أرشيفات التصنيف: مقالات في النهضة

مع العمري في كتابه (سيرة خليفة قادم: قراءة عقائدية في بيان الولادة)

مع العمري في كتابه [سيرة خليفة قادم: قراءة عقائدية في بيان الولادة]

د.عبد الرحمن ذاكر الهاشمي


لافتة: نشرت هذه الرسالة بعد استئذان الدكتور أحمد خيري العمري، الذي أسعدني عندما أخبرني أن “جزءا من الكتاب كتب أيام كانت مكالماتنا مكثفة”، يوم أن كنا متجاورين في غربتنا في بطن الحوت، أمريكا 

كنت قد اصطحبت معي في رحلة العمرة كتاب [سيرة خليفة قادم] للدكتور أحمد خيري العمري. وكالعادة مع كتب الحبيب العمري، لم يستغرق معي الكتاب بضعة أيام (أو يومين على وجه الدقة)، على الرغم من السفر وإجراءاته والتنقل السريع بين السيارة والحافلة والطائرة وما يحيط بهذا كله من أعمال ورقية ووقوف في طابور الجوازات وتعامل مع مزاج الحكومات وعمالها على حدود الدول البرية والجوية.

ومع أنني لم أتمكن من استخدام الحاسوب (لأنهم وضعوني عند باب المخرج في الطائرة، مما يمنعني من وضع أي شيء بقربي حتى تقلع الطائرة)، إلا إنني تمكنت من تسجيل ما لدي من خواطر على قصاصات ورقية من هنا أو هناك 

ولهذا، فخواطري القادمة هي ما تمكنت من الاحتفاظ به، فقط، وإلا، فالكتاب يحمل الكثير في ثناياه؛ وكمعظم كتابات العمري، لا يكاد يخلو سطر أو عبارة أو فقرة من اقتباس (مبدع) أو (مستفز) أو (مستنفر).

وكما أذكر دائما، فإن كتابات الدكتور أحمد خيري العمري مما أسميه #السحر الحلال، سحر يشدني إلى عالمه بخفة ورشاقة وهدوء، حتى أجد نفسي (أسير زمانه ومكانه وأفكاره)، ولكنه أسر من نوع مختلف = أسر يحرر النفس من سجن الواقع.

الكتاب [سيرة خليفة قادم] لمن يعرفون أو لا يعرفون كاتبه الدكتور أحمد خيري العمري هو حلقة في سلسلة بدأها الأخ الحبيب والمبدع في رؤيته لمشروع النهضة، أو كما يحب أن يسميه: النهوض والقيام (وهو ما أفضله أنا أيضا).

أقول: إن الكتاب (لمن يتابعون الدكتور العمري من بداياته) يأتي في مكانه الصحيح، حيث يقع في محله المضبوط والمنضبط من الإعراب، فتخرج الجملة تامة سليمة لا لحن فيها أو خلل.

فمنذ أن ولد له أول مولود، وهو كتاب [البوصلة القرآنية: إبحار مختلف بحثا عن الخارطة المفقودة] الذي قدم فيه رؤية زمانية فريدة للمنظومة القرآنية بين رواسب التقليد الجامد ومحاولة نفض الغبار عن الاجتهاد المخنوق؛ ثم أتبعه بعد ذلك بروايته [ليلة سقوط بغداد] التي تجاوزت كونها رواية تسرد سيرة ذاتية عن مواطن عراقي يحكي هموم النفس والأمة ما بعد سقوط النظام البعثي في العراق، فكانت رواية تحكي صراع الهوية ومعركة الحق والباطل؛ وتلا ذلك ترجمة (نفسية ونفيسة) لهذه الرواية متمثلة في سلسلة [ضوء في المجرة]؛ ثم كان من الطبيعي أن يطلع علينا برائعته التي أعتبرها (الدليل العملي لإنسان العولمة)، وهو كتاب [الفردوس المستعار والفردوس المستعاد: ثوابت وأركان من أجل حضارة أخرى] الذي صدّر فيه (العمري) بكل رشاقة وصلابة (في آن واحد) مفهومه للإسلام كمنظومة حياة أصيلة تأخذ بيد المسلم والمسلمة إلى سعادة الدارين، وصولا إلى الفردوس الموعود والمأمول، في مقابل ذلك الفردوس (المصطنع) الذي تقدمه العولمة ممثلة بأمريكا، فكان الكتاب امتدادا عمليا لـ [البوصلة القرآنية] وترجمة واقعية ومفصلة لوقائع [ليلة سقوط بغداد]؛ ثم تلا ذلك ثلاث قراءات مختلفة ومتنوعة للنصوص القرآنية العقلية والشعائرية والدعوية، تمثلت في كل من: [أبي اسمه إبراهيم]، سلسلة [كيمياء الصلاة]، ورواية [ألواح ودسر].

بعد هذا، كان من الطبيعي، وربما من الضروري أيضا، للشخصية (العمرية) أن تظهر في إطار فكري متكامل في مولود جديد، يتبع ما سبقه، ولكنه يجمع ما تفرق فيما سبقه، كذلك المولود الذي يستفيد من تجارب أشقائه الكبار، فيتعلم منهم ويحوي كل ما تفرق في شخصياتهم (على اختلافها وتنوعها)؛ فكان المولود: فكرة، ومثالا، ودليلا عمليا.

كان المولود (كما أراه وأفهمه) كتابا ظهر في توأم كتابين: [استرداد عمر: من السيرة إلى المسيرة] و[سيرة خليفة قادم: قراءة عقائدية في بيان الولادة] وهو الكتاب الذي أتناوله هنا.

أقول: نعم، كان كتاب [سيرة خليفة قادم] أشبه ما يكون بالمولود الناضج، لما تعلمه في (عالم الرحم) وهو (يصنع على عين الله).

هذا هو كتاب [سيرة خليفة قادم].

لطالما قلت غير مرة، وكتبت كثيرا، أن أحمد خيري العمري يكتب ما أفكر فيه بشكل يدهشني. هذا الكتاب بالذات، حمل من (المفاجآت المدهشة) الكثير، حتى إنني كنت في الحافلة، وفي المطار، وفي الطائرة، كثيرا ما أبتسم، وربما ضحكت بصوت مسموع، عندما أقرأ معنى من المعاني التي لطالما أردت أن أسطرها لتكون حاضرة بين يدي طالبيها والباحثين عنها، فإذا بالعمري، كعادته، يفاجئني، ويسعفني، في كثير منها.

ولهذا، رددت في نفسي: من اليوم، لن أتحدث عن المفاهيم التالية في مادتي [فن الحياة] إلا وأشير إلى هذا السِّفر المهم الذي أسعفني فيه الأخ الحبيب والطبيب المبدع والكاتب الناهض، أحمد خيري العمري: من أين أبدأ؛ فقه الوجود والاستخلاف؛ فقه الهوية؛ فقه الوظيفة؛ فقه تسديد الهدف.

كتاب [سيرة خليفة قادم] يستحق بجدارة وصف (تفسير نهضوي للقرآن).

كتاب [سيرة خليفة قادم] هو من تلك الكتب التي لا يمكن قراءتها وأنت في حالة (اضطجاع) مثلا، لأنه يدعو إلى (النهوض والقيام) في كل حرف من حروفه.

وقبل أن أخوض فيما لدي من خواطر وتعليقات وإشارات حول الكتاب، أقول:

من الطبيعي والمفهوم أن تسبب شخصية أحمد خيري العمري وكتاباته قلقا وتوترا، وربما شيئا من الغيظ والحنق، عند أولئك (الحداثيين)، أو أولئك الذين يسمون أنفسهم (القرآنيون)، والذين يسميهم العمري (الــ لا قرآنيون) !!! وكذلك عند أهل (الشعوذة) أو من أسميهم (المشعوذون الجدد) ويسميهم بعض إخواننا (المتدروشون الجدد).

لماذا أقول هذا؟!

إن شخصية العمري وكتاباته التي تستمد روحها من القرآن والسنة النبوية (المحققة)، وتنطلق من فهم (اللغة) من أصولها، وتتأدب مع فهم (السلف) وتحفظ لهم قدرهم، كما تشبه في (حبكتها) روايات الأدباء (من أهل الحداثة ومن قبلهم ومن بعدهم)، وتستمد كثيرا من أصولها (الشخصية) من كتابات أهل الأدب الإسلامي الحركي، مثل مالك بن نبي (الذي يعتبره كثيرون من المنظرين الأوائل للنهضة الإسلامية في القرن العشرين الميلادي)؛ كما تشبه في بعض جوانبها إيقاعات كل من: طه عبدالرحمن، أبو يعرب المرزوقي (الذين يمثلون فلسفة إسلامية من نوع خاص) مثلا.

هذا (الكوكتيل) يجعل من الصعب على البعض، وخصوصا من خصوم العمري، أن يصنفوه تصنيفا (يوهم) النفس براحة أشبه ما تكون بـ (الحيلة الدفاعية) التي (تخادع) نفسها والآخرين بأنها (مسيطرة) على الموقف من خلال (تحجيم الآخر) وتصنيفه !!!

والعمري في هذا المزيج، يستدعي النصوص القرآنية بطريقة تظهر لأهل الأهواء من (القرآنيين) وأهل (الشعوذة) أن التفسير (لعبة يتقنها كل أحد) !!! وهكذا، يفهم القرآنيون والمشعوذون (المتدروشون) الجدد (أو يحلو لهم أن يفهموا) أن ما يفعلونه مبرر بفعل العمري مثلا !!! ولكنهم لا يدركون أن العمري ينطلق من الأصول والثوابت بفهم (سلفي) فيه (تأدب) مع هذه (الأصول)؛ ثم هو يحلق بجناحي (العقل + الوحي) في فضاءات (النهضة + النهوض + القيام).

ومن هنا أقول: شتان بين ما يقوم به العمري في (تأصيله) وبين ما يفعله أهل الأهواء من (القرآنين وأهل الشعوذة) في محاولة قلب الطاولة على كل من سبقهم، حتى لو استدعى ذلك معارضة القرآن نفسه أو السنة ذاتها، وحتى لو دعاهم ذلك إلى تقديم (الأنا = الهوى والنفس الأمارة بالسوء) على سلف الأمة وخير قرونها.

باختصار، إن من الإبداع العمري (ولعل هذا استمداد من الشخصية العمرية الأولى = الفاروق) التمرد المؤدب على غبار التاريخ.

باختصار، وأقتبس هنا مفهوما مهما قدمه العمري في كتابه: شتان بين من ينطلق من المفردة القرآنية (خلف) ليكون (خليفة) وليكون (خلفا) لخير (سلف)، وبين من يفهمها فهما مجردا عن الأصول وفهم السلف ليكون (مخلَّفا) من (الخوالف) !!!

هذا النوع من الكتب، وخصوصا كتب العمري (وكتب غيره من أهل الفكر والإصلاح والنهوض) هي من الكتب التي أعتبرها (حجة) أو (أمانة ثقيلة)، لأنها ليست مجرد (ترف فكري) بل (إلزام وتكليف) للقارئ والقارئة بخطة عمل قائمة على علم. ولهذا، فأنا لا أعجب أن يتهرب منها البعض، ويتجاهلها البعض الآخر، ويهاجمها البعض (الأخير).

والآن، أبدأ معكم خواطري حول الكتاب بترتيب موضوعاته، من الإهداء وحتى الخاتمة، وهي (كما ذكرت مسبقا) ما استوقفني لاعتبارات حكمتها ظروف السفر والتنقل وقلة الأوراق.

أما الإهداء، وكعادته، فقد أبكاني صدق كلمات العمري في رقي إنسانيته، وفي عالمية شخصيته، وفي شمول تدينه، حيث أهدى الكتاب إلى “مسجد الخلفاء” في “بغداد”، وعرج من الإهداء إلى شعوره بالوفاء العملي لبغداد، عاصمة الخلافة، وعاصمة العراق.

وفي المقدمة، ولأولئك الذين يستغربون (أو يستهجنون) شدة العمري وحدته وصدقه غير المعتاد لدى الكثيرين، نقرأ له هذه الكلمات: “وإذا كنت أيضا تعتقد أن الأمور بخير، فلا حاجة لك في هذا الكتاب. لا أنصحك بإضاعة مالك، ووقتك، معي، ومعه. إذا كنت من هؤلاء الذين لا يزالون يعتقدون ذلك، أقول لك: لا تضيّع وقتك هنا. لا أقول هذا لأن الكتاب سيزعجك، فهذا أحيانا مفيد جدا حسب رأيي، وأحيانا يكون هدفي أن أزعج.”

بالضبط، العمري يقدم نفسه على طبق من ذهب؛ وهذا من صميم شخصية العمري لمن لا يعرفونه:
“وأحيانا يكون هدفي أن أزعج.”

ولا يطيل العمري كثيرا في مقدمته قبل أن يضع القارئ والقارئة أمام هوية هذا (الخليفة) وشخصيته، حتى لا تبقى (مجهولة) أو مظنة توهم القارئ والقارئة أن العمري سيتحدث عن سيرة (ذاتية) لأحد (خلفاء (الإسلام) من (التاريخ) مثلا.

وهنا، ومن أول الكتاب، يواجه العمري القارئ والقارئة بالحقيقة: أنت الخليفة، وهذا الكتاب هو سيرتك الذاتية (إذا قبلت بالمهمة)، وهو (الدليل النظري) لهذه المهمة، كما هو (خطة العمل) بخطوطها العريضة.

باختصار: هذا الكتاب يقدم لك (الخريطة الجينية) لـ (الخليفة) القادم.

وفي معرض حديثه عن الخلافة والاستخلاف، صدمتني هذه الكلمات، وأبكتني؛ عندما شبّه برنامج (الاستخلاف) ببرنامج الحاسوب (أو نظام التشغيل) الذي يعيد تنصيب الإنسان من جديد، دون مشكلات أو عطب مما يظهر مع برامج أخرى، فيقول:

“لكن لا، الاستخلاف برنامج مختلف، لا يمكن له أن يتصادم، أو لا يتوافق معك، لأنه إصدار نفس الذي أصدرك شخصيا؛

خالقك.”

ثم ختم العمري مقدمته بذكر ما سيختم به كتابه “الخريطة الجينية للخليفة القادم”؛ فقال:

“لكن خريطة جينية، تشكلت بين “واجعلنا للمتقين إماما” و “سلوا الله الفردوس الأعلى” تقول إن هذا مهما كان صعبا، فهو يستحق على الأقل المحاولة. على الأقل!”

لافتة: على الهامش، كتب العمري تعريفا للخريطة الجينية لمن لا يعرفون المصطلح، فكان مما كتبه عن مشروع الجينوم العالمي:

“ولم يشارك فيه المسلمون للأسف، ربما لأن عليهم المرور بخريطتهم الجينية – خريطة القيم والمفاهيم التي تشكلهم – قبل أن يسهموا حقا بما يساهم في صنع عالم أفضل.”

وعندما ختم المقدمة بتوقيعه واسمه، كان وقع توقيعه عليّ صادما، فبعد هذا التقديم والتأصيل، كان التوقيع باسم “أحمد” كفيلا بأن يهزني من الداخل، فتدمع عيناي لشعوري بمقاربة الاسم لاسم صاحب الرسالة وحامل الخريطة الجينية التي يتحدث عنها (أحمد العمري)، فكان (أحمد المرسل إليه) ينقل عن (أحمد الرسول) صلى الله عليه وسلم.

الفصل الأول: خطوط طول وعرض “قرآنية”

وفي هذا الفصل، يجيب العمري عن السؤال المحوري في حياة الإنسان: لم نحن هنا؟

وهنا، أتوقف لأخبركم لماذا قلت إنه أسعفني بكتابة هذا الكتاب عموما، وهذا الفصل خصوصا!

اعتدت أن أبدأ موضوعاتي ولقاءاتي (تحديدا) مع البالغين والبالغات بسؤال “من أين أبدأ” حيث أحاول توجيه رؤية الإنسان إلى الهدف من الوجود تحت عنوان [فقه الوجود والاستخلاف]، واعتدت أن أسرد قصة ذلك الشاب (من العائلة الحاكمة) والذي جاءني في العيادة النفسية في دبي وهو يعاني من (الفراغ) الذي كان نتيجة الجهل ـ (من أنا ولم أنا).

وفي [سيرة خليفة قادم]، يبدأ العمري الفصل الأول في هذه (السيرة) بمحاولة الإجابة عن (لماذا نحن هنا)؛ ويعتبره سؤالا (عقديا) أو (عقائديا)، ويدلل على هذا في لفتة لغوية مبدعة، حيث يربط “سبب الوجود” بـ “العقيدة” كون هذا هو “عقدة الأمر.”

ويجيب العمري عن سؤال ربما تبادر إلى أذهان من يقرؤون له هذه الكلمات، فيقول:

“وقد يقول قائل: لِمَ إذن لم ينتبه أجدادنا إلى ذلك، وهم الذين حملوا الرسالة، وحققوا أعظم نهضة في تاريخ البشرية؟ لماذا لم يضعوا “الهدف من وجود النوع الإنساني” فيما وصلنا من كتب العقائد؟ ببساطة، لأنهم عاشوا الفكرة حتى النخاع، حتى إنه لم يعد هناك مجال للتصور أن هناك أصلا حاجة لذكرها. بالضبط كما لو لم يتصوروا، وكما لا يتصور أحد اليوم، أنه يحتاج إلى أن يقول: إنه يتنفس؛ ولن يتصور أنه بحاجة إلى ذلك إلا عندما تطرأ مشكلة في تنفسه.”

بالضبط، لا يذكر الأمر إلا عند فقده.

وفي لفتة مبدعة أخرى، يبدأ العمري من سورة (القيامة) المكية، ليلفت الانتباه إلى ارتباط اسم السورة بمعنى (القيام) المطلوب من هذا (الخليفة)؛ فيبدأ بسرد الآيات ليصل إلى المعنى الذي يرمي إليه في الإجابة عن (لماذا نحن هنا)، وهو ما أسميه (السبهللة) أو (السدوية)، وهو ما يشير إليه بالآية “أيحسب الإنسان أن يترك سدى؟”

ثم يعود بعدها بقليل ليربط هذا السؤال بالإجابة الحاسمة في سورة الذاريات “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون.” ويشرع في التفصيل في معنى (العبادة) على مفهومه للمراد الإلهي لها، منقيا (العبادة) ومهذبها مما علق بها من (علمنة) مقصودة أو غير مقصودة، ومبينا أن (العبادة) مفهوم شامل. كما يعرج بالتفاتة رشيقة على ارتباط معنى (الأنانية) بالعبادة بشكل إيجابي، حيث تكون العبادة موجهة لله، ولكن أثرها عائد على النفس، أولا وآخرا.

وعلى هامش “إلا ليعبدون”، وفي معرض تناول العمري لـ “العبادة بمفهومها الواسع” و “العبادة بمفهومها الحقيقي” و “العبادة مشروعا للحياة”، تذكرت ما كتبه أستاذ الرياضيات، والبروفيسور الملحد سابقا والمسلم المبشر بالإسلام حاليا، جفري لانغ، في كتابه [حتى الملائكة تسأل] عن مفهوم (العبادة) وشموليتها. (أنصحكم بقراءته)

ولكون الإجابة وردت في (سورة الذاريات)، يشرع العمري في تناول آيات (الذاريات) بإسقاط نهضوي (أو قيامي) بالغ في الإبداع.

فيبدأ العمري في محاولة مبدعة لربط بداية السورة مع ما سيأتي من سياقات مختلفة ومتنوعة، ليجعلها متسقة في سياق واحد متناغم ومنطقي ضمن سياق النهوض والقيام؛ فيبدأ بذكر الآيات الأربعة الأولى:

“والذاريات ذروا * فالحاملات وقرا * فالجاريات يسرا * فالمقسمات أمرا”

وكي لا أطيل، وحتى أترككم مع شيء من (الإثارة) لمعرفة مراد العمري من استدعاء هذه الآيات والانطلاق منها، اسألوا أنفسكم:
ما هو محلي من الإعراب من هذه المفردات؟ هل أنا من أهل البذرة؟ أم من الذين يحملون الوقر؟ أم من الذين يجرون بيسر؟ أم من أولئك الذين يعلمون أين هم في تقسيم الأمور؟ أم إنني في كل هذه المفردات؟!

يبدأ العمري ببذرة التفاؤل في سياق قصة إبراهيم عليه السلام وبشارة “الغلام العليم” لأبوين تقدما في السن، وقاربا من استحالة احتمالية مجيء هذا الغلام، فيذكر هذا في رمزية لظهور الجيل الجديد القادم الذي طال انتظاره، على الرغم من كل اليأس المحيط بمجيئه.

ثم يستدعي رمز “الغلام العليم” ليستدل به على شرط أساس من شروط جيل النهوض/القيام: العلم، بل وحتى هذا العلم لا بد له من شروط ليبلغ هذا الجيل درجة “العليم”، فيفصل في هذه الشروط.

وفي لفتة مبدعة أيضا، يستدعي العمري مثالا (عصريا) على (علمية الجيل) في أحد جوانبها، فيستدعي (التجربة الكورية الجنوبية) وليلفت النظر فيها إلى “الدين من أجل التعليم.”

وتحت عنوان “التمكين بدلا من التطبيق”، وبعد تمهيد (حكيم) لضرورة التفريق بين (تمكين الشريعة) و (تطبيق الشريعة)؛ يلتفت العمري التفاتة استوقفتني لأنها تمسني شخصيا ودعويا ومهنيا، تلك هي كلماته حول (المدارس) وما تقدمه المدارس من مفهوم (الدين) الذي لا علاقة له بضرورة (التمكين). وكان في كلمات العمري هنا ما يدفعني لمطالبة أهل التربية والتعليم، خصوصا أولئك المعنيين بالمدارس (الإسلامية) أن يجعلوا من هذا الكتاب، أو هذا الفصل، على الأقل، مادة لازمة لأفرادهم من معلمين ومعلمات.

وفي ختام هذا الفصل الأول (الذي يلخصه العمري في الصفحة 55 من الكتاب) يرسم العمري خطي الطول والعرض لمحلنا من الإعراب في هذه الحياة:

البقرة 30: “إني جاعل في الأرض خليفة”
الذاريات 56: “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”

الفصل الثاني: في المنجم المكي “الاستخلاف ثروة خام”

وفي الفصل الثاني: في المنجم المكي: الاستخلاف ثروة “خام” (وهو الفصل الذي يلخصه العمري في الصفحات 150-154)، يأخذنا العمري في رحلة إلى داخل المنجم لنخرج بما يحتاجه الخليفة من مواد (خام) لـ النهوض القيام.

وكعادته، ينطلق بنا في سياحة قرآنية من سورة (ص) إلى (الأعراف) تليها (فاطر) ثم (النحل) ومنها إلى (يونس) وصولا إلى (الأنعام).

وفي كل محطة من هذه المحطات القرآنية، يتوقف بنا العمري لنخرج بكنز من الكنوز أو مادة من المواد الخام.

وهذه المواد، ما هي إلا مفردات مكونة للفكر (الاستخلافي)، مفردات من شأنها أن تنهض بالخليفة أو أن تنحط به وبمشروعه! ومن هنا وجب أن نتوقف عند كل مفردة منها، لنفحصها قبل أن نخرج بها لتفعيلها وتصنيع جيل النهوض والقيام باستخدامها.

ومن هذه المفردات:

التسخير وعلاقته بكل من الخلافة والعبودية، الحكمة وفصل الخطاب، الثورة وعلاقتها بالهدم والبناء، الحكم وعلاقته بمفردات الحق والتجرد أو الابتعاد عن الأهواء، وأخيرا شمولية القراءة القرآنية.

وفي خضم هذه الرحلة (المنجمية) استوقفتني بعض المعاني المهمة في طريق (صناعة جيل النهوض والقيام):

أولا) خطورة الكبر لمجرد شعور الإنسان (أن رآه استغنى) بما أمده الله به من (أدوات مسخرة)، وبالتالي خطورة (الاستدراج) وصولا إلى (الكفر)؛ في حين كان الأصل بـ (التسخير) أن يؤدي بالإنسان إلى (استحقاق العبودية).

ثانيا) خطورة (اختطاف الكتاب) من (أهل الكتاب) أنفسهم! وهو ما يجري من داخل ما يسميه العمري (المؤسسة التقليدية) في كتبه السابقة، كما يجري من بعض من يريدون أن يفهموا القرآن (بأهوائهم) لا (بعقولهم). ومن هنا تأتي ضرورة العلم والتعليم.

ثالثا) في ربط سياقي مبدع، وتحت عنوان “انظر إلى صورتك في المستقبل”، يستدعي العمري نصوص سورة (ص) ليوظفها في الدلالة على صناعة شخصية (الفاروق). فيقول مثلا:

“لا أقول قط: إن الآيات نزلت بسببه، على العكس، أقول: إن الآيات صارت سببا فيما صار له عمر لاحقا.”

وهنا، قلت في نفسي: أين أنتم يا صناع (الدراما) ويا من (تعجلتم) الخروج على الناس بمسلسل (عمر) ؟! كم تمنيت أن تتقنوا هذا الفهم لتبدعوا قصة مستوحاة من سيرة الفاروق فيتم إسقاطها على معاناة شاب من هذا العصر يحاول الخروج من أزمات نفسه (المتمردة) ومجتمعه (الجاهلي) ليجد ضالته في (سيرة عمر)! كم كان هذا أولى بكم من الدخول في معترك (أثر الصورة الإعلامية) على نمط (التفكير والشعور السلوك) عند المتلقين من الجنسين؟!

رابعا) وتحت عنوان “أن تنسى أنك الخليفة!” حاول العمري أن يوصل إلى القراء حجم الخطر من هذا (النسيان) وإمكانية حدوثه على الرغم من ادعاء البعض لصعوبة لك أو استحالته، وعلى الرغم من حالة الإنكار التي تطغى على البعض الآخر! وفي لفتة (نفسية) محترفة، يبدأ بإيراد أمثلة ترتبط بالأبناء، وكأنه يخوف الآباء والأمهات من مستقبل (الأجيال) في حال نسي (ولاة الأمور) أنهم (مستخلفون) فيهم.

فيقول مثلا:

“قد تنسى حبة دواء طفلك، وأنت تعلم خطورة ذلك، بل قد تنساه ينتظر على باب المدرسة، وأنت تعلم عواقب ذلك.”

خامسا) في تفصيله لطبيعة (النسيان) وإمكانه وخطورته، يسوق العمري تحت عنوان “فقدان الذاكرة أم إفقادها” أمثلة على (وظائف صغيرة وتافهة) لكنها “غطت على ذكرى الوظيفة الأصل”؛ فيسوق أمثلة لانشغال الإنسان بما اخترعه إنسان (الغرب) مثلا من (هوايات) تحولت إلى (وظائف) أصبحت (محورية ومركزية) فتسببت بـ (تهميش) الوظيفة الأصلية. ومن هذه الأمثلة: “جمع الطوابع، صيد الفراشات، تنسيق الزهور، تنزيه الكلاب والترفيه عنها” !!!

ومن أقوى ما قرأت في هذا المعنى، قول العمري:

“هل يمكن لأي أحد أن يتذكر أنه الخليفة في الأرض، إذا كان تقليم أظافره يحتل مرتبة متقدمة في اهتماماته؟ بدلا من تقليم (الأرض) وتشذيبها؟”

سادسا) وفي تقديمه (وصفة وقائية) قبل أن تكون (علاجية) لمشكلة (النسيان)، يسوق العمري أصلا قرآنيا آخر، فيقدمه تحت عنوان “الذكر، كي تستعيد ذاكرتك.”

