حوار مع موقع رسالتي : طموح النسر و دأب النملة !

حوار مع الأديب الطبيب أحمد خيري العمري

بقلم : ريما محمد أنيس الحكيم





رسالتي - السلام عليكم دكتور أحمد ..

و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته…

رسالتي - هل لك أولاً أن تُحدثنا عن نفسك، من أنت ؟

أنا طبيب أسنان عراقي من مواليد عام 1970 ، أنتمي لأسرة موصلية الأصل ، لكنها استقرت في بغداد منذ أوائل القرن العشرين. نشأت في بيت تحتل المكتبة والكتب جزءاً أساسياً فيه. كانت الكتب عملياً، في كل مكان. والدي رحمه الله كان قاضياً لكنه كان مهتماً بالتاريخ، ولديه كتب مهمة في تاريخ العراق المعاصر، على الرغم من أن مجال كتابته ، يختلف عن المجال الذي كنت أكتب فيه، إلا أن ما علق في ذاكرتي من انكبابه على الكتابة لا بد وأن ترك أثراً ما، أصيب والدي بالشلل وهو في ذروة عطائه، و كنت في العاشرة من عمري.. وظل يتواصل معنا عبر الكتابة إلى أن توفي بعد ثلاث وعشرين عاماً من الصراع مع المرض، ولا بد أن يكون لذلك أثر في داخلي.

عدا هذا، نشأت في أسرة ترى المستقبل الجيد لأبنائها إما الطب أو الهندسة، على عادة الكثير من الأسر في مجتمعاتنا العربية، موضوع الكتابة لم يؤخذ بشكل جدي من قبل أسرتي، وطالما أنه لم يؤثر على دراستي، فلم يكن هناك أي اعتراض منهم على (أكوام) الكتب التي كنت أقرأها، وقد مرت الأسرة، بعد مرض والدي ، بضائقة مالية، وكان لا بد لبعض الأشياء أن تحذف، لكن ليس الكتب. فقد كانت والدتي لا ترد لي طلباً طالما تعلّق بالكتب، وليس بثياب جديدة مثلاً!.

رسالتي - متى أتيت من العراق ؟؟ و لماذا غادرته ؟

الذي دفعني للخروج من العراق، هو ما دفع الملايين غيري: الاحتلال وتداعياته الأمنية بالطبع. خرجت من بغداد في تموز عام 2006.

رسالتي - ما هو رأيك بالشام ؟

لن أخفي حبي الشديد للشام. ربما كلمة حب هنا قاصرة.. أنا “منحاز” للشام وللشوام أيضاً. انحياز يضم الحب طبعاً، ولكنه يضم أيضاً أشياء أخرى.

هناك أولاً دَيْن، في رقبتي، ورقبة كل العراقيين الشرفاء ، للشام ولكل سورية، إذ إنها الوحيدة التي فتحت حدودها وأبوابها من بين كل دول الجوار العراقي ، وقد تحملت جراء ذلك الكثير، وتحمل أهلها الكثير من الأعباء جراء ذلك، ورغم ذلك، فقد تحملوه بأناة وطول بال.

إضافة إلى ذلك (الدَين العام)، فهناك دَين شخصي في رقبتي تجاه الشام، ولا يمكن أن أخفي ذلك أو أنكره، فالشام هي التي قبلتني وطبعت لي وأخذتني إلى كل مكان واستقبلتني مجالسها بحفاوة بالغة، كما تكون لي فيها صداقات مضيئة، وتكونت لي أيضاً جذور بأسرع مما توقعت، حتى أني، قضيت فترة عابرة في إحدى دول الخليج، لكني كنت في حالة شوق شديد للشام..

لا يمكن أن أتحدث عن الشام دون أن أتحدث عن “دار الفكر ” مثلاً.. و لا أريد هنا أن أقول ما يمكن أن يعتبر مجرد مجاملة من كاتب لناشره ، فعلاقتي بالأستاذ عدنان سالم أكبر من ذلك بكثير.. كذلك لا يمكن أن أتحدث عن الشام دون أن اذكر دور السيدة “أم بشر”- هدايت سالم – التي كانت أكثر من أم بالنسبة لي.. قدمت النقد و النصح والإرشاد و الدعم و الإسناد ..كانت أفضل ما يمكن لكاتب أن يحصل عليه في بداية طريقه..

عدا عن الدين الشخصي والعام، هناك ما لا يمكن أن يتجاوز من اللطف والذوق الشاميين، الذي يميز حضارة الياسمين، ربما لم يعد (الياسمين) موجوداً كما كان في البيوت الشامية القديمة – لكنه سكن ألسنة الشوام وجعل ذلك اللطف علامة مميزة لهم.

باختصار، الشام (مروحنة) جداً، حسب التعبير الشامي، إنها مدينة فيها حميمية من نوع خاص، وهذا يجعل انحيازي لها، أمراً حتمياً..

رسالتي - تتنوع كتبك في أنماط مختلفة بين الفكر والأدب والرواية، كيف تفسر ذلك؟..

هذا صحيح.. الفكرة عندي هي الأساس، و هي فكرة “النهضة” تحديداً ، لكني أحاول تقديمها بشكل مختلف لإيصالها لقارئ مختلف. كان (البوصلة القرآنية) يمثل بحثاً عن أسس عقلية للنهضة تتشكل عبر القرآن، وكان هذا البحث يفارق في بعض النقاط الرؤية التقليدية السائدة، هذه الفكرة أو على الأجل جزء منها عرضت بشكل روائي، ولقارئ يمكن أن يكون أصغر سناً في (أبي اسمه إبراهيم)، في (الفردوس المستعار) المنطلقات القرآنية تتعارض مع القيم الوافدة، (سلسلة ضوء في المجرة) محاولة لتقديم الدعوة بأسلوب أدبي مختلف، وسلسلة (كيمياء الصلاة) تجمع بين فكر النهضة و فقه الشعائر كما مرًّ..

أما (ليلة سقوط بغداد)، فهي بمثابة سيرة ذاتية تجاه تجربة السقوط ، الاحتلال..

رسالتي - فلنبدأ مع السلسلة الرائعة ( ضوء في المجرة ) .. ما هي ملامح الدعوة التي أوردتَها في سلسلة ( ضوء في المجرة ) ؟

كانت (ضوء في المجرة) بمثابة دورة تدريبية لي على نمط كتابة مختلف. ربما ليس في السلسلة فكر كالذي في البوصلة القرآنية – كتابي الأول – ولكن فيه بالتأكيد أسلوب مختلف في عرض الأفكار. أفكار السلسلة عموماً مقاربة للموجود في موضوعات الدعوة والوعظ، لكني كنت أشعر، ومنذ زمن بعيد، أن تكرار النمط الواحد في الوعظ، قد جعله يكّف عن التأثير في الكثير من الناس، خصوصاً الناس (غير الملتزمين) الذين يجب أن يكون الخطاب موجهاً لهم!.. لذلك حرصت، في السلسلة، على تقديم نمط مختلف في الأسلوب، نمط شخصي وحميم، يقدم الفكرة نفسها، ولكن من مدخل آخر..

رسالتي - ( غريب في المجرة ) آخر كتب سلسلة ( ضوء في المجرة ) يدل على أن صديقك الذي ذكرته في هذه الرسائل حقيقي وموجود، وأن السلسلة بالفعل كانت موجهة إليه..

لكننا حين نقرأها نشعر بأنها موجهة إلينا، وهذا ما سمعته من كثير ممن تناقشت معهم حولها، فقد قال لي أغلبهم ما معناه: شعرت بأن الكلام موجه إلي، ما هو السر في تأثيرها هذا برأيك ؟؟ خصوصاً وأن ناشر هذه السلسة قد أوحى بذلك عندما كتب على الغلاف الخلفي لها: [ إنها رسائل مكتوبة من أجل إنسان واحد فقط، لكنه إنسان حقيقي: قد يكون أي واحد منا، بكل خفاياه وخباياه وخطاياه ورغباته وخيره وشره ]؟؟

هذا صحيح.. السلسلة كتبت أصلاً لشخص واحد. لم يكن (صديقي) عندما بدأت الكتابة، لكن صداقتنا تشكلت بالتدريج وعبر الكتابة والتفاعل معها. هذا (الشخص) كان يمثل الكثيرين طبعاً، كان ممثلا عن “الجيل ” بأسره كما كتبت في إهداء “غريب في المجرة”.. كنت واعياً بذلك منذ البدء ، ليس فقط لأن المشترك الإنساني أوسع مما نتخيل خاصة أمام قضايا كالتي نوقشت من خلال السلسلة ، و لكن لأن هذا الصديق كان يمثل بالذات النمط الذي في ذهني “للقارئ ” الذي أتوقع أن تغييره سيسهم في تغيير المجتمع : إنه ذلك القارئ الذي ، بسبب من السياسات التعليمية ، حاز على شهادة جامعية ، ولكنه لم يحصل على “الثقافة” بمعناها العميق ..أي أنه حاز أدوات معينة يمكن أن تسهل تفاعله مع الفكر الذي أريد توصيله. هذه الفئة واسعة جداً و هي مهمة جداً في الوقت ذاته.. وكان صديقي ، الحائز على شهادتين جامعيتين ، نموذجاً جيداً لهذه الفئة..

كنت واعياً أيضاً، أن ما كنت أكتبه، سيجد طريقه للنشر، وسيخرج من نطاق الرسائل الشخصية، إلى نطاق أُسميه و بلا حرج نطاق “الأدب الدعوي” ، لكني لم أكن أدرك أن ذلك سيحدث بالسرعة التي حدث بها لظروف لا مجال للخوض فيها الآن . خاصة أن الرسائل كلها – كتبت في الفترة ما بين كتابة البوصلة القرآنية، وخروجها من المطبعة، وكنت واضحاً تماماً في أن ما يكتب الآن، سيكون-لاحقاً- في متناول الجميع، وقد أشرت لذلك أيضاً، تحريرياً، في (غريب في المجرة)، الجزء الأخير من السلسلة..

رسالتي - يقول الناشر في مقدمة سلسلة ( ضوء في المجرة ) :

[ الكلمة تخيف .. وبعض الكلمات ترعب ..

والكلمة مسؤولية …. والمسؤولية لها ما وراءها ..

وحين تصدر الكلمة، وتكون أحياناً كالقنبلة التي تُحدث الانفجار، حين ذلك لا يمكن أن ترجع أو تُسترجع.

على أن أجزاء هذه السلسلة ليست قنابل، ولا تُحدث الأذى، ولكنها أجراس قوية وضعيفة تُوقظ النائمين، وتُنبه الغافلين، وتهدي الحيارى ].

كيف تقوم هذه السلسة بهذه المسؤولية التي تحدث عنها الناشر في كلماته الرائعة تلك ؟؟

إن كانت السلسلة فعلا قد نجحت بذلك ، فهو أمر يعود ، و بعد توفيق الله عز و جل إلى اتباع نمط حميم في الكتابة..انه الحديث الهامس الذي يشبه البوح الحميم .. لا أنكر أن الصراخ العالي قد يجدي أحياناً .. لكن الهمس الحميم قد يجدي أيضاً..

رسالتي - وهل أثّر ذلك على أسلوبك في الكتابة؟..

بالتأكيد. لقد كنت أؤمن دوماً – على الأقل منذ أن كنت في الخامسة عشر- أن الكلمة المكتوبة يمكن لها أن تغير الإنسان. في تلك السلسلة بذلت جهدي في أن أكتب ما يسهم في التغيير. (تقنية) الكتابة كانت منصبة على ذلك، وقد تركت أثراً في كل أسلوبي لاحقاً. هناك شيء من هذا التوجه في البوصلة القرآنية التي سبقت ضوء في المجرة.. لكن التفاعل الإنساني المباشر في هذه السلسلة كرّس هذا الأسلوب وعمقه، وقد ظهر أثر ذلك في كل ما كتبته لاحقاً..

رسالتي - هل من فرق بين هذا النمط من الكتابة و بين الكتابة العادية ؟

الكتابة لشخص واحد عملية أكثر صعوبة، وحساسية، هناك تفاعل مباشر، ورد فعل منتظر من شخص بعينه قد لا يكون مهتماً بالأمر، أو قد لا يكون هناك رد فعل أصلاً، بينما الأمر مختلف في الكتابة العادية لأن رد الفعل قد يأتي من أشخاص مهتمين و دفعهم اهتمامهم إلى اقتناء الكتاب و ربما لن يكون هناك رد فعل وسيقنع الكاتب نفسه أنه يكتب للأجيال !! هنا، في ضوء المجرة، حاولت أن أتجاوز ذلك، لا أريد أن أكتب للأجيال اللاحقة الافتراضية التي لن أتمكن من معرفة رأيها بما أكتب.. أريد أن أكتب لشخص من لحم ودم..

رسالتي - لكن بطريقة ما، بدا أنك أيضاً تكتب للجميع و للأجيال أيضا ؟!..

بالضبط.. يبدو أن الكتابة للأجيال تمر بشخص من لحم ودم!

رسالتي - رواية ( أبي اسمه إبراهيم ) رواية للناشئة كما كُتب عليها، وعندما قرأتها وجدت أنها تصلح للأعمار كافة، بل إن جيلنا الجديد بكل أعماره يحتاج أفكارها، أنت تروي فيها قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام كما وردت في القرآن، ولكن بأسلوب قصصي مشوق، لكنك مع ذلك حمَّلتها الكثير من الإسقاطات على الواقع والاستنتاجات والعبر التي تفيدنا في مشروع نهضتنا، هل لك أن تحدثنا عنها، وعن ردود فعل النقاد عنها؟؟

“أبي اسمه إبراهيم ” كما أسلفت محاولة لعرض بعض الأفكار العميقة بأسلوب روائي.. ردود الأفعال دوماً متباينة، وقد تعودت ذلك تماماً، هناك من أحبها جداً لدرجة أنه اعتبرها أهم أعمالي! وهناك من اعتبرها هبوطاً في مستواي!. ربما لا أشعر أن تعبير (الناشئة) مناسب جداً لأبي اسمه إبراهيم، لكنه تصنيف لا بد منه.

هناك حقيقة أحب أن أذكّر بها هنا، وهي أن (الكتابة خارج التصنيف) – وهي الكتابة التي أنتجها عموماً، تلقى اهتماماً من القراء أكثر من النقاد، فالنقاد عموماً يحتاجون إلى قوالب .. لكي يمارسوا نقدهم ومقارناتهم ومقارباتهم. هذا من ناحية، من ناحية أخرى، ومع كل الاحترام فإن الناقد الحقيقي الوحيد المهم هو الزمن، وهو الذي سيثبت ما الذي يمكن أن يصمد من الأعمال وما الذي لن يلتفت إليه أحد بعد مرور ثلاثين عاماً. الأمر المؤسف أننا ، غالباً ، لن نكون موجودين عندما يقول هذا الناقد كلمته!..

أمر آخر أحب أن أشير إليه، وهو أن الكتاب الإسلاميين لا يتكاتفون فيما بينهم في الترويج لعمل ما.. على العكس من اليساريين والليبراليين الذين لديهم (مافيا) إعلامية فرضت أسماءً معينة على الذوق الأدبي دون كبير استحقاق أو تميز. أما الإسلاميون، فهم في شغل شاغل عن هذا: والاسم الذي لا يكون مكرّساً أصلاً، نادراً ما يلاقي الاهتمام الذي يستحقه..و هو أمر أرى أن مواقع الشبكة بدأت تكسره و تغيره..

رسالتي - هل من عمل جديد بهذا الإطار ، أقصد إطار يشبه أبي اسمه إبراهيم؟!..

نعم. هناك رواية جديدة، خارج التصنيف مجدداً، وربما أسلوبها الفني أكثر جرأة، فقد كان هناك محاذير عديدة في أبي اسمه إبراهيم، بما أننا نتحدث عن نبي ، ربما بسبب مفهوم شائع وغير مرتبط بنص ديني، إن عصمة النبي تلزمه بأن لا يمزح حتى في طفولته وقبل أن يكون نبياً، كان هذا الأمر أشبه بحقل ألغام في أبي اسمه إبراهيم، أما في الرواية الجديدة، فالأمر مختلف،كل ما أستطيع أن أقوله الآن إنها قصة معاصرة لسفينة نوح..

رسالتي - أجمل الكلمات التي وردت في كتاب ( البوصلة القرآنية ) ما كتبته في الإهداء :

(( إهداء .. إلى جيلٍ آخر .. قادمٍ لا محالة ))

ما هي الرسالة التي أردت إيصالها لهذا الجيل في هذا الكتاب ؟

باختصار شديد: لا نهضة إلا بالقرآن ! ، لكن الكتاب استغرق 600 صفحة في تكريس ذلك !

رسالتي - ورد في كتاب البوصلة القرآنية في ص 13 :

(( .. عندما نجد أن الخطوط العريضة التي غرسها الخطاب القرآني في فترة التكوين الأولى، والتي كانت بمثابة حجر الأساس واللبنة الأولى لكل ما تلاها من فرائض وشرائع، عندما نجد أن هذه الخطوط العريضة مفقودة بل معدومة في التفكير الديني التقليدي والشائع والمسيطر. فإن الأمر لا يعود عادياً ولا بديهياً ولا حتى منطقياً.

هذا الكتاب هو بحث عن هذه الخطوط القرآنية والثوابت المفقودة، وفي كيفية فقدانها، في الظروف والملابسات التي أدت إلى فقدانها، وأتت بخطوط أخرى مختلفة، بل ومضادة للخطوط القرآنية.

هذه الخطوط المضادة المحتمية بالمؤسسة الدينية التقليدية هي بمثابة أسلاك شائكة، من الصعب تجاوزها واختراقها. والتحدث في هذه الأمور هو أشبه بالتجول في حقل ألغام معرض للانفجار في أي وقت … ))

كلماتك هذه في مقدمة الكتاب، كلمات مهمة وخطيرة، إنها تتحدث عن المؤسسة الدينية التقليدية، التي تعلم الناس أن الكلام عنها بأي انتقاد محرم شرعاً حتى لو كان الأمر صحيحاً، وكلماتك تشكل أمراً بدأ البعض بالحديث عنه ولكن بخجل وتوجس من ردة الفعل التي ستكون ضدهم، ما وجهة نظرك حول هذا الموضوع الشائك، أو كما أسميته أنت بـ ( الأسلاك الشائكة ) ؟؟

الأسلاك الشائكة وحقول الألغام لا بد من المرور بها أحياناً إذا كانت تحجزنا عن الوصول إلى ما يجب الوصول إليه – وليس لأحداث فرقعة عابرة.. هذا بشكل عام ، لكني أحب أن أوضح أن منطلقي في نقد الفكر الديني التقليدي لا علاقة له به إطلاقاً بالنقد الذي بدأ ينتشر الآن، والذي ينتقد الفكر الديني التقليدي من أجل تمرير المشروع التغريبي. منطلقي في النقد مختلف تماماً، إنه نابع من القرآن الكريم ومقاصد السنة، إنه نقد (داخلي) إن شئت..

