أرشيفات التصنيف: مقالات في التجديد

المولد : صاحبه لم يغب قط.

المولد: صاحبه لم يغب قط

لا تفكر

سنة بعد سنة، منذ ثلاث أو أربع سنوات، وأنا أضع منشوراً واحداً عن مولده عليه الصلاة والسلام، هذا هو نصه:
(عندما ولد عليه الصلاة والسلام..
لم يحدث شيء استثنائي قط
لم يحدث شيء مما قيل لنا على المنابر وحشوا رؤوسنا به.
لم يولد عليه الصلاة والسلام مختوناً.
لم تنطفئ نار المجوس.
لم ينشق إيوان كسرى ولم تسقط أربع عشرة شرفة منه.
لم تجف بحيرة ساوة.
ولم تنتكس الأصنام في مكة.
كل ما قيل لنا، عبر الأجيال، وما تناثر في قصائد المديح التي تقال في المناسبات، وتسلل إلى وعينا حتى صار من بديهيات (المناسبة)، كله لا يستند إلى دليل شرعي صحيح، واستند إلى أحاديث موضوعة أو لا أصل لها أو ضعيفة في أحسن أحوالها..
كلها تسللت إلى وعينا الجمعي في مطلع عصور التدهور، عندما بدأ المسلمون يفقدون (وعيهم) بالمكانة الحقيقية لنبيهم الكريم، خاتم النبيين وصاحب المعجزة الوحيدة المستمرة، المعجزة الوحيدة التي اعتمدت على (إعمال) العقل، بدلا من (إعجازه) كما حدث في المعجزات السابقة..
عندما بدأ المسلمون يفقدون استشعارهم لاستمرار هذه المعجزة، بدؤوا يبحثون عن (معجزات) أخرى.. بدؤوا يأخذون من الأمم الأخرى والديانات السابقة مبالغاتهم وغلوهم تجاه أنبيائهم..
وكان أن تسربت كل تلك الخرافات المحيطة بمولد النبي الكريم، البعض منشغل بالبحث عن كون الاحتفال بدعة أو غير ذلك ، لكن هناك بدعة أخطر من الاحتفال ، هي (بدعة) الرؤية السائدة التي تخرج الرسول الكريم عن أعظم ما فيه: عن كونه قد فعل كل ما فعل بجهد بشري استحق التأييد الإلهي.. عن كونه (القدوة) التي يمكنك أن تقتدي بها، لا الرجل الخارق الذي لن تفكر أصلا بتقليده..
لم تنطفئ نار المجوس بمولده عليه الصلاة والسلام..
ولم ينشق إيوان كسرى.
ولا حتى انتكست الأصنام..
كل ذلك حدث فعلاً، لاحقاً، وأدت له سيرة حياته الكريمة المليئة بالجهد والعمل والفعل..
نعم، لقد أطفئت نار المجوس..
وشق إيوان كسرى..
وانتكست الأصنام على يديه
لكن ذلك لم يحدث قط بمولده
بل عبر حياته كلها.. بمجملها
حياته التي علينا أن نتبع خطواتها..
خطواته التي تقول لنا:
قوموا من خرافاتكم إلى نهضتكم، يرحمكم الله)..
انتهى المنشور.
******
أنشر هذا المنشور منذ ثلاثة أعوام، هذه هي السنة الرابعة على ما أظن..
وفي كل سنة، تزيد نسبة المؤيدين لمجمل المنشور، ولكن تزيد حدة المعترضين على نحو غريب، كلمة (الحدة) هنا غير دقيقة، ففي ذهني شيء آخر تماما.. خاصة أن المنشور في السنة السابقة قد أتاح لي أن أتعرف على الخلفية العامة التي جاء منها بعض أكثر المعارضين حدة وعداء.
للوهلة الأولى، تتخيل أن من يرفض هذا الطرح، أي من يتمسك بهذه الخرافات، قادم من خلفية متواضعة التعليم، وأنه لم ينل قسطاً مهماً من الدراسة والعلم.. وأن دفاعه هنا هو من باب تبعيته لما تربى عليه.
لا شك في وجود هذا النوع، لكن المثير هو أن رأس الحربة في العداء والرفض، وأولئك الذين بلغوا حدوداً هستيرية في الرفض، هم أشخاص نالوا قسطاً كبيراً من التعليم في الغرب، وبعضهم يعمل أصلاً في الغرب.. أكرر: شهاداتهم علمية، ومن الغرب، وموقفهم العدائي هنا ليس دفاعاً عن ثوابت الإسلام أو فروضه (لم أر منهم شخصياً أي موقف تجاه هذا) لكنهم يتخذون موقفاً متشدداً جداً للدفاع عن خرافات منسوبة للرسول عليه الصلاة والسلام، أو على الأقل للدفاع عن ما لم تثبت صحته..
الانفصام الموجود، بين التخصص العلمي والإيمان بخرافات ليس جديداً، وهو أمر يستحق التوقف والدراسة بلا شك، وكلما فتح هذا الموضوع، أو كلما رأيت ممارسة خرافية بحتة، من شخص يفترض أنه علمي (طبيب، مهندس، أكاديمي… إلخ) تذكرت طبيباً مختصاً من الولايات المتحدة في عاصمة عربية، وعمله المهني ناجح تماماً، وهو خطيب جمعة في أحد المساجد، وخطبه تشهد له بأنه يؤمن بأن الأولياء يحيون الموتى!
والطبيب المذكور يمثل حالة متقدمة من الفصام، وربما يكون لانتمائه لطريقة صوفية شديدة الغلو بعض التفسير، لكن هذا أيضاً جزء من الفصام في نهاية المطاف.
المعترضون بشدة لم يكونوا ينتمون بوضوح لطريقة صوفية، كانوا قد تربوا فحسب في رعاية المؤسسة الدينية التقليدية، وهي تحتوي على قدر من التصوف لا يمكن إنكاره، ولكن موقفهم كان في حدته يوحي بشيء آخر. بشيء أعمق من مجرد الوفاء لما تربوا عليه، كان هناك نوع من الهلع، كان اعتراضهم يوحي بوجود نوع ضمني من (الإنكار)، أحدهم وضع صفحات من كتاب معروف يناقش فيه مؤلفه أحاديث المولد ويضعها في موضعها الحقيقي بين الضعيف والموضوع وما لا أصل له أصلا.. وكان يصر أن المؤلف يثبت صحة الحديث، عكس ما هو موجود في الصفحة التي وضعها بنفسه، كما لو كان عاجزاً عن قراءة ما كتب حقاً..
الوضع غريب، أغرب بكثير من مجرد تناقض لا يسلم منه بشر..
كان ثمة عاطفة مشبوبة في دفاع البعض..
حرارتهم في الدفاع عن خرافات المولد كانت نابعة من خوف حقيقي على الدين..
أو حتى أكثر من مجرد خوف.
***************
تعاملت المؤسسة الدينية التقليدية، مع هذه القصص (الخرافية بطبيعتها) كما لو كانت تتعامل مع (معجزات) للرسول عليه الصلاة والسلام.
أي أنها تعاملت معها، في موسم المولد النبوي واحتفالياته، كما لو أنها تتعامل مع براهين نبوته عليه الصلاة والسلام.
والمعجزة بالتعريف هي (برهان نبوة)، والفرق بين معجزات ما قبل القرآن، ومعجزة القرآن، هو أن هذا البرهان كان ذا طبيعة حسية في أنبياء ما قبل القرآن (عصا موسى، إحياء الموتى… إلخ) ، وهي في غالبها موجهة نحو (غير المؤمنين)، والهدف منها هو خضوعهم أمام هذا البرهان الذي يجعلهم يسلمون بنبوة النبي صاحب المعجزة، ومن ثم يؤمنون به ويتبعونه.
معجزة القرآن كانت مختلفة بطبيعتها، فهي لم تكن خارقة حسية مثل عصا موسى أو إحياء الموتى، لم تكن تخاطب الحس في الإنسان، بل كانت تخاطب العقل فيه، كانت تطلب منه التفكير فيما يقول هذا القرآن..
بعبارة أخرى: معجزة الحس، كانت تطلب إيقاف العقل: ترى شيئا خارقاً، فتتوقف عن الجدال، توقف عقلك عن الرفض، وتتبع صاحب المعجزة.
معجزة القرآن على العكس من ذلك، كانت تطلب إعمال العقل.. كانت معجزة من طرفين، طرفها الثاني هو المتلقي الذي يتفاعل معها فيعمل عقله في آيات هذا القرآن، وبعدها يبدأ سلسلة تفاعلات تغير كل ما فيه.
هذا بالذات هو ما يجعل معجزة القرآن مستمرة.
لا أحد يعلم أين هي عصا موسى، والميت الذي أحياه السيد المسيح مات مجدداً..
لكن معجزة القرآن مستمرة.
بتعبير أدق: الاستمرارية كامنة فيه، لكن أغلب التعامل السائد مع القرآن لا يحقق ذلك، ولكن هذا موضوع آخر.
ماذا عن المعجزات الأخرى للرسول عليه الصلاة والسلام، ذات الطابع الحسي الأقرب إلى طبيعة معجزات ما قبل القرآن؟
هناك حوادث كثيرة (خارقة للعادة) ولكنها حصلت أمام المؤمنين وليس أمام الكفار، وهذا يخرجها عن تعريف المعجزة..
وهناك حادثة واحدة فعلاً يمكن أن تقترب من ذلك، وهي (انشقاق القمر)، ولكن سيبقى القرآن هو المعجزة المستمرة.
******
المؤسسة الدينية التقليدية، بحكم تقادمها وتراكم التكلسات عليها، عاجزة عن إخراج جوانب إعجازية مستمرة من القرآن، ببساطة هي تعيد وتصقل ما كرره الأولون والمتقدمون، ونادراً ما يكون هناك جديد فيما تطرحه.
بعبارة أخرى: جمهور المؤسسة الدينية التقليدية، لا يستشعر معجزة القرآن حقاً، لا يستشعرها من حيث أنه يجب أن يكون الطرف الآخر للتفاعل مع القرآن الذي يغيره ويقوده إلى حيث يجب أن يكون.
لذا فالمؤسسة لها آليات أخرى تعوض هذا الفراغ في العلاقة مع القرآن.. آليات لا داعي حقاً لذكرها الآن ولكن قليلاً من التفكر فيما حولنا من (نشاطات)، سيجعلنا نفهم ذلك.
ضمن ذلك، يأتي دور المؤسسة الدينية في التعامل مع خرافات المولد كما لو كانت معجزات للرسول عليه الصلاة والسلام.
يتم التعامل مع هذه القصص كما لو كانت حقائق مطلقة محسومة، ولأن بعضها على الأقل له طابع (ملحمي) فإنها تقع في نفوس وعقول الأطفال الذين يحضرون هذه المناسبات موقعاً مختلفاً جداً، بطريقة ما تلعب هذه القصص دوراً تأسيسياً في إيمان هؤلاء الأطفال.. لقد انشق إيوان كسرى يوم ولد، لقد جفت بحيرة ساوة يوم ولد، لقد ارتكست الأصنام في مكة، لقد ولد مختوناً.. لا بد أن يكون نبياً إذن.. لا شك في ذلك..
هناك جيل من الصغار، بني إيمانه على هذه القصص.
لا أقول إن الأمر كان مقصوداً.. ولكن هناك طبيعة خيالية في هذه القصص لا بد أن تكون جاذبة للأطفال.
كبر الأطفال لاحقاً، بعضهم تفوق ونجح في مجال تخصصه، وبقي محافظاً على التزامه وإيمانه، لم يجد الوقت لتتقية إيمانه مما يتعارض مع ما درس، أو أنه فصل بين الأمرين تماماً، وأبقى كلاً منهما في خانته..
وكانت خانة الإيمان، ترتكز، بطريقة ما، ضمن ما ترتكز عليه، على قصص المولد..
حتى وإن لم يكن ذلك واضحاً..
لكنه بقي بعمق في إيمان طفل متشبث بما صدقه.

*******
باختصار، دفاع هؤلاء عن هذه الخرافات هو دفاع عن إيمانهم.
لقد بني إيمانهم على هذه القصص..
وإيمانهم هو هويتهم، طوق نجاتهم وطوق نجاة عوائلهم..
ثم يأتي من يقول إن هذه القصص أكاذيب وخرافات!
ذلك بالنسبة لهم يهدد كل شيء..
كل شيء..
لذا فالدفاع عن هذه القصص (الخرافية) قد يبدو في لحظة ما كما لو أنه دفاع عن الإيمان والإسلام، بل إن بعضهم، في حمية الدفاع، يقول معترضاً على الربط بين التصديق بالخرافات والواقع المتخلف الذي نعيشه، يقول: انظروا إلى الهند وأوثانها، رغم ذلك فيها نهضة.. عملياً هم يقرون أن الخرافات التي يدافعون عنها يمكن أن تكون في تصنيف واحد مع ( وثنية) الهند!..
الدفاع يتخذ عدة مستويات ومراحل، كل مستوى منها يمثل مشكلة متأصلة في العقل الجمعي:
أولا – الدفاع التقليدي المزمن عن الأحاديث الضعيفة! علما أن بعض هذه القصص ليست ضعيفة أصلاً، بل هي موضوعة، أو لا أصل لها (كما سيأتي تفصيل ذلك لاحقا).
هذا الدفاع التقليدي لا يجد غضاضة في أن يقول: العلماء يجيزون الأخذ بالأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال! والسؤال هنا: أي عمل فضيل هذا الذي يمكن أن يتأتى من التصديق بخرافة؟! وأي عمل فضيل هذا الذي يكمن في إخراجه عليه الصلاة والسلام عن بشريته؟! هذا الحديث الضعيف يعبر عن عقيدة! وهي عقيدة خاطئة ولا تنسجم مع عقيدتنا في الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام أجمعين.
القول يقال بتلقائية من تعود أن يدافع عن الحديث الضعيف مهما كان نوع هذا الحديث، وبمعزل عن جوهره، سيأتي هنا من يبكي ويتباكى ويدافع عن أثر الحديث الضعيف بكونه (سيحبب الناس فيه عليه الصلاة والسلام)، هل عدمنا الأحاديث الصحيحة التي تحببهم فيه حتى صرنا نلجأ إلى الأحاديث الضعيفة والقصص الخرافية حتى يحبه الناس؟! هل الأمر سيئ لهذه الدرجة؟
أليست محبة الرسول عليه الصلاة والسلام حسب القرآن هي باتباعه؟ فهل كان في منهجه وحياته ما يدل على هذه القصص أو يقترب منها؟ هل تحبيب الناس به عليه الصلاة والسلام يكون عبر تقديمه بصورة هي أقرب إلى أفلام الرسوم المتحركة والخيال العلمي، بدلاً من تقديم منهجه والقيم التي جاء بها وشمولية أخلاقه وبشريته عليه الصلاة والسلام، هو الذي كان يقول عن نفسه: إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد ببطن مكة ، وليس (أنا الذي انشق إيوان كسرى يوم ولدت!)، هو الذي يوم أراد أن يعرف عن نفسه ويجمع قومه عليه يوم حنين قال بأعلى صوت: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب ، وهو الذي كان يخصف نعله ويخيط ثوبه ويعمل في بيته كما يعمل أي شخص..
هذا هو النبي الذي يمكن أن يكون قدوة، لا يمكنك أن تقتدي برجل خارق قادم من قصص الخرافة والخيال اللاعلمي، القدوة بالتعريف يجب أن تكون (بشرية)، تملك ما هو مشترك معها بحيث يمكنك أن تبني على هذا المشترك لتطوير ذاتك عبر الاقتداء بها، إما أن تبني العلاقة معه على أساس قصص لا أساس لها، فهذا يمكن أن يقود إلى أي شيء غير الاقتداء.
ثانيا – الدفاع عن هذه الأحاديث بمعزل عن صحتها أو ضعفها أو محتواها لمجرد أنها وردت في كتب الأولين وسلف الأمة. والأولون وسلف الأمة، لقبان مطاطان جداً يمكن أن يمتدا ليشملا عصور انهيار الأمة ودخولها في عصور انحطاطها.
الدفاع هنا ليس فقط عن (حديث) أو قصة، بل عن قدسية الماضي كله، قدسية كل من انتسب إلى الماضي سواء كان من القرن الثامن أو القرن التاسع الهجري أو كان من القرون الأولى الأقرب لعصر النبوة.
الكل يكرر: كل يُؤخذ من كلامه ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر!.. نظرياً نعم، الكل متفقون على هذا، لكن عندما تدق ساعة الحقيقة ويكون لا بد من تطبيق هذا، فإن كل أدوات الشرط والاستثناء واللف والدوران ستكون جاهزة للاستعمال من قبل البعض على الأقل، المهم أن لا نرد قول فلان الفلاني من أعلام الأمة!.. لا أتحدث هنا عن قصص وخرافات المولد فحسب، لكن هذا النمط من التفكير الذي يقدس الماضي ويخرجه عن بشريته سائد جداً، وهو يشكل عقبة أمام أي تطور طبيعي أو أي نهوض أو حتى محاولة نهوض.. مجرد وجود حادثة في (الكتب القديمة) كافٍ لكي يجعل البعض يدخلوننا في متسلسلة: تقبلتها الأمة بالقبول و (لا تجتمع أمتي على ضلالة) إذن هذه القصة ليست ضلالة! علماً أن (لا تجتمع أمتي على ضلالة) ليس صحيحاً بإطلاقه، وأنه لم يحصل اجتماع أصلاً على هذه (الضلالة) لأن من ضعَّف هذه القصص ورفضها هم أيضاً من هذه الأمة ولم يأتوا من أمة أخرى.
ثالثا – رفض توقيت الحديث عن هذا بسبب الأزمات التي تمر بها الأمة: هناك العويل المعتاد الذي أسمعه شخصياً من عقود، وهو مستمر قبلها بكثير، الفكرة هنا هي رفض الحديث عن أمور معينة بحجة أنها قد تفرق الأمة، بعبارة أخرى: نميع المشكلة بانتظار أن يجتمع الصف ويقوى ومن ثم يمكننا لاحقاً مواجهة هذه القصص كلها… إلخ.
لدي خبر سيئ لأصحاب هذه الحجة: الأمة تفرقت منذ ألف وأربعمائة سنة تقريباً!
لا أعرف إن كان قد وصلهم هذا أو لم يصلهم باعتبارهم يدفنون رؤوسهم في رمل مستورد من كوكب آخر، لكن الأمة تفرقت فعلاً منذ مدة طويلة، وأغلب اصطفافاتنا الحالية قائمة على هذا التفرق الذي ظل يولد تفرقات متجددة دوماً..
سيقولون لا، لا نقصد هذا التفرق، نقصد الظروف الحالية التي نمر بها حالياً..
عمري تجاوز الأربعين بسنوات، ولا أذكر أي فترة كان يمكن أن نتحدث فيها عن هذه الأمور حسب هذا المنطق، دوماً ثمة مصيبة تحدث في الأمة، دوماً ثمة ظروف دقيقة تحتم السكوت والصمت ومراعاة هذا الجانب أو ذاك..
هل ستبقى هذه القضايا مؤجلة بسبب مصائب الأمة المستمرة منذ قرون وبنجاح ساحق؟
ماذا لو كان الأمر معكوساً؟! ماذا لو كانت دوامة المصائب المستمرة هي النتيجة الطبيعية الحتمية لهروبنا المستمر من مواجهة مشاكلنا على نحو جذري؟!
لن أدعي هنا أن فتح ملف المولد النبوي ورفض الخرافات المنتشرة فيه سيحل كل مشاكلنا تلقائياً، لكن رفض خرافات المولد هو جزء من تغير نمط التفكير السائد الذي أزعم أنه سبب أساسي من أسباب مشاكلنا وأزماتنا..
أن ترفض خرافات المولد لأنها لم تثبت ولأنها تعارض جوهر العقيدة الإسلامية في نبوته عليه الصلاة والسلام، فهذا يعني حتماً أنك قادر على مواجهة مشاكل أخرى بنفس الطريقة، بل يعني أنك قادر أيضاً على تنقية الموروث الديني من السلبيات التي تراكمت عليه سواء كانت هذه السلبيات ناتجة عن أحاديث ضعيفة أو موضوعة كما في خرافات المولد، أو عن فهم سلبي خاطئ لأحاديث صحيحة ونصوص ثابتة.
رابعاً – الدفاع عبر الهجوم المضاد: هناك نمط من الردود تتعمد الرد على شيء آخر لم يرد أصلاً لا تصريحاً ولا تلميحاً في أمر رفض خرافات المولد، هذا الهجوم المضاد صادر عن نوعين غالباً: نوع يحاول أن يستنتج ويدافع عما يتوقع حدوثه (دون دليل) ونوع آخر يطلق قنابل دخانية بقصد التشويش على الجمهور وإلهائه عن الموضوع الأصلي، فمن السهل جداً أن تجد من يرد على خرافات المولد بالربط بين رفضها وبين رفض (المعجزات) بشكل عام، وخاصة حادثة انشقاق القمر (التي لا علاقة لها بالمولد من قريب أو بعيد)، علماً أن خرافات المولد وردت في أحاديث لم تصح، بينما انشقاق القمر جاء في القرآن الكريم! والربط بينهما يدل على مشكلة عميقة في التمييز والتصنيف بين أهمية المصدرين.
من أمثلة الهجوم المضاد أيضاً: الدفاع عن هذه الخرافات التي وردت فيما لم يصح ولم يثبت، عبر القول إن هذا الهجوم هو مقدمة للهجوم على الأحاديث الصحيحة، بل وإنها مقدمة للهجوم على صحيح البخاري شخصياً (والبخاري بريء تماماً من أي من خرافات المولد لكنه يستخدم هنا لإثارة التعاطف والمبالغة في خطورة الموقف!)، هذا الربط لا سند عليه ولكنه يضع المتلقي في موقف محرج حائر بين رفض الخرافات، وبين التصور بأن هذا الرفض سيفتح أبواباً أخرى تتجاوز الخطوط الحمر.
الهجومان المضادان على بعدهما عن الواقع وعن العلمية حدثا من قبل أشخاص لديهم حرف الدال يسبق أسماءهم الأولى، علماً أن كاتب المقال قد سبق له أن تصدى لهجمة منكري السنة النبوية بمجموعة مقالات، وموقفه واضح جداً من الأحاديث الصحيحة.
خامساً – الربط بين رفض الخرافات وبين تحريم الاحتفال بالمولد النبوي: لا علاقة بين الأمرين من قريب أو بعيد، لكن الكثير من المعارضين لرفض خرافات المولد يوردون أدلة الاحتفال بالمولد النبوي وأهمية أسماء العلماء المجيزين له وعدم حرمته أو تبديعه، بعض هذه الردود تكون من باب (التلقائية)، حيث تشبع البعض بالجدل حول هذه النقطة حتى صار كل ما يتعلق بالمولد النبوي يستلزم بالضرورة (تنزيل) جدال مشروعية الاحتفال أو عدم مشروعيته.
كذلك ربما كان هذا الربط غير المنطقي يهدف إلى وضع رافضي خرافات المولد في خانة واحدة مع القائلين بحرمة الاحتفال بالمولد، وهؤلاء بدورهم ينتمون إلى تيار يكاد يحرم حتى التنفس، وهم رغم اختلافهم عن تيار الخرافات، إلا أن أثرهم النهائي لا يقل سلبية عن أثر الخرافيين، ويمكن اعتبارهم معاً من مصائب العقل الجمعي وكوارثه التي اجتمعت على أمتنا دون أن يقلل أحدهما من خطر الآخر.
سادساً – القول بأن من يروج للرفض يهدف للشهرة أو ما شابه: الكل يقول دعونا في الفكرة واتركوا الشخص، وغالباً يسقط من يقول هذا تحديداً في فخ ما ينهى عنه: فلان (يعمل بلوكات)، فلان فظ، فلان لا يرد على أسئلة المتابعين، فلان لم يعلن موقفاً من كذا أو كذا، فلان موقفه السياسي كذا، هذه جملة من الأوصاف الشخصية التي لا تمس من قريب أو بعيد جوهر الكثير من موضوعات الخلاف السائدة.
ما دام موضوع الخلاف الفكري ليس عن (السلوك) وليس عن (حسن الخلق) فأي كلام عن سلوكيات أي من طرفي الخلاف لا معنى له، وأبعد من ذلك هو الكلام عن نية أي شخص من الطرفين، كيف يمكن معرفة نية اي منهم أصلاً، ولماذا من يرفض الخرافات هو صاحب نية الشهرة وليس من يدافع عنها مثلاً، بنفس المنطق.
***********
هذه جملة من مستويات الدفاع عن خرافات المولد والحرص على إبقائها كما هي ، وكلها تعبر عن أمراض عميقة في العقل الجمعي ويمكن متابعتها ذاتها في الكثير من الموضوعات الأخرى، نفس آلية التفكير تظهر في كل مناسبة، وتظهر معها عورات العقل الجمعي التي تعرقل النهوض وطرق التفكير السليمة، بل تعرقل حتى النظر إلى جوهر الإسلام ومقاصده وآلياته..
ولكن فلننظر الآن إلى التحقيق الحديثي (النقلي) حول هذه الخرافات، واحدة واحدة.
أولاً – تذكر أحياناً أساطير غريبة وركيكة عن زواج والدي الرسول عليه الصلاة والسلام، فيذكر منها أن عبد الله في طريقه للزواج من آمنة مر بكاهنة يهودية عرضت نفسها عليه مقابل مائة من الإبل فامتنع وقال قصيدة في التعفف عن الحرام، ثم ذهب فتزوج من آمنة بنت وهب، ولما رجع مر بالكاهنة فدعته نفسه أن يفعل ما امتنع عنه أول مرة! فقالت له (إنها لا تفعل ذلك عادة!!) ولكن كانت رأت فيه نور النبوة (!) فأرادت أن يكون فيها ولكن شاء الله أن يكون حيث أراد.. (رواه ابن عساكر). والرواية كما يقول د. أكرم ضياء العمري (منكرة سندا ومتناً) علماً أن الكثير من الوعاظ المعاصرين يستخدمونها على ما فيها من علل قادحة، ولو كان هناك إعمال لأبسط آليات العقل، لكان هناك سؤال: ومن الذي عرف أصلاً ما دار من حوار بين الكاهنة ووالد النبي؟! والسند كله لا يصل إلى الكاهنة وبالتأكيد ليس إلى والد النبي!
ثانياً – كما رويت قصص وأخبار حول صفة حمل آمنة به، وأنها لم تر أخفَّ ولا أيسرّ منه، وأنها كانت تلبس التعاويذ من حديد فيتقطع، وأنها رأت في منامها بشارة بجليل مقامه، وأمرت بتسميته بمحمد، ورأت عند استيقاظها صحيفة من ذهب فيها أشعار لتدعو له بها، وكل هذه الحكايات فيها متروك هو الواقدي، وفيها مجاهيل آخرون لا يعرف حالهم.
ثالثاً – وأنه عليه الصلاة والسلام وقع حين ولدته وقوعاً ما يقعه المولود معتمداً على يديه، رافعاً رأسه إلى السماء، والرواية في ذلك ذكرها ابن اسحاق عن حليمة السعدية في قصة الرضاع وهي رواية ضعيفة ولا تشدها رواية الواقدي لأنه متروك.
رابعاً – وأنه وضع تحت قدر من حجر، فانفلقت عنه ليبقى بصره شاخصاً إلى السماء، والأحاديث في ذلك بين مرسلة إلى عكرمة، وبين السند المعضل، وبين سند فيه مجاهيل ولا تشد بعضها بعضاً لهذا.
خامساً – أنه ولد مختوناً (كل أسانيدها لا تخلو من وضاع أو متهم بالوضع على نحو لا يمكن أن يشد بعضها بعضاً).
سادساً – أن جبريل قد ختنه بعد ولادته! (بإسناد فيه مجهولان وليس مجهول واحد!) وقال ابن كثير هذا غريب جداً وقال الذهبي منكر.
سابعاً – هواتف الجان ليلة مولده عليه الصلاة والسلام وتبشيرها به وانتكاس بعض الأصنام في مكة في ذات الليلة، والحديث في ذلك موضوع فيه وضاعان.
ثامناً – ارتجاس إيوان كسرى وسقوط شرفاته وخمود نيران المجوس وغَيض بحيرة ساوة ورؤيا الموبذان الخيل العربية تقطع دجلة وتنتشر في بلاد الفرس (كلها دفعة واحدة في سند واحد)، والسند فيه مجهولان، أحدهما راوي الحديث عن والده أو مجموعة الأخبار هذه، وهو مخزوم بن هانئ المخزومي، ووالده أيضاً لا تعرف له صحبة أو حال، وقد ذكر الذهبي هذه الأخبار في السيرة النبوية وقال (منكر غريب) كما ذكرها ابن كثير في البداية وقال (هذا الحديث لا أصل له من كتب الإسلام المعهودة).
تاسعاً – روايات تفيد بإخبار اليهود بليلة مولده (السند فيه تدليس من دون تصريح بسماع، وتوجد أسانيد أخرى تتضمن متروكين).
عاشراً – قول العباس عم الرسول عليه الصلاة والسلام أنه رآه في المهد يناغي القمر (قال ابن كثير فيه غرابة، وقال الذهبي هذا إسناد ساقط)، وفيه أحد المتروكين.
علما أن العباس يكبره عليه الصلاة والسلام بعامين فقط!
في العموم لم يصح من أحاديث المولد غير أن السيدة آمنة بنت وهب قد (رأت) نوراً يخرج منها ليضيء قصور بصرى من أرض الشام، والرؤية هنا تحتمل أن تكون مناماً، خاصة أن بعض الروايات تذكر المنام أصلاً، ولم يأت ذكر أن هناك من رأى النور غير السيدة آمنة.
للمزيد من التحقق حول الموضوع يمكن مراجعة كتاب الدكتور أكرم ضياء العمري (عمري آخر أتشرف بقرابته)، وهو كتاب (صحيح السيرة النبوية)، وفيه مراجعة علمية وافية لهذه الأحاديث وأسانيدها، وقد اعتمدته مصدراً فيما نقلت آنفا.
***********
بعد أن انتهى النقل، ما رأيكم أن نحاول إعمال العقل (العقل والعياذ بالله، أخشى أن يأتي يوم يذكر فيه العقل، فيقول البعض: “سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ”، كما يفعلون عند ذكر السرطان).
العقل أيها السادة..
ما رأيكم أن نعمله قليلاً، ونحن نتأمل في نص ثبت ضعف سنده، أو حتى ثبت وضعه!
ما رأيكم أن نعمل العقل في النص الذي يحمل تسلسل (ثامناً) وهو النص الأكثر شهرة.. ارتجاس إيوان كسرى وسقوط شرفاته وجفاف البحيرة وخمود النار… إلخ.
نحن الآن في مكة في السنة التي ولد فيها عليه الصلاة والسلام، عام الفيل، وهي موافقة لسنة 570 أو 571 ميلادية..
آمنة بنت وهب، تكاد تضع مولودها الأول الذي مات والده قبل أشهر.
في ليلة مولده، ما كان يمكن لأهل مكة أن يعرفوا ما سيحدث في العراق حيث إيوان كسرى، وحيث نار المجوس في المدائن، وحيث بحيرة ساوة التي جفت فجأة..
ببساطة لم يكن هناك نشرة أخبار في الساعة الثامنة على الجزيرة، تجتمع فيها تلك الأخبار العاجلة الرئيسية، بحيث يمكن أن يقرن أي أحد بينها وبين حادثة ولادة تحدث في الحي المجاور.
لو أن هذه الوقائع حدثت فعلاً، فأهل مكة لن يعرفوا ذلك أصلاً قبل أسابيع، وذلك عندما يأتي التجار من العراق مثلا ناقلين الأخبار العجيبة..
هل سنفترض أنهم سألوا في أي يوم حدث ذلك؟ وأن التجار قالوا: في الثاني عشر من ربيع الأول، وأن القرينة حصلت هنا؟
لكن الثاني عشر من ربيع الأول أصلاً غير مؤكد! فعن أي (حدث في مثل هذا اليوم) نحاول البحث بالضبط؟!