وهنا، توقفت لأتساءل، ولأكرر تساؤلا رددته كثيرا في لقاءات وحلقات وملتقيات ومجالس واجتماعات، خصوصا مع من ينتمون إلى (مشروع النهضة) من (الشباب): كيف حال شبابنا (من الجنسين) مع الذِّكر؟ أين هم من الورد اليومي من القرآن؟ أين هم من ركعة الوتر مثلا؟ هل بلغ بنا الأمر من (الملل الديني) أو (الكسل الوعظي) أن نكون إلى متابعة (سينما هوليود) أو (موسيقى بيتهوفن) أو (مقطوعات الرحابنة) أقرب منا إلى (كتاب الله) ؟!

هل (يذكر) شباب (النهضة) مهمتهم الأصيلة والحقيقية في (الخلافة) عندما تكون (معظم) لقاءاتهم في مطاعم ومقاهي وفنادق (العولمة الرأسمالية) مثلا؟! هل (يذكرون) أنه ليس من (الخلافة) في شيء أن يكونوا ترسا في عجلة (الرأسمالية) التي تسحق الإنسان شرقا وغربا؟! في حين يلهث البعض منهم ليكونوا (عبيدا) في الشركات (العولمية) دون أن يطرف لهم جفن أو أن يتفكروا فيما إذا كان هذا (العمل) من باب الاضطرار اللحظي الذي ربما كان خطوة في طريق (التمكين) أو إذا كان (مصيرا) اختاروه لأنفسهم عندما (نسوا الخلافة) !!!

أمر مؤسف ويثير الشفقة على نفوسنا، والله.

ولكني أكرر ما قدمه العمري هنا: “الذكر، كي تستعيد ذاكرتك”

سابعا) لعل آخر ما استوقفني ووجدت أنني (مدفوع) للتعليق عليه والإشارة إليه في هذا الفصل، هو ما كتبه العمري تحت عنوان “سورة الأنعام: نعمة أن تكتشف أنك إنسان.” ولعل هذا المعنى من المعاني التي تؤلمني عندما أسير في الشارع وأرى كثيرا من (البشر) من حولي، وقد صدق فيهم قول الله “كالأنعام بل هم أضل سبيلا”، وصدق في وصفهم ذلك الأثر المنسوب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه “الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا.” كثير ممن حولنا اليوم، لا يبلغون حتى مرتبة الإنسانية، فلا يحيون حياة طيبة، إن هي إلا معيشة (بهيمية)؛ ولعل العمري حينما يسيح في عالم (الأنعام) يخرج لنا معنى (الإنسان) الذي أراده الله لنا.

الفصل الثالث: اللقاء في المدينة

في الفصل الثالث، ينتقل بنا العمري إلى محطة جديدة في [سيرة خليفة قادم]، فيصل بنا إلى “اللقاء في المدينة” حيث ينتقل بنا من سورة (البقرة) إلى سورة (النور) ليستخرج من السورتين أدوات (استخلاف) ومفاهيم (خلافة) ربما لم يقف عليها كثير ممن (يحفظون) السورتين !!!

وهنا، يتحدث العمري عن (الاستخلاف) كونه (فرض عين) وليس (فرض كفاية) كما يحلو للبعض أن يتوهموا. كما يربط مفهوم (الاستخلاف) بمفهوم (الرعاية) الذي طالته يد (الاختزال) أيضا.

هنا يتناول العمري متلازمة (آمنوا وعملوا الصالحات) بشكل تفصيلي متميز، فيواصل ما تناوله من قبل حول (مفهوم العبادة الشامل والحقيقي) ليحذر من (العلمانية) التي تفصل (الإيمان) عن (العمل) من جهة، والتي تفصل (في زوايا أخرى) بين مفهوم (الصلاح) بمعناه الشامل، و(العمل الصالح) بالمعنى الوعظي التقليدي الذي يختزله في (الشعائر والعبادات المنصوصة) !!!

وللتفصيل في (الإيمان والعمل الصالح)، ولتشخيص المشكلة وعلاجها، يضع العمري تفاصيل حياتنا اليومية (كما يقول) تحت “النور”، مشيرا إلى (سورة النور) وما تحويه من “تفاصيل الحياة اليومية”.

وهنا، استوقفني حديث العمري الماتع عن (سورة النور) ليذكرني بما أردده دائما في الحلقات التعليمية والتدريبية، خصوصا تلك التي تتناول (التربية): [ألف باء التربية] + [بلوغ لا مراهقة]؛ حيث أطالب القائمين على التربية والتعليم في البيوت والمساجد والمراكز (الإسلامية) والمدارس والجامعات بتعليم أطفالنا ويافعينا وشبابنا من الجنسين (سورة النور)؛ لما تحويه من دليل إرشادي عملي وقائي علاجي لمعظم المشكلات (التربوية) التي تهدد (محضن الخليفة القادم). وكم استغربت من مراكز تحفيظ القرآن التي لا تعنى بهذه السورة (النور) بقدر عنايتها بقصار السور والأجزاء الأخيرة ليحفظها (أطفال الجيل) !!!

ولن أطيل كثيرا هنا، لأنني لا أريد أن أحرمكم متعة قراءة ما ينسجه العمري تحت (النور) وما يبدع في تصويره من إسقاطات على واقع (الخلافة والخليفة).

ومن سورة (النور) إلى كل من سورتي (العصر) و(التين) حيث يبحر العمري في كل مفردة من مفردات السور ليصيغها صياغة (صناعية) لما يمكن أن يكون (أدوات الاستخلاف). فنراه يبدع في الحديث عما يلي:

“الاستخلاف يتدفق من النور”، “الإيمان شرط الفاعلية”، “فجأة، النور”، “الزجاجة الحامية”، “زيتونة قرآنية”، “مشروعك مصدر للطاقة” (ولا عزاء لأهل الشعوذة من أهل العلاج بالطاقة !!!)، “الوعد المشروط”، “عن عصر الإيمان والعمل الصالح”، “التين: قانون الريادة”، “زيتونة مضيئة، للعمل المستمر”، “طور سينين”، “البلد الأمين”، “الأمن والأمان: السبب والنتيجة”، عناوين براقة لأسفل سافلين.”

وأود أن أتوقف عند آخر عنوان من هذه العناوين “عناوين براقة لأسفل سافلين”، حيث تناول العمري أمرا ملحوظا لدى البعض وغائبا عن أذهان الكثيرين، وهي تلك الحيلة النفسية الدفاعية التي تستخدمها بعض (بل كثير من) النفوس (مخادعة ذواتها) لتقنع بما هي فيه من (سوء وذل وهوان)؛ فنرى هذا عند كثير من مرضى الجهل والفراغ الذين سرعان ما يصبحون ضحايا (الإلحاد النفسي) والقلق الفكري، وكذلك الأمر في (سوء الخلق) المقنع بـ (الأدب والحداثة) والجهل المقنع بـ (الثقافة) والضعف المقنع بـ (التحرر والليبرالية) والعبثية المقنعة بـ (العلمية) وغير ذلك من “عناوين براقة لأسفل سافلين.”

يقول العمري:

“معظم البشر اختاروا أن يكونوا في أسفل سافلين، لكنهم وضعوا لافتات تشير إلى هذا الموقع باعتباره “أعلى عليين”. صنع بعضهم فلسفات وأيديولوجيات تكرس ذلك، وتعتبر أن “أسفل سافلين” هو الوضع الطبيعي للبشر، بل هو الوضع الأمثل لهم! على هذا، سيكون “التقويم الأحسن” الذي اختاره لنا من خلقنا جميعا تقويما عفا عليه الزمن، وانتهى تاريخ صلاحيته.”

لله درك يا أحمد؛ إبداع.

الفصل الرابع: الإيمان منصة انطلاق، سداسية الأركان

أستطيع القول إن هذا الفصل هو مكمل لمادة [الفردوس المستعار والفردوس المستعاد: ثوابت وأركان من أجل حضارة أخرى]، حيث تناول العمري هناك “أركان الإسلام” كثوابت وأركان للحضارة التي يرقبها ويتمناها إنسان العصر. هنا، يكمل العمري حديثه في تناول مبدع لـ “أركان الإيمان.”

هذا الفصل (كما أراه) هو درس في العقيدة بامتياز؛ درس لا بد لكل مدرسي التربية الإسلامية أو مادة (الدين) في المدارس، ولا بد لكل معلمي (أصول الدين) في كليات الشريعة، ولغيرهم من العاملين في المراكز (الإسلامية) وحلقات تحفيظ القرآن، لا بد لكل هؤلاء من قراءته ومن هضم مادته، ليضيفوها إلى مادة (أصول الإيمان) أو (أصول العقيدة) التي تعلمناها في صغرنا عند شيوخنا (جزاهم الله عنا خيرا) والتي لا زلنا ننصح بتعلمها.

المختلف هنا، والذي يضيفه العمري في هذا الفصل، هو تثبيت هذه (الأركان) ليصبح من الممكن بعد (تثبيتها) أن (ينطلق) منها (الخليفة) إلى فضاءات العلم والعمل والبناء والنهوض والقيام.

وكما دعوت الأصناف السابقة لدراسة هذا الفصل، فأنا أدعو أهل (التنمية البشرية)، وأولئك الذين يدعون إلى (التنمية بالإيمان)، أدعوهم إلى قراءة هذا الفصل بـ (إيمان) قبل أن يتجهوا للبحث عن (الحكمة) في مستنقعات (الآخر).

وكما فعل العمري مع مفردات السور القرآنية، نراه يفعل الفعل ذاته، بإبداع متجدد، مع مفردات (الإيمان وأركانه)، فنقرأ ما يلي (أعلم أنني سأطيل في ذكر العناوين الفرعية، ولكنها مهمة فعلا، وكل عنوان يحمل معه مشروع خليفة قادم):

“الذين آمنوا وفعلوا”، “فسلجة التصديق: دماغك عندما يصدق”، “امتداد ذلك في موضوع التصديق”، “لا صدق ولا صلى”، “دوائر الإسلام والإيمان المتداخلة”، “الإيمان بصفته دافعا”، “دوافعنا تحت المجهر”، “حوافزنا تتحول من الخارج إلى الداخل”، “حسن الظن من سوء الفطن أحيانا”، “عملية نقل الدافع”، “عن الجلد الإيجابي للذات”، “إن آمنت أنك (سدى) لمت نفسك، وصولا إلى احتقارها”، “الإيمان: نحو استقطاب الطاقة” وهنا يتساءل: “لكن من أين تأتي الطاقة؟”، “من أعراض الإيمان: حمى الهوس بالقضية”، “التصدق، التعريف، الاستقطاب”، “أركان الإيمان الستة، من منظور ثلاثي الأبعاد”، “الإيمان بالله، أبعاده الثلاثة”، “الملائكة بثلاثة أبعاد: اعمل وروح القدس معك”، “الإيمان بالكتب: لا بد من كتيب الاستعمال”، “العقل المستقل عن المرجعية مجرد وهم”، “حياتك قاعة امتحان، امتحان من النوع المفتوح”، “الإيمان بالرسل: عن أشخاص يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق”، “البعث، لأنك لست عبثا”، “آليات تحويل (اليوم الآخر) إلى مجرد يوم آخر”، “الإيمان باليوم الآخر: أن يصبح يومك الحالي مختلفا”، “الإيمان بالقدر: الرضا بالقدر طريقا للتغيير”، “عن القدر خيره وشره”، “القدر قرآنيا”، “القدر في قطرة ماء.”

في هذا الفصل، يمارس العمري دورا (عرفته فيه من قبل)، ولكنه هنا، يمارسه بـ (اقتدار المؤمن) الذي يؤصل لـ (مادته) تأصيلا قرآنيا بامتياز؛ في هذا الفصل، يقوم العمري بدور (فقيه النفس) أو (عالم النفس المؤمن).

وكما نصحت، ولم أزل أنصح، بعض مراجعي العيادة النفسية بقراءة [كيمياء الصلاة]؛ فلا عجب أنني سأنصحهم (أكثر) بقراءة هذا الفصل من هذا الكتاب، خصوصا أولئك الذين يعانون بعض مظاهر الخوف والوسواس والقلق والاكتئاب.

في هذا الفصل، يقوم العمري باللعب على حبال النفس وطريقة تفاعلها مع الأشياء من حولها وفي داخلها؛ فيفصل فيما نعرفه بـ (مثلث الفكرة، الشعور، السلوك) بطريقة لم أقرأها كثيرا عند غيره ممن سبقوه، حتى من أهل الاختصاص، أو أولئك الذين يحاولون (أسلمة) علم النفس.

نقرأ، مثلا، في “فسلجة التصديق: دماغك عندما يصدق” توصيفا متميزا لحالة (التصديق) التي تخلو من (الإيمان) وما ينتج عنها من (فصام) معرفي-سلوكي، بل وما يمكن أن تؤدي إليه من (وسواس) أو (قلق).

وعندما تناول “لا صدق ولا صلى” أبدع العمري في تحليل (الانفصام المعرفي-السلوكي) المنتشر بين صفوف المسلمين، وأبدع أكثر (كما أرى) في الإفادة من آيات سورة (القيامة) وإسقاطها على حال المسلمين.

وتحت عنوان “دوافعنا تحت المجهر”، تناول مفهوم (الدوافع) في مقاربة إسلامية لما ينتشر في مدارس (علم النفس الغربي)؛ إلا إنه أعمل النقد فيما أسميه (بهيمية العيش) السائدة، حيث طغت على الأجيال السابقة، والأجيال اللاحقة، مفاهيم النجاح بمعناه (الدنيء أو البهيمي) بعيدا عن (الاستخلاف) المطلوب والمرجو. كما تناول بإسهاب ما أسميه (تسديد الهدف).

وفي حديثه عن “حوافزنا تتحول من الخارج إلى الداخل” عالج العمري مشكلة الإفراط والتفريط بين (اعتزال الآخرين إلى حد عدم الاكتراث بهم) وبين (الاعتماد المرضي) على آراء الآخرين وتقييمهم.

ومن أروع ما قام به العمري في هذ الفصل، دور (المعالج النفسي) من جهة، والعالم بحقيقة النفس وما يزكيها في سلم الإيمان من جهة أخرى؛ فعرض لحالة من أشد الحالات إشكالا عند (المؤمنين)؛ تلك هي حالة (جلد الذات)…

لكنه هنا، فاجأ القراء بعنوانه “عن الجلد الإيجابي للذات” !!!

هنا، يصطدم العمري مع الطرح التقليدي لمفهوم “تقدير الذات”، والذي ربما أوقع الإنسان في (وهم الثقة) أو (وهم التقدير) أو (وهم الإنجاز) من جهة، لكنه، من جهة أخرى، ربما يودي بإنسانية الإنسان إلى (أسفل سافلين) إذا مارس على النفس (الجلد) المرتبط بعدم الوصول إلى إنجازات (لا علاقة لها بمهمة الاستخلاف) !!!

في مقابل هذا، يعود العمري ليذكر قراءه بما بدأ به الكتاب “لماذا نحن هنا”، ولكنه يذكره الآن في معرض آخر، لِعلّة أخرى، لمهمة أكثر (عمقا وشدة)؛ فيفاجئ العمري قراءه، كما يفاجئ (طلاب الخلافة) بضرورة (جلد الذات) إذا لم تقم النفس بدورها في (الخلافة). وهنا، يبدع العمري حديثا نفسيا رائعا عن (النفس اللوامة).

ولكن، أليس في هذا (ظلم للنفس)؟ ألا يؤدي هذا إلى “النظرة المتدنية للذات = Low Self Esteem” ؟!

أترككم هنا لتدخلوا (عيادة العمري) بأنفسكم، لتقدروها كما هي، أو كما يجب أن تكون.

ومن هنا، نفهم كيف يكون من المنطقي أن يتلو هذا عنوان آخر، وهو ” إن آمنت أنك (سدى) لمت نفسك، وصولا إلى احتقارها.”

وأما عن “الإيمان: نحو استقطاب الطاقة”، فلقد استمتعت حد النشوة في هذا الجزء من الفصل الرابع، خصوصا في حديثه عن (الطاقة) ومصدر الطاقة وعلاقة الطاقة بالإيمان؛ وتمنيت أن يُقرأ هذا (السّفر) على أهل الشعوذة الذين يتاجرون بالمفردتين معا (الطاقة والإيمان) حتى كادوا أن يفسدوا على الناس إيمانهم وطاقاتهم !!! بل إن العمري في هذا الجزء يتناول أثر (الإيمان) على طاقة الإنسان (أي إنسان) تناولا متميزا، ربما يغيب حتى عن أهل الشعوذة أنفسهم!

كلمات أضحكتني: تحت عنوان “الملائكة بثلاثة أبعاد: اعمل وروح القدس معك”، وفي معرض حديثه عن الصورة الذهنية للملائكة في تراث الأيقونات والصور عند أهل الكتاب (!!!) والتي رسختها فيما بعد سينما هوليوود؛ كتب العمري:

“لا علاقة للملائكة طبعا بنجوم هوليوود؛ ربما الشياطين علاقتهم بهم أكبر.”

لكن، وبعد هذه الطرفة الافتتاحية، تتجدد وصلة العمري الإبداعية في توظيف (الإيمان بالملائكة) في (مشروع النهوض والقيام)، فيفصل في علاقة الملائكة بالوحي وصلتهم بالإنسان (من آدم وحتى الخليفة القادم) في أسلوب أصيل ومبدع، وعملي.

وكما كان لأهل الشعوذة نصيب (كما رأيت)، فإن لمدعي (العقلانية) نصيبا كذلك، ونجد هذا تحت عنوان: “العقل المستقل عن المرجعية مجرد وهم.”

اعتدت أن ألعب لعبة (قرآنية) مع إخواني في الله، تعلمناها في صغرنا بطريقة (طفولية)، لكننا عندما كبرنا صرنا نستخدمها بطريقة (ناضجة). واللعبة هي أن يسأل أحدنا سؤالا، بشرط أن يستخرج (اللاعبون) الإجابة من القرآن، وحبذا أن تكون الإجابة محفوظة أو معلوما (موضعها) في القرآن على الأقل؛ فإن لم يكن، سمحنا لهم أن يفتحوا (المصحف) ليستخرجوا الإجابة.

واللعبة، مع كونها ممتعة ومسلية، إلا إنها تختبر علاقتنا نحن (مدعي النهضة) بالقرآن ومادته، وإلى أي درجة (نتذكر الذكر) ونحسن استدعاء نصوصه وتدبرها وتطبيقها في حياتنا اليومية.

هذا باختصار ما أعادني إليه العمري تحت عنوان: “حياتك قاعة امتحان، امتحان من النوع المفتوح.”

وتحت عنوان “الإيمان بالرسل: عن أشخاص يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق” أعمل العمري مبضعه في أورام الغلو والصنمية والتقديس، ثم عالج موطن الداء بشرح لطيف لمفهوم (العصمة).

كعادته، متمرد بأدب.

كما استوقفني جدا عنوانان متتاليان:
“آليات تحويل (اليوم الآخر) إلى مجرد يوم آخر”، “الإيمان باليوم الآخر: أن يصبح يومك الحالي مختلفا.”

وهنا، تناول العمري تحت العنوان الأول ثلاث آليات من شأنها أن تمسخ اليوم الآخر وتشوهه وتطفئ تلك الشعلة التي بها يتقد (الخليفة) فتبدأ رحلة الحياة بكل ما فيها من تحديات ومحفزات ومعوقات ومبشرات. وهذه الآليات سيتم تفصيلها لاحقا في الفصل السادس عند الحديث عن “كيف قتل الخليفة.”

وهنا، استوقفتني (حكمة) من حكم هذا الكتاب:

“أي قراءة للقرآن الكريم تقود إلى نتيجة تقعدك عن العمل، هي قراءة باطلة حتما”

ولاختبار صدق (الإيمان باليوم الآخر)، يعرض العمري سؤالا على نفوس القراء، سؤالا من شأنه أن يصدق النفس أو يكذبها:

ومفهوم السؤال: هل يصنع هذا الإيمان من يومي يوما (مختلفا = إيجابيا) ؟!

ثم يستدرك على ما سيفهمه البعض (خطأ) على أنه (عمل صالح) لمجرد كونه (صلاة أو صياما)، فيشرع في تفنيد هذا الفهم المغلوط لأركان (التصديق) المجردة من (الإيمان)، فيقول:

“هذا هو الفرق بين أن تؤمن باليوم الآخر، وأن تصدق به فحسب”

وعن الإيمان بالقدر، كتب العمري تحت أربعة عناوين:

“الإيمان بالقدر: الرضا بالقدر طريقا للتغيير”، “عن القدر خيره وشره”، “القدر قرآنيا”، “القدر في قطرة ماء.”

وقد تناول (الإيمان بالقدر) بشكل إيجابي متفرد في واقعيته وعمليته. إلا إنه سيعود ليفصل في هذا بشكل أدق وأعمق في الفصل السادس عند الحديث عن “كيف قتل الخليفة.”

ثم يلخص العمري الفصل الرابع في الصفحات 295-297.

الفصل الخامس: “والعمل الصالح يرفعه”

بعد تناول (الإيمان)، ولمتابعة الحديث عن متلازمة (الإيمان والعمل الصالح)، كان من الطبيعي للعمري أن يفرد للعمل الصالح فصلا خاصا به، خصوصا إذا أراد العمري أن يغوص في أعماق مفردة (الصلاح) ليخرج منها جوهرها وينفض عنها ما علق من شوائب ربما تسببت في نفي (الصلاح) عن كثير مما نظنه (عملا صالحا).

وللقيام بهذه المهمة، مهمة (إصلاح العمل الصالح)، يختار العمري أن يدخل (سورة الكهف) ليخرج منها (معالم العمل الصالح).

والسؤال: لماذا (سورة الكهف) دون غيرها من سور القرآن؟ الجواب تقرؤونه هناك 

ثم يشرع العمري في رسم معالم (العمل الصالح) أو (شروطه)، فيظهر لنا منها ما يلي (باختصار، والتفصيل في الكتاب، لأن الأوراق لدي لم تعد تكفي):

منطلق إيماني (لا هوائي)، الجماعة (أو الجماعية كما سماها العمري)، التجدد والمرونة، الإنتاجية (الباقيات الصالحات)، الثورة الإيمانية قد تعني هدم الهدم أو تخريب الخراب، التخلية (وعزل افساد والمفسدين) قبل التحلية، الإيمان أولا وآخرا.

الفصل السادس: “كيف قتل الخليفة”

إذا تجاوز العمري في كل ما فات نقد خصومه أو (حنقهم)، فإنني أعتقد (ولا أظن فقط) أن هذا الفصل سيكون القشة التي ستقصم (صبر خصومه)، هذا لو صبروا على ما فات أصلا !!!

في هذا الفصل، يشن العمري (نقدا) كان قد ألمح إليه في غير موضع من كتبه السابقة، كما ذكر شيئا منه في الفصل الرابع، ولكنه اليوم، في هذا الكتاب، وفي هذا الفصل تحديدا، يفرد لهذا النقد (أو لهذه الحرب) صفحات طويلة، ربما لأنه شعر أنه آن الأوان أن يبادر شخص من (داخل) المنظومة الدينية بعملية (نقد ذاتي) لما سكت عنه كثيرون لقرون مضت (وهذا ما أشار إليه العمري عند حديثه عن العقل الجمعي المنحاز)، بل ربما تسبب هذا السكوت في الترويج المضاد (لما ينبغي نقده) حتى أصبح هو الأصل على الساحة (الإسلامية) !!!

في هذا الفصل، يشرع العمري في تفكيك (مسرح الجريمة وأدواتها) التي أودت بـ (الخليفة) إلى ما وصل إليه حاله الآن، فيخلص العمري في (تحقيقه) إلى ثلاثة مفاهيم سلبية لا بد من اجتثاثها، لأنه يرى أنها هي (القاتل المجهول):

أولا) الدنيا مكان الفتح ومزرعة الآخرة، أم المزبلة النتنة.

وهنا، انتقد العمري الموروثات السالبة التي خلفها مفهوم (مختزل) لما عرفناه فيما بعد بـ “أدب الزهد، والرقائق، وأعمال القلوب”، وما تسبب به هذا من توريث (ذم الدنيا) للأجيال المتعاقبة؛ وشدد انتقاده (الذي استغرق قرابة ثلاثين صفحة) نحو شخصية وكتاب ومدرسة؛ يعتبرهم عامة المسلمين من أنصع صفحات تاريخ الإسلام.

وهنا موطن الهجمة الشرسة التي سيتلقاها العمري من خصومه، وربما من بعض (معجبيه) !!!

لماذا ؟!

لأن تلك الشخصية هي أبو حامد الغزالي، وذلك الكتاب هو [إحياء علوم الدين]، وتلك المدرسة هي (الصوفية-الأشعرية) !!!

فلقد استدعى العمري ما يقرب من اثنتي عشرة صفحة من الكتاب، ومن فصل “ذم الدنيا” تحديدا، ليبرهن على ما سيفصل فيه القول لاحقا حول ما أشاعته بعض المدارس من (زهد متخلف) لا علاقة له بـ (الخلافة) !!!

والذي أضحكني هنا، هو أن جرأة العمري وكلماته ذكرتني بما جرى معي قبل رمضان الفائت، حيث كنت أصور حلقات [ألف باء الحياة] إعدادا لبثها في رمضان؛ وفي حلقة من الحلقات، ضربت مثلا لعقلية (التواكل الشرعي) بما جاء عند بعض علمائنا، وذكرت أبا حامد الغزالي وكتابه [إحياء علوم الدين] مع التنبيه على أننا نحفظ للغزالي قدره ومقامه في علوم شتى؛ ومع هذا، وفي وقت الفاصل الإعلاني، دخل علينا (المخرج) وهو يتساءل بلغة تجمع بين الاستنكار والاستغراب والمطالبة بشيء من التفسير المقنع بالاعتذار لجمهور القناة من (المسلمين المتدينين) الذين ربما سيكون لهم ردة فعل سالبة على ما ذكرت. وبعد الفاصل، كررت مقالتي، ودعمتها باستشهاد نصي من الكتاب، لكنني مع هذا، أعدت التأكيد على حبنا وتقديرنا لمقام الغزالي ومكانته، إلا إن هذا لا يلغي حقيقة نقدنا لما نرى أنه مظنة النقد.

وأعود إلى العمري، الذي آنسني بما كتبه، وإن كان خاض في الأمر بعمق لم أكن أتصوره من (داخل المنظومة الإسلامية). فقد تناول العمري مدرسة الغزالي وكتابه وثناء كثير من المتقدمين والمتأخرين لهما، ثم شرع في تفنيد (ذم الدنيا) ليفرق بينها وبين (الحياة الدنيا)، وليستدعي النصوص القرآنية الدالة على أن (الدنيا) شيء، و(الحياة الدنيا) شيء آخر.

ثانيا) القضاء والقدر: مشروب الطاقة الذي استعمل ليكون مخدّرا.