نقدي للمؤسسة هو ليس نقد للمشايخ ، كما تستسهل الآن بعض وسائل الإعلام وتتصيد الأخطاء والهفوات، إنه نقد لفكر أرى أنه لا يرتبط بالإسلام وبنصوصه الثابتة، بقدر ما ارتبط بتجربة تاريخية أرى أننا في حل من الالتزام بنتائجها.

لذا فإني لا أقصد بالمؤسسة الدينية التقليدية، أكثر من رؤية تقليدية سائدة… ينبغي تصحيحها دوما بناءاً على معطيات القرآن و السنة..

في هذا الإطار، فإن البوصلة القرآنية، لم يُفهَم تماماً كما هو، أو كما قصدته من قبل البعض ، إلا بعد صدور (الفردوس المستعار)، الذي كان نقداً لأسس مشروع التغريب .. أي إن النقد لم يعد منصباً على الرؤية التقليدية فحسب، بل توازى مع نقد التغريب..

وللإنصاف، فإن بعض المشايخ، قد تقبل البوصلة القرآنية، رغم شدّة لهجته ، وهي لهجة ستكون مفهومة إن وضعناها في إطار أن البوصلة هو كتابي الأول، أي أني بدأته في عمر مبكر نسبياً..

رسالتي - هل نفهم من هذا أنك قد تجري تعديلات على البوصلة القرآنية؟..

نعم، على اللهجة خاصة، أما مجمل أفكار البوصلة القرآنية وبنيتها فلا تزال كما هي.. علماً أني لا أجد غضاضة من التراجع عن الخطأ حتى لو كان في بنية الكتاب..

رسالتي - من أواخر كتبك سلسلة ( كيمياء الصلاة ) الذي تتحدث فيه عن كل خفايا الصلاة وكل خطوة من خطواتها منذ انتشار الأذان في الآفاق حتى التسليم، إنك تتحدث عن كل أمر بشكل مختلف يجعل قارئه يحلق في سماء الصلاة، ويتشرب هذه الأفكار ويتمثلها.. كيف استطعت أن تكتب بهذه الطريقة التي أدت إلى نجاح هذه السلسلة ؟؟

كُتبَ عن الصلاة أشياء وعظيمة ورائعة. ومن منطلقات مختلفة، وكلها مفيدة في سياقها. لكني كنت أشعر أن مكتبة الصلاة (أو فقه العبادات و الشعائر ) ينقصها المنطلق النهضوي، كما أني كنت أشعر أن مكتبة النهضة (أو الفكر النهضوي) يحتاج إلى بعد شعائري عملي.. كنت أشعر أن فكر النهضة قد أغرق في التنظير بشكل جعله نخبوياً جداً وبعيداً عن (الناس) بشكل عام.. لذلك رأيت أن ربط إقامة الصلاة، بمنظومة النهضة، بمنظومة إقامة المجتمع، يمكن أن يكون تلك الحلقة المفقودة، التي يتسلل من خلالها فكر النهضة إلى الناس. هذا ما حاولته على الأقل، وأرجو من الله أن يكون قد وفقني إلى ذلك..

رسالتي - سمعنا أنك بصدد تسجيل (كيمياء الصلاة) ككتاب صوتي مسموع، ما الذي دفعك إلى هذا؟..

بصراحة، لا أزال منحازاً للكتاب الورقي التقليدي. لكني منحازٌ أكثر إلى أفكاري التي أسطرها في هذا الكتاب. لذلك أتقبل كل ما هو جديد من شأنه أن يروّج للفكرة أكثر. والكتاب الصوتي لا يزال نادراً في عالمنا العربي، بينما بدأ يشكل – جنباً إلى جنب مع الكتاب الإلكتروني – منافساً خطيراً للكتاب الورقي في العالم الغربي، الفكرة طرحها عليّ وبإصرار الصديق العزيز غياث هواري، الذي كان معي منذ ما قبل طبع البوصلة القرآنية، وقد بدأنا التسجيل فعلاً مع شركة الأستاذ إبراهيم هواري وبالتنسيق مع دار الفكر. النسخة الصوتية من (كيمياء الصلاة) لن تكون مماثلة تماماً للكتاب الورقي، بل ستقدم فكرة مركزة عن كل جزء من أجزاء السلسلة، أي إنها ستكون بمثابة نسخة صوتية داعمة للكتاب الورقي..

رسالتي - هل هذه خطوة نحو الإعلام المرئي؟ وهل هناك خطوة أخرى في هذا المجال؟..

في الحقيقة هناك برنامج أعمل عليه منذ سنتين، والآن و قد دخل تنفيذه في مراحله شبه الأخيرة ، صار يمكن الحديث عنه، وهو مختلف تماماً عن كل البرامج الدعوية المعتادة، وهو فكرة وإخراج وإنتاج المهندس طلال القدسي – البرنامج يسلط الضوء على آيات قرآنية في أجواء خارج التصنيف أيضاًً، النص كتبته أنا، وقدَّم الأستاذ طلال أدوات بصرية وسمعية شديدة الإتقان ، أغنت النص الأصلي وقدّمت عملاً فنياً بحق، مختلفاً تماماً عن كل المتوقع والسائد…

رسالتي - ما هو عنوان هذا البرنامج؟..

للأسف أعتذر عن ذكر اسم العمل، لأسباب تتعلق بالشركة المنتجة..

رسالتي - ما هي الخطوات التي سرت عليها حتى وصلت إلى هذا النجاح / ما شاء الله / هذا النجاح الذي جعلني أسمع المدح لكلماتك وكتبك من كل أتحدث معه حولها، هل لك أن تفيدنا ببعض النصائح ؟

بصورة عامة، هناك عنصران أساسيان لكل نجاح: طموح النسر، ودأب النملة.. التوفيق الإلهي يتوج الجهد البشري الذي يجمع بين الأمرين و يوصله إلى مقاصده. و قد يكون من عوامل هذا التوفيق وجود عائلة مساندة تؤمن بالقضية و تضحي من أجلها…

أخص بالذكر هنا زوجتي، التي كانت بمثابة بوصلة شخصية لي في كل خطواتي ، و التي لم أنتج شيئاً مهماً على الإطلاق قبل اقتراني بها.

لكني أعتقد أيضا أن الإقرار بالنجاح هو بحد ذاته عاملٌ مثبط ؛ لذا فلا بد أن يكون الإقرار بالنجاح محصوراً بباب الحمد و الثناء على الله عز وجل ، واعتبار هذا النجاح نجاحاً مرحلياً ونسبياً لا أكثر ولا أقل. لا أعتقد أن هناك ناجحاً حقيقياً يعتقد أنه قد حاز النجاح الذي يريده..

رسالتي - كلمة أخيرة سيدي الكريم للداعية بشكل خاص، وللإنسان بشكل عام..

لا، ليس من كلمة أخيرة، لا للإنسان و لا للداعية، بل كلمة أولى، هي (اقرأ) !..

رسالتي - أشكر لك هذا اللقاء المفيد، وأرجو أن يستفيد منه كل من يقرأ كلماته ..

أشكر لكِ هذه الفرصة و بارك الله فيك و في موقعكم …

http://www.risalaty.net/article1.php?tq=242&re=80&tn=98&br=245&tr=242&rt=242&rf=90&try=&tt=240&rt=242&rf=90&ft=104&tm=242

القرآن من الرف المتروك الى الرأس الفعال…

القرآن من الرف المتروك الى الرأس الفعال…

أحمد خيري العمري

 

 

 

لم ينزل القرآن لكي نضعه على رف منعزل يعلوه الغبار، لم ينزل من أجل أن يكون زينة مزخرفة بخط جميل، لم ينزل من أجل أن يكون مسكّناً للآلام، أو كصيدلية متنقلة تشفي من أوجاع الرأس و آلام المفاصل…

نزل القرآن، من أجل شيء آخر، أهم وأكبر… و معاملته ووضعه في غير موضع استعماله، هو أيضاً ” تحريف” بطريقة ما، هو حرف له عن مواضعه…

٭ ٭ ٭
الاستعمال الأساسي الجوهري للقرآن، هو استعمال يتناسب مع طبيعته الاعجازية…
بعبارة أخرى، كل المعجزات في أديان ما قبل القرآن، كانت تعتمد على ثلاثية متلازمة: الإتيان بشيء خارق للحس، إبهار المتلقي بذلك – باعتبار أن ذلك بما أنه خارق – فلا بد أنه من قوّة خارقة، ومن ثم الإذعان والخضوع على هذا الأساس…

إنها الخرق، الإبهار والإذعان…

واستمر الأمر هكذا لقرون متطاولة، معجزة مبهرة جداً – تليها أخرى – الناس تنبهر، و تؤمن – ولكن لأنها معجزة محصورة بزمان ومكان حددتها، فإن الانبهار لابد أن يخبو، ويصير مرتبطاً بكونه حكاية قديمة، رآها من رآها، وجهلها من لم يحضرها….
كانت البشرية لا تزال في مرحلة الحس…. ولم تكن ناضجة بما فيه الكفاية لتتجاوز ذلك إلى ما هو أعلى منه…

.. وكان لابد، للفكرة التقليدية، للمعجزة أن تتغير.. كان لابد لمعجزة الدين الخاتم أن تعكس نضجاً ما في العقل البشري…. وفي إمكاناته…

كان لابد للمعجزة الجديدة، أن تعكس ذلك، و أن تعكسه بطريقة مستمرة، غير محصورة بزمان ومكان محدد…

وهكذا كان، وهكذا يكون، مع القرآن….
فبدلاً من الخرق التقليدي للحس، الذي يسكت عقل المتلقي، هنا، في المعجزة الجديدة، ابتعاد عن ” الحس”، ومخاطبة للعقل، هنا، في المعجزة الجديدة، إعمال للعقل، بدل من إسكات له… هنا قيامة العقل، بدل من تجسيده…

٭ ٭ ٭
.. وقيامة العقل هذه، قيامة مستمرة، بمعنى أنها ممكنة الحدوث دوماً، بالتفاعل الحي المباشر مع القرآن….

و قيامة العقل هذه، في جوهرها، نمط في التفكير، نمط مختلف عن ما كان سائداً، وربما مختلف عن ما هو سائد الآن….

ونمط التفكير هذا، المبثوث بطريقة واضحة في القرآن الكريم، يجعلك تنظر للعالم بطريقة مختلفة، وبالتالي تفهمه بطريقة مختلفة…

.. وعندما يتغير فهمك، يتغير – بالتدريج – سلوكك، أو على الأقل، فلنأمل ذلك!!

٭ ٭ ٭
نمط التفكير هذا رباعي العناصر، وكل عنصر مرتبط فيه بآخر، والتركيز على عنصر دون آخر، ينتج ببساطة مركباً غير نمط التفكير الذي نتحدث حوله…

العنصر الأول، في نمط التفكير هذا، هو التساؤل، وهو المسمار الأول في نعش العالم القديم، والمسمار الأول في بناء عالم جديد أيضاً… بالتساؤل نستطيع أن نعيد تجديد العالم كله، بتجديد نظرتك إليه… بالتساؤل فقط تخرج من جاهلية ” عدم السؤال”، إلى ” إسلام الحقيقة”.

بالتساؤل، تشحذ حواسك و مدركاتك، وتكتشف العالم كأنه قد خُلق للتو…

وهكذا كان التساؤل الإبراهيمي، في تلك الليلة التي أشرق فيها نور العقل … حداً فاصلاً بين كل ما سبق، وكل ما تلا… هنا أعلن ” إبراهيم” – المسلم الأول – نهاية عالم قديم، بُني على أجوبة جاهزة، تغذيها المؤسسات التقليدية… و أعلن ضرورة البحث عن عالم جديد، قائم على الحقيقة أخرى، غير حقيقة المؤسسات…
… ولكن التساؤل في نمط التفكير هذا، ليست وجودياً على نغمة الغربة الإنسانية: من أين جئنا؟؟ وإلى أين سنذهب؟… دون البحث الحقيقي عن أجوبة… و لذلك فالتساؤل مرتبط بالعنصر الثاني، عنصر البحث عن الأسباب، الأسباب التي بُني عليها هذا الخلق كله، بكل ما فيه، من الذرة إلى المجرة، مروراً بالكائن الأهم على الإطلاق: الإنسان.
عالم الأسباب و المسببات، بتداخله، بتوازنه، بتفاصيله، هو العالم الذي يجب أن تنصب التساؤلات فيه، لا عالم الأبراج العاجية المنفصلة عن الواقع…
درب البحث عن الأسباب والمسببات، درب السنن، هم الذي يمكن أن يقودنا من التساؤلات إلى الأجوبة – والمسافة الفاصلة بينهما هي تلك التي تقودنا إلى بناء الحضارة، حضارة إتباع الأسباب، حضارة ذي القرنين، القمة الحضارية التي تدرجت سورة الكهف لتوصلنا إليها، ابتداءً من الفتية الهاربين إلى الجبال، إلى ذي القرنين الذي ” اتبع سبباً”…

… والعنصرين، معاً، يرتبطان أيضاً، بل هما شبه محكومين، بعنصر آخر، هو الإيجابية، التي تمثل موقفاً الحياة ككل، إنها موقفك المسبق المحسوم، الذي يجعلك تصر على الخروج من بطن الحوت – مرة بعد أخرى.. تصر على أنه بإمكانك أن تفعل الكثير لتغير وضعك، بل لتغير ليس وضعك فقط، بل العالم كله من حولك..
إنها الإيجابية، التي تسكنك ما دمت تؤمن أنك خليفة الله على الأرض.. ما دمت تؤمن أن الملائكة قد سجدت لك في منطلق السباق، لأنك مليء بالإمكانيات و المؤهلات.. لأنك ببساطة المخلوق الأفضل..

المخلوق الذي أمر الله ملائكته بالسجود له..

.. ويتوج التفاعل، عنصر رابع، على قمة نمط التفكير هذا، وهو الشمول، الرؤية المتكاملة للحياة، حيث كل شيء – مهما صغر – يحتوي على مقصد ومعنى، لا شيء في الحياة يأتي بالصدفة – و لا شيء، في العالم بالصدفة…. و لا شيء، في ديننا، في دين آخر الزمان، جاء اعتباطاً أو بلا معنى، لا شَعيرة، مهما بدت صغيرة، مهما كانت تبدو لنا تقليدية، هي تقليدية حقاً. كل ما في الأمر أن العين التي تنظر لها قد تكون كذلك: عين لم تتدرب على التساؤل، ولم تبحث عن الأسباب، عين لم تسكنها الإيجابية وتحدد مسارها الرغبة بالتغيير.

مع هذا العنصر، تكف الشعائر عن دورها التقليدي، و نكف نحن عن أداءها من أجل إسقاط إثم عدم أداءها.. وتتحول – مع بقية العناصر التي تشكل نمط التفكير، تتحول لتصير وسيلة لبناء عالم آخر، أكثر توازناً وعدلاً.. وأكثر جمالاً.

وهذا موضوع آخر، ولكن نقطة بدايته، هنا.. نمط تفكير مختلف..

٭ ٭ ٭
بقلم :د. أحمد خيري العمري

 

خير القرون..رؤية جديدة

خير القرون..رؤية جديدة

د.أحمد خيري العمري- العرب القطرية


حديث “خير القرون قرني” من الأحاديث المعروفة جداً، وقد شكَّل جزءاً أساسياً من الرؤية الإسلامية لتلك الفترة – والتي سميت لاحقاً بالقرون المفضلة – ولأن هذه الفترة تمتلك خصوصية مهمة في التاريخ الإسلامي، فإن مفهوم “خير القرون” – صار جزءاً من الرؤية الإسلامية، – للعالم ولدورنا في هذا العالم..

الحديث صحيح بالتأكيد، وهو يكاد يدخل في فئة المتواتر اللفظي، ويدخل حتماً في فئة التواتر المعنوي ، أي أن نصه قطعي الثبوت.. لكن ماذا عن  دلالة هذا النص ؟ ماذا عن الدلالة التي تم استخدامها وتوظيفها في الرؤية السائدة،  هل هي الدلالة الوحيدة المستنبطة من النص، أم أن هناك دلالات أخرى، تتوافق مع نص الحديث الشريف، ومع مجموع نصوص أخرى، ومقاصد القرآن بشكل عام..؟؟

بشكل عام، استخدم هذا النص الثابت لدعم دلالتين لا تملكان نفس ثبوت نص الحديث..

الدلالة الأولى – دعمت، وإن بشكل غير مباشر، وربما غير مقصود ابتداءً، فكرة “حتمية التدهور التاريخي“، أي فكرة أن التاريخ يمضي دوماً إلى ما هو أسوأ. وهي فكرة مليئة بالدلالات السلبية والتي لها تأثيراتها المحبطة حتماً، فالعقل الجمعي الذي ستقبل فكرة حتمية التدهور، وستكون جزءً من رؤيته للعالم، سيتقبل حتماً “التدهور” الذي سيطال كل جوانب حياته، سواء كان ذلك استبداداً أم استغلالاً أم استعماراً، أو حتى تدهوراً في احوال الطبيعة.. هذه الفكرة ستنزع منه أي محاولة لمقاومة التدهور أو تبديل الأوضاع، لأنه سيعتبر أن ذلك كله محض قدر، لابد أن يحدث، جزء من طبيعة الأمور.. هذه الفكرة تعززت  بحقائق التاريخ( للأسف)، كما أنها تمنح نوعاً من التعزية والمواساة للتدهور، باعتباره قدراً مقدوراً.

الدلالة الثانية- تتعلق بمفهوم “السلف الصالح”، وهو المفهوم الذي ارتبط بالقرون الثلاثة ارتباطاً جذرياً – ولأن هذه القرون “الثلاثة” قد شهدت مولد المذاهب الفقهية الأساسية في الإسلام، فإنه هناك رؤية سائدة(سلفية خاصةً) تتحدث عن قراءة النص “القرآن والسنة” – مربوطاً بفهم السلف الصالح حصرياً، أي فهم القرون الثلاث الأولى.

هناك عدة ملاحظات ينبغي تسجيلها هنا..

الأولى – أن الحديث باللفظ الذي اشتهر به لا أصل له، أي بلفظ “خير القرون قرني” المتداول، فالصحيح والمتفق عليه هو لفظ “خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم..” أي إن كلمة الناس، هي التي استخدمت في اللفظ الصحيح وليس “القرون“. هل من فرق هنا؟ ربما لا يبدو فرقاً كبيراً، لكن هناك احتمال أن المقارنة هنا لا تتم بين “قرون” بالمعنى الزمني، ما دام الحديث الصحيح يتحدث عن الناس ابتداءً، وهنا سيكون معنى “القرن” الوارد في الحديث مرتبطاً بمفهوم الأمة، أو الجيل الذي اقترن مع بعضه، والمعنى الأول مدعوم قرآنياً، والثاني تتوافر له شواهد في لسان العرب. وفي الحالتين فإن مفهوم “السلف الصالح” سيحتاج إلى تعديل ليتناسب مع اللفظ الصحيح للحديث. مع العلم أن خيرية الجيل الأول وأفضليته المطلقة ستبقى محسومة، وهي أفضلية مدعومة بنص القرآن أصلاً، قبل الحديث.

