أرشيفات التصنيف: أخترنا لك

اختيار مقال قديم

ما الذي حدث لمفهوم العدالة االاجتماعية في الإسلام؟

مالذي حدث لمفهوم العدالة الاجتماعية في الاسلام؟

د.أحمد خيري العمري – العرب القطرية

28-7-2008

سمير أمين مفكر ماركسي رصين ومعروف، وهو من الفئة القليلة من المثقفين الماركسيين اليساريين الذين لم يتخلوا عن مبادئهم – عقب انهيار المنظومة الاشتراكية – ولم يتحول، كما فعل الكثيرون، من ماركسيي الأمس، من الوعظ عن الصراع الطبقي و دكتاتورية البروليتاريا  إلى التبشير بالليبرالية، وباقتصاد السوق وبجنة أمريكة الموعودة.

بعض ماركسيي الأمس تحول من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين بمنتهى السهولة، وبعضهم لم يفعل ذلك لكنه آثر الصمت وربما بكاء الأحلام القديمة. سمير أمين ليس من هؤلاء ولا من أولئك. إنه لا يزال مؤمناً بعقيدته ولا يزال يبشر بما يسميه “العولمة الاشتراكية” – وبحق الطبقات المسحوقة من كل الشعوب في نضالها ضد الطبقة الرأسمالية و “الامبريالية العالمية”، و ضد عملائها من “الكومبرادورية المحلية”!.. وهي ألفاظ صارت شبه مفقودة في الخطاب المعاصر. وهذا كله يحسب لسمير أمين لا عليه. هذا بالإضافة إلى أنه كاتب متميز فعلاً وأبحاثه عن العولمة، مثلاً، في غاية النضج والرصانة. ويمكن اعتبارها مراجعَ علمية بين أكوام الكتب التي أضيفت إلى هذا الموضوع.

لكن هذه الرصانة فارقت أمين في دراسته الأخيرة المعنونة “الإسلام السياسي في خدمة الإمبريالية” المنشورة في الـmonthly review  (ديسمبر 2007) – والتي أعيد نشرها مختصرة في الرأي الآخر اللندنية (عدد آذار 2008) وترجمت كاملة إلى العربية في بعض مواقع الشبكة.

ومضمون الدراسة واضح من عنوانها المثير! وطبعاً من المتوقع من مفكر ماركسي (و من أصول غير مسلمة ، ان كان هذا مهما هنا)  مثل أمين أن لا يحمل أي تعاطف مع “الإسلام السياسي “، لكن دراسته تتجاوز هذا إلى ما هو أبعد بكثير، ليس بالتعميم فحسب، ولكن أيضاً بنظرية المؤامرة التي يستخدمها الإسلاميون عادة ضد مناهضيهم (وبمهارة أكبر!) – فبالنسبة إلى أمين، فإن الإسلام السياسي “ليس ضد الإمبريالية“، بل هو حليفها الثمين أيضاً (!) وليس هذا فقط بل “الإسلام السياسي هو من فعل الإمبريالية الكامل مدعوماً بالطبع من قوى الرجعية الظلامية ومن الطبقات الكومبرادورية التابعة لها..”، بل إن أمين ينوه، إلى أن “البناء النظري الذي منح الشرعية للإسلام السياسي (التي يرجعها أمين للمودودي) كانت قد صيغت، بحسب أمين، “بالكامل على يد المستشرقين الإنكليز في خدمة صاحب الجلالة البريطاني!” وهكذا فإن أمين لا يكتفي بالتعميم، بل يذكر أسماء حركات الإسلام السياسي التي يتهمها أنها كانت صنيعة مباشرة للإمبريالية العالمية، وبضمنها، وبكل بساطة، حركة حماس التي يقول عنها ” إن إسرائيل دعمتها لإضعاف التيارات الديمقراطية والعلمانية في المقاومة الفلسطينية! ” وخلال كل ذلك، يختزل أمين قوة الشارع الإسلامي إلى أنه “الصورة المعكوسة لضعف اليسار المنظم”!! أي إنه لا يجد تفسيراً – حتى ولو من وجهة نظره الماركسية – لتنامي الظاهرة الدينية وتعدد امتداداتها، غير ضعف ” رفاق النضال في اليسار المنظم!”..