وإذا كان العمري قد أفرد المدرسة (الصوفية-الأشعرية) بالنقد في المفهوم السابق، فإنه هنا لا يكاد يبرح موضعا إلا وغرز فيه مبضعا أو سيفا أو رمحا. فنراه ينتقد الرؤية (التقليدية السائدة) لمفهوم (القضاء والقدر) عند كثير من (أهل السنة والجماعة) وغيرهم من (القدرية والجبرية)؛ بل يصرح بنقد رمز مهم من رموز التصوف والزهد، واسم بارز حتى عند العوام، ذلك هو (ابن عطاء الله السكندري) رحمه الله، وكتابه [التنوير في إسقاط التدبير]، ثم يعرج في لفتة (ملعوبة) ليشير إلى رموز معاصرة ممن سوقوا له في شروحهم لـ (الحكم العطائية)، فذكر منهم: محمد سعيد رمضان البوطي (رحمه الله) وعلي جمعة (مفتي الانقلاب) !!!

وكما فعل في المفهوم السابق (ذم الدنيا)، يعيد العمري الكرة هنا، فيبدأ بتفكيك مفهوم الجبر والاختيار أو التسيير والتخيير، كما يقوم ببحث متميز في مفردة (المشيئة) في كتاب الله جل في علاه، ليخلص منها لرأيه حول (مشيئة الله وعلاقتها بمشيئة العبد).

ثالثا) ولي الأمر: عن أكاذيب صدقناها.

واستكمالا لما سبق، ومتابعة لما يمكن أن يخلفه كل من (ذم الدنيا) والرضا السالب بـ (القضاء والقدر)، وفي معرض (النقد الذاتي) لمدرسة من مدارس الإسلام ومذاهبه، وتلبية لما يحتاجه (الجيل) في حقبة (الثورات العربية)، يتوقف بنا العمري عند مفهوم لا يكاد يقل خطورة عما سبق، ذلك هو مفهوم (الطاعة لولي الأمر)؛ المفهوم الذي استخدمته (المؤسسة التقليدية) استخداما سلبيا وسالبا في طريق صناعة (الخليفة). فيتقدم العمري لتناول المفهوم تناولا موجبا وإيجابيا، من شأنه أن يظهر مفهوم (ولي الأمر) في مظهر لا إفراط فيه ولا تفريط.

وكما فعل مع المفهومين السابقين، يسعى العمري هنا في تفكيك مفردات: ولي الأمر، الإمام، الحاكم، الشرعية، المرجعية، الاستبداد، الطاعة، التنازع أو المنازعة، الشورى، وغيرها من مفردات في ثنايا هذا الجزء.

وينهي العمري هذا الفصل بكلمات:

“ألم تعرف من قبل أنه كان هناك خليفة في داخلك؟
بالضبط.
كانت هذه هي الجريمة بالضبط.
أنك لا تعرف أنك الخليفة.
لقد قتلوك، قتلوه، عندما قتلوا مفاهيم الاستخلاف في داخل رأسك.”

[سيرة خليفة قادم]

وهنا، وقبل نهاية الكتاب، يأخذ العمري بيد القارئ والقارئة ليضع بينهما [سيرة خليفة قادم]؛ ولكنه يبدأ بإثارة تساؤل ربما بدأ يضطرب في أذهان القراء “أين هي سيرة الخليفة القادم التي كنا ننتظر قراءتها ؟!” ليجيبهم عن مراده من تسمية الكتاب: [سيرة خليفة قادم] ويعلن أن هذا (الخليفة) قد يكون “أي أحد، أي فرد، وليس فردا واحدا بعينه؛ والفرق بين الاثنين كبير.”

ثم يشرع في عملية “استئصال وتأصيل”: استئصال الفهم السرطاني العالق على نصوص ديننا، وتأصيل الفهم الإيجابي.

وهنا، يبدأ العمري في تفكيك مفردة (خلف) وما يتعلق بها، فبقول:

“الفعل هو “خلف”
ومن الفعل خلف
يُشتق “الخليفة”
ويُشتق أيضا
“المُخلَّف””

ثم يقول:

“لا خيار ثالثا هناك
خليفة
أو مخلَّف
والخيار حتما لك
لك وحدك”

ثم ينهي الكتاب بملحق: “الخريطة الجينية للخليفة القادم”

وهذه، أتركها لكم لتقرؤوها على مهل، لأنها تلخص الكتاب كله.

وأنهي بما أنهى به العمري

“ماذا سيحدث الآن؟
لا أدري
القرار متروك لكم
لكل واحد منا”

ولا يمكن أن أنهي أنا (عبدالرحمن) هذه الصفحات دون أن أقول بدوري:

لقد قمت بدورك يا أحمد
وأنا أشهد لك أمام الله
كما أشهده أيضا، أني أحبك في الله

أخوك المقصر/ عبدالرحمن
الأربعاء 29/1/2014

الهويَّة السُّـنِّية… صراعٌ من أجل البقاء

الهويَّة السُّـنِّية… صراعٌ من أجل البقاء


لم يكن سهلاً قط، بالنسبة للسُّـنَّة العرب في العراق الحديث عن “هويَّةٍ سُـنَّيةٍ” خاصَّةٍ بهم تميِّزهم عن سواهم من المكوِّنات الأخرى للشعب العراقيّ، فقد كان هذا الحديث بمثابة إقرارٍ ضمنيٍّ بما أصرَّ السُّـنَّة العرب (ولا يزال بعضهم) على رفضه وتجاهله..

لكنَّ السُّـنَّة العراقيين الآن، ونخصُّ بالذكر الآن العرب منهم، أمام مرحلةٍ لم يعد مجدياً الرفض فيها، لأنَّ هويَّتهم ووجودهم صارا مهدَّدين أكثر من أيِّ وقتٍ مضى، لم يعد أمام السُّـنَّة العرب خيارٌ، إمَّا أن يكون لديهم هويَّةٌ سُـنِّيَّةٌ واضحةٌ معلنةٌ، أو أن يرضخوا لمشروعٍ يستهدف على الأقلِّ تذويبهم في المشروع الإيرانيِّ الجاثم على العراق، وهو المشروع الذي لا مفرَّ من الإقرار باستغلاله  نسبة لا بأس بها من الشعب العراقيِّ( حتى الآن).

السُّـنَّة العرب هم أوَّل من رفض هذا الحديث عن الهويَّة السُّـنِّية، فمنذ أن بدأ الحديث الطائفيّ والمحاصصة صراحةً بعد الاحتلال، والسُّـنَّة العرب يحاولون عبثاً النأي بأنفسهم عن التصريح بهويَّةٍ طائفيَّةٍ، وبينما سارع  بعض الساسة الشيعة في استغلال ظروف ما بعد الاحتلال لإعلان “البيت الشيعيِّ”، كان هؤلاء يحاولون الحديث عن عراقٍ موحَّدٍ يضمُّ الجميع..(فهم الأمر من قبل الطرف الآخر أنه رغبة في عودة حكم البعث والسيطرة على كل العراق كما كان سابقا وهو أمر لا يمكن استبعاده كليا من ذهنية البعض. )

جزءٌ من هذا الرفض كان يعود لرواسب الفكر البعثيِّ القوميِّ الوطنيِّ الذي لم يكن من الممكن الحديث معه عن طائفةٍ، ناهيك عن الحديث عن هويَّةٍ طائفيَّةٍ، الأجيال التي نشأت على حكم البعث منذ أواخر الستينات من القرن الماضي تعلَّمت أن ذكر أنك سُنِّيٌّ أو شيعيٌّ “عيبٌ” باعتبار أنَّه “ماكو فرق”..

كان ذلك عهداً انقضى.. ونعرف كيف انقضى.. تلك الأحلام الجميلة والمفعمة بالأناشيد الوطنيَّة لا يمكن لها أن تغيِّر واقعاً كابوسيَّاً جاثماً على صدور العراقيين الآن…

إن كنت لا تريد الحديث عن هويَّتك (كي لا تفرِّق ولكي تحافظ على هويَّةٍ وطنيَّةٍ موحَّدةٍ) فهذا شأنك وخيارك.. لا تتوقَّع أن يتَّخذ الآخرون الموقف نفسه مجاملةً لك.

وهذا ما حدث.. نأى السُّـنَّة العرب عن الحديث عن هويَّةٍ طائفيَّةٍ صريحةٍ مراعاةً للوحدة الوطنيَّة  التي اتَّضح أنَّها مثل الغول والعنقاء والخلِّ الوفيِّ (على الأقلِّ فيما يتعلَّق بشكلها في الدول العربيَّة القديمة).. بينما انهمكت النخبة السياسية التابعة للمشروع الإيراني في العراق في تثبيت ما فهمته من “هوية التشيع حسب مشروعها الإيراني” والإعلان عنها والترويج لها والتشبُّث بها، وهو ما  كان له أثرٌ كبيرٌ لاحقاً على معطيات الأمور، فمن لا يبرز هويَّته يبدو كمن لا وجود له، على العكس من المبرزين لها الذين  سيظهرون حتما بحجم أكبر بسبب الفراغ الذي أحدثه إحجام الآخرين عن إبراز هويَّتهم..

المشكلة  هنا ليس في كون الهوية الشيعية قدمت بحيث تُبرِز حجم المكون وقوَّته فحسب ، بل أن طريقة “الهوية الشيعية” قدمت على نحو يجعل من الشيعي  يشعر بأن هويته ترتكز على عدائه للسنة..

جوهر الهويَّة الشيعيَّة(كما قدمت عبر المشروع الإيراني) يرتكز على أمرين  تاريخين لا يمكن التخلي عنهما:

أوَّلاً- المطالبة بالحقِّ المغتصب (الخلافة حسب الفهم الشيعي للموضوع).

ثانياً- المطالبة بثارات الحسين..

لا حديث عن هويَّةٍ شيعيَّةٍ في المشروع الإيراني(المسيطر والسائد حاليا) دون هذين الأمرين ..

 لن يبقى شيءٌ من التاريخ الشيعيِّ-حسب المشروع الإيراني- إن تمَّ السكوت عن هذين المعتقدين القائمين على الصدام مع السُّـنَّة (باعتبارهم اغتصبوا الخلافة بزعم الشيعة، وباعتبارهم قتلوا الحسين – كذباً وافتراءً)…

وفي الحالتين، فإنَّ السُّـنَّة بكلِّ أطيافهم سيجدون أنفسهم في مواجهة هذه الهويَّة الشيعيَّة المزعومة ، المختطفة من قبل مشروع سياسي إيراني.

ماذا يعني إظهار الهويَّة الشيعيَّة أمام السنة؟

يعني أن تجد نفسك كسني  محاصراً طيلة الوقت باللطم على الحسين وفق أنغامٍ تتَّهمك بين لحنٍ وآخر بقتله.. يعني أن تجد المطالبة بالثأر للحسين على الجدران في المؤسسات الحكوميَّة وعلى البيوت وعلى السيارات وفي الشوارع.. أن تجد ابنتك تكتب على رأس ورقة الإملاء “يا لثارات الحسين” لأنَّ كلَّ زميلاتها يفعلن ذلك…

في كلِّ خطوةٍ ستجد  نفسك متَّهماً في جريمةٍ تؤمن أنَّها لم تحدث أصلاً(خطف الخلافة)، بينما تم إقناع شركاء الوطن أنَّها السبب في وجودهم على هذه الكرة الأرضيَّة..

لا جدوى من الإنكار.. لا جدوى من الحديث عن هويَّةٍ وطنيَّةٍ واحدةٍ في هذا السيل الجارف من الهويَّة التي لا تراك إلا عدوَّاً لها، بل ترى في الانتقام منك السبب الذي خلق الله البشريَّة من أجله…

بالضدِّ تتميَّز الأشياء، وبالتمايز يكون التعريف، وهذه الهويَّة الشيعيَّة (المدعومة بلا شكٍّ من الحكومة الإيرانيَّة وأجنحتها ولكن أيضاً التي تختطف الكثير من الشيعة العاديين غير المسيَّسين) هذه الهويَّة لا تنفكُّ تضع السُّـنَّة العرب في العراق في موضعٍ لم يكونوا يريدونه أصلاً، لكنَّه حدث.

لم يعد الحديث عن الهويَّة السُّـنِّية خياراً، صار معركة صراعٍ من أجل البقاء، إمَّا أن تتمسَّك بسنيَّتك وتظهرها، أو تذوب في ذلك التيار الجارف، رغم مفارقته لكلِّ ما هو عقلانيٌّ وحضاريٌّ وأخلاقيٌّ…

هذه الهويَّة (الشيعية حسب المشروع الإيراني)لا تقتصر على من هو سُنِّي متديِّن، بل هي تشمل كلَّ سُنِّي ولو كان علمانيَّاً أو ملحداً، كلُّ من ينتمي لأسرةٍ أو عشيرةٍ سُـنِّية الأصل سيجد نفسه معرَّضاً للإقصاء والتهميش (وفي مراحل أخرى للقتل أو الاعتقال)، وهكذا فقد اعتُبر الملحد سنيَّاً، واعتُبر العلمانيُّ سنيَّاً، واعتُبر الليبراليُّ سنيَّاً فقط لأنَّهم ينتمون للقبٍ سُنِّيٍّ، حتى لو لم يشكل شيئاً في أوَّلويَّاتهم وعقيدتهم.. لقد عوقبوا (جماعيَّاً) على اغتصاب الخلافة وقتل الحسين..  (ولا يمكن لك أن تحيِّد نفسك بترك التسنُّن ومظاهره، لكن سينفعك حتماً أن تتشيَّع وتظهر التشيُّع، هذا هو طريق النجاة الوحيد من تهمة قتل الحسين واغتصاب الخلافة…)

بهذا المعنى، فالحديث عن الهويَّة السُّـنَّيَّة له ثلاثة مستوياتٍ لا بدَّ من توضيحها:

المستوى الأول:

الهويَّة السُّـنِّية بمعناها العامِّ جداً، والذي يشمل العلمانيين والليبراليين – وحتى القوميين الذين هم الأشدُّ عداءً لهذا الحديث-  شاؤوا الآن أم أبوا، هي هويَّة الانتماء التاريخيِّ للأمَّة الإسلاميَّة وحضارتها.. (بكلِّ ما في هذا التاريخ من منجزاتٍ، وما فيه أيضاً من أخطاء..) الهويَّة الشيعيَّة  (كما يقدمها المشروع الإيراني) ترفض هذا التاريخ جملةً وتفصيلاً، وتُصِرُّ على اعتباره مجرَّد غلطةٍ ناتجةٍ عن اغتصاب الخلافة، ولا تقدِّم أيَّ تاريخٍ بديلٍ بالمقابل بل تقترح مستقبلا قائما على الانتقام من هذا التاريخ..

هذه الهويَّة الأوسع لا تشمل التديُّن السُّنيَّ أو مظاهره أو شعائره (القليلة أصلاً بالمقارنة مع الكم الهائل من الشعائر ومظاهرها عند الشيعة)، بل تشمل الإيمان بالأمَّة الإسلاميَّة بمعناها التاريخيِّ، بقدرة هذه الأمَّة على العطاء والإبداع، وبتاريخٍ مجيدٍ بين تاريخ الأمم، هذه الهويَّة التي تتصادم مع هويَّة اللطم والعويل على التاريخ، يمكن أن يجد العلمانيُّون والليبراليُّون والقوميُّون أنفسهم فيها.. ويجب إبرازها بوجه هويَّةٍ تريد إلغاء التاريخ لصالح جهةٍ معيَّنةٍ كان تاريخها سلسلةً من الفشل المتكرِّر.. إنَّها هويَّة الرشيد، والمأمون، وبيت الحكمة، والمستنصريَّة، والأندلس، وكلِّ المنجزات العلميَّة التي تحقَّقت في العهود الإسلاميَّة اللاحقة التي يرفضها الشيعة جملةً وتفصيلاً.. إنَّها هويَّة العدالة الاجتماعيَّة التي تحقَّقت في عهود الخلافة الراشدة ومستوى العدالة الذي بقي يُعَدُّ قياسيَّاً بالنسبة لتجارب حضاريَّةٍ أخرى..(وهي الهوية السنية التي يرفضها الفكر القاعدي أيضا بطبيعة الحال)

المستوى الثاني من الهويَّة السُّـنِّية: هي هويَّة أهل السُّـنَّة بالمعنى العريض، والتي تشمل اليوم بعض الفرق التي ليست على وفاقٍ فيما بينها، ولكنَّها بالتأكيد تقف جميعاً بعيداً عن المشروع الشيعيِّ-الإيراني- بمسافةٍ ليست واحدةً، لكن كافية تماما لكي يكون ثمة ما هو “جبهة مشتركة”…

تشمل هذه الهويَّة ما يمكن أن نسمِّيه السُّـنَّة المتديِّنين، بغضِّ النظر عن تصنيفهم في هذا التديُّن (سلفيّ أو صوفيّ، مع وجود تصنيفاتٍ فرعيةٍ لكلِّ تصنيفٍ).. أي سُنِّي متديِّن، مهما كان فهمه بسيطاً أو سطحيَّاً، لا يمكن إلا أن يجد نفسه على صدامٍ مع هويَّةٍ إيرانية تعُدُّ أبا بكرٍ وعمر “صنمَي قريشٍ”.. بالنسبة له لم يبلغ الإسلام مداه وعزَّه ومجده، ولم يصل إلى مشارق الأرض ومغاربها إلاَّ عبر هذين الرجلين ومن اتَّبعهما.. فكيف يمكن له إلاَّ أن يجد في الهويَّة الشيعيَّة (كما تقدم في المشروع الإيراني) تهديداً له؟ وكيف يمكن له إلاَّ أن يتمسَّك بهذه الهويةَّ “السُّـنِّية العامَّة”، ويظهرها، عبر التمسُّك بما يمثّله أبو بكر وعمر ومنجزاتهما وسيرتهما، وكلُّ ما حقَّقاه وحُسِب رصيداً للإسلام.. ليس هناك في مواجهة الهويَّة الشيعيَّة إلا إظهار “التمسُّك” بكلِّ مَنْ يعدُّ الشيعةُ سبَّه ولعنه جزءاً من هويَّتهم: أبي بكر، عمر، عائشة…

المستوى الثالث من الهويَّة السُّـنِّية: هو الأقلُّ انتشاراً حاليَّاً، ولكنَّه أيضاً الأكثر وعداً بتحقيق ما هو أكثر من مجرَّد ردِّ الفعل الذي يتمثَّل في المستويين الأولين.

هذا المستوى يستند على وجود مشروعٍ سُنِّيٍّ حقيقيٍّ، مشروعٍ إسلاميٍّ يجد في الإسلام رؤيةً حضاريَّةً يمكن استلهامها في البناء والعمران

هذا المستوى يتجاوز العراق وسُـنَّة العراق حتماً.. فهو أكبر من أن يكون مختصَّاً بقطرٍ أو بلدٍ معيَّنٍ، بل هو مسؤوليَّةٌ جماعيَّةٌ.. لكنَّ قُرب العراق وسُنَّته من المشروع الإيراني يجعلهم الأكثر تحسُّساً للحاجة إلى هذا المشروع السنيِّ البديل..

المستوى الأولى من الهويَّة السُّـنِّية يستند إلى التاريخ وعمقه، فيجد فيه كلُّ من هو غير إسلاميّ امتداده وجذوره، حتى لو أسكنها لاحقاً في تربةٍ مغايرةٍ لثوابت هذا التاريخ ومقدَّساته..

المستوى الثاني يخصُّ التديُّن في أبسط وأنقى مظاهره، والذي يجد فيه كلُّ ملتزمٍ بأدنى التزامٍ دينيٍّ نفسه بعيداً عن مظاهر الغلوِّ والشرك والباطنيَّة التي جعلت من الإسلام ديناً باطنيَّاً كلُّ النصوص الدينيَّة فيه تعني عكس ما يبدو من ظواهرها..

والمستوى الثالث هو المتَّجه إلى المستقبل… هو الذي يبادر بالفعل والبناء سواءٌ أكان هناك مشروعٌ شيعيٌّ أم لم يكن.. هو الذي يعُدُّ القرآن والسُّـنَّة منصَّة انطلاقه نحو مستقبلٍ أفضل، بالضبط كما كان بالنسبة لأبي بكرٍ وعمر..الهوية السنية ، ليست موجهة ضد “الشيعي” بالتأكيد ، إذ يمكن للسني أن يسرد  كل تفاصيل عقيدته دون أن يتقاطع فيها مع الشيعة ، كونك “سنيا” لا يعني بالضرورة أنك ضد الشيعي ، بل يعني اختلافك وتمايزك عنه ، وهو أمر لا بد من تأصيله في الوعي العام إن كنا نريد يوما أن نكون جميعا مواطنين متساويين أمام القانون والدولة ، لا يمكن القفز إلى المساواة بحرق هذه المرحلة المهمة ، مرحلة  تأكيد واحترام الاختلافات ، يمكن لكل طرف أن يؤمن أنه يحتكر الصواب له وحده ، لكن لا شأن له بمصيره الآخروي في هذه الدنيا..وهو أمر سيجعل الهوية السنية في مواجهة حادة أيضا مع فكر القاعدة الذي يرفض هذه الطروحات..

الحديث عن الهوية السنية ليس مساهمة في تفتيت المجتمع (المفتت أصلا) كما يحلو للبعض أن يهول ،  بل هي  تأكيد على إمكانية تعدد الهويات واختلافها ضمن صيغة وإطار يمكن الاتفاق عليها ضمنا..

وقبل ذلك ، وفي مواجهة المشروع الإيراني : هي صراع من أجل البقاء…

تفسير القرآن بين عصر الحضارة وعصر الانهيار

تفسير القرآن بين عصر الحضارة وعصر الانهيار

“التساؤل الإبراهيمي نموذجاً”

د.أحمد خيري العمري على الرغم من إيماننا المطلق بتعالي النص القرآني عن تغيرات الزمان والمكان، إلا أننا نؤمن ولا بد، بأن بشرية القراءة لهذا النص (أو التفسير) ليست منزهة عن تغيرات الزمان والمكان، وأن التفاعل الإنساني مع هذا النص محكوم بشروط تحدد نتائجه وتتحكم بمنطلقاته ومعطياته.. وهي شروط مرتبطة ببوتقة التفاعل وبيئته العامة.. وليس المقصود هنا ببوتقة التفاعل وبيئته تفاصيله الصغيرة، بل الاتجاه المجتمعي العام الذي يتحكم بآليات التفكير واتجاهاته، وبالتالي يتحكم بالتفاعل مع هذا النص.. وبطريقة قراءته.. وهكذا فإن النص القرآني نفسه قد يفسر، في مرحلة معينة ما، مرحلة نهضة وازدهار ونمو حضاري واجتماعي، فإذا بالقراءة الناتجة تتسق مع ما في هذه المرحلة من نهضة ونمو وعقلانية قرآنية، وقد يفسر النص نفسه في مرحلة لاحقة، مرحلة انحدار وجمود وصولاً إلى انحطاط على كافة المستويات، فينتج قراءة تعكس الواقع المتردي الجامد، قراءة قد تصل إلى رفض القراءة الأولى باعتبارها تهمة لا بد أن ترد، وقد تصل إلى الخرافة الممجوجة في بعض الأحيان.. ليس أدلَّ من هذا وجود نص واحد، وقراءات مختلفة بحسب طبيعة المحيط الثقافي، من الآيات الكريمة التي تتحدث عن التجربة الإبراهيمية، أولاً في سورة الأنعام: {فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (*) فَلَمّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضّالِّينَ (*) فَلَمّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي هَذا أَكْبَرُ فَلَمّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ (*) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 6/76-79] وثانياً في سورة البقرة: {وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّه

عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 2/260]..

يمكن تمييز خطين تفسيريين في القراءة لهذه الآيات:

التفسير الأول: يتمثل في قراءة أنتجت في عصر ازدهار الحضارة العربية الإسلامية، ممثلة على الأقل في قراءة ابن إسحاق (المتوفى 151هـ) وابن جرير الطبري (المتوفى 224هـ)..

والتفسير الثاني: يتمثل في قراءة أنتجت في عصر تآكل الحضارة العربية الإسلامية وانهيارها ونشوء الدويلات المختلفة، وممثلة في (علماء أجلاء لهم كل الاحترام، لكن الاحترام لن يلغي حقيقة أن قراءاتهم أنتجت في عصر انهيار وتأثرت ولا بد بذلك) هذا الخط ممثلاً في (القرطبي المتوفى 671هـ)، وابن كثير (المتوفى 774هـ).. أي بعد حدوث ما حدث من قواصم للدولة العربية الإسلامية من الصليبيين والمغول وانهيار الدولة المركزية ونشوء الدويلات.. خمس أو ست قرون تفصل بين القراءتين، وهي قرون حدث فيها ما حدث وكان لا بد لذلك أن يؤثر على المناخ الثقافي الفكري الذي يتعامل مع النص..

فلنرَ كيف اختلفت القراءتان بشكل مباشر، خاصة وأن موضع الخلاف الأساسي كان في سورة الأنعام، هو هل كان إبراهيم في موضع (النظر)، أي البحث في الكون عن الإله الحق، أو كان في موضع (المناظرة) مع قومه، حيث كان يؤدي ما يؤديه كي يستدرجهم إلى الإيمان بالله عز وجل؟

التفسير الأول يحسم الأمر بشكل واضح باتجاه “النظر”، أي إن إبراهيم عليه السلام كان يبحث فعلاً عن الحق والحقيقة، وذلك قبل مرحلة النبوة والوحي.. ينقل ابن كثير عن ابن إسحاق (توفي 151هـ) اختياره النظر على المناظرة، بينما يستفيض الطبري في شرح ذلك.. حيث قال في تفسير: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْل رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي} تفسيراً مسنداً لابن عباس جاء فيه: (فَعَبَدَهُ – الكوكب- حَتَّى غَابَ, فَلَمَّا غَابَ قَالَ: لَا أُحِبّ الْآفِلِينَ ; فَلَمَّا رَأَى الْقَمَر بَازِغًا قَالَ : هَذَا رَبِّي! فَعَبَدَهُ حَتَّى غَابَ ; فَلَمَّا غَابَ قَالَ: لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَن مِنْ الْقَوْم الضَّالِّينَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّمْس بَازِغَة قَالَ: هَذَا رَبِّي, هَذَا أَكْبَر! فَعَبَدَهَا حَتَّى غَابَتْ; فَلَمَّا غَابَتْ قَالَ: يَا قَوْم إِنِّي بَرِيء مِمَّا تُشْرِكُونَ) ورد على الأقوال التي تعارض ذلك بعد أن استعرضها قائلاً: (وَفِي خَبَر اللَّه تَعَالَى عَنْ قِيل إِبْرَاهِيم حِين أَفَلَ الْقَمَر: {لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَن مِنْ الْقَوْم الضَّالِّينَ} الدَّلِيل عَلَى خَطَأ هَذِهِ الْأَقْوَال الَّتِي قَالَهَا هَؤُلَاءِ الْقَوْم، وَأَنَّ الصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ : الْإِقْرَار بِخَبَرِ اللَّه تَعَالَى الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ عَنْهُ وَالْإِعْرَاض عَمَّا عَدَاهُ…)

التفسير الثاني: يحسم الأمر بشكل لا لبس فيه، نحو “المناظرة”، بل إنه يرد بشدة على التفسير الأول باعتبار أن النظر هنا تهمة يجب دفعها، وأنها تمس مقام النبوة.. حيث يستفيض ابن كثير والقرطبي في ذلك.. ويذكر ابن كثير: (والحق أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان في هذا المقام مناظراً لقومه مبيناً لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام… وكيف يجوز أن يكون إبراهيم ناظراً في هذا المقام وهو الذي قال الله في حقه: {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين * إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون} الآيات.. كيف يكون إبراهيم الخليل الذي جعله الله أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يكن من المشركين ناظراً في هذا المقام بل هو أولى الناس بالفطرة السليمة السجية المستقيمة بعد رسول الله r بلا شك ولا ريب ومما يؤيد أنه كان في هذا المقام مناظراً لقومه فيما كانوا فيه من الشرك لا ناظراً قوله تعالى..) أما القرطبي فينقل: قال قوم: هذا لا يصح؛ وقالوا: غير جائز أن يكون لله تعالى رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو لله تعالى موحد وبه عارف، ومن كل معبود سواه بريء. قالوا: وكيف يصح أن يتوهم هذا على من عصمه الله وآتاه رشده من قبل، وأراه ملكوته ليكون من الموقنين، ولا يجوز أن يوصف بالخلو عن المعرفة، بل عرف الرب أول النظر. قال الزجاج: هذا الجواب عندي خطأ وغلط ممن قال؛ وقد أخبر الله تعالى عن إبراهيم أنه قال: {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} [إبراهيم:35] وقال جل وعز: {إذ جاء ربه بقلب سليم} [الصافات:84] أي لم يشرك به قط.