الثانية – أن للحديث تتمة، لا تذكر عادة عندما يستشهد به في مختلف السياقات. فقد جاءت ألفاظ مختلفة تكمل الحديث، وكلها تدور حول محاور أخلاقية..فالنص الكامل للحديث في  صحيح البخاري مثلا خير الناس قرني ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ يَجِىءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ” و قريب منها في صحيح مسلم ، بينما في سنن الترمذي “ثمَّ يَأْتِى مِنْ بَعْدِهِمْ قَوْمٌ يَتَسَمَّنُونَ وَيُحِبُّونَ السِّمَنَ يُعْطُونَ الشَّهَادَةَ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلُوهَا” و في سنن الترمذي أيضا ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى يَشْهَدَ الرَّجُلُ وَلاَ يُسْتَشْهَدُ وَيَحْلِفُ الرَّجُلُ وَلاَ يُسْتَحْلَفُ وهذه كلها إشارات الأخلاقية لها دلالات لا تخفى.

فلنرجع الآن إلى فكرة التدهور التاريخي، نص الحديث بريء من هذه الفكرة تماماً، فالحديث النبوي لم يشر قط إلى أن التدهور سيستمر، بل هو حصر الأمر في المقارنة بين ثلاث “قرون”، ولم يقل قط أن آلية للتدهور ستستمر تباعاً، ولم ينف أيضاً إمكانية أن يظهر جيل، أو قرن، يعكس التدهور، ويبدأ من جديد انبعاثاً “خيرياً”، دون أن يلغي ذلك طبعاً من الأفضلية المطلقة للقرن الأول..، أو للجيل الاول.

والحقيقة أن هذا المعنى هو الذي يتلاءم مع نصوص أخرى، قرآنية، ونبوية، فوعد الله للمؤمنين بإظهار دينه، وبالنصر، وبالتمكين، وعد قرآني – مشروط بالالتزام بقوانين وسنن معينة، وغير محدد بجيل معين أو بقرن {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل ‌عمران: 3/110]. فالخيرية هنا لا ترتبط بفترة زمانية أو جيل معين يعيش في تلك الفترة، بل ترتبط بوجود نموذج عملي يطبق المبادئ التي تحدد معنى الخير.

كما أن اللحاق بالجيل الاول ، جيل المهاجرين و الأنصار قد تحدد قرآنيا بالاتباع بإحسان ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار و الذين أتبعوهم بأحسان رضي الله عنهم و رضوا عنه)(التوبة :100)، وهو شرط لا يدخل في موضوع القرون و قربها او بعدها من زمن الجيل الاول، بقدر ما يدخل في موضوع الإحسان. فالاتباع بإحسان ممكن في القرن الخامس ، وممكن أيضاً في القرن الخامس عشر، أو العشرين..

ولو تأملنا في تقسيمات سورة الواقعة لأصناف البشر، لوجدنا ذلك واضحاً بشكل أكبر، فالسابقون السابقون، وهم أصحاب الريادة، سيكونون ثلة من الأولين، وقلة من الآخرين [أي أن أكثرهم سيكون مرتبط بالجيل الأول زمانياً، دون أن يعني ذلك انتفاء وجود آخرين سيتجاوزون ذلك ويتمكنون من اللحاق بالرواد، رغم قلة عددهم – أما أصحاب اليمين – ومكانتهم محفوظة ولا تقليل من شأنها على الإطلاق، فسيكونون ثلة من الأولين والآخرين على حد سواء.. أي إن السبق والخير المطلق سيبقى حتماً للجيل الأول، لكن أجيالاً متأخرة، ستتمكن من تجاوز أجيالاً سابقة لها زمنيا، وتحوز مكانة تقترب نسبياً من مكانة الجيل الأول.. إنها تلك الأجيال التي ستكسر آلية التدهور، وتتمكن من الاتباع بإحسان، لتتصل بمنطلقات الجيل الأول ومحفزاته..

وكذلك فإن الأحاديث النبوية، مثل حديث “الخلافة ثلاثون سنة..” تشير فعلاً إلى التدهور، لكنها تشير أيضاً إلى حدوث تصحيح لاحق لهذا التدهور، عبر “الخلافة على منهاج النبوة” – كما يشير الحديث.

كما أن حديثه عليه الصلاة والسلام عن “إخوانه” – أي أولئك الذين وصلوا إلى مكانة قريبة جداً منه – هم أولئك الذين آمنوا به رغم أنهم لم يروه..( و الحديث في صحيح مسلم ، مسند الامام أحمد ، سنن النسائي) وهو معنى مفتوح وواسع يتجاوز الزمان أما بخصوص الدلالة الثانية المستقاة من الحديث، دلالة “أفضلية فهم السلف الصالح” – فالحديث لا يدل عليها، لأن السياق يتحدث عن سياق أخلاقي عام دون الدخول في آليات الفقه. والحديث لا ينفي ذلك، ولا يؤكده، ولا يقترب من ذلك أصلاً، ورغم أن هذه الدلالة تساق لصالح منظومة فقهية معينة، فإنه من الجدير هنا التذكير إن الفترة المذكورة كانت غنية بمدارس فقهية متعددة، وتيارات فكرية مختلفة، تطور بعضها ليصير مذاهب، وبقي بعضها الآخر دون أن يصير كذلك، ولهذا فإن اختزال الفترة كلها بفهم واحد، هو ما يسمى حالياً “فهم السلف الصالح”، فيه من التجاوز والتبسيط الشيء الكثير. قد يكون هناك تيار واحد، من كل التيارات، هو الأقرب للفهم الصحيح، لكن هذا شيء آخر، ولا علاقة له بمفهوم القرون الثلاثة على الإطلاق، ولسنا الآن في مجال الدخول إلى تفاصيل ذلك.

على أن ما تجب الإشارة له هنا ، ونحن في دلالة “القرآن والسنة بفهم السلف الصالح” إلى أن تعدد الأفهام لا يعني بالضرورة تصادمها وتناقضها، فالنص يواجه متغيرات عديدة، ولا بد أن تتراكم أفهام متنوعة له، فكرتنا عن الفهم الواحد الصحيح غير دقيقة، لأن هناك مجال دوماً لأفهام تتنوع دون تناقض، وتختلف دون تصادم، ولا أعني بذلك طبعاً الفهم الذي يعطل النص، بل الفهم الجديد الذي يفعّل النص ويعيد تنصيبه على الواقع..

عمَّ يتحدث نص الحديث إذن؟.. إلام يشير الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام؟.. الحديث، عندما يقرأ مع باقي النصوص، نرى فيه إشارة إلى قانون واضح من قوانين نشوء وازدهار،و إنهيار الحضارات. وهي القوانين التي أشير إليها مراراً في القرآن الكريم. الحديث يتحدث عن مراحل نشوء الحضارة، حيث يتحمل الجيل الأول العبء الضخم، عبء البذرة الأولى التي ستشق الصعاب، وتحمل الفكرة من عالم التجريد إلى عالم الواقع – وسيبقى لها بذلك فضل الريادة والسبق بشكل مطلق، ثم يأتي دور الأجيال اللاحقة في حمل الشعلة: مرحلة للإنماء، ومرحلة للازدهار، ثم بعد ذلك تواجه كل حضارة دورة الترف الذي سيضعفها ويجعل أخلاقها تتدهور، وبذلك تفقد “خيريتها” – حيث يبتعد النموذج عن التطبيق، وتأتي هنا أهمية الإشارة إلى الأخلاق في تتمة الحديث الشريف، حيث إن الانهيار الخلقي علامة تدهور حضاري، وهو علامة بالذات على انتهاء تلك الدورة الحضارية، فإما أن تبدأ من جديد بجيل يرتبط بمنطلقات الرواد، ويتبعها بإحسان، ويعود بالنموذج إلى التطبيق، بذلك تعاد الدورة من جديد، أو أنه ينغمس في الانهيار مبتعداً أكثر فأكثر عن الجيل الرائد..

الحديث ، عندما يقرأ في ضوء القرآن و الأحاديث الأخرى ، ينبهنا إلى ذلك، إلى ضرورة عكس آلية التدهور، لا إلى اعتبارها حتمية لا مفر منها..

لكن منظومة فكرية كاملة، ولدت في التدهور وتعايشت معه، جعلتنا نفهمه بطريقة معاكسة.

” ابراهيم الخليل” و “أضحى ” من نوع آخر في أمريكا – د. عبد الرحمن ذاكر الهاشمي

” ابراهيم الخليل” و “أضحى ” من نوع آخر في أمريكا -      د. عبد الرحمن ذاكر الهاشمي

الأخوة والأخوات، أتباع الدين الحنيف

أحمد إليكم الله الذي أنعم علينا بدين الإسلام، والذي أنعم على غيرنا بنعمة العقل الذي به يهتدي إلى الإسلام

وأصلي وأسلم على أبي الأنبياء، خليل الله، إبراهيم، أول من بلغنا أنه تدرج في سنة العقل كوسيلة للاهتداء إلى الإسلام

ثم الصلاة والسلام على حفيد الخليل وخاتم أنبياء الله والمرسلين إلى العالمين، خاتم الحنيفية وقدوة الحنفاء إلى يوم الدين

 

سلام من الله عليكم جميعا ورحمة وبركات

 

أبدأ بدعائي أن يتقبل الله منا ومنكم ومن جميع من سعى ويسعى ولبى ويلبي نداء الله، أينما كان، وكيفما كان السعي والتلبية

 

هذه الرسالة هي مباركتي لنفسي ولكم بعيد الأضحى لهذه السنة الهجرية المباركة

إلا إنني ارتأيت أن تكون مباركتي لكم هذه السنة من وحي الركن والاسم

الركن: وأعني به “الحج”؛ والاسم: وأعني به “الأضحى”.

 

من أين جاءت فكرة هذه المباركة؟

 

منذ أن وصلت إلى هذا البلد، الولايات المتحدة الأمريكية، منذ خمسة شهور وأنا أمارس ما أدعي أنني أتقنه بشكل كبير، ألا وهو ملاحظة الحياة الاجتماعية اليومية. وهذا جزء من شخصيتي كما إنه جزء من مهنتي مما يساعدني في محاولة إيجاد تفسيرات ومن ثم حلول للظواهر والأعراض والمشكلات النفسية في حياة الناس عامة ومراجعي العيادة خاصة.

 

أقول: منذ أن وصلت إلى هذا البلد، وأنا ألاحظ أن أكثر عبارة أسمعها من الناس هنا عندما أسألهم عن أمر ما، سيما مواطني البلد، هي عبارة “لا أعرف!”. أو قد تكون عبارة مقاربة لها في المعنى وهي “هكذا فقط!”.

 

وحتى لا يكون في كلامي طلاسم، سأورد بعض الأمثلة على ما أقول؛ فمثلا، عندما أسأل أحدهم أو إحداهن: “لم نظام الضريبة عندكم هكذا؟” تأتي الإجابة: “لا أعرف، أنا أدفعها وحسب”. وعندما أسأل أحدهم أو إحداهن: “لماذا تتميز الولاية لديكم بهذه البنية التحتية المتأخرة في حين وجدت البنية التحتية في الولاية الفلانية متقدمة؟” تأتي الإجابة: “لا أعرف، ولم أفكر بهذا الأمر مسبقا”. وإذا اتصلت بمحل من المحلات لأسأل عن عنوان المحل حتى أضعه على جهاز الملاح أو المستكشف (Navigator) فأصل بسهولة، يفاجئني الموظف أو الموظفة بعبارة: “أنا لا أعرف”، وللعلم فإن هذا حدث معي في كل مرة وفي أكثر من ولاية. أما المثال الأخير وهو الصاعق بالنسبة لنا على الأقل، فهو عندما أسأل أحدهم أو إحداهن عن معنى اسمه أو اسمها، تأتي الإجابة: “لا أعرف”، وللموضوعية، فمنذ وصولي هنا، أجابني اثنان فقط على معني اسميهما، إحداهما كانت إجابتها غير صحيحة. ومن نافلة القول بالطبع أننا لا نتحدث هنا عن المعلومات العامة كالجغرافيا والتأريخ وعواصم البلدان ونوع العملات في كل بلد والديانات في العالم وغيرها.

أما الأمر الذي استوقفني أكثر من غيره، فهو رأي الناس في الانتخابات الأخيرة، فلا أكاد أسأل أحدهم حتى تكون الإجابة التي يدور عليها معظم الناس هنا: “لا أعرف، أنا أنتخب فقط، ولكنني لا أملك أمر من يحكم البلاد، فهذه أمور يقررها الكبار والمتنفذون والإعلام، أما أنا، فأذهب للانتخاب وحسب!”. فكنت أقول لهم: “كنت أظن أن لديكم ديمقراطية حقيقية، فالأمر إذا بيننا وبينكم أن سقف الحرية لديكم أعلى بشيء ما مما هو لدينا، فهي حرية نسبية إذا، هذا إذا وافقنا على تسميتها بالحرية، سواء هنا أو هناك!”.

 

بل ويصل الأمر أنني عندما كنت أحدث أحد أصحابنا المفتونين بهذا “النظام” والخارجين من بلاد “التخلف” والقادمين إلى أمريكا يقودهم “الشعور بالنقص أولا وعقدة المغلوب” وأساله عن أمر غريب وجدته في بعض الطرق السريعة التي تمتد بين بعض الولايات وكيف أنني استغربت كون هذا الطريق مظلما وليس فيه إضاءة كافية، أجابني بقوله: “أكيد أن في الأمر سر لا نفهمه أنت ولا أنا، لأنهم هنا يفهمون كل شيء يفعلونه، ولو سألت لعلمت أن في الأمر حكمة”.

 

قلت: سبحان الله، كأنك تتكلم بلغة: “لا يسأل عما يفعل وهم يسألون”؛ تسليم مطلق!

 

وقد يقول البعض، إن هذا غير مهم، فما الفائدة من معرفة هذا كله في حين تكون البلاد متخلفة كحال بلادنا؟ حيث نعرف معلومات كثيرة في حين نركب ذيل القافلة! أما هنا، فهم يهتمون فقط بحال يومهم وليلتهم وإنتاجهم، وهذا هو الأصل!

 

أقول: هذا هو بالضبط ما أتحدث عنه.

إن الناس هنا، لا يدركون السر وراء معظم ما يدور في حياتهم اليومية، إلا إنهم “يسلمون” الأمر للحكومة أو القيادة أو الدستور أو القانون؛ فهو تسليم من نوع آخر، على الرغم من كثير من الآثار السالبة والضارة في هذا القانون!

 

ولكن، دعونا لا ننسى أن نسبة قليلة، يظن البعض أنها لا تتجاوز العشرة بالمائة، هي التي تعلم ما يجري وتخطط له وتعيش كما لا يعيش عوام أهل هذا البلد، فهي فئة قليلة النوم، كثيرة العمل، مجتهدة غاية الاجتهاد، لمصلحة نفسها أولا ثم لمصلحة البلاد.

 

ثم يأتي هؤلاء القوم، سواء “الفاتنون” أو “المفتونون” ليحاولوا الوقوف وفهم كل سر وراء كل أمر من أوامر الإسلام!

 

“لماذا خمس صلوات وليس ست أو سبع أو عشر أو عشرون؟” و”لماذا الزكاة؟” و”لماذا الحج إلى الكعبة بالذات؟” و”لماذا الطواف حول الكعبة عكس عقارب الساعة؟” و”لماذا تقبيل الحجر الأسود؟” ثم “لماذا هو أسود؟” و”لماذا الذبح والأضاحي؟” و…؟ و…؟ و…؟

 

كم هو مظلوم هذا الإسلام بين سوء “تسويق” أهله له، وبين جهل وتشكيك خصومه به. ولو أننا نحن المسلمين أولا قبل غيرنا “أسلمنا” واتبعنا، لوجدنا الإجابات تأتي تباعا كحقيقة واقعة ومشاعر وسلوك إيجابيين في حياتنا اليومية عوضا عن الإجابات “الجافة” التي يبحث عنها البعض وكأنهم يفككون “معادلة رياضية”.

أذكر أن أحدهم سألني مرة: “ما شأن اليمين واليسار في الإسلام؟ لماذا الدخول باليمين والخروج باليسار في أحيان والدخول باليسار والخروج باليمين في أحيان أخرى؟” وقبل أن أجيبه ببعض ما أعلم من مظاهر الحكمة في هذا الشأن تذكرت أن ذات الشخص هو الذي أبدى إعجابه مرة بنظام فتح الأبواب وإغلاقها في المحلات والأسواق والأماكن العامة في أمريكا، حيث إن في معظم الأماكن يكون فتح الباب إلى الخارج عند الدخول، أي بالسحب، وبالدفع عند الخروج؛ إلا في بعض أماكن ذوي الاحتياجات الخاصة أو الأماكن التي يكون هذا النظام فيها يصعب الأمر ولا يسهله! فقلت له: أنت تشكك في أمر اختياري في معظمه يأتيك من “إله” ثم تمتدح النظام ذاته مع إنه “إجباري” لأنه قدم من “إله آخر” أنت جعلته لك إلها؟!

 

وتذكرت في كل هذا كلمات لبعض أبيات في أغنية قديمة كنا نتغنى بها في بداية أيامنا:

 

كل من قد شذ عن دين الإله                  في ظلام دامس طول الحياه           يطلب الأمن على درب المتاه

                   كلما سار بعيدا في دجاه              عاد مفتونا بتأليه سواه

 

ولكن هذا لا يعني أن الأمر بالسوء الذي يظهر من خلال تركيزي على هذا الجانب السالب في الحياة الأمريكية

 

إن تسليم أهل أمريكا الأمر لقيادتهم وقوانينهم، بالرغم من كل هذا الكم من الجهل، كان من أهم أسباب النظام الذي أصبح عادة لديهم في هذا البلد؛ سواء في طابور السوق أو عند إشارة المرور أو في غرفة الانتظار في المصرف أو المشفى أو غيره أو في المصنع أو في مواضع الإدارة أو في مكاتب البريد أو في “المترو” أو “القطار” أو “الطائرة” أو… إلخ. وهذا أمر لا ينكره إلا جاهل أو جاحد.

 

فما بالنا، إذا كان الأمر حول الإسلام، نأتي لنتوقف متشككين ومنشغلين بأسئلة لا طائل منها سوى إضاعة الوقت في معظم الأحيان؟!

 

هذا، مع عدم إغفال حقيقة غاية في الأهمية، وهي إن الإسلام يدعو إلى التفكر والفهم ومحاولة حل علامات الاستفهام في نفس الوقت الذي يقوم الأمر فيه على “الإسلام” وهو “إسلام” الأمر لله الذي يعلم الأمر من قبل ومن بعد.

 

كيف لا؟ والإسلام لا يكلف إلا أهل “العقل”.

 

وهنا أعود من حيث ابتدأت الحديث عن رحلة إبراهيم عليه السلام، بين التسليم والعقل.