هذا عدا أنه من المنطقي (المنطق والعياذ بالله أيضاً) أن كسرى وحاشيته سيحاولون ترميم الإيوان والشرفات فوراً وسيخفون أمر النار التي خمدت حرصاً على مجد كسرى!! ولن يجعلوا أنفسهم مضغة في أفواه العربان..
أكثر من هذا: لو كانت هذه الأحداث العولمية معروفة الاقتران بولادته عليه الصلاة والسلام، فكيف لم يصلنا أي جدل حول هذا عندما نزل الوحي على الرسول عليه الصلاة والسلام، ألم يكن طبيعياً أن عواجيز مكة سيذكرون ما حدث يوم ولادته، ويربطون ذلك بما يقوله من نزول الوحي؟
العقل، بالمناسبة، ليس مثل السجائر، لا توجد عليه علامة تقول: إعمال العقل قد يسبب السرطان..
**************
عندما تنسب لشخص ما صفات ليست فيه، فهذا يعني أنك في قرارة نفسك، لا تقدر صفاته الحقيقية، ولا تعتبرها تستحق الثناء حقا.. أو أنك عجزت عن معرفتها واكتشافها..
عندما تنسب له، عليه الصلاة والسلام، وقائع لم تحدث، فهذا يعني أن الوقائع التي حدثت لم تكن كافية حقا.. تراها أقل من أن تكفي.. تراها ناقصة وبحاجة إلى المزيد.. إلى البهارات والتوابل..
وعندما تكون هذه التوابل الزائدة من نمط مخالف لكل منهجه عليه الصلاة والسلام، فهذا يعكس مشكلة أكبر.. مشكلة أنك لم تفهم المنهج أصلاً، لذا كان لا بد أن تكون زياداتك معاكسة ومناقضة لجوهر ما جاء به..
كان جوهر معجزته هو إعمال العقل، بدلا من إعجازه، أن ينهض العقل من سباته ليقوم بدوره في تكوين شخص جديد قادر على صنع مجتمع جديد..
لكن تلك الزيادات الخرافية التي نتمسك بها، تدل على أن هناك من يضع أصابعه في آذانه، حتى لا تعمل المعجزة القرآنية.. حتى لو كان يدعي أنه يحرسها ويحافظ عليها..
عاملنا الأمر كما لو كان (مولد وصاحبه غائب)..
الآن، علينا أن ندرك أن صاحب المولد لم يغب قط.. كان حاضراً دوماً بمنهجه.. نحن فقط أدرنا بوجوهنا في الاتجاه الآخر.. متابعة القراءة

حجاب أروى : عن الحجاب في زمن الانحسار

حجاب أروى
عن الحجاب في زمن الانحسار

أحمد خيري العمري

حجاب أروى

قبل خمس سنوات ، قررت ابنتي آمنة أن ترتدي الحجاب ، وكتبت وقتها مقالا بعنوان “حجاب آمنة” ، نال المقال انتشارا كبيرا آنذاك ، وحدثت بعض المعارك في التعليقات من بعض الأخوة الذين عدُّوا قرار ابنتي “إكراها” لأننا غسلنا دماغها عبر نشوئها في بيئة مؤيدة للحجاب (كان يجب أن نتركها في الغابة مثل حي بن يقظان لكي نرى هل ستقودها فطرتها إلى الحجاب أو لا؟! ).
اليوم ترتدي شقيقتها الأصغر “أروى” الحجاب ، وأجد نفسي أكتب عن الأمر على نحو مختلف تماماً…
نعم ، لقد تغير العالم كثيرا في هذه السنوات الخمس ، صحيح أن الكثيرين قد يرون أن الحجاب قد ظل بمنأى عن هذه التغيرات ، لكني لا أرى ذلك أبدا ، الحجاب ، كما كل شيء سيطاله ما حدث ، وقد يعتقد البعض أن التغيير الذي أعنيه هو تغيير إيجابي ، للأسف لا ، حتى لو بدا هذا للبعض ولبعض الوقت ، مآلات الأمور الحالية ستكون سيئة جدا ، وسيكون هناك انحسار كبير لكل ما تعودنا أن يكون مرتبطا بالتدين.. لكنه سوءٌ لا بد من المرور به وانحسارٌ حتمي لكي نخرج من نفق ضيق دخلنا فيه بأنفسنا..
يوم كتبت “حجاب آمنة” كان هناك هجومٌ على الحجاب ، هجوم بدأ واضحا ممنهجا قبلها بأكثر من عقدين من السنوات ، و هجوم يستخدم تأويلا معينا للنصوص ، ومنهجيةً محددة للتعامل معها ، للوصول إلى نتيجة إلغاء الحجاب ، قبلها كان الانتقاد ليبراليا صريحا ، لا يستخدم النصوص الدينية ولا تأويلاتها لأنها ليست مجاله ، أما الهجوم الأحدث الذي بدأ تقريبا منذ عقد التسعينات ، فقد استخدم النص للوصول إلى نتيجة ليبرالية (أزعم شخصيا أن ذلك لم يكن بالصدفة ، وأن حكم إلغاء الحجاب هو الهدف المسبق الكامن في ذهن من وضع الآلية الجديدة ، لا أطعن بنيته هنا ، بل أقول: إن اللاوعي يتحكم في الكثير من المخرجات الذهنية ، وعلى نحو معقد جدا ، لذا فإن التشبع بالمظاهر الغربية وقيمها ، قد يقود اللاوعي إلى استخدام آليات معينة فقط لتبرير الوصول إلى نتيجة ليبرالية بدون تأنيب ضمير.. أي مدعومة بنصوص معينة وفق قراءة محددة ، أقول هذا وأضيف أن الأمر يعمل باتجاهين ، فاللاوعي الذي زيَّن استخدام آليات موصلة لحكم ليبرالي بالنسبة للمتشبع بقيم غربية ، يمكنه أيضا أن يزين لسواه استخدام آليات معاكسة تماما وتوصل لنتيجة مضادة بالنسبة للمتشبع ضد القيم الغربية ، المعيار في الحالتين هو عدم التناقض ، هل هذه الآلية تتناسق مع كل النصوص ويمكن تطبيقها عليها كلها ؟ أم أن هذا سيؤدي إلى تناقضات تهدم البناء كله…)
كان ثمة هجوم على الحجاب كما على أشياء أخرى قبل خمس سنوات ، لكن الحجاب لم يكن في حالة انحسار .. لم نكن عموما في حالة انحسار ، أو أن انحسارنا لم يكن ظاهرا … كتبت في السنة التالية (2010) أننا مقبلون على فترة انحسار كبيرة بسبب تغيرات جوهرية في الوضع الإقليمي والدولي ، وبسبب أداء التيارات الإسلامية أيضا ، بعد عام نشب الربيع العربي وبدا لكل من يتذكر ما قلت أنني كنت مخطئا جدا ، ويوم حقق الإسلاميون انتصارهم الانتخابي الأول في أول ربيع علقت أيضا أن هذا النصر هو مقدمة لفوز العلمانيين القادم ، وبدا ذلك يومها بعيدا جدا عن الواقع بالنسبة للبعض ، ولكن للأسف ها نحن بعد ثلاثة أعوام ونرى ما حدث ، وللأسباب التي ذكرتها بالضبط ، الوضع الدولي والإقليمي مع سوء أداء الإسلاميين ، وللأمانة فإن سوء أداء الإسلاميين قد فاق كل توقعاتي السابقة التي كانت تتوقع الانحسار ، وأضيف هنا أن الأمر لا يتعلق بأداء الإسلاميين فحسب ، بل بفكرهم أيضا ـ المسألة لم تكن قط في تطبيق سيئ لفكرة جيدة ، لا.. لكن الفكر الذي حمله الإسلاميون المعاصرون لعقود هو فكر غير واقعي البتة ، وغير قابل للتطبيق على أرض الواقع ، بل هو في حقيقته شعارات براقة وحماسية أكثر منه فكر يمكن أن يكون أساسا للتطبيق والبناء…
كل التجارب الإسلامية التي حققت نجاحا في ميدان التطبيق فارقت بدرجة أو بأخرى فكر التيار الإسلامي السائد ، أو وجدت لها على الأقل مخرجا شرعيا منه لكي تتمرد عليه (ونالت جزاء ذلك منهم الكثير).. وهو أمر لا يمكن أن يكون مصادفة طبعا.
ما دخل الحجاب بهذا كله ؟ وما دخل حجاب أروى تحديدا بهذا..
الحجاب له علاقة وطيدة بكل شيء ، لأن طريقة تعاملنا مع الحجاب تعكس أيضا طريقة تعاملنا مع كل ما يتعلق بالإسلام ، طريقة ترويجنا له ، وتطبيقنا له ، وتأصيلنا له ، كلها تعكس ما يمكن أن يحدث مع كل الواجبات الشرعية الأخرى…
بعبارة أخرى : تعاملنا (في العموم) في الحجاب بمعزل عن مقاصده ، كما لو كان مجرد (فرض وانتهى) ، والنتائج الكارثية لهذا التعامل المنعزل عن المقصد ، كان في الحجاب كما في الصلاة ، كما في الزكاة ، كما في كل فروض الإسلام التي عاملناها على نحو شكلي ومختزل ، حتى حولناها إلى هياكل متداعية .
كما في الإيمان نفسه…
لماذا حجاب أروى ؟
لا تعي أروى الكثير مما سأقوله هنا ، بالنسبة لها العالم أبسط جدا ، وقرارها( وإن كان قد صدر منها ) إلا أنه كان تحصيلا حاصلا دون تصعيدات ، لقد نشأت في بيئة متحجبة ولم نتركها في الغابة ! لقد قررت الحجاب بناء على “تشكلها” في بيئة اختارها لها والداها… لكني أعي أنها تكبر في عالم معقد ، وأنها يوما ما ستحتاج لفهم ما أقول هنا.
أروى لا تزال في المنزلة بين المنزلتين ، بين الطفولة والأنوثة ، وهي المنزلة التي أعتقد أن كل الإناث يحتفظن بجزء منها ( بل كل الرجال أيضا ! ولكنهم أكثر خبرة بإخفاء هذه المنزلة!)…
لا يزال ثمة وقت كبير أمام أروى كي تعي ما أقول..لكني واثق تماما أن أغلب ما سأقوله قد غرس بطريقة ما فيها…
نعم ..لم نتركها في الغابة..
لقد تركنا في دماغها ما نعتبره نحن حصانة..
ويعتبره البعض غسيلا للدماغ.
لماذا الحجاب ؟
أولا- لأنه (في جانب من جوانبه على الأقل) شيء واضح جدا ، ظاهري جدا ،يمكن تمييزه من أول نظرة ، لذا يمكن التعامل معه بسهولة (حسب التصور السائد) ، عمليا لا يمكن تجاوز أن الحجاب شيء واضح جدا ، ولا يمكن الهرب من أن لهذا تبعات على المتعاملين معه ، سلبا أو إيجابا.
الحجاب بالنسبة للكثيرين هو (رأس حربة) ، سواء كان هؤلاء مع الحجاب أو ضده ، ورأس الحربة تعامل دوما على نحو مختلف وأشد اهتماما ، بالنسبة لمن هو ضد الحجاب ، فهو يركز عليه في هجومه ، وقد يكون الأمر بالنسبة له مجرد مدخل لنقد الإسلام ، وقد لا يكون هناك شيء آخر ، لكن الحجاب ، باعتباره واضح جدا ، يأخذ من هجومه الكثير… بل وقد يعتبره مستفزا له !
وأولئك الذين يؤيدون الحجاب ، قد ينزلقون بسبب وضوحه إلى تصنيف كل نسوة العالم إلى متحجبات وغير متحجبات ، وقد يبنون على ذلك أيضا مواقف…
ثانيا – لأن الحجاب يرتبط بالمرأة ، والمرأة قد تعرضت لظلم كبير بلا شك باسم الإسلام شئنا أم أبينا ، وطبعا سينبري هنا البعض لاتخاذ موقف الدفاع الهجومي للتأكيد على براءة الإسلام من تهمة ظلم المرأة ، ولكن للأسف معظم من لديهم جمل تبدأ بـ “الإسلام كرم المرأة” لديهم جمل أخرى شديدة الاستهانة والاحتقار للمرأة ، وهي الجمل التي تعبر عن حقيقة رأيهم وفهمهم للإسلام.. أما جملة “الإسلام كرم المرأة” فهي ترقيع من باب ذرّ الرماد في العيون …
نعم هناك ظلم كبير للمرأة ، وجزء كبير منه كان بسبب قراءة معينة للنصوص الدينية ، لا أؤمن حقيقة أن الحجاب ظلم ، لكن بما أن الحجاب يرتبط بالمرأة وثمة ظلم عليها ، فلا مفر من الربط بين الاثنين.
ما أرغب فيه هنا هو الفصل بين “الجانب الاجتماعي التطبيقي” من الموضوع ، عن جانب “النصوص الدينية”.. وهو فصل لا بد منه ، لأن الممارسات الاجتماعية للحجاب قد أثرت وشوشت جدا على فهم النصوص وقراءتها..
التصنيف حسب الحجاب :
علينا أن نعترف أننا قد بالغنا جدا في “التصنيف حسب الحجاب” ، وليس هذا تقليلا منه أو من كونه “أمراً شرعياً واجباً” ، ولكن الممارسة الاجتماعية التي تلقفناه بها ، تجاوزت الأمر الشرعي الواجب ، إلى اعتبار الحجاب (عند البعض) يكاد يقارب “شهادة لا إله إلا الله”…لا أقول ذلك مبالغة ، لكنه حقيقة ممارسة عند البعض ، لا يعني ذلك أنهم يكفِّرون غير المتحجبات ، لكن الكثير من المتدينين ، يعتبرون الحجاب بمثابة إعلان رسمي لشهادة أن لا إلا إلا الله ، وهو أمر لا دليل على كونه شرعيا أو كون هذه المقاربة مقبولة أصلا …
أذكر شخصيا عندما كان هدف كل متدين وملتزم في الجامعة مثلا هو أن يدعو غير المتحجبات للحجاب ( يقابلها دعوة الذكور لصلاة الجماعة).. وتستخدم في ذلك الكتيبات وأشرطة المحاضرات ، وعندما يحدث الحجاب لواحدة من المستهدفات ، أو يلاحظ حضور طوعي (بدون تخجيل) لصلاة الجماعة من قبل المستهدف ، فإن الأمر كان يعامل كما لو أن (المهمة قد أنجزت) ، وكان الأمر ينتهي بتبريكات… وغالبا ما يقف عند هذا ، البنات للحجاب والشباب للصلاة… (هذا على الأقل بالنسبة لغير المنتمين لتيار إسلامي سياسي ، أي أنه يخص عموم التيار السائد)
يمكن أن نذكر أمثلة كثيرة تصب في الاحتفال بارتداء ممثلة ما للحجاب ، وتعامل الجميع معها كما لو أنها قد حققت معجزة ، وروايتها لقصة “هدايتها !” في أجواء كرنفالية..
أعرف مثلا امرأة تريد من زوجة ابنها أن تتحجب ، زوجة الابن ملحدة وأم زوجها تريد أن تحجبها!… ربما كانت أم الزوج لا تعرف جزئية الإلحاد ، لكنها تعرف مثلا أن زوجة ابنها لا تصلي ، لا تبذل جهدا في ذلك ، بل تركز على الحجاب ، لأن الناس لا تعرف أن زوجة ابنها لا تصلي ، لا يمكن لهم أن يعرفوا ذلك بسهولة ، لكنهم يعرفون أنها ليست محجبة فحسب ، لذا فهي تركز على وضع قطعة من القماش على رأس كنّتها.

بعبارة أخرى : عومل الأمر كهدف بحد ذاته ، مستقل تقريبا عن أي شيء آخر ، عن أي قيمة محتواة سواء في الحجاب أو في أداء الصلاة (مع الشباب في الجامعة في المثال أعلاه) ، بالتأكيد الأمر مع الحجاب أوضح ، لأنه يكاد يكون هوية معلنة يراها الجميع ، بينما الأمر مع الصلاة أقل وضوحا…
هذا التصنيف السهل لجنس النساء إلى متحجبات / غير متحجبات يحتوي ضمنا على مغالطات كثيرة : أولها- أنه تصنيف يختزل قيم الحجاب إلى قطعة قماش / غطاء للرأس ، والأمر أكبر من هذا بكثير. الخطوة التي تلي هذا خطوة مفقودة عند الغالبية العظمى للأسف.
ثانيها : أنه كما يساوي بين كل من وضعت غطاءً للرأس على شعرها ، فإنه يساوي بين كل من لم تضعه ، وهذا اختزال وتسطيح للطبيعة البشرية على نحو مهين للإنسان ككل بمعزل عن جنسه.
أغلب الكلام الذي يتداوله الدعاة (حتى شديدي اللطف منهم ) يصبّ في اعتبار أن غير المتحجبة هي غير عفيفة ، أو هي أقرب إلى قلة العفاف منها إلى العفة ، إنها سهلة المنال.. (وهو أمر نعلم تماما عدم صحته).. قد يبرر بعضهم هذا الكلام بالحرص على “حثّ” غير المتحجبات على الحجاب ، لكن هذا كله له آثاره السلبية التي تفوق بكثير كل فائدة محتملة ، في حالة وجود فائدة أصلا في مغالطة كهذه.
ثالثا -أنه سهّل استثمار لظاهرة الحجاب من قبل التيار الإسلامي السياسي الذي لم يكن هو المتسبب في انتشار الظاهرة ( لأن الحجاب انتشر أيضا في دول لم يكن فيها تيار إسلامي سياسي ) ، لكن هذا التيار استثمر الظاهرة ملوحا بها في وجه خصومه للإيحاء بأن كل المتحجبات معه (وجمهوره لا يستهان به بكل الأحوال) ، والحقيقة التي ثبتت لاحقا أن المتحجبات يمنحن أصواتهن لطيف مختلف من الأحزاب التي قد لا تكون إسلامية بالضرورة (المتحجبات أحيانا يعطين أصواتهن للعلمانيين والليبراليين وأعرف متحجبة منحت صوتها للشيوعيين!).

