرفة عنفا وبلا حدود أيضا) «أبو زيد، ص 27».. كما لو أن علينا دوما الاختيار بين واحد من التطرفين بلا خيار ثالث مستمد من ثوابت وسط للأمة الوسط..
وهكذا سيتم إعادة إنتاج ابن عربي أو تحضير روحه من قبره في السوق الدمشقية القديمة، في حفلة زار عولمية الملامح من أجل أن ينضم صوته لجوقة المصفقين لها ولقيمها.. (حتى لو قيل ضمن ما قيل أشياء ضد العولمة ذرا للرماد في العيون).
وبين كل ما قاله ابن عربي، سيتم التركيز على أمور دون غيرها، ربما كانت أساسية في تكفيره بالنسبة إلى مناهضيه، لكن هذه المرة ليس لتكفيره، بل باعتباره النموذج الذي يجب ترويجه.. وهكذا سنرى أبيات ابن عربي التي كثيراً ما عُدت سبباً لكفره، تتحول لتصير مُعلَّقة من معلقات الليبراليين الجدد..
لقد صار قلبي قابلاً كل صورة
فمرعى لغزلان وديرٌ لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف
ألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنى توجهت
ركائبه فالحب ديني وإيماني
هذه الأبيات يحتفي بها الليبراليون لأنها ببساطة «تؤدي إلى تحويل الاعتقاد القرآني إلى اعتقاد نسبي عن طريق إعطاء الصدقية لجميع الأديان والاعتقادات الأخرى بما فيها الاعتقاد الوثني» (هاشم صالح، الانسداد التاريخي، ص 171)، و»هو يؤدي إلى المصالحة مع فلسفة التنوير على طريقة سبينوزا وفولتير وروسو»، بل الأكثر من هذا يهلل هؤلاء إلى أن هذا ما دفع «»المسلمين المستنيرين! إلى تقبل الرسالة الماسونية!» (هاشم صالح، ص 171). إذن فالهدف من كل هذا الاحتفاء معلن وصريح: تحويل الاعتقاد القرآني إلى اعتقاد نسبي يضع كل المعتقدات، حتى الوثنية، وأسهل منها الليبرالية، في سلة مقبولة واحدة!
لكن هذا الانفتاح غير المشروط على كل العقائد الذي نظَّر له ابن عربي، سيكون له فيما كتبه شخصيا شواهد «عملية» مناقضة، فحينما تكون هناك مواجهة عسكرية بين المسلمين وغيرهم تنتهي بهزيمة المسلمين نجد أن ابن عربي (لا يحتمل رؤية الزور وأهله يعزون والدين القويم ذليل، ويحلم بأن يقام دين محمد، ودين المبطلين يزول)، وهو موقف إنساني وطبيعي تماما، لكن الليبراليين هنا يعتذرون لنا، بالنيابة عن الشيخ الأكبر»عن هذا التناقض الذي حول التسامح إلى تعصب» (أبو زيد، ص 71) فمجرد الرغبة بانتصار الإسلام يصبح تعصباً يستحق الاعتذار بالنسبة إلى هؤلاء! ولعل هؤلاء كانوا يفضلون لو أن ابن عربي خرج لاستقبال الغزاة بالورود، بالضبط كما روّجوا للغزاة الجدد ولطريقة استقبال مثلى تحقق عمليا قراءتهم المعاصرة لنظرية ابن عربي في التسامح!
رؤية ابن عربي للكفر والإيمان، سيتم أيضاً تجييرها لصالح المنظومة الليبرالية عبر الوجبة السريعة دون أن نتمكن من معرفة إن كانت هذه رؤية ابن عربي حقاً، أم أنها القراءة الليبرالية لها، وهكذا «فالكفر بمعنى عدم الاعتراف بوجود إله لا وجود له عند ابن عربي، فالكفر بمعنى إنكار وجود الباري ليس إلا صفة عارضة ظهرت ظهور الشرائع السماوية على أيدي الرسل الذين صدقهم البعض -وكذبهم البعض- ولولا نزول الشرائع ما كان للكفر أن يظهر ولكن ذلك لا ينفي حقيقة أن العالم كله مؤمن في الباطن» (أبو زيد، ص 78).
إذن لا كفر هناك حقاً، حتى المشرك الذي يعبد الأوثان والأشجار والكواكب ليس كافراً حسب هذه المنظومة لأنه «يعبد تجلياً من تجليات الله!».
ماذا عن الملحد الذي يزعم مطلق الكفر ويرفض الانتماء لأي دين؟.. حتى هذا «مؤمن رغم أنفه» حسب ما تحاول القراءة الجديدة لابن عربي إقناعنا «أي إنسان لا بد أن يكون مؤمناً بشيء ما، بمذهب فكري ما، وهذا في باطنه ليس إلا إيماناً بمجلى من مجالي الحقيقة الإلهية المطلقة» (أبو زيد، ص 19).. حتى الإلحاد، حتى الموقف الفكري الواضح الذي يتضمن الإنكار الصريح لوجود الله تعالى يعد إيماناً وفق هذه الرؤية!..

ماذا يريد الليبراليون أكثر من هذا؟
فكل ما سينتجونه، مهما كان بعيداً، بل ومناقضاً ومحارباً للدين وللقيم الدينية، سيكون إيماناً رغم كل النصوص الدينية، بل إن هذا المفهوم سينفي مفهوم الكفر من أساسه رغم تعارض هذا النفي مع القرآن الكريم ووضوح مفهوم الكفر فيه، لكن ستحصره القراءة الليبرالية لابن عربي في هامش ضيق واضح أن ابن عربي لم يقصده، ولكنهم يقوّلونه رغم أنفه (لا مجال للتكفير عند شيخنا، فالخطأ يقع فقط حين يزعم الزاعم أياً كان أن منظوره للحقيقة هو المنظور الكامل والنهائي!) (أبو زيد، ص96).
سيبدو ابن عربي هنا دمية صامتة يحاول الليبراليون عبرها أن يقولوا كل ما يريدون قوله دون أن يتمكنوا من ذلك، بالضبط سيكون وسيلة لشرعنة التفلت الفكري ومن ثم السلوكي باعتباره رمزا محسوبا على التراث الإسلامي حتى لو كفّره أكثر من خمسين عالما من رموز هذا التراث!
خلال كل ذلك، سيتضح إلى أي مدى يكون استعداد الليبراليين للتضحية بأبسط مبادئ العقلانية في سبيل تمرير جزء من منظومتهم، فمن أجل أن نروج لابن عربي، سنسكت عن خرافات وترّهات كتبها ابن عربي بمنتهى الجدية مثل لقائه المتعدد بالخضر، وعن بساط طائر.. إلخ، وكلام آخر يستحق قائله أن يرسل إلى مشفى الأمراض العقلية لكي يجد حلاً لمشاكله، لا أن يعد (قمة نضج الفكر الإسلامي)، ولكن العقلانية لا تهم، والتفكير السليم لا يهم، ونبذ الخرافات لا يهم، المهم أن نقبل الآخر، أن نتماهى معه، أن نقبل ما ينتجه من أفكار ولو كانت لا تقبل أبسط ثوابتنا.. وأن نرتكز على ذلك كله على شخص محسوب على التراث الإسلامي..
أمر أخير، لم يكتف أبو زيد بكل ما سبق، بل تجاوز ذلك إلى ذكر أبيات شعرية تغزل فيها ابن عربي بصبي تونسي، وذكر تفاصيل عن ذلك مثل اسم الصبي وعمره ومهنة والده وما يحبه ولا يحبه (أبو زيد، ص 42) وبعد أن ينهي هذه التفاصيل، يذكرنا أن هناك دلالات صوفية عميقة للتغزل بالغلمان ويفوته أن يقول لنا شيئا من هذه الدلالات!
هل يمكن حقا فصل هذا بالذات عما يدور في الغرب من حديث عن «حقوق المثليين» وقوننتها، وارتباط ذلك بقدس الأقداس عند الليبراليين «الحرية الشخصية»، وبالتحديد بشق التفلت والانحلال من هذه الحرية؟
هل تكون هذه التفاصيل إلا لإثبات أن الأمر حقيقي، وأن الشيخ الأكبر كان يتغزل فعلا بصبي حقيقي وليس بغلام افتراضي؟ وبالتالي لتمرير موضوع الشذوذ الجنسي ولو بشكل غير مباشر؟
ابن عربي، في حفلة الزار الليبرالية هذه، ليس سوى باب من أبواب المشروع التغريبي، كل ما في الأمر أن الباب هذه المرة «بديكور تراثي»!

خطيئة السيداو : ما بين التوقيع و التحفظ

خطيئة السيداو:ما بين التوقيع و التحفظ

ديما  طارق طهبوب

إن من سلبيات العولمة الفكرية انتقال المفاهيم و الممارسات الغربية الى الدول العربية و فرضها بالتسلل تارة عن طريق المؤسسات و المشاريع و المساعدات غير الحكومية و بالقوة السياسية تارة أخرى عندما لا ينفع التوغل الاجتماعي في تحقيق الأهداف التغييرية في المجتمع بحيث تنتقل هذه الممارسات و المفاهيم من صفة الاتباع الاختياري الى حالة الالزام القانوني المفروض من قبل قوانين المجتمع الدولي أو قوانين الدولة المحلية و هذا ما حصل في توقيع و اعتماد اتفاقية السيداو من قبل الدول العربية و الاسلامية و التي تحمل العنوان الجذاب بإلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة ،و هذه الاتفاقية التي اقرتها الأمم المتحدة عام 1981 كانت نتاج لاعوام من عمل الحركات النسوية في أوروبا، اعوام كانت فيها المرأة الأوروبية تعاني من التجاهل السياسي بحرمانها من التصويت و التمثيل و من الغبن في مجال العمل و الوظائف باستعبادها في ساعات العمل الطويلة بأجور ضئيلة و ان كان الوضع في أوروبا و انهيار المؤسسة الدينية و الأسرية قد ساهم في إيجاد بيئة ظالمة للمرأة و تعالي الأصوات المنادية بتحريرها من كافة القوانين و القيود، فهل عانت النساء العربيات و المسلمات مثل هذه المعاناة و هل تنطبق الحالة النسوية العربية الاسلامية على الحالة الأوروبية ليصلح في بلادنا ما صلح في أوروبا فتغيب الهوية و الخصوصية الدينية و الثقافية لتصبح المفاهيم في ظل القرية الكونية ليست فقط مفاهيم عابرة للقارات بل للحضارات و الديانات كذلك؟؟؟

و السؤال الأكثر خصوصية هل المراة الأردنية في بلدنا الهاشمي بجذوره التي ترجع الى المصطفى صلى الله عليه و سلم الذي جاء بأحكم الدساتير من لدن رب العزة في وصف الرجال و النساء و تحديد أدوارهم في المجتمع بما يكفل استمرارية النوع البشري و دوره في إعمار الأرض بحاجة الى مثل هذه القوانين التي يفرضها المجتمع الدولي على أعضاءه دون مراعاة لدين الدول و ثقافاتها و لي أعناق الدول غير المؤيدة أو المتحفظة على بعض النصوص بالتضيقات السياسية و الاقتصادية؟

إن من أخطر ما تطالب به اتفاقية السيداو هو تغيير هياكل الأسرة فالأسرة فيها ليست الأسرة البشرية المعروفة و المكونة من أم و أب(ذكر و أنثى) بل قد تكون الأسرة أحادية الوالدية من أب فقط أو أم فقط، لهم أولاد يربونهم من علاقات غير شرعية خارج إطار الزوجية أو أنجبوهم عن طريق بنوك الحيوانات المنوية أو الأرحام البديلة، أو أسرة من مثيلي الجنس، و بدلا من ممارسة الجنس الحلال ضمن مؤسسة الزواج دعت الاتفاقية الى تقنين الحرية الجنسية كحق من حقوق الجسد الذي يتصرف به الانسان كيفما يريد your body is your own و هذه الحرية يتمتع بها كل الناشطين جنسيا من كل الأجناس و الأعمار بما في ذلك المراهقين و المراهقات، فهؤلاء يمنع تزويجهم قبل سن الثامنة عشر و لكن لا بأس بإطلاق ما يسمونه بالحرية الجنسية “المسؤولة” و المسؤولة تعني توفير الثقافة الجنسية و الأدوية و الخدمات لكي يتمكن الناشطون من تجنب الأمراض الجنسية و الاحمال المبكرة و توفير الدعم من المجتمع المحلي لو حصل الحمل و رعاية الطفولة المبكرة، فلا بأس إذن بالزنا المبكر و هم الوصف المعروف في جميع الأديان و لكن لا و ألف لا للزواج المبكر، مع التنويه على عدم اقراره من كثير من الفقهاء و ضرورة مراجعته بما يتوافق مع روح العصر، و لكن الأصل في القوانين أيضا عدم تشريع الفحش و الرذيلة و اصباغ صفة الشرعية عليها فهذا ما لا يقبله اي مجتمع انساني سليم الفطرة فكيف بمجتمع عربي اسلامي يعترف بالاسلام دينا للدولة و مصدرا للتشريعات؟؟؟

إن الاتفاقية لا تقف شرورها و ويلاتها على المستوى الاجتماعي الاسري بل توجه سمومها الى الدين و الثقافة بحيث تطلب من الدول الموقعة و المتحفظة مراجعة دينها و ثقافتها لتستجيب لمتطلبات الاتفاقية و يذكر الدكتور مثنى الكردستاني في كتابه الجندر أن لجنة الاتفاقية في الأمم المتحدة طلبت من دول كليبيا و الباكستان أن يعيدا تفسير القرآن ليتوافق مع الاتفاقية كما تلزم الاتفاقية الدول الموقعة “بتطهير” مناهج التعليم و وسائل الاعلام من كل ما يعارض بنود الاتفاقية، فالاتفاقية أصل و كل الأديان فرع يقاس عليها فإن خالفها شيء رُفض و أُزيح