 

عليك سلام الله يا خليل الله يا إبراهيم

 

 

تفكرت فعقلت فاهتديت

وملت وجنحت وتمردت على الاعوجاج والضلال، فكنت حنيفا أي “مائلا عن الاعوجاج”

ودعوت الله بأن يرزق البلد الحرام، فأمرك الله أن تؤذن في الناس بالحج، فصار الملايين يحجون في كل سنة يقولون: “لبيك اللهم لبيك”

وأسلمت الأمر لله، وسلمت له فأردت أن “تضحي” بابنك وثمرة حياتك إسماعيل، فأرسل الله إليك ما تضحي به، جزاء منه وتخفيفا

 

أقول: تقبل الله منا ومنكم ومن جميع من سعى ويسعى ولبى ويلبي نداء الله، أينما كان، وكيفما كان السعي والتلبية

 

والسؤال: من منا يضحي؟ وبم يضحي؟ وكيف يضحي؟

 

ولأول مرة أتوقف عند كلمة “أضحى” فهي على وزن “أفعل” التفضيل. فمن منا “أضحى” من غيره؟

 

ولنتذكر أننا عندما نضحي ببهيمة، إنما نحن نذكر أنفسنا أولا ومن حولنا ثانيا أن هذه التضحية هي رمز لتضحية أعظم

 

رسالة إلى من لم يكتب الله لهم حجة هذا العام: إن لكم حيث أنتم أجر الحج إن أنتم علمتم وعملتم بما سنه لكم إبوكم إبراهيم وقدوتكم محمد صلى الله عليهما وسلم، من العقل، إلى التسليم، إلى التضحية.

 

وإلى أن ألقاكم قريبا، أسأل الله أن يجعلنا “مسلمين” حقا و”حنفاء”.

 

ولكن يبقى السؤال: من منا يضحي؟ وبم يضحي؟ وكيف يضحي؟

والإجابة لديكم: “بل الإنسان على نفسه بصيرة، ولو ألقى معاذيره”

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

أخوكم

عبدالرحمن ذاكر الهاشمي

فجر يوم عرفة

من مدينة تشارليستون، قلب ولاية كارولينا الجنوبية

ABDULRAHMAN THAKIR ALHASHEMI; MD

زوجة” المفكر الاسلامي: الهوّة بين الفكر والتطبيق..

“زوجة” المفكر الاسلامي: الهوّة بين الفكر والتطبيق..

د.احمد خيري العمري



الهوة بين الفكر والسلوك حالة إنسانية لا يمكن إنكارها، فليس منا من يتطابق سلوكه مع فكره تماما، ولعل البشر الوحيدين الذين تمكنوا من جسر تلك الهوة هم الرسل و الأنبياء..

الإقرار بحقيقة وجود هذه الهوة وإنسانيتها يجب أن لا يشرعنها ، بلا محاولة لتجاوزها أو ردمها، فالإقرار يجب ألا يتنافى على الإطلاق مع محاولات الردم والجسر، والتي هي في جوهرها “جهاد أكبر” ومحاولة إلانسان للترقي في مدارجه نحو ما يستحق أن يكونه..نحو ما كلفه الله أن يكون..

لا أتحدث هنا عن موضوع للوعظ، وعن (نهي النفس عن الهوى)، – رغم أن الأمور ترتبط بطريقة ما.. لكني أتحدث عن الهوة الموجودة عند البعض من (مفكرينا) الإسلاميين الذين نكن لهم كل الاحترام، بالذات بين تنظيرهم للإسلام، وبين تطبيقهم له على أرض الواقع، ومرة أخرى، أنا هنا لا أتحدث عن سلوكيات خاصة – قد لا يخلو منها إنسان وهي في النهاية بين العبد وربه – ولا أتحدث أيضاً عن (إتهامات) مفترضة يوجهها أعداء هؤلاء لهم، بل الأمر يتعلق بهوية علنية، أظهرها هؤلاء المفكرين – وأشدد هنا على احترامي الشخصي لنتاجهم الفكري – وكانت هذه الهوية المعلنة تتناقض مع هذا النتاج..

ولكي أكون أكثر وضوحاً، وتحديداً، فإني أتحدث هنا كمثال عن ثلاثة من أهم المفكرين الإسلاميين المعاصرين، نتاجهم الفكري هو من أهم ما أنتج في الخمس وعشرين سنة الماضية وأكثره رصانة، و على الرغم ذلك، فإن لكل منهم هوية تناقض هذا النتاج أو على الأقل لا تعبر عنه.. وهذه الهوية، يحملها كل منهم على رأس زوجته الحاسر.. أي التي لا تلتزم بحد أدنى من غطاء الرأس بالمعنى السائد..

وللتوضيح أكثر، فإن هؤلاء المفكرين لم ينجروا قط إلى التنظير ضد الحجاب، كما فعل سواهم من أدعياء التجديد، على العكس ، فقد كانوا من المنافحين عنه – على الأقل في أزمة الحجاب في فرنسا – ولكن هذا كله، عندما نرى هوية السفور على رأس الزوجة، سيبدو أنه دفاع عن مفهوم الحرية الشخصية (وبضمنها حرية ارتداء الحجاب) وليس عن مفهوم الحجاب كفرض شرعي..

والحقيقة أن الحكم على نتاج مفكر ما من خلال زوجته وثيابها قد يكون أسوأ طريقة على الإطلاق، لكني هنا لا أقيم النتاج الفكري على الإطلاق، وأشدد على احترامي – بل وإعجابي الشديد ببعضه – ولكني أتحدث عن كون هذا التناقض، يقف كعقبة وعائق في طريق تفعيل هذا النتاج الفكري المهم، وتحويله من مجرد فكر نخبوي، إلى فكر يعيش مع الناس ويعيشون به..

و ترك “غطاء الرأس” لن يخرج الزوجة و لا زوجها من الاسلام حتما ، هذا أمر مفروغ منه تماماً ، و لكن ينبغي هنا ان لا نتجاوز خصوصيتين أثنتين : الاولى خصوصية وضع المفكر الاسلامي الذي يشبه الى حد كبير “كرسي الإفتاء” شاء أم أبى. و الخصوصية الثانية تتعلق بخصوصية أمر بالحجاب نفسه و كونه “هوية” حضارية يعلن المفكر من خلاله و بشكل عملي رؤيته للحجاب ( و لأمور كثيرة من خلال الحجاب )حتى لو لم ينطق..و “الحجاب” هنا لم يعد أمر شرعي آخر، و لم يعد مجرد “غطاء للرأس” : لقد صار قضية حضارية، قضية تغريب أو لا تغريب .. صار رمزا لهوية و رمزا أوليا لمنظومة فكرية متكاملة في مواجهة منظومة تغريبية متكاملة ايضا ، الحجاب بهذا المعنى لم يعد يحتمل التأويل الذي يحاوله ادعياء التجديد للتفلت منه ، لأنه لم يعد يسكن نصاً واحدا يمكن الالتفاف عليه عبر حيل التأويل و التفلت بل صار جزءا من الانتماء الحضاري و التطبيقي لهذه المنظومة باسرها..

وقد يقول قائل: إن المفكر – في النهاية – هو مجرد إنسان، له ما له وعليه ما عليه، وإن مقاييس الحكم عليه قد لا تتطابق بالضرورة مع مقاييس الإنسان العادي – أو حتى مقاييس الداعية الذي يجب أن يقترب أكثر فأكثر سلوكياً من ما يجب أن يكون.

ربما.. لكن هل مفارقة المقياس هذه تصل إلى حد مخالفة أمر قرآني صريح، والسير به أو إلى جانبه علناً؟.. أفهم تماماً أن متطلبات الداعية الإسلامي وأولوياته مختلفة عن تلك التي تخص المفكر الإسلامي، لكن هناك حدود أيضاً لهذا المفكر الإسلامي، حدود وضعها الله عز وجل للجميع، وخروجه عنها لن يكون لصالح نتاجه.. ولا لصالحه..و اعني بالحدود مرة اخرى هذه المنظومة الفكرية التي يكون فيها الحجاب تعبيرا عن قيم داخلية عميقة و مرتبطا ببنية تحتية من القيم .

وقد يقول قائل آخر: إن المفكر الإسلامي ليس مسؤولاً عن زوجته إن كانت غير ملتزمة بفكره، ولن يكون أفضل من نوح ولوط في هذا المقام – والحقيقة هي أننا لا نعرف إن كانت زوجة نوح كانت ترتدي غطاءً للرأس أم لا!، ونحن لا نتحدث هنا عن كون الزوجة نموذجاً كاملاً لكل ما يؤمن به زوجها، بل نتحدث عن حد أدنى مطلوب لكي لا يحدث التناقض الحادّ بين الفكر والسلوك، علماً أن المفاصلة و المقاطعة قد حصلت بين كل من نوح ولوط وزوجتيهما – وهو أمر لا نلاحظ له أثراً في الأمثلة المذكورة، (بل قد نلاحظ العكس!!)..

حسناً . لِم نحاسب (المفكر الإسلامي) على زوجته؟.. أليس لاختيار شريكة الحياة دلائل تطبيقية وعملية؟.. هل يمكن حقاً أن ننظّر ضد “الغزو الفكري الثقافي” ونعلن استسلامنا لهذا الغزو ونطبقه في الوقت نفسه؟ هل يمكن أن نتحدث عن تسليع الحضارة الغربية للإنسان وتحويله إلى “شئ” وتكون أظافر الزوجة وهندامها بمثابة “وسيلة إيضاح” لهذا التسليع الغربي للمرأة كإنسان وكأنثى في الوقت نفسه..؟!

ربما كان المفكر الإسلامي منتمياً إلى تيار آخر يوم اقترن بها ثم اقترب بالتدريج من التيار الإسلامي، بينما لم يحدث هذا مع زوجته ؟.. كيف نحاسبه بأثر رجعي على اختيار أتخذه قبل أن يصبح مفكراً إسلامياً؟..

مرة أخرى، هذا ليس محاسبة ولا حتى دعوة لتطليق الزوجة! – ولكن إذا كان ولا بد، فلا داعي للزوجة أن تتمتع بمكانة زوجها كمفكر، ولا داعي أكثر أن تتحدث باسمه – كما حدث للأسف..

أحد هؤلاء – وهو من أهم المفكرين المعاصرين قاطبة – كان قد انتبه لذلك، وكان قد تحول من أقصى اليسار ليكون واحداً ممن قدموا إضافات كمية وكيفية للفكر الإسلامي المعاصر – بينما بقيت زوجته (التي أشدد أيضاً على احترامي الشخصي لها) تعرِّف عن نفسها بوضوح وصراحة أنها منتمية لتيار آخر.. كان هذا المفكر يقول عن إيمانه بعد الإلحاد: ((إنه اعتنق الإسلام كرؤية للحياة ))، وكان يشدد كثيراً على هذه الكلمة في أحاديثه وكتاباته، الامر الذي يعني ان الايمان هنا اعتناق لفكر تجريدي دون تفاصيل، دون ثوابت عملية تطبيقية.. ومن ضمنها بالتأكيد هذا الحجاب و اشياء اخرى لا مجال للخوض فيها و هذا كله قد يكون ما أسماء المفكر نفسه (بالعلمانية الجزئية) – التي يبقى الدين فيها مصدراً للقيم الأخلاقية العليا، دون الدخول في “التفاصيل”.. لكن أليس هذا تهميشا للدين ، وخطوة نحو العلمانية الشاملة، حتى لو لم يكن المفكر يقصدها بهذا المعنى؟

وقبل أن يقول أحد أن هذا تكريس لتبعية المرأة لزوجها، أحب أن أوضح أن واحدة من الزوجات في هذا المثال هي مفكرة إسلامية ، بل ويمكن اعتبارها عالمة أيضاً، على الرغم من ذلك، فقد كانت تعلن هويتها هذه، كإعلان عن عمق الهوة بين الفكر والسلوك..

أعي تماماً حساسية الخوض في هذا الأمر كله، وأشدد على احترامي لكل هؤلاء المفكرين ولنتاجهم ولزوجاتهم، لكني أتطلع إلى الأمر من زاوية (خيبة الأمل) التي تستشعرها الأجيال الطالعة التي سئمت هذه الهوة الواسعة في مفكريها، فبعد كل شئ : إذا كان الفكر عاجزا عن التغيير و لا يمكن تطبيقه حتى في تفاصيله البسيطة الاولية ، فمالجدوى إذن من كل شئ؟

هذه الاجيال لا تريد من مفكريها ان يكونوا ملائكة لكنها تتطلع إلى نموذج تطبيقي لا يخلو من هوة هي جزء من الطبيعة البشرية ، لكن المهم أن لا تكون هذه الهوة متناقضة تماما مع أمر شرعي واضح و يمتلك خصوصية واضحة في عصرنا الحالي..أي انها “هوّة ” بمقاييس معقولة.. ليست سحيقة..!

اللهم قلص من الهوة بين فكرنا وسلوكنا ، سواء كانت ظاهرة كهوية علنية أم باطنة  لا يعلمها الا أنت ، واغفر لنا، اللهم آمين..

عبء الرجل الاسود :”تبييض” وجه اميركا !

عبء الرجل الاسود :”تبييض” وجه اميركا !

 

                            د .أحمد خيري العمري- القدس العربي

 

“عبء الرجل الابيض “- عبارة وردت للمرة الاولى في قصيدة كتبها الشاعر كبلنغ عام 1899م, وكانت القصيدة تحمل العنوان ذاته ,وتحمل عنوانا ثانويا يفسر هذا العبء: الولايات المتحدة وجزر الفلبين!

كانت المناسبة هي اول حرب استعمارية  فعلية تخوضها الولايات المتحدة  ،وكان

” العبء” الملقى على الرجل الابيض , حسب كبلنغ, هو الأخذ بيد باقي شعوب الأرض, غير البيضاء, الى رحاب المدنية والترقي , وحسب القصيدة ,فان العبء ليس المهمة فقط , بل الشعوب غير البيضاء بحد ذاتها هي عبء  وقد وصفها كبلنغ: ” بانها نصف طفل , نصف شيطان “  في اشارة مزدوجة تجمع بين “عدم نضج ” هذه الشعوب وميلها الفطري للشر,  عبارة ” عبء الرجل الابيض ” هذه  استخدمت بشكل واسع من قبل مناصري الامبريالية في الفترة الاستعمارية  , حيث اضفت العبارة النبل والسمو على المهمة الاستعمارية , اي أن تمدين شعوب الارض المتوحشة  صار رسالة الرجل الابيض و مهمته و دافعه في حروبه , وليس بأي حال من الاحوال ، الثروات التي تقع في اراضيه وطرق التجارة التي تمر عبرها . مع الوقت ، و مع ظهور دراسات “الاستشراق” ، تحولت العبارة لتصير مفتاحا مهما لفهم العقلية “الاستشراقية ” التي تحكم العقلية الغربية ، و قد صار ذكر العبارة وحدها كفيلا بأستدعاء كل ذلك التاريخ الاستعماري الذي لم يتورع عن تغطية اهدافه بانبل الشعارات ..كما ان العبارة صارت عنواناً لفيلم شهير انتج في اواسط التسعينات..

عبر العقود, تغير شكل الاستعمار عدة مرات ، أتخذ اشكالا غير مباشرة  وعاد ايضا  في بعض الاحيان , وعند الحاجة ,الى شكله الاول المباشر الذي كتب كبلنغ قصيدته  في اجوائه , لكن تلك العبارة “عبء الرجل الابيض” ظلت تظلل كل اشكال الاستعمار , لم يكن هناك “استعمار” الا ورفع شعارات نبيلة لتبريره , سواء كان ذلك  ازالة الطغاة او نشر الحرية و الديمقراطية ……الخ.

 ومع الوقت , وبسبب من إنجازات لا تنكر للرجل الابيض , واخفاقات لا تنكر ايضا لسواه , وبسبب من قوة الاعلام  و قدرته المتناهية على غسل الادمغة , فقد تحول “عبء الرجل الابيض” هذا الى عقيدة “استشراقية” لا تخص الرجل الابيض فقط بل ايضا بعض من الشعوب غير البيضاء, التي لم تعد تؤمن بوجود اي طريق اخر للتقدم غير إتباع خطوات الرجل الابيض حذو القذة بالقذة.

لكن الرجل الابيض الذي تسيّد البيت الابيض في العقد الاخير , تمادى اكثر مما يجب في تصديق  الامر, ومن غوانتانمو الى أبي غريب, مروراً بحربين غير واضحتي ألاهداف , انتهى الامر الى تسويد غير مسبوق لوجه امريكا , وانتهى الأمربمفارقة واضحة : ان العالم يعشق امريكا , كنمط حياة , كاسلوب في العيش روجت له وسائل الاعلام و لكن العالم  في الوقت نفسه صار يكره سياستها وساستها … انه ذلك التناقض بين وجه امريكا الذي سوّدته حروبها في الخارج , وبين وجهها الذي ينضح بقوة “الحلم الامريكي” : حلم الثراء والفرص والحرية  والسلع اللا محدودة  ولا منتهية .و هو تناقض خطير و يمس المشروع الامبراطوري الذي يحرص احيانا على امتلاك القلوب و العقول..كوسيلة للدخول الى ما يريد..

 

ربما كان لفوز اوباما اسباب متعددة , ربما كان لشخصيته الكارزمية  العصامية اثرا لا يقاوم , وربما كانت منافسته الديمقراطية أقل مصداقية واكثر فسادا  وعجرفة مما يجب  , ربما كان لتأييدها لحرب العراق اثرا سلبيا على انتخابها  مقارنة بأوباما الذي كان ضدها منذ البدء ( لم يكن ضد حرب أفغانستان ، بالمناسبة، بل قال أنه كان يود لو أنه يتطوع بنفسه و يذهب للحرب هناك !) ، ربما كان منافسه الجمهوري ماكين خاليا من الجاذبية الاعلامية ويغمض عينيه اكثر مما يجب في خطاباته, ربما كانت مساعدته (سارة بالين) التي اختارها كمرشحة لمنصب نائب الرئيس  تبدوكما لو كانت جورج بوش بأحمر شفاه وتهرف بما لا تعرف بأكثر حتى مما فعل بوش نفسه ، وربما كانت سنوات بوش الثمان العجاف أثرا في البحث عن بديل مختلف , وربما كان للازمة الاقتصادية اثرها الحاسم و النهائي على كل ذلك . ربما ادى كل ذلك تراكميا الى وصول باراك أوباما الى الرئاسة.

 مهما كان السبب ، فأمريكا  امام لجظة تاريخية مختلفة . كعرب و مسلمين  ، لايمكن  لنا التعويل على الاطلاق على تغيير حقيقي في سياسة امريكا الخارجية بل لا يمكن أصلا التشكيك في انحيازها المطلق لاسرائيل وفي تأثير اللوبي اليهودي عليها , لكن هذا لا يعني ان أمريكا لا تواجه لحظة حاسمة في انتصار أوباما …. الرجل ليس اسوداَ فحسب , فالسود في امريكا منذ نشوئها تقريبا , لكنه ايضا ينتمي الى جيل ثانٍٍٍِ من المهاجرين فحسب , و ليس جيلا رابعا أو خامسا .. كان ابوه مهاجرا من كينيا وسرعان ما عاد  الى كينيا ليترك أوباما مع امه , وهو , وإن كان والداه ملحدين بوضوح , الا ان أصول والد أوباما مسلمة  ولا تزال جدته ترتدي غطاء الرأس في قريتها في كينيا ….