 لا أكتب هذا كله للدفاع عن الإسلام السياسي، فهذا التيار، له كبواته وسقطاته، كما أن له منجزاته ونجاحاته، لكن هذا لا يخص الإسلام السياسي فقط، بل يخص التيارات كلها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار..

الذي استوقفني في كل هذا هو شيئين اثنين: أولهما أنه بتجاوز التحيز الموجود في رؤية أمين، فإنه يمكن فعلاً ملاحظة تراجع حاد لخطاب “العدالة الاجتماعية” الذي استخدمه سابقاً الإسلام السياسي، حتى المصطلح نفسه، الذي كان عنواناً شهيراً لواحدة من أهم مؤلفات سيد قطب وأبكرها، اختفى تقريباً من الأدبيات الأحدث، ناهيك عن الاختفاء التام لمصطلح “اشتراكية الإسلام” – الذي كان عنواناً شهيراً أيضاً لواحد من مؤلفات  أهم مفكري الإسلام السياسي. والأمر لا يقتصر طبعاً على اختفاء المصطلحات من الخطاب السائد.، بل على تراجع الاهتمام بموضوع العدالة الاجتماعية بتداعياته كلها، لصالح موضوع الهوية وصراع الحضارات، والمشاركة الديمقراطية..الخ.

ثاني ما يجب الانتباه إليه هنا، هو أن أمين، حسناً فعل إذ صبَّ اتهاماته على “الإسلام السياسي” فحسب، لأن الإسلام أكير من أن يختزل بحزب او بحركة سياسية مهما حاولَ البعض اختصاره بذلك. فهناك إسلام “اجتماعي” شديد التجذر في الممارسات والوجدان الاجتماعيين، وهناك أيضاً “إسلام فكري وثقافي”، وهو ما يهمني أن أميزه هنا، ذلك أن “المفكر الإسلامي” ليس مضطراً أن يكون تابعاً للسياسي المسلم، وهو ليس مضطراً أيضاً لأن يصطدم به، لكن حسابات الإسلام السياسي قد تختلف عن حسابات الإسلام الفكري، السياسي المسلم قد يضطر، بحكم طبيعة السياسة، أن يسايس، أن يساير، أن يكون له أهداف مرحلية تختلف عن الهدف النهائي – وسيجد له حزمة من الأغطية الشرعية فيما يفعل، سواء اختلفنا أو اتفقنا معه في مصداقيتها – لكن ما وجه الاضطرار بالنسبة إلى المفكر المسلم؟.. إن مرجعيته الوحيدة يجب أن تظل للإسلام ولفكره ولرؤيته وليس لحزب أو تيار سياسي قد يغير من تكتيكه لهذا الظرف أو ذاك. لن ينتج هذا بالضرورة صداماً، بل قد ينتج “ترشيداً” على المدى البعيد.. فالسياسي المسلم قد يضطر، بسبب من قواعد اللعبة السياسية، أن يتحالف مع طبقة “رجال الأعمال”، لكن هذا لا يعني أبداً أن “إسلام رجال الأعمال” أو ما يسمى بالتدين الجديد المنتشر في الطبقات الأرستقراطية ونواديها الاجتماعية والمدعوم (فضائياً) يجب أن يكون هذا النموذج الوحيد – لا أحد يمكن له أن يسلب حق هذه الطبقة في تدينها وحتى في  امتلاك مظاهر  مميزة لهذا التدين ، لكن هذا يجب أن لا يؤثر على مفهوم العدالة الاجتماعية في الإسلام، المفهوم الذي هو أبعد وأعمق من مجرد “عمل خيري” و “جمع تبرعات” وصدقات وإحسان – بل هو مرتبط بمفهوم أكثر شمولية للعدالة يرتكز على منع احتكار تداول الثروة عند فئة محددة من الملأ، والتحكم بآليات تمنع تزايد الفجوة بين طبقات المجتمع، والتركيز على كون “الماء والكلأ والنار” – أي مصادر الطاقة والثروات الطبيعية في مجتمع ما – هي ملك للمجتمع ككل وليس من حق أحد، أو فئة الاستئثار بأرباحها، كما أن مفهوم الزكاة نفسه – ومنع الاحتكار – يعكسان “آلية تدخل” تشكل عتلة توازن ضد تدخل “الملأ” المستمر من أجل الاستحواذ على المزيد من الثروة ( في الوقت الذي يعد ذلك التدخل اليوم تحديا لقيم العولمة و قرارات الملأ العالمي و صندوق النقد الدولي).