ومن الواضح من خلال الخطين أن سؤال النظر والمناظرة كان موجوداً في المرحلتين. لكن الفرق أنه كان محسوماً تماماً باتجاه (النظر) في قراءة الخط الأول، وكان محسوماً بالعكس، في الاتجاه الآخر في قراءة الخط الثاني..

الاختلاف ذاته ينتج مرة أخرى في آية سورة البقرة: {لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260]..

فقراءة الخط الأول، على الأقل الطبري، أنتجت تفسيراً تعامل مع النص القرآني دون محاولة للهروب إلى الأمام أو إلى الخلف، بل يقرر الطبري – بعقلانية وواقعية – بعد أن عرض لمجموعة من الأقوال، أن يقول بعد أن عرض مختلف الأقوال: (وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِتَأْوِيلِ الْآيَة مَا صَحَّ بِهِ الْخَبَر عَنْ رَسُول اللَّه r أَنَّهُ قَالَ, وَهُوَ قَوْله: “نَحْنُ أَحَقّ بِالشَّكِّ مِنْ إبْرَاهِيم, قَالَ: رَبّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى , قَالَ: أَوَلَمْ تُؤْمِن؟” وَأنْ تَكُون مَسْأَلَته رَبّه مَا سَأَلَهُ أَنْ يُرِيه مِنْ إحْيَاء الْمَوْتَى لِعَارِضٍ مِنْ الشَّيْطَان عَرَضَ فِي قَلْبه”.

أما قراءة الخط الثاني، فهي ترفض قراءة الطبري تماماً، وتعتبر أن هذا لا يجوز على الأنبياء صلوات الله عليهم مثل هذا الشك فإنه كفر، والأنبياء متفقون على الإيمان بالبعث. وقد أخبر الله تعالى أن أنبياءه وأولياءه ليس للشيطان عليهم سبيل فقال: {إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ} [الحجر: 15/42]، وقال اللعين: {إلا عبادك منهم المخلصين} وإذا لم يكن له عليهم سلطنة فكيف يشككهم..

وإنما سأل أن يشاهد كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفريقها وإيصال الأعصاب والجلود بعد تمزيقها، فأراد أن يترقى من علم اليقين إلى   عين اليقين.. القرطبي.. انتهى..

أما ابن كثير فمضى في تأويل حديث البخاري، الذي اعتمده الطبري: (فيه نفي للشك عنهما يقول: إذا لم أشك أنا في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى فإبراهيم أولى بألا يشك، وقال ذلك على سبيل التواضع والهضم من النفس)..

قد يتبادر إلى الذهن أن الأمر مجرد مسألة خلافية، وهي قد تكون كذلك فعلاً، لكن هناك مياه كثيرة مرت تحت الجسر خلال القرون الستة الفاصلة بين القراءتين، وهي المياه التي بررت هذا الاختلاف..

فبغداد، حاضرة الحضارة العباسية، التي أنتجت قراءة الطبري، كانت عاصمة النهضة والنماء، وكان التيار العقلاني فيها شديد الرسوخ والوضوح، لذلك فإن حسم (الطبري) هو نتيجة طبيعية لهذه البيئة، على العكس من القراءة الأخرى، التي نتجت في عصر أفول هذه الحضارة، والجمود على موجوداتها، فعكست هذا الأفول والجمود، وأبرزت الخوف الكامن في نمط التفكير من كل ما يتصور أنه يمس هذه الموجودات..

ولم يكن الطبري، أو ابن إسحاق، وهما الأقرب لعصر النبوة، أقل حرصاً على مقام النبوة، لكن مقام النبوة، عندما يكون المناخ نهضوياً ومرتفعاً، يكون مناخ الاقتداء بهذا المقام هو الأساس، والاقتداء يتطلب الإيمان بإنسانية هذا المقام في الدرجة الأولى، وهو اقتداء لن يخدشه أن إبراهيم بحث عن الحق قبل الوحي، بل سيعززه ويعزز مكانة العقل في الإسلام ككل، كما أنه مقام لن يخدشه حقيقة أن سيدنا إبراهيم كان إنساناً قد يكون وقع له ما يقع على البشر..

أمران مهمان يجب ألا ننساهما هنا:

الأول: سيكون من الخطأ وضع التراكم الفقهي والتفسيري كله في سلة واحدة، فما نتج في عصر النهضة الإسلامية الأولى مختلف تماماً عما نتج في عصور أخرى، خاصة إذا كان هذا النتاج الأخير مكرساً لما ترسخ في المجتمع من جمود وتقليد، لذا فإن الحديث عن “القطيعة” أو عن “التواصل”  مع “التراث” لا ينبغي أن يكون بمعزل عن البيئة التي أنتجت هذا التراث، هل كانت بيئة النهضة والحضارة والنمو؟.. أو كانت بيئة النكوص والجمود؟..

الثاني: لا يعني هذا أبداً أن كل ما أنتج في قرون الجمود جامداً.. فهناك قراءة استطاعت أن تخرج من إطارها الحضاري وكانت تقصد النهضة والبناء، ابن تيمية وابن خلدون والعز بن عبد السلام والشاطبي، كلهم أمثلة على قراءات أنجزت في عصر لا يمكن اعتباره مقارباً لعصر النهضة الأولى، ولكنها كانت تنزع إلى غير ما هو سائد في المجتمع، ولذلك نرى أن هذه القراءات لم تكرس ولم ترسخ في أذهان عموم الناس.. لم تدخل في صلب ما هو “مؤسس” في أذهان الناس..

اللافت هنا أن السائد والمهيمن حتى الآن، والذي يجري تداوله، هو قراءة الخط الثاني، بحسم تام أحياناً، وحتى دون أن يذكر وجود تفسير آخر، وهو أمر لا يجب أن يكون مستغرباً.. فعصرنا الحالي بالتأكيد هو أقرب إلى القرن السابع الهجري، عصر الانهيار والدويلات، من عصر الطبري، عصر النهضة والبزوغ و الحضارة..

عمر يختار قالبه..

عمر يختار قالبه ..

أحمد خيري العمري

من كتاب قادم ، عن عمر بن الخطاب…..


خلقنا من طين.

ونبقى كذلك من عدة جوانب…

لكن جوانب الطين فينا لن تكون من ذلك الطين الذي تعودنا عليه..

بل ستكون من نوع خاص منه ، نعرفه أيضا…واستعملناه صغارا، وربما لا نزال نشتريه لأولادنا..

أنه الطين الملون..

الطين الصناعي…

يبقى جزءا من شخصياتنا  كالطين ، ..

الصناعي تحديدا..

***************

نولد ومعنا مقدرات معينة ، مواهب فطرية لم نبذل جهدا في الحصول عليها ، بعض من الصفات التي يمكن أن تكون غير متوفرة عند البعض الذين يملكون بدورهم صفات أخرى..

نكتسب بعد ولادتنا، مهارات وخبرات من محيطنا، بعضها ينمي من صفات ومواهب كانت موجودة و لكنها خافتة أصلا،…بعضها يستثمر ما هو موجود أصلا..وبعضها يضيف –بالتدريب والصقل –ما لم يكن موجودا أصلا..

كل هذه الصفات، بمعزل عن كونها فطرية أو مكتسبة،…كلها توضع في قالب معين من القوالب المتوفرة  من حولنا ، بعبارة أخرى : نوضع نحن ، بما فينا من صفات ، في أحدى القوالب الجاهزة من حولنا..

لمن يعود الفعل في “نوضع”..ليس إلى “نحن” بالضرورة.ليس إلينا.كثيرا ما نوضع داخل قوالب لم نخترها حقا..بل اختارها المجتمع من حولنا ، بل ربما جعلنا نتصور أننا نختارها..زور رغبتنا بالتدريج وجعلنا نقتنع أن قالب “الطبيب” أو “المهندس” أو “رجل الأعمال” هو الأنسب لنا ، أو الأنسب لما نملكه من صفات..

كم من متفوق وئدت رغباته الحقيقية تحت قوالب المجتمع البرّاقة..ربما يكون نجح فعلا بما أوتي من مواهب ..لكن روحه الحقيقية كانت لا تريد بريق ا اجتماعيا عابرا..بل تريد نورا يزيدها سطوعا..

قوالب المجتمع التي تقسر طيننا الصناعي على التقولب فيها هي فخ متقن أحيانا للتخلص من أعظم وأنبل  ما فينا ..بالضبط لتدجين أعظم وأنبل ما فينا..يمكن لبعض قدراتك ومواهبك أن تساهم في تغيير المجتمع ، في جعله أفضل ، لكن ذلك لن يكون بالضرورة عملا مناسبا للبريق الاجتماعي ، لن يؤمن بالضرورة متطلبات الرفاهية ،..بالمقابل ، فأن المجتمع ، بكثير من مؤسساته المستفيدة من بقائه كما هو ، قد  يروج لقوالب معينة ، يدفن فيها الموهوبون مواهبهم ، مقابل أن يحصلوا على متاع زائل ، والكثير من الاحترام الزائف..

يمكن لشخص يملك موهبة القيادة ،أن يقنع بقالب ضيق، فيقود مؤسسة ربحية ، بدلا من أن يتسع حجم طموحه إلى قالب أن يقود مجتمعه أو أمته..

ويمكن لمن يملك موهبة القبول أن يقنع بقالب سطحي يستخدم موهبته في التسويق والترويج لما هو زائل..بدلا من أن يستثمرها في نشر بذور الوعي والإيمان والعمل..

ويمكن لمن يملك ذكاء وقادا أن يقنع بمهنة توفر له متطلبات لم تكن يوما ضرورية، بدلا من أن يستخدم ذكاءه هذا في توفير متطلبات حقيقية..

أنها قوالب موجودة..

ونحن من طين صناعي..

نتكيف من خلالها..، نتشكل كما يريد القالب..وشيئا فشيئا..يصير ذلك القالب كما لو أنه خلق لنا ، أو أننا خلقنا له..

مجرد تعود..

************

وعندما تملك الوعي والإرادة، فأنك تختار “القالب” الذي تكون فيه ما أرادك الله أن تكون.. القالب الذي تزدهر فيه صفاتك التي شاء الله أن تكون فيك..ويكون فيه ما تحارب الصفات التي شاء عز وجل أن يختبرك فيها..

لكل منا قالبه “الأنسب” الذي يمكننا من خلاله أن نكون ما أرادنا الله أن نكونه..

********

وأين تجد قالبك الأنسب هذا ؟..

ستجده عند من خلقك.

هو الأعرف بما يناسبك وما لا يناسبك…

عندما يكون لديك جهاز كهربائي من ماركة معينة ، فأنك تراجع “كتيب الاستعمال” الذي يخص الشركة المنتجة..لن تذهب حتما إلى شركة أخرى..ولن تذهب حتما إلى كتيب استعمال يخص جهازا أخرا..

منطق !…

*****************

ووجد عمر بن الخطاب ما يمكن أن يتشكل طينه من خلاله..

ولم يكن يشبه ما سيفكر أغلبنا فيه !..

***************

لسنا متأكدين من شيء إلا أن تلك الآيات كانت مثل القالب الذي احتوى الطين العمري بكل ما فيه من قدرات وصفات..كان ذلك القالب هو البيئة التي أثمرت فيها صفات عمر ليتشكل عملاقا ساهم في صنع أعظم حضارة عرفتها البشرية..

لم يخبرنا عمر بسند أو حديث عن تأثره بتلك الآيات تحديدا..

لكن كل سيرته ، كل ما في حياته ، ينقل لنا أنه هو  قد “وشم” بتلك الآيات، أنها قد “شكلته”..قد وضعته في قالبها العملاق..وجعلته ، بالتدريج..يصبح عملاقا ليكون على مقاسها..

عن أي آيات نتحدث..

عن آيات في سورة، كان سبب نزولها مرتبط بإسلامه، رضي الله عنه..

سورة ص..

******************

نقل القرطبي والنيسابوري: لما أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه شق على قريش إسلامه فاجتمعوا إلى أبي طالب وقالوا: اقض بيننا وبين ابن أخيك !

فأرسل أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: بابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء، فلا تمل كل الميل على قومك.

قال: ” وماذا يسألونني ” قالوا: ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” أتعطونني كلمة واحدة وتملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم ” فقال أبو جهل: لله أبوك لنعطينكها وعشر أمثالها.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” قولوا لا إله إلا الله ” فنفروا من ذلك وقاموا، فقالوا: ” أجعل الآلهة إلها واحدا ” فكيف يسع الخلق كلهم إله واحد.

فأنزل الله فيهم هذه الآيات: ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ (1) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (2) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (3) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4) أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (7) أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (8) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (9) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (10) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (11) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (12)

كانت تلك هي الايات الأولى من سورة ص..

قريش تزلزلت بإسلام عمر ، أدركت أن الأمر قد بدء يخرج عن السيطرة، وصارت تبحث عن وسيلة لاحتواء الدين الجديد ، للتعايش معه..بدلا من أن يأتي وقت لا تجد فيه مكانا لها بتمدده..

العرض واضح ، دعنا وشأننا ، ندعك وشأنك…

والجواب أوضح : الحجر الأساس للدين الجديد، للحضارة الجديدة التي ستبنى على هذا الحجر، يتناقض مع تعايش من هذا النوع ..

لا إله إلا الله” في جوهرها ، تحتوي، بوضوح لا يمكن  المساومة معه ، على “نفي” لكل إمكانية مساومة عليها..

هذه الـ “لا”..تسمى لا نافية للجنس.

أنها ” تنفي ” كل إله دون الله..

تنفي كل ما يمكن أن يزيح هذه الــ”لا”..

أو يقنعها ..أو يؤجلها..أو يجعلها “نعم” مغلفة..أو “لا” خجولة..

***************

لا ريب أن عمر بن الخطاب كان يتفاعل مع كل ذلك بشدة…

فالسورة ، أو مقدمتها على الأقل ، نزلت وسط تداعيات إسلامه..

ورئيس فريق التفاوض ، كان عمرو بن هشام ، العمر الآخر الذي دعا الرسول أن يعز الإسلام بواحد منهما..

والموقف النبوي الصارم الحاسم..

ثم الآيات…

كل ذلك كان ولابد قد جعل عمرا ينفتح ، إلى الحد الأقصى مع الآيات..

وهناك ، وهو في أقصى حالات تفاعله ، ستكون هناك آيات معينة ، ..لا يمكن أن يمر عليها من هو مثل عمر ، دون أن تجعله يستخرج منها ، من نفسه ، كنوزا  لم تخطر يوما على بال أحد..

******************

وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (19) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (20) وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إلى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ (25) يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26) ص 17-25

ها هو الطين العمري ، يصب في القالب الذي تقدمه سورة ص..السورة التي نزلت “بسبب” تداعيات إسلام عمر..

فكيف لا يقف عمر ، الذي يريد أن يعوض شدته السابقة ، الذي يريد أن يثبت مصداقية ظن الرسول الكريم به ، كيف لا يقف أمام ذلك القالب..ويحاول أن يصب نفسه فيه..؟!

******************

فلننتبه هنا إلى أن سياق الآيات لم يقل عن سيدنا داود أنه نبي !.

ونحن نعرف أنه نبي..

لكننا نعرف، كما يعرف عمر بن الخطاب جيدا ، أن النبوة ليست قالبا يمكننا أن نصب أنفسنا فيه..ليست شيئا يمكن أن نحاوله..

لكن السياق القرآني ، يجنبنا كل حرج..فهو يتحدث عن داود دون أي إشارة إلى نبوته ، كما لو أنه يمنح المزيد من التشجيع لمن يمتلك المؤهلات والقدرات على أن يسلك الدرب دون تردد أو وجل..

سيدنا داود في هذه الآيات ، هو عبد لله ، وهو أيضا ذو الأيد..

هو يمتلك يدين فقط ، مثلنا جميعا ، لكنه يستخدمهما أقصى استخدام..فإذا بها تبدو كما لو كانت “أيد”..وهذا يعني أنه في أقصى الممكن من الفاعلية ..في حالة نشاط دائم دءوب..يد هنا ويد هناك..

ماذا عن تسخير الجبال والطير ؟..لم يكن هذا قط من مستلزمات النبوة ، ومحمد النبي  بل خاتم الأنبياء، عليه صلاة الله وسلامه ، والذي تنزلت عليه هذه الآيات تحديدا، لم يكن يمتلك “تسخير” الجبال له..ولم يكن ذلك قدحا في نبوته..

إنما التسخير يأتي لمن يفهم أسرار الاستخدام ، ..لمن يستطيع أن يستثمر الوسائل ويضعها في سياق مناسب للإفادة منها..سواء كانت دابة..أو طيور..أو رياح..أو جبال..أو أي معدن أو ثروة خام من ثروات باطن الأرض وظاهرها..

ثم تأتي “الحكمة” لتكون عاملا يشد المُلك ويقويه ، كما لو أن الملك يؤدي بطبيعته إلى فقدان التوازن الذي لن يستعاد إلا بالحكمة، كي يشد ويقوى..

وتكون الحكمة هنا  رديفة لفصل الخطاب..وفصل الخطاب هو الحسم الذي يعرفه عمر ونعرفه عنه..أنه الثبات الذي لا يقبل المساومة..وكونه يأتي مع الحكمة هنا تذكير لنا بأن “الحكمة” لا تعني دوما ما يشاع عنها من كونها ليونة ومرونة تصل حد تضييع الثوابت..

لا.الحكمة مع فصل الخطاب هي التوازن الذي يتمسك بالثوابت..ولا يقبل حتى فكرة التفاوض عليها ، فصل الخطاب يعني ببساطة وجود أمور فيها “حق” واحد ، حقيقة واحدة ، خطاب واحد ، أمور لا تخضع للآراء أو وجهات النظر أو “النسبية”..وهو أمر بالغ الأهمية في مرحلتنا الحالية حيث تتعرض الكثير من الثوابت للتقزيم والتمييع..

فصل الخطاب ، خطوط حمراء نحفظ بها هويتنا وثوابتنا ومرجعيتنا ..وعزتنا..

ثم تأتي حادثة الخصمين والنعاج لتثير مسألة العدالة الاجتماعية وتقليص الهوة بين الفقراء والأغنياء..

تقول لعمر أن هذه العدالة هي صلب هذا الدين ، وكان عمر قد جرب في طفولته شظف العيش وقسوته وعرف تماما ما معنى أن يستأثر الملأ بكل شيء وأن يأخذ الفقراء الفتات الذي بالكاد بكفيهم أودهم..

في كل حياته ستكون هذه المحطات شديدة الوضوح في سيرته الشخصية وغير الشخصية ، سيرته وهو يبني الحضارة ..لكن مع أشخاص مثل عمر لا فرق هناك ولا مسافة بين الشخصي وغير الشخصي ، وهذا ما يجعلهم “عظماء” و”مؤثرين” على محيطهم الذي حولهم والعالم الذي يعيشون فيه..

لو أبقينا هذه الآيات في ذهننا ونحن نتابع حياة عمر ، ابتداء من هذه اللحظة ، وهو لا يزال في مكة قبل الهجرة لوجدناه “يتمثلها ” حرفا حرفا…لو استطعنا إجراء تحليل حامض نوووي  دي ان أي ، لكل فعل أنجزه الخطاب ، لوجدنا هذه الآيات في سورة ص التي نزلت بعد تداعيات زلزال ولادته كعمر جديد في مكة..

ذا الأيد ؟ كان داود ذا أيد..

وعمر كان ذا أيد أيضا ، قائمة منجزاته تبدو أحيانا كالخرافة !…من الصعوبة جدا أن تصدق أن زعيما تاريخيا قد قدم كل ما قدمه عمر في تسع سنوات فقط من حكمه..لكن عمر لم يكن أسطورة ، ولم يكن شخصا خارقا ، بل كان شخصا اختار أن يضع “طينه” في قالب عبودية عملاقة ، قالب داود ذا الأيد..

التسخير؟ سنرى عمرا يحلق في أسرار الاستخدام ، سنراه وهو يبني السدود ، يشق القنوات ، يحفر الأنهار….

الحكمة وفصل الخطاب ؟ من الصعب أن نجد موقفا واحدا  لعمر لا تتجلى فيه هذه الصفة..من الصعب أن نجد قائدا عبر التاريخ كان أقرب إلى الحكمة وفصل الخطاب –التمسك بالثوابت..كل الساسة في العالم يعتبرون أن السياسية هي “فن الممكن”..وهم يعبرون بذلك عن تغييرهم المستمر لما يطالبون به ..أما عمر فهو صاحب” فصل الخطاب“..صاحب الثبات على المبدأ عندما يكون التنازل عنه “هزيمة” حتى لو انتصرت بمعايير خصومك ، فالانتصار يجب أن يكون بمعايير مبادئك وقيمك حتى يكون نصرا حقيقيا..

لكن ما وجه المقارنة بين ساسة فن الممكن وبين عمر ؟

لا مقارنة.نظلمهم إذ نضعهم في أي مقارنة.

قد تكون السياسة هي فن الممكن.

لكن الحضارة هي فن الإيمان بأنه يمكنك أن تبني على ثوابتك بناءاً شامخا عزيزا..

وعمر ، لم يكن رجل سياسة إلا بقدر ما لا يتعارض ذلك مع كونه رجل حضارة..

وكان ذلك في احيان كثيرة لا يتعارض..

بل سيرته تثبت ، أن رجل السياسة في داخله ، قد انتفع جدا من رجل الحضارة…وأنه قدم وجها حضاريا لسياسة شرعية بوجه حضاري..

**********************

العدالة الاجتماعية !…

وحدها هذه يمكن أن تستغرق مجلدات في سيرة عمر..!..هل نتكلم عن أكياس الدقيق التي يحملها على ظهره أو على محاسبته لعماله..أو على بائعة اللبن؟..

كل منها محطات مضيئة في سيرته ، وفي كل منها تجد تلك الآيات التي صب عمر  نفسه في قالبها …

*******************

يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى..

علم عمر أن هذا هو الحد الأقصى لما يمكن لإنسان أن يكونه…، بعد مقام النبوة الذي ليس مجالا للتنافس..

اختار هذا ..

وعرف أن الدرب إليه يجب أن يمر بالحكم بالحق، وبعدم إتباع الهوى…

صار عمر “خليفة في الأرض” قبل أن يبايعه أحد بفترة طويلة..

صار خليفة ، بمعنى أن تكون كل أفعاله ، محكومة بالحق، أن تكون رؤيته لما حوله محكومة بالحق..

وأن يكون في صراع حاد مع الهوى..

وهذا ما نجح فيه عمر حتى قبل أن تكون إمارته للمؤمنين أمرا مطروحا..،بل حتى قبل وفاته عليه الصلاة والسلام….وقاده إلى أن يكون الخليفة ، ربما الأكثر شهرة وتأثيرا ..بين كل خلفاء الإسلام…

بل بين كل زعماء الإنسانية وقادتها ومصلحيها عبر التاريخ..

*****************

عندما نختار لحياتنا مسارها، فأننا نختار، دون وعي منا قالبا ذكر بطريقة أو بأخرى في القرآن الكريم..

البعض يختار قالب الخوض مع الخائضين..

والبعض يختار قالب “أبي جهل”…قالب” أسفل السافلين”..

البعض يكون مذبذبا ، لا إلى هؤلاء ولا إلى أولئك.. يختار قالب “المنافقين”..

البعض يختار “قالب المخلفين”..

البعض يختار قالب “الدواب”..قالب “الأنعام” بل أضل سبيلا..

..قالب “ليتني كنت ترابا”..

….

والبعض مثل عمر ، يختار قالب صانع الحضارة..

قالب “خليفة في الأرض”…

….

السؤال هو : ماذا تختار أنت ؟


على الهامش : لم يكن مصادفة أبدا ، أن عمر ، حين فتح بيت المقدس ، وتقدم في الصلاة ، قرأ في آيات سورة ص تحديدا…

ليست مصادفة أبدا…

لقد اختار قالبه.وأوصله ، وأوصل العالم معه ، إلى الفتح…

ربيع عمر “الآخر”….

ربيع “عمر” الآخر…

أحمد خيري العمري

مرة أخرى ، من كتاب قادم ، عن عمر بن الخطاب..


بعض الناس الحياة بالنسبة لهم “وجهة نظر”…يعتنقون وجهة النظر هذه أو تلك.ولا يرون مشكلة في التخلي عنها لاحقا لصالح وجهة نظر أخرى رأوا أنها أكثر وجاهة لاحقا..

بعض الناس يرون كل ما في هذه الحياة باعتبار أنه ليس أكثر من “وجهة نظر”، يمكن أن تكون عابرة حتى لو لم يغيروا شيئا فيها..

وجهة النظر ، تعني ببساطة أن ما تعتقده يعتمد على موقعك  يحدد اتجاه النظر، يحدده موقعك…وهذا يعني أن الأمر سيتغير لو أنك غيرت موقعك..ويعني أيضا أن ما يعتنقه الآخرون من آراء لا علاقة له بالصواب أو الخطأ..فقط بموقعهم الذي حدد وجهة نظرهم تلك..

عندما تكون الحياة وجهة نظر..فأن لا شيء فيها يستحق حقا أن يكون قضية..أن يكون عقيدة..أن يكون أمرا تموت وتحيا من أجله..

أنها وجهة نظر فحسب..

**************

لكن أناسا آخرين، نسأل الله أن يجعلنا منهم ، الحياة بالنسبة لهم قضية..الحياة بالنسبة لهم موقف..لا يعتنقون “وجهات” النظر..بل يعتنقون ما يؤمنون أنه “الصواب”..وأن مصدر هذا الصواب ، ليس موقع هذا الشخص أو ذاك ممن يكونون عابرين في الزمان والمكان، بل مصدره من  يكون متعاليا عن كل ذلك ، عن كل مسافة ..أو زمان ..أو مكان..

