صراع الحرية بين العبيد و الاحرار :د.أسامة قاضي

صراع الحرية بين العبيد والأحرار

 د.أسامة قاضي 

 

يَصعبُ على العقل في عصر الجنون البشري، والوحشية اللامعقولة لبني البشر أن يعي أو يعقل أو يفكر بهدوء، ولكن رغم كل التشويش الإجرامي سأتطرق لما أراه المشكلة والحل معاً وهي «الحرية» في بلاد العالم العربي والإسلامي، فأرجو من القارئ الكريم أن يصبر معي حتى نستوضح حقيقة واقع الأمة والذي اختصره معظم المفكرين بسؤال «لماذا تقدّم العالم وتخلّف المسلمون؟».
تخلف أية أمة يعني أن تكون الأمة مجردة من كل القوى الأرضية المادية الاقتصادية والسياسية والعلمية على الإجمال، ومن المنطقي أن الأمة المتخلّفة بالضرورة بلا هيبة، وتقوم الأمم بالتكالب عليها «كما تداعى الأكلةُ على قصعتها» قال عليه الصلاة والسلام «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها». فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم» سنن أبي داود 4297. إذاً بالضرورة أن الأمة التي ترضى التخلف، وترضى الظلم داخل الوطن، وترضى بالذلّ على يد الحاكم «الوطني» فسترضاه على يد غيره لأنها وبالتدريج ألبست أبناءها «نفسية العبيد» وهي ستحرم من ميزة أصحاب الرسالات السماوية الأحرار فلن تُنصر بالرعب مسيرة شهر كما جاء على لسان المصطفى «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرتُ بالرعب مسيرة شهر…» البخاري.
وردت مفردة «عَبد» بكل تصريفاتها في القرآن الكريم 140 مرة، كُلُها تعني أن يخصّ الإنسان الخالق الواحد بالعبادة من دون شريك في العبادة، وتأمر الناس كما جاء على لسان الصحابي الجليل ربعي بن عامر وبعبقرية بلاغيّة بـ «إخراج العباد من عبادة العباد لعبادة ربّ العباد»، ولما بدأت الدعوة الإسلامية لم يقبل الرعيل الأول من الصحابة أن يضموا إليهم بلال رضي الله عنه إلا بعد تحريره، لأن التحرير والنهوض بالدعوة لا يتمان إلا على يد الأحرار، ولكن عبر التاريخ تجرأ أشخاص بكل وقاحة وحماقة على «مزاحمة» الخالق في مسألة العبودية، وهم من «المدرسة الفرعونية» التي لا تُريد أن يرى شعبها إلا ما ترى بدعوى الإلهام والرشاد «قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرشاد» غافر 29.
وعلى اعتبار أن هؤلاء الأرباب حسِبوا أن الشعوب عبيدٌ لهم، ويملكون رقَبتَهم، تمثّلوا قول فرعون «أنا ربكمُ الأعلى» النازعات 24، بمعنى أن الحاكم هو الذي يتفضل على الشعب «العبيد» فيرزقهم فيعطيهم حصة من خيرات الوطن، ويمنحهم بركة التقرب منه للأكثر «تعبداً» له، ويعطي الأمن لمن يطيعه، ويؤدِّب ويسحق ويُبدد ويبيد أي حرٍّ يعتبر أن من حقّه أن يعبّر عن رأيه، أو يعتقد أن القصاص من الظالم أمرٌ مشروع مهما كانت مرتبة ذلك الظالم «العسكرية» أو «الحكومية»، والويل لمن يطرح السؤال الرهيب على «المنعِم المتفضِل»: ما أحقية هذا الحاكم في الحكم؟ أو لماذا لا يحكم فُضلاء القوم الأحرار؟ ولماذا يجب أن يستجيب شعب «العبيد» لحكم الطاغية؟ ولماذا يطيعونه أصلاً إذا كان قد وصل إلى الحُكم بالحديد والنار ولا يمثل إرادة الأحرار؟ ولماذا يقبلون أن يموت فيهم الأحرار يوماً بعد يوم حتى يموت فيهم معنى «الحرية»؟ ولماذا عليهم أن يكونوا عبيداً وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟ ولماذا هذا «الطاغية» «لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون» الأنبياء 23؟
أسئلة كثيرة لا يسألها سوى عشاق الحرية من أتباع الأنبياء، وقد ذكّر عيسى عليه السلام شعبه بعبوديتهم وناداهم ليتحرروا لأن فرعون يسومهم سوء العذاب كالعبيد «وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ» إبراهيم 6، فعجينة الطغاة «الفراعنة» واحدة في اعتبار «حِلّية» النساء وتشريد وقتل الأبناء.
الحل إذن يبدأ أولاً بنيل الشعب حريته داخل وطنه، ولا يقبل بأقل من أن يكون الرجل المناسب في المكان المناسب، ولا يرضى الذل من «الحاكم بأمره» وينبذ «الوصوليين» الذين يريقون شرفهم وحريتهم أمام «الطاغية» للوصول إلى مكاسب «تافهة».
الحلّ إذن أن نحرر أنفسنا من «العبودية» وكل ما علقَ بنا من «نفسية العبيد» وأن نتخلص من مرض الخوف من الطغاة «قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا» طه 72، وقبل أن يطلب الشعب العربي والمسلم الحرية لإخوته خارج وطنه عليه أن يتمتع بها داخل بلده، لأن الحرّ لا يرضى سوى الحرية لغيره من بني البشر.
مهمة الشعب من وجهة نظر الحاكم «الطاغية» هي عبادة شخصه، ولو كلفّه أن يحرق «الوطن» بأبنائه وأن ينهب ثرواته، وهذا لا يتم إلا بترويض الأحرار وإعادتهم لإسطبلات «العبودية» كما تُروّض الخيول الحرة الأصيلة في الإسطبلات، حتى يُصبح الشعب مجموعة عبيد.
السؤال إذاً: لماذا يعشق «الطاغية» نفسية العبيد؟ لأنها ببساطة:

1 – مِطواعة.
2 – تفعل ما تُؤمر من دون سؤال عن أحقية الأفعال السياسية والاقتصادية والدينية للحاكم.
3 – تهاب سطوة الحاكم.
4 – مكسورة من الداخل.
5 – تُقدّس صاحبها.
6 – تأتمر بأمره.
7 – تكون أداة في يد صاحبها يُسلّطها كيف يشاء ولو كان قتل الشعب نفسه وتجويعهم وجعلهم يسكنون المقابر ويشحذون رغيف الخبز.
8 – ليس لها مستقبل ولا تطلعات لا شخصية ولا «وطنية» ولا «أممية» وآخر ما يفكرون به هو مقارنة دولهم المتخلفة بما تنعم به الدول المتقدمة من حرية ومساواة في توزيع الثروات لأنهم مجرد «عبيد».
9– لا تريد أن تضع سياسات «الوطن» وليس لهم ممثلون يعبرون عن تطلعاتهم في الحرية لأنهم مجرد «عبيد».
10– يرضون بسجن إخوتهم وتعذيبهم بل وقتلهم وقتل الأحرار.. وبالتالي قتل روح «الحرية» لدى الأحرار.
هناك دروس مستفادة من بشاعة الظلم وتصرفات أهله الحمقاء، والتاريخ يسعفنا بنماذج من الإذلال والتنكيل بهذه الأمة ما يعجز عنه الوصف، فضلاً عن التصديق ولكن التاريخ يُخبرنا أيضاً بأن الأحرار في تاريخنا هم الذين يقع على عاتقهم تحرير «العبيد»، والتخلص من «نفسية العبيد»، أو تحرير «المستعبدين» أو «المُبعدين» أو الذين استمرؤوا نفسية «العبيد» فلا يأتمرون إلا بالعصا والقوة، وأبوالطيب المتنبي عبّر عن هذا:
لا تشتري العبد إلا والعصا معه … إن العبيد أنجاسٌ مناكيدُ
هؤلاء العبيد يُقادون بأجهزة أمنية جهنمية لا علاقة لها بإنسانية الإنسان، ولا حتى وحشية الحيوان لأن الحيوان المفترس لا يتسلى بتعذيب فريسته ولكنه ينقضّ بسبب الدافع الغريزي للغذاء ولا يهجم على غزال مثلاً فيعذبه سنوات ثم يأكله ثم يقتل كل أهله ثم يشردهم، ثم يدمر منزلهم ومنزل كل مؤيديهم.. لقد تجاوزت وحشية القوات الأمنية في البلدان العربية والإسلامية حدود المعقول وحتى «اللامعقول» في ترويض الأحرار، فلا عجب أن يعاملنا الأعداء على أننا مجموعة قطيع وبمثل الأدوات التي يُعاملنا بها أسيادنا، كل ما في الأمر أن سلطان العدو هو الذي يذبح أبناءنا وليس من يملك رقبتنا!!
أسمح لنفسي بالطلب من كل الأحرار الذين يعبّرون عن رأيهم في العالم الإسلامي والعربي أن يطلبوا الحرية في بلادهم أولاً ضمن المسيرات الغاضبة تعاطفاً مع فلذات أكبادنا في فلسطين رافعين شعار: نريد وطناً يحترمُ الأحرار.. ويُحكَمُ بالأخيار.
*باحث في الفكر الإسلامي مقيم بكندا

ظاهرة الهوس بأوباما : للأمريكيين منتظرهم ايضا ً ..!

untitled2 

 

ظاهرة الهوس بأوباما : للأمريكيين منتظرهم ايضا ً ..!

د.أحمد خيري العمري

القدس العربي

للوهلة الاولى سيبدو للمراقب هنا في الولايات المتحدة أن المواطنين الامريكيين يكرهون بوش جداً لدرجة جعلتهم “مهووسين بأوباما..

هكذا قد يبدو الامر بالنسبة للكثيرين.. و الحقيقة إن إدارة بوش قد جرّت الكوارث على العالم أجمع بطريقة سيبدو  فيها أي شخص آخر يبدو كما لو انه “المنقذ”..barack-obama-24

لكن هوس الامريكيين بأوباما ، في رأيي الشخصي ، يتجاوز أمر كره بوش بكثير ، و لا يتعلق ببوش الا بقدر ضئيل رغم وضوحه..ذلك إن بوش كان راحلا بكل الاحوال و من الصعب جدا ان يخلفه من يماثله في السوء حتى لو كان جمهوريا .. لكن ألامر مع أوباما يتخذ ابعادا أخرى يقول المراقبون هنا إنها غير مسبوقة إطلاقا مع اي رئيس آخر( حتى مع جون كنيدي الذي أمتلك شعبية واسعة ) : أقصد هنا ظاهرة الهوس بأوباما التي صار لها إسمها في المعاجم obama mania”” و التي تصل لحدود الظاهرة الدينية ذات الطبيعة الوثنية ، حيث ينهار المتدينون عند رؤية “معبودهم ” او واحدة من تجلياته ، يعامل باراك أوباما في هذا السياق  كما لو كان أيقونة دينية ، و قد تطور هذا من معاملته  أولا كما لو كان نجما من نجوم “موسيقى الروك” حيث تتعالى صرخات الجمهور و تنهمر الدموع بمجرد ظهورالنجم-الايقونة على المسرح..و كما كانت الفتيات يصبن بالاغماء عند ظهور الفيس بريسلي او جون لينون ، فان ظاهرة الاغماء صاحبت أوباما في حملته الانتخابية ، و هو مالم يحدث مع اي مرشح انتخابي في تاريخ الولايات المتحدة..

لكن الامر تجاوز حتى ذلك : فلم يعد سراً  أن جزءاً كبيرا من الثقافة الشعبية الامريكية“pop culture”  يعامل أوباما على أنه “المسيّا  messiah“..أو        “المخلصsavior  في الثقافة اليهودية المسيحية التي تمتلك مساحات مشتركة في أمريكا..

هناك فئة واسعة من جمهور أوباما  تقول عنه  بصراحة أنه المسيّا ، المخلص ، المنقذ ، بكل المعاني التوراتية للمفردة ، أكثر من هذا ، انهم يقولون بصراحة أيضا :أن أوباما هو “التجلي الاسود” للسيد المسيح..و يؤدي هذا ، بسبب الطبيعة المتداخلة لعقيدة التثليث الى ما لا داعي للخوض فيه ، لكنه يقال فعلا ، و بصراحة !..

و يمكن بسهولة البحث عن مفردتي “أوباما” و ” المسيّا”  باللغة الانكليزية في الشبكة ، لنجد عشرات المواقع التي أُسسِت أصلا للحديث عن أوباما بصفته “المسيّا”-”المخلص”..و الملاحظ إن هذه المواقع في أغلبها شخصية ، أي أنها جزء من التعبير الشعبي عن  ظاهرة الهوس بأوباما..الامر الذي ربما تكون وسائل الاعلام الرئيسية أقل تعبيرا عنه لأسباب واضحة ، و هو ألامر الذي جعل وسائل اعلامية لها مكانتها مثل التايم و الواشنطون بوست ترصد الامر من زاوية نقدية..كما أن موقعا على الشبكة تخصص لمراقبة الظاهرة و توثيقها..

أوباما من جهته تصرف بذكاء ، بالذات بطريقة “لم آمر بها و لم تسؤني !!” ، لكنه إستثمرها حقا ، و دغدغ مشاعر الناس المؤمنين بها ، الاكثر من هذا إنه وظف كل قدراته الخطابية ( و هي كثيرة!) من اجل إسقاط غير المؤمنين (بكونه المسيا- المخلص) في سحره و جعلهم على الاقل يتصرفون كما لو أنهم مؤمنين بذلك، سواء أدركوا ذلك أو لا..

للرجل مواهبة الخطابية و الزعامية التي لا مجال لأنكارها ، عندما يخطب فان ثقته بنفسه تجعل الجمهور أسيرا له بشكل حرفي ، بل ان كلمة “التنويم الإيحائي” قد تبدو أقرب احيانا الى تأثيره على البعض..مثال على ذلك هذا الجزء من خطاب له اثناء حملته  للفوز بمنصب مرشح الحزب الديمقراطي في السباق الرئاسي (في يوم ما ، سيدخل النور من النافذة ، شعاع من هذا النور سيأتي ليغمرك ، و ستنزل عليك البصيرة ، و ستعلم فجاة أن عليك ان تذهب الى مراكز الانتخابات و.. تصوِّت لأوباما ..)” بالحرف الواحد ! ، في نيوهامشير بتاريخ الثامن من كانون الثاني 2008″..