و قد نفهم وضع بلدنا الأردن من ناحية التزامه بأعراف المجتمع الدولي عندما لا يجد بدّاً من التوقيع على مثل هذه المعاهدات كما قدرنا تحفظات الجهات المسؤولة على البنود واضحة التطرف و البعد عن ديننا و ثقافتنا، هذه التحفظات التي كانت ستحافظ على نسيجنا الديني و الأسري و هويتنا العربية المسلمة من الضياع و التحلل الذي أصاب الدول الأوروبية فساد الشذوذ الجنسي و أصبح مقننا له حقوقه و امتيازاته و أصبح أولاد الزنى يشكلون 45% من اجمالي المواليد كما تورد آخر الاحصائيات في فرنسا، هل مثل هذه الأوضاع هو ما نرغب في انتشاره في مجتمعاتنا؟؟فلماذا إذن كان التوقيع أصلا، و لماذا لحق التحفظ تاليا، و لماذا غاب التحفظ بعد مدة؟؟

أن ندفن رأسنا في الرمال و نقول بامتياز وضع المرأة العربية و المسلمة هو مبالغة غير صحيحة و لكن الحل ليس باستيراد القوانين المغرقة في الابتعاد عن الفطرة و الأديان و التشريعات و الحضارة الانسانية و إنما بالعودة الى روح نصوصنا الدينية و البناء عليها بما يتناسب مع تحديات و تطورات الواقع، كان الأحرى بنا ان كنا ملزمين بالتوقيع على مثل هذه الاتفاقيات التي لا تبقي لنا دينا و لا دنيا أن ندرس البدائل و نعمل على تعميق الثقافة المستمدة من روح الاسلام الذي يرى في النساء شقائق الرجال لهن ما للرجال و عليهن ما عليهم

“إن الخطوة الأولى في حركة تحرير المرأة العربية و المسلمة انقاذها من براثن المتحررين و كذلك من مخالب المتعصبين و اعادتها الى اسلامها كما نزل حرة، كريمة، محافظة،إنسانة و مربية للأجيال لا ذرة مسحوقة بين حجري طاحون التفلت السمج أو التعصب القذر” و الخطوة الثانية في احلال البديل بتطبيق ميثاق الأسرة في الاسلام الذي جاء للرد على المواثيق الغربية كمشروع مفصل من كبار فقهاء و علماء المسلمين لاصلاح المجتمع و الأسرة من معين الكتاب و السنة و الثقافة العربية

إن تفسخ المجتمعات الغربية و هو أمر لا ينكره منصف متبصر يجعلنا نعيد السؤال: هل نحن بحاجة الى اتباع قوانين أثبتت فشلها أم نكتفي بحصادهم المر دون الحاجة الى أن نأكل الحصرم و نضرس ؟؟

لدى المعارضين الكثير من الدلائل و الاحصائيات و تجارب الدول الأوروبية لاثبات خطورة هذه المعاهدات فهل لدى المؤيدين ما يقابلها من أدلة و أمثلة داحضة؟؟ و لو طرحت مثل هذه المعاهدات للاستفتاء الشعبي الحر في بلادنا العربية فهل ستوافق الشعوب على ما يوقع عليه ساستها و يدخل في أخص مقدساتهم و خصوصياتهم و عقر دورهم؟؟؟

د.ديمة طارق طهبوب

حدثنا مالك قال…

malik3

حدثنا مالك قال !

“باردايم الإسلام الحضاري وعبء الجيل الحالي “

نشر في كتاب “علماء مكرمون” دار الفكر -2006

د.أحمد خيري العمري

حدثنا مالك قال  !

“باردايم الإسلام الحضاري وعبء الجيل الحالي “

د.أحمد خيري العمري

أنتمي لجيل  ولد أو نشأ بعد وفاة مالك بن نبي. إنه الجيل الذي كبر على انكسار الحلم العربي الكبير الذي ازدهر في خمسينات القرن الماضي: جيل الهزيمة والتخبط والتيه. الجيل الذي افتتح وعيه بهزيمة 1967 وضياع القدس وكبر على الهزائم المتتالية منذ حصار بيروت إلى سقوط بغداد.

أنتمي إلى جيل هو جيل السقوط بلا منازع ولا جدال. جيل الإحباط واليأس من أي قدرة على أي تغيير. جيل فقد الثقة في نفسه وفي كل ما حوله وتوج تفاعله السلبي مع ظروفه بنماذج من الشباب أوصلهم فكرهم إلى طريق مسدود واحد: الانفجار انتحاراً ..

إنه جيل الإحباط بامتياز، هو هذا الجيل الذي أنتمي إليه، سواء كان هذا الإحباط انتحاراً مع كل الحجج التي تدعي الشريعة – أو تغريباً مدعوماً بسطوة الحلم الأمريكي المؤدلج– أو محض استسلام  سلبي لكل ما تأتي به رياح الظروف.

نعم . إنه جيل السقوط والإحباط، بلا منازع .. و بلا منافسة .. و بلا أي جدل.

فما الذي يجعلني أتحدث عن هذا وأنا أنوي التحدث عن مفكر النهضة مالك بن نبي؟

في الحقيقة إن الأمرين مرتبطان جداً. ليس “بالرغم من” انتمائي لجيل السقوط. بل “بسبب ذلك”.

جيل السقوط والإحباط، هو الذي يحتاج إلى مالك أن يقول له.

ليس  “بالرغم من” .. ، بل ” بسبب”.

******************

كنت في السابعة عشر من عمري عندما تعرفت إلى مالك للمرة الأولى. ابتعت تلك النسخة القديمة المهملة[1] التي تنازل عنها صاحبها إلى سوق الكتب المستعملة.

لا أزال أذكر كيف هزني الكتاب، ولكن أيضا كم شعرت بالإحباط المر يجتاحني بعدما انتهيت من قراءته ……..

شعرت بغم لا حدود له، لا لشيء، إلا لأني لم أكن قد سمعت بمالك قبل ذلك، ولا حتى باسمه رغم أني كنت “دودة كتب” حقيقية وقارض قديم من قوارضها منذ أن تعلمت الأبجدية، وكان عدم معرفتي بمالك ولا حتى باسمه وهو بهذا الحجم الذي اصطدمت به منذ أول كتاب، دليل على خلل كبير في الثقافة التي بدا لي أنها أمدتني بما هو خطأ … لأقرضه.

قارنت يومها بين أصالة فكر مالك وبين رتابة وبلادة وديماغوجية العشرات بل المئات من الكتب التي كانت سائدة ومنتشرة ومدعومة بأسماء لها سطوة النجومية، وكانت المقارنة لصالح مالك، ولغير صالح الواقع الثقافي السائد.

بالنسبة لابن السابعة عشر كانت حقيقة “عدم شهرة ” مالك، مقارنة بشهرة أسماء أخرى، حقيقة مؤلمة ومحبطة: كما لو أن المفكر الأصيل عليه أن يظل منفياً داخل غربته – بقدر أصالته وإبداعه.

كان ذلك درساً صعباً، تعلمته، وأنا بعد في “مراهقتي” – و كان مالك وشروطه، من الأشياء القليلة التي وضعتها في متاعي، فيما بعد ،عندما غادرت المراهقة إلى النضوج.

*************************

السنن الإلهية وعلاقتها بمبيعات الكتب

…لكن ما كان يمكن لمالك إلا أن يكون مغموراً في ذلك الواقع البائس الذي ما كان لرموزه وشخوصه الثقافية إلا أن تمثل انحطاطه وتخلفه.

ما كان للكتب الرائجة على الرصيف إلا أن تكون نموذجاً لواقع ثقافي ما كان ليرتفع أنملة عن “الرصيف”..

وما كان يمكن للقائي بمالك، إلا أن يكون صدفة، عند بائع لكتب قديمة ومستعملة.

كل ذلك كان طبيعياً جداً. كان جزءاً من القانون الطبيعي الذي يحكم الكون. جزء من طبيعة الأشياء، ومن معادلة الانحطاط. وكان الأمر سيكون “ضد الطبيعة” لو كان اسم “مالك بن نبي” لامعاً وكانت كتبه تباع في كل مكان مع كتب الأدعية والجن والفتاوى المعلبة ….كان الأمر سيكون مخالفاً “للسنة الإلهية” لو أن واقعاً ثقافياً مزرياً تقبل وأحتضن أفكاراً كأفكار مالك

لكن بما أننا، واقعنا، وجيلي  – تحديداً – وصلنا إلى ما يبدو أنه نقطة النهاية، سواء كان ذلك عبر الانتحار المؤدلج، العبثي، أو الاغتراب المؤدلج العبثي أيضاً. فإنه صار لزاماً على واقعنا أن يتغير، وأن يتخلى عن رموز خرابه وركامه، ويبحث عن خميرة لواقع آخر، خميرة لمستقبل (علينا) أن نجعله أفضل من واقعنا .. وإلا كنا مهددين بخطر الانقراض .. بخطر أن لا يكون هناك مستقبل على الإطلاق.

*******************

في نقطة كهذه على جيلي أن يلتقي بمالك.

ليس لقاء الصدفة، عند باعة الكتب المستعملة.

بل لقاء الحتمية، لقاء الضرورة التاريخية – والحضارية …

فلننس حرفة مديح المناسبات

أستطيع أن أزعم أن مالك بن نبي يمثل نسيجاً مختلفاً عن كل النسيج الثقافي العربي – الإسلامي -  الذي فرض نفسه كرداء شرعي وحيد منذ أن بزغ تساؤل ” لماذا تأخرنا ؟ ولماذا تقدموا ؟” أواخر القرن التاسع عشر الميلادي ..

وعندما أقول أنه كان نسيجاً مختلفاً فإني لا أضمر الثناء التقليدي الذي تعودنا أن نوزعه ذات اليمين وذات الشمال كلما دعينا إلى الكتابة عن أحد، بل إني أقصد أن أقول أن اختلافه كان جذرياً جداً عن كل السائد والمنتشر والمتداول من الأفكار .. وربما كان هذا هو سبب من الأسباب التي جعلت من أفكاره تبدو مطمورة وغير قابلة للانتشار. لأنه كان ببساطة يتحدث بلغة أخرى: بأبجدية مختلفة عن الأبجدية التي سادت الخطاب الديني – والخطاب الفكري بصورة عامة .. وهذا ما جعله يبدو هجيناً ونشازاً عن كل السائد.

سؤال النهضة: جوابان فقط لا ثالث لهما

بصورة عامة، تمحورت المشاريع التي طرحت للرد على سؤال “التأخر والنهوض” حول محورين اثنين..

المشروع الأول كان للأفغاني، وقد ركز على الإصلاح السياسي (نظام الحكم) وإصلاح  قمة الهرم التي افترض أنها ستصلح الباقي بالتدريج.

المشروع الثاني كان لمحمد عبده، وقد ركز على الإصلاح الوعظي – الديني، بمعنى العودة للدين بعد تنقية العقيدة من الشوائب التي أدخلت عليها عبر عصور الانحطاط.

ولو تأملنا في الخطوط العريضة للمشروعين، لوجدناها ذات الخطوط العريضة التي سيطرت مجمل على المشروع الثقافي – الإسلامي في القرن الماضي، مع الأخذ بنظر الاعتبار وجود الاتجاه نحو أقصى اليمين أو أقصى اليسار إن جاز الوصف! في كل مشروع.

فبعد كل شيء: تركت فكرة الأفغاني أثرها الواضح في تيار فكري وشعبي عريض ومنتشر، حتى لو تنكرت بعض أجزاء هذا التيار للأفغاني واتهمته بشتى التهم (الماسونية، طبعاً. وماذا غيرها؟) فإن فكرة الإصلاح السياسي التي طرحها ظلت عميقة ومتجذرة في وعي – وأيضاً  لاوعي – هذا التيار، باعتبار أن “الحل السياسي” هو الجواب الوحيد الممكن للخروج من مأزق التخلف. تدرجت الرؤية لهذا الحل من الرؤية الليبرالية المعتدلة التي تؤمن بالعمل السياسي سبيلاً لتغيير الحكم، إلى رؤية أكثر راديكالية وإن لم تتبع أساليب راديكالية، مثل المناداة بعودة نظام الخلافة (حزب التحرير نموذجاً)، إلى الجماعات الأكثر تطرفاً التي تؤمن بالعمل المسلح كوسيلة لتغيير نظام الحكم، والتي اصطدمت وبقوة بالواقع السياسي منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي .. إلى أن انتهت إلى ما انتهت إليه..

ورغم الاختلافات الموجودة في هذه التدرجات فإن القاسم المشترك بينها، يعود أساساً إلى رؤيتها للعلة في واقع التخلف. وبالتالي في “الدواء” الذي تصفه للأمة. وبالتالي كانت المناداة  “بتطبيق الشريعة” وشعار “الإسلام هو الحل“، والمحاولات الانقلابية للإطاحة بأنظمة الحكم، تعبيراً مختلف التدرجات لرؤية واحدة كان الأفغاني هو أول من نظر لها في العصر الحديث: الحل يأتي من السياسة. من نظام الحكم.