مفهوم العدالة الاجتماعية إذن جزء أصيل من ثوابت إسلامية لا يمكن المساس بها في جوهرها، واختزالها إلى محض تكافل اجتماعي، أو حتى مجرد “أمن اجتماعي” – لا يجب أن يكون أكثر من تكتيك سياسي عابر، تمليها شروط لعبة سياسية على أمل أن تكون المشاركة، سبيلاً لتحسين الشروط نفسها.. وتساهم في بناء العدالة المنشودة..

إن الظرف العالمي كله قد جرَّ الإسلامين (السياسي، والثقافي) إلى التأكيد على “الهوية” الإسلامية في مواجهة التحديات الحضارية التي تستهدفها، ولكن العدالة الاجتماعية بالذات يجب أن لا يضحى بها على “مذبح الهوية” – بل على العكس، يجب التوكيد على أن ما يقع خلف هذه الهوية من قيم جوهرية، تشكل العدالة الاجتماعية أحد أهم أركانها وأبرزها..

في خضم التحالفات العابرة هنا وهناك، علينا جميعاً أن نتذكر أن “لب التغيير” الحقيقي، والنهضة المنشودة، لن تكون في نوادي النخب وتجمعات رجال الأعمال، بل عند تلك الطبقات الأدنى التي هي مادة التغيير الحقيقي، وهدفه.

ثقافة تمجيد الفقر: “الأخلاق” عكس “المقاصد”!

ثقافة تمجيد الفقر: “الأخلاق” عكس “المقاصد”!

د.أحمد خيري العمري- مجلة العمران -أونتاريو- كندا

19-5-  2008

 

                                                                    

                                                          

 

تمتلئ الأدبيات الإسلامية -خاصة أدبيات الأخلاق والزهد- بمفاهيم صارت جزءاً من العقل الجمعي للمسلمين، خاصة عامتهم وعوامهم، على الرغم من كون هذه “المفاهيم” لا تعدو كونها آراء ومواقف ووجهات نظر لبعض العلماء والزهاد، ضمن سياق اجتماعي وتاريخي معين، ويمكن فهمها -وحتى التعاطف معها- ضمن سياقها وظروف نشأتها، ولكن الإشكالية تنشأ عند إخراج هذه المفاهيم من سياقها المحيط بها، ووضعها في “خانة المطلق” من المفاهيم، وهو الحاصل حالياً للأسف.

 أتحدث عن ثقافة لا أجد مناصاً من تسميتها بثقافة ” تمجيد الفقر“، وهي تملأ كتب الأخلاق والزهد، وتتسرب من الكتب إلى المنابر ومن المنابر إلى مفاهيم الناس وعقولهم ورؤيتهم للحياة، ويحدث ذلك منذ قرون حتى صارت هذه المفاهيم محصنة داخل اللاوعي والوعي الجمعيين، وصارت تشكل جزءاً من بديهيات الرؤية الإسلامية، على الرغم من أنها لا تعدو أن تكون -كما ذكرنا- مفاهيم نتجت ضمن سياق تاريخي معين.