بهذه الطريقة الحاسمة الممزوجة بسحره الشخصي الكاريزمي تمكن أوباما من أسر الجماهير التي سقطت في “غرامه” بطريقة غير مسبوقة..

“”كل ما أريده منكم هو ان تؤمنوا..”هكذا خاطب أوباما جمهوره ، كما فعل أنبياء العهد القديم المتجذر بقوة في الثقافة الامريكية ، لم يحدثهم عن الدين كما فعل اليمين الديني الذي تفوح من مواعظه رائحة النفاق في كل كلمة ، بل بدا بطريقة ما كأنه من شخصيات  و ابطال العهد القديم..

و عندما سئل أوباما عن رأيه فيمن يقول أنه المسيّا و انه التجلي الجديد للسيد المسيح ، ردّ أوباما ، على الملأ ، بطريقة شديدة الذكاء لا تحسم الامر بل تزيده إثارة ، قال ( خلافا لكل الشائعات التي سمعتموها ، لم اولد في الاسطبل “في اشارة الى ولادة السيد المسيح في الاسطبل في النسخة الانجيلية من القصة ” بل ولدت في كوكب كريبتون ، و أرسلني أبي لأنقاذ كوكب الارض)..و كوكب كريبتون هو الكوكب الذي ولد فيه “الرجل الخارق” “”سوبرمان” في القصة المصورة المعروفة التي هي ايضا  جزء أساسي من الثقافة الامريكية  الشعبية..، و هكذا فان أوباما يلعب بين الجد و المزاح على مشاعر الجماهير..فيجمع بين فكرة “المخلص” التوراتي ، و بين السوبرمان “الذي ظهر أوباما مع تمثاله في واحدة من ملصقات الدعاية الانتخابية” ..أليس السوبرمان ، في النهاية، نسخة متأمركة من فكرة المخلِّص ؟ الا يجمع أوباما هكذا بين الاثنين في لقطة واحدة؟.

 السؤال هو :هل كانت جاذبية أوباما وحدها كافية لصنع هذا الهوس و الافتتان به ؟ شخصيا أشك بذلك ، فألامر متعدد العوامل..  فبألاضافة الى الجاذبية الشخصية هناك العصامية و النجاح الشخصي رغم تواضع الانطلاق ، و هي عوامل مهمة و موقظة للحلم الامريكي و هناك ايضا قدر لا يمكن الاستهانة به من النزاهة الشخصية و نظافة اليد التي جعلت منافسيه لا يجدون ما يهاجمونه عليه من هذه الناحية..هناك أيضا ما يتحدثون به هنا من “الوقوع في غرام الغريب القادم الى المدينة” و كلها يمكن ان تشكل تفسيرا لهذه الظاهرة او لجزء منها على الاقل..

لكن هناك برأيي ما هو اعمق و اهم من هذا كله ، لقد عرف أوباما كيف يمتلك “كلمة سر ” جعلته يدخل الى قلوب و عقول الملايين و بعدها عرف كيف يستثمر هناك مواهبه و سحره و روحه الزعامية..

كلمة السر تلك هي شعاره الاساسي في حملته “التغيير“..تلك الكلمة التي كانت تظهر امامه في كل خطبه ، و التي كونت القاسم المشترك الاعظم لكل خطبه و شعاراته : “التغيير الذي يمكن لنا ان نؤمن به ، التغيير قادم الى اميركا ، آن اوان التغيير ..” كلها شعارات سحرت قلوب و عقول الجماهير و جعلتهم بالتدريج و بمساعدة قدراته الخطابية يصابون بذلك الهوس بأوباما في هذه الظاهرة الفريدة التي ليس لها مقارب على صعيد رؤساء الولايات المتحدة الامريكية..

و يبدو ذلك “التغيير” مرتبطا بفكرة المخلص أو المسيّا في جذرها الاساسي في كل العقائد التي تؤمن بها و تعتبرها جزء اساسي من أيمانها ..فمن هو المخلص  في النهاية الا ذلك الزعيم الذي يجسد حلم التغيير ؟..اليس الحلم بالتغيير هو الوقود الذي يعمل عليه اي مخلِّص ، سواء كان مخلِّص العقائد الدينية أو الايدلوجيات الشعبوية؟

إذاً الامريكيون يريدون التغيير؟..هذا واضح. لكن تغيير ماذا بالضبط؟ شخصيا أعتقد أن الامر أكبر بكثير من مجرد تغيير طاقم إدارة رئاسية اثبتت أنها الاسوء تاريخياً..بل هو في جوهره رغبة فطرية عميقة بتغيير عميق يشمل كل نواحي الحياة ، حتى لو يكن الجمهور  المصاب بهوس بأوباما مدركاً لذلك ، لكنها الرغبة العميقة بالانعتاق من نمط الحياة الامريكية الاستهلاكية الذي يسحق الانسان و يشيئه و يحوله الى مجرد كيس فارغ عليه ان يملئه بالسلع و المزيد من السلع ..إنها فطرة الانسان تتمرد على تلك القوالب التي تقسر الانسان على ان تكون قدرته الشرائية هي اهم مقومات وجوده..صحيح أن الامريكيين يبدون غالبا كما لو أنهم في منتهى السطحية ، لكن هذا لا يعني أن فطرتهم مسخت تماما ..و فطرتهم تثبت اليوم أنها تطالب بتغيير ما ..تغيير هو اكثر من مجرد رئيس جديد..تغيير هو بمثابة ” نمط لحياة أكثر عدالة و توازنا “..

لم يقل احد ذلك بوضوح ، و لكن كذلك لم يقل أوباما أن التغيير الذي يقصده هو تغيير الرئاسة فقط ، كان يتحدث عن التغيير بأطلاقه ، بعمومه ، بكل السحر الكامن في الكلمة ..خصوصا بالنسبة لأولئك الذين يشعرون انه لم يعد ممكنا الاستمرار فيما لم يعد ممكنا الاستمرار فيه..في نمط الحياة الذي يسحقهم و يقنعهم في الوقت نفسه أنه النمط الوحيد الذي يمكن العيش فيه..

هل سيحدث هذا التغيير ؟ هل سيكون أوباما “المخلِّص المنتظر” حقا ؟ بالتاكيد لن يحدث و لن يكون. ربما سيتمكن أوباما و طاقمه من إحداث تعديلات و تحسينات هنا و هناك ،   خفض معدلات البطالة مثلا ، أو التخفيف من حدة الازمة الاقتصادية و تأثيراتها..لكن ذلك التغيير الحقيقي ، التغيير الجذري الذي يحرر الانسان من قوالب الحياة الاستهلاكية لن يحدث ، لأنه لا  فرد ، أوباما او سواه ،  يستطيع أن يغير المؤسسة بمفرده ، حتى لو أراد ذلك ..فالمؤسسة  ستكون أقوى ، و ستتمكن من إحتواء هذا الفرد و بالذات إحتواء هوس الجماهير به ، و توظيفه بل و توظيف هذا الهوس لصالح استمرار المؤسسة العتيدة و منحها المزيد من الحماية على المدى البعيد..

سُنن التغيير الالهية تتطلب أولا أن تكف الجماهير عن هذا إنتظار هذا المخلص ( او حتى انتخابه عبر صندوق انتخابات !) فالتغيير الذي ياتي عبر فرد على قمة السلطة لن يعدو أن يكون  مرحلةً عابرة ( و المثال من تاريخنا واضح جدا ، فالخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز ، بلا تشبيه بأوباما طبعا ، قدم نموذجا لخليفة راشد ضمن مؤسسة كانت قد أبتعدت عن الرشد، لذا كانت اصلاحاته مرهونة بحياته و ذهبت بعد وفاته رحمة الله عليه..)

التغيير الحقيقي يجب أولا ان يبدأ بالبنية الثقافية ، بثورة شاملة في فكر الانسان و رؤيته للحياة ، برؤية جديدة متكاملة للحياة تعكس في داخلها ما خلق الانسان من أجله و تعمل على جعل العالم متطابقا مع هذه الرؤية ( و ليس مجرد شعارات فضفاضة عن التغيير لم نر سواها  كما  في نموذج أوباما و كتابه عن “جرأة الامل” الذي ، رغم تقريض اوبرا وينفري له ، لم يكن أكثر من كتاب في الشعارات كما هو الامر مع  نماذج شعاراتية كثيرة أخرى في عالمنا الاسلامي).

سُنن التغيير الالهية تتطلب حتماً  وجود” شخصيات زعامية” تسحر الجماهير و تكهربها و تبث فيها روح الأمل و العمل ، لكن هذه الشخصيات لن تكون كل مشروع التغيير ، بل ستكون فقط جزءاً مهماً منه ، و قبل هذا سيكون هناك “مفكرون” ينظّرون لتلك الفكرة الرؤية الجديدة ، و “مخططون” يضعون تلك الرؤية على ارض الواقع ، و “مروجون يسوقون للفكرة و الرؤية ، و الاهم من ذلك كله “منفذون” قد يكونون طليعة ذلك الجيل القادم لا محالة..

في اللحظة التي نربط فيها التغيير بفرد ما ، سواء كنا ننتظره ، (او ننتخبه!) ، فأننا نكون ندق مسماراً ما في نعش مشروع التغيير..و الحل الوحيد لذلك هو ان نجد لأنفسنا مكاناً في أجزاء هذا المشروع.. رغم صعوبة الامر ، فان التغيير من هذا المنطلق سيكون أسهل جداً، على الاقل من وجهة نظر “المنتظر”!..

 

http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=today\28qpt17.htm&storytitle=ffظاهرة%20الهوس%20باوباما:%20للامريكيين%20منتظرهم%20ايضا..!fff&storytitleb=د.%20أحمد%20خيري%20العمري&storytitlec=

ذات فجر ..في فرجينيا

ذات فجر.. في فرجينيا

(إهداء خاص الى د.داود نسيمي)

أحمد خيري العمري



أستيقظت على صوت لم أتبينه للوهلة الاولى. بقيت لثوان احاول أن افهم هذا الصوت .ولولا الضوء المنبعث من الجوال لما فهمت أصلا ان هذا الصوت هو رنة الجوال الجديد الذي لم اتعود بعد عليه..

لم يكن الوقت متاخرا جدا..لكني كنت قد نمت مبكرا وأغرقت الغرفة في ظلام دامس متعمد ، على أمل أن يكون نومي عميقا..

كان المتحدث هو صديقي الجديد ، الأمريكي المتحدر من اصول افغانية ، و الذي تعرّفت عليه فيما يصلح ان يكون رواية غرائبية ليس الان مجال سردها ، الجمل الثلاثة الاولى من حوارنا كانت اعتذارا منه على ايقاظي من النوم ( كان ذلك واضحا على ما يبدو ) و تأكيدا مفضوح الكذب مني باني لم اكن نائما..!

بعدها قال شيئا لم أفهمه للوهلة الاولى ، قال شيئا عن انه سيمر على ليصطحبني إلى”.. ” و لم افهم.

سألت : الى أين ؟

قال : إلى صلاة الفجر..

سكتت أنا و قلبي ينبض فيما بدا لي أنه إنعدام الزمن، و سمعت صوت سكوته ايضا ، ثم يبدو انه أساء فهم سكوتي فقال بأدب ممزوج بخيبة الامل : إن احببت..

إن أحببت !

..يا الهي ! أحدهم يعرض عليَّ ان يمر ليصطحبني الى صلاة الفجر و يردف بعدها ..أن احببت !..

صلاة الفجر !..لو كان يدري..!

****************************************

لم أنم تقريبا بعدها .بقيت اتقلب قلقا من أن يفوتني الموعد لسبب ما..كنت مرتبكا مثل مراهق عاشق ولهان في أول موعد له بعد صبر و حرمان..

عندما سقطت بغداد ، حرمت لثلاث سنوات تقريبا من صلاة الفجر ، لأسباب تتراوح بين منع التجول القسري و منع التجول الطوعي الذي مارسناه خوفا من “الشرطة و الحرامية” على حد سواء ..في عصر لم يعد هناك أي فرق فيه بين الاثنين..

و عندما سكنت الشام ( آه الشام…) كانت صلاة الفجر مثل كنز استرجعته بعدما سلبه قطاع الطرق..

بل أكثر : كنت كمن أرجعوا له أبنه بعدما خطفوه لأعوام..

يومها اتصلت بزيد ، رفيق الرحلة الاطول ، و كان لا يزال في بغداد ، و قلت له كمن يتحدث عن معجزة “تخيل ! استطيع ان اذهب الى صلاة الفجر!”.

قال لي زيد يومها ، هو الذي يفهم شوقي و يكابده ، قال لي بالعراقي :

” بألف عافية ..”..

و بعدها بأسابيع كان يصلي الفجر ، في الشام أيضا..

ثم يقال لي ” الفجر..إن احببت “..

تأنقت كما يليق بعاشق في موعده الاول ، أفرغت كمية من العطر من اغلى قارورة عندي ( بالذات كما يفعل إبني دوما..) وابتسمت و انا أتذكره و هو يفعل ذلك سرا و تفضحه الرائحة المنتشرة في البيت كله دوما..

بلغة الارقام كان هذا هو اليوم الثالث عشر دون صلاة الفجر..لكن كيف تستطيع الارقام ان تستوعب صلاة الفجر..أن تفهم ما تعنيه بالنسبة لي..كيف للأرقام ان تقيس كم أفتقدها ، كم احتاجها في غربتي ، في وحدتي ، في هرولتي بين المترو و الباص ، في الماراثون اليومي الذي  هو ايقاع الحياة هنا..

اسبوعان فقط ؟

بل أقل ..!