الحياة بالنسبة لهؤلاء فرصة لا تعوض لإثبات للآخرين ، ممن لا يؤمنون بما آمنوا به ، بالصواب ، أن يسحبوهم من حالة اللا لون ولا طعم ولا رائحة..إلى اللون الصواب..والطعم الصواب، والرائحة الصواب..

عمر بن الخطاب من هؤلاء طبعا.

الحياة بالنسبة له موقف.قضية…

كما لو أنه كان يبحث عن هذه القضية طيلة حياته..

وعندما وجدها ، وجد نفسه فيها..أمسك بتلابيبها..تعلق بها كما يتعلق مختنق بشهيقه الأخير…

..دلوني على محمد..!

***************

في الطريق إلى محمد ، لا بد أن عمرا كان يفكر بما سيحدث..لقد كان قد حسم أمره ، لكنه أراد أن يعلن هذا الحسم أمامه عليه الصلاة والسلام..

وجها لوجه ..

(تخيلوا كم سيكون رائعا لو تمكنّا من ذلك، من أن نعلن “الشهادة” أمامه عليه الصلاة والسلام..لن نستطيع أن نقولها إلا بمنتهى الصدق حينذاك..لا يمكن أن نقولها من باب التعود..من باب أننا وجدنا آباءنا عليها..لأنها ستكون مثل شهادة زور..ومهما حاولت ..لن يمكنك أن تشهد الزور أمام الرسول الكريم )..

لقد وجد عمر نفسه الحقيقية.لا بد أنه كان خجلا من شدته وقسوته مع الفئة التي سيعلن انضمامه لها ، ولا ريب أن هذه الشدة ” جعلته يتخذ قرارا أن” يعوّض” ..أن يقدم لما اعتنقه “تعويضا” عما فعل سابقا.. ولعل هذا الإحساس “المرير” سيبقى في عمر إلى أخر حياته،لكنه سيستثمره على نحو إيجابي.. سيكون جزءا أساسيا من محاسبته المريرة  المتطرفة لنفسه ولأهل بيته، وهي المحاسبة التي ستكون جزءا أساسيا من “التفوق والتميز” العمري والذي ساهم أيضا في صنعه وإسهامه للحضارة..وهو ما سنتطرق له لاحقا بتفصيل أكبر….

كان ما قاله له خباب ، عن دعاء الرسول الكريم لله عز وجل بأن يعز الإسلام بأحد العمرين ، هو أو عمرو بن هشام ، الذي يعرف أكثر اليوم بأبي جهل..، كان  بمثابة “طاقة” إضافية تضاف إلى عروقه..ولعله فكر في السبب الذي جعل  دعاء الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام يكون  موجها لواحد منهما تحديدا..هو وعمرو بن هشام..

لكنه كان قد حسم هذا الأمر أيضا..

لقد قرر أن تكون حياته ، تحقيقا لدعاء الرسول..

قرر أن تكرس حياته لعز الإسلام..

*********

قرعت الباب عليهم ، ..

فقالوا : من هذا ؟ قلت : ابن الخطاب قال : وقد علموا من شدتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما يعلمون بإسلامي ، فما اجترأ أحد يفتح الباب حتى قال : « افتحوا له ، إن يرد الله به خيرا يهده » ففتحوا لي الباب فأخذ رجلان بعضدي حتى أتيا بي النبي صلى الله عليه وسلم فقال : « خلوا عنه » ثم أخذ بمجامع قميصي ، ثم جذبني إليه ، ثم قال : « أسلم يا ابن الخطاب ،.. اللهم اهده » فقلت : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله . فكبر المسلمون تكبيرة سمعت بفجاج مكة ، وكانوا مستخفين ..[1]

تخيلوا أنه عليه الصلاة والسلام أخذ بمجامع قميصه..وجذبه إليه..ليقول له “أسلم” ..!..

كم يبين ذلك حرقته عليه الصلاة والسلام على إسلام عمر.

كم يبين ذلك استشعاره عليه الصلاة والسلام لا بحاجة عمر إلى الإسلام فحسب..بل حاجة الإسلام أيضا إلى أشخاص يملكون صفات مثل التي يملكها عمر..يعتنقون الشيء ليكون قضية حياتهم كلها ، لا كوجهة نظر..

..ثم أخذ بمجاميع قميصي ، ثم جذبني إليه ..أسلم..!

موقف هائل..يكاد يأخذ بمجاميع كل ما نلبس..! يكاد يجذبنا..يهزنا بعنف..أسلموا..

هل سنقول أننا مسلمون أصلا..وأننا ولدنا كذلك –والحمد لله!

نعم..هذه هي المشكلة..نحن مسلمون بالوراثة..لسنا مسلمين كما يريدنا عليه الصلاة والسلام..

كيف يريدنا ؟..يريدنا كما أراد  من عمر أن يكون…كما صار عمر…

إسلامه كان عزا للإسلام.. !

من منا يمكن أن يكون إسلامه عزا للإسلام؟..

من منا يرفض أن يكون مجرد “عدد” إضافي..”كمالة عدد”..ويريد أن يستحق تلك الجذبة التي جذبها عليه الصلاة والسلام لعمر عندما قال له :أسلم ..!

****************

ونطق الشهادة..!..

أشهد أن لا إله إلا الله..

وأن محمدا عبده ورسوله..

وارتفع التكبير، رغم التخفي….الله أكبر..

وسيرتفع التكبير أكثر فأكثر،لا عبر الحناجر فحسب، بل أثرا وتأثرا وقناعة واقتناعا ..عبر إسلام هذا الرجل..

سيجعل عمر من كل سيرته ، وسيلة ليؤمن الناس حقا وفعلا..بأن الله أكبر..

*****************

منذ اللحظة الأولى لإسلامه..قرر عمر أن يحدث فرقا..أن يحدث عزا..أن يجهر بالإسلام ، بعدما كان سرا يخفيه أصحابه وأن تسربت منه إشارات…

قال :يا رسول الله إني لا أدع مجلسا جلسته في الكفر إلا أعلنت فيه الإسلام
فأتى المسجد وفيه بطون قريش متحلقة فجعل يعلن
الإسلام ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله[2] ..

انطلق عمر ليجهر بالشهادة في شوارع مكة ومجالسها..

كان عمر بهذا هو مشعل أول ربيع عربي !.. ..لكنه كان ربيعا يتجاوز أمر العرب إلى الإنسانية جمعاء وإن اتخذ من مكة وشوارعها موقعا…

في ذلك الربيع ، قام عمر بالجهر بكلمة الحق، لكنها لم تكن رد فعل “ضد ظلم ” محدد..بل كلمة حق تتعالى عن ردود الأفعال..بل كانت أكثر من مجرد “كلمة حق”…بل كانت رؤية كاملة لعالم جديد..طريقة جديدة في النظر إلى العالم..إلى كل ما فيه..

الشهادة ، التي تدخل بها الإسلام ، هي إقرارك بأنك ترى العالم ،تشاهده ،-أليست شهادة؟!- كما يريد له خالقه أن يكون..

أنت تقول عبر الشهادتين : أنك تشهد أن لا إله إلا الله..ليس هناك من أي قوة يمكن أن تسيطر أو تهيمن على مقاليد عقلك وقلبك ورؤيتك إلا من خلقك..

لا يحكمك غيره..لا تأتمر إلا بما يأمرك به..ولا تقبل بسواه “حَكما” فيما يقابلك ويعرض عليك..

وأنت تشهد أيضا، كتتمة لازمة لا بد منها، أن هذه الرؤية لن تكون إلا من خلال ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام..

هذه الشهادة هي رؤية للعالم كما يجب أن يكون.

رؤية لدورك في هذا العالم..رؤية للعلاقات بين كل الأشياء..

ليست مجرد جملة من مقطعين..بل رؤية متكاملة..

تلك الشهادة التي كان عمر أول من جهر بها في ربيع مكة..، كانت بمثابة الحجر الأساس للحضارة التي سيكون لعمر حصة “الأسد” في بنائها وتشييدها..

لكل حضارة حجر أساس..يكون مثل “الشفرة السرية ، الكود”..الخاص بها ..قد يكون مثلا شعار “المانيا فوق الجميع”..أو “الحرية الشخصية” ..أو ” الربح أولا”..كل هذه أحجار أساسية لحضارات مختلفة ، تبني كل منها على حجرها الخاص الأساس قيمها ومبادئها..

الحضارة التي ساهم بصنعها عمر ، حضارة الإسلام ، كان لها حجرها الأساس الذي تستند عليه كل قيمها وأركانها ومبادئها ومنطلقاتها وأهدافها..

وهذا الحجر الأساس،حجر الحضارة الأول.. هو بطاقة دخول الإسلام..

الشهادتان..

كانتا حتى تلك اللحظة سرية ، تقالان خفية في أزقة مكة وبيوتاتها..

ثم  جاء عمر..!

****************

منذ اللحظة الأولى التي دخل فيها عمر الإسلام هذا الدخول المبين ..استشعر المسلمون الفرق الذي يمكن أن يحدثه دخول شخص يملك صفاته في الإسلام..

عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ – رضى الله عنه – قَالَ مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ [3].

وكان يقول أيضا :
إن إسلام عمر كان فتحا وإن هجرته كانت نصرا وإن إمارته كانت رحمة . ما كنا نقدر على أن نصلي عند
الكعبة حتى أسلم عمر فلما أسلم عمر قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه [4]

***************
قد يطرح سؤال هنا ..

هل يمكن أن يكون عمر أقوى من الرسول عليه الصلاة والسلام..ألم يكن من الممكن عليه الصلاة والسلام أن يصلي عند الكعبة مع المسلمين متحديا  مشركي مكة ؟..هل كان يجب أن ينتظر المسلمون عمرا كي يحدث ذلك؟

العبرة هنا أنه كان على أحد غير الرسول عليه الصلاة والسلام أن يفعل ذلك.

لو أنه فعلها عليه الصلاة والسلام ، لما كان حصل الدرس للجميع..

درس أنهم قادرون على الفعل.أن الاسلام يستخرج منهم أفضل ما فيهم.بل يستخرج منهم ما لم يتخيلوا وجوده فيهم…

لو أن الرسول قام بذلك..لما كان هناك “عمر”..

وحضارة الإسلام، لا يمكن أن يبنيها فرد..حتى لو كان هو عليه الصلاة والسلام..

يمكن لبعض الأفراد فيها أن يكونوا عمالقة ..وأن يسهموا أكثر من غيرهم في رفع بنائها..وأن يكون ذلك بمثابة تحفيز لهم على أن يتعملقوا ..كل في مجاله ، بما يسهم في “الحضارة”..

وهكذا كان لا بد للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ، أن لا يفعل كل شيء بنفسه..

لكي يتيح المجال لولادة العمالقة..

وكان عمر مثالا حيا ،عمليا على ذلك..

***************************

كان الاستشعار الفوري للمسلمين للعزة بدخول عمر الإسلام مثال على ما يمكن أن يمنحه الثبات على الحق، والجهر به بقوة ، والتمسك به بقوة ، لأي فكرة أو عقيدة..

أنه يخرجها فورا من كونها مجرد فكرة ، لتصير بشرا يتمثلونها…

والعزة في لسان العرب هي عكس “الذل”..

وقد كان عمر ، بقوته، بجهره بالحق، بجرأته الشديدة ، عكسا للذل في كل شيء..

…فكيف يمكن لهم إلا أن يشعروا بالعزة ، منذ” أسلم عمر”..

وكيف لا يكون إسلامه فتحا؟..وهجرته نصرا ؟..وإمارته رحمة..؟

*************

لا يمكنني هنا أن أترك دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام لربه أن يعز الاسلام بأحب العمرين إليه..وشعور المسلمين بالعزة منذ إسلام عمر بمعنى يراودني عن علاقة العزة بالحضارة..

الحضارة ، بطريقة ما ، هي مظهر من مظاهر العزة..

العزة هي الغلبة، وهي عكس الذل..

والحضارة ، في مظاهرها وتجلياتها العديدة ، تكون “غلبة”..

وتكون عكس الذل..

الغلبة لا تعني فقط التفوق العسكري..( وإن كانت تشمل ذلك حتما)..

ولكنها تعني التفوق في كل مجال من مجالات الحياة..

في العلم.في العدل.في العدالة الاجتماعية.في الأدب.في السلوك…

في الاقتراب من القيم المؤسسة لهذه الحضارة ، من حجرها الأساس وعدم الانحراف عنها..

في أن تكون “نموذجا” جاذبا يجعل الناس يعتنقون “حجرها الأساس” وقيمها حتى دون أن يشعروا بذلك..

كل هذه عزة..

وكل هذه يجب أن توجد في “الحضارة”..

وربما هذا يجعلنا نفهم دعاء الرسول بان يعز الإسلام بعمر..

وان نفهم ما قاله المسلمون عن استشعارهم العزة بمجرد دخوله الإسلام..

وأن نستحضر ما سيحققه عمر لاحقا من منجزات رفعت حضارة الإسلام وأعزتها ؟

ألم يكن البيهقي محقا عندما جعل من دعاء الرسول دلالة من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام؟

..لو أن عمر أسلم فحسب..لكان ذلك محتملا..

لكنه كان علامة فارقة…

كان إسلامه عزا للإسلام..

*************************

وحتى لا نعطي صورة خيالية عن رجل لا يحتاج أصلا إلى الخيال لتزيين صورته، لأنها رائعة ومبهرة أصلا ..علينا أن نتذكر هنا أن مواجهته لكفار قريش  في يوم الجهر بالإسلام  لم تكن محض شجاعة وثبات على المبدأ دون تخطيط يستثمر في الموجود..

كان عمر بن الخطاب يعرف أن قريشا يمكنها أن تقتله..وأنه على بأسه ، يمكن أن يقتل إذا تجمعوا عليه ، كما كادوا أن يفعلوا  فعلا…

لذا فقد عمد إلى أن يجد له خط حماية ، من القتل على الأقل ، وليس من الأذى..

فقد عمد إلى احد حلفاء بني عدي ، وهو العاص بن وائل ، ليجيره من القتل ..

وهكذا كان عمر يستفز مشركي مكة ويزلزلهم بجهره بالإسلام وهو يعرف أن تعرضه للقتل كان سيعرض قواعد المجتمع المكي للزلزلة !..

ستكون هذه الصفة ثابتة دوما عنده وهو يشيد الحضارة..خطوة خطوة..سيذهب دوما لتجارب الآخرين..سيأخذ منها قبس عندما يجد أن الاقتباس ينفعه ، وسيتركه عندما يجد أن الضرر أكبر..

ما دام لم يتنازل عن شيء مقابل إجارة العاص له..فلن يتردد..

أليس هو القائل ..لست بالخب..ولا الخب يخدعني؟!

***************

ربيع عمر الذي تدفق في شوارع مكة ، انتظر عقودا قبل أن يحين موسم حصاده..

ولم يكن موسما واحدا..

بل مواسم متعاقبة ، متطاولة..موسم يسلم موسما آخرا..

ولم تقتصر  مواسم الحصاد  على  مكة فقط..

بل امتدت لتشمل قارات العالم القديم..

بل لتشمل العالم كله..

كان ذلك هو ربيع عمر الآخر..

أما موسم الحصاد فله وقفة أخرى..




[1] دلائل النبوة

[2] المستدرك وذكره الالباني في صحيح السيرة النبوية

[3] 3863 صحيح البخاري

[4] الالباني صحيح السيرة النبوية

العقل العُمري :كلُّ الحكاية في “نظام التشغيل”..!

العقل العمري :كلُّ الحكاية في “نظام التشغيل”..!

(من كتاب قادم ، عن عمر بن الخطاب…)

د.أحمد خيري العمري


عندما تقوم بتنزيل نظام تشغيلٍ جديدٍ على حاسوبك، فإنَّ كلَّ ما يدخل الحاسوب من ملفَّاتٍ ووثائق، سيتمُّ التعامل معه من قِبَل نظام التشغيل الجديد.. ولن تحتاج إلى أن تقوم بتنصيب النظام في كلِّ مرَّةٍ تضيف فيها ملفَّاً..

الحاسوب، عبر نظام التشغيل الجديد، سيقوم بما يلزم على نحوٍ تلقائيٍّ..

وعندما تقوم بتدريس أحد أولادك أو إخوتك الصغار، وتعلَّمه كيف يحلُّ مسألةً رياضيَّةً، فإنَّك على الأغلب تعلِّمه طريقة الحلِّ،  وسيتمكَّن هو لاحقاً من حلِّ الكثير من المسائل الرياضيَّة بالطريقة نفسها، أو بتحويرٍ بسيطٍ دون أن تضطرَّ إلى إعادة الشرح في كلِّ مرَّة…

“السوفت وير” في الحاسوب، والتفكير”الرياضيّ” في العقل البشريِّ، يتمكَّن من أن يواجه مستجدّات، ويتعامل معها، بالأسلوب نفسه الذي بُرمِج عليه دون أن يُضطرَّ لإعادة كلِّ شيءٍ منذ البداية!..

*********************

عقل عمر بن الخطاب تعامل مع القرآن، كما لو كان “نظاماً للتشغيل”..

أعاد برمجة عقله، بل قام بمسح كلِّ شيءٍ، كلِّ شيءٍ سابقٍ للقرآن، وقام بتنصيب القرآن نظاماً واحداً للتشغيل، وحذف كلَّ ما يُمكن أن يتعارض مع نظام التشغيل هذا..

أو يشوِّش عليه..

ربَّما كان هذا هو ما يجب أن يحدث مع الجميع..

وربَّما لم يكن عمر وحده قد قام بهذا من الجيل الأول..

ربَّما حدث ذلك، بطريقةٍ أو بأخرى…

لكنَّ العقل العمريَّ كان أوَّل من حصل على شهادة الخبرة..!

كيف؟

عندما حصل ما يُعرف الآن، بموافقات عمر بن الخطاب للقرآن…

********************

موافقات عمر بن الخطاب للقرآن، هي ما أشار به عمر على الرسول الكريم في أمرٍ عامٍّ أحياناً بطلبٍ من الرسول مباشرةً، كما كانت عادته في استشارة أصحابه.. وأحياناً دون أن يطلب! يذهب عمر ليقول شيئا يعتقد أنَّه الصواب.. وقد يكون “رأي عمر” مخالفاً لما يراه عليه الصلاة والسلام، أو ما يراه بقيَّة الصحابة..

ثم يأتي خبر السماء، بوحي منزلٍ، بآياتٍ قرآنيَّةٍ صريحةٍ يوافق فيها رأي عمر، الذي ربَّما كان يبدو بعيداً عن الأخذ به، لحظة قاله..

كيف كان يحدث ذلك؟

هل كان لعمر “مجسَّات استشعارٍ” مثلاً؟

هل كان يمتلك وسيلةً للتجسُّس على الوحي قبل حدوثه أصلاً؟!

لا قطعاً.

الأمر أبسط وأعقد من كلِّ ذلك في آنٍ واحدٍ.

أبسط لأنَّ عمر لم يمتلك أيَّة صفةٍ “خارقةٍ” قادمةٍ من وراء الطبيعة، صفةٍ تجعل منه “سوبر مان” قادماً من كوكبٍ آخر، وقادراً على التلصُّص على الوحي مثلاً..

وأعقد، لأنَّ ما فعله عمر دون أن يمتلك صفةً خارقةً يقول لنا ضمناً أشياء كثيرةً جدَّاً عن فهمه، وعن فهمنا، والمسافة الشاسعة بين الاثنين..

*********************

ما الذي فعله عمر بالضبط؟

باختصار: عمر قام بتشغيل نظام التشغيل القرآنيِّ!..

قام بتفعيله!

…كلُّ ما حدث، كان مجرَّد تفاصيل نتجت عن هذا التفعيل…

أين كان موقع التفعيل؟

في موقع التنصيب نفسه..

العقل العمريّ..!

************

الموافقات العمريَّة للقرآن متعدِّدة، البعض منها حدَّدها عمر بنفسه، وصنَّفها بل وأسماها شخصيَّاً بالموافقات، والبعض منها عُلِم عنها عبر أسباب النزول..

ويتراوح عدد هذه الموافقات كما حدَّد عمر في حديثٍ صحيح، بين ثلاثٍ وعشرين!..

وذلك عندما تُجمع الموافقات المعنويَّة التي لم يكن فيها الموقف مباشراً، وما كان عمر يسأل عنه مراراً وتكراراً..

النتيجة أنّ الموافقات العمريَّة، وهي أمرٌ مفروغٌ منه من ناحية الصحة، تُظهر لنا أنَّ العقل البشريَّ عندما يلتزم بنظام تشغيلٍ محدَّدٍ يمكن له أن يبدع إلى أقصى حدود الإبداع..

يخاف كثيرون من العقل… مِن ترك العنان له… يتحدَّثون عن تقديم العقل على النقل… عن التعارض بينهما.

صحيح، كلُّ هذا صحيح… كلُّ هذه المخاوف في مكانها… لكن عندما يكون هذا العقل “يُشغَّل” بنظام تشغيلٍ مخالفٍ… نظام تشغيلٍ ينتمي لمنظومةٍ كتابيَّة –حضاريَّة مختلفة.. أو نظام تشغيلٍ ينتمي لمنظومة أهواءٍ شخصيَّة..

عندما يكون نظام التشغيل قرآنيَّاً، فإنَّ المخاوف من ذلك لا معنى لها..

على العكس، الضمانة الوحيدة لفهم النصِّ فهماً صحيحاً فاعلاً في أن نعطي النصَّ الدينيَّ حقَّه، نُمكِّنه هو من أن نتعامل معه، نقرؤه عبر عقلٍ تشكَّل بالنصوص..

عقلٍ بنظام تشغيلٍ قرآنيٍّ.!

***********************

( عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلاَثٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، فَنَزَلَتْ: ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) وَآيَةُ الْحِجَابِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَمَرْتَ نِسَاءَكَ أَنْ يَحْتَجِبْنَ، فَإِنَّهُ يُكَلِّمُهُنَّ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ، وَاجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – فِي الْغَيْرَةِ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُنَّ: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبَدِّلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ[1] )

سنقف عند هذه الموافقات فقط، ونتلمَّس أثر نظام التشغيل بالفهم الحضاريِّ العمريِّ، دون المضيِّ إلى ما هو أكثر، إلى العشرين مثلاً..

ولعلَّنا لو رأينا عمر لقلنا له لو أنه رأف قليلاً بالأقزام…

*****************

مقام إبراهيم!…

( عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عمر بن الخطاب أنه مَرَّ بمقام إبراهيم فقال: يا رسول الله، أليس نقوم مقام خليل ربِّنا (4)؟ قال: “بلى”. قال: أفلا نتَّخذه مصلَّى؟ فلم يلبث إلا يسيرًا حتى نزلت: { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى }[2].. )

قد يبدو الحدث بسيطاً.

لكنَّ الأمر يضمُّ في ثناياه -لو دقَّقنا فيه- عمقاً كبيراً.. وهو يكشف عن فهمٍ استثنانيٍّ، فهمٍ حضاريٍّ حمله ابن الخطّاب..

هذا الفهم، كان يستمدُّ عمقه من عمق التاريخ السحيق، تاريخ إبراهيم، ويصله مباشرةً بالتجربة الإسلاميَّة التي كانت وقتها وليدةً ومعاصرةً..

الفهم العمريُّ كان لا يكتفي بالمعرفة النظريَّة لذلك، بل يبحث عن الرموز الشعائريَّة التي تكرِّس ذلك الشعور بالامتداد التاريخيِّ..

بعبارةٍ أخرى..

كلُّنا نعرف أنَّ دعوته عليه الصلاة والسلام كانت امتداداً لدعوة إبراهيم، بل لدعوة كلِّ الأنبياء..

لكنَّ عمر، وهو يحمل معه همَّ تحويل الفكرة إلى عمل، كان يريد تكريساً عمليَّاً شعائريَّاً لهذه المعرفة..

لذا، ها هو يقترح اتِّخاذ مقام إبراهيم مصلَّى..

أن نصلِّي في مقام إبراهيم..

وجاء الوحي موافقاً لما اقترحه عمر..

*****************

الأمر ليس مجرَّد مكانٍ للصلاة..

لو كان كذلك.. لما استوجب وحياً يعضده..

الأمر هو مكاننا من العالم..

مكاننا من الإعراب..

مكاننا من تلك الرحلة الإبراهيميَّة التي تركت أثرها على الحضارة الإنسانيَّة بأسرها…

الآية التي سبقت كلَّ ذلك كانت تقول:

” وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ” البقرة (124)

جاعلك للناس إماماً؟..

وقعت الكلمة في الذهن العمريِّ موقعاً مختلفاً، موقع مَن يرى في رحلة إبراهيم بين حضارات عصره ورفضه لها بحثاً عن “الحضارة البديلة”، الحضارة البديلة التي بذر بذرتها في وادٍ غير ذي زرعٍ كي يجعلها خالصةً لله..

وكان عمر يعي تماماً أنَّ ذلك الدرب الذي بدأه إبراهيم منذ تلك الليلة التي أرسى فيها دعائم التفكير العقليِّ، وانطلق يحطِّم الأوثان الجاثمة في الرؤوس، ذلك الدرب قد وصل الآن، ومع بعثته عليه الصلاة والسلام إلى مرحلة البدء الفعليِّ بتكوين الحضارة البديلة وبنائها…

ألسنا نقوم مقام إبراهيم؟ ألم يكن هو الإمام في تلك الرحلة؟ ونحن اليوم نقوم مقامه؟

بلى..

فلِمَ لا نتَّخذ مقامه مصلَّى..؟

**********************

ولعلَّ عمر نظر إلى تلك الرحلة المجيدة، إلى ما قام به إبراهيم في التنقُّل بين حضارات بلاد الرافدين والشام ومصر، وهي أعظم حضارات عصره ..

لعلَّه نظر، وقال: إنَّ ذلك الدرب الذي مرَّ به إبراهيم، قبل أن يضع  البذرة في مكة، لعلَّه قال في نفسه: إنَّ ذلك الدرب يجب أن يُعاد السير فيه مجدداً، ولكن بالاتِّجاه المعاكس، اتِّجاه بناء الحضارة البديلة ونشر قيمها، وليس اتِّجاه البحث عنها…

هل سيكون غريباً بعد هذا كلِّه أنَّ الفتوحات في عهد عمر قد غطَّت سير الرحلة الإبراهيميَّة كلِّها؟..

العراق، الشام، مصر..

أفلا نتَّخذ مقام إبراهيم مصلَّى؟..

نعم..

وكلُّ الأرض التي سار عليها إبراهيم، ستكون مصلَّى أيضاً..

********************

وإذا كانت الموافقة الأولى تمنحنا لمحةً عن الفهم الحضاريِّ – التاريخيِّ لنظام التشغيل القرآنيِّ الذي فعله عمر، فإنَّ الموافقة الثانية المتعلِّقة بحجاب أمَّهات المؤمنين كانت تعبِّر عن فهم الحضارة من ناحية كونها سلوكاً عملياً، ومن ناحية “عمليَّة”  نظام التشغيل هذا وواقعيَّته، وبُعده عن التنطُّع المضيِّع للوقت والجهد..

والقصَّة باختصار هي أنَّ عمر قال :

( يا رسول الله  – صلى الله عليه وسلم -  إنَّ نساءك يدخل عليهن البرُّ والفاجر فلو أمرتهنَّ أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب[3] ..)