أما المشروع الثاني، فقد كان محمد عبده هو صاحب الصوت  الرائد فيه، إنه مشروع الإصلاح الديني الذي يدعو للعودة إلى الدين “الحق” –شعائراً وفرائضاً وأخلاقاً وعقيدة -  وأيضاً يركز على تنقية الدين من الشوائب والبدع والخرافات التي طرأت عليه وعلى عقيدته. الفكرة الأساسية لهذا التيار أن تخلفنا هو النتيجة النهائية لتركنا لهذه الفرائض، و استحقاقاً للغضب الإلهي جراء ذلك. لذلك فإن قلب المعادلة، سيقلب بالضرورة الواقع المتخلف، و سيكون التقدم هو الاستحقاق الذي سيجازينا الله فيه على عودتنا لدينه..

مشروع “الإصلاح الديني” أيضاً له يمين ويسار، مرة أخرى إن جاز الوصف، ففيه تيار يرفض بشكل قاطع ونهائي كل ما لم يكن موجوداً في البيئة الأصلية للنصوص .. ويعتبرها بدعة ومحدثة وفي النار، وهناك تيارات أخرى، أقل جموداً وأكثر حيوية قصرت معنى البدعة المرفوضة على صلب الدين والشعائر الدينية، لكنها ظلت ترى أن أساس “العلة” هو دخول هذه المحدثات (سواء كانت تتعلق بمظاهر العبادات وأساليبها مثل استعمال “المسبحة” في التسبيح بدلاً من الأصابع – أو كانت عقائد دخيلة مستوردة سواء كانت ذات أصول وثنية أو طبيعة صوفية أو ذات مصطلحات فلسفية) [2]

..من الجزيرة العربية إلى المغرب العربي، انتشرت تدرجات مختلفة لهذه الدعوة، متأثرة ببيئتها المحيطة بها، إلى الدين بعد تنقيته من الشوائب. وكان ذلك يعني، أن العلة الأساسية هي أن المسلمين تركوا دينهم أو إنهم ادخلوا فيه ما ليس منه، ولهذا فالدواء الذي وصفه التيار كان العودة للدين – بمعنى العودة للفروض والعبادات والصدق فيها ونبذ كل ما دخل عليها – .. وكان الخروج من التخلف، حسب هذه الرؤية، سيكون محض تحصيلاً حاصلاً ، لرضا الرب  عز وجل الذي غضب علينا لأننا تركنا دينه، فأدخلنا في انحطاطنا، ولهذا هو سيخرجنا من مأزقنا التاريخي، ما دمنا سنترك البدع ونعود للدين الحق.

(وهو كلام لا غبار عليه لو أضيفت السلبية والقعود والانحطاط  إلى البدع التي يجب أن نتركها..)

*****************

لو تأملنا كل التيارات الرئيسة التي سيطرت على الثقافة الشعبية الواسعة الانتشار لرأينا هذين المشروعين يتسيدان الساحة ويتصدرانها ولا يكادان يتركان مجالاً لأي فكرة أخرى تخرج عن نطاقي رؤيتيهما أو تبحث في تركيب علاجي آخر خارج صيدليتيهما.

إنه إما “الإسلام السياسي” – بتدرجات مختلفة بين البرلمان والحياة النيابية إلى الكفاح المسلح – أو “الإسلام الوعظي” – إسلام  التذكير بالسلف الصالح وترقيق مشاعر الناس وقلوبهم لغرض العودة الى التقوى المفقودة.

لو تأملنا كل ما كان لما وجدنا غير هذين المشروعين، يتداخلان أحياناً، ويتفارقان أحياناً، بل ويصطدمان في بعض الأحيان. لكنهما  وحيدان في ساحة فارغة، إلا من منطقيهما ورؤيتيهما  ..

فهم هذه الحقيقة ضروري جداً لمعرفة لماذا أخفي ذكر مالك بن نبي من الساحة لعقود كما لو أنه لم يكن، إنني هنا لا أروج لوجود مؤامرة خفية، لكنني أقول إن سيادة فكر “الإسلام السياسي” أو “الإسلام الوعظي” – ما كان ممكن أن تجعل من لغة مالك مقروءة أو مقبولة – كان هذان المشروعان  يفرضان أبجدية معينة لا تترك مجالاً للغة أخرى وأفكاراً أخرى لا تجد مكاناً في النطاق الضيق للمشروعين الذي تم مطه ومده ليحتل الساحة كلها …

********************

إسلام آخر : بدلاً من الإسلام السياسي والوعظي، إسلام حضاري

مقابل “الإسلام السياسي” و”الإسلام الوعظي”، طرح مالك بن نبي فكرة  “الإسلام الحضاري”  – وكان الأمر غريباً جداً على طروحات “الإسلام هو الحل “- “تطبيق الحدود” و”اقم الإسلام في بيتك يقم لك في أرضك“..و كلها شعارات تملك من الصدق والحق قدراً كبيراً لولا أنها اختزلت الأمر أحياناً إلى محض هيئات دون الالتفات إلى سياقها الإيجابي البناء في التميز الحضاري.

كانت العين السائدة التي تبصر وترى تعاني من قصر شديد في النظر لذلك فبالكاد كانت تستطيع فهم “الإسلام السياسي” – أو “الإسلام الوعظي” – أما الحديث عن الإسلام كحضارة وكمعادلة، ومخطط بياني للصعود والهبوط، فقد كان شديد الصعوبة على الالتقاط من قبل تلك المستقبلات التي تقولبت على مصطلحات “الإسلام السياسي” و “الإسلام الوعظي” والنتائج المباشرة – قصيرة المدى، الموعودة من قبل التيارين ..

كان مالك يدعو إلى شئ مختلف تماماً: وكان كلامه يبدو عن واقع بعيد المنال، يتطلب عقوداً طويلة إلى أن يتحقق، بينما كان قادة التيارين الآخرين يتحدثون عن  مكاسب سهلة تتحقق آنيا وعلى المدى القصير جداً، كان مالك يتحدث عن حضارة، و لم يكن الآخرون يتحدثون إلا عن “حكومة” أو في أحسن الأحوال: “دولة”

مالك بن نبي : إصلاح أم ثورة؟

بهذا المنطق لا أرى في مالك بن نبي مفكراً إصلاحياً على الإطلاق. “الإصلاح” ومفكروه ودعاته ممكن أن يجدوا لهم  مكاناً في واحد من التيارين الرئيسيين – أسماء مهمة و جليلة القدر مثل الكواكبي وابن باديس والبنا والمودودي والندوي والغزالي والقرضاوي ستجد مكاناً – في قائمة الإصلاحيين سواء كانوا مصلحين سياسيين أو وعظيين.

لكن مالك بن نبي لن يكون مع هؤلاء. دون أن يقلل ذلك البتة من مكانة هؤلاء وجهودهم وأهمية أدوارهم.

الإصلاح، بالتعريف، ينطوي على إقرار ضمني، أن البناء الموجود – أو الهيكل الثقافي الموجود، يمكن أن يبقى لأنه يمتلك مقومات البقاء والصمود. ما يريده الإصلاحيون، كما هو واضح، إصلاح البناء أو ترميمه، عبر تصليح هذا الجزء هنا أو إضافة جزء آخر هناك.

مالك بن نبي ليس “منهم” ...إنه يتجه بأفكاره لا  نحو الإصلاح، بل نحو بناء آخر تماماً. وهو ينطلق من الأساسات. إنه لا يتحدث قطعاً عن “إصلاح” مجتمع، بل عن “ميلاد مجتمع” – كما يقول في واحدة من عناوين مؤلفاته – إنه يتحدث عن نهضة من سبات عميق، عن حضارة أخرى، بقيم مختلفة، وبرؤية مختلفة، عن السائد في مجتمع الانحطاط ..

مالك بن نبي مفكر ثوري تماماً، ومشروعه ” ثوري” بكل ما في الكلمة من معاني عميقة: ثورة ترتبط بالفكر الذي يرفض القديم المتهالك ويهدمه ليبني من جديد على أسس مختلفة وقواعد مغايرة ..

إنه مالك بن نبي الثائر هو الذي أراه، لا المصلح، أو الإصلاحي، مالك صاحب الثورة –العاصفة .. ولا يمكن أن أفهم ذلك التقسيم الذي يصنفه كإصلاحي .. وهو الثائر على كل  ما هو سلبي من الأفكار السائدة. بالذات على جذر تلك الأفكار…

وعندما أتحدث عن ثورة مالك، فإني أقصد الثورة الفكرية الحقيقية، لا ما تعودنا أن نفهمه  من مصطلح الثورة عبر تاريخ انقلاباتنا العسكرية البائسة الدموية، التي جرت عادة المزيد من البؤس ومن الدم، وإنما أقصد الثورة بمعناها الاصطلاحي العلمي –الواسع- الثورة التي تنمو كحاجة اجتماعية عميقة، حتى لو لم يشعر بها المجتمع، وهي تكبر داخل رحمه كنتاج للضيق والتأزم والتناقضات الداخلية التي تضطرم فيه ..

الثورة هنا، هي ثورة  شاملة، خاصة بمعناها الاجتماعي والثقافي[3] : إنها تبدأ من فكرة، تبدو للوهلة الأولى، مناقضة لكل مسلمات المجتمع وبديهياته (وأوثانه) ومقدساته. لكن هذه الفكرة الجديدة، تكون انعكاساً حقيقياً لتناقضات المجتمع، وتعبيراً عن إفلاس المؤسسات التقليدية وفشلها في القدرة على تقديم الحلول ,..بالتدريج، تبدأ الفكرة الجديدة – التي تبدو هجينة ومرفوضة أول الأمر – بالانتشار، وتتصارع مع المنظومة الفكرية القديمة إلى أن تنتصر عليها، وتقلب الواقع الاجتماعي كله كتحصيل حاصل.

هذا ما أقصده بالثورة التي يمثلها مالك بن نبي. ثورة فكرية حقيقية تنطلق أساساً من استشعار جدب وبؤس وعقم الحلول السائدة.

باردايم الإسلام الحضاري

ولأن الثورة الفكرية، هي في جوهرها ثورة علمية، فإني أحب أن أستعمل هنا مصطلحاً يخص (بنية الثورات العلمية)  وأخصصه  لوصف تجربة مالك بن نبي _غير المنتهية لحد الآن.

هذا المصطلح هو “الباردايم”[4] – والذي يعني بالعربية نموذج أو مثال ويستخدم تعبير “النسق” أو “النمط المعرفي” أحياناً وأفضل تعريبه كما هو للحفاظ على المعنى المختلف المتضمن فيه – وقد استعمله توماس كون في كتابه الشهير “بنية الثورات العلمية “[5] -1962- للدلالة على نظريته المهمة في نشوء وتطور الثورات العلمية.

حسب كون، التطور العلمي لا ينتج عن عملية تراكم بطيئة كما هو سائد ومنتشر، ولكن يمر التطور العلمية، بين الحين والآخر، بمراحل مفصلية، أو ثورات تلغي القديم – وتغير اتجاه الرؤية العلمية تماماً، نحو جهة أخرى، دون أن تراكم شيئاً على القديم ..

يحدث ذلك، حسب كون، عندما تظهر بعض “الإشكالات” في النظرية العلمية السائدة والحائزة على القبول. وحسب كون أيضاً، فإن هذه الإشكالات تكون موجودة دوماً، لكنها “تهمل” عادة وبغض النظر عنها، مع الوقت، تتحول هذه “الإشكالات” إلى محط للانتقادات، وتكف النظرية السائدة عن الإجابة عن المزيد من التساؤلات وتبدو مهترئة وعاجزة، وبينما يطرح رأي جديد، أو نظرية جديدة، برؤية مغايرة تماماً، ويحدث صراع قوي بين أنصار الجديد والقديم، قد يستمر لعقود، ويحدث انتصار للفكرة  الجديدة، بالتدريج. ولا يكون ذلك – بحسب كون – باقتناع أنصار القديم بحجج المؤيدين للجديد، كل ما يحدث أن هؤلاء يموتون، بينما ينشأ جيل جديد يكون أكثر تقبلاً للأفكار الجديدة، وهكذا يسود “الباردايم” الجديد أو ما يسميه كون “يتحول الباردايم”[6] كدلالة على تغيير الرؤية للكون، وليس مجرد نظرية جديدة ..

من الأمثلة التي طبق كون نظريته في “تحول الباردايم” عليها، والتي لاقت قبولاً كبيراً من يومها: تحول الرؤية للكون من رؤية بطليموس، التي تحتل الأرض فيها المركز، إلى رؤية كوبرنيكوس حيث، توحيد علم الفيزياء على يد نيوتن إلى رؤية ميكانيكية متماسكة، الانتقال من الرؤية الكهرومغناطيسية لماكسويل إلى نسبية اينشتاين، كذلك التحول من فيزياء نيوتن إلى نسبية اينشتاين، تطور ميكانيكا الكم التي أعادت تعريف الميكانيك، ظهور نظرية داروين عن الاصطفاء الطبيعي بديلاً عن رؤية لامارك التي كانت ترتكز على وراثة الصفات المكتسبة.

ولم يقف مصطلح “الباردايم” عند النظريات العلمية، بل صار يصف أيضاً التحولات الاجتماعية الكبرى التي مرت بها الإنسانية، مثل الانتقال إلى عصر الثورة الصناعية، وتوقيع النخب البريطانية الحاكمة لوثيقة الماغناكارتا، وكذلك يشمل على التغير الذي يطرأ على إدارة المؤسسات مثل تطور نموذج الإدارة العسكرية التقليدية إلى النمط البروسي ..

و لا يقف استعمال المصطلح عند هذا الحد فهو يمتد ليصف التحولات الفكرية الكبيرة التي يمر بها الأشخاص في حياتهم الفردية، مثل الانتقال من دين إلى آخر ..