.لكن صلاة الفجر كانت كل ما احتاجه لمواجهة كل السنين الضوئية التي قضيتها في هذين الاسبوعين..كل ما احتاجه لتنفيذ القمع الذي كنت قررته بنحو مسبق للشوق ..الشوق لمن احملهم كالوشم في قلبي…و الذين لا اريد ان أشير لهم الان..كجزء من خطة القمع تلك..( أو بعبارة اخرى :كي لا أنهار باكيا..)

لكن لا..لن أقول..لن اقول أكثر من اني احتاجها : صلاة الفجر..!

*******************************

قبل عشر دقائق من الموعد هبطت انتظر صديقي في مرآب الفندق .كانت درجة الحرارة ( او البرودة بالأحرى) قد فارقت الصفر المئوي بعدة درجات..وكان الفندق قد أزدحم في الليلة الماضية بعشرات النزلاء الجدد الذين جاءوا من كل مكان في شرق الويات المتحدة ليشاركوا في حفل تنصيب أوباما ، وقضوا الليل هنا على مشارف واشنطون ، ليتمكنوا من الانطلاق فجرا ..كانوا يخرجون من الفندق متدثرين بكل ملابسهم ، ثوان فقط و ينطلقون الى الحفل الذي أعدوا انفسهم له..

أما أنا ، فقد تدثرت بالبرد الفرجيني القارس ، أنتظر أيضا “حفلا تنصيبيا ” بطريقة ما..

شعرت انه حفلي انا ، تنصيبي أنا.. فكرت انه ربما كانت ملائكة السماء تعد احتفالا بعودتي لصلاة الفجر..

بطريقة او بأخرى.. شعرت بذلك ..ذات فجر في فرجينيا..

**********************************

عندما وصلنا الى مركز أدامز ، حيث تقام الصلاة ، شعرت أن المكان كان مألوفا لي جداً..ليس لأني كنت زرته قبل يومين فحسب..و لكن بدا مألوفا على نحو اكثر عمقا..شئ في مرآب السيارات ، في الاضاءة الخارجية للمكان ، في المدخل..لا ادري ..كل شئ بدا مألوفا كما لو أني زرته من قبل..

و عندما دخلت قاعة الصلاة ، و لم اكن دخلتها من قبل ، فوجئت بالمكان يحتضنني و يرحب بي دون سابق إنذار..و فهمت !

كان كل شئ يشبه أول مسجد صليت فيه الفجر..جامع الزهاوي قرب بيتي في بغداد التي لم تعد بغداد ،كل شئ كان يشبه ذلك المسجد الصغير الحبيب الواقع على بعد عشرة آلاف ميل بمقاييس الجغرافيا ، و على بعد شهقة و دمعة من جفوني و قلبي..كانت قاعة الصلاة هنا تشبه حرم المسجد جداً ، بسيطة و خالية من البهرجة تماما ، بستائر عادية يمكن ان تكون ستائرا لبيت متوسط ، و بأنابيب “نيون” للأضاءة ..و بمحراب صغير جدا في الوسط..

ذات فجر في فرجينيا ، اخذتني أنابيب النيون ، التي اكرهها عادة ، أخذتني الى جامع الزهاوي حيث ذلك الزمان الذي لن يعود..( لن يعود !) ، الى صلاتي الاولى فيه ، بالذات الى صلاة الفجر الاولى فيه ، عندما تسللت خلسة و دون ان يعلم احد ، و كنت مراهقا “خائبا” كما يليق بابن الخامسة عشر أن يكون ، ومذعورا ومرعوبا ومستثارا مما بدا انه مغامرة كبيرة وقتها..

لا ازال أذكر كيف أمّنا “ناصر” وقتها ، و كيف فهم وقتها – و هو جار العمر- أن المراهق الخجول يحتاج الى الكثير من الدعم ليستمر..و قد كان..

ذات فجر في فرجينيا ، و الصلاة على وشك ان تقام ، أخذتني انابيب النيون ، كما لو كانت آلةً للزمن ، الى تلك الوجوه الحبيبة المغروسة بعمق في لاوعيي و ذاكرتي ..اخذتني الى فيصل ، الى جلسته خلف الحرم دوماً ، حيث يصلي السُنة و ينتظر إقامة الصلاة ، و أشاكسه و اناكفه أنا بكل طاقتي في هذه الاثناء..

تذكرت كيف حذفت صلاة الفجر فرق السن بيننا ( أو انني تصرفت على انها قد فعلت بكل الاحوال..!) ، تذكرت كيف كان “فيصل” كتفا جاهزا دوما ليحكي له هذا الشخص الذي كنته ، او يشكي له ..او حتى يبكي له..

ملأني شوق لفيصل الذي انقطعت عني اخباره أو كادت ، و قررت أن اتصل به ، فور خروجي من الصلاة..(فعلت ، و لكن هاتفه لم يرد للأسف!)..

أخذتني انابيب النيون تلك الى أثير..كنت اعلم بقدومه الى المسجد قبل ان يدخل ، لأن عطره الخاص كان يسبق حضوره الذي لا يقل عطرا ، اخذتني الى نقاشاتنا التي لا تنتهي امام باب المسجد ، و التي أسهمت في تكوين الشخص الذي هو انا الان..تذكرت كيف تبدل أئمة المسجد واحدا بعد الأخر، و بقينا نحن الاثنين نتناقش عند باب المسجد ، و كيف انهم جميعا كانوا يخبروننا بطريقة او بأخرى ان وقفتنا تلك تثير شبهات السلطات ! لم نكن نعرف آنذاك ، انه سيأتي عصر “يسميه البعض عصر الحرية” حيث لن نستطيع ان نقف تلك الوقفة لأننا لن نستطيع أن نصلي في الجامع أصلا..!

تذكرت ذلك الكاهي و القيمر اللامنسيين..حيث كنا نذهب نحن الثلاثة ، أنا و فيصل و أثير الى “الكمب” صباح الجمعة بعد صلاة الفجر.. و تلك المطاردات الشعرية بينهما ..و تعليقي إياه الذي لا أشك ان اثير لا يزال يذكره ..لا شئ طبعا في العالم يمكنه ان يرجعني إلى ذلك..لا شئ يمكنه ان يرجعني الى تلك اللحظات ..الى أثير و فيصل و الكاهي و القيمر بعد صلاة الفجر في جامع الزهاوي..

أخذتني آلة الزمن تلك ، الى آخر من عرفته من أئمة المسجد ..”الشيخ عبد القادر” الذي كان يكبرني بثلاث سنوات فقط..المسالم الى درجة تثير الغيظ..و الذي لم تشفع له مسالمته تلك ، يوم اختطفته تلك الغربان السود ..وعذبته و ثقبّته حتى الموت ..و القت بجثته عاريا في القمامة..

ذات فجر في فرجينيا ، وجدتني ارحل الى كل تلك الوجوه الحبيبة : التي عرفتها و التي لم اعرفها..لكل تلك الجثث المجهولة والمعلومة ..لكل تلك الجثث المظلومة..لأبن خالتي الذي قتلوه بسبعة عشر رصاصة قبل ان ينهي كوب الشاي الذي بداه بعدما أنهى تناول العشاء..و الذي بقى جسده ينزف طويلا طويلا حتى بعدما مات..

ذات فجر في فرجينيا .. و قبل ان يقول الامام”الله أكبر” ..كنت أمطر في الداخل..و بغزارة.

لكن عندما تقدم الامام و بدء بالصلاة..أدركت ان صلاة الفجر الفرجيني هذه تحمل رسالة اكبر من مجرد “نكش الذكريات” و “الشوق لما لن يعود”..

فهمت ذلك فوراً عندما قرأ الامام تلك الايات من سورة الصافات.. بالذات الايات التي تتحدث عن يونس..

***************

كنت قد قلت لنفسي و للآخرين ، منذ ان قررت ، و في لحظة بدا انه لم يكن هناك خيار آخرأمامي ، أن آتي الى امريكا ، قلت لنفسي و للاخرين ايضا ، اني ذاهب بملئ ارادتي ، الى “بطن الحوت“..كنت أدرك طبعا أن بطن الحوت قد أبتلع تقريبا العالم كله..و ان البعض قد ابتلع الحوت رأسه و أنه كان ممتنا جدا للامر بل و اقتنع أن ذلك افضل ما حدث له..

لم اكن من هؤلاء ، لكن في لحظة ما لم يكن هناك امامي إلا ان أقول” نعم ” و احزم حقائبي لارحل الى “هناك”..”هناك” التي صارت الان “هنا”.. أي “بطن الحوت

و ذات صلاة فجر في فرجينيا ، و من بين كل الآيات في القرآن..و من بين كل قصص الانبياء..كنت على موعد مع هذه الايات تحديدا..آيات سورة الصافات..

ليس لأن الايات عن يونس و بطن الحوت فحسب ، بل ل بالذات أنها الايات التي روت كيف تتوج الخروج من بطن الحوت بأرساله الى “مائة الف او يزيدون”..

فهمت و الامام يقرا بتلك اللكنة التي أجهلها ، ما لم أفهمه بأكثر اللهجات قربا للغة القرآن ..فهمت كيف ان المرور ببطن الحوت كان ضروريا جدا ليكون مؤهلا للمائة الف او يزيدون..فهمت ان بطن الحوت مرحلة…و ان المهم هو ما بعدها ..المهم هو تجاوزها لا من اجل “النجاة الفردية” فحسب ، بل من أجل “المائة الف ” و اكثر..

ذات فجر في فرجينيا ، قرأ الامام تلك الايات ، و هطل المطر من الداخل و الخارج ..لا أدري عن الآخرين ، لكني شعرت فجاة أني أصبحت الارض و المحراث و البذرة و قطرة المطر في آن واحد..

الآن هناك نور في نهاية النفق..

الآن هناك نور ، حتى في بطن الحوت..

و لم يكن هذا كل شئ ايضا..

فعندما انتهت الصلاة (للأسف!) قال الامام شيئا و رحب بي ، و انطلقت الوجوه بالوانها المختلفة مبتسمة ترحب ..ثم طلب منهم ان يرحبوا بآخر..أمريكي أسلم حديثا..عمره لا يتجاوز السابعة عشر او ربما أقل..و كان اسمه “زكريا”..بدا لي الاسم موحيا جدا..”زكريا” ..كما لو كان الاسم و الشخص يتحدى الجدب و العقم في بطن الحوت..وجدت اننا متشابهان بشكل أو بأخر : كنت انا جديدا على بطن الحوت ..و كان هو جديدا على الاسلام ..أقتربت منه و سألته : كيف الامور؟

قال كلمة بدت لي على بساطتها كما لو أنها عصارة الحكمة ، قال : كل مرة آتي هنا ، تصير الامور أحسن..!

ابن السابعة عشر ، بدا لي لحظتها ، فيلسوفا طاعناً في الحكمة ..

هل هذا يرجع إلى انه قد ادرك انه في بطن الحوت يا ترى. ..و ان عليه ان يخرج الى مائة الف أو يزيدون؟

********************

ذات فجر في فرجينيا ، حدث ذلك كله..

و عندما هبطت من سيارة صديقي الافغاني ، التفتَّ له و قلت له شكرا ..شكرا على كل شئ..

ربما تصور أنني أجامل ..أو أقول ما يجب ان يقال..

لكنه سيفهم كل ما اعنيه ..عندما يقرأ هذا كله..

فرجينيا 25-1-2009

عن “صمام الأمان” الشعائري ..!

عن “صمام الأمان” الشعائري..!

د.أحمد خيري العمري- القدس العربي

12-1-2009

(نشر المقال عند العدوان على غزة، المستمر طبعا، لكن اليوم مناسبة إعادة النشر تعود إلى انتشار الدعوة إلى “ختمة” القرآن الكريم على نية رفع البلاء عن سوريا..هذا ممكن أيضا أن يكون صمام امان شعائري يجعل المرء يتصور أنه يفعل شيئا بينما هو لا يفعل الشيء الذي ينبغي فعله..بالنسبة للداخل فهذا الأمر لن يكون سوى إلهاء عما يجب فعله..وبالنسبة للخارج الأمر أقل حتما..لكن هناك حتما وسائل شرعية أكثر لرفع البلاء..الذي لا أفهمه هنا إلا بمعنى رفع “أصل” البلاء كله..)

لأن قوانين الفيزياء هي جزء من منظومة “سُننية” اكبر بكثير من مجرد الفيزياء كعلم مستقل ، فأن بعض جوانب النفس و المجتمعات الانسانية تنطبق عليها قوانين مماثلة لتلك التي تنطبق على المعادلات الفيزيائية الجامدة..

و هكذا فان قوانين الفعل و رد الفعل و قوانين ضغط الماء تنطبق على البخار المضغوط كما في التجربة المعروفة و المشاهدة عمليا.. و تنطبق أيضا و بطريقة مشاهدة و محسوسة على النفس الانسانية و على المجتمع بشكل عام..فنرى الضغط يزيد و يزيد لدرجة الانفجار و نرى للفعل رد فعل..مساو و معاكس..و كما إستطاع الانسان ان يستخدم السنن و القوانين ليسخرّها لخدمته ، فان بعض المؤسسات الاجتماعية تمكنت أيضا من إستخدام نفس تطبيقات الامان من أجل تأخير رد الفعل او تحجيمه او حتى الغائه ..

و هكذا فان زيادة الضغط وصولا الى حافة الانفجار أدّى الى إبتكار “صمام الامان” من اجل احتواء ذلك – قد وجد أيضا تطبيقات إجتماعية تفعل الشئ نفسه لأمتصاص زيادة الضغط الاجتماعي.

“صمام الامان الاجتماعي” هذا يفترض بشكل حاسم ان “الانفجار امر خاطئ و مضر للمجتمع لذا فهو يقوم بأحتوائه كما هو الامر في التطبيقات الفيزيائية المباشرة.