بذور هذه الثقافة بدأت أولاً في زهد معتدل وليس بعيداً عن النص الديني، وحتى هذا الزهد كان ضمن سياقه التاريخي أقرب ما يكون إلى الموقف السياسي – الاجتماعي، المعارض لسلطة سياسية بالغت – من جهتها – في الترف وأفحشت فيه، وحاولت شراء ذمم كل من يعارضها عبر العطايا والهبات، وهكذا يمكن فهم طبيعة “زهد” أئمة من أمثال الحسن البصري، حيث لا يمكن فصل زهده عن مواقفه السياسية المعارضة عموماً، ويمكن اعتبار زهده هنا، نوعاً من المعارضة الاجتماعية لنمط حياة مبالغ في الترف كان يتم بتكريسه عبر السلطة. لكن هذا “الزهد” كان معتدلاً تماماً، ولا يمكن أن نجد فيه أثراً لتمجيد “الفقر” كما سنلاحظ لاحقاً. بل يمكن اعتبار رسالته الشهيرة إلى الخليفة “عمر بن عبد العزيز” نموذجاً واضحاً على زهد في الدنيا هو في حقيقته “بيان للمعارضة” كان أكبر من مجرد رؤية سياسية، بل امتزج مع الجانب الاجتماعي بوضوح.

والذي حدث بالتدريج أن هذا المفهوم انفصل تماماً عن سياقه ودوره الإيجابي ضمن هذا السياق، وتحول ليصير بمثابة “رؤية مطلقة للعالم” متقوياً بمهابة وسطوة أسماء الأئمة والعلماء الذين أسهموا فيه (الذين لا نقلل من احترامهم بكل الأحوال) ومتداخلاً مع ازدياد تعقيد الظروف الاجتماعية والسياسية، ويمكن أن نقارن بين زهد الحسن البصري، الذي كان الاعتدال جوهره، وكان خالياً تماماً من “تمجيد الفقر” وبين ما تراكم لاحقاً عبر القرون التالية من تمجيد للفقر وتغنٍ بفضائله المطلقة!

ينبغي هنا أن نوضح أمرين: الأمر الأول أن النصوص الدينية بريئة تماماً من هذه الثقافة، بل مناقضة لها. لا نقول ذلك كموقف دفاعي ولكن انطلاقاً من النص القرآني الذي يجب أن يكون المدخلَ لفهم ما سواه، فالنص القرآني يحدد أن {الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ} [البقرة: 2/268] فهل يمكن أن تكون دعوة الشيطان إيجابية؟.. كل النصوص القرآنية الأخرى التي يرد فيها “الفقر” أو “الفقراء” لا تخرج عن كونها تحض على مساعدتهم، أو أنها تتحدث عن فقر الإنسانية المطلق إلى الله – وهو أمر يخرج عن موضوعنا تماماً، أما الأحاديث النبوية، فتقسم إلى قسمين: قسم صحيح وثابت، ولن نجد هنا أي تناقض مع النص القرآني، مثل استعاذته عليه الصلاة والسلام من الفقر في الدعاء المعروف (متفق عليه) وكون الحج والعمرة ينفيان الفقر (النَّسائي) وهل يمكن أن يتعوذ عليه الصلاة والسلام بالله تعالى إلا إذا كان شراً مما يستعاذ منه؟ وهل يمكن أن يمسح الحج الفقرَ إلا إذا كان أمراً مما يجب مسحه؟..

على الجانب الآخر، نرى كمّاً هائلاً من الأحاديث الضعيفة – وحتى الموضوعة – التي تمجّد الفقر وتروج له، وتناقض ما صح من أحاديث، وما ثبت من مقاصد، وللأسف فقد حدث التساهل مع هذه الأحاديث أحياناً، لأنها اعتبرت من أحاديث فضائل الأعمال، التي يتساهل في الضعيف منها، وأحياناً للسبب ذاته التي تم اختراعها من أجله: تمجيد الفقر باعتبار أن هذا التمجيد سيسهل التعايش مع واقع صعب. ولهذا سنرى امتلاء سلسلة الأحاديث الضعيفة بأحاديث من هذا النوع: (الفقر أزين على خد المؤمن من العذار على خد الفرس) و(تحفة المؤمن في الدنيا الفقر). و(الفقر شين عند الناس وزين عند الله يوم القيامة). وغيرها مما لا يصح ولا يعقل من المفاهيم.. وقد تراكم ذلك حتى وصل ذروته عند الإمام الغزالي الذي نجده قد “أرشف” لتمجيد الفقر، وكتب في فضل الفقر وفي مدحه في “الإحياء”.. حيث اعتبر أن الفقر هو من “المنجيات” واحتوى على عبارات مثل “إذا رأيتم الفقير فقولوا: مرحباً بشعار الصالحين” و”الفقر بركة والغنى شؤم” وينقل الإمام الغزالي أن الجنيد وبعض الخواص والأكثرون ذهبوا إلى تفضيل الفقر فقال ابن عطاء: الغني الشاكر القائم بحقه أفضل من الفقير الصابر. ويقال: إن الجنيد دعا على ابن عطاء لمخالفته إياه في هذا فأصابته محنة، إلى أن يصل بحسم (لم  يسترب من قرأ الأخبار والآثار في تفضيل الفقر)-!!-.