 أوباما بعد كل كل هذا وذاك , لم يولد وفي فمه ملعقة من ذهب , كما ولد جورج بوش مثلا , بل انتمى الى الطبقة الوسطى التي ينتمي لها معظم الحالمين بالفرص  الممكنة في ارض الاحلام امريكا … وقد قال ان والدته التي توفيت بالسرطان , كانت تقلق بسبب فواتير علاجها أكثر من قلقها من مرضها , وهذا يجعله في عمق الهم الاجتماعي اليومي  للحلم الامريكي الذي يحتوي ايضا على كوابيس مخيفة قد تتجاهلها هوليوود..

يخطيء اذن من يختزل أوباما الى مجرد رئيس اسود, إنه اسود ومن اصل مسلم و اسمه الثاني ، مثل اسم أبيه ، حسين ! ومن جيل ثان من المهاجرين فحسب , ومن الطبقة الوسطى وقد كان عصاميا وكافح بجد من اجل دراسته والوظائف التي تولاها …

فوزه الساحق  ، من هذا المنظار ،يعطي دفعة قوية و ساحقة  للحلم الامريكي , حلم الثراء والفرص الذي يسلب ألباب الملايين , حلم” إن كل شيء ممكن في امريكا” , فاذا كان باراك “حسين” اوباما قد وصل الى اعلى منصب فما الذي يمنع  تشونغ او عمر أو خوزيه من أن يصلوا لما يريدون ايضا , أن يحققوا  الحلم الامريكي بثرائه ورفاهيته.., الحلم الامريكي الذي عكرته سنوات المحافظين الجدد وحولته الى ما يشبه الكابوس الامريكي …

أمريكا لن تتغير لمجرد أن لون بشرة رئيسها قد تغيرت , لكنها تثبت مجددا أنها قادرة على تجديد جلدها ، قادرة على تصدير حلمها ,  وتغليف قيمها بغلاف برّاق جديد ….ربما القيم الامريكية لا تعجبنا , ربما تختلف  و تصطدم مع  قيمنا , هذا أمر اخر , المؤكد   هنا أن أمريكا قد تخلصت الى حد كبير من عنصريتها تجاه “السود” فيها , لكن السؤال الاهم هما هو  هل تخلصت من عنصريتها تجاهنا ؟ بل تجاه كل قيم مختلفة ؟ هل تخلصت من عقيدة “عبء الرجل الابيض” تجاه شعوب العالم اجمع ؟   ألم يكن على أوباما ان يثبت مرارا وتكرارا مسيحيته و وان يثبت انه غير مسلم , وانه تخلص تماما من كل رواسب انتمائه لذلك العالم الاخر…؟

هل كان الجندي الامريكي الاسود اكثر شفقة على المدنيين العراقيين من زميله الابيض اثناء محاولته تمدين العراقيين بالقوة ولو عبر قتلهم؟… ألم يمثلان معا “امريكا” متعددة الالوان, وهي تفرض بالقوة رؤيتها “البيضاء” للعالم , ألم يمثلان معا النسخة الجديدة من الرجل “الابيض” الذي يمتلك عدة ألوان لبشرته ، لكنه يمتلك  ثقافة واحدة بنيت على الاقصاء  و الاستعلاء..ثقافة “أنا ربكم الأعلى”..ثقافة “الرقم واحد و لا شئ سواه”..ثقافة “ان النمط الامريكي للعيش هو النمط الوحيد الذي يستحق ان يعيش “.

التغيير الذي يمثله أوباما لن يخصنا بشكل مباشر , فما حصل قد  حصل , ولا شيء الآن يمكنه ان يصلح ما أفسده بوش . .

 لكن أوباما يحمل عبئا ثقيلا على عاتقه, انه عبء تبييض وجه امريكا الذي بذل الجمهوريون كل ما في وسعهم في تسويده ( أو ربما في إظهاره بشكله الحقيقي؟).

لن تتنازل امريكا عن حلمها الامبراطوري في الهيمنة على العالم , ولن يتمكن أوباما – حتى لو اراد–  من جعلها تتنازل عن ذلك , على العكس , سيكون هذا الرئيس ذو البشرة السوداء دفعة جديدة في هذا الحلم , سيقوي من الحلم الامريكي عند الملايين , سيجعلهم يرون امريكا باعتبارها تلك العقيدة عابرة القارات : ارض الاحلام والفرص والثراء. و سيزيد ذلك  من قوة المشروع الامبراطوري  الاميركي ، فالاحتلال يمتلك أشكالا متعددة ، و إذا كان المحافظون الجدد قد اختاروا الدبابة و البارجة الحربية لتحقيق هذا الاحتلال ، فهذا لا يعني أبدا ان “غزو الرؤوس عبر الحلم الامريكي” أقل قوة في تنفيذ هذا المشروع..

من الصعب جدا أن يكون أوباما اسوء من بوش  , ليس في ذلك فضيلة  مباشرة لأوباما  ، بل لأن بوش كان الاسوء لدرجة لا يمكن تخيل من هو أسوء منه.  لكن علينا ان لا ننسى ذلك إطلاقا  في غمرة  شماتتنا بخسارة الجمهوريين أن تاريخ امريكا الاسود لم يبدء مع جورج بوش…..ربما كان بوش و المحافظون الجدد يمثلون الفصل الاكثر وضوحا في السوء و السواد..و ربما كان على اميركا ان تقدم نسخة معدلة تحسن من صورتها ..و هو تحسين تحتاجه الامبراطوية لكي تكمل مشروعها الامبراطوري ..

ستثبت الايام , إن كان التغيير الذي يمثله أوباما , هو مجرد تغيير في لون البشرة , مجرد قناع لطيف أسمر اللون , أم  أنه تغيير اعمق من ذلك….

هل سيتمكن الفرد الكاريزمي العصامي , من تغيير المؤسسات ؟, ام ان المؤسسات ستستخدمه لتزيد من قوتها..ستجعله موظفا عندها ليعيد البريق للحلم الامريكي..و يزيده سطوة و هيمنة و يجعل غسيل الادمغة – لشعوب كاملة-أكثر نجاعةَ..

” الرجل الابيض” اليوم  صار يحتاج الى رجل أسود البشرة  ليبيض وجهه..لكي تكون مهمته الامبراطورية  أكثر يسرا ..و تقتحم القلوب و العقول بسهولة اكبر..

يحمل “الرجل الاسود” اليوم هذا العبء على كتفيه..و يا للمفارقة !        

الاسلام و الديمقراطية : مشكلة القص و اللصق

الاسلام و الديمقراطية : مشكلة القص و اللصق

د.أحمد خيري العمري- العمران- أونتاريو – كندا


لم يأتنا الاستبداد من كوكب آخر, كما أنه لم يكن مجرد ضيف عابر علينا, لقد نشأ نتيجة لظروف معقدة و تداخلات تاريخية, و وجد تربة خصبة من التحالفات التي وفرت له النمو و الحماية، ربما كان أهمها تطويع بعض النصوص القرآنية و النبوية و إخراجها من سياقها من أجل إيجاد شرعية للاستبداد, و تطلب الأمر أحيانا اختراع نصوص أخرى من أجل تكريس المزيد من الاستبداد, وكل ذلك تراكم مع الفتاوى التبريرية و ضرب طوقاً من الحصانة و القداسة على مفهوم الاستبداد برمته.

وهكذا فان الاستبداد ليس مجرد علاقة بين طرفين (حاكم و محكوم) , بل هو منظومة ثقافية كاملة, لا تغمر طرفاً واحدا فيها, بل تغمر الجميع : حكاماً و محكومين, إنها معادلة اجتماعية كاملة, الإطاحة بطرف واحد لن ينهي الاستبداد, بل سيغير من شكله فقط، و سيفرز أشكالا و أنماطا جديدة منه.

كذلك فإن الديمقراطية لم تأت الى أوروبا من كوكب آخر, و لم يستيقظ البريطانيون -أصحاب أعرق ديمقراطية حديثة في أوروبا- فجأة في (1969م) ليقوموا بأول اقتراع شارك فيه كل المواطنين”ذكورا و إناثا” فوق سن الثامنة عشر, بل استغرق الأمر أكثر من ستة قرون, منذ أول تصويت شارك فيه كبار ملاك الأراضي فقط لينتخبوا أول برلمان في(1265 م), و زاد عددهم بالتدريج خلال القرون الستة بتقليل مساحات الأراضي المطلوبة للمشاركة في التصويت ، لم يتمكن ذكر بالغ في بريطانيا لا يمتلك قطعة أرض من المشاركة في التصويت إلا في عام 1918م, أما المرأة بنفس العمر فقد انتظرت خمسة عقود أخرى إلى أن تمكنت من ذلك، أي إلى أن وصل الأمر للاقتراع العام بمفهومه الحالي.

هذه القرون الطويلة أنشأت مفاهيم و مؤسسات, و كونت منظومة ثقافية واضحة المرجعية, أنتجت ذلك الفرد الذي ذهب ليشارك في أول اقتراع عام 1969م, فرد استغرق تكوينه أكثر من ستة قرون, فالتصور بإن “الفرد” الذي تكون عبر قرون الانحطاط و السلبية و تقديس الاستبداد، يمكن أن يتغير ليصير فردا آخرا بمجرد وقوفه أمام صندوق الاقتراع هو تصور سطحي، يعتمد على إمكانية استنساخ نتائج التفاعل و نقلها دون شروطه و معادلته الأصلية.

والحديث الجاري عن توافق الإسلام و الديمقراطية الذي يصل عند البعض إلى حد “إن الإسلام هو الديمقراطية”, لا يملك من الحقيقة أكثر مما تملكه الشعارات البراقة، ليس لأن الديمقراطية تتعارض — أو لا تتعارض– مع الإسلام، ولكن لأن الخوض في هذا كله يجب أن تسبقه مراجعة حقيقية لأسباب الاستبداد و جذوره العميقة, التي تمتلك طوقا من الحصانة و القداسة, تجعل مراجعتها يشبه التنقيب و الحفر في حقل من الألغام.

من السهل طبعا القول إن الإسلام ضد الاستبداد,و”متى استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا”, -و ذلك صحيح لكن لا علاقة له بالديمقراطية طبعا- , الأهم من هذا هو مراجعة أقوال و فتاوى أخرى تكرس و تبرر الاستبداد، بغض النظر عن هذه الأقوال و عن مرجعيتها لن ينفي وجودها و إمكانية استنفارها في أي وقت طالما بقيت كامنة في العقل الجمعي.

والحقيقة هي إن الديمقراطية في هذا السياق صارت تبدو كما لو أنها “هدفاً” بحد ذاته و ليست “وسيلة”, وقد عملت وسائل الإعلام على الترويج للديمقراطية بهذا الشكل و إسباغ صفات القداسة عليها, و اختزال نجاحات الحضارة الغربية و ازدهارها بربطها بالديمقراطية, و رغم إن هذا كله بعيد عن العلمية و الموضوعية, فالديمقراطية فصل من فصول التجربة الغربية و ليست فصلها الأوحد, و قد سبقتها فصول أهم مثل: النهضة و التنوير و الإصلاح الديني, و كلها أسهمت بطريقة أو أخرى في تعبيد الطريق لفرد يكون مؤهلاً لخوض تجربة الديمقراطية, و كذلك فإن الترويج للديمقراطية يلغي أنها قد تؤدي أحيانا لنتائج كارثية, كما حدث عندما أفرزت هتلر (وآخرين من مشعلي الحروب الحاليين أيضاً وصلوا عن طريق الديمقراطية) .

كما إن الديمقراطية لم تنجح دوما في تحقيق الازدهار الاقتصادي على الأقل عندما طبقت خارج سياقها الحضاري, فأكبر ديمقراطية في العالم (الهند) لم تنجح في القضاء على الفقر فيها, بينما نجحت الصين (ذات الحكم الشمولي البعيد عن الديمقراطية) في أن تحقق قفزة اقتصادية هي الأهم و الأكبر في الاقتصاد العالمي .

ليس هذا  ترويجاً للاستبداد , فليس هناك ما هو أبغض منه إلا ذلك التصور أنه لا بديل عنه سوى “النقل الحرفي” للنتائج الأخيرة لتجارب الآخرين, وهو نقل ينفي وجود اختلافات في طبيعة المجتمع, ليس اقلها وجود اختلاف كبير في نسب التعليم و الأمية, الأمر الذي سيفرز طبقة واسعة من الناخبين الأميين أو قليلي التعليم الذين يسهل جرهم الى صندوق الاقتراع لهذه الجهة أو تلك, وسط نزعات و واجهات انتخابية تستفز العقل -أو اللاعقل؟- (الطائفي أو العشائري أو العرقي).

وسينتج عن ذلك كله تهميش للطبقة  الوسطى “الهشة” أصلاً في مجتمعاتنا, التي ستجد نفسها في موقف لا تحسد عليه, و قد تجر إلى الترحم على مكاسبها النسبية “الضئيلة أصلا أيام الاستبداد, و هو أمر كان يمكن تداركه ليس عبر الإبقاء على الاستبداد, و لكن عبر إحداث تغيير في “الوعي الجمعي” واعتماد آليات الانتخاب بطريقة تضع الاعتبارات السابقة في الحسبان أكثر مما تضع الحرفية في النقل كاعتبار.

“والنقل الحرفي” للآليات الديمقراطية يتجاوز حقيقةً إن الفرد عندنا -الذي هو النتاج الأخير لثقافة سلبية نتجت في عصور الانحطاط- سيتفاعل هو و مفاهيمه مع صندوق الاقتراع, بطريقة مختلفة تماما عن فرد “النسق الحضاري الغربي”, فمن السهل على سبيل المثال، أن يتم إقناع هذا الفرد بأن ينتخب من أجل الفوز بالآخرة, و ليس من أجل الوصول الى حكومة تقدم “دنيا أفضل”, و هذا أمر أخطر مما قد يبدو للوهلة الأولى، فحكومة انتخبتها من أجل الآخرة لن تتمكن من محاسبتها على إنها لم تقدم لك “دنيا أفضل”, كما إن فشلاً لهذه الحكومة قد يفسر بنفس الآلية على أنه “ابتلاء و امتحان من الله عز و جل”، و هو أمر سيجعلنا ندور في حلقة مفاهيم مفرغة لن تخترق بدورة أو دورتين, يؤدي فيها الفشل إلى إعادة لتقييم المفاهيم السلبية, فهذه المفاهيم تكونت عبر القرون و هي محصنة “ظلماً” بتأويلات معينة للنصوص الدينية, و الوقت وحده-مهما طال- لن يكون كفيلا بحلها و إزالتها.

هذه المفاهيم تحتاج إلى “ثورة ثقافية شاملة” منطلقة من القرآن الكريم و السنة الثابتة, تطهر و تنقي ما علق من مفاهيم سلبية نتجت من عصور الانحطاط المتأخرة, و تتمخض عن ولادة إنسان مسلم جديد فاعل و ايجابي, وقادر على أداء واجبه بتوازن مع مطالبته بحقه, و ليس من المطلوب من ثورة ثقافية بهذا المستوى أن تتبع خطوات الإصلاح الديني اللوثري الكالفيني حذو القذة بالقذة, و لا حتى أن تصل إلى نفس النتيجة التي وصلت لها ” الديمقراطية ” الغربية, بل أن تكون أقرب لمنطلقاتها وأهدافها القرآنية, و تنتج وسائلها وآلياتها الخاصة بها .

في خضم ذلك ليس من المعقول من الإسلاميين أن ينسحبوا من المشاركة السياسية, بحجة انتظار الثورة الثقافية “التي ستتحول الى شيء يشبه المهدي المنتظر في هذه الحالة”, لكن من المطلوب أن تكون مشاركتهم محكومة بالسياقات التي مر ذكرها, فرهان الإسلاميين ” الحالي ” على الجماهير يجب أن لا يستمر الى ما لا نهاية, كما أنه لا يجب أن يعتمد على شعارات غير واقعية تحمل إمكاناتهم ما لا تحتمل.

في الوقت نفسه هناك حدود واقعية لقواعد الديمقراطية يجب أن يضعها الإسلاميون في اعتبارهم, فشرعنة الديمقراطية يجب أن تظل غير مطلقة, و إلا تعارضت مع شرعيات أخرى لها الإطلاق في مرجعية الإسلاميين أنفسهم, وخلال ذلك يجب أن تبقى الديمقراطية “وسيلة” لا “هدف”, و يجب أن يرد الإسلاميون بأنفسهم عن السؤال : هل يمكن أن تكون الديمقراطية وسيلة للنهضة أم إنها مجرد تداول سلمي للسلطة في مرجعية تكرس التبعية و الهيمنة ؟.

مشكلة أسلمة الديمقراطية (أو دمقرطة الإسلام) الحالية هي مشكلة”قص و لصق”، من السهل جدا إجراؤها على ملف إلكتروني تجمع فيه الديمقراطية و الإسلام معا, لكن من الصعب الوصول إلى نفس النتائج على أرض الواقع, خاصة عندما يكون لكل منهما شيفرته الخاصة به.

مشروع النهضة من البذرة الى التمكين (1-4)

مشروع النهضة من البذرة إلى التمكين (1)

فجوة الزمان والمكان و”الفرصة التاريخية”

د.أحمد خيري العمري- العرب القطرية

فجوة الزمان والمكان و”الفرصة التاريخية”

تمر الأفكار بمختلف أنواعها، بأطوار هي أشبه بأطوار الاستحالة، تلج فيها من عالم هو أشبه بعالم العدم، ثم تنمو، وتزدهر، إلى أن تبلغ قمة نضجها واكتمالها..

يحدث ذلك مع فكرة قد تكون فكرة مبدعة في رأس فنان مبدع، لكنه يطاردها، ثم يقتنصها، يتقمصها، يصيرها، وتصيره، إلى أن يستطيع أن يجسد الفكرة، بعمل متكامل..

ويحدث أيضاً مع النظريات العلمية، يبدأ الأمر بفكرة قد تكون غريبة ومرفوضة وخارجة عن السرب، ثم تنمو، وتتطور، ومن طور إلى آخر، إذا بها قد صارت نظرية، سيكون لها أعداؤها، وأيضاً مناصروها، ومع الوقت إذا بها تدحض أعداءَها، ربما لا تضمهم إلى صفها بالضبط ولكنهم مع الوقت يقلون عدداً، ومن ثم تنجح لا في امتحان التطبيق فقط، بل في امتحان “الزمن”..

كذلك الأمر مع الإيديولوجيات والعقائد، تبدأ كفكرة قد يرفضها السائد والمتعارف عليه اجتماعياً، فكرة منبوذة قد لا تثير غير الاستنكار، لكن مع الوقت، تتراكم حول الفكرة الأفكار، وتتلاءم معها، ويزيد المؤمنون بها، بعضهم يقدم المزيد من الأفكار، وآخرون قد يقدمون أكثر من الأفكار، قد يقدمون حياتهم – حرفياً – وأحياناً يقدمونها حتى بأعمق من تقديمها حرفياً.. وقد يتمكن ذلك التلاحم لاحقاً من إحداث ثغرة في جدار الواقع، وقد تكبر الثغرة لتصير شرخاً، ومن الشرخ تتسرب الإيديولوجية لتتشرب في الواقع..