لكن من قال إن الانفجار دوما امر سئ؟ ربما كان الانفجار أحيانا عملية لا بُدَّ منها ، خاصة عندما يطيح بما يجب ان يعاد بناؤه ، بما لم يعد ممكنا الاستمرار فيه..خاصة عندما يهدم أسساً ظالمة و قواعد خاطئة قام عليها مجتمع عليه ان يراجع أسسه و مقوماته..من هذا المنطلق فان صمام الأمان الاجتماعي هذا ، الذي يؤخر الانفجار “محمود العواقب” ، لا يمكن ان يمنح الامان الا للمؤسسات القائمة المستفيدة من واقع الخراب و الفساد ..اما الأمان الحقيقي ، بعيد المدى…متعدد الابعاد ، فهو بالتأكيد ياتي من إقامة أسس جديدة قد يتطلب بناؤها هدم ما يجب هدمه.

صمام الامان الحقيقي هنا هو ذاك ليس الذي يخفف الضغط من اجل دفع الانفجار، بل هو الصمام الذي يحوّل الضغط المتزايد الى عامل بناء- بدل أن يكون هدماً عبثياً فحسب..

أقول هذا كمقدمة لا بد منها قبل الدخول الى “حقل الغام ” الحديث عن ذلك التوظيف السلبي للشعائر في مواجهة الأزمات عموما ..و اعتقد إن إستخدامها في مواجهة المذبحة الجارية حاليا في غزة ، هو مثال عملي قريب و واضح عن كل ما أود قوله.

منذ ان بدأت المذبحة الاخيرة و أنا ، كما ملايين غيري ، نستلم على البريد الالكتروني و على الجوّال ، رسائل تنادي و تدعو باداء شعيرة معينة (الصيام او قيام الليل أو الدعاء )”من أجل غزة” و انا بالتاكيد أقدّر جدا الدوافع النبيلة خلف هذه الدعوات و لا اشكك على الاطلاق في نية من ينادي بها ، لكن ” النية الحسنة” لا تكفي لجعل العمل صوابا. انا هنا اتحدث عن ثقافة متأصلة و متوارثة عندنا يمكن تسميتها بثقافة “صمام الامان” الشعائري..و يكفي القليل فقط لأستفزاز هذه الثقافة و إستحضارها..

كعراقي ، مر بما يشابه ما يمرّ به سكان غزة ، لا أستطيع إلا ان أذكر شعوري الحاد بالمرارة من ذلك التعاطف الشعبي العربي الذي كان يتخذ شكل الصيام و الدعاء ..أذكر بالذات عند بدء الغزو في آذار 2003 حيث لم تنقطع الاتصالات تماما الا في اليوم الثالث او الرابع من الحرب ، و كنت خلال ذلك أستلم رسائل على البريد الالكتروني تدعو إلى التضامن معنا من خلال الصيام و الصلاة و الدعاء من أجلنا..و لا أزال أذكر ذلك الشعور المر و التساؤل الذي يطفو بعده : حسناً جداً ، و لكن ماذا بعد؟..

لا أقول ذلك للتقليل من اهمية تلك المشاعر و لا من نية من يروج لها ..و لكن السبب في المرارة هو إن الاساطيل التي جاءتنا مرّت من مضايق في نفس البلدان التي كان الناس فيها يتبادلون الرسائل و يصومون من اجلنا ..الطائرات التي أمطرت الموت و الدمار كانت تنطلق من قواعد عسكرية في دول لا أشك ان أهلها كانوا يشاطروننا التعاطف و يصومون و يدعون من أجلنا أيضا..لكن ذلك كله لم يغير شيئا مما حدث لنا و بنا..

و الوضع العراقي ليس حالة نادرة و إلا ما كان هناك داع للخوض فيه ، لكن هذه ظاهرة متكررة في تأريخنا و ازماتنا و مذابحنا و أسلوبنا في التعامل معها..و مجزرة غزة نموذج آخر مشابه جدا في خطوطه العامة لما حدث معنا ..و أي مجزرة اخرى ستكون مشابهة أيضا ما دامت جزءا من ظاهرة عامة أكثر من كونها حدث عابر..

يمكن القول بتبسيط : إن الشعوب مغلوبة على أمرها.. و هذا صحيح ، و هو لب المشكلة بالضبط : إنها “مغلوبة” على امرها اكثر مما يجب ، بالضبط لقد قولبت داخل ثقافة جعلتها كذلك..

هناك ثلاث عوامل اساسية في هذه الظاهرة ، هناك عدوان خارجي ( مذبحة ، حصار، غزو ..الخ) و هناك تواطؤ داخلي ( يتراوح بين الصمت السلبي ، الى المشاركة الفعلية غير المعلنة أو حتى شبه المعلنة في النموذج الحالي)..و هناك ثالثا رفض شعبي لكل هذا و شعور بالتعاطف الحاد و الغضب الحاد و الرغبة في” الفعل” .. فعل أي شئ..

هنا ، عند هذه النقطة بالذات ، يأتي توظيف الشعائر في هذا السياق ، ليتدخل بطريقة أزعم انها معاكسة تماما للمقصد من الشعائر و العبادات في الاسلام…

الصيام من اجل غزة ، قيام الليل دعاءاً من اجلها ..الخ يجعلك تشعر أنك تقوم بشئ ما من أجلها ..و في الحقيقة أن إستجابة الدعاء من قبل الباري عز و جل مشروطة بسنن آلهية وضعها البارئ نفسه ، و الاستثناءات هنا محكومة ايضا بهامش المضطر “أمّن يجيب المضطر إذا دعاه “.. والمعنى هنا إن هذا المضطر هنا قد عمد الى إتخاذ كل السنن و العمل بها لكن ذلك بقي يحتاج الى تدخل الهي للسداد و للتوفيق أو النجاة من ظروف استثنائية , أما من اكتفى بالكسل وا لتواكل و اللافعل فليس داخلا حتى في “سُنة ” إستجابة الدعاء..و قد قال العملاق عمر بن الخطاب “لا يقعدن احدكم عن طلب الرزق فأن السماء لا تمطر ذهبا و لا فضة”..و هي لا تمطر إنتصارت كذلك للقاعدين.

و الذي يحدث هنا ان الجماهير “تغلي” لكي تفعل شيئا تجاه ما يدور ..و كما يفعل صمام الامان في “قدر الضغط” فان الصيام و قيام الليل من اجل غزة ، سيخفف من غليانها ، عبر إيمانها إنها على الاقل قد فعلت شيئا..

و هكذا ، و بعد ان صُمتَ يوماً او يومين ، او الاسبوع كله ، او خلال الازمة كلها، فانك ستعتقد انك قد فعلت “شيئا ” من اجل غزة..و بالتالي فانك لن تبحث عن شئ آخر لتفعله :اي إن “إرادة العمل” قد غيبت و أستهلكت هنا..و بالتالي عملت الشعائر هنا عمل صمام الأمان الذي يخفف من الضغط و يمنع الانفجار..و هو الانفجار الذي يمكن ان يكون “محمود العواقب”.. الذي يمكن ان يطيح بكل الاسباب التي اوصلتنا إلى هذا الدرك ، الانفجار الذي يجب ان يحدث ليس ليزيح الانظمة السياسية المتواطئة فحسب ، بل ليطيح بكل البنية الثقافية التحتية التي أوصلت هذه الانظمة ، ضمن اشياء أخرى ،الى التحكم بنا..الانفجار الذي يجب ان يطيح بثقافة الخنوع و الخضوع و الاستسلام لكل ما يحدث : ثقافة الدعاء للغالب و الخضوع للغالب ..تلك الثقافة السلبية التي جعلتنا ما نحن عليه و غيبت معظم الايجابيات الكامنة في ديننا و في نصوصنا الدينية.. تلك الثقافة تستحق الانفجار لأن الاستمرار فيها لا يحقق أي امان ..و الضغط المتولد عن نتائجها ( و مذبحة غزة هنا هي نتيجة بارزة من نتائجها ) يجب ان لا يخفف عبر صمام امان من أي نوع ..بل يجب أن يوظف نحو ما يجب أن يوظف نحوه..

شئ آخر يجب ان لا أتجاهله هنا ، و هو ان التبرع بالاموال لغزة لا يندرج إطلاقا ضمن نفس خانة صمام الامان الذي تحدثنا عنه لإعتبارات واضحة ، لكن ينبغي أن أن نتذكر هنا أن هذا ليس كل شئ : فما حدث و يحدث في غزة ليس “تسونامي” طبيعية لكي يكون التبرع هو كل ما يمكن القيام به ، بل هو كارثة حتمية نتجت عن ثقافة آن أوان مواجهتها…

أمر آخر : بعض التيارات الاسلامية إنتقدت الدعوة الى “الصيام من اجل غزة” و لكن مما سيبدو إنه زاوية أخرى تماماً : فقد قيل إن هذا “بدعة”..و كل بدعة ضلالة..و كل ضلالة في النار..

بغض النظر عن التوصيف الفقهي للأمر ، أجد إن توظيف الشعائر كصمام أمان من هذا النوع هو بدعة فعلا..فالشعائر في الاسلام شرعت لتقيم الانسان ، لتشد عوده ، لتجعله قادرا على بناء المجتمع و هدم ما يجب هدمه منه ضمن عملية البناء..و ليس من أجل منح بعض الأمان لقطيع الخراف المساقة الى الذبح.

إجتزاء الشعائر من سياقها النهضوي البنّاء الى سياق “صمام الامان” هذا ، هو بالتأكيد “بدعة”..بطريقة او بأخرى.

 


عن البرمجة اللغوية العصبية..بقلم الدكتور عبد الرحمن ذاكر الهاشمي

 

a-thakir-28-03-2003-2عن البرمجة اللغوية العصبية

أو

Neuro-Linguistic Programming “NLP”

 

“قل: إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين”

                                                                    د. عبد الرحمن ذاكر الهاشمي

انطلاقا من هذه الآية التي تعلمت منها أن أتلقى وأستفهم بطلب الحجة قبل أن أحكم، أكتب هذه الرسالة التي تحوي تفكيكا لخواطر تجول في أذهان الكثيرين الذين صاغوها أسئلة؛ ولقد تلقيت كثيرا من هذه الأسئلة في الفترة القليلة الماضية.

 

باختصار، هي استفهامات وشبهات وتساؤلات حول ما يعرف ب

“البرمجة اللغوية العصبية  NLP“.

 

لماذا أكتب هذه الرسالة مع أنني التزمت الصمت، على المستوى العام، فترة طويلة؟

 

·        اللغط الكثير الذي أحاط بهذه “الفرضيات والنقولات”، والتي وصلت إلى حد تفسيق البعض للآخر من جهة، واتهام الآخر للبعض بالجهل والانغلاق والتعصب ضد “علوم الغرب” ومعاداة “الحضارة” من جهة أخرى! وهكذا.

·        تحوّل ظاهرة “الدورات التدريبية” التي تعنى بهذه “الفرضيات والنقولات” إلى أشبه ما يكون ب “الحمّى” التي كانت تمثل مؤشرا لأمراض كثيرة، ثم تحولت هي ذاتها إلى مرض.

·        المشاهدات والملاحظات والانتقادات الشخصية التي حملتها معي قبل وخلال وبعد حضوري لكثير من تلك “الدورات التدريبية” ولقاءاتي بكثير من “المدربين” المعنيين؛ وكان من آخرها اكتشافي، من طريق أحد المهتمين بالأمر، ثم تحققي من الأمر بنفسي، أن أحد أشهر هؤلاء “المدربين” على مستوى منطقة الخليج العربي يحمل شهادة “دكتوراه” غير حقيقية = مزيفة!

·        الحالات “المرضية” التي وصلت إلي بصفتي المهنية في عيادتي بدبي، والتي كان أصحابها يشتكون من شعورهم “بالخداع” والغفلة والسذاجة جراء حضور مثل تلك “الدورات التدريبية”؛ وكثير ما هم.

·        آخر تلك التساؤلات والتي تمثلت برسالة تلقيتها من أخي الأصغر أحمد وفيها استفسار عن الموضوع حيث إنهم، في المدرسة التي يرتادها شقيقي، يريدون أن يستضيفوا “مدربا” لإلقاء ورشة عمل في “البرمجة اللغوية العصبية”؛ وكان هذا ردّي على الرسالة:

 

“بسم الله الرحمن الرحيم.

 

الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

 

أخي الحبيب ..

سلام من الله عليك ورحمة وبركات

سأجيب باختصار إن شاء الله

 

إن لكل جديد حلاوة في النفس ورهبة في الوقت ذاته.

فكيف إذا جاء هذا الجديد ليجد نفسا خاوية مما يسندها ويدعمها ويقويها؛ كقول الشاعر:

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى                        فصادف قلبا خاليا فتمكنا

 

هذا هو حال ما يعرف ب “البرمجة اللغوية العصبية”.

 

زائر مفاجئ، لنفوس ظمأى، وشعور بالنقص تجاه مفردات الثقافة الغربية.

 

ولكن، وقبل البدء، وقبل أن يقفز البعض إلى اتهامي بما ليس في، وحتى لا يتصور بعض “المتوهمين” أنني من أولئك الذين يرفضون أي أمر “غربي” لمجرد أنه “غربي”، فلا بد من أن أبين أنني طلبت العلم التجريبي في جامعات “غربية” المنهج والتطبيق؛ كيف لا؟ والطب التقليدي هو نتاج غربي، و”علم النفس”، مع التحفظ على كلمة “علم”، هو نتاج غربي أيضا،   والطب النفسي بمعناه العضوي هو نتاج غربي أيضا!

 

أقول هذا، لا دفاعا، بل حتى لا أدع مجالا لبعض “المتوهمين” أن يسقطوا أنفسهم في ظلام الغيبة والقذف بغير علم.

 

وسأبدأ كما أحب أن أتسلسل في ما لدي استفهامات وإجابات، في فصول:

 

·        نشأة الظاهرة.

·        انتشار الظاهرة، أسباب ونتائج.

·        فرضية، أم علم معتبر؟

·        موهوبون مجددون أم متوهمون؟

·        نصيحتي للمعنيين ولغيرهم.