لكن على الجانب الآخر من الممارسة الاجتماعية هناك أيضا من تضع الحجاب ، وهناك سلوكها. المتحجبات بمجموعهن جزء فاعل في الموضوع الناتج ، وسلوكهن يؤثر ويتأثر بالتصنيف السابق.
هناك مايلي :
أولا- المتحجبات المتحجبات : الفئة التي التزمت بالحجاب بوصفه وسيلة لتحييد (أنوثة المرأة) عن تفاعلها مع المجتمع ، وليس وسيلة لتحييد المرأة نفسها ، أي أن سلوك هذه الفئة سلوك جاد عموما ، لا يمكن تصوره ملائكيا بالتأكيد ، لكنه يحرص على الأقل على أداء دور إيجابي في المجتمع ، والحجاب هنا هو هوية تعلن عن طبيعة هذا الدور وارتباطه العقائدي بقضية أكبر ، وكذلك يقوم هذا الحجاب بوظيفته في تحييد التأثيرات المشوشة للأنوثة على العمل الاجتماعي المشترك مع الرجال ، وتحييد الأنوثة لا يتم عبر لباس الحجاب فقط ، بل عبر سلوكيات مصاحبة للحجاب ومتسقة معه.

ثانيا – متنكرات بالحجاب: هناك فئة على النقيض من هذا ، ارتدت الحجاب لغرض التستر به والقيام بأعمال لا أخلاقية ، ببساطة هناك من ترتدي الحجاب لتفلت ، سواء كان هذا الفلتان مهنيا مدفوع الثمن أو نتيجة رغبة شخصية (على الفرق بين النوعين) للأسف هذه الفئة موجودة في المجتمعات والطبقات التي ينتشر فيها الحجاب ، الفتاة تحصل على حريتها باعتبار أن المتحجبة ( ما ينحكي عليها ) ، والنتيجة أنها تجلب الكلام للحجاب ولما يمثّله ، وهذه الفئة مسكوت عنها عموما ، ويسطح الأمر أحيانا إلى أن يعتبر مؤامرة مدفوعة الثمن ، أو ترفع المعايير لتدقق أكثر في تفاصيل الحجاب وبقية الملابس … فتوضع خانة جديدة للحجاب( السبورت) كما يقال ، قد تضم هذه الفئة ، وهي مغالطة أخرى للأسف ، فبعض من لديهن هذا السلوك يرتدين “الحجاب” حسب الضوابط تماما ، ولا يمكن أن نجد في لباسهن ما يخرجهن عن الفئة الأولى ، وحده سلوكهن هو ما يفعل.

ثالثا – زوجات الحجاب : هناك فئة تتحجب لأن العريس ( عايز كده ) ، يتقدم للخطبة والمعاينة ، فتعجبه البضاعة ، ولكنه يضع شروطا على المورد بتحديث بعض المواصفات ، ومن ضمنها وضع الحجاب ، لا يمكن الحكم على نية المتحجبة لاحقا بعد هذا ، فقد يحدث ما يجعلها تعامل الحجاب على نحو أكثر جدية ، لكن معاملة الحجاب كديكور من ديكورات منزل الزوجية نادرا ما يأتي بنتائج مهمة.
رابعا– المتذبذبات : هناك الفئة الحائرة ، وهي أكثر انتشارا من كل الفئات الأخرى ، فتيات حائرات بين رغباتهن المختلفة ، فتاة تريد أن تلتزم بلباس شرعي، ولكنها أيضا تريد أن تبدو جميلة ، أن تشعر بجمالها وأنوثتها ، تريد أن تبدو أنيقة ومعاصرة …أغلب الشباب من الذكور لديهم رغبات مشابهة ، ولا مشكلة كبيرة لديهم في المزاوجة بين الأمرين ، فهم ذكور، ولدوا مع حصانة اجتماعية تحميهم من المحاسبة ، أما الإناث فهن محاسبات دوما على كل ما يعتبر عاديا عند الذكور.
الفكرة هنا أن هذه الفئة من الفتيات قد يتحجبن غالبا برغبتهن الداخلية في رضا الله وتنفيذ أوامره ، وجود بعض المخالفات هنا أو هناك لا تغير من هذه الحقيقة ، كلنا بشر ، والذكور يفعلون ذلك وأكثر…تضخيم أخطاء هذه الفئة يعتمد على فكرة هزلية عند الطرفين (المؤيدين للحجاب أو المضادين له ) ، وهي فكرة (كل شيء أو لا شيء)… وهي فكرة مستحيلة التنفيذ بشريا.. والمتحجبات بشر.
خامسا – حجاب العادة : ثمة فئة كبيرة من المتحجبات ، يتحجبن بحكم عادة أن كل النسوة في عوائلهن أو مناطق سكنهن أو طبقتهن متحجبات ، لا يوجد عمق أو حتى محاولة عمق أو فهم في حجاب العادة ، وغالبا يمكن أن يخلع بسبب تغير مكان العمل أو طبيعة الحياة دون كبير مشكلة في الموضوع بالنسبة لهذه الفئة .
سادسا– مسيئات بسبب الحجاب : هذه الفئة أقل حجما من الفئات الأخرى ، وربما تكون ظاهرة حديثة وغير منتشرة في كل البلدان ويمكن رصدها بسهولة في مواقع التواصل الاجتماعي .
هذه الفئة متحجبة ومسيئة ليس بالرغم من حجابها ، بل بسبب حجابها ، هناك فئة من فتيات التيار الإسلامي ( وليس تيار التدين العام ) مسيئة جدا ،ولا أقصد هنا إساءة بالمعنى الذي يفهم عادة والمرتبط بما تفعله الفئة الثانية المتنكرة بحجابها ، بل أقصد السلوك القبيح المتمثل في وقاحة غير معتادة ورفع للكلفة مع الجميع وأسلوب خطاب متجاوز للعمر وللمكانة على نحو فج للغاية ، هؤلاء غالبا نتاج عارض وغير مقصود لتيار نسوي – إسلامي مع تأثيرات حداثية واضحة وقراءات كثيرة دون فهم ومظاهر ثقافية دون أي نتاج حقيقي أو مهم.
الحجاب بالنسبة لهذه الفئة يستخدم كغطاء ، وربما كمبرر لسلوك يتجاوز الاسترجال إلى الوقاحة حتى لو صدرت من رجل ، ولكن مجرد وجود الحجاب الشرعي ، وعدم وجود ما يخدش الشرف في سلوكهن الشخصي ، يمنحهن حصانة من النقد ، بالإضافة إلى أن ألسنتهن وحدها كفيلة بمنح حصانة إضافية خوفا من عواقب النقد.
كل هذه الفئات ترتدي الحجاب ، من الخارج قد تبدو متشابهة ، قد يختلف الحجاب وبقية اللباس من فئة لأخرى ، لكن يبقى غطاء الرأس عاملا مشتركا بين جميع هذه الفئات.
لكن من الداخل : لا شيء مشترك تقريبا كل فئة تسلك مسلكا مختلفا تماما ، وربما فكرتها عن كل شيء في الإسلام (وليس عن الحجاب فقط) مختلف تماما عن الفئة الأخرى.
يمكن أن يقال أن بعض هذه الفئات أقرب إلى النفاق منها إلى الإيمان ، وأن هذا الأمر لم يخلُ منه حتى عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ، وبمعزل عن هذا التصنيف ، فإن علينا أن نميز أن الإسلام حينما انتشر ، لم يصنف الناس على أساس المظهر ، بل على أساس شهادة أن لا إله إلا الله التي لها مظاهر سلوكية متعددة لم تكن الملابس من ضمنها في البداية.
بهذا المعنى ، فإنَّ فَهْمَنا السائد للحجاب (بمعزل عن مقاصده) وتصنيفنا كل نسوة العالم إلى صنفين على أساسه ، قد ساهم أكثر في زيادة نسبة عدد من الفئات أعلاه …
متنكرات الحجاب مثلا ، هل كن سيرتدينه لو لم تكن هذه النظرة موجودة؟
زوجات الحجاب ..هل كان العريس سيطلب الحجاب ديكورا من أثاث الزوجية لو كان يعي عمق الحجاب ، وأنه أكبر بكثير من مجرد غطاء الرأس؟
متحجبات العادة…هل كان الحجاب سيصبح عادة مجتمعية دون أي قيم مرتبطة بها لو أننا لم نتعامل مع الحجاب بهذه السطحية؟
أستطيع أن أفهم التذبذب ، فهو جزء من الصراع الإنساني ، وأن أفهم حتى الفئة الأخيرة التي تعتبر الحجاب غطاء لسلوك وقح (فهي نتاج عارض لأسباب  مختلفة)…لكن الفئات الأخرى أساءت إساءة بالغة لكل قيم الحجاب ، وكانت النظرة التصنيفية المطلقة سببا من دفع هذه الفئات نحو الإساءة ( أو على الأقل مبررا لها في ذلك).
لا يمكن أن نفهم المشكلة القائمة في التعامل مع النصوص المتعلقة بالحجاب دون فهم إشكاليتنا المزمنة في التعامل مع كل الفروض بمعزل عن مقاصدها ، وما ينتج عن هذا من فوضى سلوكية.

نصوص لباس المرأة :
*********************************
} يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59) { الأحزاب
} قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31){ النور
هذان النصان هما النصان الأساسيان للباس المرأة في القرآن ، وقد نزل الأول منهما بعد غزوة الأحزاب ، والثاني بعده ، وقد كانت غزوة الأحزاب في السنة الخامسة للهجرة ، مما يعني أن تفاصيل لباس المرأة لم تحدد إلا في منتصف الفترة المدنية.
وهو أمر له دلالته ، وعادة ما يحاول البعض اعتباره دليلا على تسلسل متأخر في الأهمية.
على العكس من هذا ، أرى الدلالة معاكسة..
فرغم مضي فترة من التربية الأخلاقية والعقائدية ، وبوجوده عليه الصلاة والسلام ، إلا أن الأمر ظل يحتاج إلى قواعد وقوانين واضحة تنظم علاقة الرجل بالمرأة .. أو بعبارة أخرى تنظم طبيعة وجودهما معا في مكان مشترك ولهدف مشترك.
كما لو أن الهدف من تأخر نزول التشريعات والقوانين هو أن نقتنع بالحاجة إلى هذه القوانين حتى لو كان المجتمع في أفضل حالاته البشرية الممكنة ، أي بوجود النبي عليه الصلاة والسلام مشرفا مباشرا على تربية الجيل الأول (مع الإقرار أنه لا يوجد مجتمع فاضل بالمطلق ، وأنه حتى المجتمع الأفضل كان فيه بشر مقصرون ومسيئون ومنافقون).
ماذا تقول لنا النصوص المحددة للباس المرأة قرآنيا ؟ وفي أي سياق؟
السياق الأوضح والأهم هي أنها تأتي في سياق “قل”.
النص القرآني يحمل الرسول الكريم أمانة أن يقول ما ستنقله الآيات من تعليمات.
وهو في الوقت نفسه ، يحملنا نفس الأمانة.
أن نقول …
“قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين”
“قل للمؤمنين”
“قل للمؤمنات”
“قل” تتضمن هنا صيغة أمر شديدة الوضوح.
كان الأمر سيكون بدلالات أقل وضوحا لو كان على صيغة التقرير : مثلا المؤمنات يدنين عليهن من جلابيهن..
أو المؤمنات يضربن بخمرهن على جيوبهن..
لا.. هذا قد يفهم على أنه تقرير ، وتأييد ، ربما بصيغة الاستحباب ، لما تفعله المؤمنات…
لكن النص ، يحدد “قل”.
قل لهم ، أو لهن أن يفعلوا ، أو يفعلن هكذا.
بعبارة أخرى …
الفرق هنا مثل الفرق بين تقرير حقيقة ” الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ” كما جاء في النص القرآني ، وبين أن يقول النص “قل للرجال أن يكونوا قوامين على النساء..الخ”.
الفرق كبير ، وهو واضح.
ونصوص (الحجاب) ربطت الأمر بفعل الأمر للنبي أن يبلغ ما ستقوله الآيات للمؤمنين والمؤمنات ، وضمنا فإن سياق الآيات ربطت المؤمنين والمؤمنات أيضاً في نفس عملية التبليغ والقول… ومن كان مبلَغا في المرحلة الأولى (بفتح اللام) ، صار مبلِغا (بكسرها) في المرحلة الثانية.. ومن سيتم تبليغه في المرحلة الثانية سيقوم بالتبليغ في المرحلة الثالثة ، وهكذا إلى ما لا نهاية في دوائر “قل” التي يكون مركزها عليه الصلاة والسلام ، وتبقى تتعدد الدوائر المحيطة بالمركز ، إلى أن تصل لنا,…وتتجاوزنا…
” قل ” هي مثل “قل هو الله أحد”…تأتي لتحديد ما لن يتغير …
لا أقول هنا أن الحجاب هو مثل التوحيد…ولكن صيغة “قل” التي ورد فيها لباس المرأة صيغة أمر ووجوب شديدة الوضوح.
هل هي مصادفة أن يكون النص الآخر الذي ساهم في تحديد لباس المرأة قد ابتدأ أيضا بـ “قل”؟
لا..
لا شيء بالصدفة في كتاب الله العزيز.
وهل هي صدفة أن يحدد النصان “المؤمنات” و”نساء المؤمنين” وليس “اللواتي آمن معك” أو “نساء الذين آمنوا معك”…
لا ، لا شيء بالصدفة ، وكل ما في النص يشير إلى أن الأمر سيكون مؤبدا ، لن يكون مرتبطا بما هو آني أو عابر..
طالما كان هناك إيمان…
ولا شيء بالصدفة..
******************
مالذي تقوله آية سورة الإحزاب..؟
تقول شيئين في غاية الأهمية..
الأول : يدنين عليهن من جلابيبهن
والثاني : أن يعرفن !
الأول يحدد هيئة عامة للباس المرأة.
والثاني يحدد المقصد.
ما معنى “يدنين عليهن من جلابيبهن”؟
ما معنى الجلباب أصلا ؟ وما معنى يدنين؟
الجلباب من جلب ، والجلب هو سوق الشيء من موضع لآخر.
كيف يمكن لهذا الجذر اللغوي أن يعيننا في فهم معنى الجلباب ، خاصة أن لسان العرب يسجل أن الجلباب سمي على تنوعات عديدة من الثياب : الجِلْبابُ القَمِيصُ ، والجِلْبابُ ثوب أَوسَعُ من الخِمار دون الرِّداءِ تُغَطِّي به المرأَةُ رأْسَها وصَدْرَها ، وقيل هو ثوب واسِع دون المِلْحَفةِ تَلْبَسه المرأَةُ ، وقيل هو المِلْحفةُ
فهو قميص ، وهو ثوب أوسع من الخمار ، وهو ثوب دون الملحفة ، وهو ملحفة …
لا يدل ذلك على اضطراب ، بل يدل على أن الاسم يدل على وظيفة معينة يمكن لأكثر من لباس أن يؤديه.. فمرة يسمى ملحفة ، ومرة يسمى قميص ، ومرة يمكن أن يسمى عباءة أو ملاءة أو مانطو ، ويمكن أن يسمى أسماء أخرى مختلفة بحسب اختلاف الزمان والمكان ، واتفاق الوظيفة المحددة…
ما هي هذه الوظيفة المحددة؟
إنها الوظيفة التي يحددها المعنى اللغوي لكلمة جلباب ، المشتقة من الفعل جلب ، والذي يعني “سوق الشيء من موضع إلى آخر”.
مالذي يعنيه هذا عندما يترجم ليكون جزءا من مواصفات لباس؟
يعني أن هذا اللباس سيكون مسدلا ، لن يغطي جزءا واحدا فقط من الجسم كما هو الحال مع القميص أو الخمار أو السروال ، أو أي تسمية معاصرة أخرى لقطعة ثياب تغطي جزءا واحدا من الجسم.
بعبارة أخرى : هذا الثوب ينتقل من موضع إلى آخر ليغطي كل الجسم.
لماذا الإدناء ؟
لأن أي ثوب بهذه المواصفات ، سيحتوي حتما على فتحات ، أو فراغات ، نتيجة طبيعة الجسم البشري ووجود الذراع والرأس ..
الإدناء هو الأمر بتقريب هذه الفتحات أو الفراغات بحيث تكون مسدلة قدر الإمكان.. مثل غلق الأزار لأكمام طويلة ومفتوحة.
ماذا سيكون الناتج؟
هذا أمر مختلف التوصيف من مكان لآخر ومن وقت لآخر.. وقد أنتجت الحضارة الإسلامية نسخا متعددة تفي كلها بهذا التوصيف على اختلافها في التعبير عن الخصوصيات الثقافية من مجتمع لآخر.