وليست “فكرة النهضة” ببعيدة عن هذا، إنها تمر أيضاً بمراحل وأطوار جزئية، قد يدوم بعضها دهوراً، وقد يدوم بعضها الآخر ما هو أقل، إلى أن يحدث الظهور – الولادة..

مراحل التشكل هذه ليست مرتبطة بقانون واضح يضعها في إطار وقالب، قد تتمدد وتتقلص بحسب المحيط الأوسع، لكنها في مرحلة ما ستوثر في هذا المحيط، وسيصير ساحة لتفاعلها.. ونموها..

عن مراحل التخلق والتشكل هذه، عن أطوار الاستحالة التي تمر بها الفكرة، تحدثنا سورة الكهف، التي جرى العرف قراءتها كل جمعة، كما لو أنها تجعلنا نراقب هذا التشكل أسبوعياً، كما لو أن هذه القراءة تجعلنا أيضاً نرعاه، نهتم بإنمائه وبتغذيته، نحميه، نكون جزءاً منه، أو يكون هو جزءاً منا..

سورة الكهف، بسياقها الأوسع، تجعلنا في خضم عملية تخلق واسع وممتدة، تجعلنا نتواصل مع أطوار الاستحالة تلك، تضعنا في تماس معها على الرغم من أنها خارج الزمان والمكان، لكن نقطة التماس هذه معنا تستحضر وتستفز عملية التخلق، تقدح شرارتها “افتراضياً على الأقل” في أعماقنا..

يبدأ الأمر من ذلك التعجب من التعجب: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً} [الكهف: 18/9] فليس العجيب هو طور واحد من هذه الأطوار، ولكن الأمر الأكثر إثارة للإعجاب هو عملية التخلق ككل، هو هذا الانتقال الذي يحدث من طور إلى آخر، عبر القرون وعبر القارات ومن قبل أشخاص قد لا تربطهم أي رابطة مادية واضحة، غير رابطة المشاركة في أطوار الاستحالة..

سنراهم أول شيء، أولئك الفتية الذين آمنوا بالفكرة، وستكون فتوتهم هنا رمزاً لشباب يكون دوماً هو أول من يعتنق الفكرة الجديدة ويؤمن بها، ربما لأنه يكون قد تعرض لتدجين أقل، ربما لأن هذا الجيل الجديد أكثر قدرة على رؤية الفساد والظلم في المجتمع القائم، ربما لأنه لم يفسد بعد، ولم يتورط بعد، ولم يصبح جزءاً من هذا العالم، ربما لأنهم لم يغتالوا الحلم فيه، لم يفقدوه إيمانه بقدرته على التغيير، لذلك نراهم هناك، في ذلك الطور الأول، آمنوا بربهم فزادهم هدى، وكان الشرك هنا ليس مجرد عقيدة فاسدة، بل كان منظومة واسعة من القيم والعلاقات الاجتماعية التي “الظلم” هو سمتها الأساسية، وكان هؤلاء الفتية، يغردون خارج السرب الاجتماعي القائم، وكانت منظومتهم الفكرية هي الأصدق والأكثر عدالة والأقرب إلى النسق الكوني، إلا أنها كانت نشازاً ضمن ذلك الواقع المحيط.

وكما كان شباب حاملي الفكرة سبباً في قوتها، فقد كان أيضاً سبباً في ضعفها من جانب آخر، كان صغر سنهم سبباً في جعلهم يعتنقون الفكرة، لكنه كان سبباً أيضاً في رفض المؤسسات القائمة لهم ولها، بلا دعم مؤسساتي، لم يكن لهم أن ينشروا فكرتهم، بل لم يكن ممكناً لفكرتهم أن تصمد.

كانوا يواجهون خطرين: إما الإزاحة المادية والإقصاء المعنوي الذي سيقوم به المجتمع تجاههم، أو تذويبهم واحتواءهم بالتدريج، كانت “فكرتهم” وهي لا تزال جنينية غير مؤهلة بعد للتفاعل، غير مؤهلة للصمود، وكان التفاعل المبكر قد يؤدي إلى إجهاضها وقتلها أو قتلهم هم.. لذلك كان لا بد من خيار ثالث غير هذين، خيار يحافظ على “الفكرة” – “الجنين” ويحميها من التفاعل المبكر ويمنحها الوقت اللازم للنمو، إلى أن يأتي وقت التفاعل الأنسب الذي سيزيد الفكرة مناعة ورسوخاً.. هذا الخيار الثالث هو “الاعتزال” {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً} [الكهف: 18/16] فلننتبه أنه لم يكن “العزلة”، بل كان “الاعتزال”، والفرق بين الاثنين أن العزلة تكون حالة يفرضها المجتمع، حالة من النبذ واللاتواصل تفرضها المؤسسات الاجتماعية من أجل خنق الفكرة المنبوذة وحامليها، أما الاعتزال فهو عملية واعية يقوم بها من يتصور أن “الاختلاط” في مرحلته الآنية، سيعرض الفكرة لمواجهة مبكرة قد تكون قاتلة، لذا فالاعتزال يمثل فرصة نجاة محتملة لهذه الفكرة، وهو هنا، بالتأكيد، أعمق وأكبر بكثير من فرصة للتعبد والترهبن، فالاعتزال هنا ليس انسحاباً زاهداً بالمجتمع، بل هو “تكتيك” لمواجهة المجتمع، يتطلب انسحاباً مرحلياً.. دون أن ينسى إستراتيجيته الأساسية الرامية لإعادة بناء المجتمع..

هذا هو الكهف، تكتيك ضمن إستراتيجية أوسع، طور أولي من أطوار الاستحالة، تكون فيه الفكرة جنيناً يحتاج إلى “الحاضنة” التي تزيده قوة ومناعة، الفكرة هنا ستكون خارج التفاعل التاريخي، بل حتى خارج الزمان والمكان، فالكهف هو تلك “الفجوة” من الزمان والمكان التي تهيئ “الكمون” للفكرة، و”الكمون” هنا استمر ثلاثة قرون وأكثر، وكان في جوهره المحافظة على”البذرة”، بتهيئة الظروف التي تحافظ على حيويتها ونشاطها وصفاتها، بدلاً من تضييعها بزراعتها في أرض غير خصبة، وظروف مناخية غير مناسبة قد تجهض البذرة والفكرة في آن..

كان الاستثمار -ولو اللاحق- لتلك البذرة هو هم أولئك الشباب (الذين ظلوا شباباً لثلاثة قرون) لذلك فهم يتواصون فيما بينهم {إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً} [الكهف: 18/20] فالفلاح هنا هو الفلاح بالمعنى الأعمق والأوسع، وهو لا يقتصر على الفلاح الأخروي أبداً، إذ إن النجاة الأخروية لن تتعارض مع “الرجم”، بل إن “الرجم” سيكون أقرب الطرق إلى الفلاح الأخروي بالمعنى التقليدي السائد “حاليا!”، لكن لا، ليس ذاك هو الذي في أذهانهم، إنهم يريدون “الفلاح” الشامل، رديف النهضة، حيث الموقع الأخروي يتحقق عبر الموقع الدنيوي، إنهم يريدون الفلاح – أي فلاحة الأرض – عبر استخدام تلك البذرة التي اعتزلوا من أجل المحافظة عليها..

طور الكمون طور حساس ومهم جداً.. ذلك أن أي إنهاء مبكر له، سيعرض فكرة النهضة برمتها للإجهاض، وسيجعلها في سياق تفاعل غير متساوٍ، قد يحرف الفكرة عن مسارها.. وطور الكمون قد يستمر لفترة طويلة، لقرون، كما حدث مع أولئك الفتية، لكن في لحظة ما، ستحين “الفرصة التاريخية” التي تتيح للفكرة –البذرة أن تخرج من حاضنتها إلى حيث التربة والتفاعل مع الواقع..

قد تتمخض الفرصة التاريخية عند انهيار المؤسسات التقليدية بطريقة تجعل هذه الفكرة أكثر قرباً، تصبح خياراً معقولاً أكثر، وقد تتمخض عن تصادم المؤسسات ببعضها إلى حد الإنهاك، وقد تصبح، بشكل استثنائي، عندما تتبنى مؤسسة ما، لسبب أو لآخر، هذه الفكرة..

الخروج من الكمون، من الحاضنة التاريخية، إلى زمان الفعل ومكانه، خطوة مهمة وأساسية، لكنها نهاية الطور الأول فقط.. والتحديات الأساسية لم تنته بعده..

والأمر يشبه مخاض الولادة، الطفل ولد الآن، لكنه سيظل بحاجة إلى العناية والرعاية والاهتمام.. سيحتاج إلى اللقاحات والتحصينات، والتغذية المتوازنة..

لكنه، من هذه اللحظة فصاعداً: لم يعد جنيناً..


مشروع النهضة من البذرة إلى التمكين 2

. أحمد خيري العمري

الثوابت أولاً: حسابات الحقل والبيدر

فكرة النهضة التي تركناها في الحاضنة التاريخية، في كهف الكمون، انتظرت فترة طويلة حتى تمكنت من الخروج لمواجهة الواقع، وبعد الخروج من الكهف، يأخذنا السياق إلى طور الاستحالة الثاني، إلى صاحب الجنتين، وصاحبه، وذلك الحوار الذي تجاوز كل السياقات التاريخية، ليكون صالحاً لكل زمان ومكان: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً(*) كِلْتا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً(*) وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً(*) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً(*) وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً (*) قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلاً(*) لَكِنّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (*) وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً(*) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً(*) أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً(*) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً(*) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً}[الكهف: 18/32-43].. سنلاحظ هنا أنهما “رجلان” هنا، الرجل المؤمن، والرجل الكافر، أي إن الإيمان لم يعد ممثلاً بفتية تمردوا على مكرسات مجتمعهم، والتجؤوا إلى “كهف” ليكمن إيمانهم هناك، بل صار ممثلاً في “رجل” مؤمن، وفي هذا إشارة واضحة إلى أن الإيمان هنا تجاوز مرحلة المشاعر التي قد تغلب عليها العاطفة والحماس، ليصل إلى مرحلة أكثر نضوجاً تحتوي على هذه المشاعر، ولكن تضم أيضاً أبعاداً أخرى، تجعلها أكثر قوة، وتمكناً.

فلنلاحظ هنا أيضاً، أن طور الاستحالة الثاني، الأكثر قوة وتمكناً، صار ممثلاً في فرد واحد، وليس في مجموعة أفراد كما في الطور الأول، ولا يمكن أن يكون هذا قد حصل مصادفةً، لقد قلَّ “العدد” الممثل للطور الثاني، لكن القوة ازدادت، وهذا ينفي فوراً فكرتنا التقليدية عن “الكم”، لصالح “النوع”، فـ”الرجل” الذي مثل فكرة الإيمان والنهضة هنا، كان من “نوع” مرتفع جداً، بحيث إن ذلك “عوَّض” عن قلة العدد.. لم يكن الرجل هنا مجرد فرد عادي، مجرد مؤمن آخر، بل كان “رجلاً” حمل مسؤولية الحوار مع الفكرة المضادة، لم يهرب من مواجهتها، ولم يذب فيها وفي انتصارها، كان رجلاً واحداً هنا، لكنه كان يملك أرضية “الفكر” المستعد للصمود بوجه الفكر الآخر..

فلننتبه هنا، أن السياق القرآني لا يضع الرجل المؤمن في موضع “الداعية” مع الرجل الكافر، فليسَ هو من بادر إلى الحوار، ولكن الرجل الآخر، صاحب الجنتين، هو الذي ابتدأ: {وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً} [الكهف: 18/34]..

وهذا يجعلنا ننتبه إلى أن الحوار قد يفرض أحياناً من الجهة الأخرى، وليس بالضرورة البدء إلا عند تمام الاستعداد لذلك، والأمر الثاني الأكثر أهمية هو أن “رجلنا” لم يرد على الآخر عندما كان الحديث عن {أَنا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً}، أي عندما كان يتحدث عن تفاصيل ثرائه وارتفاع مستوى دخله، ليس لأن هذه التفاصيل كانت حقيقية فحسب، بل لأن المقارنة هنا مجتزأة، وخارجة عن سياق تطور الفكرتين، فالكافر كان يعرض “ثمرة” نتاجه وهي في أوجها، بعد أن مرَّت بأطوار وأدوار استحالتها الخاصة بها، وصولاً إلى “الثمر” الذي يباهي به، ناتجه من تطور فكرته وتحقيقها على أرض الواقع، أما الرجل المؤمن، فلم يكن فكره أكثر من بذرة أخرجت تواً من كهف كمونها، ولا تزال في مراحلها المبكرة.

المقارنة هنا، هي مثل المقارنة بين رجل في مقتبل العمر، وجنين لم يولد بعد، الرجل حتماً أكثر قوة وقدرة، ونجاحاً وثراء.. هو {أكثر مالاً وأعز نفراً} حتماً وبالتأكيد لأن الجنين لم يأخذ فرصته بعد. المقارنة مرفوضة أصلاً، لأنها تجتزئ النتائج من السياق، سنلاحظ لاحقاً، بروزاً من صاحب الجنتين ما يدل على كفره: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً (*) وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً} [الكهف: 18/35-36]. هنا سيكون الحديث ليس عن الثمر، والناتج، بل عن أصل البذرة، عن الفكرة الأصلية، عن الحجر الأساس الذي كون البناء كله، هنا صار بإمكان رجلنا أن يحاور، بل صار من واجبه أن يحاور، لذا لا سكوت هنا، بل جواب صريح وواضح يسمي الأشياء بمسمياتها، ويقول له، دون مواربة: أكفرت؟.. {قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلاً} [الكهف: 37/18] ويذكره، خلال ذلك، بأدوار استحالته هو، من العدم (من التراب) إلى الكينونة (الرجل).. كما لو أنه يشير هنا إلى أن كل كينونة إنسانية، لا بد أن تمر بمراحل التطور هذه، وأن مقارنته السابقة كانت ظالمة، مثل مقارنة نطفة، برجل..

فلننتبه هنا أن “رجلنا” لم تبهره ثروة صاحب الجنتين، كما أنه لم يكن مصاباً بعقدة نقص أمام نجاح صاحبه، ليس لأنه زاهد في الدنيا وما فيها، أو لأنه يريد الآخرة بمعنى عزل ذلك عن الدنيا، بل لأنه صاحب “ثوابت”، وبناؤه الذي يسعى لإنجازه يجب أن يكون مبنياً على أسس واضحة ومتينة، وأي بناء آخر، مبني على أسس أخرىـ مناقضة أو مضادة، يجب ألا يهزه أو يغويه، مهما تطاول وبدا براقاً..

كان صاحب الثوابت، في طور استحالته هذه، مفكراً يؤمن بتكريس وتحديد الثوابت، لا من أجل الدفاع عن الهوية ضد آخر يؤمن بعكس ما يؤمن، بل من أجل مشروعه الخاص، من أجل أن ينفذ من طور استحالة إلى آخر، فدون هذه الثوابت، ما كان يمكن لطور الاستحالة أن ينجز لأن الأساس في هذا الطور هو تحديد هذه الثوابت وبلورة وتوضيح حدودها، لأن هذا الأمر مهم لأية فكرة تمر بأطوارها الجنينية، أن تحدد ما هو أساسي، وما يجب المحافظة عليه، ما هو جوهر، وما هو حجر أساس يرتكز عليه السياق كله..

تحديد الثوابت مهم لهذه المرحلة، ومهم لتطور المراحل اللاحقة، لأن عدم الوضوح، وعدم وجود حدود واضحة، قد يعرض الفكرة لموت مبكر، عبر نفاذ أفكار أخرى، تمر بأطوار استحالة أكثر تطوراً، وتملك لذلك بريقاً أكبر قد يسهل دخولها، وحتى هيمنتها، ما لم تكن هناك حدود واضحة، حدود الثوابت التي هي المقياس والمعيار الذي يجب مقارنة النتائج، وتطور المراحل، على أساسه..

ولو أننا كنا في ذلك الطور، لسمعنا، وربما لقلنا شخصياً، للرجل صاحب الثوابت، أن يكف عن ذلك، وأن ينظر إلى ما أنجزه صاحب الجنتين، أن ينظر إلى ثمره، أو مستوى دخله، إلى الرفاهية التي حققها لشعبه، إلى تطاول بنيانه، إلى التقانة التي حققها.. سنسمع من يقول له: إنه يكابر، وإنه “ينتقد” فقط لأنه فاشل، وإنه مهما كانت هناك سلبيات لمشروع صاحب الجنتين، فإن ذلك أفضل من اللاشيء، أفضل من الأفكار المطلقة والتنظير المجرد الذي يروج له الرجل المؤمن، سنسمع من ينصحه بأن يحاول الالتحاق بصاحب الجنتين، أن يكون جزءاً من مشروعه، أن يجد له وظيفة عنده، أن يتعلم عنده “الصنعة”، وأن يفهم كيف وصل لما وصل إليه.. كيف وصل “لثمره”.. وسيكون ذلك كله منطلقاً من مقارنة غير عادلة بين مراحل غير مترابطة، مقارنة بين ثمر في وقت حصاده، وبين بذرة قد زرعت للتو.. سيكون المنطلق صحيحاً لو أن صاحب البذرة لا يضمر لها غير أن تكون بذرة فقط، لو أنه ينوي الاكتفاء بالتنظير المجرد، لكن التنظير للنهوض وتحديد الثوابت جزء من مشروعه، مرحلة لا بد أن يمر بها، طور استحالة يمر عبره، ويتبلور عبره، وتتحدد شخصيته أكثر، ليكون مهيئاً، لطور آخر، وآخر، وصولاً إلى ما كان يبدو أنه المستحيل بعينه :النهضة..



مشروع النهضة من البذرة إلى التمكين 3

موسى والخضر: فقه “الانطلاق” إلى الواقع:


السرد القرآني لقصة موسى والخضر يمتلك عدة مستويات للقراءة، كل مستوى منها لا يلغي الآخر، بل يتكامل معه، ويتدرج معه إلى المستوى العام الشامل، وكل هذه المستويات بريئة تماماً مما رسب في الخيال الشعبي من القصة، التي حولت الخضر إلى شخصية أسطورية لم تذق طعم الموت، ونسجت في ذلك القصص والحكايات، وجعلت له مقاماً يستحق النذور في كل بلد، وهذا كله هو النقيض تماماً ليس من السرد القرآني لهذه القصة فحسب، بل من كل ما أراده لنا القرآن ومن كل مقاصده وأهدافه..

محور قصة موسى والخضر، في جوهرها، هو النزول بالفكر والعقيدة إلى الواقع، إلى التفاعل الاجتماعي الحقيقي الذي يدخل هذا الفكر كطرف في معادلة البناء الاجتماعي، إنه النزول بالنظرية من إطار التنظير إلى إطار التطبيق، حيث المحك الحقيقي لمصداقيتها، فقوة أية نظرية، في النهاية، ليست في تماسكها ضمن إطارها الفكري وجدالها مع النظريات الأخرى، ولكن قوتها هي في صمودها عندما تتفاعل مع الواقع وتمكنها من الإثمار فيه والوصول إلى أهدافها عبره.