 

أما عن “نشأة الظاهرة” من حيث تأريخ ظهورها وتطورها وماإلى ذلك، فلقد تحدث فيها الكثير من المهتمين، والشبكة الرقمية (Internet) ملأى بالمواد العلمية والتي يسهل الحصول عليها عند البحث.

 

إلا إنني سأتوقف عند أمر أعتقد أنه من الخطورة بمكان، ألا وهو أسباب  نشأة الظاهرة لدى “الغرب” وزحفها لتصل إلى حيث لا ينبغي أن يكون لها مستقر ولا مستودع!

 

إن طغيان “جاهلية الإلحاد والعلمانية” كرد فعل ومحاولة الانقلاب على الطغيان “الكنسي” بشكله المتخلف البعيد عن روح الدين السماوي الذي يدعو إلى الحق والحقيقة، هذا الطغيان جعل الإنسان الغربي عبارة عن “فأر تجارب” إذا ما تعلق الأمر ب”النفس البشرية” وعوارضها ومشكلاتها ومحاولة الحصول على حلول لتلك المشكلات؛ تلك المشكلات التي ساهمت، وما زالت تساهم، تلك الجاهلية في وضع القواعد المتينة والمسببة والحريصة على بقائها ونموها وتطورها بل وتعقيدها كلما تقدمت “الجاهلية” في مسيرة “حضارتها”.

 

وبحكم قانون “المحاولة والخطأ”، فإن “فأر التجارب الإنساني” يمر عليه أصناف وألوان من التجارب العلاجية، منها ما هو “علمي” ومنها ما هو “وهمي”، بل ومنها ما هو “شخصي” ومنها ما هو “انتقامي” أحيانا.

 

ولما كان الأمر غير منضبط بضابط متفق عليه ومعتبر، صار من الطبيعي بل ومن الضروري أن تظهر علاجات من هنا وهناك، ومن كل من يظن / تظن أن له / لها وجهة نظر في هذه “النفس البشرية”.

 

ومن هذه المحاولات، نشأ ما هو موضوع هذه الرسالة: “البرمجة اللغوية العصبية”.

 

وأما الفصل الثاني، “انتشار الظاهرة، أسباب ونتائج “، فإنه تابع لما سبق ذكره من طغيان “جاهلية الإلحاد والعلمانية”.

 

وليس من الحكمة ولا الواقعية في شيء أن نصدق ادعاء البعض بأننا كأمة “إسلامية” بعيدون عن آثار هذه الجاهلية، بل أكاد أجزم أننا من أشد المسوقين لها، ولهذا التسويق أسباب وأشكال كثيرة ليس هذا مقام التفصيل فيها.

 

كيف لا؟ وأنا، كطبيب واستشاري للعلاج النفسي والتربوي، أتلقى في عيادتي التي هي في بلد “إسلامي” حالات تكاد تطابق تلك التي تنتشر في العالم “الملحد”!

 

وبهذا، فإن الناس يلهثون وراء حلول ناجعة شافية مفحمة، أيا ما كان شكل هذه الحلول.

 

وهل تحولت هذه “الموضة الغربية” إلينا إلا عندما افتقرنا إلى ما لدينا من أصول؟!

 

لقد انتهر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب، وكان ذلك في الفترة المكية، عندما رآه يقرأ صحيفة من التوراة قائلا: “والله لو أن موسى بين ظهرانيكم، لما وسعه إلا أن يتبعني”، ولكنه صلى الله عليه وسلم عاد ليقول في المدينة: “حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج”؛ وكأني به صلى الله عليه وسلم يوجه الأمة إلى التزود والاستعداد والعلم قبل تلقي ما لدى الآخر.

 

فإذا أضفنا إلى هذه الحاجة الإنسانية المتفاقمة بعض “العوامل المساعدة” مثل:

·        ضعف “أصول الدين” لدى “عوام” المسلمين.

·        انتشار الجهل وغياب الخطاب العلمي.

·        تغييب العقل وتقديس، بل والاستسلام الكلي، للغيبيات.

·        انفتاح “التنويريين” على كل ما هو وافد من الغرب دون تمحيص.

·        تساهل بعض “أهل الذكر” وتسطيح أمر التعامل مع الوافد “الغربي”.

·        وفي المقابل، الرفض المطلق من بعض “أهل الذكر” والذي استفز الفضول عند “العوام”.

·        عقدة الغالب والمغلوب أو التابع والمتبوع، كما ذكرها ابن خلدون.

 

هذه الأسباب وغيرها ساعدت على انتشار هذه الظاهرة وغيرها.

 

وأما نتائج انتشار هذه الظاهرة، فلنا أن نحدث ولا حرج؛ ومنها ما هو مباشر وغير مباشر:

·        زيادة البعد، والذي هو حاصل أصلا، بين عموم المسلمين وبين “أصول الدين”.

·        زيادة عدد “الشبهات” من حيث لا يعلم البعض.

·        ظهور تشكك “خفي” في “جدوى العبادات” إذا ما قورنت ب”فعالية” هذه الدورات.

·        ظهور فئة “متعالمة” إلى درجة القدح في “أهل العلم”؛ وأعني هنا بعض “المدربين”.

·        ظهور فئة تتصف بوضوح ب” الكبر والعجب”؛ وأعني هنا بعض “المدربين” و”المتدربين”.

·        ظهور بعض أمراض النفوس، إلى جانب ما ذكرته سابقا، مثل: حظ النفس، عقدة النقص، حب الظهور، الاعتقاد الواهم بأن هناك “علما” أنا “عالم / عالمة” به، إلخ.

·        تحول هذه “الفرضيات والنقولات” إلى “دين” يجاهد البعض في الدفاع عنه.

·        التسابق من أجل المادة، وأعني هنا كثيرا من “المدربين”.

·        الإسراف، وأعني كثيرا من “المتدربين” الذين ينفقون أموالا طائلة فيما يحسبونه “علما”.

·        أمراض نفسية متراكمة جراء عدم جدوى كثير من هذه الدورات التدريبية، وهذا الأمر شهدته، ولا زلت أشهده، بنفسي في العيادة النفسية لدى “ضحايا” هذه الدورات التدريبية .

 

وهذه النتائج، وأوقن بأن غيرها كثير مما قد يفطن له غيري، ما هي إلا “طالع الشر”.

 

أما الآن، فأود أن أتناول ماهية المادة المطروحة؛ هل هي فرضية، أم علم معتبر؟

 

ولن أطيل هنا كثيرا.

ما يعرف ب “البرمجة اللغوية العصبية” لا يعدو في اعتقادي أن يكون أحد أمرين “فرضيات” أو “نقولات”، بالكاد تربو أن تكون مهارات سلوكية ملاحظة، فقط؛ وليس علما قائما بذاته.

 

فرضيات؛ قائمة على الظن في مجملها.

ونقولات؛ المفيد فيها ليس بجديد، والجديد فيها ليس بمفيد.

والكلام في تفصيل هذا طويل يحتاج إلى شرح مفصل.

 

ومن الدلائل الواضحة على هذا الأمر أنه لا توجد جامعة واحدة أكاديمية في العالم تعترف بها كعلم قائم على المناهج الأكاديمية المعتمدة، وأقول “جامعة” وليس “كلية أو معهدا خاصا”  ؛ على الأقل حسب معرفتي ومتابعتي المستمرة.

 

ولا يعني هذا بحال من الأحوال أنه إذا تم الاعتراف بها ك”علم أكاديمي” فإننا سنتقبلها بصدر رحب، ولكنني أردت أن ألفت الانتباه إلى ظاهرة شاخرة ألا وهي إنكار المجتمع “الأكاديمي” المادي لهذه الظاهرة مع إنهم أهل البدع في هذه المجالات.

 

وإن من الخطأ تسميتها ب “علم” البرمجة اللغوية العصبية، فهي تفتقر لتعريف العلم ومعطيات العلم.

 

ف “العلم” هو: “معرفة الشيء على ما هو عليه” أو “النتيجة المقطوع بثبوتها”.

ومعطيات “العلم” كما اتفق أهل “العلم” هي: “النقل الصحيح” أو “العقل الصريح” سواء كان منهجية التجريب والمحاولة والخطأ والتسجيل والتقويم وغيرها.

 

ولاتكاد هذه الظاهرة تحوي شيئا من هذه المعطيات إلا ما كان “نقولات”.

 

ما يقدم في هذه “الدورات التدريبية” إنما هو “معرفة”.

 

فرق كبير، كبير جدا، بين “المعرفة” و”العلم”.

الأولى، بفتح الهمزة، أن تكون هذه “المعرفة” سبيلا إلى “العلم”، لا أن تعطى للناس على أنها “علم قطعي”.

وشتان بين “المعرفة” و”العلم”، ف “المعرفة” طلب العلم، و “العلم” نتائج مقطوع بها  .

 

نحن نتعامل مع عرض من أهم الأعراض المخلوقة، بل وآية من أجل آيات الله، ألا وهو “النفس”، فالأولى أن نتوجه إلى خالق “النفس” لمعرفة صنعه؛ “صنع الله الذي أتقن كل شيء”  .

 

الفرق شاسع والبون بعيد بين أن ندرس “السلوك الظاهر” للنفس وأن ندّعي “علم” النفس.

 

ومع إن أهل هذه “الفرضيات” يزعمون غير ذلك، فإن هذه “الفرضيات” تعمل على مستوى السلوك فقط، كأي مدرسة نفسية غربية؛ وهذا وهم؛ فهي لا تصل إلى المستوى العميق والحقيقي في دراسة النفس البشرية وعللها وعلاجاتها.

 

بعض الأسماء التي ذكرتها في رسالتك لديها “معرفة” جيدة لا بل ممتازة، ولكن بقي عليهم أن يوظفوا هذه “المعرفة” توظيفا “علميا”.

وهنا، أتوقف مع الفصل الرابع: هل هؤلاء القوم موهوبون مجددون أم متوهمون؟

 

أقرأ في القرآن: “ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى”.

ومع إن هذه الآية نزلت في أقوام مخالفين لنا في ما أرى أنه أشد وأخطر، ولو في ظاهر الأمر، من موضوع الرسالة، فإن من الأولى أن نقوم بالعدل في حق إخوان لنا من بني ديننا.

 

نحن لا نسيء الظن بمروجي هذه “الفرضيات والنقولات”، ولا نريد ذلك ولا نحبه ممن يوافقنا أو يعارضنا؛ ولكن الاهتمام الذي انصب على تعليم هذه “الفرضيات والنقولات” واتخاذها “علما” و”دواء شافيا لكل علة” وإدخالها في كل صوب وحدب، كل هذا يعطينا الحق في أن نستوقف أنفسنا قبل غيرنا في مهمة “نقد ذاتي” لأننا أحوج ما نكون له الآن، قبل أن نضع أنفسنا موضع الضحية والأضحوكة  .

 

معظم “المدربين” في هذا المجال والذين أعرفهم، على الأقل، ولا أقول كلهم، لا يملكون أي شهادة معتبرة في مجالات ما يعرف ب “علم النفس” مثلا، فهم يتدربون على أيدي أسماء مشهورة أو تلاميذ لأسماء مشهورة أو حتى كتب مترجمة، بل وأفكار مسروقة أحيانا، ثم يصبحون هم المدربين، وبشهادات معتمدة، معتمدة ممن؟!

 

كما إنني، وبحكم عملي في بعض المركز التدريبية، كنت أتلقى كثيرا من “السير الذاتية” لكثير من أمثال هؤلاء، وكان يدفعني للضحك تلك القائمة الطويلة من الدورات التدريبية والشهادات “المعتمدة” من “مراكز تجارية خاصة”، في حين لا يكاد يكون هناك ذكر للتخصص الأكاديمي المعني بمجال التدريب.

 

ولا يعني كلامي هذا إن الأكاديميين هم فقط الذين يحملون “العلم”، إلا إنني لم أجد أكثرهم لا “أكاديميين” ولا حتى “موهوبين” أو “أهل علم”.

 

ووالله إنني كنت أصابر نفسي وأجاهدها في عدم الخروج من قاعات التدريب في كثير من هذه “الدورات التدريبية” لشدة ما أستمع إليه من لغط ودس للسم في العسل وخلط ما بين الأصول والبدع وفرض  لآراء شخصية على أنها نتائج قطعية.

 

هم “يظنون” ولا “يعلمون”؛ “إن يتبعون إلا الظن”. وإن من “الحرام” و”الإجرام” أن ندعي “العلم بالعلاج” ونحن لا نملك إلا ظنا!

 

يبقى عليهم أن يصلوا إلى “العلم الحقيقي”.

 

قد يظن البعض أن في هذا ضربا من ضروب المبالغة أو سوء الظن أو التحامل على مروجي هذه الظاهرة؛ والله أسأل أن لا نكون ممن يحمل على الآخرين لهوى أو جهل.

 

كما إن شيئا من الأمر، كما أرى، تحول إلى تجارة رابحة بمشاعر الناس وآلامهم وأمراضهم، إلا عند القليل ممن نحسبهم مخدوعين بهذا الزائر الجديد أو متأولين له بحسن ظن.

 

وأما نصيحتي للمعنيين ولغيرهم.

 

خلق الله النفس وأنزل لها “الكتاب الإرشادي” الخاص بها، الكتاب الذي أنزله “تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين”.

 

فبالله عليك، سل هؤلاء وغيرهم “أفلا يتدبرون؟”.

 

وكأننا نسينا أن الأصل في القرآن: “طه، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى“.

 

إن في القرآن والسنة الصحيحة وبعض ما كتبه الشافعي وابن الجوزي وابن تيمية وابن القيم والغزالي وابن رشد وابن مسكويه وغيرهم في النفس ما يغني.

 

نعم، نحن ندعوهم أن ينطلقوا من الأصل، لا أن يرجعوا إليه “رجوع المضطر”.

 

ومع كثير من التحفظ أقول: مقبول أن يتعلم الناس “فرضيات ونقولات” البرمجة اللغوية العصبية، ولكن بعد أن يبدءوا بتعلم الأصل، لا العكس؛ وغالب الظن أنهم لن يحتاجوها إذا كان الأصل قائما في نفوسهم.