ضمن هذا الفهم والمصطلح، لا يمكن فهم فكر مالك بن نبي إلاّ كباردايم جديد، مخالف ومغاير لكل ما هو سائد وتقليدي من حلول ورؤى. إنه ليس، ولا يمكن أن يكون،  مجرد (إضافة) تراكمية  للفكر الإسلامي، تصف إلى جانب الحلول الجاهزة التي أنتجتها بعض تيارات الفكر التقليدي السائدة. إنه ليس فكرة مختلفة عن دور الإسلام في الحضارة الإنسانية فحسب، بل هو منهج مختلف أوصل إلى تلك الفكرة.

كل المنهج التقليدي اعتمد دوماً على قراءة العالم عبر النصوص، منهج مالك، اعتمد على قراءة النصوص عبر قراءة  العالم.

وبين القراءتين بون شاسع وواسع. بينهما مسافة هي المسافة التي يجب أن يتحولها الباردايم·.

فكر مالك بن نبي ثورة، ثورة فكرية وحضارية، هي ثورة تتقمص دور الباردايم بالضبط كما تفعل كل الثورات العلمية في  تحولاتها البنيوية، وهذه الثورة لم تنتصر بعد، وباردايمها لم يتحول بعد، لم ينجز التحول بعد، لأننا نعيش في تلك العقود الفاصلة التي تشهد هذا الصراع بين القديم والجديد –بل إننا نعيش على عتبة ذلك الصراع ..

لقد ترك مالك بذرة ذلك الباردايم ومضى،  كان هو يسميها دوماً الخميرة – والخميرة هي خطوة أولى في درب إنتاج طويل، مخاض طويل من أجل رغيف حضاري مشبع .. وقد مرت هذه الثورة في بنيتها بسبات طويل سيطرت فيه الباردايمات التقليدية أكثر مما يجب، هي متسلحة بسطوة  بعض المؤسسات  التقليدية المتسلحة هي الأخرى بقداسة النصوص التي تدعي احتكارها  واحتكار فهمها واستعمالها تفسيراً وتأويلاً وبالتالي تطبيقاً.

لكن هذا التأخر، في نضج خميرة الثورة، لا يعني أنها لن تأتي أبداً، كل ما في الأمر أن تفاعل الباردايم وتحوله قد تأخر قليلاً، لكن شرارة ما، في أي وقت الآن قد تدخل المعادلة وتحركها باتجاه آخر، بعكس وضعية السبات السكوني الذي نعيشه منذ قرون ..

ووقتها، ستكون هناك أجوبة أخرى، لذلك السؤال، سؤال النهضة: لماذا تأخرنا؟؟.. وسيكون هناك، مشروع لنهضة حقيقية.

***************************

..وبديهي جداً أن يكون جيلي، الذي ولد أو نشأ وكبر بعد وفاة مالك، هو الجيل الأكثر استشعاراً لفشل الأجوبة السائدة ، وفشل الباردايم التقليدي السائد بمختلف ألوانه  وأطيافه ، إنه الجيل الذي انتهى بالانتحار العبثي أو الانهيار المستسلم دون قيد أو شرط، ولهذا فهو يعلم – أكثر من أي جيل آخر – أنه يحتاج، إلى رؤية أخرى، وأجوبة أخرى، لقد وصل لتلك المرحلة من “البؤس” التي تهيئه للاستعداد للثورة، وصل لتلك النقطة التي تجعله مستعداً، للإطاحة بأشياء كثيرة من أجل التمسك بحبل إنقاذ يخرجه مما فيه.

جيلي وربما الشبان الأصغر قليلاً من الجيل الطالع، ربما يكون هو الأكثر قدرة على تقبل منظومة مالك الفكرية، لأنه الأكثر استشعاراً لفشل كل المنظومات الأخرى التي أوصلتنا إلى ما وصلنا إليه – أو على الأقل شاركت في ذلك ..

وعندما يستمع جيلي إلى مالك، فإن هذا لن يكون استماعاً تلقينياً كالذي تعودناه عبر قرون الانحطاط، لن يكون الأمر تلقياً أصماً وأبكماً كما كان من قبل، ينطلق من المنابر، إلى جمهور مستمع لا يحاور ولا يملك غير أن يسكت ولا يناقش، لأن أي كلمة ستضيع أجره كله .. لن يتنكب فكر مالك المنبر ليسيطر على عقولنا ويمنعنا من الحوار والنظر إلى الجهة الأخرى – بل سيقترب منا بل سيدخل إلينا من منطق حاجتنا إليه، من إفلاس المنابر التقليدية وفشلها ..

من حاجتنا إليه، سنستمع له، وهو يحدثنا فيقول  ..

*******************

الحق دوماً على الاستعمار!

لعل أول ما يقوله مالك لنا، وأكثره اختلافاً أيضاً عن السائد في باردايمات الفشل السائدة، هو رؤيته المميزة لقابلية الاستعمار التي تدخل كطرف أساسي في معادلة الانحطاط والتخلف ..

هذه القابلية، تشكل عاملاً مفقوداً في كل الخطابات التقليدية على اختلاف توجهاتها وشعاراتها: الكل يتحدث عن نظرية مؤامرة. الكل يتحدث عن ثلاثي (الفقر والمرض والأمية) وكيف أن الاستعمار ساهم في وجودها وانتشارها، الكل يتحدث عن التقسيم والتخلف باعتبار أن العدو الخارجي هو السبب في كل ما يدور.

هذه النظرة إلى (الخارج)- المعامل الخارجي – هي السائدة فيما لقنونا إياه عبر العقود، ومن الطبيعي جداً، أنك عندما تبحث عن الخارج كسبب لأمراضك (الداخلية) فإنك ستكف عن البحث عن أسباب (داخلية)، تتعلق ببيتك مثلاً أو بجهازك المناعي، أو بعيوب وراثية في داخلك ..

لكن مالك يرى الأمر مختلفاً، إنه لا يلغي وجود المؤامرة لأن هذا الإلغاء في حد ذاته – يحمل  من السذاجة وقصر النظر بقدر ما تحمل نظرية المؤامرة نفسها – لكن “المعامل الاستعماري” كما يسميه مالك، هو جزء من معادلة طرفها الآخر هو استسلامنا نحن لذلك، قابليتنا نحن لذلك، قابليتنا الكامنة لأن نكون مستعمرين، خاضعين – سواء كان ذلك الخضوع لعدو خارجي يستثمر حالنا هذا، أو لمستبد داخلي – فرعوني – يستغل قابليتنا المزمنة لأن نكون مستعبدين ..

هذه المعادلة طرفاها متوازنان، ووجود الواحد ضروري لوجود الآخر، المستعمر موجود – وهو بالمرصاد – لكنه لا يمكن له أن يدخل لولا وجود مشكلة في جهازنا المناعي – مشكلة مزمنة اسمها قابليتنا للاستعمار ..

كانت فكرة مالك في جوهرها، مواجهة حادة مع الذات .. مواجهة لها في عيوب انغمست هذه الذات في عملية إنكار مريض لها. ف(نظرية المؤامرة)، في جوهرها الأعمق، ليست مجرد نظرية أو وجهة نظر، أو تفسير بوليسي للتاريخ، بل هي في حقيقتها عرضاً لحالة نفسية –سايكوباثية- للهروب من النقد الذاتي واللوم الشخصي.

(نظرية المؤامرة) نوع من الخدر الموضعي، نوع من (المخرج السهل) من الأزمات ومروجوها يتقنون ذلك منذ قرون، والفكر الإسلامي، للأسف، أدمن هذا الخدر حتى صار ميزة من ميزاته. فبنظرية المؤامرة يمكن لنا غض النظر والبصر والعقل عن وجود التناقضات الاجتماعية الحادة التي حصلت في عصر الخلافة الراشدة، مع وجود بذور انحراف قوية وواضحة، ونستطيع أن نحتفظ بالفترة ناصعة البياض عبر (تضخيم؟) شخصية مثل عبد الله بن سبأ، نستطيع أن نحملها نتائج كل ما حصل من شقاق وانشقاق – ونخرج بالمنظومة السياسية والاجتماعية- وبالتالي الفكرية – سالمة من تحمل عبء أي شئ (هذا على الجانب السني، أما على الجانب الآخر من المسألة، فأن نظرية المؤامرة أشد وضوحاً، وأكثر تجذراً، فكل ما جرى، كان نتيجة المؤامرة من الصحابة – كلهم تقريباً – والأمر لم يبدأ عند السقيفة ومؤتمرها فحسب، بل، هو حسب البعض، كان مبيتاً من قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، بل ولدرجة التخطيط لاغتياله..)

وهكذا فنظرية المؤامرة تقول لنا دوماً عن التاريخ أنه كان نتيجة لمؤامرة الأعداء فبغداد الدولة العباسية  لم تسقط بسبب استشراء الفساد والترف والانحلال الخلقي وتعاظم الظلم – وهي الأسباب الموضوعية المرافقة لانهيار المجتمعات والتي أشار إليها الخطاب القرآني بوضوح تام – وإنما تخترع نظرية المؤامرة حلاً يسيراً يريح ضميرها ووسواسها الخناس: فهاهو عبء السقوط يسقط على كاهل الوزير ابن العلقمي، الذي خان بدوافع من انتمائه الطائفي – أي أن الامر كله هو أن الأعداء ينجحون بسبب أننا نغض النظر عن هؤلاء (الخونة) ونسمح لهم بتقلد المناصب، ولو كان الأمر غير ذلك، لما سقطت الدولة العباسية – وكفى الله المؤمنين شر محاسبة أنفسهم والتفكر في أمور دواخلهم ..

نفس المنطق بحذافيره تقريباً، طبق على عزل السلطان عبد الحميد وانهيار الدولة العثمانية. تم غالباً، وعلى الأكثر، تجاهل كل الأسباب الموضوعية التي أدت إلى سقوط وتفكك الدولة، من ترهل إداري شديد، وفساد في الطبقة الحاكمة، وسيادة للفكر الخرافي، والابتعاد عن المعطيات المتسارعة للعلم الحديث ومنتجاته من ثورة صناعية اجتاحت أوروبا آنذاك – كل ذلك تم تجاهله تماماً، وتم التركيز على جزئية صغيرة، جعلت من نظرية المؤامرة الأساس في كل ما جرى – ألا وهي حكاية (رفض) السلطان عبد الحميد للعرض اليهودي بشراء فلسطين – رغم المغريات التي يفترض أنه قدمت له – وهي النظرية، التي ستفترض لاحقاً أن الدولة العثمانية كانت ستظل باقية إلى يومنا هذا لولا المؤامرة التي أطاحت بالسلطان وسلطانه ..

ولو تأملنا الأمثلة الثلاثة (ابن سبأ، وابن العلقمي، ويهود الدونمة) لرأيناها قد تجذرت بعمق في ضميرنا وفي ذاكرتنا وفي وعينا الجمعي لدرجة أن المساس بمسلماتها سيكون مساساٍ بما يعتبره الفكر التقليدي أساساً من أساساته، وسيتعرض من يشكك بهذه المسلمات لحملات تشكيك واتهام تطال عقيدته وإيمانه وتفرغ له نظرية مؤامرة جديدة تربطه بالصهيونية العالمية وبوكالة المخابرات المركزية الأمريكية وما شابه ..

السلبي جداً في الرسالة التي يقدمها الفكر السائد عبر نظرية المؤامرة، أنه يقول للناس أننا بخير مهما ساءت الأمور، كل ما في الأمر أن الأعداء أشرار جداً وهم يتآمرون علينا باستمرار،  وكل ما نحتاجه هنا هو أن نكون منتبهين أكثر لهؤلاء وسوف تكون الأمور بعدها بخير ..

رسالة “نظرية المؤامرة ” هي أننا بخير، وإننا لا نحتاج إلى مراجعة أنفسنا بتاتا، كل ما في الأمر هو أن نغلق أبوابنا وأسوارنا جيداً تجاه هذا العدو (الشرير )..

أصالة وعبقرية رؤية مالك تأتي في كونها عكس هذا التيار السائد منذ قرون .. والذي يمكن اعتباره صفة أساسية من أساسيات فكرنا التقليدي، ومالك لم ينزلق قط إلى ما ينزلق إليه البعض  حالياً من إلغاء وجود المؤامرة – لكنه وضعها كطرف في معادلة نحن طرفها الآخر – ولا يمكن للمعادلة أن تسير وتتوازن ما لم نكن مشاركين وأساسيين في “المؤامرة ” – عبر سلبيتنا وجهلنا وتخلفنا وبعدنا عن الأسباب الموضوعية، بل عبر إيماننا “بنظرية المؤامرة ” فإننا نكون مساهمين أساسيين في المؤامرة، ما دمنا نتلهى عن الأسباب الداخلية التي أوصلتنا لما وصلنا إليه ..

وعندما وضع مالك يده على “قابلية الاستعمار” فإنه وضع يده على قلب التفاعل[7] . على الجرح، على مكمن المشكلة الحقيقية: سواء كان المتآمر مستعمراً خارجياً، أو فرعوناً داخلياً (أو مزيج من مصالح الاثنين ) .. إنها سلبيتنا واستسلامنا لكل ما يدور تحت مختلف المسميات والأعذار ..

عكس تيار إراحة الضمير والعودة إلى النوم: كانت فكرة مالك بمثابة صرخة موجهة إلى الذات (الجمعية) (التاريخية) لاستجوابها، للتحقيق معها في مسؤوليتنا عما وصلنا إليه ..

وهو عكس التيار الآن.

ولهذا بالذات، فإن جيلي يستطيع أن يستفيد جداً من تلك الصرخة..

ويمكن له وهو الأهم من السماع، أن يكمل عملية استجواب الذات.