ماذا عن “أن يعرفن”؟
ببساطة : هذا هو المقصد من الحجاب …أن “يعرفن”.
نعم ، أنه يقدم الستر والحشمة والحماية ، ولكنه يقدمها من خلال الهوية أولا .
هذا ما تقوله الآية.. إنها لا تقول أن هذا اللباس سيصرف أنظار الرجال ، أو يطفئ شهواتهم ، أو يغلف المرأة كالجوهرة الثمينة ، أو يبعد عنها الذباب …إلخ ما يتداوله البعض ، النص يقول أن هذا اللباس هو لباس “تعريفي” ، “أن يعرفن فلا يؤذين”..هكذا ..
للوهلة الأولى ، سيبدو “موضوع التعريف” – الهوية – مرتبطا بشكل أساسي بما نسميه سبب النزول ، أي للتفريق بين الحرائر والإماء.. ، ولكن سبب النزول هو مجرد مناسبة للتعرف إلى البُعد الأول لنص قرآني له أبعاد متجددة دوما بتجدد الأزمان والأماكن (ككل نصوص القرآن) ، وجود بُعد جديد لا يلغي بالضرورة الأبعاد الأخرى ولا يناقضها.. وهكذا فإن القراءة الأولى للنص كانت للتفريق بين الحرة والأمة ، وهي قراءة تعاملت مع مجتمع المدينة المحلي في القرن الأول الهجري – حيث النساء إما إماء أو حرائر- لكن لابد من قراءة أخرى تتعامل مع المجتمع العالمي المعاصر ، حيث تتعدد الهويات الإنسانية وتتصارع وتتنافس..
ما كان يقرأ أنه تفريق بين أمة وحرة (والنص لم يقل ذلك إعجازا) لا بد أن يقرأ اليوم على أنه تفريق بين الإيمان ، الإسلام ، وكل ما سواه..
هذا اللباس هو هوية المرأة المسلمة ، ببساطة هويتها ، وهو يتضمن حتما الحشمة والستر ، ولكن ما اختاره النص أن يعبر به كمقصد للباس كان الهوية ، الهوية التعريفية بالمرأة المسلمة ، لا يعني ذلك أنها لن تكون مسلمة لو تخلت عن هذا اللباس ، لكنه يعني أنها مسلمة تخلت عن هويتها ، إما لظرف قاهر ، أو لأنها لم تفهم أهمية الهوية ، ولذلك فقد تصورت أن الأمر زائد عن الحاجة ، مجرد إكسسوار …
أو لأنها ببساطة ، لم ترقَ لأن تكون مسلمة إلى هذه الدرجة التي تعبر عنها بالهوية ، وهذا لا يعني أنها ليست مسلمة طبعا.
مشكلتنا مع توصيف الحجاب بالهوية هي أننا عموما نقلل من أهمية الهوية ، نعتبرها شيئا زائدا ، شيئا إضافيا يمكن التنازل عنه ، لذا فإن مجرد وصف الحجاب بالهوية يثير نوعا من الفوبيا أن يؤدي ذلك لنزعه..
يوم منعت فرنسا الحجاب في المدارس الحكومية • ضمن منعها لكل الرموز الدينية ، ضج البعض بالاعتراض قائلين أنه فريضة وليس رمزا دينيا .. وطبعا لم تنفع هذه الاعتراضات ، والشيء الوحيد الذي نتج هو تقليل أهمية ومعنى الرمز في نفوس الملايين ممن تابعوا المشايخ الكبار• الذين ظلوا يؤكدون أن الحجاب ليس رمزا دينيا !..
بالتأكيد الحجاب رمز ديني ! لقد فرض لأنه رمز ديني ! إن كانت فرنسا ترى ذلك مخالفا لما قامت عليه ثقافتها فهذا شأن آخر ، يمكن للمسلمين هناك إن كانوا حريصين جدا على “الحجاب” أن يؤسسوا مدارسهم الخاصة ، فالقانون حدد المدارس الحكومية فحسب ، يمكن لهم أن يوحدوا كلمتهم المتفرقة بحيث يكون لهم ثقل انتخابي مؤثر مما يجعل الساسة والمشرعين يتوددون لهم ، يمكن للطالبات المسلمات أن يواصلن تعليمهن ، يقلعن غطاء الرأس على باب المدرسة ، ويرتدينه لاحقا عند الخروج ، يثبتن بالتعليم جدارتهن ، ومن ثم يطالبن بحقهن في ارتداء الرمز الذي يعبر عن ثقافتهن وقيمهن (والذي لا يشترط بالضرورة أنه يتعارض مع قيم المواطنة في فرنسا)…
كل هذا يمكن أن يحدث عبر وسائل متعددة ، ولكنه لن يحدث ما لم نقتنع أولا بأهمية الرمز والهوية ( في العموم) في التعبير عن قيمنا وثقافتنا ، ومن ثم نعترف بالحجاب باعتبار أنه قد فرض أصلا لتوضيح أهمية هذه الهوية.
التقليل من أهمية الهوية ، كالتقليل من أهمية القيم التي تعبر عنها الهوية ، وأولئك الذين يقللون من شأن الهوية ، ويحاولون لفت انتباهنا إلى ما هو أهم ، يحملون غالبا هوية أخرى ، ويتمسكون بها ، دون أن يدركوا ذلك.
على سبيل المثال : أغلب ناشطي وناشطات (ضد الحجاب) من كُتَّاب وكاتبات وإعلاميين وإعلاميات يظهرون بمظهر معاصر ، بمعنى أن ملابسهم (معاصرة) ، قريبة من أو مطابقة لخطوط الموضة السائدة ، لا تظهر الواحدة منهن بتسريحة سادت قبل عشرين عاما أو بقميص ظهرت فيه أول مرة قبل عقود ..كذلك الرجال ، ولكن باختلافات أقل ، ولكنها موجودة ، ولا أتحدث هنا أبدا عن أن مظهر الناشطات غير محتشم بالضرورة ، أقصد فقط أنهن يحرصن (ربما بلا وعي مسبق ، وإنما على نحو تلقائي جدا) على الظهور بمظهر يعبر عن المعاصرة والحداثة ، أي عن القيم التي يؤمنَّ بها وينتمين لها ، سيكون غريبا جدا مثلا لو أنهن ارتدين الساري الهندي مثلا ، أو الزي الوطني للكونغو ، ليس انتقاصا من الهند أو الكونغو… بل لأن هذا الزي الوطني يعبر عن قيم حضارية وثقافية لا يؤمن بها هؤلاء الناشطون والناشطات ، بل يؤمنون بقيم أخرى ، يعبر عنها الزي المعاصر السائد الذي يحرصون على ارتدائه ربما دون وعي مسبق ، ولكن على نحو تلقائي جدا..أنه هويتهم ..
الحجاب هو هوية بهذا المعنى أيضا… والحرص عليه طبيعي لأنه يعبر عن قيم يفترض أن تؤمن بها من ترتديه ، وهو يعبر عنها كما يعبر لباس الناشطة المناهضة للحجاب عنها…
لكن هل الهوية مهمة جدا لهذه الدرجة؟!
هذا ما يحاول اللعب عليه الطرف المضاد للحجاب ، يحاولون التقليل من أهمية الهوية ، لأن هذا برأيهم سيقلل من أهمية فرض الحجاب ، سيجعل الفريضة تبدو عبثية ، بلا هدف ولا مقصد ولا حكمة ، ومن هنا سيكون المدخل للطعن في فرضية الحجاب ، سيحاولون حصره في سبب تاريخي زال بزوال الإماء والرق .. وسيبدو القرآن هنا كما لو كان كتابا تاريخيا يمكن للكثير مما فيه أن يكون معرضا لفقدان الصلاحية بنفس المنطق ، ربما لا يهدف كل مضادي الحجاب هذا ، بل ربما يريدون المحافظة على تعليمات أخرى للقرآن ، لكن نفس منهجية التفكير سيكون لها نتائج أخرى حتما ، وإلا سقط الأمر كله في تناقض واضح..
لا يقلل من أهمية الهوية إلا اثنان.
أما أن يكون هذا المقلل من أهمية الهوية جاهلاً بأهميتها ، رغم أن أهميتها اليوم تتعدى البداهة والحس العام إلى تراكم هائل من الدراسات النفسية والاجتماعية التي تثبت أهميتها ، وتثبت أنها مما لا غنى عنها ، متصلة بالإنسان دوما أينما كان ، وإن فقدان هوية ما لا يمكن أن يكون إلا تمهيدا لظهور هوية جديدة مغايرة.
أو أن يكون مدركا لأهمية الهوية في المحافظة على القيم التي تعبر عنها ، ولكنه يقلل منها لأنه يدرك أن هذا التقليل سيفسح المجال لقيم جديدة ، قيم مغايرة…
بعبارة أخرى : لهوية جديدة.
البعض يتعامل مع الهوية على أنها صورة مسطحة ببعد واحد، ثم يقول بعدها أن المهم هو العمق.
والحقيقة أن الهوية هي أحد أبعاد الشكل المجسم الثلاثي الأبعاد… لا يمكن حقا حذف أي بُعد من هذه الأبعاد لأن حذف بُعد واحد سيطيح بالشكل كله..
الهوية هي الوجه ، هل يمكنك حقا أن تتعامل مع إنسان ما وقد نزعتَ وجهه عنه ، هل يمكنك أن تتعامل مع عضلات وجهه وشرايينه وأوردته وأعصابه مباشرة حقا ؟ دون وجهه !..للأسف الجواب بنعم هو مجرد مكابرة ، أنت نفسك لن تعرف نفسك دون وجهك! لا يمكن لأحد أن يميز نفسه من دون وجهه !..
الهوية هي ما نعرف به أنفسنا ، كما يعرفنا من خلالها الآخرون، الهوية هي ما يميزنا عن سوانا ، يعبر عن قيمنا وعن مميزاتنا وعن إيجابيتنا ( وربما عن سلبياتنا بالنسبة للبعض..).
الهوية سطح ؟
نعم ، لكن هذا لا يعني أن الهوية سطحية ، بل هي كسطح الأرض التي تحوي ضمن ما تحوي موارد وكنوز وخيرات.. لا يمكن لنا أن نصل لهذه الكنوز لولا سطح الأرض ، عمليا لا انفصال بين سطح الأرض وباطنها ، بل هما ملتحمان تماما والفصل في أذهاننا فقط.
الهوية هي مثل العَلَم الذي يمثل الدول والشعوب والأمم ، مهما اختلف المعارضون ، فهم يحرصون دوما على احترام العَلَم ، على رمزيته ، رغم أنه مجرد قطعة قماش للوهلة الأولى (مثل الحجاب بالضبط..).لكن لا ..عندما نضع قطعة القماش تحت عدسة المجهر ، ثمة منظومة قيمية كاملة جديرة بالانتباه.
الهوية هيكل لسيارة لا فائدة لمحركها بلا هيكلها….هل تقدم شركة المارسيدس سيارة جديدة لها من غير هيكلها أو العلامة المميزة –اللوغو- لها؟
الهوية هي مثل بطاقة تعريفية تذكرنا بأنفسنا ، مثل رقم تسلسلي يعبر عن كل مرجعيتنا القيمية ، مثل كود – شفرة يعبر عن كل ما نحن عليه ، مثل رقم لجين (مورث) يضم حكاية السلالة كلها…
ببساطة الهرب من الهوية هو هرب من الوجه ومن الجينات ومن الرقم التسلسلي ومن سطح الأرض!
هرب مستحيل .. إلا لو كان من أجل وجه جديد (أو قناع؟!).. أو من أجل عملية زرع جينات جديدة غير مضمونة النتائج والعواقب ، أو من أجل سطح أرض جديدة..
الهرب من الهوية مستحيل ، لكن من الممكن استحداث هوية جديدة ، لذا فالتقليل من شأن الهوية عملية إما غبية..أو مراوغة.
كيف يمكن للباس أن يعبر عن الهوية لهذا الحد : يمكن لأنه ببساطة واضح جدا. إنه مثل علم ترتديه المرأة ، ليس علم بلادها.. لكن علم مرجعيتها القيمية والثقافية …(لا أحد يقلل من أهمية رمزية العلم رغم أنه في النهاية مجرد قطعة قماش مثل الحجاب ، لكن الكل يحرص على إبداء الاحترام للعلم ورمزيته..على العكس من الحجاب).
الهوية هي مثل اللباس الطبي الذي يوضح للمرضى من هو الطبيب ـ لا يمكن التنازل عنها حقا في مكان العمل ..لباس الطبيب الذي يميزه هو جزء منه في مكان عمله أثناء عمله ، أي خلل في هذا سيكون خللا في عمله نفسه… لن يقلل هذا من أهمية الشهادة التي حصل عليها ، لكنه جزءٌ من تطبيق الشهادة على الواقع..
(الذي حدث أننا تعاملنا مع الحجاب ، كمن يحرص على ملابس الطبيب أكثر مما يحرص على شهادته وخبرته…لقد اعتبرنا كل من ارتدى ثوبا أبيض طبيبا …
ولم نسأل عن شهادته!)
كيف يكون الحجاب هذه الهوية؟
بمواصفاته الممتدة من قمة رأس المرأة إلى قدميها ، هو يعبر عن أن هذه المنظومة القيمية والأخلاقية تغمر كل الإنسان ، من رأسه إلى قدميه ، تفي بكل متطلباته ، تقدم له كل ما يحتاج من توازن ، وتغطي كل احتياجاته ، وتؤهل كل أطرافه العاملة لكي تؤكد أن هويته هي هوية عمل وإعمال..
هذا الحجاب هو قالب يضع الإنسان في إطار يغطيه كله لكي يتمكن من التفاعل كله.. إنه إطار يحفظه ويجعله أكثر التصاقا بقيمه كي لا يهدر نفسه في تفاعلات جانبية ثانوية.
يمكن لأي كان أن يقرأ في الحجاب هوية تمييز على أساس الجنس أو الجندر ، ويمكن لآخر أن يقرأ فيها تقاليد (مجتمع ذكوري) …يمكن لآخر أن يقرأ فيها قيم الفصل بين الجنسين في مجتمع سيعتبره بدويا…. كما يمكن لآخر أن يقرأ فيها قيم الفضيلة والحشمة والستر..
لكن النظرة الأوسع ، الأكثر شمولية ، لا يمكن لها إلا أن ترى أن هذا اللباس ، ووجوده كفرض ، لا بد أنه يعني ضمنا – عكس كل الشائع السائد – وجوب مشاركة المرأة ، ووجوب خروجها ، لو أن الأمر كان هامشيا فقط ولغرض قضاء الحاجة مثلا لما تطلب الأمر آيتين قرآنيتين مفصلتين ، بل لربما سيكفي الأمر بحديث نبوي…
لكن تفصيل الآيتين يعني ضمنا وببداهة الحس العام وجوب مشاركة المرأة في عملية البناء الاجتماعي المستدام ، مع تحييد مظاهر أنوثتها أثناء هذه المشاركة ، منعا لتشويش يحدث بنسب عالية في هذه الحالات ومظاهر الأنوثة المقصودة ليست فقط جسمية يخفيها اللباس ، بل هي أيضا سلوكية يخفيها لباس التقوى أيضا (الغنج ، الضحك المقصود به الإثارة بطريقة مفتعلة …ألخ) ( واحدة من كل أربع نساء في أماكن العمل في أمريكا تقول أنها تعرضت للتحرش الجنسي• -ربما كانت نسبنا أعلى لا أدري ولا أقصد المقارنة!- ، دليل المرأة لتجنب التحرش الجنسي في أمريكا•• يتضمن بالضبط هذه الجملة : أخفِ كل ما يشير إلى أنوثتك ! conceal anything indicating that you’re a woman..)•••
نفس النظرة الشمولية لا بد لها أن تلاحظ أن مواصفات اللباس تعبر عن هوية شاملة تغطي كل الإنسان… تعبر عن منظومة قيم حضارية لا بد أن يكون لها هوية تعلن عنها..
لماذا على الهوية التي تعبر عن هذه القيم تكون على المرأة وليس على الرجل؟!
هذا صحيح ، لا يوجد نص مكافئ في القوة يضع عبء الهوية على الرجل ، وموضوع اللحية لا يمكن أن يكون مكافئا : أولا لأنه ورد في نص نبوي وليس قرآني ، مع إيماننا بحجية النص النبوي ـ إلا أن قوة الحجتين لا يمكن أن تكون في موضع المقارنة ، وثانيا لأن النص النبوي في أمر اللحية جاء من باب مخالفة المشركين ، وفي رواية المجوس ، أي أن اللحية كانت موجودة أصلا ، وكان هناك تعديل نبوي عليها للمخالفة والتمايز ، بينما الأمر مع لباس المرأة أكثر تفصيلا وعلى نحو أساسي.
لماذا المرأة وليس الرجل؟
ببساطة توزيع أدوار!
يمكن للنسويات أن ينحن ويندبن هنا ، لكنه توزيع أدوار فحسب ، يمكن الاعتراض على هذا التوزيع فقط في حالة واحدة : لو كان يمكننا أن نعترض على أن المرأة قد أخذت دور الحمل والولادة وليس الرجل.
دعونا نقرّ أن الأمر تكليف للمرأة ، وأنه عبء لا يمكن إنكاره ، وأنها لا بد أن تكون مأجورة عليه على نحو مجزي ، كما أن علينا أن نقرّ أن الخطاب التقليدي الذي يشبه الحجاب بغلاف الجوهرة الثمينة ، أو غلاف “الشوكولاتة!” هو خطاب غبي ومهين للرجل والمرأة على حد سواء ، مثله مثل الخطاب الذي يوحي أن كل غير محجبة هي غير فاضلة ، الأمر أعقد من هذا التبسيط ، بل هو تعبير عن منظومة قيم حضارية متكاملة ، عن هوية تمثل هذه القيم ، واختزالها إلى قيمة سلوكية واحدة جريمة بحق هذه المنظومة.

فلنتذكر هنا أن المزاوجة بين مواصفات الحجاب الشرعي ومواصفات الأناقة المعاصرة يعبر أيضا عن قابلية هذه الهوية على المرونة و التواجد والتفاعل والتأثير في كل العصور والأزمنة باختلاف ظروفها.. مواصفات اللباس جاءت على نحو يمكن أن تطبق في أي ظرف زماني أو مكاني ، ولو كان من عند غير الله لربما وجدنا المواصفات تلتزم بقماش معين أو وصف لا يمكن أن يطبق إلا في الجزيرة العربية.. لكن المواصفات القرآنية للباس كانت معدة لتتجاوز تفاصيل الزمان والمكان على نحو لا يمكن أن يحدث إلا من لدن عزيز حكيم.
لكن ماذا عن “لا يؤذين؟”
نعم ، ثمة أذى كان يلحق بالحرائر من المنافقين ، وكان اللباس يدفع عنهن هذا الأذى…
لكن ، على النطاق الأوسع ، وحسب منظور أكثر شمولا ، وخروجا من مجتمع المدينة البسيط ، فإن أي مساس بالهوية هو أذى أيضا… أي ضياع للهوية يؤدي حتما إلى الأذى..حتى لو لم يشعر من ضيع هويته بهذا الأذى مباشرة.
ماذا يضيف النص القرآني الثاني عن لباس المرأة إلى ما سبق؟
}قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) { النور
النص الثاني يوضح حدود اللباس بوضوح أكثر ، الجلباب في النص الأول ينتقل من مكان لآخر في جسم الإنسان ، لكن هذا النص يحدد هنا أن الرأس سيغطى (أي شعر المرأة)، وأن اللباس سيصل إلى القدم تقريبا.
كيف يوضح النص ذلك ؟
استخدم النص كلمة الخمار في ( فليضربن بخمرهن على جيوبهن).
والخمار هو غطاء الرأس ، كلمة الخمر مثلا ، جاءت من مخامرة العقل (= في الرأس) ، وتخمير الأواني كما جاء في الحديث هو تغطيتها ، والخمار أيضا في لسان العرب هو (العمامة) للرجال ، أي ما يغطي الرجل به رأسه.
النص هنا لم يستخدم كلمة الخمار اعتباطا ، حاشا أن يكون في كلام الله ما هو اعتباطي وبلا هدف ، لو كان هدف النص هو تغطية الجيوب فقط ( الجيب : فتحة القميص أي النحر والصدر والرقبة) – كما قال بعض العباقرة الجدد – فلا يوجد سبب يجعل النص يحدد الخمار ليضرب به على الجيب ، كان يمكن أن يقول النص ، وبكل يسر: ( فليضربن على جيوبهن ) دون أن يحدد الخمار ، وكان الأمر هنا سيكون فعلا دون معنى يفيد بوجوب غطاء الرأس.
الآية عندما تقول :فليضربن بخمرهن على جيوبهن تعني بداهة فليضعن الخمار ويضربن به على جيوبهن أي على فتحة القميص !
والخمار يعني غطاء الرأس ، وكما أن العمامة لا تعني تغطية وجه الرجل ، بل تغطي رأسه ، فإن الخمار في لسان العرب هو ما تغطي به المرأة رأسها ، وليس ثمة معنى في هذا اللسان يحوِّل الخمار ليكون غطاءً للوجه على الإطلاق ، بل هو غطاء للرأس فحسب ، بعبارة أخرى ، وليكون واضحا تماما : هو غطاء للشعر .
الآية تقول بعبارة أخرى : فليضعن غطاءً للشعر على رؤوسهن ، ويضربن به على نحورهن…
هكذا بهذا الوضوح في لسان العرب ، هكذا فهمت أيام نزول الرسالة وهكذا ستفهم دوما لو استخدمنا آلة لسان العرب التي نزل بها القرآن.
الهروب من حقيقة أن القرآن هنا يأمر بتغطية الشعر هروب صعب جدا.
وهو يستلزم في الغالب واحدة من محاولتين :
الأولى : تأويل لغوي متعسف جدا ، يهرب من المدلولات الواضحة المباشرة للخمار والجيوب ، ليصل إلى نتائج مضحكة مثل أن الآية تقصد تغطية الثديين والفرج ، أي أن الحجاب هو بكيني من قطعتين لا أكثر! (باعتبار أن المسلمين كانوا يعيشون في نادي العراة قبل نزول هذه الآية!).
الثانية : الإقرار بأن القرآن أمر بغطاء الرأس وبكل مواصفات اللباس المذكورة ، ولكن ضمن سياق تاريخي لم يعد له لزوم في الوقت الحالي..
فتح باب السياقات التاريخية من أجل آية واحدة فقط ، سيجعل هذا المنهج قابلا للتطبيق على كل ما جاء به القرآن…ولم لا يكون التوحيد مثلا قد عرض من أجل توحيد العرب ؟ ولم لا تكون الجنة والنار وسيلة ثواب وعقاب في سبيل جعل الناس يتصرفون على نحو أفضل في تلك العصور؟ لو فتحنا هذا الباب ، لوصلنا حتما إلى هذه الأماكن.

الفكرة هنا تتعدى مسألة آية واحدة ومدلولاتها ومعانيها ، إلى فكرتنا عن القرآن نفسه ، عقيدتنا عنه ، هل نعتقد فعلا أنه كلام الله عز وجل ؟ وهل نعتقد أن كلام الله سبحانه وتعالى يمكن أن يضم ما قد جاء صدفة ونتيجة سياق تاريخي عابر ؟
بعد أن نرد على هذا السؤال بصدق يمكن أن نقرر : هل فعلا يمكن أن نتجاوز ذكر “غطاء الرأس” الذي جاء في الآية؟ هل يمكن أن نقول أن الحجاب لم يرد واضحا في القرآن ، وهو الذي ورد بكل هذه التفصيلات والإيضاحات؟ هل يمكن حقا أن نغض البصر على كلمة “بخمرهن” ونتعامل معها كما لو أنها ليست موجودة؟
هذا عن الطرف القصي من حدود اللباس ، تغطية الرأس ..
فماذا عن الطرف الثاني ؟
الآية أيضا واضحة : وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ
زينة الأرجل مخفية تحت الجلباب ، اي أن الجلباب نزل ليغطي الأرجل ، والمطلوب ليس فقط إخفاءها عن النظر ، بل عدم إشعار أحد بها ، أي التخلص من السلوك المائع الغنج الذي يرتدي الطويل المسدل ولكنه يتعمد الإثارة…
الآية واضحة في بيان الحدود السفلى للجلباب : القدم إلا قليلا…كما سيتوضح في نصوص الحديث النبوي.. وهو ما يقودنا إلى هذا الأمر.
ماذا عن النصوص النبوية ؟
قناعتي الشخصية هي أن النصوص القرآنية كانت واضحة تماما ( لو دققنا فيها عبر المجهر) في بيان فرض لباس المرأة بتفاصيل واضحة.. هناك (قل) التي تفيد الأمر التبلغي الواضح في الآيتين ، وهناك لام التوكيد في (ليضربن) ، وهناك الخمار والجلباب ، ومعانيها اللغوية التي تفيد غطاء الرأس والإسدال….الخ.
لكن النصوص النبوية هي مثل هامش توضيحي على المتن القرآني ، لا يمكن فصلها حقا ، وأولئك الذين لم يقتنعوا بوضوح الآيات القرآنية في أمر لباس المرأة ، لن يواجهوا أي مشكلة في عدم الاقتناع بالنصوص النبوية من باب أولى ، سواء من باب الدلالة أو من باب التشكيك بحجية الحديث النبوي نفسه ، وهو أمر لم يعد غريبا في عصر مقبل على الإنحسار ( أقرّ هنا بوجود مشاكل في التعامل مع الحديث النبوي ، ولكنها مشاكل لا يمكن حلها بإنكار السنة ونسف الحديث).
علينا أن نحدد هنا أن منكري فرضية الحجاب بحجة عدم وضوح النص القرآني (حسب رأيهم) يضطرون إلى إنكار حجية النص النبوي أيضا ، أو إلى تحجيمه بطريقة ما.
المسألة هنا أن إنكار حجية النص النبوي في موضوع الحجاب ستحتم على هؤلاء إنكار حجيته في مسائل أخرى هي من المسلم بها في العقل المسلم ، وهؤلاء عموما لا ينكرونها ، ولا يريدون فتح جبهتها أصلا…( الصلوات الخمس مثلا ، من قال أنها خمسة لولا السنة ؟ ومن علمنا هيئتها وشكلها لولا السنة النبوية؟).
عدم إنكار السنة النبوية سيجعلهم في تناقض مع منهجهم ، لذا فهم إما أن يجدوا حلا لموضوع الصلاة وما يشابهها ، أو في أن يتعاملوا مع الأحاديث الواردة في السنة النبوية بخصوص الحجاب ليس من منطق إنكار السنة النبوية ، بل من منطق “أنها ليست واضحة بما فيه الكفاية لتفيد الوجوب”.
هذا أمر نسبي جدا ، ما يكون واضحا مقنعا لنا قد لا يكون مقنعا لسوانا ، وكونهم يخادعون أنفسهم (أو كوننا نفعل الشيء ذاته) أمر متعلق بما لا يمكن تحديد معيار له : الصدق.
لذا فإننا نكتفي بعرض النصوص ، ونحيل من ينكر وضوحها إلى نفسه ، هل ينكرها لأنها ليست واضحة حقا بالنسبة له ، أو لأنها تتعارض مع هواه؟…
هل يعتمد على نصوص أخرى أقل وضوحا ودلالة ، ولكنها تتفق مع هواه في أمر آخر ؟
الجواب عن هذه الأسئلة لا يمكن لأحد أن يعرفها غير صاحب الشأن ذاته…
كل ما يمكننا فعله هو أن نوضح قدر الإمكان..
وليست من وظيفة النص الديني – ولا حامل النص- أن يقنع الكل..
حتى الرسل لم يقنعوا الجميع ، بقي هناك من لم يصدقهم.. بقي هناك من ظلَّ كافرا جاحدا برسالتهم..
المهم أن تكون الرسالة واضحة…من قرر أن يُعمي عينه ، فهذا شأنه..

من بين كل نصوص السنة النبوية ، أرى أن ثمة حديثين قاطعي الدلالة..
الأول هو حديث الكاسيات العاريات : صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاَتٌ مَائِلاَتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لاَ يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا •

حديث الكاسيات العاريات روي عن صحابيين هما أبو هريرة وعبد الله بن عمرو ، وبغضّ النظر عن صحته الإسنادية التي لم يشكك فيها أحد ، فإن فكرة أن يتفق صحابيان على اختراع حديث كهذا فيه ما لم يكن في عصرهم ، ولم يكن من المتخيل أصلا ، فكرة سخيفة جدا ولا معنى لها.
الكاسيات العاريات هن نسوة يغطين أجسادهن ، ولكنهن في الوقت نفسه عاريات ..
كيف؟
هناك ثلاث احتمالات واردة ، وكلها موجودة الآن ، ولم تكن كذلك في عصر النبوة.
الأول أن يكون الكساء غلالة شفافة ، أو أن يكون ضيقا جدا على نحو يفصل تفاصيل جسدها ، أو أن يكون قصيرا كاشفا أكثر منه ساترا.
وربما كان كل هذا يندرج في وصف (الكاسيات العاريات) ، والذي يتناغم تماما مع روح الآيات في تحديد مواصفات اللباس ، ولكنه يضيف لذلك ما يجب أن يكون مفهوما بالبداهة والحس المنطقي العام من بين سطور الآيتين القرآنيتين : أن لا يكون اللباس شفافا رقيقا ولا ضيقا…لماذا تضيف السنة النبوية ما يجب أن يكون مفهوما بالبداهة عبر القرآن؟.. لأن هناك من يفتقرون للبداهة والمنطق بطبيعة الحال ، وسيتحججون بافتقارهم للمنطق لكي يصلوا إلى نتائج مثل أن اللباس الشفاف أو الضيق لا ينتهك مواصفات لباس المرأة في القرآن.
الحديث الثاني يتعلق بالحدود السفلية للباس المرأة : عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ، فقالت أم سلمة: فكيف يصنعن النساء بذيولهن قال: يرخين شبرا ، فقالت: إذاً تنكشف أقدامهن . قال: فيرخينه ذراعا لا يزدن عليه•
الحديث يبين الموقف عند ما قد يبدو تعارضا بين “حديث نبوي” و”مواصفات قرآنية” ، الحديث هنا يتحدث عن ظاهرة جر الثوب خيلاء ، وهي ظاهرة عرفت عند عرب الجاهلية ، والنهي المشدد لها مرتبط بالظاهرة ، أما مواصفات لباس المرأة فقد حددت بالقرآن العابر للزمان والمكان ، أي تعديل سيحدث لهذه المواصفات نتيجة ظرف معاصر (كما في الظرف المشار إليه في الحديث ، الخيلاء ومحاربة مظاهره) سيكون ضمن المواصفات التي حددها القرآن ، ودون الخروج عنه.
فلنقل: إن المواصفات الأساسية ستبقى ثابتة ، لكن تحديثات مستمرة ستحدث على اللباس الناتج حسب الظروف التي تتغير زمانيا ومكانيا ، في إشارة أخرى إلى مرونة هذه المواصفات وقدرتها على الصمود والوجود والتأثير في كل مكان.
**************************
أروى تتحجب إذن في عصر تهدد فيه الثوابت بالانحسار.. الحجاب ونزعه من رؤوس البعض (كما يحدث اليوم) هو قمة جبل الجليد الطافية فوق السطح…
لكن قاعدة هذه الجبل العريضة هي الإلحاد.
يبدأ الأمر بالحجاب ، يكون ذلك واضحا جدا لأنه يظهر بوضوح…
لكن الخطر القادم سيكون من الإلحاد…
إنه زمن الانحسار ، وهو أمر ليس سيئا بالمطلق…لقد أسأنا في كل شيء ، من قمة الجبل (الحجاب) إلى قاعدته المتينة (الإيمان) ، وكانت النتيجة أن نرى نزع الحجاب ظاهرا للعيان ، ونرى الإلحاد يزحف..على الفرق الكبير بين الأمرين..
ربما علينا أن نمر بالانحسار ، كي نعيد تأسيس فهمنا لكل شيء من جديد..
من الحجاب الذي هو أكثر من مجرد قماش…
إلى الإيمان الذي عاملناه ليس بطريقة أفضل مما عاملنا الحجاب.
*********************
نعامل كل القضايا ، سواء كانت الحجاب ، أو الإيمان نفسه ، بنفس الأسلوب الذي يختزل ويسطح كل شيء…
ربما الآن هو الوقت الذي علينا أن نفكر بإعادة بناء كل شيء على أسس أقوى..
لأروى..ولجيل الانحسار..
الذي قد يمهد لجيل النهوض.
الجيل الذي سيتخذ من الانحسار درسا ، لكي يعرف كيف يكون المد حقا…

مدنية على منهاج النبوة!

مدنية على منهاج النبوة!


د.أحمد خيري العمري

نجد أنفسنا أحيانا في حروب “مصطلحات” دونكيشوتية ، ننجر لها بالتدريج.

حروب المصطلحات هذه تأخذنا أحيانا من مضامينها الأكثر أهمية إلى مجرد مسميات ، ثم نتوهم في غمرة الحرب ، أن صراعنا حول هذه المصطلحات، وتثبيتها أو الغائها ، سيعوض عن “حقيقتها” ، عن مفهومها، عن البحث في تطبيقاتها وآلياتها ..

مصطلح المدنية هو من هذه المصطلحات بالتأكيد ، والصراع حوله واضح ، والاتهامات متبادلة ومستعرة، وقد صرحت احدى التيارات بأن من منجزاتها “عدم ذكر هذا المصطلح” في مسودة الدستور!..