الحكاية واضحةٌ… الناس تدخل على الرسول عليه الصلاة والسلام في هذا الشأن أو ذاك، والناس فيهم البرُّ وفيهم الفاجر، وفي البيت زوجات الرسول، وعمر يراقب الأمر…. نظام تشغيله القرآنيِّ يبحث عن حلٍّ..

هل يُمكن أن نلغي فجور الناس؟..

تلك أفكارٌ طيِّبةٌ، ولكنَّها غير واقعيَّةٍ… مضيِّعةٌ للوقت، ولن تؤدِّي إلى نتيجة… سيكون أمراً عظيماً لو أنَّ الجميع  صاروا أبراراً، لكنَّه لن يحدث..

إذاً هل نمنع دخول الناس إلى الرسول الكريم؟..

نظام التشغيل القرآنيِّ يجعلك عمليَّاً وواقعيَّاً..

لن تضيِّع وقتك وجهدك في جعل الناس كلِّهم أبراراً وملائكةً، ولن تجعل الناس يكفُّون عن مراجعة الرسول لشؤونهم…

الحلّ؟

لو أمرتهنَّ أن يحتجبن يا رسول الله؟!

وهكذا كان..!

****************

ما علاقة هذا بالحضارة؟!

علاقته صميمةٌ وأساسيَّةٌ….

فالحضارة سلوكٌ وقيمٌ وعاداتٌ وأعرافٌ قبل أن تكون منتجاتٍ وانتصاراتٍ وتطاولاً في البنيان.

إنها قيمٌ  تشجِّع على التماسك الاجتماعيِّ، وسدودٌ تمنع الانحراف..

وسواءٌ أعجبَ هذا البعض أم لم يعجبه…

هناك فصلٌ بين الجنسين في قيمنا الحضارية.. ليس فصلاً مطلقاً بالتأكيد.. ولكنْ هناك تعاملٌ بحدودٍ وضوابط..

وهذه أيضاً حضارةٌ..

***************

فما بال الموافقة الثالثة..؟

( وَبَلَغَنِي مُعَاتَبَةُ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – بَعْضَ نِسَائِهِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ قُلْتُ: إِنِ انْتَهَيْتُنَّ أَوْ لَيُبَدِّلَنَّ اللَّهُ رَسُولَهُ – صلى الله عليه وسلم – خَيْرًا مِنْكُنَّ. حَتَّى أَتَيْتُ إِحْدَى نِسَائِهِ، قَالَتْ: يَا عُمَرُ، أَمَا فِي رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – مَا يَعِظُ نِسَاءَهُ حَتَّى تَعِظَهُنَّ أَنْتَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبَدِّلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ ) الآيَةَ[4].. )

القَّصة عاديَّةٌ يمكن أن تحدث في كلِّ بيتٍ وكلٍّ زمنٍ..

لكنَّ مكانة النبيِّ عليه الصلاة والسلام الاجتماعيَّة عقَّدت القصة وزادت من التأزُّم.. وصار المتصيِّدون يحاولون زيادة الأزمة عبر إطلاق الإشاعات..

نظام التشغيل القرآنيّ الفاعل في عقل عمر، حيَّد هذه التفاصيل المتعلِّقة بمكانة الرسول الاجتماعيَّة… وجد أنَّها صارت معيقاً للدعوة.. والعلاقات الإنسانيَّة مهمَّةٌ حتماً، لكنَّها ليست هدفاً بحدِّ ذاته، إنَّها مهمَّةٌ بقدر مساهمتها للوصول للغاية والهدف، وعندما تصير عائقاً ومعرقلاً فإنَّ هناك وسائل شرعيةً مقنَّنةً يمكن لها أن تُزيح هذا العائق..

منتهى التجرُّد..

وكان نظام التشغيل عند عمر متجرِّداً من حقيقة أنَّ ابنته حفصة كانت مشمولةً بالتهديد بالطلاق!…

منتهى التجرُّد أيضاً، فعلاقته الإنسانيَّة بابنته مهمَّةٌ..

لكنها ليست أهمَّ من القضيَّة التي يحملها..

..هكذا هم صنَّاع الحضارة..

******************

قد يقول قائل: لكنَّ نظام التشغيل هذا تفعَّل عند عمر، ولم يتفعَّل عند الرسول الكريم الذي تنزَّل عليه الوحي؟

قطعاً الأمر ليس كذلك..

لكن من حكمة الأمور أن يكون هناك من يتمكَّن من الصحابة، من البشر الذين لم يتنزَّل عليهم وحيٌ مَن يقوم بذلك، مَن يتمكَّن من فهم ما يجب أن يقوله الوحي.. كي نفهم نحن أنَّ الأمر يستلزم أن نتمثَّل نظام التشغيل، ونلتزم بحدوده وضوابطه، أن يتشكَّل عقلنا بالقرآن، كي نتمكَّن بعدها من مواجهة ما يواجهنا دون خوفٍ من تناقضٍ مزعومٍ بين العقل والنصِّ..

كي نتمكَّن أن نستعمل عقلنا ليكون وسيلةً لبناء حضارةٍ مبنيَّةٍ على أسسٍ قرآنيَّةٍ..

**************

ولعلَّ كلَّ ما سبق من موافقات ومن سواها، هي التي جعلت عليه الصلاة والسلام يقول عن عمر:

( « لَقَدْ كَانَ فِيمَا قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَإِنَّهُ عُمَرُ »[5].. )

وقال أيضاً:

(” لو كان نبيٌّ بعدي لكان عمر بن الخطاب”[6]..! )

لكنَّه لم يكن..

بل كان بشراً مثلنا، بشراً تمكَّن من أن يجعل القرآن نظام تشغيله..

********************

القصَّة في النهاية قصَّة “نظام تشغيل”..

فما هو النظام الذي اخترناه لأنفسنا..؟

هل هو نظام تشغيلٍ لحضارةٍ أخرى تبدو اليوم منتصرةً وكاسحةً مكتسحةً، دون أن يعني ذلك قطّ أنَّها على حقٍّ؟

هل هو نظام تشغيلٍ يجدِّد نفسه كلَّ يومٍ بصرعةٍ تلو الأخرى لكي يتغلَّب على خوائه وفقره؟

هل هو نظام تشغيلٍ يعتمد فقط على إطلاق العنان لأهوائك؟..

أم أنَّ نظام تشغيلك قد صدئ وصار خارج وقت الصلاحيَّة؟..

أم هو مثل الذي كان عند عمر، وجعله  يكون ما كان….؟

القصَّة كلُّها في النهاية قصَّة “نظام تشغيل”..

ليس سهلاً قطّ أن تبدِّل نظام تشغيلك الذي تعوَّدت عليه، وتكيَّفتْ أجهزتك عليه… ليس يسيراً أن تقوم بعمليَّة إبدال..

لكن، أحياناً لا بدَّ ممَّا ليس منه بدٌّ..

..والله المستعان..



[1] البخاري 402

[2] تفسير ابن كثير

[3] مسند أحمد، مسند عمر بن الخطاب، 159

[4] البخاري 4483

[5] البخاري 3689

[6] 327 وحسنه الألباني الترمذي 2909  وسلسلة الأحاديث الصحيحة

إسراء ومعراج …ونهضة !

إسراء ومعراج…ونهضة !

د.أحمد خيري العمري


عوملت واقعة “الإسراء والمعراج” على أيدي التقليديين ، بالضبط كما عوملت الشعائر  والأركان ، بل كما عومل كل شيء تقريبا في هذا الدين العظيم ..فكما تحولت الشعائر إلى طقوس “شبه كنسية” لفصل الدين عن الدنيا…وكما قزمت كل المفاهيم لتقدم في قالب جزئي و ظاهري ، فقد عوملت واقعة الإسراء والمعراج لتقدم بشكل “حدوتة” يتم استذكارها في موعدها السنوي ، وتقدم باعتبارها “معجزة” النبي الذي ركب حصانا سريعا وانتقل من مكة إلى القدس في ليلة واحدة (في زمن كان ذلك يستغرق وقتا طويلا) ثم عرج بعدها إلى السماء..ويتم استذكار هذا الحدث وتكرار قص تفاصيله في كل ذكرى له ، دون أي محاولة لتقديم المغزى الذي يجعل “المعجزة” مستمرة فينا..كل المعجزات جاءت للتغيير ، ..وتقديم واقعة الاسراء والمعراج على هذا النحو الذي تقدم فيه، يبعدها عنا..لا شيء فيها يمكن أن يستثمر في حياة وفهم وخطة أي منا.تبدو الواقعة “تاريخية” في دين أهم وأعمق ما فيه أن “قيمه لا تاريخية” (على سبيل المثال ، المسيحية تقوم على وقائع تاريخية محددة مرتبطة بالسيد المسيح عليه السلام، إهمالها سيؤدي إلى هدم كل العقائد المسيحية ، بينما  لا شيء في العقيدة الإسلامية مرتبط بحياته عليه الصلاة والسلام وتفاصيل ميلاده ووفاته..)

..كيف يمكن أن نقرأ الإسراء والمعراج على نحو آخر إذن ؟ نحو آخر غير القصة التاريخية ؟..

ننسى دوما ، عندما نقص ما حدث ، إنه عليه الصلاة والسلام ، في تلك المرحلة الصعبة من الدعوة في مكة  والتي كانت تبدو فيها كل الطرق مسدودة ومغلقة ، قد انتقل عبر الإسراء والمعراج ، إلى أفق آخر من المعطيات ، زيارته للقدس ، في تلك الليلة ، فتحت مداركه على إمكانية الانتقال بالدعوة إلى موضع آخر ، وجاءت القدس كما لو لتذكره ، بأن موسى انتقل بقومه من أرض مصر ، إلى أرض الميعاد ، صحيح ان موسى لم يصلها ، لكنهم أكملوا المسيرة لاحقا..ووصلوا ، وبنوا ، ..وأنجزوا..

لن يكون صدفة إنه عليه الصلاة والسلام لم يحاول مع “مدينة أخرى” غير مكة إلا بعد الإسراء.

أولا مع الطائف..ونعرف ما حدث فيها.

وثانيا مع وفود أهل يثرب.

ونعرف أيضا ما حدث فيها..

العبرة المستمرة ، هنا أن الإسراء يمكن أن يستمر دوما عبر التعرف على تجارب حضارية مختلفة ، تجارب بعيدة وقد لا ترتبط معنا بإرث مشترك ، لكن يمكننا أيضا أن نستفيد منها ، لا يعني ذلك اقتباسها ، ولا استيرادها ، فقد تكون الفائدة هي أن نتركها ، أن نتعرف عليها لنعرف أهمية أن لا نكون مثلها…لكن سيبقى ذلك مهما ، والأهم منه ان يكون هناك “معيار” واضح لتمييز الخطأ والصواب في تلك التجارب..

الرسول الكريم ركب البراق في تلك الرحلة.لم يذهب كيفما اتفق بل كان  معه جبريل ، حامل الوحي الكريم..

ليس هذا فقط ، بل إن الواقعة كلها قد بدأت كما في حديث صحيح البخاري “باستخراج قلبه الكريم وغسله من ثم إعادته إلى جوفه” ، كما لو أن المبدأ الأساسي في اي عملية تعرف حضاري أن نغسل قلوبنا من إي إنبهار بما سنرى..وأي رفض مسبق كذلك..وأن نتمسك بما تمسك به عليه الصلاة والسلام في رحلته تلك (البراق وجبريل ، أي الوحي..)..

أي علاقة بتجربة حضارية يشوبها الإنبهار أو الرفض المسبق ستكون علاقة شاذة..

ليس سوى أن تغسل قلبك بماء القرآن وصابون السنة (أي الحكمة النبوية)..قبل أن تتعرف على تلك التجارب..

بعدها يمكن لم أن ترفض على بينة.

وأن تقبل ما يفيدك منها ، وتغسله أيضا بماء القرآن وصابون السنة ، قبل أن تستخدمه !

***********

….رؤيته عليه الصلاة والسلام للأنبياء ، ومن ثم إمامته لهم ، فيه من المعاني الواضحة التي لم يغفل عنها التقليديون..

ولكن فيه أيضا أن نتذكر أن “من ياتي آخرا” قد يحقق القيادة والإمامة ، بأدائه لمستخقاته وبمعزل عن كونه “الآخر زمانه”..

فلنتذكر أنه عليه الصلاة والسلام لم يسم “اخوانه” لصحابته أو تابعيه..بل لجيل آخر ، سيتبعه دون أن يراه ..وقد يكون قد حقق ما يجعله يستحق أن يكون من “إخوانه” عليه الصلاة والسلام ، عندما ننظر إلى ما حققه هذا الجيل بمقياس القرآن والسنة ، لا بمقياس من يهمه أن يبقى هذا الجيل في آخر القائمة !..

**********************

..وفي حديث البخاري ، تلك الإشارة إلى أنهار الجنة ، إثنان منها هما الفرات والنيل..

أحواض الأنهار هي مراكز قيام الحضارات..

وقد كانت تلك الإشارة تعني وقتها ،إنكم لن تصلوا حقا إلى الجنة في السماء ، ما لم تبنوا ما يستحق دخولها على الأرض..

لديكم تلك الأنهار في الأرض..

إبنوا بناؤكم هناك.

ولنر بعدها..

….خلال عقدين فقط ، كان البناء الذي بناه عليه الصلاة والسلام قد وصل ضفاف الفرات والنيل !

*******************

أهم إشارة برأيي الشخصي هي ما قاله موسى في نفس الحديث الصحيح..

ثُ…مَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ الصَّلَوَاتُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ فَرَجَعْتُ فَمَرَرْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ بِمَا أُمِرْتَ قَالَ أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ قَالَ إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ فَرَجَعْتُ…

جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أدش المعالجة..

هنا معركة النهضة الحقيقية.

هنا الجهاد الأكبر.

تغيير النفوس.

تغيير  العقول.تغيير العقل الجمعي الذي تكرس وركز في رؤوس الناس وجعلهم ما هم عليه.

لن يبنوا مراكز الحضارات حقا ما لم يتغيروا.

لن يساهموا في “معراج” أمتهم ما لم يحدث ذلك.

بل لن يتعرفوا على أي تجربة أخرى إلا من خلال الانبهار أو الرفض المسبقين..

هناك ، في الرؤوس ، المعركة الأهم..والفتح الأهم..

بعدها..

كل شيء مجرد تفاصيل..

(ويمكن فهم أهمية الصلاة ، التي جاء بها الرسول عليه الصلاة والسلام من معراجه ، في هذا الضوء..

ضوء معركة التغيير والبناء -النفسي والمجتمعي..)…

************************

ليس غريبا بعدها أن تركز سورة الإسراء على ما حدث مع بني إسرائيل فيما جربه موسى معهم..وفي علاجه الشديد لهم !…

فما حدث معهم ، سيحدث معنا بالضبط..

ليس في وقت الرسول عليه الصلاة والسلام..

لكننا ، عبر الأجيال ..سنتصرف بالضبط كما فعل بنو إسرائيل..

..كما لو أننا اوصينا بذلك..

******************

الإسراء والمعراج يستمر بخروجنا من تيه بني إسرائيل الذي وضعنا انفسنا فيه..

يستمر بتمكننا من أن نتفاعل -عبر القرآن والسنة- مع أي تجربة حضارية دون عقدة نقص تجعلنا ننبطح ، أو عقدة تعالي تجعلنا نتصور أن عليهم أن ينبطحوا لنا..

الإسراء والمعراج يستمر بأن ننهض إلى معراج أمتنا..

أن نجعلها ما يجب أن تكون…

الإسراء والمعراج يستمر بأن نؤمن بأن الرحلة مستمرة..

وأن على كل منا أن يضيف خطواته عليها..

***********

..ليس صدفة..

أن تكون سورة الإسراء هي التي تضم تلك الآية..

“إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم”..

أقوم..

من القيام..

القيام…يعني النهوض…

الأخلاق الثورية بين السيرة النبوية والتجربة الغاندية !

هوامش على دفتر الثورة -13-

الأخلاق الثورية ، بين السيرة النبوية ، والتجربة الغاندية !

د.أحمد خيري العمري

 

 

لأسباب متعددة، وبالتدريج ، تحولت سيرة النبي عليه أفضل الصلاة والسلام لتكون أشبه بسيرة المهاتما غاندي !…أي سيرة “لا عنفية” كما يسميها  بعضهم بوضوح وصراحة نحترمهم عليها.. وهذا التحول يتطلب عملية جراحية “عامة ، غير دقيقة” لحذف عشوائي لكل ما لا يناسب “المنظور اللاعنفي ”  حسب نظرية غاندي وأتباعه ومريديه  !…(سيقولون هنا طبعا: الحكمة ضالة المؤمن، أقول منذ البداية: الحديث ضعيف !..والحكمة نستقيها من القرآن والسنة، وإن وجدنا ما لا يناقضها في مكان آخر فخير وبركة!)

ولما كانت سيرته عليه الصلاة والسلام حافلة بما يتناقض مع ما يؤمن به هؤلاء ، فإن بتر واسع  لأجزاء مهمة من سيرته ، وأيضا من شخصيته ، ومن أخلاقه ، يتم تحت شعارات فضفاضة مائعة..

  أنا هنا لا أتهمهم بالكذب ، رغم أنهم يستخدمون في بعض الأحيان أحاديث ضعيفة وموضوعة … لكني أتهمهم بالانتقاء من سيرته ما يناسب أفكارهم المسبقة، وبالتالي من أحاديثه عليه الصلاة والسلام ، وأيضا وفي نفس السياق ، الانتقاء من الآيات القرآنية..

وهو بالمناسبة : نفس ما يفعله بالضبط “العنفيون” على الجانب الآخر من التطرف، فإذا كان اللاعنفيون ينتقون هذه الآية أو تلك “لا إكراه في الدين” مثلا- فإن العنفيين يختارون أية “فاقتلوهم”..وإذا كان اللاعنفيون يختارون موقف “اذهبوا فأنتم الطلقاء”-والحديث ضعيف بالمناسبة رغم إن التسامح مع مشركي مكة ثابت، فإن العنفيين يختارون موقف “خيبر”…وفي الحالتين ، يتم التضحية بتكامل سيرة النبي و توازنها وشمولها على كل ما يلزم لمواجهة بناء الحضارة والمجتمع الحياة : القوة بجانب اللين، كل في موضعه…

****** 

لكن المنساقين للخلط بين الرسول الكريم وغاندي لا يفعلون ذلك من منطلق واحد وإن تشابهت أقوالهم : فقسم منهم يفعله من منطلق عقائدي بحت، إنهم أصحاب أيدلوجية (لا عنفية) وهم يسقطونها ، كما يفعل أغلب أصحاب الأيدلوجيات  على سيرته الكريمة، كما فعل قبلهم الاشتراكيون العرب عندما أسقطوا نظرياتهم على بعض سيرته ، وكما فعل “القوميون” عندما استغلوا عروبته، بل وكما يفعل “العلمانيون ” اليوم عندما يستغلون حديثا (أنتم أعلم بشؤون دنياكم) –مثلا- أو موقفا (وثيقة المدينة) للترويج  لمبدأ فصل الدين عن الحياة…

لكن هناك نوع آخر من المخلطين لا يفعلون ذلك من باب أيديولوجي مسبق، بل من باب رد الفعل الدفاعي عن الإسلام ورسوله ضد إدعاءات أعدائه..وأعني هنا الادعاءات الغربية التي تتهم الرسول الكريم –والإسلام ككل- بالإرهاب والعنف..وهي الاتهامات التي لم تختف تماما منذ أن غزانا “الفرنجة”!.. وبقيت كامنة في “العقل الجمعي” الغربي…ولكنها تصاعدت حتما مع الولادة الرسمية للإسلاموفوبيا في وسائل الإعلام ، مع ما يعرف بالثورة الإسلامية -!- في إيران وأزمة الرهائن في أواخر السبعينات  من القرن الماضي، وتصاعدت أكثر وعلى نحو دراماتيكي  بعد الحادي عشر من سبتمبر ، خاصة إن دور ومنافذ  وسائل الإعلام قد ازداد جدا في هذه الفترة.

الاتهامات لم تكن جديدة يوما على الإسلام ولا على الرسول عليه الصلاة والسلام، والمنهج القرآني يوضح إن التمادي في الدفاع لن يجدي ، لذا فالرد يكون غالبا مقتضبا ، عندما اتهم الرسول بأنه يعلم من قبل “نجار رومي، نصراني”(= أجندة خارجية بلغتنا المعاصرة) فإن الرد كان مقتضبا وقاطعا (لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين) ، ولو كان المنهج هو الإسهاب في رد الفعل، لوجدنا القرآن كله يثبت إن الرسول ليس بشاعر أو مجنون أو كاهن..الخ…

لكن عقلية المستلب-المهزوم  ونفسيته مختلفة : فهو يقضي الوقت في رد الفعل حتى يغلب ذلك على الفعل عنده ، وهو عندما واجه هذه الاتهامات التي تطال الرسول والإسلام ، قضى الوقت في نفيها حتى تطرف في ذلك ، لم يمض إلى “الحقيقة المتوازنة” التي تعيد النظر في تعريف الإرهاب مثلا، بل يستقبل “تعريفهم” هم ويحاول نفيه عنه عليه الصلاة والسلام،ويتمادى في ذلك إلى درجة حذف كل ما يمكن أن يكون قريبا من تعريفهم للإرهاب..حتى لو كان هذا التعريف مخالفا لثوابت قرآنية أو يملك تحيزا مسبقا لصالح الرؤية الغربية- ويغض النظر عن ما يمكن أن يندرج في هذا التعريف ما حصل في التجربة الغربية..

النتيجة أن رد الفعل الدفاعي يبالغ في تقديم صورة مصممة لا لتقدم “الحقيقة” بل  لكي تبعد اتهامات الغرب ، حتى لو أدى ذلك إلى سلب واحدة من أهم ما في سيرة الرسول الكريم من قيم : أي تكامله وتوازنه وكون سيرته مثالا تطبيقيا لكل ما في الإسلام ، أي إن جانب استخدام القوة (وليس العنف !) موجود و لكنه “مقنن” ومنضبط بضوابط شرعية ، كما جانب “نبذ القوة”  والجنوح إلى “السلم” موجود ولكنه مقنن أيضا ومنضبط بضوابط شرعية ، كذلك استخدام “الشدة” في التعامل ، موجود وواضح ، إلى جانب استخدام اللين والرفق، ولكل موضعه وفعاليته دون أن يتعدى جانب على آخر..

لكن رد الفعل الدفاعي ، بالإضافة إلى موقف “اللاعنفيين” يقوم بتقديم صورة “منقوصة” لا شدة فيها ولا استخدام للقوة (يسمونها عنفا !) وكل ما فيها تسامح ورقة و لين..

أصحاب” رد الفعل” من مشايخ ودعاة لا يجرؤون على حذف منهجي لما لا يناسب تلك الصورة، هم يغضون الطرف عنها فحسب ، أما اللاعنفيون ، أو على الأقل البعض منهم ، فهم لا يتورعون أحيانا عن رفض” منهجي” لكل نص شرعي لا يناسب رؤيتهم ( النسخ بالنسبة للنصوص القرآنية، فكل آيات القتال خاضعة للنسخ برأيهم، أما الأحاديث النبوية فأمرها أسهل ، كل الأحاديث مكذوبة ما دامت لا تتسق مع الرؤية اللاعنفية التي ينظرون للعالم من خلالها )..

النتيجة المستخلصة من كل هذا ، هو أن الصورة التي قدمت في العشر سنوات الأخيرة، للرسول الكريم ، كانت صورة خيالية ، و لن أقول مثالية لأن سيرته مثالية فعلا و لكن حسب معايير قرآنية وليس أي معايير أخرى…الصورة الخيالية تجعله عليه الصلاة والسلام يكاد يكون مثل المهاتما غاندي في نضاله السلمي ، وأحيانا الصورة التي تقدمها الكنيسة للسيد المسيح عليه السلام..و يضعون على لسانه عبارات تكاد تشبه ما ينقل عن السيد المسيح في الإنجيل “أحبوا أعدائكم، باركوا لاعنيكم.. الخ”..فهو لا يغضب ، ولا  يكون شديدا قط ، و لا يكره أعداءه ، ناهيك عن أن يلعنهم ..!

هذه الصورة –غير الواقعية- لها تأثيرات سلبية خاصة في هذه المرحلة الثورية الحرجة التي تمر بها الأمة ، حيث الشعوب تتفجر غضبا من أجل كرامتها وحقوقها وحرياتها..فالرسول الكريم هو “الشخصية المركزية” –القدوة، الذي تلتفت الأمة إليه –أو على الأقل يلتفت جزء كبير من ثوارها إليه- في هذه المرحلة، ليجدوا عنده عليه الصلاة والسلام المنهج الثوري الأخلاقي الحقيقي  بينما النموذج المطروح من قبل جماعة “ياااااه ، ده دين ربنا حلو أوي يا جماعة” قد لا يكون قياديا بما فيه الكفاية في هذه المرحلة بالذات ، إذ إن “البعد الواحد” الذي يقدمه هذا النموذج يفتقر إلى الحزم والشدة المطلوبان في هذه المرحلة..وربما في كل مرحلة !…

ما هو أبرز ملامح الصورة الخيالية التي تقدم فيها سيرة النبي وكيف تتناقض مع الصورة الواقعية الحقيقية؟ 

أولاإن عدم استخدام القوة ، وعلى نحو مطلق ، كان هو منهجه عليه الصلاة والسلام طيلة الفترة المكية، يفترض اللاعنفيون بعد هذه المقدمة إننا “نعيش في مرحلة أشبه ما تكون بالفترة المكية” وبالتالي فإنه لا يمكن القيام بأي نوع من أنواع المقاومة التي قد تخالف “المنهج السلمي”..(علما إنهم في مواقف أخرى، يكونون واضحين جدا في عدم رغبتهم في الوصول أصلا إلى مرحلة الدولة المدنية!!)

من السهل جر هذه الفكرة إلى فخين جدليين : أولهما إن  الكثير من الشعائر أيضا لم تكن موجودة في الفترة المكية ، فهل يعني ذلك إيقافها لحين “خروجنا من الفترة المكية”؟

ثانيهما : إن الفكرة تحتوي ضمنا على “تكفير” لعموم المجتمع والحكم بجاهليته ، وهي فكرة يرفضها اللاعنفيون جملة وتفصيلا ، ويحاربون من يتبناها من أصحاب التطرف المضاد…

ورغم إن هاتين النقطتين كافيتان – في رأيي- لنقض المبدأ(نظريا)..إلا إنه من الضروري أن نتنبه هنا إلى إن ما يقوله اللاعنفيون ، يمتلك مصداقية التجربة دون التعميم ، أي إنه “حدث فعلا” في مرحلة ما من الفترة المكية ، وإن هذا كان له حتما أسبابه التي علينا أن نحللها ونفهمها ضمن سياقها..

من أهم ما يستند عليه اللاعنفيون هنا ، هو حديثه عليه الصلاة والسلام “صبرا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة”  -والحادثة التي أدت إلى هذا الحديث ، ويقصدون هنا إنه لو كانت “المقاومة اللا سلمية ” مشروعة ، لحاولها الرسول عليه الصلاة والسلام بدلا من أن يشير عليهم بالصبر..