*                        *                           *

…”وقابلية الاستعمار” تقودنا إلى رؤية مالك العبقرية لذلك النص القرآني: ” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” – إنه بعد قرون طويلة من التنظير التقليدي المباشر وغير المباشر للسلب والجبر وعدم الفاعلية، يتقدم مالك برؤية تجعل من الذات الإنسانية  مصدراً للفعل التاريخي المباشر، بعد أن كانت الرؤية التقليدية العقائدية تجعل من هذه الذات مجرد محلاً للأفعال الإلهية ..

لكن مع رؤية مالك بن نبي – المعاكسة لباردايم السلب والجبر السائد، تحولت النفس – من المشاهد السلبي الذي لا يملك من أمره شيئاً إلى (فاعل) إيجابي –يساهم في حركة التاريخ-  بدلاً من (مفعول فيه)  سكوني يمر به التاريخ دون أن يملك لتغييره شيئاً ..

من الذات، من النفس – يضع مالك يده على الخطوة الأولى في عملية التغيير – عملية النهوض، والتفاعل مع التاريخ، لغرض صنعه من جديد على أسس جديدة.

غير نفسك تغير التاريخ” – شرعة السماء كما يقول مالك [8]– لكن عملية التغيير هنا هي  أكثر بكثير من مجرد مظاهر الالتزام، (إلا عندما نحرص على أن تتضمن هذه المظاهر تميزاً حقيقياً على المستوى الحضاري)، التغير الذي يبدأ من النفس ويؤثر في التاريخ، هو ذاك الذي يجعل الإنسان عضواً فاعلاً في المعادلة التي هي أهم ما اكتشفه مالك بن نبي على الإطلاق.

معادلة الحضارة.

الثلاثة عندما تجمع ..

لأن مالك بن نبي، كان يمتلك نهجاً علمياً في التفكير، يستكشف الموازنات الدقيقة التي يقوم عليها الكون، فإن رؤيته للحضارة لم تخرج عن تلك الرؤية (التوازنية) التي هي أبعد ما يكون عن منطق (الوصايا)، (والأوامر) التي أترعت بها عقولنا منذ قرون.

قبل أن أتحدث عن معادلة الحضارة، أحب أن أشير إلى الفرق الكبير – كجزء من باردايم الاختلاف – بين منطق الوصايا المتسلسلة والأوامر المتتابعة – التي نهجها الفكر السائد بكافة أطيافه، في الوصايا العشر، أو العشرين، أو الثلاثين أو أي عدد آخر – وبين المعادلة المتوازنة التي اختفاء أي عنصر من عناصرها، سيلغيها تماماً.

منطق الوصايا منطق رتيب وشبه سكوني: هناك أولويات عليك أن تخوضها. الوصية الأولى أولاً. وبعدها الثانية. وهكذا، تراتبية بغيضة تضيع فحوى الأمر كله ..

مع “منطق المعادلة“، هناك فهم شمولي للأمر. لا تراتب هناك: إنما أنت طرف في  معادلة يستلزم وجود كل أطرافها ليحدث التفاعل ويصل إلى هدفه النهائي.

في معادلة الحضارة، التي هي واحدة من اكتشافات مالك بن نبي، يقف الإنسان كفاعل أساسي. كعنصر مستقل مؤثر ومتأثر ببقية العناصر ..

أبدع مالك في ربط كل عنصر بشبكة التفاعل التي تؤدي – إذا ما توازن كل عنصر فيها، إلى تكوين الناتج النهائي: الحضارة ..

وأبدع ايضاً في شرح كل عنصر من العناصر الداخلة في تلك المعادلة:

الإنسان . التراب . الوقت ..

وكان ذلك كله عكس التيار السائد من الصراخ (الديماغوجي والأيديولوجي والوعظي) الذي يعامل كل شئ بطريقة تعبوية كما لو كان يملأ استمارات التجنيد أو يوزع صكوك الغفران ..

الإنسان ؟ به فأبدأ ..

الإنسان في معادلة الحضارة هو إنسان النهضة – إنسان (الضد) من إنسان (الانحطاط)، إنه إنسان الحركة ضد إنسان الركود الذي وصفه مالك بأنه (إنسان القلة) – يقنع من كل شئ بالقليل. أو هو إنسان النصف، (إذ هو دائماً في منتصف الطريق، منتصف فكرة، منتصف تطور) – (وهو لا يعرف أن يصل إلى هدف، إذ هو ليس نقطة الانطلاق، في التاريخ كرجل الفطرة، ولا نقطة الانتهاء كرجل الحضارة، بل هو نقطة التعليق في التطور وفي التاريخ وفي الحضارة). هذا الإنسان – الذي هو (جوهر الانحطاط) ونتيجته في آن واحد، هو الذي يهدف مالك – إلى تغييره، لتبدأ الشرارة بتحريك التفاعل ..[9]

كيف؟ .

يحدثنا مالك فيقول: بالتوجيه.

توجيه الثقافة والعمل ورأس المال.

سؤال سيسقط فيه “البعض” بامتياز

الحديث عن الثقافة في فكر مالك وباردايمه المختلف حديث مهم وعميق. ولعله من الصعب الغوص فيه في هذا المقام، لكن أكثر ما أحب الإشارة إليه  هنا، هو أن موضوع الثقافة التي احتلت قدراً كبيراً من اهتمام مالك – ومن عناوين كتبه، أساساً -  وكانت محوراً مهماً في رسالته .. أقول هذا المحور، الموجود بقوة في فكر مالك، يقابل بمساحة بياض فارغة في الفكر التقليدي الذي لن ولا يلتفت لهذا المصطلح كثيراً، بل إنه لن يهتم بتعريف المصطلح أو يكترث له – ولو أننا اختبرنا بعض وجوه ونجوم الفكر السائد بسؤال عن تعريف الثقافة، دون أن نعطيهم فرصة لمراجعة المصادر، لكان جوابهم على الأغلب يقع بين الشهادة الجامعية والحصول عليها، وبين المعلومات العامة التي تؤهل للفوز بجوائز المسابقات! .

.. مع مالك الثقافة ليست إكسسواراً زائداً، ولا هي محض تحصيل حاصل – إنها أساساً من أساسيات توجيه الإنسان في معادلته للدخول في مضمار الحضارة.

بعيداً عن كل التعريفات السائدة، حتى في منظورها الغربي البرجوازي الذي يركز على الفرد – أو الغربي الاشتراكي الماركسي الذي يركز على المجتمع، يقدم مالك تعريفاً للثقافة يربط  فيه بين الفرد والمجتمع – باعتبار أن الثقافة هي (نظرية في السلوك)، أكثر منها نظرية في المعرفة: (مجموعة من الصفات الأخلاقية والقيم الاجتماعية التي يتلقاها الفرد منذ ولادته، كرأس مال أولي في الوسط الذي ولد فيه، والثقافة على هذا هي المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه وشخصيته)[10]

إنه ما أسميته سابقاً [11]: القيم السلوكية، القيم المحركة التي تدخل في لا وعي الناس المنتمين لمجتمع معين وحضارة معينة بغض النظر عن ما حازوه من شهادات علمية.

يضرب مالك مثاله المميز مراراً وتكراراً عن مفهومه للثقافة[12]: فالطبيب الإنجليزي والراعي الإنجليزي تربط بينهما مجموعة من الروابط في السلوك إزاء مشكلات الحياة بتماثل معين في الرأي يتجلى فيه ما يسمى (الثقافة الإنجليزية)، أكثر من الترابط الموجود بين الطبيب الإنجليزي، وطبيب ينتمي لدولة أخرى، (من دولنا مثلاً؟؟)، رغم تطابق الشهادة العلمية والمهنة والوظيفة.

وهو مرة أخرى، يوضح بسعة أكبر لوظيفة الثقافة، فيمثل بوظيفة الدم، (الذي يتركب منه الكريات الحمراء والبيضاء، وكلاهما يسبح في سائل واحد هو البلازما ليغذي الجسد، فالثقافة هي ذلك السائل في جسم المجتمع، يغذي حضارته، ويحمل أفكار (النخبة) كما يحمل أفكار (العامة)، وكل من هذه الأفكار منسجم في سائل واحد من الاتجاهات الموحدة والأذواق المتناسبة)[13].

هذا هو المعنى العميق للثقافة عند مالك، إنها البلازما الذي يسيل في الإنسان الذي هو العنصر الأول في معادلة الحضارة. فكيف يمكن توجيه الثقافة (بمعناها هذا) نحو تغيير الانسان؟. يحدثنا مالك فيقول: (يجب بادئ الأمر تصفية عاداتنا وتقاليدنا إطارنا الأخلاقي والاجتماعي مما فيه من عوامل قتالة ورمم لا فائدة منها، حتى يصفو الجو للعوامل الحية والداعية إلى الحياة.

.. وأن هذه التصفية لا تتأتى إلا بفكر جديد، يحطم ذلك الوضع الموروث عن فترة تدهور مجتمع أصبح يبحث عن وضع جديد، هو وضع النهضة.

ونخلص من ذلك إلى ضرورة تحديد الأوضاع بطريقتين:

الأولى: سلبية تفصلنا عن رواسب الماضي[14].

الثانية: إيجابية تصلنا بروافد المستقبل.)[15]

وبين الأولى والثانية – تخلية الماضي لتحلية المستقبل – تقع قصة الباردايم وتحوله الذي نرى أن فكر مالك هو جزء منه، ونرى أنه لم ينجز بعد ..(وأن جزءاً  من إنجازه يقع علينا نحن، نحن: الجيل الحالي).

ويعطي مالك مثالاً لتخلية وتحلية الحضارة الغربية عند انطلاق نهضتها .. فتوماس الاكويني، حسب مالك، هو الذي قام بالتنقية لتكوين الأساس الفكري للحضارة الغربية، عبر ثورته ضد ابن رشد وضد القديس أوغسطين – الثورة التي هي في حقيقتها مظهر للتجديد السلبي لتصفية الثقافة مما كان يراه فكرة إسلامية (دخيلة) أو ميراثاً ميتافيزيقياً للكنيسة البيزنطية.

أما التجديد الإيجابي، حسب مالك أيضاً، فقد جاء به ديكارت الذي (رسم للثقافة الغربية طريقها الموضوعي، الذي يبنى على المنهج التجريبي، ذلك الطريق الذي هو في الواقع السبب المباشر لتقدم المدنية الحديثة)[16] .. إنه نفي للسلبي، وحرق له، وإلغاء له من كل موروث ثقافي .. مقابل تقديم الإيجابي، وإثبات لقيم أخرى، تحل محل السلبي..

مالك على قمة جبل، و آخرون في قعر وديان أخرى

لست هنا بصدد استعراض كل ما ذكره مالك بن نبي في تفصيلات المعادلة التي اكتشفها وصاغها، لكن أحب أن أوضح حجم الهوة الفاصلة بينه وبين الفكر السائد ..

فمالك بن نبي يحدد أربع عناصر للمركب الثقافي: أولاً : – الأخلاق لتكوين الصلات الاجتماعية، ثانياً: – عنصر الجمال لتكوين الذوق العام. ثالثاً: – منطق عملي لتحديد أشكال النشاط العام – العقل التطبيقي: الإرادة والفاعلية. رابعاً: – الفن التطبيقي، أو حسب التعبير الخلدوني: الصناعة.[17]

كل عنصر من هذه العناصر يقف بالضد وبالتمايز من المفاهيم التي تروج منذ قرون، فالأخلاق هنا شبكة علاقات اجتماعية تغير النسيج الثقافي، مقابل صورة سائدة للترغيب والترهيب تزرع بها الأخلاق دون جدوى دون محاولة لفهم ذلك أو لزرعه ضمن موضعه الثقافي – الاجتماعي، ومقابل عنصر الجمال، (والذوق العام)، هناك الحرص على القبح والرداءة وعدم التناسق بحجة ادعاء زهد مزيف في الدنيا أو اعتبار البهرجة الزائفة معياراً للجمال، ومقابل العقل التطبيقي – الفعال – هناك عقلية (لا تفكر لها مدبر) وعقلية انتظار سفن التواكل لكل ما تأتي به رياح القضاء والقدر والقسمة والنصيب ..

ومقابل عنصر الفن التطبيقي (الصناعة) هناك مقولة تنسبها المؤسسة التقليدية للسنة النبوية وتروج لها وهي (تسعة أعشار الرزق في التجارة) بل هناك دعوة من بعض (المفكرين!) لأصحاب الوظائف بترك مهنهم (.. المهندس والطبيب والمعلم مثلاً ) والانخراط بالتجارة والبيع والشراء ومن البديهي أن التجارة المقصودة هي تجارة (الترانزيت)، أي تجارة تنقل بضائع مصنوعة في مكان آخر، وتجلبها ليستهلكها إنسان القلة وإنسان الانحطاط وإنسان الجمود: إنسان الاستهلاك الذي هو عالة على الإنسانية ومنجزاتها.[18]

كل ذلك حدثنا به مالك وقاله، لكن كل ذلك ضاع وسط الأصوات الأخرى المشوشة، أصوات الفكر السائد بجناحيه السياسي والوعظي، وكل ذلك يجب أن يقف الآن، ليتعرف جيلي من جديد على ما حدثنا به مالك .. وهو كثير.

العمل ورأس المال ..