إن ثقافة” تمجيد الفقر” هذه التي خلفت لنا إرثاً طويلاً (وحياً) من مبالغات كهذه، لا يمكن أن تعزل عن سياقها الذي أنشأها، فالإمام الغزالي وغيره، لم يكونوا هنا (سبباً) بقدر ما كانوا مرآة عرضت لحال مجتمع فضل التعايش مع الأمر الواقع، والقبول بالانحطاط، وكرس لذلك نصوصاً دينية تساعده على تقبل الأمر، بدلاً من العمل على تغيير الواقع وتجاوزه..كما إن انتشار ذلك في الماضي والحاضر لا يمكن إلا أن يصب في صالح التحالف التاريخي-الموجود في كل زمان ومكان- بين رأس المال والسلطة..وجود ثقافة شعبية تتقبل  الفقر بل وتمجده سيكون بمثابة حزام أمني يقدم الحماية لتحالف الاستبداد والاستغلال الذي سيطر على سدة الحكم والقيادة لقرون متعاقبة..وحتى في عالمنا المعاصر..هذا التحالف لن يضره دعم الجمعيات الخيرية و توزيع الصدقات طالما إن ذلك سيعمد على تجفيف الغضب والنقمة-في حال وجودها- وفي الوقت نفسه لن يكون هناك مساس ببنية الاستغلال وثقافته ..وهذا يجعلنا نفهم سر العلاقة العميقة بين هذا التحالف وبين نشر ثقافة كهذه ودعم رموزها و مؤلفاتها وأفكارها..

الذي لا شك فيه أن ثقافة كهذه تنتج أخلاقاً سلبية أو محايدة، ترى في العالم مكاناً لا يستحق الالتفات إليه، ولا حتى من أجل الإصلاح.. وهي الأخلاق المناقضة تماماً للثقافة الأولى التي أنتجت جيلاً كان مشبعاً بروح “فتح العالم” بدلاً من الزهد فيه.. وكان من الواضح مع سيادة ثقافة “تمجيد الفقر” أن ذلك يعكس تخلي المسلمين تدريجياً عن دورهم الريادي في قيادة العالم..

وهذه الثقافة ليست تراثاً عابراً مر وانقضى، إنها ليست في بطون الكتب والمراجع فحسب، بل قائمة في عقل جمعي لا يزال يتغذى منها عبر المنابر ودروس الوعظ التي قد لا يلتفت خطباؤها كثيراً لسلبية هذا النوع من الأخلاق بل قد يعتبرونها أيضاً من فضائل الأعمال..

والذي لا أشك فيه أن عمر بن الخطاب لو اطلع على هذه الثقافة ولو رأى مروجيها لتعامل معهم بدرته الشهيرة.. ولقال لهم كما قال لسواهم :أمتّم علينا ديننا..!

نظرية الزبد:اعتقد ثم أستدل !

نظرية الزبد:اعتقد ثم أستدل !

د.أحمد خيري العمري- العرب القطرية  كانون الأول 2007/بتعديل على المقدمة

قديما قيل عن أصحاب البدع أنهم يتبعون منهج “الاعتقاد ثم الاستدلال”..أي أن لديهم فكرة  آو عقيدة مسبقة، و هم يحاولون تأصيلها عبر البحث عن دليل يسندها عبر إسقاطها عليه..قد يبدو الدليل متماسكا للوهلة الأولى..لكن التفحص العميق لهذا الدليل يكشف عكس ذلك..

مبتدعة اليوم من أدعياء التجديد و سواهم يتبعون نفس المنهج، بمهارات متفاوتة، بعضهم يختار قضايا  فقهية شائكة و  يستدل عليها بدليل من “المتشابه” فيثير زوبعة من النقد الذي يجعل تقبل فكرته صعبا..