لكن ما حقيقة هذا المصطلح؟ وكيف تم جرنا إلى “مسماه” وغفلنا عن “المضمون”؟  هل يحدث ذلك مع كل المصطلحات المتداولة والمتحارب عليها ، أننا نتشبث بها أو نتشبث ضدها..دون أن نحاول فهم محتواها ومعانيها وبالتالي محاولة “تطبيقها”.
مصطلح “الدولة المدنية” مصطلح محايد مبدئيا..يتعلق مبدئيا بالمدنية (التي لا يقول أي إسلامي أنه ضدها). وهو مصطلح غير مترجم من أي لغة اخرى ، أي لا يوجد  في العالم  ولا في تاريخ  شيء اسمه “دولة مدنية” مباشرة.لا يوجد في قاموس ومعجم المصطلحات المتعارف عليها مسمى كهذا. ولكن هذا لا يعني عدم وجود معناه، لكن ما هو معناه؟…

يشير بعض الباحثين إلى أن هذا المصطلح قد ولد في خضم الربيع العربي ، استخدم في شعارات مبكرة (في ميدان التحرير في القاهرة على الأغلب) ومن ثم  أنتشر بواسطة الإعلام واستخدم بكثافة من قبل الجميع: الناشطين، السياسيين ،وحتى رجل الشارع العادي الذي صار يريد-أو لا يريد- دولة مدنية.

ما هي هذه الدولة المدنية التي يطالب بها ناشطون دون أن تكون هناك نظرية واضحة للدولة المدنية ودون أن يكون هناك ما قد كتب فيها ، بل دون أن يكون هناك  هذا المصطلح قبل “الربيع العربي”.

هل الدولة المدنية هي النموذج المضاد لدولة يتحكم فيها العسكر؟

هذا وارد طبعا.وهو أمر لا خلاف عليه.إذ يجتمع كل الثوار –بمختلف توجهاتهم-على ضرورة الغاء حكم العسكر وبطريقة ما كل حكم سيطر بواسطة العسكر حتى لو كان رأسه مدنيا دون بزة عسكرية.

ما حدث لاحقا ، وخلال فترة وجيزة من ظهور المصطلح (المحايد في مظهره) هو محاولة الليبراليين والعلمانيين “تجيير”  واختطاف المصطلح لصالحهم وجره ليكون معبرا عنهم ويكونون “الممثلين الرسميين” الصالحين للحديث عنه (وهذا يكسبهم قيمة إضافية، فما دام رجل الشارع صار يتحدث عن “الدولة المدنية”  فهذه فرصة للعلمانيين والليبراليين للظهور بصفتهم ممثلين لهذا المواطن، خاصة أن سمعتهم عند هذا المواطن في أسوء حالاتها)

هكذا ظهرت شعارات “نريد دولة مدنية لا دينية ولا عسكرية” ،وهي شعارات تلخص جهود العلمانيين والليبراليين في جعل الدولة المدنية بديلا عن “الدولة الدينية” ، علما أن لا أحد من الاسلاميين يقول أنه يريد “دولة دينية” ، فكل هذه المصطلحات ولدت في سياقات غربية يتنفسها العلمانيون والليبراليون كما يتنفس غيرهم الاوكسجين.

“عندما يطرح هذا الشعار (مدنية ضد عسكرية ودينية) فهذا يعني تنصل العلمانيين والليبراليين من “علمانية” العسكرتاريا (وهذا طبيعي فكل الأنظمة التي قامت عليها الثورات هي علمانية أصلا ولكنها علمانية جاءت عن طريق العسكر ولم تتح فرصة لتداول السلطة) وهو يعني ايضا أنهم ضد “الخيار الديني” للدولة.

لماذا لا يقولون “ديمقراطية” إذن؟

ببساطة لأن الديمقراطية قد تجلب الإسلاميين.قد يكون خيار الشعب هو الإسلام.لذا فهم يريدون ديمقراطية مشروطة بعدم وجود الخيار الإسلامي.ما المصطلح الذي سيركبون عليه لتمرير حزمة شروطهم هذه (تداول سلطة دون وجود إسلاميين) . ليكن دولة مدنية.مصطلح نظيف. سمعته جيدة ولم تستهلك شعاراته.

لم لا يكونون صريحين ويقولون :علمانية؟

لأنهم يعلمون أن ذلك سيكون مقتلهم وخسارتهم.رجل الشارع العادي الذي يصرح أنه يريد “دولة مدنية” قد يتراجع عن هذا إن قيل له مثلا أن الدولة المدنية = الدولة العلمانية.

ربما هو لا يريد دولة دينية , لكن العلمانية تمثل قطيعة مع ما يريده هذا الرجل ايضا.وهو يرفضها أيضا.

(حدث ذلك فعلا في احدى البرامج الحوارية، إذ ختم أحد المشاركين بقوله :نريد دولة علمانية !، فقاطعته المذيعة فورا : نسميها دولة مدنية أحسن!!!)

لا يجد المثقفون الليبراليون والعلمانيون اذن أي غضاضة في الاعتراف بأن استخدام المصطلح كبديل عن “العلمانية” كان لتمريره على “الناس”  (وهم يصرحون بذلك علنا أحيانا لأنهم يستغفلون الجماهير التي يريدون منها أن تدعمهم..).يصرح جورج طرابيشي بذلك بوضوح.كذلك لؤي حسين على نحو مفصل[1]. ويستفيض عمرو حمزاوي[2] في الأمر حيث يقول أن فصل الدين عن الدولة ركيزة من ركائز بناء الدولة المدنية، بينما يقول في مرة أخرى أن الدولة المدنية لا تعني ذلك، على طريقة الجميع حاليا في قول الشيء ونقيضه .ويتفضل علينا بالقول أن الدولة المدنية ستضمن حق ممارسة الشعائر (عكس العلمانية الشاملة التي ستقيد ذلك!) ويمضي الجميع في الحديث عن أن المادة رقم كذا من الدستور “تتعارض مع مدنية الدولة”  على أساس أن “مدنية الدولة”- وهي مفهوم لا يزال في مرحلة الرضاعة إن كان قد ولد أصلا- صار قدس الأقداس الذي لا يمس.

سيبدو جميع نشطاء الدولة المدنية  كما لو أنهم قد كذبوا الكذبة وصدقوها أكثر مما يجب.هم يتحدثون عن مصطلح “مخترع” ما أنزل الله به من سلطان ولا جاء به التاريخ ببرهان، ولا ذكر في معاجمهم أو التجربة الغربية التي هي مرجعهم، رغم ذلك فهم يحولونه إلى “اليوتوبيا” المنشودة التي من الواجب تثبيتها في كل فقرة من أي إعلان.

(ولعل أقرب ما يمكن فهمه من اختيار المصطلح تحديدا  ليكون “حصان طروادة” بالنسبة لهم هو مصطلح “القانون المدني” –وهو القانون الذي يرجع في إطاره العام إلى القانون الروماني!!- وأيضا مصطلح “الزواج المدني” الذي لا علاقة له بكنيسة أو بعقد شرعي)

حسنا.

هم كذبوا الكذبة وصدقوها لتمرير العلمانية على الناس أمام صناديق الاقتراع.

بعض الإسلاميين قد صدقوا الكذبة أيضا أكثر مما يجب.

بعضهم انجر إلى الدفاع عن مدنية الدولة والتأكيد على عدم تعارضها مع الإسلام (باعتبار أن مفهوم المدنية واضح تماما ولا غبار عليه ، أو باعتبار أن الإسلام كما يفهمونه قابل للصب وإعادة التشكيل مع أي مفهوم حتى لو كان مفهوما لا وجود له!)..والبعض وجد –محقا- أنه من الأنسب إضافة شرط “المرجعية الإسلامية” على “الدولة المدنية” وهو بذلك قد أفسد على الليبراليين والعلمانيين خطتهم الالتفافية في المصطلح.

البعض أختار إلى أن يحرج العلمانيين ، فقبل بالمدنية ، لكن أي مدنية بالضبط؟؟

الطريف في الأمر أن هناك من غلاة العلمانيين(جاد الكريم الجباعي) من يقول أن المصطلح أوجده “الاخوان المسلمين” أنفسهم بعد انقلاب 1952 بمواجهة “عسكرة الدولة” (لا يقدم أي إشارة مرجعية موثقة لهذا ، ويبدو أن الاخوان نسوا أنهم أصحاب الدعوة لو صح ذلك![3]).

بكل الأحوال، ورغم أهمية تحديد المصطلحات.ورغم أهمية تثبيت هوية الأمة ومرجعية الدولة التي لا تقبل النقاش، إلا أنه من المهم أيضا الإشارة إلى أن الصراع حول المصطلحات والتسميات يجب أن لا يأخذنا أبعد مما يجب عن أهمية المضمون وأهمية تطبيق المضمون.

بعبارة أخرى : التنازل عن بعض “الأسماء” ولو مرحليا ، دون التنازل عن مضمونها، قد يساهم في تحقيق المراد على نحو أسلم.ولنا في صلح الحديبية خير مثال على ذلك.

..على سبيل المثال..

ينشغل الكثيرون بالدولة الإسلامية ،وبدولة الخلافة المنشودة. تحديدا بقيام هذه الدولة وإعلان ذلك..يعبرون عن الحنين لها ، وبالتصور الذي لا يخلو من سذاجة ورومانسية بأن كل مشاكلنا ستحل عندما يحدث ذلك.

لكن من قال حقيقة أن دولة الخلافة الإسلامية يجب أن يكون اسمها “دولة الخلافة الإسلامية”؟  من قال أن منصب رئيس هذه الدولة يجب أن يكون اسمه “الخليفة”؟   عمر بن الخطاب مثلا لم يجد بدا من أن يغير لقبه إلى “أمير المؤمنين” دون أن يعني ذلك أنه تنازل عن منصب “خليفة خليفة رسول الله” ودون أن يعني  ذلك أنه قد كف عن أن يكون “الخليفة في الأرض”.

مفهوم الاستخلاف في الأرض أوسع بكثير من أن يكون مجرد نظام حكم.إنه طريقة حياة . نمط في رؤية العالم والقيام بدور في بنائه.وهذا لا يحدث فجأة.ولا ينبت كالكمأ دون جذور.إنه عملية إعادة تكوين جديدة.هل من الضروري أن يقال عن الخليفة في الأرض أنه خليفة؟ من الضروري أن يقوم بدوره أولا.سواء من خلال الفرد أو المجتمع.أما التسميات فهي  محض تحصيل حاصل.

ولن تكون دولة الخلافة دولة خلافة فعلا بمجرد إعلان أنها كذلك.

عليها قبل ذلك أن “تكون” دولة خلافة حقا..

الرسول عليه الصلاة والسلام قال “ثم تكون خلافة على منهاج النبوة” ولم يقل تعلن “خلافة على منهاج النبوة..

فلنتذكر هنا أن دولة الخلافة الحقيقية لا تعيش عالة على غيرها.لا تكون إن كانت تستورد طعامها ودواءها سلاحها ووسائل اتصالها وكل معارفها ممن تعتبرهم “دار حرب”,..ولا تكون إن لم يكن فيها عدالة اجتماعية وكان الناس فيها ، كل منهم ، يقوم بدوره كخليفة في الأرض…من موقعه.

الدرب إلى ذلك طويل ووعر حتما.

لكن حرق المراحل على أمل اختصار الطريق الطويل، قد يقود إلى حرق المشروع برمته.

رمضان : متاع قليل ، من حبيب مفارق…

رمضان : متاع قليل ، من حبيب مفارق


يكاد يفارقنا ..يكاد يلملم أغراضه ويرحل.

نكاد نستوقفه..نتعلق به كما الأطفال مع أب دائم الترحال ..يحضر بالفرح والهدايا والشعور بالأمان .. ويرحل خلسة ليجعل العالم أكثر وحشة مما كان من قبل…

نشعر بالدهشة والغضب والحزن في آن..

هل يعقل أن يرحل بهذه السرعة؟

يكاد يهز بكتفيه.ماذا تظنون إذن؟.شهر واحد فقط. أيام معدودات.”بروفة” لعمركم كله..عمركم الذي يتسرب من بين أصابعكم كالماء ، كل لحظة …

نعم.ماذا كنا نظن..

ها هو يوشك على الرحيل..

ها هو يوشك على المغادرة ، وستدور الأرض حول الشمس دورة كاملة قبل أن يأتي مجددا ..وقد يأتي فلا يجدنا..

ربما لا نخاف رحيله حقا ، بقدر خوفنا أن لا نكون قد استفدنا منه أقصى ما يمكن..

ربما لا نخاف رحيله حقا ، بقدر خوفنا على أنفسنا..

نعم..

الأمر هنا لا يتعلق برمضان ، بقدر ما يتعلق بك..بنا..بي..بكل منا ، نحن الذين نتعلق به وهو يوشك على الرحيل..

لكن لا إِشكال.لا يجب أن نخجل من هذا..

رمضان يأتي أصلا من أجلنا.

رمضان ، في النهاية ، هو من أجل كل واحد منا..

لكننا ، نتلهى عن ذلك ، كما عن كل شيء ، فنحتفي به ، قدوما ورحيلا ، وننسى السبب الرئيسي والأساسي لقدومه أصلا..

ننسى أنه جاء من أجلنا.

من أجل أن نكتشف أنفسنا. من أجل أن نكون أقرب إلى أنفسنا كما يجب أن تكون..

من أجل أن نكتشف قوانا “الخفية”.

ليس عبر دورة تدريبية كالموضة أو الصرعة العابرة ، بل عبر شعيرة صممت وأنزلت لتجعلك تمر ، لمدة شهر كل عام ، في أتون مخاض جليل ، تعيد به فيه ولادة نفسك بنفسك..تكتشف كل ما أهمل فيها ، كل ما وئد فيها ، كل ما أجهض منها سابقا ، كل ما قمع وسلسل..

كل سنة ، يتركك رمضان بمواجهة نفسك بنفسك ، كل  الشياطين تصفد وتقيد..وأنت في الحلبة أمام نفسك ..تصارعها دون  أن يكون لها عون من الشياطين..

منفردا أمام نفسك ، لشهر كامل..تكتشف نقاط ضعفك.. وتعيد اكتشاف مصادر قوتك..

تنقب في دواخلك ، في مغاراتك ، في كهوفك..

في أدراجك السرية ومخابئك..

في كل ما لم تخبر به أحد ، عن ذلك الشخص الضعيف الذي هو أنت..

رمضان ، يواجهك بكل هذا..

أنت ونفسك..

والأيام ،المعدودات ، بينكما..

*************************

رحيله حتمي.

وقد جاء بمتاع كثير..

لكنك تخشى أن يرحل دون أن تأخذ منه المتاع الأهم : النسخة الأفضل منك.

كل متاعه ، سيكون قليلا جدا..إن لم تحصل منه على هذا بالذات..

على النسخة الأفضل ، منك..

**************************

رمضان صمم أصلا ليكون كذلك.

لم يكن تسميته برمضان اعتباطا.

كان يمكن أن يكون رجب أو شعبان أو أي شهر قمري آخر.

لكن رمضان تحديدا؟

*********************

سمي رمضان من رمض.

شدة الحر.

وقال ابن دريد لما نقلوا أَسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأَزمنة التي هي فيها فوافَقَ رمضانُ أَيامَ رَمَضِ الحرّ وشدّته فسمّي به.

ورمض : الرَّمَضُ والرَّمْضاءُ شِدّةُ الحَرّ والرَّمَضُ حَرُّ الحجارة من شدّة حَرّ الشمس، وقيل هو الحرّ والرُّجوعُ عن المَبادِي إِلى المَحاضِر وأَرضٌ رَمِضَةُ الحجارة والأَرضُ ورَمِضَتْ قَدَمُه من الرمْضاءِ أَي  احترَقَتْ.

سنقول : لكن رمضان يأتي أحيانا في أجواء معتدلة وباردة..

وحتى لو جاء صيفا.

التكييف موجود.

لكن علينا إذن أن نقرأ من جديد ما المقصود بالرمض ..

شدة الحر.الحر الذي يجعل الشخص يبحث عن الفيء.الحر الذي يقود من الصحراء ، من البادية ، إلى المدينة ، حر الحجارة..الحر الذي يحرق الأقدام..

أضع تحت كل هذا خطا..

وأقرأه من جديد..

**********************

رمضان من الرمض الذي مررنا على معانيه الحرفية.

وهو مصدر على وزن فعلان.مثل بركان .ثوران.غليان.

وهو مصدر يدل على التقلب ، الحركة .. الاضطراب..

غريب ..

قالوا  لك دوما إن رمضان شهر المحبة  والسلام.

دعك منهم.

رمضان شهر التقلب والحركة والاضطراب !.

نعم : عندما يكون رمضان الحقيقي.

رمضان المواجهة مع ذاتك..

رمضان الحرب مع شياطينك..رمضان الحرب على نقاط ضعفك..

بالتأكيد تقلب وحركة واضطراب..

رمضان حقا هو الذي تخوض فيه معركة بدر الخاصة بك في الداخل ، وتفتح به مكة في داخلك  أيضا..

ويكون ذلك بمثابة إعداد داخلي لك ، لمعارك وفتوحات لا بد أن تشارك فيها ، تقع في خارجك…

نعم ..

رمضان حرب مع الذات.من أجل فتح الذات.

من أجل ذات أفضل.

حرب مستمرة ، على وزن فعلان..

مثل بركان ، غليان ، ثوران…

***************************

هذا بالنسبة لمصدر “رمضان” ومعناه بالنسبة لنا..

لكن ماذا عن ذلك الحر الشديد الذي التصق بالكلمة حتى لو جاء رمضان في بلاد لا صيف فيها ؟ أو جاء في بلاد معلبة مكيفة ليل نهار ؟..

من قال إن هذا الحر مرتبط بحالة الطقس وظروف الجو حصرا؟.

الاشتقاق الأول-الأصلي- جاء من ذلك بالتأكيد.

لكن من قال إن المعنى يجب أن يبقى محصورا هناك؟

مهما بلغت درجة الحرارة في الخارج ، فإن حرارة الاحتراق الداخلي ، المصاحبة لعمليات التحول الكبرى ، تكون أكبر..

رمضان الحقيقي ، الذي هو المواجهة مع الذات في أخطائها وضعفها وأسباب سقوطها ، هو مثل  عملية احتراق داخلية عالية الحرارة ..

إنه الوصول بالحرارة لدرجة الانصهار ،..تنصهر فيها عناصرك ومكوناتك ، ..ويعاد تركيبك وتشكيلك..

بعض المكونات التي كانت فيك ستطفو ، في طريقها إلى أن تذهب كما يذهب الزبد ، جفاء..

وبعضها ستترسب..

تصبح أكثر عمقا..

رمضان الحقيقي ، فعل انصهار وإعادة تكوين..

والانصهار لا بد له من حرارة عالية جدا.

حد الرمض.

حد يجعل الحجارة تذوب..

*******************

والإشارة إلى كون ذلك الحر كان يقود من البادية إلى الحضر إشارة ملهمة جدا..

ذلك الانصهار الرمضاني ، يعيد تركيبك بحيث يعزلك عن فرديتك وعزلتك ومنافيك..

ويقودك إلى أن تشارك مع المجموع..

في البناء..

بناء المجتمع كما يجب أن يكون..

نتكلم حتما عن رمضان كما يجب أن يكون ، وليس رمضان كما تعودنا أن نعامله ، غسالة للذنوب ، محطة عابرة للعودة إلى حياتنا السابقة كما كانت…

********************************

والإشارة إلى حرق القدمين في معنى الرمض في لسان العرب أيضا ملهمة…

فالطريق إلى الذات الأفضل ، الطريق إلى تغييرها وإعادة تشكيلها عملية شاقة طويلة مؤلمة..

بالضبط مثل أن تمشي حافيا عاري القدمين..

على أرض حارقة السخونة ،..

مفروشة بزجاج مصهور من الحرارة..

***************************

هذا الإنصهار الرمضاني يذكرنا حتما بلفظة السائحين ، التي وردت قرآنيا في أكثر من موضع كما في :

التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ التوبة (112)

وقد صح عن بعض الصحابة تفسيرهم  السائحون بالصائمين..

و”ساح” تعني جرى في الأرض.

مثل ساح الماء إذا جرى في الأرض..

فهل الصائم سائح لأن مكوناته تسيح ؟..تنصهر..أم لأنه يسيح بحثا عن ذاته الأقرب إلى ما يجب أن تكون..

أم لأنه يسيح في الأرض من أجل جعلها كما يجب أن تكون ، بعد أن أدخله رمضان في دورة مكثفة في جعله هو كما يجب أن يكون؟

أياً كان.

تتداخل المعاني ،فيما لا يمكن أن يكون مجرد صدفة..

****************

ويقودنا رمضان الذي على وشك الرحيل إلى الحكمة منه ..لعلكم تتقون..

والتقوى حقا ، تتضمن ضمن ما تتضمن ، أن تأخذ بالأسباب أيضا في رحلة حياتك..

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ – رضى الله عنهما – قَالَ كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَحُجُّونَ وَلاَ يَتَزَوَّدُونَ وَيَقُولُونَ نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ ، فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ( وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ) البخاري 1523

خير الزاد التقوى.

والتقوى هنا تتضمن الأخذ بالاسباب .التزود بالطعام وبكل ما يقوي على الرحلة.

والصيام يوصلنا لهذه النقطة بالذات..

أن تكون أكثر معرفة بذاتك ، وأكثر قدرة على مواجهتها وتغييرها..لأن هذا بالذات ، هو خير الزاد..

خير الزاد في رحلة حياتك كلها..

في سياحتك في الأرض ، من أجل جعلها كما يجب أن تكون..

******************************

فلنواجه أخبارنا السيئة التي هربنا منها.

في داخل كل منا ، ورم خبيث..سرطان كامن ومزمن..

تمنينا دوما أن يكون مجرد التهاب عابر.

بقينا لعقود نصر على مضادات الالتهاب.

وهذا السرطان الخبيث ينهش في إنسانيتنا.فيما يجب أن نكون.

يعوقنا عن أداء ما خلقنا من أجله.

ونحن شركاء له في الجريمة.فهو جزء من خلايانا.

ومجرد تجاهلنا له.تجاهلنا لحقيقته .وإصرارنا على أنه محض التهاب..مجرد هذا ، يجعلنا شركاء في قتلنا أنفسنا..

رمضان فرصة ذهبية لكي نخضع للتشخيص.

ومن ثم العلاج.

وهو يكاد يرحل..

****************************

اتحدث عن رمضان الحقيقي..رمضان المواجهة مع الذات ، رمضان بدر والأنفال والفتح..

هناك رمضان آخر طبعا..هو ذاك الذي تعودنا عليه..

رمضان اللمة والتجمع العائلي.رمضان صوموا تصحوا.رمضان الولائم والعزائم.رمضان كسر العادات الغذائية.رمضان العادات والمكسرات والمسلسلات.

بعض هذا لا مشكلة فيه.

وبعضه ممتع.وربما مفيد.

لكنه لا يمكن أن يقارن حقا بما يجب أن نأخذه من رمضان..

كل هذا سيكون ، مجرد متاع قليل ، من حبيب مفارق..

*********************

حرية”الفكر” وحرية “الكفر”…و”واجب” تسمية الأشياء بأسمائها !

حرية”الفكر” وحرية “الكفر”…و”واجب” تسمية الأشياء بأسمائها !

د.أحمد خيري العمري


ليس غريبا أبدا أن يتعرض مقام النبوة للتجريح أو التشكيك أو قلة الأدب.فهذا جزء من “متاعب المهنة” إن جاز لنا التعبير، وهو يتجاوز فترة حياة الأنبياء إلى ما بعد وفاتهم طالما كان لهم أتباع وتأثير ممتد عبر القرون…

وهكذا فانه عليه الصلاة والسلام تعرض للإيذاء والتجريح في حياته، فقيل عنه مجنون وشاعر، وقيل عنه بعد وفاته عليه الصلاة والسلام أشياء أخرى كثيرة ، ولا يزالون يقولون حتى يومنا هذا (إرهابي، مغتصب أطفال….الخ).

إلى هنا والأمر عادي ولا يجب أن يثير الاستغراب أو حتى ردود الفعل المبالغ بها.

لكن ما يثير العجب ، هو الظاهرة  التي أراها جديدة في التعامل مع إيذاء الرسول من قبل بعض  الاسلاميين[1] أو من يستخدمون على الأقل نصوصا دينية في فحوى كلامهم ، فبعد أن كنا نجد المطالبين بتطبيق حد الردة والحرابة جاهزين لإشهار اتهاماتهم حتى عند أقل هفوة ، صرنا نجد اليوم “إسلاميين” لديهم نفس الحماس في الدفاع عن “كفريات” شديدة الوضوح، والذود عنها تحت هذا الشعار أو ذاك،وبالاعتماد على نصوص منتقاة ومجتزئة من سياقها ، أي بالضبط كما يفعل نفس المتطرفين على الجهة الأخرى ، من المطالبين بتطبيق حد الردة حتى على غير المرتدين!..

وإذا كان لمتطرفي تطبيق حد الردة “تراث” فقهي متراكم يقف معهم (دون أن يعني ذلك التراكم كونه صوابا) فأن متطرفي الجهة الأخرى ظاهرة حديثة نسبيا ، ولا يكفي أبدا أن يفسر وجودهم بكونهم رد فعل لمتطرفي التطبيق ، بل يمكن أيضا فهم وجودهم بعقيدة النقص تجاه الغرب ، والرغبة الملحة بتقديم “نسخة معدلة” من الإسلام بما يتناسب مع المفاهيم الغربية ..لا يحدث ذلك بالضرورة عبر “مؤامرة” معدة مسبقا في أقبية المخابرات المركزية  كما يطيب للبعض أن يتصور ، بل تحدث في دهاليز نفسية أشد تعقيدا ، في منطقة  ما بين الانبهار المريض بالغرب ، والاحتقار الشديد للذات، ورد الفعل المتراكم تجاه فهم “سلبي” متراكم للنصوص الدينية..