بنفس الطريقة المختلفة، تحدث مالك عن جوانب التوجيه الأخرى  التي تغير (الإنسان)، كجزء من المعادلة التي تؤدي إلى الحضارة .. فبعد توجيه الثقافة، بتعريفها الذي حدده مالك، يأتي توجيه العمل، وتوجيه رأس المال، كضلعين مكملين وناتجين لفكرة الثقافة – ففكرة العمل عند مالك بن نبي تأخذ طابعاً منهجياً يختلف تماماً عن الرؤية التقليدية للعمل التي تتعلق (بالكسب) لا أكثر ولا أقل – غاية ما يقدمه الفكر السائد هو أن العمل عبادة بمعنى أن عليك أن تعيل نفسك وتكسب قوتك بنفسك – مع فكر مالك، العمل هو(الإمساك بعصا التاريخ)، ومسألة (الأجر) مسألة ثانوية أمام موضوع (الجهد الاجتماعي) الذي يجمع كل أنواع العمل باختلاف المسميات، نحو عملية تغيير اجتماعية – حضارية حقيقية.

وبنفس المفهوم العميق، يتحدث مالك عن (رأس المال) – ليس بالطريقة الوعظية – النفعية التي انغمس فيها الفكر السائد الذي لا يطالب الأغنياء إلا بشيئين: الزكاة، والامتناع عن الربا ( .. مع تساهل في بعض أنواعه عند البعض عند الحاجة باستخدام الحيل الشرعية). وفي هذه الحالة، (رأس المال) هو ليس رأس مال بالمعنى العلمي للكلمة، أنه مجرد (ثروة) – أما مالك فيتحدث عن رأس المال الاجتماعي، وهو المعنى الذي لا يتحقق إلا عندما تكف (الثروة) عن كونها مجرد ثروة فردية يدفع أصحابها عنها الزكاة وينتهي أمرها، إلى أن تصير رأس مال يتحرك وينشط على مستوى الفاعلية الاجتماعية.

بالنسبة لمالك، أي مال يكون كاسداً حتى لو تضاعف مادام لا يساهم في تحريك المجتمع والدفع به إلى الأمام – ويكون رأس مالاً حقيقياً حتى لو لم يحقق أرباح مباشرة، مادام يساهم في رقي المجتمع والدفع به إلى الحضارة ..

بعيداً عن منطق الوعظ ومفهوم الفواتير ونسبة العشر ونصف العشر يذهب مالك إلى عمق الأمر: قبل الزكاة، قبل النسب الحسابية هناك وظيفة اجتماعية للمال عليه أن يؤديها. وظيفة تدفع بالإنسان إلى أن يكون عنصراً فاعلاً في معادلة الحضارة.[19]

هذه المكونات الأساسية هي التي يجب توجيهها بشكل معين ليستفيد الإنسان:

الثقافة . العمل . رأس المال.

ليصير الإنسان مؤهلاً للمشاركة في معادلة الحضارة

من التراب إلى الضوء

العنصر الثاني في معادلة الحضارة هو التراب.

والتراب مصطلح يستخدمه مالك بذكاء شديد. إنه لم يقل مثلاً (أرض) أو أي تعبير قريب، لكن كلمة (تراب) هنا ووضعها في المعادلة بالقرب من العنصر الأول الإنسان، يذكر بالعلاقة الأساسية بين الإنسان – وبين التراب–  باعتبار أن الإنسان أصله تراب ..

..التراب هنا هو إمكانية أن يتحول إلى أي شئ آخر: إنه الثروة الكامنة، المعجزة الكامنة. التراب هو المرحلة الأولية التي يمكن أن تؤدي إلى البوار أو إلى الخصب. إلى التصحر أو إلى الحقول الوفيرة.

و(الإنسان) هو الذي يقرر – بفاعليته، أو بسلبيته – اتجاه التحول ..

يضرب مالك مثالاً للاستدلال على أهمية عنصر التراب وعلاقته التبادلية مع  “الإنسان” .. وهو مثال متكرر ومتجدد إلى الآن– مادمنا نعيش في عصر الانحطاط إن لم تكن دلالاته صارت أقوى وأشد – إنه مثال التصحر الذي يقول أنه كان جنوب مدينة تبسة في طفولته، ثم إذا به يصير شمالها  خلال عقود[20]. والتفسير المباشر لهذا قد يكون متعلقاً بعوامل البيئة وتغيرات الجو. لكن – من ناحية أخرى– هناك معامل يتعلق بالإنسان وموقفه من هذه التغيرات  البيئية (فتقدم الصحراء) دليل قاطع على (تأخر الإنسان) وتخلفه – دليل على أن إنسان (القلة) و(المنتصف) غير قادر على مواجهة التحدي، وكل ما يفعله أمام تقدم الصحراء هو أن ينقل مواشيه وحيواناته وأسماله إلى مكان آخر، بانتظار أن تصله الصحراء .. كل رد فعله هو أن ينتقل من مكان إلى آخر

يقارن مالك رد الفعل هذا، الذي يتهدد كما يقول  80% من العالم الإسلامي من الباكستان إلى الأناضول إلى الحجاز إلى شمال أفريقيا، يقارن هذا بأزمة مماثلة مرت بفرنسا في منتصف القرن التاسع عشر (حيث كانت رمال الشاطئ الأطلنطي والمستنقعات الضارة تهدد مصالح أهلها وصحتهم .. ولكن سكان تلك المنطقة انطلقوا بهمة وصبر يوقفون الرمال عند حدها، وتكبدوا في سبيل ذلك ما تكبدوا، وقضوا عشرين سنة يسدون الطريق على الرمال من مدينة (بوردو) إلى مدينة (بياريتز) .. فانتصروا على الرمال التي أرادوا صدها، وكانت نتيجة انتصارهم أبعد مما كانوا يتوقعون، فقد كانت تلك المنطقة أفقر المناطق وأكثرها وأخطرها على الصحة في فرنسا، فأصبحت بما تمتعت به الأشجار الكثيرة،  ذات حركة اقتصادية ممتازة، إذ أصبحت أول منتج في العالم لزيت (التربنتين) المستخرج من تلك الأشجار، وأصبحت ملجأ صحياً للمرضى من جميع أنحاء العالم ..)[21]

ثم ذكر أمثلة أخرى مماثلة عن روسيا .. وهولندا التي (ثلث أرضها مصنوعة بأيدي أهلها)

لكن مالكاً لم يقصد الأرض بهذا المعنى المباشر فحسب، لقد كان يقصد كل ما هو قابل للاستثمار، في هذا الكون  ما هو قابل للاستخلاف في هذا التراب الذي منه خرجنا وإليه نعود – وبين الخروج والعودة هناك اختبار الاستخلاف.

الأمر لا يتعلق بالثروات الخام التي يمكن استخراجها من باطن الأرض – بل يتعلق بالدرجة الأولى بقدرة البيئة على تحفيزنا، بمقدار التحدي الذي ينشأ في أعماقنا ومقدار الاستجابة الذي يظهر علينا ..

التراب بالتأكيد ليس الثروات الخام التي وقعنا عقود استخراجها وجاءت الشركات العالمية بعمالها ومهندسيها وخبرائها، وجلسنا نقرض الأرباح و نعيد تدويرها في بورصات الاستثمار التي نعرف (أو لعلنا لا نعرف!) لمن تعود في النهاية بأرباحها ..

التراب ليس ذلك أبداً. إنه التحدي الإيجابي. ليس (مفتاح) المصنع الذي نشتريه دون أن نمتلك خبرة تصميمه وتراكم خبرة تشغيله وأخلاقيات التعاون والانسجام التي هي من ضرورات العمل فيه.

التراب ليس مجرد أرض بكر مليئة بالثروات وتعال واحفر واستخرجها. على العكس. انه قد يكون مجرد جزر صغيرة وصخرية ومتناثرة وخالية من الموارد الطبيعية في داخلها – ولكن وضعها الصحيح في معادلة الحضارة مع (الإنسان – الفاعل) جعلها عنصراً شديد الأهمية …. (حدث ذلك مع اليابان كمثال مهم وواضح).

بالتضاد من ذلك، فإن أرضنا المليئة بالثروات الطبيعية، وضعت في معادلة انحطاطنا، وتفاعلت مع (إنسان – القلة) و(إنسان السلب والقضاء والقدر) – فكان الناتج مجتمع الاستهلاك الذي لا ينتج غير الخدر والتثاؤب والسرف السخيف والتبذير السفيه ..

ربما لو كان جوف الصحراء عندنا خالياً من النفط، لكان في ذلك تحدياً أفضل، ربما لكان ذلك حافزاً للإنسان أن يصير فاعلاً .. فلنتفاءل إذن بقرب نفاد كل شئ ..)

.. مع التراب، الأمر قابل لكل الاحتمالات، ويعتمد على الإنسان  داخل تلك المعادلة. قد يكون الناتج المستخرج من التراب شاسعاً بقدر سد مائي ضخم يروي الصحراء ويقهر البيئة، أو تكوين أمطار صناعية تغير الظروف المناخية وتجلب الخصب والغذاء لجياع العالم وقد تكون طاقة بديلة لهذا العالم الذي يرتجف نصفه برداً وجوعاً في الشتاء القارص ..

.. وقد تكون شريحة (كومبيوتر) لا تكاد ترى بالعين المجردة،  ولكنها تحوي كل معارف البشرية وتراثها الضخم ..

كل هذا تراب، ولكن أي تراب، في معادلة الحضارة ..

- ولعل علي أن أذكر هنا، أن التراب، بهذا المعنى العملاق الواسع الذي يعني تحفيزاً لقدرات الإنسان وفاعليته، لا يمكن أن يكون محض مشروعاً صغيراً – يستثمر طاقات الشباب ويفرغها في إطار ضيق ..إنه مشروع حضارة ضخم يستند على (باردايم مختلف)، على ثورة فكرية غيرت لب هذا الإنسان المشارك – بالسلب والإيجاب، بالنسف والبناء، بالتحلية والتخلية، وليس مجرد مجموعة شباب قررت كسب الأجر والتعاون على البر والتقوى وتمضية وقت مفيد.

بعبارة أخرى، عنصر “التراب”، قد يذكر، ضمناً بالزراعة.  لكن الأمر أكبر بكثير من  مجرد الزراعة.

مع كل الاحترام لكل الجهود.

*                                   *                                      *

إن لم تقطعه قطعك..

ومع العنصر الثالث – الوقت – يتحد العنصران الأوليان في محك التفاعل – وينصهران في بوتقة الحيوية.

كما في أي معادلة، وفي أي تفاعل، لن تتفاعل العناصر حقا إلا عندما يدخل (عامل الوقت)  على التفاعل. الفرق بين وجود هذا العامل في أي معادلة أو عدم وجوده هو الفرق بين التنظير والواقع.

الفرق بين كلمات جامدة على الأوراق، وبين التفاعل الحقيقي الذي سيؤدي إلى ناتج (ملموس).

يصدق هذا على أي تفاعل بالإطلاق. أي عنصرين كيماويين لكي يدخلان في خضم تفاعل، يحتاجان إلى عامل الوقت (ولو كان الأمر أجزاء من الثانية) – لكن عامل الوقت هو الذي يحدد أن كان هذا التفاعل قد صار تفاعلاً حقاً أو أنه لم يبدأ.

الأمر مع المعادلة الحضارية أكبر وأهم – لن يكون هناك أي تفاعل بين الإنسان والتراب ولن يؤدي شيء إلى الحضارة إذا لم يدخل الوقت كعنصر أساسي في التفاعل – والوقت (الحضاري) هنا هو ليس أجزاء الثواني والدقائق والساعات التي ستمر في كل الأحوال (أي الزمن بالمعنى الفيزيائي)، كما أن الأمر لا يتعلق بالمفهوم الفلسفي بمختلف تدرجاته (من المفهوم الذي يعتبر الزمان حاوية الحوادث، إلى الذي يعتبره مجرد وهم أو تصور) .. ولا حتى الزمن بالمفهوم النفسي (الذي يجعلك تشعر أن الوقت يمضي بسرعة (أو يطير) عندما تستمتع به، ويكون بطيئا جداً في أحوال أخرى).

الوقت، بالمفهوم الذي تحدث عنه مالك في معادلة الحضارة، هو الذي تتوهج أهميته فجأة، هو الذي يصير رصيدك ورأس مالك الأساسي، إنه حبة الرمل التي تهبط من الخانة العالية إلى السفلى في الساعة الرملية، وأثناء هبوطها يمكن لها أن تكون  منجماً تستخرج منه أنفس المعادن فإذا وصلت للخانة السفلى ولم تستخرج منها شيئاً، انتهت كحبة رمل عادية ..

الوقت هو، كما يقول مالك، في واحدة من اشراقاته العبقرية “نهر قديم يعبر العالم منذ الأزل ..”[22]

فهو يمر خلال المدن يغذي نشاطها بطاقته الأبدية، أو يذلل نومها بأنشودة الساعات التي تذهب هباء، وهو يتدفق على السواء في أرض كل شعب ومجال كل فرد، بفيض من الساعات اليومية التي لا تغيض، ولكنه في مجال ما يصير (ثروة)، وفي مجال آخر يتحول عدماً[23]

.. إنه نفس النهر يمر على الجميع، كل نقطة ماء فيه تذهب إلى غير رجعة، وكل نقطة ماء فيه تشبه الأخرى، ومع ذلك فهي مختلفة عنها تماماً ..

أمام ذلك النهر الذي يمر منذ الأزل يتعامل الناس بأسلوب مختلف.. تبعاً لموقعهم من الحضارة والانحطاط فالبعض يتأملونه ويتثاءبون، والبعض يجعلونه مكباً لنفاياتهم، وآخرون يجعلون منه وسيلة لنقل الأمراض، وآخرون يبذلون الجهد في تحويله إلى (ساقية) أو محض (جدول) صغير، وآخرون يستثمرون فيه عبر بناء الكازينوهات والمطاعم على ضفافه (من أجل الماء والخضرة والوجه الحسن).