 

نصيحتي لهؤلاء الأحبة وغيرهم ومن يحذو حذوهم، أن يتجهوا إلى الكتاب والسنة الصحيحة؛ أن ينطلقوا من هناك، ثم فليجدوا الأثر البالغ الذي يتمناه “مبتدعو” هذه الظاهرة.

 

ولا ضير من أن ألفت الانتباه إلى ما قد يتبادر إلى بعض “المتوهمين” من استفهام وشبهة: “ولماذا نرفض بعض الخير الموجود لديهم إذا كنا سنفيد منه؟” وهو وجه آخر لكلمة حق أخشى على صاحبها من الوقوع في الباطل، ألا وهي: “الحكمة ضالة المؤمن”!

 

أقول: نعم أيها الأخ الطيب؛ ولكن، كن “مؤمنا” أولا ثم اذهب لتتحرى الحكمة إذا رأيت نفسك ما زلت محتاجا إليها.

 

أسألك أيها المتحري للحكمة: هل تعرف ما معنى “الله الصمد”؟ فتقول: “لا” أو “أظن أن معناها كذا وكذا” أو “نعم أعرف، وما الغرض من هذا السؤال؟”؛ ثم تتجرأ بجهلك أن تعلن عدم ارتياحك من الصلاة لأنك لا تخشع فيها أو لأن الوسواس أصبح ملازما لك في الصلاة؛ ثم أراك فرحا بممارسة فنون “اليوغا والريكي والتنويم الإيحائي” لأنها ممارسات “مريحة”!

 

كيف لا؟ وقد تكبدت مشقة السفر وتعلم اللغات الشرق آسيوية لتتقن هذه “الصلوات”، في حين تجهل لغة القرآن وصفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وأذكار الصباح والمساء، ثم تأتي بعد هذا لتقول: “الحكمة ضالة المؤمن”!

 

أي مؤمن أنت؟ وأية حكمة تنشد؟ وفي أي مستنقع تنشدها؟

 

بل لقد بلغ الأمر بأحد “المتوهمين”، وكان أحد الأخوة قد دعاني إلى جلسة كان هذا “المتوهم” حاضرا فيها، وبعد أن خضنا في نقاش ليس بالطويل، وبعد أن حاولت جهدي في أن أكون واضحا في أنني أود منه ومن غيره أن يوفروا جهدهم وطاقاتهم في استخراج الكنوز “النفسية” النفيسة من بطون “الأصول”؛ فإذا به في ختام الجلسة، وقد مارس كل مظاهر “النقص” في الجلسة، يقوم بتوزيع كتاب قام هو بترجمته إلى العربية!

 

ترى، ما هو الكتاب الذي سهر في قراءته وترجمته؟ وما كان عنوان الكتاب الذي ترجمه هذا “المتوهم”؟

أما موضوع الكتاب فهو “فنون التسويق”، وأما عنوان الكتاب: “أرجوك، اخدعني”!!!

 

الأولى بهؤلاء الأحبة أن يذكروا الناس بالمعلم الأجل محمد صلى الله عليه وسلم، هذا أدنى أن يحفظ الناس مقالات ستيفن كوفي وأنتوني روبنز وغيرهم؛ وهذا لا يعني أننا نسيء الظن بمعرفة هؤلاء، ولكن، الأولى فالأولى.

 

ومن المعلوم ضمن قواميس “البرمجة اللغوية العصبية” أن “الدماغ يخزن الملفات حسب أسبقية ذكرها وأولويتها وتكرارها”، وهكذا، فإن مناهج الأسماء سالفة الذكر ستأخذ مكانتها في تغيير النفس أكثر من محمد صلى الله عليه وسلم.

 

لماذا؟ لأنهم وبكل “سذاجة” يذكرون أسماء أولئك الباحثين الغربيين في دوراتهم أكثر بكثير من ذكرهم لأصول تلك العلوم من القرآن والسنة الصحيحة وصاحبها محمد صلى الله عليه وسلم، مما يجعل المتخرجين من تلك “الدورات التدريبية” تلامذة نجباء لأولئك الباحثين يتشدقون بأسمائهم في المجالس، في حين لا يكادون يرجعون فضلا فيما تعلموه من مفردات نفسية أو معاملات اجتماعية أو مهارات اجتماعية للمعلم الأجل محمد صلى الله عليه وسلم، وإنهم في هذا لمعذورون، ف “ذلك مبلغهم من العلم”.

 

بل إنني استمعت أحدهم وهو يقول: “إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يطبق قواعد البرمجة اللغوية العصبية دون أن يدري!”؛ وأترك التعليق لكم.

 

وأعود إلى “المتوهمين”!

 

نعم، هم يرجعون بعض المهارات إلى “الدين”، ولكن يبقى الناس متعلقين بالفروع اليابسة الجافة التي تحتاج إلى رعاية فائقة وإلا كان مصيرها الموت السريع.

 

أما ادعاء اتخاذ هذه “الفرضيات والنقولات” كسبيل لفهم الأصول، فإن في هذا الادعاء محاذير:

·        كأن كل ما كتب في تفسير القرآن وشروح السنة النبوية وكتب نزكية النفس لا يغني، مما يدفعنا أن نحتاج إلى أقوال “ملاحدة” أو “مشركين” ليوصلونا إلى فهم “الأصول”!

·        زيادة الانشغال ب”فروع” لا أصل لها، وهو حاصل أصلا وسبب من أسباب تخلف الأمة  .

·        تكرار ما وقعت فيه الأمة إبان العصر العباسي، وذلك عندما سارع الكثيرون لتبني “الفلسفة اليونانية”، فنتج عنها شيء من الإيجاب وكثير من السلب.

 

ورضي الله عن علي بن أبي طالب عندما قال في الخوارج مخاطبا عبدالله بن العباس: “من الكفر فروا، ولكن اعلم يا عبدالله أنه ليس من طلب الحق فأخطأه، كمن طلب الباطل فأدركه”.

 

إن من العجيب أن نرى بعض هؤلاء المدربين “أكثر من واحد منهم” يعانون من “حركات لاإرادية” أو “سمنة مفرطة” أو “تعتعة”، ولا يملكون لنفسهم أن يتخلص منها باستخدام هذا “العلم”.

 

إن بكاء شخص معين واسترخاءه في دورة من الدورات ليس دليلا على نجاح عملية الاسترخاء، بل هو غاية الدليل على أنه في حاجة إلى هذه الجلسات، ولكن مع صانع النفس وخالقها.

 

نصيحتي لهؤلاء الأحبة:

·        أن يتعلموا ويعلموا الناس أن الله هو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو الذي ينبغي أن نثق به ونوقن، قبل النفس وقبل العقل الباطن.

·        أن يتعلموا ويعلموا الناس كيف كان وضوء النبي عليه الصلاة والسلام.

·        أن يتعلموا ويعلموا الناس كيف كانت صلاته وصيامه وسلوكه.

·        أن يتعلموا ويعلموا الناس تزكية النفس في مراتب العبودية لله تعالى وحده.

·        أن يتعلموا ويعلموا الناس أن الأصل مجاهدة الشيطان والنفس الأمارة بالسوء، لا أن يجعلوا من “العقل الباطن” العدو الأول والمسيطر والحاكم، وبالتالي “البعبع”.

·        أن يتعلموا ويعلموا الناس كيف كان محمد صلى الله عليه وسلم يتلقى السب والشتم بالدعاء بالرحمة والمغفرة لمن سب وشتم، وذلك لأن الآخر لا يعني له شيئا إذا ما قارنه ب “إن لم بك علي شخط فلا أبالي”.

·        أن يتعلموا ويعلموا الناس كيف كان محمد صلى الله عليه وسلم يعلم صحابته أن يترفعوا عن الانتقام للذات ووضعها في أرقى مواضعها.

 

لم يكن النبي عليه الصلاة والسلام “يلون المواقف” ب”اللون الوردي” حتى يسهل لهم تصور الأمور.

لم يكن يطلب منهم أن “يتخيلوا” خصمهم في “لباس مهرج” أو ب”خرطوم فيل” حتى تسهل حياتهم.

لم يكن يحاول الدخول إلى “عقلهم الباطن” ليخرج “الصور السلبية” ويستبدلها بأخرى “إيجابية”.

 

لقد كان صلى الله عليه وسلم يعلمهم كيف يقرؤون القرآن وكيف يعيشونه.

كان يعلمهم أن الله هو الأول في حياتهم وليس الآخرين.

 

ليتنا نتوجه إلى النبع الأصيل ثم ننظر ما الذي نحتاجه بعد ذلك.

 

نصيحة إلى هؤلاء المدربين أن يتقوا الله في أموالهم التي يتقاضونها مما يسمونه “علما”.

نصيحة أخرى لأصحاب المراكز التدريبية أن يتقوا الله في من ائتمنوهم على أدمغتهم ودينهم.

نصيحة أخرى لكل من استهوته هذه “الظاهرة” وأعجب بهذه “الموضة” أن يتقى الله في نفسه ودينه وماله.

 

يجيبني أحدهم بقوله: “إن هذا أفضل من أن يضع الناس مالهم في حرام”.

أقول: “إن المسكر حرام كيفما كان شكله أو تغيرت ملامحه ولا أظن ما يقدم أكثر من مسكرات مهدئات منومات”.

 

أعود إلى رسالتك ..

 

سألتني عن أسماء في رسالتك، لن أجيب عن رأيي في أشخاص بعينهم ولا هو مرادي هنا؛ إن نقاش الأشخاص هو مهمة “الصغار” المشغولين ب”الأشخاص” لا “الأفكار”؛ وأسأل الله أن يغفر لي ويعيذني أن أكون من هؤلاء الصغار.

 

أوضحت ما أعتقد فيه الفائدة لمن أرادها، والله من وراء القصد.

 

ولنتذكر قاعدة غاية في الأهمية:

كل ابن آدم يؤخذ من كلامه ويرد عليه إلا محمد صلى الله عليه وسلم.

 

وأنهي بما بدأت: “قل: إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين”.

 

ومن ألزمنا الحجة بالحق تبعناه، ولو كان خصما، فكيف بأحباب وأخوة لنا في الله؟

 

وصلى الله وسلم على سيدنا وحبيبنا ومعلمنا وقائدنا وشفيعنا بإذن ربنا.

 

“وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين”

 

أخوك الفقير إلى عفو ربه

عبدالرحمن ذاكر الهاشمي

 

 

د. أسامة قاضي :الاستهلاك أيضا يمكن أن يكون سلاح مقاومة….

 

 

 

 

 الاستهلاك أيضا يمكن ان يكون سلاح مقاومة…

د. أسامة قاضي

osama2 

عزيزي المستهلك.. عندما تغار لدينك، وتحاول أن تقاطع منتجات من يتربصون عداء لإخوانك في غزة، فحاول أن تكمل دورك، واحرص أن تكون كل المنتجات التي تستهلكها مصنعة في دول العالم الإسلامي، عندها فقط تجبر أعداءك على احترامك، والتفكير ألف مرة قبل الهجوم، وفي نفس الوقت تنقذ أمتك الإسلامية من براثن الفقر، وتساهم بنفسك في النهوض الاقتصادي لأمتك الإسلامية.

ولكن، هل أجد في المنتجات التي تصنعها دول العالم الإسلامي كل ما احتاجه؟ ولو وجدت هل تكون بنفس جودة منتجات غيرها من الدول؟ أليس من المبالغة أن أقوم أنا كمستهلك عادي بخدمة قضايا أمتي وأساهم في حل مشكلاتها الاقتصادية فقط من خلال استهلاكي لمنتجات مصنعة في دول العالم الإسلامي؟

هذه الأسئلة التي تحاول الأصوات الخانعة تكرارها، نقدم لك إجابة عليها من خلال عرض لدراسة للدكتور أسامة قاضي أستاذ الاقتصاد بجامعة ولاية متشيجان الأمريكية، ورئيس منتدى الفكر والثقافة بالولاية.

إدمان المنتجات الغربية

الدراسة التي حملت عنوان “استهلكوا إسلاميا وصنعوا وصدروا عالميا” تميزت بأنها لم تكتف فقط بالدعوة النظرية للمضمون الذي حمله عنوانها، لكنها قدمت البديل العملي الذي يخاطب العقل.

وبدأت بالتأكيد على أن معظم المستهلكين في العالم الإسلامي قد تعودوا نمطا استهلاكيا يقدم المنتج الغربي على غيره من المنتجات الاستهلاكية دون الالتفات إلى ما يمكن أن ينتج عن أثار تحييد منتجات البلاد الإسلامية عن أولويات استهلاكه من مشكلات اقتصادية فضلا عن الدور السياسي في سبيل تفعيل المقاطعة.

وتقول الدراسة إن هناك حالة من الإدمان لدى المستهلك المسلم للمنتجات الغربية على حساب البضائع المصنعة إسلاميا، وتشير إلى أن المستهلكين يرفضون الاعتراف بذلك، ويتظاهرون بأنه لا حول لهم ولا قوة؛ وهو موقف تجسده الآية الكريمة {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ}.

فآلة الإعلام الغربي وأدوات تسويقه الناجحة أقنعت المستهلك في البلاد الإسلامية أنه لا مفر له ولا بديل يمكن أن يحل محل المنتجات الغربية، ولكن الواقع يثبت أن الأمة فيها من المنتجات ما يمكن أن تغطي معظم احتياجات الأمة الاستهلاكية.

الإمارات نموذجا

وأعطت الدراسة نموذجا لما يمكن للمستهلكين في دولة كالإمارات العربية المتحدة على سبيل المثال أن يستهلكوه من ستة بلاد إسلامية يمكن أن يغطي احتياجاتهم الاستهلاكية على أكمل وجه، دون الحاجة لمنتجات مصنعة في غير البلاد الإسلامية.

 فحسب الدراسة تستورد الإمارات العربية المتحدة وسائل إلكترونية بما قيمته 308 ملايين دولار، في حين أن ماليزيا لديها إمكانية تصدير 1.1 مليار دولار من نفس المنتج، وإندونيسيا 581 مليون دولار وتركيا بقيمة 122 مليون دولار.