البعض الآخر يختار قضايا أقل إثارة للزوابع،  بعيدة عن الفقه الذي يجد دوما من يتصدى له،و تمكنوا بذلك  من التسلل إلى أذهان الناس تدريجيا..حتى  و إن  كانت القضية المطروحة أكثر خطورة على المدى البعيد لارتباطها ببعد عقائدي..

من الأمثلة الواضحة على ذلك القراءة السائدة حاليا لآية الزبد:{فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} [الرعد/ 17]  و هي  التي يسميها البعض “نظرية الزبد” وهي قراءة تمرر عقيدة “الداروينية الاجتماعية” بامتداداتها   ذات الجذور العميقة في الفكر الغربي المادي..

و الداروينية الاجتماعية اتجاه فكري يربط بين نظرية داروين في علم الأحياء و العلوم الاجتماعية، داروين نفسه لا علاقة له بها من قريب أو بعيد،لكن هربرت سبنسر (صاحب الفكرة الأساسية ) حاول أن يجد في نظرية داروين دليلا يستند عليه في الربط بين عالم الأحياء و بين القيم الأخلاقية، فكما هو الحال مع الطبيعة التي “تقصي” الكائنات الضعيفة و تقضي عليها لصالح الكائنات الأقوى، فكذلك الأمر مع كل شيء في الحياة الإنسانية: من حق الشعوب و الدول القوية أن تستأثر بالثروات و تستعمر أو تسير الشعوب الضعيفة،و من حق الطبقات الأقوى أن تفعل الشيء ذاته بالطبقات الأدنى..

انتشرت هذه النظرية في عهد صعود الفكرة الاستعمارية والامبريالية كما إنها احتضنت و بقوة من قبل “النخب” في المجتمعين البريطاني و الأمريكي (  صعود و نجاح رجل رأسمالي مثل كارينجي صار حقيقة علمية و أخلاقية كما قال له سبنسر شخصيا!)..كما أن “الداروينية الاجتماعية” ساهمت في دعم نظرية “دعه يعمل،دعه يمر”  laissez fair التي تهدف إلى استقلال الصناعة عن الدولة بإلغاء الضرائب و التعرفة الكمركية، و التي تجد و منذ سبعينات القرن الماضي رواجا مع رواج  اقتصاد السوق المفتوح.. و هذا يعني إن النظرية رغم انحسارها في بعض الجوانب، إلا أنها لا تزال فاعلة في جوانب أخرى، كما أنها صارت جزءا من اللاوعي الجمعي الغربي خاصة بارتباطها بمبدأ البرغماتية..

كيف يرتبط كل ذلك بآية سورة الرعد؟..، كما أسلفنا،  منهج (اعتقد ثم استدل) يفعل ذلك و أكثر..فبعض من تأثر بالفكر المادي و حتمياته التاريخية( لا فرق في ذلك بين شقيه الغربي أو الشرقي) يبحث عن دليل لأسلمة الفكر الذي تأثر به حتى لو كان ذلك بشكل غير متعمد..

مفتاح كل ذلك هو الإيمان بأن كل ما يسود و يظهر هو  بالضرورة أفضل هو  مما سبقه ما دام قد انتصر فعلا، مسألة صلاحيته مرتبطة  بهزيمته و حلول  بديل آخر عنه  بمعزل عن أي ثوابت أخلاقية او عقائدية..بل أن مروجي هذه القراءة يحولونها عمليا إلى عقيدة جبر معاصرة، إذ إنها تروج للاستسلام للوقائع والأحداث والمتغيرات،..إنهم يرون عدم التصدي (و لو بكلمة أو مقالة ) لكل ما يمكن أن يكون مخالفا للعقيدة و ثوابت الشريعة، و لم التصدي أصلا ما دام الزبد سيذهب من تلقاء نفسه كما يزعمون..؟