لكن آخرين، سيجعلون من كل قطرة فيه منجماً. سيكون هذا النهر مصدراً لتوليد الطاقة، وسيعاد تدوير كل قطرة منه، والاستفادة من كل ذرة منها، حتى تكاد دورة الماء في الطبيعة لا تنتهي أبداً .. ويحولون – عبر استثماره – الأرض اليباب، الأرض – البوار، إلى أرض الحضارة، أرض الحياة ..

حالنا مع الوقت، كحالنا مع النهر،  بعضنا لا ينشد غير الهباء فيه، معظمنا لم يخرج بعد من زمن الرعيان، وليس هناك أكثر من الوقت لتضييعه،  ليس هناك ما هو أرخص منه لهدره ..

هنا لا أتحدث عن “احترام الوقت” كسلوك حضاري فحسب، رغم أهميته، لكني أتحدث عن الهوس بذلك – الأمر أكبر من أن تأتي على موعدك “بالثانية”. الأمر هو ماذا تفعل بموعدك هذا وما تفعل بوقتك كله. أتحدث عن استشعار ذلك كما لو كنت تلهث، كما لو كانت هذه الثواني التي تنسل من بين أصابعك، هي كل رصيدك – بل هي كذلك فعلاً – يكون الأمر كما لو أنك في سباق مع الزمن، وكل ما تملكه هو ثوان لتنقذ ابنك الوحيد من ما يسمونه (موت محقق ) –  يكون الأمر عندما تشعر دوماً أن “الباقي من الزمن ساعة”، وأنك دخلت دوماً في الوقت الضائع، وأن عليك أن تنجز وتنجز وتنجز، بينما رصيدك يتسلل من بين أصابعك ..

لا أحتاج هنا للدخول في مجال التنظير والتأصيل القرآنيين لعقيدة “الوقت” – فذلك كان موجوداً طوال الوقت، لكن المؤسسة الدينية التقليدية أهملته، فالإبقاء على زمن الرعيان أفضل وإقحام “المسح على الجوربين” في هوامش العقيدة أمر تفضله المؤسسة بالتأكيد.

كان الأمر موجوداً دوماً، في ثنايا الخطاب القرآني، لكن الكل التفتوا لكل شيء عداه ..

إلى أن جاء مالك، وصاح، كما أرخميدس: ” وجدتها!”.

متى نجده نحن؟

.. واليوم، صار على جيلي أن يطلق نفس الصرخة الأرخميدسية، ليس على الوقت، ولا على معادلة الحضارة، ولكن على مالك، على ذلك “الباردايم المختلف” – على مفهوم “الإسلام الحضاري” — المختلف عن كل ما سبق : الإسلام السياسي أو الوعظي أو التقليدي .. أو أي مسمى آخر ..

صار على جيلي أن يلتقي بفكر مالك، لا لقاء الصدفة العابرة عند بائع الكتب المستعملة، ولا لقاء الثقافة والاطلاع وزيادة المعلومات العامة، بل لقاء الحتمية، لقاء الخروج من النفق المظلم الذي دلفنا إليه منذ قرون ..

وسيكون من المضحك التصور أن لدى مالك خطة جاهزة للتطبيق، أو حتى مشروع كامل.

صار على جيلي أن يكمل هذا التحول، تحول باردايم “الإسلام الحضاري” ..

*       *       *

لست هنا بصدد استعراض كل أفكار مالك، والتي على جيلي أن يعيد اكتشافها، أو تطبيقها، فلمالك مشروع يتميز بالشمولية، وما قاله عن المرأة مثلاً أو عن الديمقراطية وعلاقتها – أو عدم علاقتها – بالإسلام يستحق أكثر من مجرد وقفة “قراءة و اطلاع”.

لكني أحب هنا أن أذكر، أن رؤية مالك المختلفة، والتي تمثل منظومة فكرية مختلفة اشتملت على بذور لدراسات يجب أن تكتمل وتؤصل وتكري تكرر وتمنح مزيداً من البحث والمنهجية. لعل أهم هذه البذور هي مقولة مالك عن كون الدين باعثاً أساسياً لكل النهضات الحضارية، هذه المقولة لا تزال في طورها الجنيني، وتحتاج إلى المزيد من الدراسة المقارنة والتوسع في النتائج والاستدلال بالفوارق ..

لا سادية و لا مازوشية مع الآخر الغربي

وفي خضم الإعصار الذي يجتاحنا، ويجعلنا إما منتحرين فكرياً أو انتحاريين جسدياً أو منحورين سلبياً، في خضم هذا الإعصار، يقف (مالك) نموذجاً فريداً بين مفكري الأمة وروادها – ليس بكونه صاحب مشروع معرفي مختلف فحسب، ولا رؤيته مغايرة لما هو سائد، ولكن لأني أزعم أنه المفكر الوحيد (من بين الرواد على الأقل) الذي وقف على أرضية علاقة صحية مع الغرب.

الكثير من المفكرين، سقطوا في فخ العلاقة الشاذة غير الصحية مع الغرب، بين الانبهار والاحتقار، بين القبول المطلق والرفض المطلق ..

ليس سراً نذيعه إذ قلنا أن هذه العلاقة “الشاذة” بوجهيها هي وباء فكري مستشري تماماً في الفكر الإسلامي منذ بزوغ أسئلة النهضة وأجوبتها في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي.

بقليل من الإنصاف، سيكون ذلك مفهوماً تماماً، فقد كان لابد لصدمة الإلتقاء بالغرب، أن تحدث انبهاراً مريضاً، انطلاقا من معطيات التخلف المروع السائدة .. (أذكر هنا أن وصف بعض رواد الإصلاح للحياة الغربية كان فيه من الوجد والهيام ما يذكر بحالات التجلي التي يذوب فيها المتصوفون)..

ولكن مع الوقت، حدث صدام آخر مع الغرب، خاصة عندما كشر عن أنيابه ومطامعه بوضوح أكثر، وأحدث ذلك الصدام، رد فعل معاكس للاتجاه الأول، تمثل في الرفض المطلق لكل ما هو آت من الغرب، حتى لو كان هذا موافقاً لقيمنا الأصلية .. وتمثل ذلك في أدبيات سائدة ومنتشرة ومعروفة ترفض أصلاً أن تنظر أو تسمع ما يقوله الغرب لأنه “جاهلي” تماماً ..

والموقفان في واقعهما، وجهان لحقيقة واحدة تمثل الاستلاب برد فعليه المتعاكسين، بل إن هذا الاستلاب أحياناً يدخل في علاقة مركبة معقدة تجاه الغرب، تتمثل في علاقة (حب – كره) أي أننا نحب الغرب ونحب أن  (نكونه) – لدرجة أننا نكرهه لأننا عاجزين عن أن نكونه .. فيتمثل ذلك في هستيريا جماعية ناقمة على الغرب تحت شتى المسميات والشعارات لكن المنطلق الأساسي يكون هو الغيرة بمعناها المعقد .. إنها علاقة يتبادل فيها السادي والمازوشي الأدوار، وتظهر على فكرنا ملامح ذلك بوضوح ..

*     *      *

بعيداً عن هذا الشذوذ الفكري كله، المنبهر والمحتقر، السادي والمازوشي، يقف مالك على أرضية علاقة (صحية) – خالية من العقد، ومن المواقف (المطلقة) سواء كانت الرفض أو القبول، على أرضية ثابتة، لا تشبه أي أرضية وقف عليها الرواد – وقف مالك ليتفاعل مع الحضارة الغربية ومعطياتها وإرهاصاتها ونتائجها.

إنه المفكر الذي هضم الحضارة الغربية دون أن يصاب بعسر الهضم أو التخمة أو التسمم أو الإدمان، لقد تمكن من تمثيلها تماماً، واستخراج ما فيها من عناصر مفيدة والتخلص مما غير ذلك.

يمكن لمالك، وحده تقريباً، أن يستشهد بماركس أو هيغل أو نيتشة أو فيورباخ أو كيسرلنج أو انجلز أو توينبي أو شبنغلز دون أن يلعن أو يكفر أو يسجد أو يقف بذهول أمام ما يقولون ..

اعتبر مالك الغرب، تجربة الحضارة الغربية ككل “نموذجاً للدراسة” لا نموذجاً “للتطبيق” – لقد هضمها تماماً بحيث أنه صار قادراً على ذلك، دونما ادعاء أو أحكام مسبقة. “نموذج الدراسة” هو المثل والعبرة والحقل الذي يمكن منه استنباط قوانين الحضارة ومعادلاتها ومنحنيات هبوطها وصعودها: حالها حال الحضارة الرومانية أو الإغريقية أو الإسلامية – التاريخية.

هكذا وقف مالك أمام صرح الحضارة الغربية الشامخ كما نقف أمام منجزات الحضارات الأخرى: أمام الأهرام مثلاً، أو الاكروبولوس، أو الكوليزيوم: سنعجب حتما أمام الإبداع الموجود في ثنايا هذه المنجزات، لكننا لن ننسحق أمام قيم تلك الحضارات وأخلاقياتها وثوابتها، بل قد نعدها مرفوضة تماماً بالنسبة لنا ..

كذلك وقف مالك أمام منجزات الحضارة الغربية – دونما عقد خوف أو حب مسبقة.

وكذلك يحتاج جيلي إلى أن يتعلم من مالك.

تحويل مالك إلى رف من رفوف المكتبة التقليدية

.. وعلي هنا أن أقول أن ظاهرة الاهتمام (الأكاديمي) المتأخرة بمالك هي أمر مقلق.

قد يبدو ذلك غريباً، وحري بي أن أعتبر هذا الاهتمام رد اعتبار لرجل طالما عانى من الإهمال والإقصاء والعداء طيلة حياته – لكني رغم ذلك أجد الأمر مقلقاً وغير مريحاً على الإطلاق ..

إني أجد هذا الاهتمام، في أحسن أحواله، شبيهاً بالاهتمام المتأخر الذي تلقاه ابن خلدون وشخصه ومؤلفاته بعد قرون من وفاته، ونقاط التشابه بين الرجلين كثيرة، وأرجو أن لا تكون النهاية متشابهة فابن خلدون، ضمن إطار عصره وتاريخه وبيئته، أنتج فكراً مغايراً للرؤية التقليدية السائدة آنذاك، كانت أفكاره المبدعة نشازاً ضمن جوقة السائد والمنتشر، كان هو الآخر “باردايماً” مختلفاً للمجتمع للعالم والعلاقات السائدة، لكن هذا الباردايم لم يكمل تحوله أبداً، لقد انتصر الباردايم السائد، هزمه التقليديون، وظلت رؤيتهم هي السائدة، ولم يفلح فكر ابن خلدون في درء الغروب الذي كان قد بدء يضرب بأطنابه على الحضارة الإسلامية ..

.. ولم يكن الأمر مجرد باردايم لم يكمل تحوله: كان الأمر أكثر من ذلك. فابن خلدون لم يلتفت إليه أساساً، أفكاره لم تعرف لا على نطاق واسع ولا  ضيق حتى لاحقا بعد وفاته …

لقد اندثرت تماماً لعدة قرون ..

وما كنا اليوم نعرف ابن خلدون ولا نقارن مالك به، لو لا أن الغرب قد اكتشفه منتصف القرن التاسع عشر واحتفى به واكتشفناه مستورداً نحن أيضاً، كما نستورد كل شيء، واحتفينا به وحضرنا المؤتمرات باسمه والندوات  في تكريمه، ولكن كل ذلك بعد فوات الأوان: كل ذلك بعد أن فات وقت الاستفادة من باردايمه، فكل منظور معرفي يحمل معه زمنه وظروفه ويحمل أجوبة لتساؤلات عصره .. ولا يمكن قسره على عصر آخر أو ظروف أخرى بأي شكل من الأشكال.

من أجل ذلك، أجد نفسي (متطيراً) من مقارنة مالك بابن خلدون ..

أخشى أن نفعل به كما فعل بابن خلدون معاصروه ..

أخشى أن يكون باردايماً آخر، يمضي دون أن نستفيد شيئاً.

*       *        *

.. وأكثر ما يخيفني في الاهتمام الأكاديمي، هو أن جلها يعامله كما لوكان مفكراً إصلاحياً آخر – يقارن بغيره من الإصلاحيين – وهذا يقتل أهم ما في مالك: يقتل روح الثورة في فكره. يقتل روح الرؤية الأخرى المغايرة. يقتل وجه القمر الآخر الأكثر روعة والذي لا نراه ..

معاملة فكر مالك بهذا الشكل يسلب منه واحدة من أهم نقاط تميزه: إنه بحد ذاته بذرة لمشروع نهضة متكامل – لا يمكن أبداً أن نضعه كرقعة على ثوب الفكر التقليدي السائد..

إنه نسيج مختلف تماماً، ومعاملته كرقعة لا تفرق كثيراً عن اللامبالاة والصمت .. وقد تكون أشد قسوة من العداء ..

في دار حقه هناك، عند من لا يضيع عنده حق أحد، لا يحتاج مالك إلى شيء من كل هذا.

إنه لا يحتاج إلى كتابة المقالات عنه، ولا البحوث الأكاديمية، ولا حتى إعداد رسائل الماجستير والدكتوراه عنه ..

إنه لا يحتاج إلى المؤتمرات، والندوات، وحفلات العشاء التي تقام تحت شعار تكريمه والاحتفاء به ..

بالنسبة له: كل ذلك لم يعد يعني أي شيء. إنه لا يحتاج (منا) إلى أي شيء .. إنما نحن نحتاج إلى أشياء ..

بعد إعادة الاكتشاف: التفعيل

لا يحتاج جيلي إلى محض “إعادة  اكتشاف” لمالك. أو “إعادة قراءته” وأكيد لا يحتاج إلى “إعادة الاعتبار له”.