 وفي الوقت الذي تستورد الإمارات المطاط وإطارات السيارات بقيمة 354 مليون دولار، فإن تركيا بمفردها تصنع من نفس المنتج بما قيمته 338 مليون دولار، وإندونيسيا 273 مليون دولار.

 فلو أن المستهلك في الإمارات العربية قرر تحويل طلبه من إطار صنعته دولة غربية إلى منتج تصنعه تركيا أو إندونيسيا لفتح أسواق جديدة أمام المنتجات التركية والإندونيسية، وخلق فرص عمل في تلك البلاد.

وبحسب الدراسة أيضا فقد استوردت الإمارات في عام واحد ما قيمته 425 مليون دولار أدوات مكتبية من دول العالم، في حين أن ماليزيا تصدر من نفس المنتج 8.7 مليار دولار، وإندونيسيا 903 مليون دولار، مما يدل على جدارة المنتج الماليزي والإندونيسي في العالم ، فالمستهلك الإماراتي سيفتح أسواقا جديدة أمام هذه المنتجات لو غير أولويات استهلاكه متمثلا شعار: “صنعوا واستهلكوا إسلاميا وصدروا عالميا”.

 وكذلك الحال بالنسبة لوسائل الاتصالات التي تستورد الإمارات منها 981 مليون دولار، بينما ماليزيا تقوم بتصدير5.9 مليار دولار وإندونيسيا 1.5 مليار دولار، وهو أمر ينطبق -أيضا- على استيراد المجوهرات والحلي، حيث تشكل 4.7% من واردات الإمارات العربية بما قيمته 1.4 مليار دولار، ويمكن للمستهلك الإماراتي أن يستهلك المجوهرات التركية، والتي تصدر منها تركيا بـ 445 مليون دولار سنويا أو الماليزية، والتي تصدر منها 505 ملايين دولار أو المصرية 10 ملايين دولار.

خلق الأسواق

وانطلقت الدراسة من قاعدة اقتصادية تقول إن الدول ذات البنية التحتية الضعيفة، والتي تفتقد لمواد أولية ذات طلب عالمي قوي كالنفط أو الغاز، لن تجدي معها الحلول الاقتصادية التقليدية، لتجيب عن سؤال اقتصادي هام هو: هل تتمتع الدول الإسلامية كلها أو بعضها ببعض المزايا التجارية التي ترشحها للتخصص في صناعة معينة مجدية اقتصاديا؟

وفي الإجابة ذكرت الدراسة أنه بحسب تصنيف منظمة التجارة العالمية فإن هناك كثيرا من الدول الإسلامية التي يمكنها التخصص في نوع معين من الصناعات دون غيرها إذا ما توفرت لديها السوق الاستهلاكية الكبيرة التي تجعل من تخصصها مجديا اقتصاديا، وبالتالي خلصت الدراسة للقول بأن استغلال إمكانيات العالم الإسلامي الاقتصادية الهائلة يمكن أن يحل تلك المشكلة.

وطرحت الدراسة بعض الأمثلة منها النيجر التي يمكن أن تتخصص في الصناعات الكيميائية؛ حيث تعتبر الدولة الأولى من حيث التخصص التجاري، وفي مجال الألبسة يمكن أن تلعب بنجلادش دورا كبيرا؛ حيث صدرت عام 2002 ما يقارب الملياري دولار من ألبسة الرجال والصبيان والصوف، و810 ملايين دولار من الألبسة النسائية، وأكثر من مليار دولار من الألبسة المصنعة.

وفي مجال التجهيزات الإلكترونية تحتل ماليزيا المرتبة السادسة على مستوى العالم؛ حيث صدرت عام 2002 لما يقارب من 19 مليار دولار من الترانزستوراتو، و1.3 مليار دولار من التجهيزات الإلكترونية.

وبالنسبة لصناعة النسيج فقد صنفت باكستان على أنها الأولى في العالم من حيث أهليتها للتخصص في هذا المجال؛ حيث صدرت في عام واحد ما قيمته 972 مليون دولار خيوط نسيجية و1.2 مليار دولار أقمشة قطنية و447 مليون دولار نسيج صوفي، كما احتلت أوزبكستان الترتيب الرابع، وتركيا الترتيب الخامس؛ حيث صدرت الأخيرة 663 مليون دولار نسيج صوف للرجال.

وهم منظمة التجارة

وفي ردها على رؤية البعض بأن حلول أزمات الأمة الإسلامية تكمن فقط في الانفتاح على العالم، وتقبل إساءاته غير المقصودة أو الفردية في بعض الأحيان، والانخراط أكثر في ركب المنظمات العالمية، وسرعة انضمام باقي الدول الإسلامية إلى منظمة التجارة العالمية، أشارت الدراسة إلى أن مستوى دخل الفرد في دول منظمة المؤتمر الإسلامي الـ57 لم يطرأ عليه أي تحسن بعد انضمام معظم دولها إلى منظمة التجارة العالمية.

وأوضحت أنه رغم انضمام معظم دول العالم الإسلامي إلى منظمة التجارة العالمية إلا أن حصة الدول الإسلامية من الصادرات لم ترتفع، بل على العكس انخفض مجموع الصادرات من 549 مليار دولار عام 2000 إلى 512 مليار دولار في عام2002، وأن عشر دول إسلامية أربعة منها ليست أعضاء في المنظمة هي ماليزيا والسعودية وإندونيسيا والإمارات العربية المتحدة وتركيا وإيران والجزائر والكويت ونيجيريا والعراق وعمان، تصدر وحدها ما قيمته 403.1 مليار دولار أي 79% من حجم صادرات العالم الإسلامي.

وخلصت الدراسة من هذه الأرقام إلى أن الانضمام لمنظمة التجارة العالمية لم يؤثر في حجم تجارة العالم الإسلامي بشكل جوهري، كما أنه لم يعد على الدول الإسلامية بالفائدة من حيث ضخ مزيد من الاستثمارات الأجنبية في المنطقة، فلم يحظ العالم الإسلامي سوى بـ16 مليار دولار كاستثمارات أجنبية من أصل 651 مليار دولار حجم الاستثمارات الأجنبية في العالم، وأن ست دول إسلامية فقط هي التي استطاعت أن تجتذب أكثر من مليار دولار لأراضيها بما فيها الدول النفطية، بل إن دولة كالإمارات العربية المتحدة لم تجذب سوى 95 مليون دولار عام 2002؛ حيث سبقتها موزمبيق وساحل العاج ومالي التي استضافت على أراضيها أكثر من 100 مليون دولار من الاستثمارات الأجنبية.

وانتهت الدراسة إلى القول بأن المدخل لصناعة رأي عام إسلامي، يحترم عالميا، وكذلك حل الأزمات الاقتصادية والتجارية الخانقة في العالم الإسلامي، لا يكون بالانضمام لمنظمة التجارة العالمية وحسب، بل بإجراء تغيير جوهري في فلسفة ثقافة الاستهلاك في دول العالم الإسلامي بشكل أساسي، بحيث يتم تقديم السلعة المصنعة في الدول الإسلامية قبل شراء سلعة مصنعة في الغرب، هذا إضافة إلى رفع مستوى الحريات والسماح للجسد الإسلامي تنفس رياح الديمقراطية من أجل أن تساهم كل الطاقات بشكل فعال في النظام الاقتصادي.

 عصام عبد الرحمن – اسلام اون لاين-

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أنا عابد ما عبدتم ، بقلم امير أوغلو

godzilla1أنا عابد ما عبدتم

 

 أمير أوغلو

رغم الألم الذي لا يحتمل، ورغم الجراح التي تدمي القلب، ورغم كل الغضب الذي يملأ الصدور، لابد أن نقف وقفة تحليل ومناقشة ودراسة لما يحصل على ضوء سنن الله تعالى في أرضه وسنن التاريخ وسنن الكون التي لا تتخلف. بعيدا عن التحاليل السياسية الباردة، وبعيدا عن استشفاف النوايا والأهداف، وبعيدا عن التراشق بالتهم وعن التخوين والتكفير فكل هذا لن يفيدنا أن نتقدم خطوة واحدة على الطريق الصحيح، طريق معرفة الواقع ومعرفة الهدف ومعرفة الطريق الصحيح إلى هذا الهدف.

 

المراقب لوضع الأمة يرى بوضوح أننا مررنا منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى آخره في مرحلة الصحوة والتربية والبناء والعودة إلى الدين والهوية والأصل وتوضحت لدينا المبادئ واكتشفنا زيف وخداع كل صور وأشكال النظريات التي كنا نعول عليها بعيدا عن انتمائنا الأصلي وبعيدا عن حضارتنا وتراثنا.

 

منذ أوائل القرن الحالي نمر في مرحلة جديدة هي مرحلة التمحيص والفرز ووضوح الرؤيا ومعرفة الباطل والحق ومعرفة من يقف معنا في صف الحق ومن يقف ضدنا في صف الباطل. مررنا في هذه المرحلة بعدة كوارث منها غزو أفغانستان وغزو العراق واحتلاله وتدمير الصومال نهائيا ومحاولات تقسيم السودان واقتطاع تيمور الشرقية وحرب لبنان ونكبات فلسطين المتتالية وحصار الشعب الفلسطيني ومحاولة انهاء القضية برمتها، كل هذا لا نراه بمنظار الكارثة والمصيبة التي لا خلاص منها بل يجب أن نراه بمنظار التمحيص الإلهي الذي يسبق التمكين بإذن الله تعالى.

 

قد يبدو للمشاهد أن الأمر قد طال أكثر مما يجب وأن طول الزمن قد يُضعف القوى ويوهن العزائم وعندها لا يبقى معنى للتمحيص بل يتحول إلى تدمير للقوة والطاقة، ولكننا يجب أن نلاحظ هنا أننا نتكلم عن أمة تمتد من شرق الأرض إلى غربها يزيد عدد أفرادها عن المليار وعن دول تزيد عن الخمس والخمسين وعن شعوب وأجناس مختلفة وعن اتجاهات سياسية واقتصادية واجتماعية غير متناهية في تنوعها واختلافاتها فلا عجب أن تطول مدة الفرز وأن تتنوع الضربات والمحن التي تقود إلى هذا التمحيص. نحن لم نعد جماعة محصورة في مدينة أو قرية أو دولة ولم نعد ألوفا أو مئات من الألوف لهذا لايمكن أن يظهر أثر هذا التمحيص في سنة ولا في سنتين ولا بعد كارثة أو كارثتين وإنما لا بد لهذا الحدث التاريخي أن يأخذ مجراه وأن يستغرق وقته لكي تكون النتائج صحيحة والفرز لا لبس فيه.

 

في بدايات عهد الدعوة عُرض على النبي صلى الله عليه وسلم أن يعبد آلهة قريش يوما وأن يعبدوا هم ربه يوما، لم يأت الرد على لسان النبي صلى الله عليه وسلم بل جاء مباشرة من الله تعالى ليبقى قرآنا يتلى ومنهاجا يُتبع إلى يوم القيامة: لا أعبد ما تعبدون…..

 

من خضم أحداث غزة وفلسطين الحبيبة ظهرت وبوضوح لم يعد فيه أي غبش فئتان فئة تنادي وتقول: لا أعبد ما تعبدون….. برغم القتل والتشريد والفتك والحصار، وفئة تقول: أنا عابد ما عبدتم……. برغم السلطان والجاه والمال أو ربما بسبب هذا السلطان والجاه والمال. 

 

أنا عابد ما عبدتم قالها كل حكام العرب تقريبا، بوضوح لامثيل له وبشفافية عالية يُحسدون عليها كنا نتمناها منهم في مواضع أخرى، قالها كل أذناب الحكام وأبواقهم وعملائهم، قالها من لم يفهم حتى الآن ماذا يحصل مخدوع هو بإعلام رهيب يقلب الحقائق ويزيفها ويظهر الحق باطلا والباطل حقا مخدوع هو بأماني وأمنيات وهدايا وألعاب كألعاب الأطفال يعوضونه بها عن حقه وعن ماله وحتى عن ذاته التي خسرها وهو لا يدري.

 

أنا عابد ما عبدتم قالتها (الجامعة) المفرقة العربية، وقالها حكام العرب وقالها وزراء خارجيتهم وقالتها محطتهم العبرية وقالتها جرائدهم الرسمية وغير الرسمية الخضراء منها والحمراء وقالها صحفيوهم ومثقفوهم وأشباه الرجال الذين يلهثون ورائهم.

 

على صعيد  الواقع العملي والفعلي يهمنا من كل هذا أن نعرف واجبنا في مرحلة التمحيص الذي قد يختلف عن واجباتنا في مرحلة التكوين وعن واجباتنا في مرحلة التمكين.

 

أول ما يجب علينا في هذه المرحلة أن نسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية، ألا نكون مداهنين ولا ملبسين ولا مهاودين، لم يعد مقبولا في هذه المرحلة تعديد محاسن الباطل حتى لو كانت له محاسن لم يعد مقبولا تزكية من يقف بوضوح في صف الباطل مهما كانت أفعاله توحي بأنه قد ينفعنا أو لأنه يبدو لنا أننا بحاجة إليه.

 

ثاني هذه الواجبات ألا نتحاور مع الباطل أبدا، علينا أن نقول وجهة نظرنا وأن نشرحها ثم ليقولوا ما شاؤوا وليفعلوا ما شاؤوا لا وقت هناك للمماحكات ولا يجدر بنا أن نضيع الوقت مع المبطلين فلا هم عندهم الرغبة في الإقتناع ولا نحن نقبل بتغيير قناعاتنا حتى الحوارات المفتوحة في الإعلام لا فائدة منها في هذا الوقت فعدد الذين قد نكسبهم من هذه الحوارات لا يعادل عشر الوقت الذي نضيعه فيها ولو انصرفنا لتبيين مواقفنا للآخرين لكان هذا أكثر فائدة وأعظم أجرا.