كل هذا ، جعل البعض ، من  الإسلاميين ، أو ممن يستخدمون نصوصا دينية في طرح آرائهم ، يسقطون في خطأ مماثل لخطأ من يدافعون عنهم من المجدفين ممن يسيئون لمقام النبوة أو القرآن أو حتى الذات الإلهية..

هذا الخطأ هو إنكار وجود أي خطا أصلا !…كل شيء مما يقال صار خاضعا لحسن الظن والتأويل، حتى لو كان كفرا صريحا..!..كل شيء صار قابلا للتنازل في سبيل أن نعطي صورة معتدلة للإسلام ..لمن نعطي الصورة؟ ليس للغرب فحسب.بل لأنفسنا أيضا.نريد أن نقنع أنفسنا بفهم معين للإسلام كي نرتاح من تناقضاتنا.حتى لو كان هذا الفهم المعين يتناقض مع الكثير من النصوص في الإسلام..

كل هذا السياق ليس افتراضيا بطبيعة الحال.رغم أنه قد حدث في واقع افتراضي..

ولكي أكون  واضحا جدا هنا : الحديث عن عدم وجود حد للردة ، يجب أن لا يعني عدم وجود ردة…هناك فرق كبير بين الأمرين وللأسف البعض بالغ في عدم التفريق بينهما.

أحدهم على التويتر ، تعرض وبمناسبة المولد النبوي، لمقام النبوة  وللرسول عليه الصلاة والسلام بكلام يصعب جدا أن يخضع لتأويل يحسن الظن بمقصده. ربما يصعب أيضا تكفيره عليه.لكن إحسان الظن بما قال غير ممكن أيضا…خلال ساعات انتشر ما كتب انتشار النار في الهشيم ، بل انتشار الخبر في الشبكة(وهو أمر أراه أسرع من انتشار النار في الهشيم)، وتم نبش أرشيفه كاملا، فإذا به قد سبق له أن كتب ما يعبر عن عدم إيمانه بالله ، ..وعن رفض واضح للشعائر باعتبارها “قيودا غبية”-على سبيل المثال..بالاضافة لأشياء أخرى تبين بوضوح “تصنيفه”.

حصل ما هو متوقع من ردود فعل تطالب برأسه وإهدار دمه (عبر تقديمه إلى القضاء أو مباشرة عبر متطوعين جاهزين، بل حدث تعميم لعنوان منزله التفصيلي!..) وخلال أقل من أربع وعشرين ساعة أصدر نفس الشخص بيانا يتراجع فيه عن كل ما كتب ، ويقر بخطأ ما قال ، بل نقل عنه مقربون أنه قال “الشهادة” أمام  جمع من الناس بعدما اغتسل وتوضئ…

قال أحد كبار الدعاة أنه أحس بالصدق في بيان الرجل المتراجع.غير مهم.صدق أو لا صدق.لقد تراجع وأقر بخطأ ما قال.نقطة انتهى.كل ما قيل عن أي عقوبة سيكون لا معنى له حتى بأشد الآراء الفقهية تشددا في الموضوع…كل إصرار على العقوبة بعد هذا هو أمر لا يقدم عليه إلا جاهل ومتجاهل.

هل يعني هذا أني أؤيد بيان التراجع؟ وبالتالي أؤيد التهديدات التي تعرض لها الرجل؟

قطعا لا.أي سخف هذا الذي سيجعلنا نحرم الرجل من حقه في الكفر.نعم.حقه في الكفر…أكرر : حقه في أن يكفر..أن يكون كافرا ..أن يذهب إلى جهنم…

القرآن الكريم كفل حق الكفر لمن شاء أن يكفر…

“وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا، أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ؟” (يونس99 )

وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا “( الكهف29)..

“لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ” ( البقرة256)

وإذا لم يكن التهديد بالقتل إكراها ، فلا إكراه إذن !..

ماذا عن حد الردة إذن ؟

هذا الحد  لم يطبقه الرسول عليه الصلاة والسلام ولو مرة واحدة في حياته رغم وجود مرتدين معروفين بالاسم؟!.. هل نستغرب هذا؟ كيف والقرآن لم ينص على أي عقوبة دنيوية للمرتد..بل نص على وعيد آخروي ولعن فحسب..

“وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ” (البقرة 127)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ  المائدة(54)،

إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (137 النساء)

كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَآل عمران 86/87

وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا” (النساء 115)

ماذا عن الحديث المعروف بهذا الشأن؟ ماذا عن وجود سبب معروف للحديث يربطه بمؤامرة من قبل يهود المدينة، وهي المؤامرة التي بينتها الآية القرآنية الكريمة

“وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” (آل عمران 72)..

أي أن اليهود كانوا يريدون الدخول في الإسلام والخروج منه –كل يوم- لغرض تفتيت الجبهة الداخلية للمجتمع المسلم والبقاء في الوقت نفسه يهودا..أي “حيلة شرعية”-حسب شرعهم ، توفق بين البشارات الموجودة بالنبي الجديد،عليه الصلاة والسلام، في كتبهم ، وبين بقائهم يهودا…

هذه هي الأسباب التي ولد ضمنها الحديث المشهور عن الردة، الذي يتداول اليوم بمعزل عن سبب “قوله”..[2]

لم يحدث قط أن طبق حد الردة في عهده عليه الصلاة والسلام أو في عهد أبي بكر وعمر،إلا عندما ارتبط أمر الردة بجريمة أخرى (قتل مثلا) وهو أمر مختلف تماما.

لاحقا،حدث تداخل سياسي –فقهي أدى بالتدريج إلى تكوين مفهوم حد الردة على النحو الذي وصلنا والذي يطالب البعض بتطبيقه !..[3]

لكن عدم وجود حد للردة-بالشكل الذي فهمناه-، لا يعني عدم وجود ردة !..أو مرتدين !..وهو ما تطرف فيه المدافعون عن الحرية الفكرية.هم لم يدافعوا عن حق الكفر.بل دافعوا عن حرية الفكر وأنكروا أن هذا كان كفرا من الأساس. الفرق كبير وكبير جدا. القرآن كفل حرية الكفر.وحرية الارتداد عن الدين وعدم الدخول فيه ، لكنه أيضا وضع تصنيفا واضحا لكل هذه الحالات.الكافر كافر.لا يعني ذلك أبدا ولا يجب أن يكون حكما بالإعدام عليه.لكنه “كافر”..، عقوبته ستكون آخروية  ما دام لم يتركب جرما “جنائيا” مصاحبا لردته ،..(علما إن الأقصاء الاجتماعي الذي يمكن أن ينال المرتد يمكن أن يكون أكبر أثرا عليه من أي عقوبة قتل جاهزة تنفذ فيه وتحوله إلى “شهيد الفكر والحرية”..كما سيحدث لأي تافه لو قتل على يد إسلاميين..)

إما أن نقول أنه كافر ،أو أن ما قاله كان كفرا إن شئنا التمييز بين الحالتين…لكن لا يمكن ترك الأمور مائعة بين تسميات هائمة دون ضابط شرعي ، كل ما يمكن تخيله من تسميات هائمة ولا معنى حقيقي لها تم استخدامها في سياق الدفاع عن حرية الفكر في الحالة المشار إليها أعلاه…كل ما يمكن تخيله من نصوص لا رابط لها بالموضوع ، تم استخدامها في الحوارات والنقاشات عن الأمر ، وهي حوارات لا يمكن تجاهلها أو تجاهل أثرها حتى لو كانت لا تتسق مع الصورة الذهنية عن “طلبة العلم” و العلم الشرعي على نحو عام..

لا يمكن افتراض سوء نية في المدافعين.دفاعهم في النهاية هو نتيجة طبيعية لما يزيد من عشر سنوات من رد الفعل تجاه التهجم على الاسلام ورسوله ، رد فعل حاول تقديم صورة  مغايرة للتهجم لكنها انتقائية تبرز “السلام” و”التسامح” و”الرقة” و”اللين”..بينما الاسلام هو دين التوازن بين كل هذا وعكسه.هو دين ما يجب عندما يجب.وما لا يجب عندما لا يجب .توجد نصوص فعلا تؤيد التسامح والتعايش وتحض عليه.وهناك نصوص أخرى تحض على تغيير ما لا يمكن التعايش معه ولو بالقوة.سيرته عليه الصلاة والسلام عكست ذلك .وسيبقى هذا موجودا (في النصوص وفي السيرة) رغما عن أنوفنا جميعا، ومهما بذلنا أو بذل البعض منا الجهد في التعمية عن ذلك أو غض النظر عنه..

سيقولون، وقد قالوا فعلا..:ماذا عن الدعوة؟ ماذا عن كسب قلب هذا الرجل وسواه؟

ماذا عن ذلك حقا؟..

هل كانت الدعوة سببا في أن لا يقول القرآن للكافر أنه كافر ؟!..هل كانت سببا في أن لا يخاطب الكفار ويستفزهم بأشد الصفات والنعوت قوة..بكونهم كالأنعام بل أضل سبيلا. من قال أن ذلك لا يستفزهم نحو الإيمان أصلا. من قال أن “اللين” في الدعوة وحده هو ما يجذب الناس.على العكس، المبالغة في اللين تعطي أحيانا إيحاء بالضعف، بوجود مشكلة في الموقف أصلا.ولا أحد يتبع الضعفاء..

هذا أولا.

ثانيا- من قال أن علينا أن نقنع الجميع بأي فكرة مهما كانت صائبة؟..من قال أن ذلك ممكن أصلا؟ من قال أن عدم إيمان “الجميع” بفكرة ما يعود إلى خطأ ما في الفكرة أو في عرضها.هذا هراء.وهو هراء منتشر للأسف.ومستنزف أيضا. فهو يجعل “منتجي” الفكر أو الدعوة يحاولون أن ينتجوا فكرهم بطريقة تراعي “قبول المتلقي” أكثر مما تراعي الفكرة ذاتها :تناسقها وصلابتها..أي أن السلعة هنا عليها أن ترضي “أذواق” أغلبية الناس..أي توافق أفكارهم..وهذا يعني أن السلعة الفكرية –حسب هذا الهراء- لن تقدم شيئا جديدا بقدر ما ستعمل على تعزيز أفكار مسبقة عند أغلبية الناس أصلا..مالفائدة إذن من الفكرة الجديدة؟..ماذا لو كانت أفكار الناس المكرسة بحاجة إلى هدم ؟ إلى نسف ؟ ألن يقودنا هذا إلى عدم تقبل البعض وهجوم البعض، و..قبول البعض الآخر؟ هل يعني هذا أن الفكرة الجديدة خطأ لمجرد أن هناك من لا يؤمن بها..؟؟

لو كان هذا صحيحا لكان قدحا في رسالة الرسول الكريم نفسه.لقد حمل عليه الصلاة والسلام أعظم رسالة للبشرية وبأعظم أسلوب.فماذا كان؟ هل آمن به الجميع؟ هل اقتنع الجميع بما دعاهم له؟ لا، طبعا.بل قدم بعضهم حياته وهو يرفض ما جاء به.هل يعني هذا أنه قصر عليه الصلاة والسلام؟..هل يعني أنه كان عليه أن يغير منهجه وأسلوبه أملا في كسب قلوب وعقول الكفار؟..لا طبعا. ..وهذا ما يتجاوزه الهراء المنتشر الذي يصر على أن عدم رواج فكرة أو حيازتها على الأغلبية يعني وجود مشكلة فيها..

ليس من مهمتنا أن يدخل الجميع الجنة.هناك ناس يختارون جهنم عن سابق قصد وتصميم.هناك ناس “وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( الأنفال23)..

هل نعلم من هؤلاء؟ هل يمكن أن نحددهم.قطعا لا.لكنهم أحيانا يفعلون ذلك بأنفسهم.يقولون الكفر ويصرون عليه.ربما لا يعرفون أنه كفر.نحن نساعدهم على الاستمرار فيه وفي الإصرار عليه عندما لا نسميه باسمه. عندما نلف وندور ونجامل حرصا على “الصورة” و”السمعة”..

نعم في موروثنا الفكري ما يستحق أن نثور عليه مثلما يستحق المستبدون والطغاة الثورة..ومن ضمن هذا الموروث “مفهوم حد الردة” على النحو الذي فهمناه..(4)

لكن التظاهر بأنه لا كفر ولا ردة ، وشطب نصف آيات القرآن هو مما يستحق ثورة أكبر..

نعم.من حق الكفار أن يكفروا.هذا شأنهم.ومن واجبنا أن نكون ضد إعدامهم.فالردة لا تستوجب الإعدام.وسينتظرهم في الآخرة ما يستحقون ما لم يتوبوا ..

لكن مثلما لهم الحق في أن يكفروا، فمن واجبنا نحن أن نسمي الأشياء باسمها..كل الآيات التي كفلت حرية المعتقد فعلت ذلك ضمن هذا السياق : الغي، الرشد ، الكفر ، الإيمان..

حرية المعتقد (بما في ذلك الكفر والإلحاد) لا يجب أن تتنافى مع صراحتنا في التوصيف والتصنيف، هذا هو المنهج القرآني –النبوي..بلا مزايدات ولا مجاملات ولا لف أو دوران..

كما نؤيد حقهم في أن يقولوا “كفرهم”، فمن حقنا أيضا أن نقول أنه كفر..وأن نؤكد أيضا أن هذا لا يعني  بالضروة”إعدامهم”..

لا يجب أن يمنعوننا من حقنا في تسمية الأشياء بما اختاره الله لها..،في الوقت الذي يحصلون هم من الحرية الفكرية، على حقهم في الكفر..

حق الكفر الذي كفله لهم القرآن ، قبل أن تكفله لهم “الحرية الفكرية”..



[1] كلمة “محسوبين على الإسلاميين” لا تعني أنهم ليسوا مسلمين..فالإسلامي هو من يحمل فكرا إسلاميا محددا، أما المسلم فهو من شهد بالشهادتين.

[2] للمزيد عن الموضوع ، لا غنى عن كتاب طه جابر العلواني بعنوان “لا إكراه في الدين” وهو يتناول موضوع الردة تفصيلا

لتحميل الكتاب

http://www.mediafire.com/?fvbvg63tyrhri2e

[3] لا تفوتني هنا الاشارة إلى دراسة الأستاذ يحيى جاد عن الموضوع ،وهي أربع مقالات نفيسة

http://www.ikhwan.net/forum/showthread.php?159006-%C7%E1%D1%CF%C9-%E6%C7%E1%CD%D1%ED%C9-%C7%E1%DD%DF%D1%ED%C9-%CF%D1%C7%D3%C9-%CA%C3%D5%ED%E1%ED%C9-%CA%CC%CF%ED%CF%ED%C9-%ED%CD%ED%EC-%CC%C7%CF

(4)والذي أرى أنه تحول من “التعزير” الذي يحدده الحاكم ، إلى “إعدام” لم يثبت بنص..

الهيكل : نصب تذكاري للفشل

الهيكل : نصب تذكاري للفشل

د.أحمد خيري العمري

                                     

لم أفرح بموقف مضاد للثورة ، بعد موقف البوطي..كما فرحت بموقف محمد حسنين هيكل الذي أعلنه مؤخرا من ثورات الربيع العربي عموما،ومن الثورة السورية خصوصا ، التي رفض أصلا أن يسميها “ثورة”..

بالنسبة لي –وللكثيرين غيري-، يمثل البوطي فكرا تقليديا يتحمل جزءا كبيرا من المسئولية التاريخية في استسلام “العقل الجمعي” للاستبداد كما لأشياء أخرى، وعندما يقف البوطي ضد الثورة ومع الاستبداد فأنه في حقيقة الأمر ليس منافقا للسلطة  كما يتصور البعض بل هو يعبر عن الفكر الذي ينتمي له أصدق تعبير ، تحديدا أكثر بكثير من مشايخ آخرين ينتمون لنفس الفكر لكنهم فضلوا الصمت المحايد ،أو فضلوا  الكلام المزدوج الذي يفسر باتجاهين،حرصا منهم على مكانتهم فيما لو نجحت الثورة..وحرصا أيضا على مكانتهم فيما لو فشلت !

لكن المؤسسة الدينية التقليدية ليست الشريك الوحيد للاستبداد، صحيح إنها مسئولة إلى حد كبير عن زرع القابلية له في العقل الجمعي ، لكن الاستبداد بالشكل المعاصر الذي ساد وازدهر في مرحلة ما بعد الاستعمار في بلداننا، كان له شركاء أهم (استثمروا القابلية التي غرستها المؤسسة بلا شك، حتى وإن لم يتعمدوا ذلك)..يتمثل هؤلاء الشركاء في تلك النخب المثقفة التي تحالفت مع “العسكرتاريا” وروجت لقبضتها الحديدية تحت شعارات براقة ومخادعة..

يمثل هيكل بجدارة تلك النخب، فعلاقته بعبد الناصر، تكاد تكون أقصى نموذج وصله “مثقف” في علاقته بالسلطة، فقد تجاوز الدور المعتاد لنديم السلطان و “المسلواتي”  إلى الاقتراب الحقيقي من مصادر القرار أو على الأقل استخدام  كل ما أوتي من سلاسة أسلوب وجاذبية منطق وحلاوة لسان  للترويج ولشرعنة مشاريع الاستبداد وأيدلوجياته وتبرير كوارثه وتلطيف هزائمه..

هذا هو الدور الأساسي الذي لعبه هيكل مع عبد الناصر، زعيم العسكر الأكثر جاذبية وتأثيرا في الوطن العربي ، وزعيم المشروع القومي العربي..

لم يكن عبد الناصر هو أول العسكر الذين قادوا انقلابا للوصول إلى السلطة في الوطن العربي ، فقد سبقه ضباط في سوريا والعراق في ذلك،بمحاولات متفاوتة النجاح، لكن تأثيرها كان محليا ومحدودا، وكان عبد الناصر مختلفا حتما، فقد كان شخصية زعامية ، يمتلك طلة مهيبة محببة وقدرات خطابية لا يمكن إنكارها، كما انه  امتلك طموحا واضحا لم يمتلكه ضباط الانقلابات في العراق وسوريا(كانت انقلاباتهم أشبه بمشاجرة في ملهى ليلي!)، والأهم من كل ذلك امتلك مشروعه الذي تجاوز حدود مصر ، ليصل إلى كل الوطن العربي، كما إنه امتلك قلوب العرب بخطاباته وشعاراته حتى أكثر مما امتلك قلوب المصريين،وهي حقيقة تكررت مع صدام أيضا ، الذي يحبه بعض العرب أكثر بكثير مما أحبه أغلب العراقيين ، وربما تتمثل في قول بليغ وموجز للعلامة عبد الرزاق السنهوري الذي كان أستاذا لوالدي ووالدتي في كلية الحقوق في جامعة بغداد، عندما زاراه في مصر بعد سنوات طويلة ، أعربت له والدتي عن دهشتها البالغة من شعورها بأن العراقيين يحبون عبد الناصر أكثر مما يفعل المصريون ، فقال لها بإيجاز (وأتخيل بحزن): الطبلة صوتها حلو من بعيد بس !…

هكذا كان عبد الناصر ملهما للملايين من العرب الذين كانوا ينتظرون خطاباته الطويلة كما ينتظرون حفلة أم كلثوم أول كل خميس من كل شهر، وكانوا يتعاملون مع خطابات عبد الناصر بنفس الطريقة تقريبا: طريقة الله الله يا ست ، وأعد أعد..أي بالطريقة التطريبية التي تنتهي عند كل قفلة خطابية بالنهاية السعيدة المتوقعة، أي بالتصفيق الحاد..

دغدغ المشروع الناصري مشاعر العرب وأحلامهم أكثر مما فعل مع عقولهم ، ربما لأن المشروع نفسه لم يحتوي على نظرية متماسكة أصيلة بقدر ما احتوى على رقع من هنا وهناك حتى صار كحذاء الطنبوري ، كله رقع..لكن حلم الوحدة العربية ،من المحيط إلى الخليج، كان حلما أخاذا جعل قلوب الناس تهوي إليه وإلى عبد الناصر و تحاول استنساخ تجربته الانقلابية العسكرية في أماكن تواجدها، فكانت كوارث العراق وسوريا واليمن وليبيا مما سيبقى إلى يوم الدين في ميزان سيئات عبد الناصر ورفاقه ، صحيح إن بعض الحركات السياسية التي استثمرت في المد الناصري ناصبته العداء وانقلبت عليه (كالبعثيين ،الذين لم يبقوا أحدا لم يعادوه،حتى أنفسهم!)..لكن الطريقة التي وصلت فيها هذه الحركات  للسلطة،وكذلك الكثير من الشعارات التي استخدمتها،والقوانين التي شرعتها ،كانت كلها مستنسخة من التجربة الناصرية..

 العامل المشترك الأهم الذي جمع هذه التجارب بالتجربة الناصرية وكان بمثابة طوق الأمان في استمراريتها ، هو نموذج الدولة البوليسية-المخابراتية على النمط الستاليني الذي اعتمده عبد الناصر لتمكين حكم القبضة الأمنية و ضمان أن لا يعكر صفو مشروعه أي مناوئ أو معارض لهذا المشروع…

لن أدعي أن الشعوب في مرحلة ما قبل عبد الناصر كانت تعيش في “ثبات ونبات”..لكن القبضة الأمنية كانت أقل حتما ودون نقاش ، القمع كان أقل..وكانت هناك مشاكل حقيقية في التنمية على كافة الأصعدة..

ثم جاء عبد الناصر ومشروعه القومي- الاشتراكي و استورد قوانينه من تجارب حضارية أخرى تختلف في تفاصيل نشوئها وبالتالي في تفاصيل حل مشاكلها، لكن “العساكر” لم يفهموا ذلك ، فقاموا باستيراد قوانين التأميم والإصلاحات الزراعي-مثلا- كما يستوردون “العلف” و كانت النتيجة أن حصل تسمم كبير جدا من جراء الدواء دون أن تنتج عنه فعالية علاجية كبيرة ، حدث تفكيك لبنية مجتمع لم يكن على ما يرام بالتأكيد قبل انقلابات العسكر، لكن النتيجة لم تكن أفضل بعدها، صحيح أن شعارات التحرر من الاستعمار صارت “رسمية” إلا أن ذلك تزامن مع حقيقة تغير طبيعة الاستعمار نفسه، وانتقاله من الاحتلال المباشر إلى السيطرة غير المباشرة ، وهو أمر لم يجد العسكر مشكلة كبيرة فيه ابتداء ، ما دام يوحي للشعوب المغلوبة على أمرها أن الاستقلال تحقق..

المشروع الناصري ، ومثله مشاريع الدول التي حذت حذوه ، انتهت بالفشل الذريع.لا يمكن لأحد أن يجادل في ذلك.فشلت في تحقيق أهدافها حتى بمعاييرها الخاصة ، التنمية لم تتحقق (النهضة لم تتحقق أيضا ولكن ذلك لم يكن ضمن أهدافها أصلا)..الوحدة لم تتحقق بل زادت التجزئة ، الحرية لم تتحقق بل تشددت حكم القبضة الأمنية حتى صار الأخ يخشى أن يتحدث أمام أخيه..،دخل في صراع مرير وقمعي مع التيار الإسلامي وأحدث شقا لن يمكن ردمه بسهولة بين التيار القومي والديني، فلسطين لم تتحرر، بل ضاعت كليا بعدما كان ضياعها جزئي، وضاعت معها  أراض أخرى…وضاعت معها أحلام الشعوب العربية في دولة عربية واحدة من المحيط إلى الخليج..

هل كانت التجربة مسئولة حقا عن النتائج التي انتهت إليها ، هل كان كل ما جرى مجرد أخطاء في التطبيق، أم أن تلك التناقضات والرقع التي أمتلئ بها المشروع نفسه هي التي أدت إلى تلك الكوارث، كما يحدث في كل المشاريع غير المتماسكة..؟

ربما ليس هذا المجال للخوض في هذا ، لكن موقف هيكل، عرّاب حكم العسكر ، من الثورة السورية هو ما يستحق الوقوف عنده..

رغم أن الكثيرين صدمهم الموقف..إلا أن موقف الرجل في الحقيقة  يعبر عن موقف الكثيرين من المنتمين لهذا التيار أو المشروع القومي بشكل عام..لم يكن ذلك واضحا في البداية مع ثورتي تونس ومصر ، إذ أن النظامين الذين أسقطا هنا كانا مضادين للتيار القومي –العسكري ، علما أن نظام مصر هو وريث شرعي لعبد الناصر..لذلك وقف هؤلاء شامتين..وربما أطلقوا تحليلات أو شعارات مؤيدة للثورة..وكانت تحليلاتهم غالبا مؤدلجة وتحمل رائحة التيار القومي ولكن بعد إجراء بعض التعديلات عليه (فيما يتعلق بالحريات طبعا)..اختلف الأمر قليلا مع ليبيا..ولكن كان القذافي ، قد ولغ في جنون “صريح” يجعل كل من يسانده يبدو مجنونا مثله ، لذلك فلم يساندوه ولكنهم أيضا تباكوا على طريقة قتله بحجج لم يأبهوا لها عندما كان تيارهم في السلطة..        