امتحان أية نظرية هو في تمكنها من إثبات أن ما تنادي به ليس مجرد شعارات برّاقة، بل هو حقيقة يمكن الوصول إليها.. والانتقال من الإطار النظري إلى الإطار التطبيقي، والنجاح هناك أصعب بكثير من البقاء في أسر النظرية.. قصة موسى والخضر تفتح أعيننا على ذلك، فإذا بها تقدم لنا رؤية جديدة للعلاقة بين الشريعة والحياة، وتقدم لنا زاوية أكثر انفراجاً ننظر فيها ومن خلالها لكل من أحكام الشريعة وأحكام الحياة، فإذا بالاثنين يلتحمان معاً، بدلاً من انفصالهما المزعوم، وبدلاً من الهوة التي يشتكي منها الجميع، نجد ذلك التماهي بين الاثنين الذي يرفع مستوى الحياة، ويخرج الشريعة من رفوف الكتب وأطر التنظير..

على درب الالتحام بين الشريعة والحياة، تأخذنا قصة موسى والخضر، من الرؤية الجزئية للنصوص، إلى الرؤية الشمولية لها، ومن الفهم “التبعيضي” إلى الفهم “الشمولي”، ومن الألواح الحجرية الجامدة التي نحتت عليها هذه النصوص، إلى واقع تشكله النصوص..

أول ما يلفت النظر في السياق القرآني هو أن موسى، كليم الله، صاحب المنزلة الرسولية المهمة، والأعلى قطعاً في زمانه، لم يتردد –على الرغم من مكانته– في السفر لغرض التعلم وطلب العلم، ولكن فلننتبه هنا إلى أنه هذا ليس مجرد تواضع طالب العلم، بل معرفته المسبقة أن النزول من المكتبة أو البرج العالي يتطلب علماً إضافياً، علم ما بين السطور، علم روحية النص ومقصده، وذلك لا يحدث إلا بالجمع بين النص والواقع، عبر رؤية شمولية لكل من النص والواقع، وهنا تأتي تلك الإشارة المذهلة إلى عزم موسى على الوصول إلى مجمع البحرين: {وَإِذْ قالَ مُوسَى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً} [الكهف: 18/60] فمجمع البحرين هنا كناية عن ذلك التلاحم والالتقاء الفعال بين أمرين مهمين، بين النص الذي سيظل مهماً حتى في حرفيته، وبين فقهه وفهمه بشكل يجعل حروفه تثمر وتنتج واقعاً جديداً..

شيء آخر يلفت النظر هنا، وهو أن موسى يحدد الرشد، كمطلب أساسي، وليس العلم فحسب: {قالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكُ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً} [الكهف: 18/66] فليس العلم هو ما ينقص موسى، ولكنه يريد الرشد، أي كيف يكون هذا العلم الذي عنده ضمن منظومة موصلة إلى الحق.. أي إنه ليس العلم المجرد.. ليس العلم فحسب، بل العلم الموصل إلى بناء المجتمع من جديد.

يلفت النظر أيضاً هنا في ردّ الخضر أمرين اثنين:
الأول – أن الخضر طالبه بالصبر ابتداءً {قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} [الكهف: 18/67] وهذا يشير إلى صعوبة المهمة ووعورة الطريق الفاصل بين النقطتين.

الثاني – هو أن الصعوبة يحددها الخضر في “عدم الإحاطة” {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً} [الكهف: 18/68] أي إن المشكلة هي في فهم تجزيئي، فهم تبعيضي، لا يرى من الأمور غير بعض الجزئيات التي تجعل من الإثمار ومن إنتاج الواقع الجديد أمراً صعباً إن لم يكن مستحيلاً، أما “الإحاطة” التي أشار إليها الخضر، فهي ذلك الفهم الشمولي الذي فيه الكل غير منفصل عن الجزء، والتفاصيل منتظمة داخل منظومتها أوسع، بشكل يجعلها فاعلة ومتفاعلة.. كل ما علمه الخضر لموسى كان يرتكز على إزالة الفهم الجزئي –للنص أو للواقع– وعلى إحلال رؤية شمولية تجمع النص بالواقع..

الرحلة فيها ثلاثة مواقف، يجعلنا السياق القرآني نمر فيها أولاً ونحن نرى بعدسة سيدنا موسى، فنكاد نهب معه معترضين على ما نرى، ثم يجعلنا السياق القرآني نمر على المواقف نفسها ولكن هذه المرة ونحن نرى بعين الخضر، فنرى كل شيء مختلفاً، ونوافق على ما فعل الخضر كما لو أننا لم نعترض قبل قليل.
والفرق بين موقفنا في الحالتين هو الفرق بين الحكم المبني على الرؤية التجزيئية، والآخر المبني على الرؤية الشمولية.. في الموقف الأول، وعبر الرؤية التجزيئية نرى (السفينة)، ونرى الخرق الذي أحدثه الخضر، فلا نرى غير النتيجة المباشرة لهذا، ولذلك نقف مع اعتراض سيدنا موسى، لكن عبر الرؤية الشمولية، تتسع زاوية الرؤية فنرى السفينة ضمن محيطها الاجتماعي الأوسع، فلا تبقى السفينة مجرد ألواح وخشب، مجرد وجود فيزيائي، بل تصير مرتبطة بالنسيج الاجتماعي الذي يرتبط بهذه السفينة، فإذا عليها مساكين يعملون في البحر، ووراءهم ملك يغتصب ما يحلو في عينه من الممتلكات ومنها السفن، وهكذا سيبدو أمر المحافظة على السفينة، ولو بعيب، ولو بتعرضها لخطر يستطيع عمالها إصلاحها لاحقاً، أهم من المحافظة على سلامة ألواحها وخشبها، مقابل اغتصاب الملك لها..

في الموقف الثاني نرى أولاً “الغلام”، مجرد غلام لم يرتكب ما يستحق أن يقتل من أجله، لذلك سنرى موسى محقاً في اعتراضه، لكننا لاحقاً نرى أن الغلام ليس معزولاً عن وسطه الاجتماعي، وأن له تأثيراً سلبياً على أقرب المقربين له: أبويه. إنه ذلك “الابن” الذي تتبين ملامح عقوقه وجحوده مبكراً، وتكون إزالته المبكرة، على ما في ذلك من ألم، أقل إيلاماً من الإبقاء عليه وعلى مشاكله وعلى ما سينتج عنه من سلبيات يكبر حجمها مع الوقت؛ لذلك فإن (قتله) هنا وفي هذه المرحلة، وبينما أبواه لا يزالان قادرين على الإنجاب، سيسبب لهما الألم حتماً، لكنه سيدفعهما إلى تكرار الإنجاب..

في الموقف الثالث نرى موسى والخضر وهما بحاجة إلى طعام وضيافة، وهنا سيكون من حق موسى المطالبة بأجر يقيم أودهما لقاء ما أقامه الخضر من جدار كان آيلاً للسقوط، لكن الرؤية الأوسع، ستجعلنا نرى مجتمعاً آيلاً للسقوط، وليس فقط جداراً متهاوياً، مجتمع بلغَ أفراده حداً من الفردية والانغلاق لدرجة أن المجتمع مقبل على التشظي، الرؤية الأولى تجعلنا نرى جداراً يشرف على السقوط، ومعدتين خاويتين، أما الرؤية الثانية فهي تجعلنا نرى بناءً اجتماعياً يشرف على السقوط وفقدان آتٍ لكل قيم العدالة والتكافل الاجتماعيين، “إقامة الجدار” هنا كانت عملاً ترميمياً يمد في عمر البناء، دون أن يعني ذلك أن هذا هو الحل، فهذا المجتمع كان يحتاج إلى جيل جديد قادم (ممثلاً في الغلامين اليتيمين، النبتة الصالحة التي ذاقت معنى الظلم الاجتماعي)، وهو جيل سيستطيع أن يستثمر الكنز الدفين عبر هدم واعٍ لأسس هذا البناء الاجتماعي، هدم بتخطيط مسبق، وليس مجرد انهيار عشوائي.. أي إن إقامة الجدار هنا كانت إطالة لعمره إلى الوقت الذي يجب أن يهدم فيه تماماً.

لكن لماذا لم يأخذ الخضر الأجر؟ ليس فقط لأن الاستثمار الأهم بعيد المدى كان في الكنز، ولكن لأن المطالبة بالأجر، بعد إقامة الجدار، قد تجعل صنفاً كهذا من الناس، يندفع إلى هدم الجدار من أجل التهرب من دفع الأجر، وكان هذا سيكشف الكنز، لذا كان يجب تناسي الأمر، من أجل ذلك الاستثمار ربحاً، الذي سيأتي على يد جيل آخر، قادم لا محالة..

الخرق الذي أحدثه الخضر لم يكن في السفينة فقط، بل كان خرقاً في ذلك الفكر التجزيئي الذي يجعلنا نعجز عن رؤية ما هو أبعد من أطراف أنوفنا، إنه خرق يجعلنا نرى العالم من زاوية أوسع، زاوية أكثر شمولية وانفراجاً، فإذا بالنصوص تتمكن من المساهمة في إعادة بناء العالم، بدلاً من أن نجدها متخبطة وقد سلبت منها فاعليتها..

ما يلفت النظر هنا، أن كل موقف من هذه المواقف الثلاثة، ابتدأ بـ(وانطلقا)، كما لو أن نقطة الانطلاق الحقيقي إلى الواقع، يجب أن تمتلك عدة الفهم الشمولي، لكي تتمكن من إعادة تشكيل الواقع.. لا الذوبان فيه مع الرؤية التجزيئية.. كما لو أن الانطلاق إلى النهضة الحقيقية لا يمكن إلا من هذه المنصة: منصة الفهم الشمولي..

وسيكون من المؤسف جداً هنا، أن نرى كيف تحول هذا السرد الباعث للحياة إلى مادة أسطورية مليئة بالخرافات عن رجل لم يعرف الموت.. وله في كل بلد مقام تقدم له نذور هي بالتأكيد المثال العملي لكل ما هو ليس من الإسلام..

مقام الخضر الحقيقي ليسَ هناك، بل مقامه هنا، في هذا السرد القرآني لعملية النزول إلى الواقع.. وعندما نبث الحياة في الفهم الشمولي المنبعث من هذا السرد، فإن الواقع سيخضر ويثمر.. وستنهار تلك الهياكل الخرافية، التي كانت آيلة للسقوط طول هذه الفترة..


مشروع النهضة من البذرة إلى التمكين -4-

ذو القرنين: الموقع من الإعراب حضارياً

: لم تكن عملية نزول الفقه إلى الواقع التي شكلتها رحلة سيدنا موسى مع الخضر، عملية مفرغة من المقاصد التالية، ولم تكن المعرفة الشمولية (التي نتجت من التأويل الذي “خرق” مركب الرؤية التجزيئية) هي المحطة الأخيرة في تلك الرحلة، بل كانت “موقفاً” أساسياً، احتاجته رحلة الفكر، ليزودها بالطاقة اللازمة للانطلاق إلى المحطة – الهدف، إلى ذروة الرحلة التي بدأت من كهف صغير، مع مجموعة من الفتية.. إلى أن وصلت، ومع أواخر سورة الكهف، إلى القمة المرجوة، إلى ذي القرنين..

ليس مهماً هنا أبداً، نسبه واسمه وزمانه ومكانه، ليسَ مهماً إن كان اسمه الإسكندر المقدوني أو هرمس أو مرزبان أو هرديتس أو الصعب بن ذي يزن، ليس مهماً أن كان في عهد إبراهيم، أو عهد المسيح، وليس بعيداً أن يكون أكثر من شخص، كما قالت بعض التفاسير.. لكن فلنتذكر هنا أن كل تفصيلات الزمان والمكان وما يتعلق بهما هي مجرد تفاصيل تعالى عنها النص القرآني، وجعلنا بهذا التعالي ندخل في جوهر الأمر، الذي هو علامته الفارقة في الوقت نفسه..

سيستوقفنا الاسم، ولن نقتنع كثيراً بأن ذلك كان يعود لضفيرتين في رأسه، أو لخوذة بقرنين، لكن سيلفت نظرنا قول البعض: لأنه أعطي علم الظاهر والباطن، ولأنه دخل الظلمة والنور، ولأنه ملك فارس والروم. تلك الثنائيات، المنبثقة من “القرنين” ستشدنا للمزيد: هل لأنه كان رمزاً لحضارة جمعت العدل والقوة؟.. والدنيا والآخرة؟.. هل لأنه كان رمزاً لتوازنات حضارة تمكنت من المادة دون أن تنأى عن الروح؟ هل مجموعة التوازنات هذه هي التي شكلت حضارة الذروة هذه؟ أو أن هذه التوازنات تسهم في المحافظة على الذروة لفترة أطول وتؤخر دورة الانهيار التي لا بد أن تمر على كل الحضارات؟..

سنقرأ ما كتبه بعض المفسرين من أن الخضر كان حامل لواء ذي القرنين بعين جديدة.. لا إسناد قوياً على هذا القول طبعاً، لكن هل كانت هذه هي طريقة الأولين في التعبير عما نراه اليوم من ارتباط رحلة سيدنا موسى مع سيدنا الخضر، وما تعلمه منه، مع الوصول إلى حضارة ذي القرنين..

وسيقول لنا القرآن الكريم مباشرة عن سر التمكين الإلهي لذي القرنين، ليس من أسرار هناك في الأمر أصلاً، فهذه الحضارة تشترك فيما تشترك فيه كل حضارة تصل إلى القمة، لكنها تزيد على ذلك، فلا بد لكل حضارة أن تتمكن من الأسباب، من العلوم، لكي تصل إلى مرتبتها القصوى، لكن حضارة ذي القرنين ليست أية حضارة، إنها الحضارة الذروة في السياق القرآني، وذلك لأن الأسباب التي أوتيت له، كانت “من كل شيء”.. أي إنها تعبر عن علم شمولي برؤية شمولية، رؤية لا تجزئ الإنسان ولا تجزئ الواقع، وسيضعنا ذلك مرة أخرى وسط التوازنات التي شكلها وكوّنها ذو القرنين، وسيضعنا أيضاً على صلة مباشرة بالرؤية الشمولية التي حرص الخضر والقرآن على زرعها كعدسة نصفها في أعيننا عندما نقرأ الواقع، وعندما نتعامل مع النص..

إنها أسباب كل شيء، العلم الشمولي المتكامل الذي لا يهمل فيه جانب لحساب جانب آخر، ولكن هذا ليس كل شيء مرة أخرى، إذ إن هذا العلم الشمولي، علم الأسباب المتكاملة، يستثمر من أجل إصلاح العالم، ذلك أنه ليس علماً يخص قوماً بعينهم أو أمة بعينها، لكنه علم الإنسانية جمعاء، لذلك سنرى ذي القرنين وهو (يتبع سبباً)، وفي كل مرة تتكرر تلك الآية سنراه وهو يجوب العالم لإصلاحه ونشر الحق والعدل فيه، والأمر هنا ليس خاضعاً للنسبية الأخلاقية المزعومة، بل هو مرتبط بمنظومة قيم سماوية، لكن الفهم الشمولي لها هو الذي سيكون ضمانتها من السقوط في الجمود وحرفية التطبيق بمعزل عن مقاصدها وغاياتها؟..

سنرى حضارة ذي القرنين تفتح العالم شرقاً وغرباً، تعيد ترتيبه وتكوينه، ليكون عالماً أفضل، سنراه يذهب أولاً إلى حيث تغرب الشمس، إلى حيث الأفول، وسنرى “العين الحمئة” هنا، التي تغرب الشمس فيها، مثالاً رمزياً على كل حضارات الأفول، تلك التي تستنفد قيمها ربما دون أن تفقد مظاهر قوتها، لذلك فهي تظل “نبعاً” وتظل تبث قيماً ترتبط بما هو سفلي في الإنسان، وكونها “نبع” و”طيني” هو ما تمثله كلمة (عين حمئة) التي  تعبر عن مظهر أفول وغروب كل حضارة.. سنلاحظ هنا أن التواصل قد يكون ممكناً مع حضارة الأفول، وأن بوصلة القيم المرتبطة بالآخرة، وبالإيمان والعمل الصالح، وبالعدل، قد تثمر، عند تفاعلها، ولو كان فصل هذه الحضارة، هو شتاء الأفول..

على الجهة الأخرى من التفاعل، سنرى ذا القرنين وهو يذهب إلى حيث تطلع الشمس، من حيث يفترض أن تبدأ الحضارة بالبزوغ، وسنرى النقطة الحضارية صفراً، قبل أن تنشأ نواة الحضارة، حيث يشير النص القرآني إلى أنه لم يكن هناك ستر بين القوم عند النقطة صفر، وبين الشمس.. أي إنهم في مرحلة “ما قبل البناء”.. وذلك سيعني فوراً أنهم قبل الاستقرار، في مرحلة قد تشبه الرعي أو البداوة.. أو أي شيء ما بينهما.. وهذا يعني أنهم لم يدخلوا معادلة الحضارة التي تتضمن إعمار الأرض وتحتم الاستقرار كمرحلة أولية..

وبين المطلع والمغرب، سنجد هناك قوماً عزلوا أنفسهم خارج المعادلة الحضارية وشروط حركتها، حبسوا أنفسهم بين سدين، وصاروا وراءه، ربما كانوا يتصورون بذلك أنهم يحافظون على ما لديهم، لكن نتيجة هذا كانت الانغلاق لدرجة أنهم صاروا لا يفقهون قولاً، و”عدم الفقه” هذا ليس ناتجاً فقط عن اختلاف لسان، بل عن عدم وجود قاعدة مشتركة للحوار، انعزالهم جعلهم غير قادرين على التواصل مع أيٍّ كان، جعل رؤيتهم تجزيئية وبالتالي جامدة، وهذا كله جعل من فاعليتهم محصورة في الإفساد في الأرض، فكانوا يأجوج ومأجوج..

وسنرى أن القوم الذين يخاطبون ذا القرنين يطالبون بحمايتهم من يأجوج ومأجوج ليسوا بالضرورة قومه، لكنه رمز لحضارة إنسانية تتعالى عن العرق والقوم واللون والجغرافية، وسنرى القوم يعرضون عليه “خرجاً= ثمنا” مقابل ذلك، لكنه يرفض، لأن التمكين مسؤولية وتكليف وليس تشريفاً، ولذلك فالتصدي للخطر هو من صلب مسؤوليته، لكنه ليس من مسؤوليته وحده، بل مسؤوليتهم جميعاً، لذا فهو يطلب منهم المشاركة، بدلاً من أن يطالبوا فقط، إنه التوازن بين أداء الواجب والحصول على الحق، وسنرى كيف يذوب الفرد في الأمة والأمة في الفرد، الأنا في النحن والنحن في الأنا، سنرى كيف يشاركون بأنفاسهم في الأمر (وانفخوا)، وسيكون التماسك الاجتماعي الذي مثله كل هذا مرتبطاً بالتماسك المادي الذي مثلته التقنية هنا: الحديد مع القطر، وسيكون ذلك كله محققاً لنتائج أفضل حتى من المطلوب، فقد كان المراد أولاً: مجرد سد يحجز يأجوج ومأجوج، لكن الذي تحقق كان “الردم”، وهو أكبر وأبلغ من السد، ويذكر بذلك الذي يجمع بين الثنائيات كلها: الدنيا والآخرة، الروح والجسد، المادة والغيب، الفكر والسلوك.