 

أما الواجب الثالث فهو أن نقبل كل من يقف في صفنا في هذه المرحلة بغض النظر عن أهدافه ونواياه طالما أنه لم يسقط في امتحان التمايز فلا داعي لإخراجه من الصف لأي سبب كان، إن كانت له أهداف ونوايا سيئة ستنكشف عند الابتلاء القادم وإن كان يدارينا الآن فسينكشف عند المحك الآتي ولايجوز لنا بحال من الأحوال أن ننقض بناءنا بأيدينا الآن بحجة أننا نعلم الغيب وما تخفي الصدور، أمام التحديات  القادمة سيظهر لنا صدق النوايا أما الآن فلا نشق على قلب أحد ولا نطلب من أحد أكثر مما نطالب به أنفسنا.

 

في الختام وفي موضوع غزة والجريمة المرتكبة في غزة بالذات نقول: هناك طرفان يستطيعان الآن قلب المعادلة وتغيير الواقع وتحويل هذه الكارثة إلى نصرعظيم لكل الأمة: أولهما هو الشعب المصري الذي يجب أن يغتنم فرصته الذهبية في تغيير هذا النظام الفاسد وهذا الرئيس الفاشل، ثلاثة أيام من المظاهرات تكفي لإسقاط هذا الحكم يكفي أن يخرج كل المصلين بعد صلاة الجمعة كل من مسجده ويتجهوا جميعا إلى وسط المدينة، فلست أدري عندها أي قوات للأمن تستطيع أن تحيط بكل هؤلاء. أما الطرف الثاني هم رجال فتح الذين مازالوا على العهد الأول ومازالوا عند ميثاقهم الذي أعطوه عندما بايعوا فتح ومازالوا عند الوفاء لقائدهم الذي قتل لأنه ثبت في المرحلة الأخيرة على وفائه لوطنه ورفض كل المغريات، هؤلاء هم الذين يستطيعون أن يقلبوا الطاولة على البهائي الذي سرق الثورة وعلى أعوانه من المجرمين من أمثال دحلان والرجوب وعبد ربه (أي رب؟) والأقرع وفياض إلى آخر السلسلة، هؤلاء الصادقون يستطيعون أن يحولوا هذا العدوان إلى كارثة على اليهود إذا انتفضوا في الضفة كما عودونا من أجل شعبهم لا من أجل حماس أو غير حماس فهم أول من يعلم أن إسرائيل لا تفرق بينهم وبين جهاد أو حماس.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Amir Uglu

01.01.2009

مطلوب ‘نجّارين’ لحصان طروادة


مطلوب ‘نجّارين’ لحصان طروادة

بقلم   أحمد خيري العمري  القدس العربي



يُحكى في الأسطورة الإغريقية، أن الإغريق وبعد حصار طويل دام عشر سنوات لمدينة طروادة، أشرفوا على اليأس من جدوى الحصار وقرروا الانسحاب، إلا أن أوليس، أحد قادتهم، قرر اللجوء إلى الحيلة، فقام ببناء حصان خشبي ضخم.. وتظاهر بالانسحاب هو وجيشه.. تاركا خلفه الحصان الخشبي، عندها فرح الطرواديون بانسحاب الإغريق، وتصوروا أن ضخامة الحصان الخشبي قد منعت الإغريق من سحبه، واعتبروه غنيمة صمودهم، وأدخلوه المدينة وسط طقوس انتصار غامرة.

و في الليل، وبعد انتهاء الاحتفالات، خرج الجنود الإغريق من مكمنهم داخل الحصان الخشبي المجوف، وفتحوا الأسوار، حيث كان زملاؤهم بانتظار ذلك، واقتحموا المدينة وأعملوا السيف في أهلها.

لا شيء ـ تاريخيا- يدل على وقوع هذه الحادثة، لكن نسخاً معاصرة، بتنويعات مختلفة، لا تزال تحدث اليوم..لا أقصد ذلك الفيروس الفتّاك المنتشر عبر الشبكة والذي يقضي على الحواسيب، والذي يحمل ذات الاسم ..بل أقصد شيئاً آخر تماماً.

ذكرني بذلك كله إعلان مدفوع الثمن نشر في جريدة إعلانية تصدر في عاصمة عربية، الإعلان يطلب “باحثين في الفكر الإسلامي”.. الإعلان غريب طبعاً، فنحن لم نتعود إعلانات كهذه، أو حتى قريبة منها، ويندر أصلاً أن يكون هناك إعلان عن كتاب جديد، أو عن أي شيء ثقافي، غالباً تكون هناك إعلانات عن مساحيق تنظيف جديدة، عن أدوية للتخلص من السمنة، عن سيارات بالتقسيط، وعن منزل أحلام بقروض لا تُقاوم.. عن خادمة آسيوية هربت من منزل مخدومها.. ولكن، ليس عن “الحاجة إلى باحثين في الفكر الإسلامي..”. الإعلان غريب إذن.. غريب لدرجة مريبة، صحيح أن الفكر الإسلامي بحاجة ماسّة وطارئة إلى باحثين ومجددين، لكن الأمر لا علاقة له أبداً بإعلان عن “وظائف شاغرة” في جريدة إعلانية، فالباحث الجاد الحقيقي في الفكر الإسلامي لا يتم اصطياده أبداً عن طريق الإعلان عن “وظائف شاغرة” لأن البحث الجاد يعيش في دمه.. في كيانه.. وهو ليس بحاجة إلى مَنْ “يدفع له” كي ينتج بحثاً جاداً.

لنترك سوء الظن جانباً، ولنتمسك بحسن الظن.. ربما هناك مجلة فكرية جادة تريد نشر بحوث لدماء جديدة في الفكر الإسلامي.. ربما.. لِمَ لا؟ رغم أن الأمر سيتم غالباً عبر شبكة من العلاقات والاتصالات ـ وليس عبر الإعلان التجاري.

دعونا مجدداُ من سوء الظن، دعونا من نظرية المؤامرة، أحدهم نشر إعلاناً ما لباحثين في الفكر الإسلامي.. والمسألة في النهاية عرض وطلب.. لِم علينا أن نكبر الموضوع؟ ربما هو واحد من أمراء هذا الزمان، وهو مهتم شخصياً بالثقافة وبالفكر الإسلامي، ويريد أن يكّون نواة من باحثين شباب لنهضة يحلم بها.. لنهضة يريدها لبلاده ولمجتمعه، ويريدها أن تتأصل وتتأسس عبرالفكر الإسلامي، لعله التفت يميناً وشمالاً فلم يجد من الأسماء المعروفة من يمكنه أن يفعل ذلك، أو أنه تصور ذلك على الأقل، فقال لمساعده الشخصي، الذي لا علاقة له بالثقافة والفكر الإسلامي على الإطلاق، أن يبحث له عن باحثين في الفكر الإسلامي.. ولأن هذا المساعد خبير في تلبية طلبات من نوع آخر! فإنه لم يجد غير الإعلان في الجريدة كوسيلة لجلب “باحثين في الفكر الاسلامي”.

ربما.. وربما لا أيضاً.. كل سيناريوهات حسن الظن واردة هنا.. والمهم هو التمسك بها.. المهم هو أن لا نظلم الجهة التي تكبدت مشقة وعناء دفع المبلغ المستحق، فنحن شكّاكون ومعقدون بطبيعتنا ولدينا “إرساءات” سلبية عن كل ما هو إيجابي، ونظرية المؤامرة – لعنها الله-تجري منّا مجرى الدم. تسلّح بعض الشباب من الباحثين بحسن الظن. وكانت لهم وساوسهم طبعاً، ولكن ذلك طبيعي فقد ولدوا ونشأوا في بيئة موسوسة، وعليهم أن يتخلصوا من كل ذلك الموروث السلبي.. وكان اتصالهم بجهة الإعلان بحد ذاته خطوة إيجابية “محمودة”.. اتصال بعد اتصال.. ولقاء بعد لقاء.. والأمر لم يتوضح بعد، على الأقل ليس لمن ذهب من أولئك الشباب.. لكن لا بأس.. لا داعي لسوء الظن مرة أخرى.. سوء الظن سيئ.. سوء الظن سلبي.. مَنْ قال إن “المُمّول” الذي قد دفع الإعلان يريد أن يكشف عن نفسه. ربما يريد أن يظل فاعلاً مجهولاً للخير لا تعرف شماله ما تنفقه يمينه. مَنْ قال إن الجهة الراعية يجب أن تكشف عن نفسها وعن مؤسسيها من الجولة الأولى؟ سترشح أشياء قليلة خلال هذه اللقاءات لكنها مغرية بما فيه الكفاية لأولئك الشباب، هناك وعد ليس بنشر بحوثهم وطباعتها فحسب، بل وبالترويج لها أيضاً.. وكل من دخل مجال النشر يعرف أهمية “الترويج” ـ وكم يعني بالنسبة للكاتب، خاصة الشاب. هناك وعد أيضاً بمكافأة مالية، ووعد “غامض” عن الاستعداد لنشر البحث وترويجه دون أن يحمل شعار المؤسسة “أي لكي لا يحترق الكاتب الشاب إذا ثبت احتراق المؤسسة الداعمة!”.

هل كل هذا لوجه الله؟ سنسأل مرتبكين.. لكن، إنها أفكارنا السلبية مرة أخرى هي التي تطرح الأسئلة.. لِم لا يكون كل هذا لوجه الله تعالى، أم إننا لا نتوقع خيراً من أحد على الإطلاق؟ سيناريوهات حسن الظن لم تسقط تماماً إذن.. رغم وجود سؤال محوري في تلك اللقاءات، يدور بطريقة أو بأخرى، حول التعمق، بمنهج أحد أدعياء التجديد الديني المعروفين.

في النهاية، وبعد سلسلة من اللقاءات، لن ينتهي الأمر عند بلاط الأمير الافتراضي، فأمراؤنا على ما يبدو ليسوا مهتمين بالنهضة حتى اللحظة، ولن ينتهي الأمر عند مجلة جادة تريد دماءً جديدة في الفكر الإسلامي من شباب غير معروفين، بل سينتهي عند ذلك الإسم تحديداً، الذي كان قد طرح في اللقاءات، أي اسم أحد أدعياء التجديد : سيتضح إنه صاحب المؤسسة التي تطلب الباحثين الشباب، والتي ستدفع لهم، وتطبع لهم، وتروج لهم أيضاً. لكن لم يفعل ذلك؟ أليس ذلك غريباً نوعاً ما، أن يتحول من كاتب إلى صاحب دار نشر (تغامر) بنشر أعمال لكتاب غير معروفين، وتم طلبهم عبر إعلان عن وظائف شاغرة؟!

لم لا؟.. لعله صاحب قضية، صاحب مشروع، ومستعد أن يغامر بكل شيء لينشر ما يسند مشروعه هذا.. لم سوء الظن إذن؟ حسناً.. سنوافق على ذلك ونعوذ بحسن الظن من التشكيك بالرجل.. قد نختلف معه في أفكاره وفي منهجه،، لكن اتهامه واتهام نيته أمر مرفوض، هل نرفض “قبول الآخر”والعياذ بالله، وهذا الكاتب هو “آخر”، وعلينا أن نقبله ونحترمه ولا نشكك في نيته حتى لو قال كل ما قال وأكثر.. حسناً.. سؤال آخر، من أين جاءت الأموال؟ المؤسسة المذكورة ليست مكتباً محلياً على الاطلاق، أي أنها ليست “دكانة الحي” ويمكن تدبير مصاريفها بسهولة، بل هي مؤسسة لها مكاتب في عاصمتين عربيتين (ليس أي منهما في العاصمة التي ينتمي لها صاحب المؤسسة!). رجعنا لسوء الظن؟ الرجل له أتباعه وقسم منهم أثرياء، ربما تبرعوا له بالأموال..ربما الأموال هي أمواله أصلا.. لو تمسكنا بحسن الظن لوجدنا عددا لا ينتهي من الاحتمالات التي تفسر لنا هذا..

لكن هناك سيناريو آخر. أكثر واقعية، وأكثر احتمالاً.. رغم أنه يحيد عن “حسن الظن”.. ذلك أنه من الصعب جداً التصور بعدم وجود “ربط” واضح وقوي، بين هذه المؤسسة التي تعلن عن وظائف فكرية شاغرة، وبين حقيقة أن الرجل الذي على رأس هذه المؤسسة، قد ذُكر اسمه صراحة في التقرير الأخير لمؤسسة “راند”، باعتباره نموذجاً من الفكر الإسلامي الذي يجب دعمه .. الأمر إذن ليس نظرية “مؤامرة”! بل هو الأمر الواقع الموثق بالأسماء والأرقام.. إنه “حصان طروادة” الذي تحاول مؤسسة “راند” من خلاله نقل المشروع التغريبي الليبرالي إلى مرحلة جديدة، عبر وضع صبغة إسلامية عليه، صبغة تسهل مروره عبر أسوار كانت قبلها حصينة وممانعة..

الجديد في النسخة المعاصرة من “حصان طروادة” أن إغريق هذا الزمان، لم يكترثوا كثيرا لإخفاء أمر الحصان، لم يعتبروه خطة سرية لتمرير خداعهم..على العكس، إنهم يصرحون علنا بتفاصيل خطتهم.. وينشرونها عبر تقارير موثقة على الشبكة ويمكن تحميلها مجّانا من مواقعهم، بل ويفصحون عن أسماء النجّارين من أهالي طروادة الذين سيساهمون في بناء الحصان الذي سيخترق بالخديعة أسوار طروادة.. وهؤلاء بدورهم يعلنون في صحف طروادة عن الحاجة إلى “نجّارين ” صغار للمساعدة..

أما أهالي طروادة المعاصرة فهم إما نيام نوما تاريخيا، أو أنهم منشغلون بقضايا أخرى، أو أنهم مثل أهالي طروادة الاصليين، حسني الظن لدرجة تجعلهم لا يرون في حصان طروادة الا هدية أو غنيمة من الأعداء.. حصان طروادة على الأبواب إذن، يمكن لنا أن نحسن الظن به، كما فعل أهل طروادة، ونثبت مرة أخرى، أن حُسن الظن، أحياناً على الأقل، هو من سوء الفِطَن .