مع  الثورة السورية بدا الموقف أكثر تحديا : لذا كان الكثير من رموز هذا التيار مؤيدين للإصلاح”بقيادة الدكتور بشار” أولا ، ومشككين بوجود مؤامرة ، ومن ثم منسقين لحل لا ينهي الحكم الأسدي تماما..ويتوج ذلك كله تصريحات هيكل التي تنفي عن الثورة السورية أسم الثورة أصلا ، وتقول إن كل ما يجري هو سايكس بيكو جديد ، وإن عدة مشاريع تبتلع الوطن العربي، غربي-أمريكي ، إيراني ، تركي..الخ.

كيف يمكن لهيكل ان لا يكون ضد هذه الثورة ؟ بالنسبة له، لم يكن ما حدث في حزيران 1967 هزيمة ، بل كان مجرد نكسة (وهو التعبير المخفف الذي استخدمه ليكون أفيونا مخدرا للجماهير)..لا.هزيمة 1967 ليست هزيمة..مجرد نكسة، مادامت لم تقوض حكم العسكر..لكن الثورة السورية ، بمجرد انطلاقتها، هي الهزيمة الحقيقية لهيكل..هي الهزيمة لذلك المشروع الذي كان عرابه المخلص الأمين لعقود..مجرد أن يثور السوريون على حاكم طاغية مستبد ، طالما نادى بشعارات العروبة والمقاومة ، هي هزيمة لهيكل..هزيمة عليه أن يقاومها فيحولها إلى “لا ثورة” ومؤامرة.. وسايكس بيكو..الخ..

وقف أمثال هيكل مبهوتين أمام الثورات.طالما تصوروا أن هذه الشعوب مجرد مطايا تصفق للمنتصر.يحتل العساكر الإذاعة.يطلقون بعض الرصاصات.يقرا أحدهم البيان رقم واحد. تخرج الجماهير لتصفق في اليوم التالي..هذه هي “الثورة” في نظرهم..مجموعة من الضباط “الأحرار!” يقيدون شعبا كاملا لمجرد أن لديهم رتبا عسكرية على أكتافهم..كلها كانت مجرد انقلابات..أسماها هيكل وسواه ثورة، كما أسمى الهزيمة نكسة..فكيف يمكن له أن يرى الشعب خارجا ثائرا متحديا كل آلات القمع وأساليبه دون أن يشعر بالهزيمة..هزيمة مشروعه الذي طالما تبناه؟ دون أن يشعر بالغيرة على أقل تقدير؟؟..

أغرب ما في تصريحه كان الحديث عن سايكس بيكو جديد..!..ظريف جدا أن يعظنا عرّاب العسكر عن سايكس بيكو والمشاريع الغربية !..بالذات أن يحذرنا مما سيده”عبد الناصر” متهم فيه.بل يتهمنا بما اعترف فيه هو أصلا في كتبه بغير اللغة العربية.فالهيكل لديه نسختان من كتبه : نسخة لليافعين والناشئة باللغة العربية يقول فيها ما يريد لهم أن يعرفوه ، ونسخة للراشدين والبالغين يقول فيها لهم جزء أكبر من الحقيقة.وبينما كان يصور في نسخة اليافعين عبد الناصر كما لو كان أسدا قوميا معاديا للقوى الامبريالية ، لإنه في كتب البالغين يعترف بصراحة بأن ثورة يوليو كانت جزءا من سياسة الإحلال الأمريكية البديلة للسيطرة البريطانية، أي على طريقة “مات الملك البريطاني، عاش الرئيس الأمريكي “..(ولمحمد جلال كشك كتاب مفصل بعنوان “ثورة يوليو الأمريكية” وفيه فصل يحتوى على شهادات موثقة لهيكل نفسه من كتبه “الصادرة بلغات أخرى” بهذا الخصوص، والكتاب متوفر على الشبكة لمن أراد المزيد)..

شخصيا لا أتصور أن هناك سياسة ممكنة دون اللعب على توازنات القوى الدولية وصراع الإرادات فيها، لكن الفرق بين السياسي الوطني ، والسياسي غير الوطني هو أن تكون مصلحة بلده هي المقدمة على مصالح من يتعاون معهم من الخارج..حتى لو كانت لهم مصلحة هم متحققة..أقول ذلك تذكيرا بهذا فقط، فلست بصدد اتهام عبد الناصر بالعمالة،ولكن غريب جدا أن يأتي هذا التصريح من هيكل بالذات وهو يعلم أن “انقلاب الضباط الأحرار”  كان له ما له من الصلات مع الأمريكيين ومنذ البداية!..فلماذا يكون ذلك حلالا عليه وحراما على سواه، على فرض أن ذلك موجود أصلا في ثورات الشعوب ، علما أن هذا يصعب تحقيقه في ثورات الشعوب، ويسهل تحقيقه جدا في انقلابات العسكر، حيث يمكن تجنيدهم واختراقهم أو منحهم ضمانات معينة منذ البداية وبمنتهى السهولة..أما ثورات اطلقت بشعارت عفوية “الموت ولا المذلة” وأطفال درعا التي يخرج لها مئات الألوف إلى الشارع، فهذا صعب جدا.. من المؤكد أن هيكل أكثر ذكاء من هذا، لكنه فقط يتظاهر بالغباء!..وهو يعول على أن مشاهدي الجزيرة لم يقرؤوا نسخ الراشدين من كتبه!

لا يقل ذلك غرابة عن ما قاله بخصوص “الطبقة الوسطى” في مدينتي دمشق وحلب.فهو يدعي أن الطبقة الوسطى ساكتة في هاتين المدينتين ويعتبر هذا دليلا على عدم وجود الثورة. مجرد أن ينطق هيكل بهذا، يدل على جهله التام بطبيعة الطبقة الوسطى السورية ، ويذكرنا كيف أهينت هذه الطبقة بالذات على يد عساكره أبان الوحدة “الافتراضية” بين مصر وسوريا ،بل كيف كان ذلك سببا في انهيار هذه الوحدة وفشلها..ثم عن أي طبقة وسطى بالضبط يتحدث؟ عن الطبقة التي تم تهميشها وتنحيتاه جانبا منذ أن استلم العساكر السلطة!…أليس ذلك جزءا أساسيا من كل مشاكلنا الحالية؟ كيف يمتلك الجرأة أصلا أن يقول ذلك..وكيف له أن يتجاهل مدنا عريقة في سوريا مثل حمص وحماه وغيرها ، وكلها لا تقل عراقة عن  دمشق وحلب، وفيها طبقة وسطى أيضا ، وسكانها ليسوا رعاة غنم !..

لكنه معذور.كل جمعة ، يشاهد هذه الجموع تخرج”من المساجد!” لتتحدى أقوى نظام قمعي بوليسي ، كيف يمكن إلا أن يشعر أنها الهزيمة..هزيمة المشروع الذي كان هو كبير كهنته وعرّابه والناطق باسمه..

الهيكل بالمناسبة يجيد التحدث حتما.لكن لا تتصوروا أنه يجيد التحليل دوما.يوم اصطدمت الطائرات في برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك خرج الهيكل بتحليل عجيب يتهم الصرب-!- بالموضوع. وظل مصرا على رأيه حتى بعدما أثبت العكس بالوثائق والاعترافات ( لسان حاله ، الناطق بالدونية التاريخية وبالشعور بالنقص تجاه كل ما هو غربي يقول : لا يمكن لمسلمين أو عرب أن ينفذوا شيئا متقنا كهذا !..لا بد أنهم أجانب!..صرب على الأقل!) ..

هذا الشعور بالدونية والنقص ، والتشاوف والتباهي المخزي، ينضح في كل أحاديثه وكتاباته،وهو ما قد يجعلها مسلية ومشوقة لكن ليس بالضرورة” مفيدة”  ..جلس مع فورد ونفخ فورد في الحساء، تناول العشاء مع السير فلان واللورد علان في مطعم يطبخ فيه طباخ سابق للملكة اليزابيث!،… جلس على نفس الكرسي الذي جلس فيه الدوق فلان الفلاني ، سأل الليدي الفلانية هل كان الجنرال مونتغمري لوطيا فعلا؟.فابتسمت وهي تحتسي الشاي الانجليزي وقالت له : هو إيه الي فكرك بالحاجات دي يا مدهول؟..

  وهذا ما يقودنا أيضا إلى تناقضات أساسية تتمثل في هيكل الشخص لكنها تعبر عن  تناقض المشروع مع شعاراته، وهو أمر لا يمكن أن ننسبه للبوطي مثلا، البوطي يعيش مبدأه رغم أننا نعتقد فساد المبدأ.لكنه على الأقل يعيش في حياة شبه زاهدة بمختلف المقاييس..أما عرّاب الاشتراكية والتأميم والإصلاح الزراعي فهو يعيش على عكس مبادئه حياة “الخمس نجوم” والجت سيت ،ثروة أولاده تناهز ثروة أولاد مبارك أنفسهم..ولآن ذلك حدث في مصر ، وليس في اليابان مثلا، فأننا نعرف أن ذلك لا يمكن أن يكون دونما استثمار لعلاقات نافذة..حتى وإن كان هيكل يبدو مضادا لحكومة مبارك..

المشروع الذي كان هيكل عرّابه فشل وهزم حتما.لكن هيكله لا يزال قائما.مثل بيت عتيق هجره سكانه وأضحى آيلا للسقوط..الهيكل صار خطرا ومرتعا للصوص وشذاذ الآفاق..ويضم مرتشين ومدرسة للفساد بكل أنواعه..لذا فلا بد من إزالته..لن يكون ذلك سهلا، كما أنه ليس سهلا مع المؤسسة الدينية التقليدية..لكن لا بد مما ليس منه بد..مهما كانت التكلفة…

 

..حتى ذلك الحين.

سيبقى الهيكل ، نصبا تذكاريا للفشل..

لكن آن لنا أن نقول له أن يصمت..بح..خلص الكلام..

 

رمضان غير “شكل” مع الثورة -3-

رمضان غير شكل مع الثورة -3-

 

خيط أبيض..وخيط أسود..وبينهما قصة حياتك

وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ البقرة 187

لا يمكن ، حسب هذه الآية ، أن نصوم ، أن نبدأ صيامنا ، ما لم نتبين “الخيط الأبيض من الخيط الأسود” من الفجر..

والمعنى المباشر لذلك واضح ، وهو الوقت المحدد الذي يبدأ فيه الصوم، والتفريق بين بياض النهار وسواد الليل..

لكن من قال إن ذلك هو كل شيء فحسب؟ فالقرآن يفتح لنا دوما آفاق متعددة، نعيد بها فهم كل كلمة على نحو ينير لنا كل خطوة نخطوها في دربنا..

لا يمكنك أن تقوم بهذه الشعيرة، التي هي الركن الثالث من أركان الإسلام، ما لم يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود..

أليس هذا ما يجب أن نفعله فعلا في كل خطوة من خطوات حياتنا ، أن نبحث عن الخيط الأبيض لنميزه ونفرزه عن الخيط الأسود؟..أليست حياتنا في حقيقتها هي ذلك الصراع الطويل المرير بين خيوط بيضاء وأخرى سوداء..بعضها تلتف حولك..وبعضها تشدك..خيوط تركض خلفك..وخيوط تركض خلفها..

وهي “خيوط” …خيوط دقيقة..لأن الحق والباطل لا يكون دوما بياضا ساطعا أو سوادا كالحا..بل يكون أحيانا مجرد “خيط”..ولكنه لا يقل أهمية عن الضوء الساطع..لأنه المدخل إليه..لأنه العلامة عليه..لو أخطئت الخيط..لأخطأت الدرب كله لاحقا…

في رمضان ، نستشعر أهمية الخيط الأبيض من الخيط الأسود، إن تجاوزت هذا أو ذاك يبطل صيامك، وكذلك الأمر في كل خطوة من حياتك، قد يكون السواد حالكا، والبياض مجرد خيط بعيد، لكن عليك أن تجده، عليك أن تتحدى السواد المهيمن وتجده،لأنه دربك الوحيد إلى النور…

أن تجد هذا الخيط في حياتك يعني أن تقتل الحيرة،وأن تقتل المواقف “النصف-نصف” المائعة التي لن تزيدك من الحق إلا بعدا..أن تجد هذا الخيط ، يعني أنك ستكون قادرا على إقامة كل الشعائر..كما يجب أن تقام..

“يتبين لكم الخيط الأبيض من الأسود” تختصر قصة حياتنا كلها,..

المأساة إن بعضنا  قد يسهو عن ذلك..يسهو عن حياته..

 

http://www.youtube.com/watch?v=FNSbHrr09nQ&feature=channel_video_title

 

رمضان “غير شكل” مع الثورة -2-

رمضان غير شكل مع الثورة -2-

 

  كلما جاء رمضان  تذكرنا حديثه عليه الصلاة و السلام عن أبواب  تغلق و أخرى  تفتح، بالتأكيد  أبواب الجنة هي التي تفتح و أبواب جهنم  تغلق ،و تذكرنا أيضا في سياق الحديث   إن الشياطين تصفد. هذا بالذات ، أي تصفيد  الشياطين  في رمضان  له اثر كبير جدا على أدائنا في هذا الشهر .نحن نعلم طبعا وعموم الملتزمين وأولئك الذين يصومون فقط في رمضان يعلمون إنهم يكونون أفضل أداء خلال الشهر الفضيل منه في بقية السنة، ويرتبط ذلك- بوعيهم على الأقل-  في أنهم  يفسرون قوتهم  بهذا الشهر بموضوع الشياطين المصفدة ،يربطون قوة أدائهم بتصفيد الشياطين… وهذا جزء من الحقيقة ، فمجرد إيمانك بان الشياطين تصفد في رمضان فإن ذلك يجعلك أقوى وأفضل أداء..أي أن هذا الإيمان ينعكس إيجابيا على   توقعاتك من نفسك مما يجعلك “أفضل فعلا”..
  لكن ما هو سلبي  في هذا  وما يجب أن نعمل على تجاوزه هو مفهومنا القاصر عن وظيفة الشياطين وبالتالي مفهومنا القاصر عن طبيعة أدائنا وتحسنه….
 نتخيل دوما إن وظيفة الشياطين تقتصر على جرنا وغوايتنا  إلى منطقة معينة من المحرمات ، منطقة ترتبط بالشهوات “إياها”.. , لكن الحقيقة إن الشياطين لديها أيضا وظيفة أخرى لا تقل خطورة وقد تزيد.. .. الشيطان لا  يجعلك  تنظر إلى ما حرم الله فقط .. لا  .. أحيانا الشيطان يجعلك تتردد ، وأحيانا يجعلك تقبل الظلم وأحيانا يجعلك تسكت عن قول الحق … الشيطان أيضا يجعلك تتعود على الوضع الذي يجب أن لا تتعود عليه ..الشيطان يجعلك ترضى بما يجب أن ترفضه .. ويجعلك ترضى بما يجب أن تثور عليه  . الشيطان يزين لك البقاء في حياة لا يمكن أن تكون هي ما خلقنا من اجلها.  هذه هي وظائف الشياطين حقا ، بالاضافة إلى تلك الوظائف”الأخرى”..
  تصفد الشياطين في رمضان ليس فقط لان تكون اقوى في مجال غض النظر أو التعفف عن شهوة معينة.. لا طبعا، ليست هذه المسألة فقط،….شياطين التردد وشياطين الصمت وشياطين الخوف أيضا مصفدة.. وبذلك تكون أنت اقدر على أن تكون اقرب لكل ما منعتك منه الشياطين خلال السنة,  تترك التردد ، تترك قبول الظلم ، تفعل  الحق وتقول الحق.. لا تخف فالشيطان قد صفد …ومعها صفدت تلك المخاوف والوساوس التي كانت تحوك في صدرك وتجعلك  تخاف إن تفعل كذا وان تقول كذا وتخاف من كذا وكذا .. كل هذا يصفد في رمضان، وعندما يحدث ذلك فان تلك القيود الموجودة في داخلك تفك..وتجد نفسك قد ولدت حرا من جديد..
 .. تصفيد الشياطين في رمضان يجعلك أكثر حرية ويجعلك اقرب إلى ما يجب أن تكون عليه ..يجعلك اقرب إلى نفسك دون قيودها..
لو أنصت وأصغيت السمع قليلا ، ورمضان على الأبواب، لسمعت صوت الأغلال وهي تصفد الشياطين لكن هذا ليس كل شيء..إذ أن هناك أصوات أخرى..أصوات لقيودك وهي تفك… . لن يمكنك أن تميز حقا بين الاثنين..فصوت تصفيد الشياطين هو صوت فك أغلالك وقيودك…
عندما يأتي رمضان.. تصبح الحرية، حريتك.. على الباب ..
www.youtube.com/watch?v=1DBDnAjZE0w&feature=channel_video_title

 

رمضان “غير شكل” مع الثورة -1-

رمضان “غير شكل” مع الثورة -1-


كل رمضان يأتي نستقبله غالبا بأمنيةٍ تتعلق بالتغيير, تتعلق بان نفلح في تغيير أنفسنا من خلال الشهر الكريم .. وخلال الشهر الكريم…
أمنية تتعلق بان يغادرنا الشهر الفضيل ونحن أفضل مما دخلناه . يتعلق ذلك غالبا بالمغفرة التي نطمح إليه جميعا وأيضا بان نكون من عتقاء الشهر وأيضا وهذا هو أهم بان نولد من جديد في هذا الشهر  .
هل يحدث ذلك؟ أحيانا, ربما  , نسبيا, نعم , وأحيانا لا يحدث . وننتظر رمضان القادم لكي نتغير وبعدها وبعدها ..وبعدها..ونبقى ننتظر !
رمضان هذه السنة سيأتيننا ليجدنا مختلفين, سيأتي رمضان ليجدنا قد تغيرنا فعلا. . تغيرت الأمة بين رمضانين . لم يصدق احد ذلك إن هذا سيحدث بهذه السرعة..  ولكن هذا ما حصل . جاء رمضان هذه السنة ليجد أن الأمة قد انبعثت من جديد.
 دوما الحديث عن الولادة الرمضانية يكون حديثا فرديا شخصيا حتى لو كانت كل الشعائر مؤداة بشكل جماعي واجتماعي.. لكن الحديث دوما هو عن خلاص فردي..خلاصك كفرد..كشخص..وليس عن “الخلاص كأمة”…ليس عن الخلاص كمجتمع ..
 هذه المرة تحققت معجزة: يأتي رمضان ليجد إن الأمة  نفسها الأمة تخوض مخاضا جديدا لتولد من جديد…  هل كان هذا نتيجة دعاء صادق من قلب مهموم مفطور على وضع الأمة, دعاء في ليلة من ليالي القدر مثلا, أن يتغير واقع الأمة ,أم إن الأمر اعقد وأعمق من ذلك تتداخل فيه السنن وتتداخل فيه الاحتياجات الاجتماعية  مع هذه السنن ومع هذا الدعاء؟.. ربما… المهم أن ذلك هو ما حصل..تفسيرات ذلك قد تحتاج لعقود لاحقة…المهم هو أن نتغير الآن، وسيأتي لاحقا من يفسر سنن هذا التغيير..
 رمضان تلو رمضان  كنا نأمل في التغيير, رمضان هذه السنة هو فرصتنا  الحقيقية  في تغيير كامل لأنه  يدخل علينا  ونحن قد اختلفنا فعلا.. الأمة اليوم في وضع مختلف.. كانت في سبات والآن هي في غليان،في ترقب، في انتظار، لقد استيقظت ، طالما قالوا لنا إنها لن تفعل، طالما اقتنعنا  إن ذلك رجع بعيد لكنها استيقظت, سبحان الله, استيقظت . جاء الربيع على هذه الأمة” على حين غرة” بعد أن ظننا إن فصول اليأس والجدب والقحط لا نهاية لها في حياتنا على الأقل..
لكن ليس هذا كل شيء..ليس المهم أن يأتي الربيع فحسب..المهم أن يثمر..المهم أن يأتي موسم الحصاد أيضا..
 ورمضان فرصة أكيدة ليثمر هذا الربيع, رمضان فرصة أكيدة ليتحول هذا  الاستيقاظ إلى نهوض حقيقي  وتتحول الولادة إلى نضوج..
 كل شيء في رمضان مضاعف .. كل شيء.. الأجر فيه مضاعف وقوتنا فيه مضاعفة  وتغييرنا فيه مضاعف..
 رمضان يمنحك القوة لكي تفعل ما يجب أن تفعل..  قوة مضاعفة ستمكنك من أن تفعل ما يجب ان تفعل.  رمضان لن يسقط فقط الأنظمة التي يجب إن تسقط والتي ستسقط لا محالة  رمضان يجب أن  يسقط منظومة التفكير التي جعلت هذه الأنظمة جاثمة على عقولنا, ليس كل الأنظمة يجب أن تسقط, المهم هو أن تسقط منظومة التفكير هذه التي جعلت هذه الأنظمة جاثمة على عقولنا.  رمضان يمكنه أن يسقط كل القيود التي كبلتنا لقرون, رمضان يمكنه حتى  أن يسقط نفسك…
الشعب يريد أن يسقط النظام؟ نعم, وأنت أيضا أحيانا  تريد إن تسقط نفسك القديمة  التي نشأت عبر عقود متراكمة من كل ما هو سلبي.من اللف والدوران للتمكن من التعايش مع واقع سلبي…. رمضان يمكنه ان يسقط نفسك القديمة..ليقيم نفسك الجديدة على أسس جديدة وصائبة..
 رمضان يمكنه أن يسقط كل الفهم السلبي لديننا..ويثبت إن الحديث عن فهم آخر ليس حديث خرافة..بل حديث فعل وتطبيق..
 دوما يقولون في الدعايات التجارية -التي كرست رمضان شهرا استهلاكيا- رمضان غير مع “تانج” ورمضان غير مع ماجي  والى آخر هذه المنتجات التي لا تحتاج للترويج أصلا..
.. هذه السنة سيكون رمضانا مختلفا حقا..ليس مع تانج أو ماجي..بل مع نفسك الجديدة التي أنتجتها الثورة…
. رمضان “غير شكل” مع الثورة …

www.youtube.com/watch?v=FQqSM00ZSlY&feature=channel_video_title

فيسبوكيات 2

 

 فيسبوكيات..2

بعض المقاطع الصغيرة التي نشرتها على الفيس ، تجمع هنا، باعتبار إن الفيس سريع النسيان…

(إهدء إلى تنسيقية المهاجرين..وأحرار الحي…)
 ضبطت ابني زين العابدين متلبسا وعينه تدمع على صوت فيروز وهي تنشد”سنرجع
يوما إلى حينا..”..كانت عيناي تدمعان أيضا..ولكن هذا عادي جدا بالنسبة لي ..لكن ليس بالنسبة لزين…
قلت لأمه ذلك لاحقا. فعلقت : لا يذهب بالك بعيدا..لا اعتقد إن حينا ” بارك السعدون” قد جاء إلى باله فورا مع الأغنية ..
لا بد إنه تذكر” المهاجرين”…….
**********
أربع سنوات قضاها زين في حي المهاجرين،بين “المرابط” و”خورشيد أول”..كانت كفيلة لجعله يشعر بالانتماء..ومن ثم الحنين ..كذلك كان الأمر مع “آمنة”- التي أتقنت اللهجة الشامية تماما- وأكثر وأكثر مع أروى التي لا تحتفظ ذاكرتها بشيء لما قبل المهاجرين…
حدث الأمر أيضا معنا –أنا وزوجتي- حيث نبتت لنا جذور في “المهاجرين” بأسرع مما يفترض أن يحدث لمن كان في مثل سننا..
هل هو سحر دمشق؟ أم هل هو حي المهاجرين؟..أم هو قاسيون الشامخ بصمت مثل بركان كامن يتحين الإنفجار؟…أم هو هذه “الروحانية” الهادئة التي تسكن المكان؟
أم هو مزيج من كل ذلك هو ما يمنح لهذه المنطقة بالذات هذه القدرة على اقتناص كل من يمر بها بنية عابر سبيل، فإذا به قد سقط في أسرها..وصار من المهاجرين..
سقطت في حب دمشق، والمهاجرين، بلا سبق إصرار وترصد..أحببتها وكنت قد قررت أن لا أحب بعد بغداد مدينة..وشهقت كذا مرة وأنا في هذه القارة أو تلك وأنا أرى متحدثا في هذه الفضائية أو تلك وخلفه قاسيون..
وككل العشاق، لم تخل علاقتي بدمشق، وبمهاجرينها، من شد وجذب، وخصام وهجر وشجار، وتهديد بالهجر..وهجر..وصلح..
زاد ذلك طبعا بعد الثورة، فقد كنت منذ اليوم الأول ، وربما منذ اليوم “صفر” مع الثورة، أما دمشق فقد كانت تقول ولا تقول، تريد و لاتريد..، تعا ولا تيجي، لا تريد أن تقطع تلك الشعرة التي صارت جزءا منها، والتي فشلت في أن أقتنع إنها ضرورية دوما..بينما تراها هي كالماء والهواء..كجزء من هويتها..
أو على الأقل هذا ما بدا منها…في مرحلة ما من مراحل الثورة..
زادت شجاراتنا أنا ودمشق، هددتها بالهجر، فضحكت ساخرة من نزقي، وقلت لها “أحسن!” فردت”أحسنين!”.. قلت- كاذبا- إني لا أريد أن أراها مجددا، فقالت لي إنها لا ترغب بذلك أيضا..تصرفت أنا كالأطفال…وتصرفت هي كما تفعل منذ آلاف السنين..
لكن بعد كل مشاجرة، كانت تصالحني بطريقتها، بخبر عن مظاهرة ما، برسالة من صديق شامي تغير موقفه من الحياد القاتل إلى الثورة المحيية ، بأنباء عن اقتراب البركان من الانفجار،..فكنت أعود ككل العاشقين تائبا نادما..
قبل بضعة أيام فقط، كنت أقول عن زيارتي لها “إن ذلك رجع بعيد”(رفعت أروى عينها من الآي باد عندما قلت ذلك ورمقتني شزرا..فقلت لها إنها يمكن أن تذهب هي!)..وأتحدث عن ضرورة وجود مطار دولي في حمص أو حماه –لا أزال أقول ذلك-..لكني  كنت أقولها في نوبة يأس بعد نقاش بيزنطي من النقاشات إياها..
لكن بعد يوم واحد فقط، انبثق البركان المضيء من جذور الياسمين كما لم يفعل من قبل..وبدا أكثر من أي وقت مضى،إن الشعرة إياها قد قطعت،وإن التردد قد هجر..وحل محله “الحسم”..