سيبدو الردم هنا تلك القمة التي وصلها ذو القرنين والتي يمكن أن يصلها كل من يحاول اتباع الأسباب الشاملة، لصنع عالم أفضل..

ستكون تلك المحطات الثلاث، وتلك القمة العالية التي وصلها ذو القرنين بمثابة استفزاز لنا لكي نعرف ما موقعنا من الإعراب في جملة الحضارة، هل نحن “بين السدين” وقد أغلقنا على أنفسنا رؤيتنا التجزيئية للعالم ولأنفسنا وللنص، فتحولنا إلى الإفساد في الأرض سواء وعينا أم لم نعِ.. أم هل نحن لم نصل لذلك أصلاً؟.. ولا نزال عند “العين الحمئة”- الغربية؟ باعتبار أن طينها هو أفضل ما يمكن الوصول إليه..

يتوهج النص القرآني بين أيدينا ونحن نعيد فهمه بضوء شروط الحضارة، يتوهج هو، ويبعث الضوء..
بقي أن نتوهج نحن!..

التعايش “الممكن”، والتقريب “المستحيل”

التعايش “الممكن”، والتقريب “المستحيل”

د.أحمد خيري العمري- العرب القطرية


لا نذيع سراً إذا قلنا: إن الناس تجاوزت “عدم التعويل” على مؤتمرات الحوار والتقريب بين المذاهب، لتصل إلى حد سوء الظن بها، وبالمتحدثين فيها، والداعين إلى انعقادها، بل حتى الحاضرين فيها..

سوء الظن هذا ليس ناتجاً فقط عن تراكم تاريخي من التجارب الفاشلة، بل هو يتجاوز ذلك إلى تصور سائد أن المتحدثين في منابر التقريب أنفسهم غير مؤمنين بما يقولون، وإنهم إنما يقولون ما يقولون فقط من أجل الظهور بمظهر تمليه ظروف معينة. فمعظم ما يطرح من خطب على تلك المنابر، يعده المتلقون، الذين يفترض أن الخطاب موجه إليهم، من قبيل تقبيل اللحى، في انتظار فرصة سانحة لنتف اللحى والقضاء عليها.

نادراً ما تجد أحد يصدق أن المتحدثين على هذه المنابر يتحدثون بالمنطق التقريبي نفسه في مجالسهم الخاصة وأمام مقربيهم. والأمر لا يخص فقط الطرف الذي مارس تاريخياً إبطان غير ما يظهر في القول، وعد ذلك جزءاً أساسياً من عقيدته، فيما يعرف بالتقية (عند الشيعة)، فالطرف الآخر (السني، أو على الأقل الجزء السني من عملية التقريب) صار يفعل ذلك أيضاً وإن لم يدخل ذلك في عقيدته وفقهه.

هل المشكلة في سوء ظن مبالغ به من قبل الجمهور الذي ركب وعيه – ولا وعيه! – بطريقة سلبية تسيء الظن بأي عمل إيجابي؟ أم إن المشكلة أعمق من ذلك، وتصل إلى التقريب نفسه؟.. هل هو أمر إيجابي، أم إنه محض تغطية سلبية يحاول من يحاول عبرها أن يعمي أبصارنا عن مشاكلنا الحقيقة وجذورها وأسبابها وأعراضها؟ هل التقريب يحاول أن يوجه جهودنا إلى حيث يجب أن تكون؟ أم إنه يشتتها ويضيعها في مؤتمرات (أكل وشرب وشم هوا) وبيانات ختامية تصور أن على الأرض السلام وفي الناس المسرة، وأن خلاف أربعة عشر قرناً لم يكن سوى اختلاف عابر وسطحي في وجهات النظر ومجرد خلاف في الاجتهاد؟..

بعض أدبيات “التقريب” تتنافس في السذاجة بطريقة غريبة جداً، هل يمكن أن نصدق أن الحل يكمن في إيراد شجرة نسب تصور المصاهرات بين أكابر الصحابة وأهل البيت ؟ علماً أن الطرف المعني بالموضوع له تفسير معين لهذه الزيجات لن يناسب مزاج التقريبيين واتجاهاتهم، أو إيراد قائمة بأسماء معينة (من نوع أبي بكر وعمر وعثمان) في أولاد علي والحسين، كما لو أن هذه الأسماء كانت نادرة جداً وقتها، هذه التفاصيل الصغيرة، حتى لو صحت، فإنها لن تلغي حقيقة وجود خلافات في فترة مبكرة ومؤسسة من تاريخ الأمة. إن معاركَ وخلافاتٍ شكلت أركاناً وزوايا داخل العقل الجمعي لا يمكن أن تمحى بالقول: إن فلاناً تزوج من فلانة، أو إنه أطلق اسماً معيناً على ابنه.

بالمنطق السطحي نفسه، فإن شقة الخلاف الموجودة بين الطرفين، والتي تكاد تمس رؤية كل طرف للعالم ولدوره في هذا العالم، هي أبعد من أن تحذف، أو تختصر لتكون مثل “المسافة الموجودة بين المذاهب الأربعة” – كما يدعي البعض – أو أن يكون” مذهباً خامساً” كما يقول بعض آخر، على الرغم من أن الأمر أعمق من ذلك وهو لا يمس الأصول فحسب، بل يخترقها اختراقاً، فكل أصل من أصول الفقه يختلف في اتجاهه ومعناه بين الفريقين، ومن ثم في رؤية كل طرف للعالم ولدوره في هذا العالم. أي (تجديد) لهذه الرؤية سيكون محكوماً بهذه الأصول الأساسية، وأي تجديد لهذه الأصول سيكون محكوماً بمنظومة داخلية لن تجعله “أقرب” إلى الطرف الأقرب بالضرورة، بل ستجعله مختلفاً فحسب.

وهكذا فإن أية حركة تقريب، لو افترضنا نجاحها، وجدية أصحابها، لن تقرب بين المذاهب فعلاً، بقدر ما ستنتج مذهباً جديداً بأصول ومنطلقات مختلفة.. وغالباً ما تدفع سطحية الطرح في أدبيات التقريب، مناوئي التقريب إلى نشر الغسيل القذر ونكشه من خزائن التراث ودهاليزه العامرة.. أي إن الناتج من هذا لا يكون “عدم التقريب” فحسب، بل المزيد من التباعد.

مع كل هذا، وعلى الرغم من إيماني بعدم جدوى وجدية محاولات “التقريب”، إلا أني في الوقت نفسه أؤمن بإمكانية، بل بحقيقة وجود “التعايش” بين المذهبين، وبأن هذا التعايش، والتنظير له، وتأصيله، أهم وأجدى، من التقريب المزعوم.

ما الفرق؟ الفرق كبير، فاستراتيجية التقريب تهدف – على الأقل كما يقول مروِّجوها – إلى إزالة الفروق التاريخية، وتوحيد الأمة، وهو هدف قد يكون نبيلاً، لكنه لن يتحقق، وبالتأكيد لن يتحقق بهذا الأسلوب السطحي.

أما “التعايش” فهدفه أكثر وضوحاً وواقعية، وهو لا يزيف الحقائق، ولا يغطي الاختلافات التاريخية بعبارات إنشائية مطاطة، ولا يلغي وقائع التاريخ وانكساراته بشعارات التوفيق الملفق، التعايش يقر حقيقة الاختلاف ووجوده، وينطلق منها، إنه يصرح أننا مختلفون، ولا يحاول أن يزيف “وحدة” لا وجود لها – على كافة الأصعدة العقائدية والفقهية- لكنه في الوقت نفسه، يقرر أن هذه الاختلافات يجب ألا “تكسر” قاعدة العيش المشترك.

وإذا كان “التقريب” مستحيلاً ويشبه أسطورة من أساطير الأولين، مثل “خرافة الخل الوفي!” فإن التعايش حقيقة عاشتها شعوبنا على الصعيد الاجتماعي، على الأقل في المدن الكبرى التي اختلط فيها المذهبان الرئيسيان، وخصوصاً في الطبقة الوسطى التي أتقنت التعايش أكثر بكثير مما يتحدث خطباء التقريب، الناس عبروا عن تعايشهم بلا خطابات، إنهم يذهبون إلى البائع الفلاني حتى لو كانت عقيدته “في الصحابة” فاسدة، من أجل بشاشته وحسن أخلاقه وأمانته، وهم لن يوافقوه على معتقده، لكنهم سيمارسون غض النظر عن الأمر برمته، يتعايشون معه، كذلك فهم يذهبون إلى طبيب الطائفة الأخرى، من أجل مهارته وأمانته، حتى لو كانوا يعتقدون أنه سيذهب حتماً إلى جهنم.. وقد يدعون له الله أن ينقذه منها فقط من أجل حسن معاملته لهم! ذلك يحدث دوماً، ربما دون تنظير، ودون تدخل من رجال الدين.

التعايش” ممكن لأنه يناسب فطرة الإنسان: فطرة الاختلاف والتعايش مع الاختلاف. حدود التعايش قائمة وموجودة، وهي تمد وتجزر من وقت لآخر ومن شخص لآخر، تحفظ الهوية لكن دون أن تلغي إمكانية العيش مع الهوية الأخرى.

إذا كان التعايش حقيقة عريقة إذن، فلماذا ينهار بين الحين والآخر كما يحدث في غير مكان حالياً؟

غالباً يذهب التعايش ضحية استثمار الاختلافات الموجودة، وبالذات تسييسها، من قبل بعض الأطراف، التي لا رصيد لها غير هذه الخلافات بالذات، وليس لها مشروع خارج عن تفاصيل الخلاف، وتعمد على “خندقة” الناس حولها اعتماداً على هذا الرصيد وحده، والهدف طبعاً لن يتجاوز مكاسب المال أو السلطة أو الاثنين معاً.

لكن لماذا يكون التعايش هشاً هكذا.. إذا كان حقيقياً هكذا؟ ربما لأنه، من حيث أرى الأمور، لم يتحول إلى “ثقافة”، كان سلوكاً اجتماعياً لم يجد فرصة التأصيل والتأهيل والشرعنة، عبر إعداد أدواته وخلفيته الشرعية التي تحول السلوك “التلقائي” إلى عملية واعية محصنة بتلك الأدوات وجاهزة للصمود عندما تعصف بالمجتمع أزمة تهدد الانسجام الموجود بين مكوناته.

والذي يحدث عندنا للأسف هو العكس بالضبط، يذهب التعايش اللاواعي التلقائي ضحية إفراط وتفريط: الإفراط الذي تمارسه بعض الفئات لتحصل على مكاسبها على حساب التعايش، والتفريط الذي يمارسه التقريبيون وسطحية رؤيتهم..

إذا كان هناك من جهد يجب أن يبذله المفكرون، فهو نحو التعايش الذي لا يزيف ولا يخفي الاختلافات ولا يضيع “الحدود”، ولكنه يؤصل لإمكانية العيش المشترك..

إنه أن تؤمن أن جار عمرك، هو جارك في الدنيا هنا، وأن تحسن جيرته ويحسن جيرتك..

أما أن يكون جارك في الآخرة أيضاً، فهذا أمر ليس من شأنك ولا من شأنه أيضاً، إنه من شأن ذاك الذي يعلم ما في الصدور فحسب..

قراءة النص الديني: بين الانسلاخ والالتحام

 

 

قراءة النص الديني: بين الانسلاخ والالتحام

د.أحمد خيري العمري – العرب القطرية

ليس هناك أسوأ من تقليد مذهبي رتيب، إلا تجديد مزعوم بلا ضوابط ولا شروط.. ويبدو أن جزءاً من قوة الفكر التقليدي(القوي أصلاً) مستمد من هذا التجديد الذي صار يعد بمثابة حصان طروادة لإدخال الأفكار الليبرالية إلى الرأس المسلم..

لكن التجديد الحقيقي، الذي هو أبعد ما يكون عن إضافة بعض الرتوش التجميلية هنا وهناك لما يقال نفسه منذ قرون، يجب أن يعزل عن كل ذلك، وأن يعد أنه المفتاح الحقيقي لكل أزماتنا على الصعيد الفردي والاجتماعي..

فما هذا التجديد؟.. وما ضوابطه وشروطه أولاً؟

*   *   *

ضوابط هذا التجديد يجب أن تنبع من النص القرآني نفسه فهذا النص، الذي لم يدخله تغيير ولا تحريف هو السلطة الأولى التي ينبغي للتجديد (وللمجددين) أن يخضعوا لها.. داخل النص القرآني، يمكن إيجاد ضوابط وشروط تحدد للتجديد طريقة: نقطة انطلاقه، وهدفه النهائي.. لا أستطيع أن أتصور أن هناك من يمكنه الادعاء أنه يمتلك-الآن- مفاتيح هذه الشروط القرآنية للتجديد، لكن هذا يجب ألا يمنع سبر أغوار القرآن الكريم، من إيجاد شروط التجديد، علماً أن هذا السبر بحد ذاته هو قراءة جديدة، أي إنه تجديد أيضاً بطريقة ما.. وهذا يقودنا إلى نقطة البداية من جديد.. فلكي يكون هناك تجديد، يجب أن يكون هناك شروط وضوابط، ولكي تجد الضوابط عليك أن تقرأ القرآن “من جديد”، وهذا كله يضعنا في ما هو أشبه بحلقة مفرغة.. كيف تقرأ القرآن الكريم من جديد، لكي تستخرج ضوابط التجديد، وأنت تحتاج إلى هذه الضوابط أصلاً في القراءة؟..

*   *   *

ربما كان علينا قبل استخراج الضوابط، أن نحدد الهدف من القراءة أصلاً، قبل أن نحدد ضوابط القراءة “من جديد”..

لماذا أنزل هذا النص علينا؟.. لماذا هو وليس غيره؟ لأنه بالتأكيد (بالنسبة إلينا طبعاً، على الأقل، نحن الذين نؤمن به)، يحوي المنهج الأمثل والأفضل للحياة على الأرض..

إذن، بما أن هذا النص هو “منهج حياة” فإن أي قراءة منسجمة معه يجب أن تضيف معنى لحياتنا على هذه الأرض، يجب أن تثريها “حياة” وفاعلية.. كلما كانت “القراءة” تزيد الفاعلية والتفاعل مع الحياة، كانت منسجمة مع الهدف من نزول هذا النص.. وبالتالي تكون قراءة “تجديدية” سواء كانت قرأت في القرن الثاني الهجري أو الخامس عشر أو العشرين بعد المئة..

المهم هو أن تكون القراءة فاعلة..

*   *   *

حسناً.. كلام جميل.. لكننا نسمع أحياناً كلاماً من هذا النوع، وأكثر، من أدعياء التجديد أنفسهم الذين يمررون كل ما يريده الغرب، وسط إنشائيات منمقة من هذا القبيل.. فقد قرأنا كلاماً جميلاً عن “تثوير القرآن” فإذا به مقدمة لإلغاء كل حكم موجود في القرآن، ابتداءً من لباس المرأة.. (لعيون الغرب كل شئ جائز!).. فما هو الضابط في الحديث عن القراءة الفاعلة للقرآن الكريم؟..

الضابط هو بالتعريف أن تكون فاعلة.. أن تعمل على تفعيل النص لا على إلغائه بأي حجة.. إذن أية قراءة تعمل على وقف عمل النص، لأي سبب كان، هي قراءة تخرج فوراً من سياق التجديد وتوضع في سياق آخر (العجل الغربي أو المؤامرة المستمرة.. إلخ)..

وما دمنا قد ضربنا مثلاً عن لباس المرأة، الذي كان دوماً موضوعاً ساخناً استعرض فيه أدعياء التجديد كل فذلكاتهم.. القراءة التجديدية المزعومة ستعمد على إلغاء الآية، بحجة السياق التاريخي، أو بحجة التمييز بين الإماء والحرائر.. أو حتى بحجة “لباس التقوى خير”!! كما قيل فعلاً ..

أما القراءة الأخرى، الفاعلة فإنها تقرأ النص، بتفاصيله الواضحة، على أنه تفعيل لدور المرأة في المجتمع فالمرأة التي تقضي حياتها في البيت، دون خروج، وبمعزل عن المجتمع، ليست بحاجة إلى لباس محدد الأوصاف، وبتلك التفاصيل الواردة، فهي في بيتها، تلبس ما تشاء، لكن الخروج الفاعل في المجتمع هو يملي عليها زياً محدداً تحيد فيه (أنوثتها) من سياق التفاعل، أي إنها، بهذا الزي الذي سيخفف من معالم أنوثتها، سيجعلها تتفاعل مع المجتمع بوصفها إنساناً، وليس بوصفها أنثى..

طبعاً سيضج أصحابنا من جماعة التجديد تحت راية الليبرالية بالقول: إن المرأة كانت مضطرة للخروج لقضاء الحاجة، أو من أجل تمييزها عن الإماء.. إلخ، لكن الآيات الكريمة لا تشير لذلك بتاتاً، حتى وإن كان هناك شيء ما تاريخياً مقارب لما يقولون، أما نحن فنؤمن بأن النص القرآني متعالٍ عن الزمان والمكان، وإنه له في كل عصر مقارباته وقراءته الفاعلة التي لا تلغي بالضرورة قراءة أخرى سابقة، لكنها تثري التفاعل الاجتماعي وتغنيه، عندما تدخل كطرف “فاعل” في المعادلة..

*   *   *

والتجديد المنشود إذن، هو ذلك الذي يتفاعل مع العالم بقصد تغييره.. دوماً لدينا حساسية مفرطة من الحديث “تجديد متفاعل مع العالم” وذلك لأن أمر هذا التفاعل دوماً ينتهي إلى “العالم” هو الذي يغير فهمنا للنص ويملي شروطه علينا وعلى فهمنا له..

هذا صحيح أحياناً.. لكن ليس دائماً.. ليس عندما ندخل التفاعل وقد فهمنا شروطه: إننا نقرأ النص من أجل تغيير الواقع.. من أجل أن ندخل الواقع وقد صرنا “طرفاً فاعلاً” في معادلة تغييره بعدما أغنانا فهمنا الجديد وقراءتنا الجديدة للنص القرآني..

يمكن للنص القرآني بهذا أن يقود إلى طريقين.. قراءتنا هي التي تحدد وجهة الطريق الذي سنسلكه.. أما خيار “الانسلاخ” عنه(عن القرآن)عبر   قراءة إلغائية انسلاخية أو خيار الالتحام به وبمضامينه..

الفرق بين القراءتين هو فرق بين منهجين وأيضاً بين نتيجتين لاحقتين مختلفتين.. {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ} [الأعراف: 7/175]..

هذا هو باختصار قرآني  بليغ، ملخص ما كنت أقول: القرآن يمكنه أن يرفعك، لكن “انسلاخك” عنه، يجعلك غارقاً في الأرض، يجعلك في أدنى نقطة.. التحامك به هو الذي يجعله يرفعك.. الآية نفسها يمكنك أن تقرأها فترتفع ، أو تقرأها فتخلد إلى الأرض ..

هذا هو باختصار بعض ما يجري على الساحة الآن.. وهذه القراءة هي مثال على ما أقول..