يحتاج جيلي إلى أن “يفعل” مشروع مالك – الذي هو مشروع النهضة الأكبر من أن تختصر بمالك بن نبي أو أي اسم آخر لأنها نهضة ترتبط أصلاً بنبي الإسلام وبرسالته عليه الصلاة  والسلام-  إلى أن يكمل الدرب، إلى أن يساهم في عملية تحول الباردايم التي لم تكتمل ..أن نمضي قدماً في ذلك المنهج المختلف في التعامل مع النصوص، عبر قراءتها عبر العالم، بدلاً عن قراءة العالم بها..

لنعترف: ترك مالك بذرة عظيمة المواصفات، لكن ذلك لم يكفي لنمو الشجرة المرجوة .. فالتربة قتلها الإهمال وتصحرت وصارت مفككة لا تحوي ماءً ولا تنبت نباتاً، لم تمر غيمة منذ قرون، ولم يهطل مطراً ولم يكن هناك حتى سراب .. بذرة مالك عظيمة فعلاً، لكنها تكاد تموت. تحتاج إلى تهجين وتحسين، تحتاج إلى (طفرة جينية) لاستحداث صفات جديدة مقاومة وتحتاج التربة إلى إصلاح. في الحقيقة إنها تحتاج إلى ما هو أكثر من إصلاح.. تحتاج إلى استبدال. تحتاج إلى تربة جديدة يمكن للجذور أن تنمو فيها وتمتد فيها وتتشابك لتأخذ كل الأوكسجين الذي تحتاجه..

.. ونحتاج أيضاً إلى أن نخطط للحصول على الماء لسقي هذه البذرة، نحتاج إلى خطة استسقاء تشتمل إلى ما هو أكثر من مجرد صلاة استسقاء،  تهدف إلى تحويل كل ذرتين هيدروجين وكل ذرة أوكسجين إلى ماء يسقي تلك البذرة ..

.. ونحتاج بعد ذلك إلى السماد الذي يحافظ باستمرار على حيوية التربة: إنه تلك المركبات العضوية التي تمد البذرة بمختلف العناصر والمركبات – إنها بمثابة التلاقح الذي يمنحه الاختلاف والرأي الآخر، الناتج من الأمثلة (الحضارية) الأخرى ..

.. كل ذلك تحتاجه تلك البذرة.

إنها ليست مجرد بذرة، إلا إذا أصررنا على أن نراها متروكة تحتضر في الأرض البوار، بينما نتأمل نحن في صفاتها ومواصفاتها وسلالتها وكل قابلياتها الكامنة، ثم عندما تموت تماماً، نحملها إلى المتحف ونضمها إلى بقية البذور الميتة التي تركناها تموت في الأرض الخطأ والجو الخطأ والظروف الخطأ، ثم شيعناها بالتكريم والاحتفاء الذي لن يحييها ولن يحيي الأرض الموات … لا توجد بذرة باردايم تنمو وحدها، إنما هي مسؤولية أجيال..

ومع باردايم “الإسلام الحضاري” – هي مسؤولية جيلنا ..

فكيف إذن؟

كيف يمكن جيلنا لجيلنا أن (يفعل) فكر مالك، ويساهم في تحول الباردايم؟

بالمزيد من الدراسات؟ بالمزيد من الندوات؟. بالمزيد من المقالات والتحليلات – التي دعونا نعترف بمرارة، لا يقرأها غير كتابها وأصدقائهم و بعض جيرانهم – ..

لا حل، في رأيي، غير أن يدخل هذا الجيل في خضم المعادلة، ضمن عنصرها الأهم “الإنسان“.

مرة أخرى، يبقى السؤال: كيف يمكن لجيلي الذي حمل عبء حضارة الانحطاط كلها أن يتقمص دور الإنسان الفاعل في معادلة الحضارة؟

كيف يمكن لجيل تعلم وتدرب ليكون “إنسان القلة” و “إنسان المنتصف” أن يتحول ليصير فاعلاً، ويحطم قيوده بنفسه ..

هذا مما لابد منه  “.. ما بأنفسهم .. ” – بأنفسهم ..لابد لنخبة من هذا الجيل أن تبدأ ذلك .. تبدأ بتغيير “الإنسان” في داخلها، وبالذات لن يبدأ التفاعل، إلا بأول خطوة ذكرها مالك في تغيير هذا الإنسان وتوجيهه ..

إنه عقل هذا الإنسان، أفكاره .. ثقافته..

الخطوة الأولى: لا مفر من الصدام ..!

لن يتغير هذا الإنسان ما لم يتغير فكره. لن تتوقع أي ولوج لمعادلة الحضارة ما لم تحدث ثورة في فكر هذا الإنسان .. ثورة شاملة، ثورة كاملة .. ثورة بكل ما في الثورة من معاني ..

ولكي تحدث هذه الثورة لا مفر من الصدام: كما قال مالك بالضبط، لا مفر من إحداث قطيعة مع كل ما يشدنا إلى السلبي من ماضينا، مع كل ما أوصلنا إلى ما وصلنا إليه من الحضيض والانحطاط. لا مفر من الصدام مع موروثات السلبية والكسل والخدر والخرافة واللاعقل مهما تنكرت هذه خلف نصوص دينية، تحصنت بالقداسة وتخندقت خلف الأسوار الشائكة والحقول الملغومة للموروثات والبديهيات والمكرسات الاجتماعية ..

.. لن نتحرك قيد أنملة ما لم يحدث هذا الصدام. لا إقلاع باتجاه حضارة المستقبل دون أن نقطع قيودنا التي تشدنا إلى ماضي السلبية والخدر والانحطاط .. بعض ماضينا كان عظيماً وبعضه كان سلبياً.. لكننا ارتبطنا بالسلبي وتمسكنا به وتركنا الإيجابي يفلت من بين أصابعنا…

لا شئ سيحدث في معادلة الحضارة بلا صدام حاد وصريح وواضح مع ما هو سلبي من الفكر السائد. لا تحول سيحدث في الباردايم دون صراع القديم والجديد، دون دفع الناس بعضهم لبعض، دون “أهديكم سبيل الرشادبمواجهة “نتبع ما ألفينا عليه آباءنا”..

لا مفر من إنجاز التحول، إلا أن نكف عن مجاملة القديم، لا مفر إلا أن نكف عن اللف والدوران، ونسمي الأشياء بمسمياتها، ونقول للشرير أنك شر محض – بمعزل عن الألقاب التي تسبق اسمه وتمنحه الهالة والهيبة حول رأسه، علينا أن نقول للعقلية التي قتلت العقل فينا أن ترحل، بل علينا أن نجتثها، مهما كانت مسلحة ومصفحة بأسماء “لأئمة الأعلام” الذين أدوا دورهم – في عصرهم- مشكورين، وانتهينا ..

كفانا مجاملة ورياء، كفانا لفاً ودوراناً – لم نعد نملك ما نخاف عليه، لقد وصلنا إلى حيث لا يبدو أنه هناك درك أسفل منه في الانحطاط .. ولابد لنا أن نواجه أنفسنا، والآخرين، بهذه الحقيقة..

.. ولعل صدام القديم والجديد، يشعل شرارة ذلك التحول بدفع دوران تلك العجلة المتوقفة منذ قرون، لعل الصدام مع القديم يدفع بأول قطعة دومينو، تجر وراءها التفاعل المتسلسل كله..

حزام ناسف .. من نوع آخر..

.. ولن يكون ذلك سهلاً بطبيعة الحال، فالقديم يدعي القداسة وهو محصن خلف النصوص الدينية بتأويلاتها المحددة ويمتلك كل أدوات الهجوم والدفاع التي جعلته قادراً على الصمود عبر القرون، أسلحته المعروفة: التكفير والإخراج من الملة والاتهام بالمروق من الملة والتفسيق والتبديع، وطبعاً هناك تهم العمالة ونظرية المؤامرة العتيدة، عدا عن الإهمال والحرمان من جنة المسالمة الاجتماعية والطرد من القطيع الذي يتوهم الأمن والأمان بينما الذئب يتربص كل حين..

كل ذلك سيكون بالمرصاد لكل من يجرؤ على الصدام مع القديم، ويحاول أن يسقط قطعة الدومينو الأولى في درب تحول الباردايم، لكن جيلاً بلغ من يأسه أن ينتج شباباً في عمر الزهور يتحزمون الموت ويخطون – أحيانا – في درب العبث  واللاجدوى، عليه الآن أن ينتج مفكرين بنفس الجرأة: مفكرين يتحزمون فكرهم الثوري الذي ينسف تلك الروابط التي أودتنا إلى ما وصلنا إليه، مفكرين يقدمون فكراً بديلاً ومغايراً – لدرجة أنه يبدو في الوهلة الأولى أشبه بمحاولة انتحار ولكنهم  يضيئون بفكرهم هذا الدرب نحو الحضارة الأخرى، نحو “الإسلام الحضاري”.. وليس مهماً هنا أن يكون هناك توقيع مالك على كل ما سينتجه هؤلاء، فأمام عالم الأفكار الحقيقية، لا يكون الأشخاص إلا وسائط نقل..

نعم، لقد أنتج فكر اليأس والسلب شباباً انتحروا، والآن على فكرنا أن ينتج شباباً  يفكرون بنفس الجرأة، وبدلاً من “النسف الدموي”  الذي لا يهدف إلا إلى الانتقام و لا يخلف إلا المزيد من الموت، يجب أن يكون هناك نسف حضاري لأفكار، وأوثان وأركان لهيكل متداعي وآيل للسقوط..

.. إنه النسف الذي يسبق البناء، النسف الذي يمهد لأسس جديدة، وكل ذلك جزء من تلك السيمفونية غير المنتهية التي تركها مالك بين أيدينا لنتم حركاتها  ونبدأ عزفها ..

سيمفونية “الإسلام الحضاري”..


لا تشعل شمعة ..!

يقولون عادة لنا، مهدئين، وهم يحاولون كبح ثورتنا، وما يتصورونه مراهقتنا ونزقنا “بدلاً  من أن تلعن الظلام أشعل شمعة” ..

حسناً جداً .. ربما هذا صحيح في الأحوال الاعتيادية، هناك تكون الشمعة هي الحد الفاصل بين الظلام والنور ..

ولكن ماذا لو كانت الظلمة بحراً هائجاً سيطفئ شمعتك اليتيمة، ماذا لو كانت عاصفة وإعصاراً هائلين؟ شمعتك لن تفيد ولا حتى للحظة واحدة ..

.. لقد وصلنا إلى هنا .. وصلنا إلى هذه النقطة بالذات، حيث الظلام تاريخ ممتد، ومحيط هائج، وإعصار هائل ..

بملء فمي أقول، بأعلى صوتي أصرخ، فلنلعن الظلام بأعلى أصواتنا .. ولكن لا جدوى من إشعال شمعة ..

هذه المرة علينا أن نشعل النار في كل ما يحترف إبقائنا هكذا .. فريسة للآخرين وفريسة لأنفسنا..

ومن يمتلك عود ثقاب، عليه أن لا يضيعه من أجل شمعة قدرها الإنطفاء ..

و لكن عليه أن يستعمله من أجل الحريق…

وحده الحريق سيضئ ظلمتنا.. وينير دربنا الحضاري.. درب النهضة.. نحو ذلك النور الذي كانه عليه الصلاة و السلام..

الحريق. الحريق. الحريق..

فمن سيفعل أولاً؟


[1] شروط النهضة.!

[2] لا يمكن ابدا نفي صحة ان بعض المفاهيم الدخيلة و تنكرها خلف نصوص دينية اسلامية قد ساهم فعلا في التدهور- لكن هذا يظل عامل من عومل متعددة و بعض العوامل كان داخليا محضا و تنكر ايضا خلف فهم معين للنص الديني رغم كونه بعيدا عن روح النص

[3] مفهوم الثورة: عبد الرضا الطعان.منشورات وزارة االتعليم العالي و البحث العلمي. بغداد. 1980 . دار المعرفة.

[4] للمزيد عن مصطلح البارديغم يمكن مراجعة موسوعة الويكيبيديا على الانترنت. بالعربية و الانكليزية

[5][5] THE STRUCTURE OF SCIENTIFIC REVOLUTIONS. THOMAS KUHN CHICAGO PRESS. 8TH EDITION

1966

او النسخة المترجمة: بنية الثورة العلمية- توماس كون – ترجمة شوقي جلال- عالم المعرفة- الكويت- 1992

[6] paradigm shift

http://www.en.wikipedia.org

  • · و هذا هو العبء الحقيقي الملقى على اكتاف الجيل الحالي

[7] شروط النهضة . دار الفكر. ط4 . ص149

[8] شروط النهضة. ص35. دار الفكر.دمشق الطبعة الرابعة

[9] شروط النهضة ص 81 و ما يليها

[10] شروط 89

[11] الفردوس المستعار و الفردوس المستعاد :احمد خيري العمري– دار الفكر دمشق

[12] شروط 89

[13] شروط 93

[14] للمزيد عن رواسب الماضي و اثارها السلبية: البوصلة القرآنية, فصل الامس المستمر. احمد خيري العمري . دار الفكر دمشق

[15] شروط 86

[16] شروط النهضة 87

[17] شروط 88

[18] للمزيد عن اثر تجارة الترانزيت على سلبية العرب منذ الجاهلية حتى الان: البوصلة القرآنية احمد خيري العمري ص 209 – 213  و ايضا 284-287 دار الفكر دمشق

[19] شروط النهضة ص 118

[20] شروط النهضة ص 139

[21] شروط 143

[22] شروط النهضة 145

[23] شروط النهضة ص 145 ايضا