*********
في نفس اليوم، وجدت في بريدي رسالة من حي المهاجرين بالذات..
حي المهاجرين –بجلالة قدره- بعث لي..يقول لي إن للمهاجرين حق علي..ويطمئنني على حقيقة مشاعره – لا تجاهي فذلك أمر غير مهم- بل تجاه النظام…
حي المهاجرين هجر التردد إذن..بلا عودة..فكيف لا يكون معناه إن قاسيون سينفجر بردا وسلاما على الثائرين قريبا جدا..فكيف لا يكون معناه إنه سيلفظ ذلك الشيء الهجين الذي فرض نفسه عليه لعقود؟
وكيف لا أعود تائبا نادما معتذرا عن كل نية  أو وسواس هجر وصد وخصام؟؟..
يقولون إن من يشرب من ماء النيل لا بد أن يرجع له..
وأقول : من يستنشق هواء المهاجرين..يحمله معه في رئتيه دوما..ويدفعه للحنين..وربما للرجوع…
“حدا عنده بيت للإجار في المهاجرين؟”..
*****************  
كلمة أخيرة: بغداد..اوف بغداد….!

 

الحكاية الأخيرة للحكواتي الشامي
قال الحكواتي الشامي:  بلغني يا سادة يا كرام، وبعد الصلاة والسلام على سيد الأنام، إن  الأسد قد أستبد بالبلد، واستحل الحرام واستعبد الولد، وقهر الرجال ، وسرق الأموال..وإنه هدد الناس وأمرهم بطاعته، وإلا زاد عليهم من الظلم وسلط عليهم من بطانته،وإنهم قبلوا ذلك في البداية مرغمين، خائفين مكرهين، لا راضين ولا راغبين.. ثم تعودوا على ذلك أيضا مستسلمين، وصار منهم من يرغب بذلك ويرتضيه، بل قبل البعض منهم أن يطأه الأسد لكي يمتطيه..
وكان الأسد في حقيقته مثل ثعلب ماكر لئيم ،جمع في بطانته  رجال  للمال ورجال للدين، أقنع الأولين منهم إنه يحميهم ليجمعوا المزيد من المال الحرام، وأقنع رجال الدين إن ظلمه خير من أن يحكم العوام، وصار له هؤلاء مثل الأنعام، وصار يأمن بوجودهم و ينام..
واستمر الحال على هذا المنوال،حتى استبد اليأس بقلوب الرجال،وقتل فيهم كل رغبة بالنزال ،واقتنعوا إنه للتغيير لا مجال ..
لكن دوام الحال من المحال، وما قبل به الرجال لم يقبل به الأطفال،إذ  تجمعوا ذات يوم في قرية من القرى البعيدة، وكتبوا على الجدران أمانيهم السعيدة، كتبوا، بأحرف واضحة مجيدة،كلمات وجيزة بليغة : الشعب يريد إسقاط النظام..
جن جنون الأسد ومن معه من الأزلام، وهاجموا القرية التي أسقطت النظام، وتصرفوا معها كما يتصرف الكفرة اللئام..قلعوا الأظافر ، وسبوا الحرائر، ومنعوا الخبز والماء بل ومنعوا حتى الشعائر..
تململ أهل المدينة ، غضب بعضهم للكرامة المهدورة، وغلى دمهم لهتك الأعراض المستورة، وقال البعض الأخر إن هذا لا يعنينا، ولا شيء فيما حصل يدمينا أو يبكينا…
لكن القرى الأخرى قالت إن هذا يعنينا، وإن ما حصل لا يجب فقط أن يبكينا، فلا شيء عن نصرة أخوتنا يلهينا…وفعل الأسد بتلك القرى نفس ما فعل بالأولى، ولكن  شيئا فشيئا تزايد عدد القرى الثائرة..وصارت تحيط بالمدينة  كما تحيط الدائرة..
وجاء رجل من أقصى المدينة يقول لأهلها أن أفيقوا…فقد آن أوان التغيير و النهوض، قال لهم أن كل الأساليب القديمة قد انتهت صلاحيتها،وإن رجال المال سرقوهم ورجال الدين خدعوهم،وإنه قد جاء اليوم بطل الأبطال الذي سيحررهم من قيودهم..
(هنا قاطع أحد المستمعين الحكواتي: خير شو بك سيدي..ليش بطلت السجع؟..فرد عليه الحكواتي: سلامة فهمك..عم نقول الأساليب القديمة انتهت صلاحيتها..ما المهم نزوق الحكي..المهم المعنى)…
سألوه :من هو ؟ أبو زيد؟ قال لا..عنترة العبسي؟..قال لا …..
صلاح الدين؟ الظاهر بيبرس؟..قال لا…
ثم قال إن بطل الأبطال الذي جاء ليحررهم  هو من سيجعل كل منهم  عنترة وأبو زيد وحتى صلاح الدين..
قالوا له من ؟..
فأجاب الرجل من أقصى المدينة : الثورة..
الثورة التي ستحرركم من قيودكم ستجعلكم عمالقة ..ستجعلكم ثوارا أحرارا.
اقتنع البعض بما قال وانتزعوا قيودهم..وفوجئوا بانفسهم يصيرون أحرارا وعمالقة..وأرعد الأسد غاضبا و جمع بطانته وأزلامه ورجال الدين من خدمه..وقرروا أن يشددوا في إجراءاتهم ضد الثورة..ولكن..
هنا توقف الحكواتي عن الكلام المباح..فقد مرت مظاهرة تسقط النظام و تصيح:”الما بيشارك..ما في ناموس..،”وسرعان ما فرغ المقهى من المستمعين..فكلهم عندهم “ناموس”..وكلهم يريدون إسقاط النظام..
وجد الحكواتي نفسه وحيدا..فهب هو الاخر ليشارك..ثم عاد إلى كرسيه وترك الدفتر مفتوحا..وكتب..إن لم أرجع، فعلى من يبقى أن يكتب خاتمة الحكاية..أو الحكاية الخاتمة…

أمريكا ليست جمعية خيرية بالتأكيد..
والسذج الذين يتصورون ذلك على وشك الانقراض..
لكن الأكثر سذاجة منهم هو من يتصور إن أمريكا ستجد أنظمة خادمة لها أكثر من طواقم الأنظمة الموجودة لحين ربيع الثورات العربية..لا يمكن أن يحدث ذلك..حتى لو كانت الانظمة تجعجع بالشعارات الفارغة والوطنيات الصراخية،فإن الكل يعرف إن تحت الطاولة هناك دوما كلام آخر ..مختلف النبرة والموجة والاتجاه..هذا عدا عن الأنظمة التي لا تحتاج إلى الطاولة أصلا لتخفي خضوعها التام لأمريكا..
ليس سرا طبعا إن أمريكا فوجئت من اندلاع الثورات العربية..وإنها وجهت لوما لأدارة مخابراتها لعجزها عن رؤية الثورة قادمة تحت السطح الهادئ المستقر…وليس سرا إن أوباما تجاهل تماما ثورة مصر في أيامها الأولى جدا..وإن كلينتون هددت بقطع المعونات في حال تغير الوضع..وإن التصريحات التالية -التي كانت ضد مبارك وطالبته بالتنحي – كانت في مرحلة لاحقة ، عندما تبين لها أن لا فائدة من دعم مبارك..وحتى هذه التصريحات كانت هناك أيضا ترافقها تصريحات تفسر باستمرار الدعم لمبارك..أي إن سياسة الحبلين- أو الارتباك؟- كانت واضحة جدا في الموقف الأمريكي حيال ثورة مصر..
لكن لأننا مولعون لدرجة المرض بنظرية المؤامرة، ولأن البعض  وصل لهذه الدرجة من العبودية التي يتصورون معها إن أمريكا هي الواحد الأحد الذي لا يمكن أن يغيب عن علمه شيء..فإن كل ما مضى من ارتباك لم يمنع أصحاب نظرية المؤامرة، والتي تحولت معهم لتكون بمثابة الوسواس القهري اللازم، لم تمنعهم من الاعتقاد إن أمريكا قد حركت الشعوب العربية لتتخلص من أنظمة لا يمكن أن تجد أكثر إخلاصا منها …(ربما تكون ملت منهم ومن طاعتهم اللامحدودة و تريد انظمة فيها قليلا من الاستقلالية..على سبيل التغيير والاكشن ربما)..
ساعد هؤلاء في أعراض مرضهم إن أمريكا ودول الغرب عموما اندفعت لدعم الثورة الليبية ، علما إن القذافي كان من أشد القادة العرب استعدادا لتقديم التنازلات، طبعا التنافس حاد على هذا اللقب ، لكن القذافي حتما يحتل مرتبا متقدما في هذه القائمة على الرغم من جعجعته الدائمة بغير ذلك…
صحيح إن أمريكا اندفعت في دعم ثورة ليبيا ، وصحيح إن فاتورة إعادة الإعمار والاستثمارات قد تكون مغرية وقد تفسر هذا الاندفاع خاصة في ظل متاعب الاقتصاد الأمريكي، لكن الحقيقة ربما تكون موجودة في مكان آخر..الموقف الأمريكي من ثورة ليبيا قد نجد جذوره في ميدان التحرير في القاهرة..
كيف؟
عندما اندلعت ثورة ليبيا لم تكن أمريكا متحمسة مثل فرنسا مثلا..كانت تكتفي بالتصريحات المطاطة التي تتحدث عن الحرية وتغض النظر عن ممارسات القذافي آنذاك..كل شيء كان يوحي بتباطوء اوروبي و تردد أوروبي في دعم ثورة ليبيا…
وفجأة ، في غضون 3 أيام فقط بين 14/3/ 2011 و 17/3/2011 تغير الموقف تماما ..وأقر في مجلس الأمن قرار الحظر الجوي…
مالذي حدث في هذه الأيام الثلاثة؟
ما حدث ببساطة ، وفي رأيي، إن أمريكا استلمت رسالة قوية جدا ، كانت كالصفعة بالنسبة لها ، من قبل شباب ثورة مصر ، شباب ميدان التحرير، فعندما زارت هيلاري كلنتون مصر ـوطلبت لقاء شباب الثورة في ميدان التحرير، صدمها رفضهم الحاسم لهذا  اللقاء، وكان الشباب صريحون في إدانة دعم الإدارة الأمريكية لنظام مبارك…
حدث ذلك يوم 15/3/2011
وفهمت الإدارة الأمريكية الأمر على إن موقفها في دعم أنظمة الاستبداد الصديقة قد يساعد في وصول أنظمة صريحة في عدائها لأمريكا..وتصل هذه المرة باختيار الشعب …يا لطيف..
وهكذا كان الاندفاع الأمريكي -بعد التردد والمراوغة – في دعم ثورة ليبيا..
أو هكذا أظن…
**********
ما حدث مع السفير الأمريكي في حماه مشابه جدا…
دعم أمريكا وإسرائيل لنظام الأسد حقيقة معروفة ، فالاسد هو الحارس الأمين لحدود إسرائيل من جهة الجولان،وخسارته على هذه الجبهة أمر لا تريده إسرائيل..صحيح إنه لا بد من إطلاق التصريحات ضد أعمال القمع، لكن دعم الثورة السورية من قبل أمريكا لن يحدث إلا في حالة تأكدت إن النظام راحل لا محالة ..وستود عندها ان تكسب النظام الجديد…
ومن الملاحظ إن التصريحات الأمريكية قد خفت حدتها منذ اجتماع سميراميس الأول..كما ظهرت بعض التقارير التلميعية في وسائل الإعلام الغربية..
متزامنة مع ذلك..
 لكن صمود الثورة، وخاصة مشاهد ساحة العاصي التي تذكر بميدان التحرير في القاهرة، جعلت امريكا تحاول أن تستثمر في بعض الدم للثوار…هنا  تأتي زيارة السفير لحماه ، فثورة سوريا التي استمرت بتصاعد لأربعة أشهر، صارت توحي للإدارة الأمريكية إنها قد تستمر و قد تنتصر..وهنا لا بد أن يكون لها ولو موطئ اصبع قدم..كي تقول لاحقا إنها دعمت الثورة..
النظام السوري من ناحيته أراد استغلال الوضع ليصب الزيت على نار نظرية المؤامرة…ولكن من المؤكد إنها سمحت له بالزيارة وربما ساهمت في توقيتها لكي تختبر ذلك يوم الجمعة..
لكن المؤكد إن حسابات النظامين الأمريكي والسوري مرتبطة بحسابات الربح والخسارة..ومن المؤكد أيضا إن زيارة السفير لحماه تعني إن أمريكا ادركت إن النظام راحل لا محالة..ومن المؤكد أيضا إن حسابات الشعب السوري مختلفة تماما عن ذلك..فهناك فقط شيء واحد واضح الان : إسقاط النظام..
****************
الشيخ الشبيح تباكى على المنبر الأموي، وأمام قاعة شبه فارغة من المصلين ، على جهاد يقوده السفير الأمريكي…..
صح النوم يا فضيلة الشيخ..الثورة رح يصير عمرها خمس شهور…والسفير الآن تحرك…الثورة تنتصر يا شيخ..والسفير أدرك ذلك..أما أنت…فلا تزال في فقه السلاطين..و لا تزال تصر -مشكورا- على نسف الفكر التقليدي الذي تمثلة بإمتياز…
…لا حرمنا الله من خدماتك..

عندما بدأت الثورة، كان (ع.ق) في عالم آخر تماما..كانت لديه مشاكله مع الشرطة، لكن ذلك لم يكن له علاقة بالثورة أو بالمظاهرات أو بأي شيء مما كانت تغلي به سوريا..بل  تعلق الأمر بشجار مع بعض المراهقين من أجل فتاة…
  لكن الثورة سحبته  إلى النور في داخله، كفراشة لا تستطيع مقاومة جاذبية النور..سحبته و صهرته و أعادت تركيبه من جديد..
حدث الأمر  كحب صاعق ساحق ماحق، كحب من النظرة الأولى ،بالضبط كما في الروايات والأفلام الرومانسية، حيث يسقط البطل صريع الغرام من نظرة لفتاة خارقة الجمال مرت أمامه ..ويبقى يطاردها ويحلم بها طيلة الرواية..
لكنه لم يسقط في غرام فتاة ما، بل في غرام “مظاهرة” تصادف أن مرت أمامه..والـ”ما بيشارك…ما في ناموس”..وشارك ع.ق..مر بالتجربة الرهيبة التي قلبت كل كيانه…عاد للبيت متورد الخدين ،في منتهى الاستثارة و التوهج…لم ينم ليلتها..وظل يتقلب..بالضبط كالعشاق أو ما ينقل عنهم من أعراض…
في اليوم الثاني ، شارك بمظاهرة أخرى، هذه المرة ، مع سبق الإصرار والترصد….
ع.ق لم يعد الشخص ذاته، لقد أدخلته الثورة في بوتقتها ، صار شخصا مختلفا..شخصا يستحق أن يكون ..
والداه لا يعرفان بعد عن هذا كله…
ولعلهما سيمنعانه من الخروج لو عرفا..
يوما ما ، سيحمدان الله ، على الثورة التي اعادت تشكيله…

كجنين حملت به أمه بعد طول انتظار..
حلمت به عاما بعد عام، شهرا بعد آخر..
 قالوا لها إنها عاقر وإن زوجها عقيم. ..قالوا لها إن أرضها بور يباب  وسماؤها مجدبة..وإنه لا مجال..
صدقتهم احيانا و تناست الأمر..قالت لن ينبت في رحمي الأمل..انتهى الأمر..
لكنه كان يوقظها دوما بركلة  حبيبة في أحلامها..فتستيقظ ويستيقظ فيها الأمل…
وتبقى تحلم به، تداعب وجهه بخيالها، ترسم له صورا..وتسمعه يناغيها..يناديها..فتهب من يأسها
ولا تجد غير السراب..
طافت بنذورها على الأولياء..و بهمومها على الأطباء..
كان الصمت رد النذور..
وكانت التقارير الطبية اليائسة رد الاطباء..
لكنها نحت كل ذلك جانبا..واستغفرت وتوكلت على الله..
ظل يكبر في احلامها عاما بعد عام..وتجاوزت سن الأمل وأشرفت على اليأس..
…كادت أن تيأس حقا وأن تغلق هذا الباب
لكن فجأة، ذات صباح..دوار ما يدق على رأسها..، غثيان يغمر روحها..فإذا به أحلى دوار وأجمل غثيان..
*******
فكيف تسمح لهم اليوم بأجهاضها؟..
كيف تسمح لهم يتشويهه، طفلها الذي حلمت به طيلة عقود؟؟

هذا الجنين، له أسماء عديدة..
من أشهرها ..
“الثورة”….

منذ ان بدأت الثورة السورية و نخب معينة تحاول ممارسة نوعا من الوصاية الواضحة على شباب الثورة ،تتدخل أحيانا في صياغة الشعارات المميزة للثورة،أو تشترط هذا او ذاك من الشروط لكي تستمر في دعمها للثورة، سمعت بنفسي من إحدى هذه النخب إن الشباب السوري أقل وعيا ونضجا من مثيله المصري،وإننا نحتاج بضعة سنوات من توعية الشباب على الأقل قبل ان نصل لمستوى الشباب المصري..وهذا الكلام ليس ظالما فحسب للشباب السوري، بل هو يتجاوز حقيقة إن الكلام ذاته قيل عن شباب الفيس بوك المصري قبل الثورة وحتى أثنائها(قيل عنهم إنهم جيل البانجو والصياعة والفيديو كليب و كل شيء)….وإن قبل حوالي السنة من الثورة تورط بعض شباب مصر -وشباب الجزائر بالمثل- في موقعة الكرة إياها..
ما يتجازه هؤلاء هو إن الثورة نفسها -فعل الثورة والانضمام لها- يزيد من النضوج بل يكون كعملية مخاض لوعي جديد تتبدل فيه الأفكار والرؤى والطموحات..وهذا ما أشهده من نقاشاتي مع الشباب الفاعل منهم قبل و بعد الثورة..لقد نضجوا جدا..كانت هذه الأشهر الثلاثة بمثابة سنين ضوئية قطعوا فيها مراحل ونزعوا من “تلافيف العقل الجمعي” الكثير من “الاجزاء التالفة” والعاطلة عن الفاعلية..
النخب لا تزال عاجزة عن فهم هذا..صعقني قول احدهم إن الثورة جاءت مبكرة وإننا – إنهم يعني النخب- “سنضطر للقيام باعمال توعية كبيرة بعد الثورة”..(إي بمنطق الدورات..تكون النخب هي المدربة و شباب الثورة هم المتدرب..رغم إني أرى العكس)…
..وعندما اتحدث عن الشباب هنا،فغإي أقصد شباب الثورة تحديدا، وليس الشباب من الناحية العمرية بإطلاقها ، فبعض الشباب -سنا- ينتمون لفئة الديناصورات الفكرية بامتياز..وحتى النخب التي أشير لها هنا هي أكثر شبابا منهم ، ..بعض الشباب، كما بعض الشيوخ، لديهم حماس تافه وتفاؤل ساذج لا موقع له من الاعراب في سياق الثورة أو النهضة او اي شيء على الإطلاق..وقد سبق أن كتبت في ذلك مقالا عن “تفاءلوا بالخير هكذا و لن تجده أبدا”..وكان سبب المقال هو ذلك الشخص الذي وعد صديقه بولاية روما بعد فتحها..!..وقد أتيح لي عندما وصلت نداءات الثورة إلى بلد هذا الصديق..فوجدته ليس محايدا مثلا بل ضدها ببساطة..فهذا النوع من التفاؤل الساذج لا يمكن أن ينتج عملا أو ثورة او نهضة..إنه مجرد أفيون لرفع مستوى قبول الذات لا اكثر..
أما تفاؤل شباب الثورة فهو تفاؤل من يريد إسقاط النظام..ويخطط لذلك..ويعرض حياته للخطر..وقد يرتجف فرقا من الشبيحة لكنه رغم ذلك يخرج وهو مصر..غنه لا يفكر باسقاط روما أو النظام العالمي الجديد حاليا لأنه يريد أن يفتح فتحا أولا..ان يبني عالمه الجديد..وبعدها لكل حادث حديث..
اقول هذا لأني استيقظت اليوم لأجد عبارتين شديدتي النضج، بل والعبقرية ، من شابين من شباب الثورة..الأولى من شابة عاملة قالت عن مؤتمر سميراميس هذا مؤتمر المعارضة والله يوفقهم ..مؤتمرنا نحن ، مؤتمر الثورة في الشارع ، والمعارضة غير الثورة…وعندما سالتها عن مصدر هذا الفصل ، قالت إن الشارع هو الذ أوحى لها بهذا..
العيارة الثانية كانت تصف نفس الحدث بإنه “حلف الفضول”..وإن من حق أي أحد الانضمام له..لكن من يفكر بفتح مكة له منطق آخر…
هل يحتاج شباب مثل هذا إلى خوفنا ودوراتنا وقلقنا ؟..طبعا لا..نحتاج نحن أن ننصت لنبضه..إن لم نتفاعل مع هذا النبض فعلينا ان نصمت..بل علينا ان نخرس في هذه المرحلة على الأقل..
على النخب أن تدرك هذا..لقد تغير الوقت..هذه الصورة المرفقة أكبر دليل على ذلك..وليس هناك شخص واحد من النخب قادر على فعلها..فلنتأخر ونفسح المجال له ولأمثاله..وإن كان هناك فينا بقية خير فسيتم فسح مجال لنا لاحقا..
أما الآن فليس سوى الدعم لنبض الشارع…
ونبض الشارع الذي اتحدث عنه، هو الشارع بالعموم ، وليس بمنطق الأسوار والمدن..
الشارع الثائر حصرا…

إسراء ومعراج وثورة…

سبحان الذي أسرى بعباده من ليلهم الطويل المدلهم إلى فجر جديد يصنعونه بأيديهم..
سبحان الذي أسرى بعباده من  وضعهم “الحرام ” إلى الحد الأقصى” من الوعي :الثورة….!”
سبحان الذي أسرى بعباده من عهد الرضوخ إلى عهد الرفض..ومن عهد النوم إلى عهد القيامة…
ومن عهد “تعا ولا تجي”..إلى عهد “إرحل”…
سبحان الذي أسرى بهم من عهد الاستلاب إلى عهد الاستجابة للنداء..نداء الخروج من من الظلمات إلى النور..
سبحان الذي أسرى بهم من عهد الغفلة إلى عهد الوعي..ومن عهد الحيرة إلى عهد الحسم ..ومن عهد التردد المريض إلى عهد القطع البائن..
سبحان الذي أسرى بعباده من الأبراج العاجية إلى أرض الواقع..ومن مؤتمرات النخب إلى مظاهرات الشارع..ومن عهد التنظير والوصاية إلى عهد “الشعب يريد إسقاط النظام”…
سبحان الذي أسرى بعباده من أن يكونوا أسرى لأنظمة القمع ..إلى أن تكون عبوديتهم له هي حريتهم من كل أنظمة الاستبداد..
سبحان الذي حرر عباده من وصاية النخب، وجعلهم القادة فيما يقررون وينفذون..
سبحان الذي اسرى بعباده من عهد تقديس المشايخ والرموز والنخب الزائفة بعمائمها وشهاداتها وخطابها..إلى عهد تحطيم كل الأوثان..كل الأوثان…..
سبحان الذي جعل لنا من كل ما في ديننا دعوة للنهوض..فقط لو أزحنا الغشاوة عن أعيننا والأقفال عن عقولنا..
سبحان الذي جعل لنا في الاسراء والمعراج ثورة !….