كذلك يستخدم ، وبدرجة أقل حديث خباب بن الأرت شكونا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة فقلنا : الا تدعو الله فقعد وهو محمر وجهه وقال : ” كان الرجل فيمن كان قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بمنشار فيوضع فوق رأسه فيشق باثنين فما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون “(البخاري 3612).

للوهلة الأولى ، سيبدو كما لو إن هذا هو الوضع هو الذي ساد في “الفترة المكية”، أو هكذا على الأقل يستخدم اللاعنفيون هذه النصوص النبوية ، لكن هناك تفصيل مهم في كل هذا :

عن مجاهد قال أول من أظهر الإسلام سبعة رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبو بكر وخباب وصهيب وبلال وعمار وسمية أم عمار فأما رسول الله صلى الله عليه و سلم فمنعه أبو طالب وأما أبو بكر فمنعه قومه وأما الآخرون فألبسوهم أدراع الحديد ثم صهروهم في الشمس فبلغ منهم الجهد ما شاء الله أن يبلغ من حر الحديد والشمس فلما كان من العشي أتاهم أبو جهل لعنه الله ومعه حربة فجعل يشتمهم ويوبخهم (حلية الأولياء).

و عن محمد بن إسحاق ، قال : كانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه ، وكانوا أهل بيت إسلام ، إذا حميت الظهيرة فيعذبوهم برمضاء مكة ، فيمر بهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فيقول ، فيما بلغني : « صبرا آل ياسر، موعدكم الجنة » فأما أمه فقتلوها وهي تأبى  إلا الإسلام «معرفة الصحابة للأصبهاني”

إذن الحديثين (حديث آل ياسر وحديث لكنكم تستعجلون مع خباب) مرتبطان بفترة واحدة ، وهي فترة مبكرة جدا لدرجة إن هناك سبعة فقط كانوا قد أظهروا الإسلام ، سبعة من ضمنهم الرسول عليه الصلاة والسلام، لا يمكن تحديد هذه الفترة بالضبط إلا إنها حتما كانت في الثلاث سنوات الأولى ، وكان عدد المسلمين لا يتجاوز الثلاثين رجلا (قياسا على مرتادي دار الأرقم) علما إنهم لم يزيدوا عن المائة حتى بعد عشر سنوات..

كما إن طبيعة المجتمع المكي – المعتمد على العشائر والبطون الأساسية ، والتحالفات  فيما بينها -قد وفرت نوعا من الحماية في بعض الأحيان (كما مع الرسول الكريم ،وأبو بكر من بين السبعة الأوائل)و لكنها هي نفسها التي سلمت آل ياسر لمشركي مكة كي يسومونهم سوء العذاب ( كان بنو مخزوم قد حالفوا ياسر – العنسي القادم من اليمن- وزوجوه أمة لهم هي “سمية” التي أعتقت بعدما ولدت عمارا)..بعبارة أخرى ، إن الدفاع عن آل ياسر (باستخدام القوة) كان سيطيح بمنظومة توفر بعض الحماية لغير آل ياسر..

لكن هذا الوضع لم يستمر طيلة الفترة المكية كما قد يوحي الاستخدام المطلق للنصين المتعلقين بالحادثة ، لا يعني هذا إنه قد تم استخدام القوة لاحقا ، أو انه قد سمح بالقتال في مكة ، فالأساس كان ” فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ” 94 الحجر..لكن في الوقت نفسه ، يجب أن نلاحظ إن وجود “القوة” والتلويح باستخدامها أو استخدامها على نحو محدود، ساهم في ردع المشركين في أذاهم الجسدي للمسلمين..أكثر الأمثلة وضوحا على ذلك واقعة ضرب أبي جهل من قبل حمزة وشجه لرأسه ، وما فعله عمر ابن الخطاب عند إسلامه ، فكان عبد الله بن مسعود يقول: ما كنا نقدر على أن نصلى عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه كما ثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود أنه قال: ” ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر بن الخطاب “. علما إن إسلام حمزة وعمر كان مقاربا زمنيا على ما يبدو ، وتقول الروايات أن عمر كان المسلم رقم أربعين ، أي أننا نتحدث عن مرحلة لا يزال العدد فيها محدودا، ولا يزال المؤمنون فيها “أقلية” عددية..ورغم ذلك فقد تمكنوا من إحداث نوع من الردع الذي جعل قريش تكف عن الأذى الجسدي المباشر (الذي حصل مع آل ياسر وخباب مثلا) وتبحث عن أذى من نوع آخر : التصعيد الإعلامي، تشويه السمعة، الحصار الاقتصادي والمنع من لقاء الوفود..الخ..لكن “استخدام نوع مقنن من القوة” ساهم في وقف تمادي قريش في إيذاء المسلمين..

لا يعني كل ما سبق نبذ السلمية في الثورات التي تخوضها شعوبنا للمطالبة بحقوقها الأساسية..قد تكون السلمية هي الخيار الاستراتيجي الذي يفضله الثوار في دولة ما و يفضل آخرون استبداله في دولة أخرى، هذا طبيعي ويرجع لرؤيتهم وتحديدهم لحجم قوتهم وقوة عدوهم وما يردعه أو يستثيره أو يضعفه أو يقويه…لكن ما أريد أن أؤكد عليه هنا ، أن ذلك يجب ألا يرتبط بنص ديني يملك سلطة أكثر من سلطة “الاختيار” نفسه..وقد ثبت هنا أن النصوص الأكثر استخداما لإثبات هذا ، مرتبطة بمرحلة مبكرة  جدا كان المسلمون فيها في أشد حالات ضعفهم من ناحية العدد والمنعة..وهو أمر تغير بعد فترة وجيزة جدا..

 

ثانيا :  الصورة المقدمة للرسول الكريم مفرطة في تسامحها ورقتها (وقبولها للآخر !!)  على نحو يناقض تماما الكثير من النصوص التي تقدم لنا الرسول الكريم في صورة “متوازنة” تعكس أول ما تعكس “توازن الرسالة ” التي يحملها..، مثلا يردد أنه قال لأحد الصحابة “لا تغضب”..-وقد قال فعلا ذلك- لكن هذا يؤخذ كما لو كانت هذه النصيحة لا تخص شخصا ربما كان يغضب لتوافه الأمور و ليس لمحارم منتهكة أو لوضع الأمة..، الخروج عن “تفاصيل ” –لا نعرفها- لحديث مثل “لا تغضب” يجعل هؤلاء يتجاهلون أيضا إنه  كان  يغضب حتى “بان الغضب على وجهه”  أو “حتى أحمر وجهه”، وفي حالات ومواقع متعددة (عندما رأى أصحابه يتنازعون في القدر، عندما تنزه البعض عن أمر رخص فيه الشرع، عندما رأي “نخامة” في المسجد)، كما تشير الأحاديث إلى غضبه عليه الصلاة والسلام عندما قيل عن أحداهن أنها ماتت واستراحت ، وغضب بشدة عندما راجعه أحدهم في شأن خيبر ، وغضب عندما رأى مع عمر شيئا مكتوبا من التوراة (بالرغم من أنف مبدأ  القبول بالآخر الذي صرعنا به القوم!!)..كما ثبت وصف الصحابة له (كان إذا غضب أحمرت وجنتاه) ..

كما  صح عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت : دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان فكلماه بشيء لاأدري ما هو فأغضباه فلعنهما وسبهما فلما خرجا قالت : يا رسول الله ! من أصاب من الخير شيئا ما أصاب هذان ؟ قال : وماذاك ؟ قالت : قلت : لعنتهما وسببتهما قال : أوما علمت ما شارطت عليه ربي ؟ قلت : إنما أنا بشر فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة وأجرا- السلسلة الصحيحة 83

كما قال أيضا عليه الصلاة والسلام ( أيما رجل من أمتي سببته سبة أو لعنته لعنة في غضبي فإنما أنا من ولد آدم أغضب كما تغضبون وإنما بعثني رحمة للعالمين فاجعلها عليهم صلاة يوم القيامة) الصحيحة 1758 ، هكذا، وببساطة وصدق، ودون فذلكات  تصعيدية كما يفعل المتنطعون اليوم، يقر عليه الصلاة والسلام بانه قد يغضب فيسب ويلعن، وقد يكون من غضب عليه لا يستحق ذلك بالضبط!..

مجرد إثبات غضب الرسول عليه الصلاة والسلام عبر البحث عن نصوص ، يدل على أي مرحلة وصلنا فيها من “غسيل الدماغ”، حتى يكاد البعض يتصور أن قدوته عليه الصلاة والسلام لم يكن يغضب كبقية البشر، كما لو كان قد خلق دون الهورمونات الانفعالية التي تؤدي إلى الغضب..

ولا يعني هذا إن الغضب أمر “محمود” بالمطلق أو أننا مأمورون به، لكن الأمر دوما هو في “تقنينه” وضبطه بضوابط شرعية ، سيكون عندها “محمودا” و”مأجورا” فعلا ..إنه يحدث، بكل الأحوال، ومادام لا بد من ذلك فلا بد أن يكون في الله  ومن أجل ما ينتهك من حرماته..

فلنتنبه هنا إلى إن الغضب النبوي في أغلب ما سبق حدث نتيجة “مخالفات ” في التصرف أو التعامل ، ولو غضب أي منا على ما يشابهها لتمعرت وجوه اللاعنفيين وهم يتهموننا بمخالفة سنته اللاعنفية …ذلك أن سنته بالنسبة لهم انتقائية وخالية من كل ما يمكن أن يخالف المهاتما غاندي والدالاي لاما

ثالثا: وصل الأمر ببعض “اللاعنفيين”  إلى القول  أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يدعي على أعدائه أو يلعنهم ، وبناء على ذلك ، فلا يجوز للثائر ، أن يدعو على “شبيحة” النظام ، أو جلاوزته ، أو أي من بطانته بل ربما حتى رأسه ، بل يجب أن يدعو لهم بالهداية وربما بالمغفرة..!

بصراحة: هذا الكلام ليس خاطئا فحسب بالقياس على سنته “الحقيقية” المتوازنة عليه الصلاة والسلام، بل ربما يكون أيضا  يشي بوجود مرض عضال نفسيا ، وقد يخفي بعضا من التعاطف الخفي مع النظام أو الرغبة في المحافظة على موضع قدم في حالة عدم سقوطه..هذا عدا عن كونه يحمل قدرا كبيرا من الوصاية على الثوار “الطبيعيين” الذين لا يملكون هذه الأمراض..والذين قد يساورهم الشك في صحة ما يفعلونه نتيجة لما يقوله هؤلاء..

أولا – لم يصح عنه إنه قال “اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون”..أي إن الحديث الذي يهددوننا به كلما فتح أحد الثوار فمه ليدع على النظام ، هو حديث ضعيف!. 

أما الحديث الذي فيه  “إغفر لقومي فأنهم لا يعلمون”-وهو حديث صحيح فعلا ، ففيه ينقل الرسول صلى الله عليه وسلم تجربة نبي آخر من الانبياء السابقين ، أي إنه من قبيل “شرع من قبلنا”..ولا يشترط أن يكون شرعا لنا..

ثانيا- الحديث الصحيح الذي يجيب فيه الرسول على سؤال جبريل إن شئت أطْبَقْتُ عليهم (=أهل مكة)الأخشبين (جبلان حول مكة)  فقال النبي صلى الله عليه وسلم : بل أرجو أن يُخرِجَ الله من أصلابهم مَنْ يعبد الله وحده لا يُشرك به شيئا ” هذا الحديث لا علاقة له بالسياق المستخدم هنا عند اللاعنفيين ، فإطباق الأخشبين على أهل مكة يعني موتهم جميعا، ويعني إن رسالة الرسول ستكون قد انتهت كما الرسالات السابقة التي انتهت بالعذاب على القرى المكذبة، وهو أمر ما كان الرسول ليرتضيه للرسالة الخاتمة ..بكل الأحوال : عدم الدعاء على القوم شيء ، وتمنى أن يموتوا جميعا بلا استثناء شيء آخر تماما…

ثالثا – لقد صح عنه أيضا إنه دعا على قومه ، بل ودعا على أسماء محددة فيهم ، فقد جاء في البخاري ومسلم  إنه عندما آذاه المشركون أثناء صلاته بوضع القاذورات عليه ، جاءت السيدة فاطمة معها  جُوَيْرِيَةُ(… فَطَرَحَتْهُ عَنْهُ. ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَشْتِمُهُمْ فَلَمَّا قَضَى النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- صَلاَتَهُ رَفَعَ صَوْتَهُ ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِمْ وَكَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلاَثًا. وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلاَثًا ثُمَّ قَالَ « اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ ». ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَهُ ذَهَبَ عَنْهُمُ الضِّحْكُ وَخَافُوا دَعْوَتَهُ ثُمَّ قَالَ « اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِى جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِى مُعَيْطٍ »)…هاهو الرسول يعمم بدعوته على قريش بأسرها ، ويدعو ثلاثا، وهاهو يسمى أسماء بعينها ، وهاهي جويرية “تشتم” شبيحة مكة فلا ينهرها ولا يعطيها درسا في أخلاق الثوار من منظور غاندي أو حسب تعليمات جين شارب …، فعلى من يزاود هؤلاء ؟).

كما دعا على الوليد بن عقبة عندما ضرب زوجته (اللهم عليك بالوليد) ثلاثا ..يقول لزوج ضرب زوجته، فماذا عن عنصر أمني أو شبيح يعتدي بالضرب على الفتيات أو حتى على العزل من الثوار؟

كما دعا عليه الصلاة والسلام في صلاة الفجر من كل يوم لمدة شهر(أي قنت يدعو عليهم !) على “بني ذكوان” و”بني عصية”.. يقول: اللهم عليك ببني عصية عصوا ربهم وعليك ببني ذكوان_(مسند أبو يعلى وبغية الحارث ومجمع الزوائد للحارثي وفي مصنف أبي شيبة وقال حسين أسد : صحيح على شرط مسلم ،  ) وفي نص آخر : للهم العن بني لحيان و رعلا و ذكوان و عصية عصوا الله و رسوله و غفارا غفر الله لها و أسلم سالمها الله (المستدرك على الصحيحين للحاكم)

 ( وحدث ذلك لأنهم قتلوا مجموعة من الأنصار الذين أرسلهم إليهم، فلم يخرج أحد من الصحابة يتفلسف ويقول يا رسول الله أليس هذا من التعميم ؟!)..

كما جاء في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع فربما قال إذا قال : ” سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد : اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة ابن هشام وعياش بن ربيعة اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها سنين كسني يوسف ” يجهر بذلك وكان يقول في بعض صلاته : ” اللهم العن فلانا وفلانا لأحياء من العرب حتى أنزل الله : { لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ  آل عمران(128) .والآية لا تنهى الرسول الكريم عن الدعاء على هؤلاء ، لكن تبلغه ببساطة إن الله سينفذ فيهم أمره بكل الأحوال سواء دعا هو أم لم يفعل…

 كما صح عنه إنه قال: أمرني ربي عز وجل أن ألعن قريشا مرتين ، فلعنتهم . و أمرني أن أصلي عليهم ، فصليت عليهم مرتين.. (السلسة الصحيحة 2606) 

هذا عدا إنه لعن (أي دعا بالطرد من رحمة الله ) لأصحاب ذنوب : مثل الراشي والمرتشي ، والنامصة والمتنمصة والواشمة والمستوشمة  والواصلة  والمغيرة لخلق الله…كذلك لعن عاصر الخمر ومعتصرها..الخ، ومن يمثل بالحيوانات، ومن يسم في الوجه (=يكوي وجه الحمار) والمختفي والمختفية (نباشو القبور) بل إنه أوجب اللعن على من يؤذي المسلمين في طرقهم (من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم)(الصحيحة2294)  ،…وكأني بأصحابنا من اللاعنفيين يتأففون من هذه اللهجة ( اللعن) ويعتبرونها غير “تربوية” وستؤدي إلى تنفير العالم بدلا من إقناعهم..كما لو إن الرسول عليه الصلاة والسلام بحاجة إلى التسجيل في واحدة من دوراتهم لكي يتعلم كيف تكون القيادة والتأثير…كما لو إن القيادة والتأثير لا تتطلب الحزم والشدة-أحيانا- والتهديد أحيانا أخرى ..بالإضافة إلى المثال الحسن و حسن الخلق وسواها من أساليب التأثير..

المعيار النبوي الواضح في ” اللعن” يتمثل في “عدم أهلية الملعون للعن” أو في عدم موضوعية اللعن  كما في  حديث (إذا خرجت اللعنة من في صاحبها نظرت فإن وجدت مسلكا في الذي وجهت إليه وإلا عادت إلى الذي خرجت منه)الصحيحة  (1269)(هل هناك من يعتقد مثلا إن الطاغوت لا يستحق اللعن ولذا يخاف على الجموع أن تعود اللعنة عليها؟؟!!).

وعن ابن عباس أن رجلا لعن الريح عند النبي صلى الله عليه و سلم فقال : ” لا تلعنوا الريح فإنها مأمورة وإنه من لعن شيئا ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه ” .(السلسلة الصحيحة 528 )… كما إن النهي عن “التلاعن” ثبت بحديث صحيح (لا تلاعنوا بلعنة الله ولا بغضبه ولا بالنار)(الصحيحة 893) والمعنى في هذا النهي موجود في لفظ “التلاعن” أي أن يلعن بعضكم بعضا أنتم كجماعة مؤمنة ولا أظن عاقلا يعتقد إن هذا النهي هنا له علاقة بلعن الطواغيت والمستبدين من الحكام وأزلامهم !

بل إنه عليه الصلاة والسلام حدد في حديث صحيح جواز لعن الائمة(=الحكام) (..وشرار ائمتكم الذين تبغضونهم وبيغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم)(السلسلة الصحيحة 907) علما إن هؤلاء تكون لهم بيعة ! وليس مثل طواغيت الانقلابات العسكرية والحديد والنار..ورغم ذلك قد (..تلعنونهم!)..

رابعا : يعبر الثوار في احتجاجاتهم عن مشاعرهم بطريقة فطرية و بسيطة ، بلا بروتوكولات معقدة أو وصاية من أشخاص يتصورون إن لهم الحق في التصرف  كما يتصرف بيجماليون مع المرأة العامية في مسرحية برنارد شو الشهيرة ، المعروفة في العالم العربي باسم “سيدتي الجميلة”.. هؤلاء  بوصايتهم هذه يريدون أن يمسخوا ثوار الشارع-الذين لولاهم لما كانت هناك ثورة في الأساس-  فيتدخلون في شعاراتهم ومحتوياتها ويفرضون وصاية على ما يقولون وكيف يقولون،  ربما فقط لأنهم “مثقفون” و”سمعوا بغاندي” و يريدون المحافظة على أخلاق الشارع دون أن يخدش مسامعهم الرقيقة هتافات لا تناسب ذائقتهم..

أعتقد أن هؤلاء لم يعرفوا بماذا كان حسان بن ثابت ، شاعر النبي عليه الصلاة والسلام، يهجو قريشا ، ففي قصائده ما سيجعل هؤلاء يصابون بالخرس ، ورغم ذلك فلم ينهه الرسول عليه الصلاة والسلام عن ذلك، بل قال له “ اذهب إلى أبي بكر ليحدثك حديث القوم و أيامهم و أحسابهم ، ثم اهجهم و جبريل معك ” (السلسلة الصحيحة 1970) أي اذهب إلى أبي بكر ليكشف لك “تفاصيل” النسب وما يعرف عنهم، ثم “اهجهم” وروح القدس معك!…

فماذا كانوا سيفعل هؤلاء لو شهدوا  حسان وهو يهجو قريشا ، هل كانوا سيقولون له “هذه القصائد “شوارعية” ولا تناسب أخلاق الثوار؟…”..لعلهم بحاجة إلى هجاء من نوع هجاء حسان أو أخف قليلا ليدركوا أهمية هذا في تجييش المشاعر والتأليب ضد الخصم..

وعلى ذكر أبي بكر رضي الله عنه ، ما رأيهم فيما قاله مرة ، عشية صلح الحديبية، عندما جاء أحد كفار مكة وقال للرسول الكريم ما قال من إن صحابته سيفرون عنه ويدعونه ، فرد عليه أبو بكر : امْصُصْ ببَظْرِ اللات، أنحنُ نَفِرُّ عنه وَنَدَعُهُ ؟ (البخاري 2581)..أبو بكر ، وليس عمر !..ولا أظن إن لديهم ما يقولونه !..

هل يتعارض هذا مع حديثه عليه الصلاة والسلام “ ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولابالفاحش ولا بالبذي “؟ قطعا لا ..فالحديث عام عن حال المؤمن في حالته الاعتيادية، أما عندما يواجه أعداءه ، فنموذج حسان بن ثابت موجود، وإن لم يشأ ،تعففا أو لأنه لم يتعود أو شيء، فلا داع لممارسة وصايته على الثوار والتفلسف في منعهم من ذلك..(شعارات الثوار حاليا هي المرادف الطبيعي لشعر حسان ودوره في تأليب وتجييش المشاعر ضد العدو)…

علما أن أحد المشايخ المعروفين ، قد وظف حديث يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا مهاجرا فلا تسبوا أباه فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت…الخ). ليلمح إلى كون المحتجين يسبون  الطاغية “الميت”  والد الطاغية الحي  علما أن الحديث( موضوع !! )(سلسلة الأحاديث الضعيفة، 1443)..

لكن قد يقول قائل ، في القياسات المستخدمة حاليا ، إن عدم سب الطاغوت ، هو من باب المصلحة ، أي كي لا يسب أزلام الطاغوت “الله ورسوله” كما في الآية الكريمة :(ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم بما لا يعلمون) الانعام 108 ..والحقيقة هي إن الآية نزلت بخصوص كفار صريحين،كفار يعبدون الأوثان دون مواراة، ولم يكن “فضحهم” بكفرهم سيشكل أي إحراج لهم ،أما أن نقيس “سب طاغية ما” بذلك، ورد فعل مؤيديه  بسب الله ورسوله ، فهذا يشكل-عند وقوعه- إحراجا لكل المتعاطفين مع النظام ومدعي الحياد أو المؤيدين المخدوعين به، فهذا القياس يدل على “كفر بواح” لهذا النظام وللطاغية، وهو بذلك يسقط عن نفسه آخر “حصونه” عند رجال الدين (!!) التقليديين الذين يدعون إنهم يساندونه ما دام لم يظهر “الكفر البواح”..فليظهر الكفر البواح إذن بهذ..لم علينا أن نستر كفره؟ ونقدم له ما يمد في خفائه؟…

خامسا: يتم غالبا إبراز جانب التسامح في فتح مكة ، لكي يتم الترويج المسبق للتسامح على نحو لا يشي بغير الضعف ما دام يتحدث عن التسامح قبل النصر-وهو ما لم يحدث في فتح مكة مطلقا !.. والحقيقة إن الدرب إلى فتح مكة كان معبدا بمعارك حقيقية (ليست لا عنفية) ولولا هذه المعارك لما كان الفتح، والقفز فوق هذه الحقيقة يشبه محاولة القفز فوق السنن الالهية والقوانين العلمية !..كما إن فتح مكة ، الذي أعلن فيه عن عفو شبه عام ، لم يستثن وجود قائمة ممن يجب قتلهم ولو تعلقوا بأستار الكعبة (أربعة رجال وامرأتان) ،عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر فلما نزعه جاءه رجل فقال ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال اقتلوه( صحيح أبي داود 2335). كما إن فتح مكة يجب أن لا ينسينا فتح آخر هو فتح خيبر.. ، وقد ساهم فتح خيبر، بطريقة ما، في التعبيد لفتح مكة، فالدم الذي يهرق يساهم في مرحلة لاحقة في حقن دماء أخرى…

سادسا : استخدامهم الآية الكريمة عن “كون النبي ليس فظا ولا غليظا” منزوعة –ليس من سياقها فحسب- بل حتى من تمام الآية ..فهم يستخدمون “ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك” بينما الآية بتمامها “ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ آل عمران (159)..فالآية تحدد وبوضوح إن هذا اللين جاء “رحمة” من الله لنبيه الكريم،”فبما رحمة من الله لنت لهم” ..وليس قاعدة عامة ينبغي توفرها في كل موقف لكل  قائد أو مربي ، علما أن البعض قد فهم البعض على نحو معاكس تماما ..حتى صار اللين هو الأساس ، بل هو المعيار الأساسي..والنتيجة لا تسر بطبيعة الحال.

******************

ما هو النموذج الأمثل إذن في “الأخلاق الثورية” الحقيقية..الأخلاق التي نؤمن بأنها الأمثل والأكمل والأجدى..؟

إنه أخلاقه عليه الصلاة والسلام ، والذي سئلت عنه عائشة فقالت باختصار وجيز : كان خلقه القرآن..

هذا هو بالضبط خلق القرآن ، ولا شيء فيما مضى من المقال يتناقض مع ذلك حتى لو توهم البعض ذلك..

فالقرآن الكريم  قدم  كل أنواع الخطاب: الإقناع مع الحجة العقلية حينا، والترقيق والترغيب حينا ـ ولكنه شدد مع من يستحق التشديد: شبههم بالأنعام بل أضل سبيلا,,وقال عن البعض “كالحمار يحمل أسفارا”..وقال عتل زنيم عن بعضهم..والزنيم هو الدعي ، اللصيق بالقوم..أي ابن الزنا..

هذا هو القرآن، وهذا خلق الرسول، صاحب الخلق العظيم حقا ، العظيم بمقاييس الخالق العظيم، لا بمقاييس غاندي أو سواه…

هذا هو الثائر حقا..وهذه هي الأخلاق الثورية حقا..هذا هو الرجل الذي غير العالم في ثلاث عقود فقط..

أي أخلاق تدعي الثورية ، وتقول شيئا معاكسا لما أقره عليه الصلاة والسلام، عليها أن تجد “مرجعا” نجح في تغيير العالم في أقل من ثلاث عقود..

ودون ذلك خرط القتاد..

يعني : بالمشمش !

 

 

 

 ..

 

 

إبليس يهمس في إذنيك..أو (تلبيس إبليس ..ضد الثورة)!

هوامش على دفتر الثورة (7)

إبليس يهمس في إذنيك..أو (تلبيس إبليس ..ضد الثورة)!

د.احمد خيري العمري

إبليس المعاصر لا يحاول غوايتنا نحو الشهوات فقط، كما تعودنا أن نتخيل..إنه لا يحاول جرنا إلى ذلك الموقع الإباحي أو تلك الغواية فحسب..بل هو يحاول أيضا أن يجرنا نحو القعود..نحو أن لا نفعل شيئا تجاه الظلم والفساد..تجاه أن نتعود على الواقع المحيط بنا مهما كان مخالفا لكل ما فطرت عليه ..

إبليس يصطادك ليس فقط نحو فعل المعاصي التي تراها واضحة وتستغفر بعدها وتتوب..بل نحو المعصية الأكبر..نحو الكبيرة التي ليس بعدها كبير…نحو “اللافعل”..نحو أن تهز كتفيك بلا مبالاة تجاه واقعك دون أن يعني لك تغييره شيئا..نحو أن تستمع إلى نشرة الأنباء التي تخص أخوتك واخواتك من أبناء بلدك فلا تعيرها اهتماما كما لو كانت نشرة الأنباء في قارة أخرى قبل خمسة عقود..

هذا هو رهان إبليس الأكبر..أن يجعلك جزءا من السكوت على واقع تجب “الثورة عليه”..أن يجعلك من أتباعه عبر تحويلك إلى شيطان أخرس..وأحيانا يحولك إلى شيطان ناطق عبر ترويجك للسكوت و القعود..

إبليس يفعل هذا عبر إقناعك إن السكوت هو الصواب..إن القعود هو الوضع الطبيعي..نادرا ما يفعل ذلك مع المعاصي الأخرى—لأن الشهوات تتكفل بك..لكنه يحتاج لذلك  مع القعود الذي يحولك إلى شيطان أخرس..ومع تحويلك إلى شيطان ناطق يروج للقعود والسكوت يثبط الآخرين ..

لأبليس وسائل متعددة للتلبيس عليك…يستعملها أحيانا كلا على انفراد ..وأحيانا دفعة واحدة عندما يستشعر خطرا يمس السكون والرضا بالواقع..بعضها شديد الإتقان..يبدو كما لو كان “كلام مثقفين” منمق و مزوق..لكنه خاوي وأجوف ويهدف  إلى أن يجعلك أجوفا كذلك..

من ضمن هذه التلبيسات الإبليسية ما يلي :

أولا- سيقولون لك بالنيابة عنه (بعضهم أقارب وأصدقاء وأشخاص تحترمهم)…الإصلاح يبدأ من أنفسنا أولا..عندما نكف عن رمي الأوراق في الشارع..عندما نكف عن التأخر عن العمل..عندما نكف عن الكذب..سيكون من حقنا المطالبة بالإصلاح..سيكون من حقنا الثورة..

إنها خدعة أنيقة جدا..خدعة تهمس لك أن تبدأ بنفسك و لا تقول لك مباشرة إن مطالبك  غير عادلة..لكنها تقول لك إن الإصلاح فردي وطويل الأمد  ويلمح لك إن “المعجزة” ستحدث  لاحقا عندما يقوم كل فرد بدوره كما يجب..

كثيرون يقتنعون بهذا التلبيس الإبليسي للأسف..خاصة إن أقوالا لعلماء ومفكرين تمازجت معها وأعطت معنى مقاربا..لكن الحقيقة هي إن هذه الخدعة تريد فقط إيقاف عجلة الثورة والتغيير لا أكثر ولا أقل..ومثلها مثل أن نقول لطفل صغير نعلمه الصلاة أنه يجب أن لا يصلي إلا إن أحس بالخشوع الكامل..مثل أن نقول لكل الطلبة أن يكفوا عن الدراسة إذا لم يحوزوا الدرجات الكاملة..أنه مبدأ “الكل أو لا شيء” الذي يقنع الفاشلين بالكف عن المحاولة..بل الذي يتحجج به الفاشلون ..

ثم إن هذه الفرضية – الخدعة تتناسى أن للأنظمة الفاسدة دورا كبيرا في عدم شعورنا بمواطنتنا..أننا عموما لا نشعر إننا نملك أوطاننا..دوما نشعر إنها مزرعة لهم ولعائلتهم ..لذا لا تفرق كثيرا معنا أن رمينا القمامة في الشارع أو تأخرنا على العمل..لا أقول إن ذلك صحيح..لكني أقول إنه مرتبط بالأنظمة..والمثال المصري خير دليل على ذلك..لقد وعى المصريون مواطنتهم أكثر عندما ثاروا على النظام الفاسد وأزالوه..وانطلقوا بعدها يزيلون القمامة ..بل ويتعهدون بعدم إلقائها مجددا..

ثانيا- سيقول لك أن النتيجة غير مضمونة!..نعم بالتأكيد..يشبه ذلك أن تمنع زيجة قبل وقوعها بحجة إن النتيجة غير مضمونة..أو أن تخبر زوجين تزوجا للتو أن لا ينجبا لأنه يمكن أن يلد طفلهما مشوها..أو عاقا ..أو يمكن أن يموت وهو صغير فيتحطم قلبيهما على فراقه..أو أن تخبر صاحب مشروع جديد أن لا يحاول لأن نتائجه غير مضمونة..كل شيء غير مضمون في هذه الحياة..بالذات الأمور المهمة التي تحدد مصيرك..عليك أن تخاطر..هذا جزء من النجاح (بالتعريف).. أن يكون هناك هامش للخسارة..حتى في الحالة المصرية ، التي هي النموذج والمثل، لقد حاول الشباب كذا مرة ، وفشلوا كذا مرة..ودفعوا ثمنا من حريتهم..وبعضهم دفع حياته..لكن الشباب أصروا..ثم نجحوا..

بالتأكيد النتيجة غير مضمونة..لكن ما هي ضمانات “النجاة” في البقاء في الوضع المستقر على الفساد والاستبداد..؟ أن تهاجر بحثا عن رزق أفضل وربما جنسية أخرى؟..هل هذه هي الضمانات؟؟؟…ستبدو محاولات الثورة مضمونة أكثر…ومجدية أكثر للوطن..

ثالثا-سيقولون لك وهم يبدون حرصا على سلامة البلد قبل كل شيء..سيقولون :لكن لا يوجد بديل..عندما يكون هناك بديل..ربما سينفع ذلك..

إذن عليك أن تنتظر البديل..وكيف سيأتي البديل؟ هل سيتم استيراده؟..أم سيتم استيلاده كالعادة ؟..بل إن السؤال عن البديل كفرد هو جوهر المشكلة..البديل لا يجب أن يكون فردا لأن ذلك هو أساس المشكلة..البديل هو نظام جماعي يفرز رموزه وشخوصه التي لا تهيمن على النظام..المثال المصري مرة أخرى نموذج على ذلك…

رابعا- سيتظاهر إبليس بالتدين وهو يقول لك :ليس هناك دليل من القرآن والسنة على فعل ذلك!!…نعم..وليس هناك دليل على التنفس أيضا..فلنكف عن التنفس حتى نختنق ونموت لأننا لم نجد دليلا على مشروعية التنفس..المطالبة بالإصلاح تشبه التنفس..بل هي تنفس أيضا..أنها في صلب حياتك..ومن يطالبك بالكف عن المطالبة نطالبه هو بدليل وليس العكس..ومن يأتينا بأدلة طاعة ولي الأمر نقول له هل سنكذب هذه الكذبة ونصدقها..من جعل هؤلاء أولياء أمر أصلا؟..ولي الأمر يجب أن يطيع الله ورسوله –بنص الآية- لكي تكون له طاعة..وهؤلاء فاسقون في أحسن أحوالهم وعندما تصل إلى الحد الأقصى من حسن الظن بهم..فكيف نطيعهم وما معنى الطاعة لهم؟..سيلغي ذلك كل النصوص اللاحقة التي يستشهدون بها..على ضعف بعضها واجتزاء بعضها الآخر..

بل إني أزعم هنا إن هناك دليلا من القرآن لمشروعية الثورة..الدليل ؟..وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ..هل قال إعملوا ثورة؟..لا ..لكنه فتح باب العمل على مصراعيه..يشمل ذلك الثورة وما دونها ما دامت لا تصطدم بنص شرعي..إن كان العمل يتطلب الثورة نعم..فقل إعملوا ثورة..ومن يحسن الظن بأنظمتنا بعد عشرات السنين التي قضتها في حكمنا، ويعتقد إنها يمكن أن تصلح شيئا بعدما كرست الفساد، يكون بحاجة إلى مراجعة لعقله أو نيته أو كليهما..

خامسا- سيقولون :بعض من يؤيدون الثورة لديهم ثأر “نائم” مع النظام لهذا السبب أو ذاك..نعم ربما..وماذا في ذلك؟..هل هناك من أعطى لهم حقوقهم كي ينسوا هذا الثأر..هل اعتذر النظام عن ما فعله بهم؟..هل أعطى لهم جثث أحبابهم وأقربائهم..أم أن الجريمة تتحلل كما تحللت تلك الأجساد..يقولون في أمثالنا إن العمل السيئ يركض خلف مرتكبه..وهاهو قد جاء اليوم..أليست هذه هي السنن؟..أليس هذا هو التدافع؟؟.

سادسا-سيقولون لك أيضا..الأمن مهم..إن حدث شيء فسنفقد الأمن..وهو قول يشبه إن تقول لشخص ما أن يبقى في الزنزانة لأنها بالتأكيد أكثر أمنا من شارع مزدحم قد تدهسك فيه سيارة مسرعة وقد تتعرض فيه لحادثة نشل…كل من يتحدث عن الأمان والاستقرار لا يقصد أكثر من أمان الزنازين والاستقرار فيها..هذا هو الأمان الذي يريدون بقائه..

سابعا- سيقولون لك محذرين(في بعض البلدان): هناك طوائف!..نعم كان هناك دوما طوائف..مالجديد في ذلك؟..لم نفترض إن هذه التعددية هي خطر..إن كانت كذلك حقا فهذا يعني إن هذا النظام قد فشل في توحيد المجتمع..وهذا وحده يشرع إزاحته..

(على ذكر الطوائف والخوف منها..أول مرة في حياتي وربما في تاريخ البشرية..نرى الأكثرية تخاف من هذا الموضوع…!!)

سابعا- بعض من يؤيدون الثورة على مواقع النت يسبّون ويقولون ألفاظا سيئة!!..وهذا يدل على إنهم سيئون!!..يا لطيف..يا رجل قل غير هذا..ممنوع على الضحية حتى أن تسب !..ممنوع أن تدافع عن نفسها ولو بكلمة ؟..ضد من؟ ضد الجلاد الذي عرف دوما بان البذاءة هي لغته اليومية لا الاستثناء العابر..بل الذي هتك الأعراض –عمليا- لا عبر ألفاظ فحسب..

ثامنا- سيقولون لك ..بعض من يقف ضد هذه الثورات رجال كبار في السن والمكانة ولا بد أنهم أكثر فهما وحكمة من هؤلاء الشباب..

أسمع جارة في مكة تقول ذلك لسمية أم عمار..أبا الحكم أكثر حكمة من هؤلاء الشباب ..لاحقا صار أسمه” أبو جهل”…

تاسعا-مؤامرة..مندسون..أجندة..تخريب..استهداف..الخ..

وعل الرغم من أنه لا دليل على حرف واحد من هذا..إلا أنه من المهم أن نذكر إن كل الأنظمة التي قامت الثورات عليها –لتشعل فتيل الثورات لاحقا-هي أنظمة عميلة بامتياز..أنظمة أخرى كانت حريصة دوما على حفظ حدودها أمنة مع العدو..رغم إغراقنا بشعارات المقاومة..

عاشرا- سيهمسون أخيرا،إن لم تكن قد اقتنعت بكل ما فات : يا أخي الإنكار في القلب..نعم..لقد أنكر القلب بصمت حتى تورم..حتى أصيب بالذبحة..قرر أخيرا أن ينفجر كي لا يكون كمدا…

**********

سيكون لإبليس دوما أقوال جديدة..يهمس بها في إذنيك..يجرك جرا إلى السكون والسكوت والتثاقل..

ويجب أن يكون هناك دوما من يفند أكاذيبه ..!

 

من غار حراء إلى “بارنز أند نوبلز “..

غيرة 2

من غار حراء إلى “بارنز أند نوبلز “..

د.أحمد خيري العمري

غيرتي الثانية من أمريكا كانت غيرة يجب أن يشعر بها كل كاتب عربي…. ويمكنني أن أضيف فأقول: كل كاتب مسلم.. وأستدرك فأقول: كل مسلم… ثم أستدرك مجدداً فأقول: إن كلمة غيرة مخففة أكثر من اللزوم.. ربما  كلمة قرحة هي الأنسب.. أو ربما كانت كلمة جلطة “كامنة” أكثر تعبيراً عن الأمر.

نعرف جميعا الأرقام الكارثية لمعدلات القراءة في الوطن العربي، وكما مع كلّ ما هو كارثي عندنا، فإن الإحصاءات لا تحرّك فينا قيد أنملة من رد الفعل.. نعتبرها دوما تخصّ أشخاصاً آخرين ونتجاهل مدلولاتها… لكن هذه الأرقام ستصبح مثل أشباح تطاردنا عندما نرى الفرق الكبير بين أرقامنا وأرقامهم مجسّداً في أشخاص نراهم يتحركون قربنا، ويمشون في الشوارع، ويأكلون الطعام في الأسواق.

طاردتني تلك الأشباح في كلّ مكان في واشنطن العاصمة.. في المترو.. في الحافلة.. في الشارع.. في كلّ مكان.. أشباح لا يراها غيري ولا تخيف أحداً سواي.. لكنها كانت تخيفني لأنها كانت تقول لي كم نحن بعيدون عما يجب أن نكونه!.. وكم هم قريبون- ولو شكلياً- من بعض ما كان يجب أن يكون جزءاً أساسياً من عاداتنا اليومية!.. فإذا بالواقع يكون بعيداً لدرجة أن من يفعلها عندنا قد يبدو غريباً وقد يوصم  بكلمات من نوع “معقّد” أو حتى “مجنون”..

أتحدث عن عادات القراءة عند الأمريكيين، رغم أنهم قلقون أيضاً على انحسارها مقارنة  بمعدلاتها قبل عقود، ولكنها لا تزال كفيلة بإثارة الغيرة واستنبات القرحة والحسرة عند كاتب عربي يعرف أن كلمة كتاب ناجح في بلاده تعني خمسة آلاف نسخة، وكلمة كتاب ناجح في أمريكا تعني خمسة آلاف نسخة في اليوم!

يقرأ الأمريكيون في كل مكان.. ليس في انتظارهم فقط بل حتى أثناء مسيرهم لمكان ما.. بمعنى أنك قد تصادف في طريقك شخصاً ما يسير مسرعاً وهو يذهب لعمله أو جامعته، وبدلا من أن يركز في الطريق، أو يتأمل في المارة (والمارات!)؛ فهو يحمل كتاباً في يده ويقرأ فيه (كما يفعل الطلاب عندنا مع كتبهم الدراسية في مواسم الامتحانات).. وتكون متأكدا من أن هذا الكتاب لا   علاقة له بامتحان على الإطلاق.

هل أحتاج إلى أن أقول إن ما تسبّب في غيرتي الأولى (النظام والانتظام) قد نتج أصلاً عن عادات القراءة.. هل أحتاج إلى أن أصرّح أن القراءة وإن عوملت كعادة أو هواية  –مثل الرياضة والتسوق وغيرها مما يملأ وقت فراغ الأمريكيين- إلا أنها كانت سبباً أساسياً في نشوء أمريكا القوية.. كما كانت وستكون دوماً سبباً في نشوء أي مجتمع قوي بغض النظر عن رأينا في ثوابت هذا المجتمع وفي قيمه..

ولدت أمريكا كأمة مستقلة في منحنى تاريخي مهم، شهد انتشار واحدة من أهم مخترعات البشرية: الطباعة… لا أقول اختراع.. بل انتشار هذا الاختراع .. وقد كان لانتشاره في أوروبا أولاً وأمريكا ثانيا –قبل استقلالها- أثرٌ كبيرٌ يفوق بكثير أثر الكهرباء والانترنت على حياتنا اليومية.. قبل الطباعة كانت الكلمة المكتوبة محتكرة من قبل فئة معينة تمتلك المال، وتتمكن من القراءة.. الطباعة حررت الكلمة من هذا الاحتكار، صارت الكتب أكثر انتشارا وأقل كلفة.. ولولا الطباعة لما كان يمكن للإصلاح الديني الذي قاده لوثر أن ينتج ما أنتجه.. قبل لوثر كانت الكنيسة تحتكر فهم الكتاب المقدس، وكان عموم الناس ملزمين بهذا الفهم لأنهم ببساطة لا يملكون الكتاب المقدس ولا يستطيعون قراءته.. الطباعة –التي بدأت قبل خمسين سنة من حركة لوثر الإصلاحية مهدت للحركة، ما كان يمكن لأفكار لوثر أن تهزم الكنيسة لو كان الكتاب المقدس لا يزال محتكراً من قبلها.. لكن خمسين عاماً من الانتشار للكتاب المقدس بين عموم الناس كانت رصيداً إضافياً للوثر.. (يشبه ذلك إلى حد بعيد ما يحدث من نتائج كبرى بسبب ثورة التواصل الاجتماعي كالفيس بوك والتويتر والانترنت عموما.. فقد تحررت المعلومة هنا من قيد المؤسسات الرسمية.. فكان أن أحدثت أثراً مختلفاً جداً)

ولدت أمريكا في خضم هذا الغليان.. الكلمة المطبوعة تنتشر، الأمية تقلّ، ولأن أمريكا  كانت بعيدة جداً عن كل أشكال السلطات السائدة والمتناحرة في أوروبا، فقد كان هناك نوع من الحرية سهّل من طباعة ونشر الكتب التي كانت تعاني من القيود في العالم القديم..

“الكلمة المطبوعة” و أمريكا ولدا  في وقت واحد تقريبا.. وهذا جعل ارتباطهما وثيقاً للغاية..

كانت الدولة الناشئة تستورد من الكتب أكثر مما تستورد من أي شيء آخر.. وسرعان ما صارت مبيعات الكتب فيها تفوق مبيعاتها في الدولة -الأم: بريطانيا.. وكذلك صارت معدلات الأمية أقل من مثيلاتها في العالم آنذاك.. كانت تجمعات المستوطنين الجدد تناقش كتباً عميقة مثل “المنطق العام” لتوماس بين… وكان تشارلز ديكنز-على سبيل المثال- يعامل كما يعامل اليوم نجوم السينما والاستعراض…

دخلت القراءة في صلب الأمة الناشئة ، فصارت جزءاً من “عقل جمعي” جديد كان يتشكّل بالتدريج.. هل كان محض صدفة أن حق التصويت والانتخاب في الانتخابات منذ مرحلة ما بعد الاستقلال قد اقتصر على القادرين على القراءة والكتابة فحسب أولا؟ .. أليس ذلك تحديداً لمواطن تلك الدولة الجديدة بكونه ذلك القادر على القراءة؟.. هل يمكن إلا أن ينتج ذلك شعباً يقدر القراءة و يعتبرها من أساسات حياته اليومية؟.. صحيح أن منع الأميين من التصويت عُدَّ إقصاءً ضد السود وسكان أمريكا الأصليين (وهو أمر صحيح إلى حدّ بعيد) لكنه في الوقت نفسه شكّل ولابد دافعاً لهؤلاء لتقييم أنفسهم من جديد بناء على هذا المعيار..

لا أقول كل هذا لتمجيد أمريكا.. فالقراءة وسيلة وليست غاية بحدّ ذاتها.. صحيح أنني ككاتب أفضّل القراءة على سواها، وأقول في نفسي “ونعمت الغاية!”.. ولكن ذلك محض تحيز فلا تلقوا له بالاً.. أود من خلال كل ذلك أن أنوّه إلى أن هذه الوسيلة لعبت دوراً في قوة أمريكا وفي نشر وتكريس أفكارها ومبادئها و ثوابتها الأساسية (بغضّ النظر عن توافقنا أو اختلافنا مع هذه الثوابت) إلا أن انتشار القراءة في أمريكا ساهم في تكريس ما قامت أمريكا عليه من قيم ومبادئ.. كانت القراءة هي “الحقنة” التي تم من خلالها نقل كل ما يجب نقله من معايير وقيم للأمريكان.. ولعل الانحسار –النسبي- لمعدلات القراءة (تبقى عالية جدا بالمقارنة معنا!) وتغير نوعية الكتب المقروءة يعكس تغير المرحلة الحضارية.. فعندما كانت أمريكا في مرحلة النمو، كانت الكتب الرائجة تعكس القيم التي ستكون سبباً في قوتها ( وهو ما لا يشترط أن يكون سبباً في قوة غيرها بالضرورة): المنطق العام لتوماس بين (الذي قيل إنه لولاه لما كانت هناك أمريكا )، الكتاب المقدس (الذي قُدم دوما بقراءة مختلفة جعلت من أمريكا هي أرض الميعاد التي تحدث عنها الكتاب المقدس)، سيرة بنجامين فرانكلين، مستوطنة بلايموث (يوميات المهاجرين الأوائل)، أوراق الاتحادي (الذي يحكي قصة الدستور الأمريكي)..، حتى الروايات مثل: كوخ العم توم، ذهب مع الريح، كلها شكّلت أمريكا على النحو الذي جعل منها قوة عظمى بكل ما لها من إيجابيات وسلبيات… وكلها عكست قيماً معينة استندت عليها أمريكا في نهضتها..

أما اليوم فالكتب الرائجة تعكس طوراً مختلفا جداً من أطوار الحضارة الأمريكية.. طور الترف والانهيار (لا يعني ذلك أن أمريكا ستنهار غداً ولكنه يعني أنها استنفذت الكثير من قيمها الأساسية).. الآن الرائج من الكتب يرتكز غالباً على الإثارة (هاري بوتر) والتشويق(دان براون) والصرعات الفكرية العابرة التي لن تصمد لعقد قادم، والتي يصل البعض منها لحدود الدجل الصريح ( كتاب السر مثلا).. والكثير من الترهات التي تعامل عندنا كما لو كانت علماً محسوماً، وهي مجرد صنعة يغلب عليها الحيل والحذق أكثر من أي شيء آخر…

طبعا لا ينفي ذلك كله وجود كتب مهمة فكرياً وأدبياً لها قراؤها ولها جمهورها.. لكن الرائج أو ما يعرف بأفضل المبيعات حالياً يكون في خانة “التسلية” بتنوع تصنيفاتها.. وهو نتيجة نهائية لخضوع النتاج المطبوع لمتطلبات صناعة التسلية التي سيطرت على كافة وسائل الإعلام في الولايات المتحدة والعالم تباعاً..

أين نحن من كل ذلك؟ نحن أسوأ بكثير. لقد مروا هم على الأقل بمراحلهم من القوة والنمو إلى الترف والضعف، وهذا شأنهم.. فما بالنا نحن نحرق المراحل ونتجه فوراً إلى “ثقافة التسلية” والدجل المعاصر مثل “أستطيع أن أجعلك مليونيرا”.. ..الخ.. كما لو أننا تخلصنا من كتب الدجل والشعوذة الخاصة بنا ( تراثية و معاصرة!).. وحتى هذه تبقى أرقامها هزيلة بالمقارنة مع عدد المتحدثين بالعربية.. مصطلح “الأفضل مبيعاً” عندنا قد لا يعني أكثر من بضعة آلاف نسخة، وعندما يتجاوز كتاب ما هذه الآلاف فإن هذا هو الاستثناء الذي  يوضع غالباً في خانة “كتب الجنس وأدب الفراش” أو “تفسير المنامات” أو “كتب الطبخ” أو “الغرائب والعجائب والنوادر” التي تلهي القارئ عن واقع غريب عجيب لكننا تعودنا عليه لدرجة التبلد وموت الإحساس…

إذا كانت أمريكا قد ولدت مع ولادة الكلمة المطبوعة، وحملت بصمة ذلك معها.. فإن أمتنا (أقصد الأمة التي كنا ذات يوم ننتمي لها) قد ولدت تحديدا مع الكلمة المقروءة.. ولدت عبر الكلمة المقروءة وليس بالتزامن معها.. لا يوجد أمة في التاريخ تماهت مع كتاب ما كما حدث مع أمتنا.. لا يوجد دين في تاريخ الأديان كانت كلمته الأولى هي “اقرأ”.. لا يوجد تجربة إنسانية حررت الأسرى لقاء تعليمهم القراءة والكتابة.. (هل من معنى أعمق من هذا لفكّ الرقبة؟…أن تفكّ رأسك وعقلك من ما يمنعه من الحركة؟ أن يكون فكّ الحرف مقدمة لفتح العالم ..).

اقرأ –الكلمة الأولى- وهي أيضا جذر للفظ “القرآن ” – الكتاب الخاتم.. كانت بمثابة فكّ لرقبة الإنسان الجديد قيد التكوين من كل ما يمكن أن يقيّد هذه الرقبة – وما فوق هذه الرقبة- لصالح مؤسسات الاستغلال والملأ الحاكم التي يمكن لها أن تقنع هذه الرقبة بأن حريتها هي في عبوديتها لأهوائها الشخصية في سبيل أن تزيد أرباحها وتمتلئ جيوبها…

اقرأ التي هبطت في الغار كانت قراءة جديدة للعالم، رؤية جديدة للعالم و لكل ما فيه عبر أبجدية جديدة.. أبجدية تمنحك الحصانة والمناعة، فلا تخاف من أفكار جديدة أو أيدلوجيات غازية.. لأنك لن تقرأها إلا من خلال “اقرأ” القرآنية.. لن تقرأها إلا لتجعل تفاعلك مع هذا الجديد يزيدك قوة وتأخذ ما يفيدك وتلفظ ما يضرك..

“اقرأ” التي نزلت في الغار، كانت عدسة جديدة وضعها الوحي الخاتم على عين الأمة الجديدة قيد التكوين..

صار القرآن هو العين الذي ترى هذه الأمة من خلالها  كل شيء.. تقيّم من خلالها كل شيء..

وبعدها يصبح كل شيء مختلفاً..

*******

حدث هذا في “غار حراء”..

فماذا عن بارنز أند نوبلز؟؟؟

أغلب القراء العرب  لن يعرفوا “بارنز أند نوبلز” إلا إذا كانوا قد زاروا أمريكا. الأمر ليس سواء مع ماكدونالد أو  بيرغر كنغ أو هارديز أو سب واي أو كي أف سي.. أو  تيفاني أو سيفواي .. أو غيرها من المتاجر والمطاعم الأمريكية المنشأ التي نتعثر بها في بلداننا أكثر مما نجدها في أمريكا.. لكن لا “بارنز أند نوبلز” في بلادنا..

بارنز أند نوبلز هو المكان الوحيد الذي أفتقده حقا في أمريكا. أفتقد خفق قلبي عندما أدخله فأجد تلك الصفوف اللامعة البراقة مما يثير لعاب ديدان الكتب وقوارضها من أمثالي..

بارنز أند نوبلز هي أكبر سلسلة مكتبات في الولايات المتحدة، بما يزيد عن 1500 فرع في عموم الولايات المتحدة.. يمكنك أن تذهب وتقرأ وتتصفح الكتب، وتقرض فيها كما تشاء من الصباح حتى المساء دون أن يأتي الموظف المختص وهو يسألك “أية خدمة؟” ويقصد: إما إن تشتري أو تخرج من هنا قبل أن أطردك.

تستطيع أيضا أن تحصل على عروض تفاوضية بأسعار مخفضة.. وأن تشترك لتحصل على تخفيض.. وأن تحصل على عروض خاصة..

لا أريد أن أتمادى أكثر في الدعاية لبارنز أند نوبلز.. ولا أن أبين افتقادي الكبير لفرعه في أرلنغتون حيث كنت أسكن وأقضي أغلب أوقات فراغي.. (ورصيد حسابي!!)..

كل ما أريد أن أقوله هو أن هذا كان يجب أن يكون عندنا..عندنا.. وليس عندهم.. أو على الأقل عندنا كما عندهم.. عندنا قبل عندهم.. نحن من ابتدأ ديننا باقرأ.. نحن من ولدنا باقرأ.

كان يجب أن يكون و لكن.. ولكن.. ولكن…

جواب “لكن” لن يمر دون أن يفجّر تلك القرحة.. وأؤكد لكم أن هذا  أمر لا تريدون مشاهدة (أو قراءة) نتائجه..