عقيدة الجبر المعاصرة تتنكر خلف النص القرآني لسورة الرعد، لترسخ فكرة أن كل شيء مخالف للمشروع الإلهي، سيذوب ويختفي ويذهب مع الزبد، أما ما ينفع الناس (أي إنه موافق للمشروع الإلهي) فهو سيمكث في الأرض .. ونحن مطمئنين إلى النتيجتين طبعاً لكن المشكلة في هذه القراءة أنها توحي أن ذلك يحدث “بشكل تلقائي”.. دون تدخل من أحد .. وهذا يرسخ حتماً فكرة “أن لا داعي لعمل أي شيء”، لا داعي حتى للقلق أحياناً، نظرية الزبد كفيلة بكل شيء.. وما علينا سوى أن ننتظر.. حتى لو لم نرَ أي تغيير ضمن حياتنا.. لا بأس.. نظرية الزبد تحتاج بعض الوقت.

* * *

يستوي أمام نظرية الزبد كل أنواع التحديات المخالفة للمشروع الإلهي: الأيدلوجيات والأفكار الحديثة وأنماط الحياة كما الجيوش والقوة العسكرية ونتائجها، كل “الباطل” بالنسبة لهم خاضع لنظرية أنه سيذهب تلقائياً..( أو إنه ليس باطلا ما دام لم يذهب..و هو الأخطر..)

إذا قلنا مثلاً: إن الحروب الظالمة تصبغ وجه العالم، وإن الملايين يشردون كل عام، وأن “الرق الجديد” يضم شعوباً كاملة بدأت تفقد حريتها دون أن تدري ذلك، قالوا: لا داعي للقلق، هذا كله مجرد زبد سيزول بينما يسير التاريخ إلى الأمام، وإذا قلنا لهم: إن الفساد الخلقي بدأ يتسلل ليدمر بنية الأسرة والمجتمع سواء، اعترفنا بذلك أو أنكرناه، وإذا ذكرناهم أن تيارات التجديد الديني المزعوم صارت تستخدم النص الديني من أجل إلغاء النص وقتل مقاصده.. وأن وسائل الإعلام بمخالبها الأخطبوطية صارت تقوم بعملية إعادة تشكيل العقول بحيث تنتج تسطيحاً للعقل وتتفيهاً للفكر وتحويلاً للإنسان إلى” إنسان ذي بعد واحد..”

على الرغم من كل ذلك سيقولون: لا بأس، كل ذلك زبد.. كل ذلك سيزول.. كما يذهب الزبد، لا داعي للقلق، فقط اتركوا السيل يأخذ مجراه.

وكل ما نراه هو أن الزبد يربو أكثر وأكثر، ويتكاثر، مثل دغل شيطاني يمنع نمو أي نبات مثمر.. ويقول أصحابنا، و على وجوههم ابتسامة الواثق من النصر: لا شيء يهم، إنه فقط زبد.

مشكلة هذه الرؤية أنها تعتبر أن “المشروع الإلهي” هو مشروع يقصي الإنسان من الفعل ومن البناء، وأن الأحداث تسير وحدها، دون أن يكون في إمكان الإنسان، المكلف أصلاً بالبناء والاستخلاف، أي شيء سوى مراقبة ما يدور، والتنظير له باعتبار الزبد وذهابه.. إلخ.

والحق أن المشروع الإلهي في أصله قائم على استخلاف الإنسان واستخلاف إرادته الحرة على هذه الأرض، والإنسان الذي سيحترف انتظار أن يذهب الزبد لن يكون جزءاً من هذا المشروع.. بل إنه سيكون برؤيته هذه، وربما بحسن نية، ودون قصد، جزءاً من مشروع آخر، ما دام يعوق التفاعل الإنساني، ويحوله إلى محض انتظار سلبي..

* * *

ولأن هذه الرؤية تتحصن خلف نص قرآني مقدس، نؤمن نحن أن الباطل لا يأتيه من أمامه أو من خلفه، فإننا نؤمن أيضاً أن القراءة الإنسانية للنص المقدس، هي قراءة يمكن أن يأتيها الباطل من مختلف الاتجاهات، وإذا كانت قراءة النص تؤدي إلى اتخاذ موقف السلب والانتظار – مخالفة موقع “الفعل الإنساني” الذي هو أصل التكليف بالاستخلاف – فإنها لا يمكن إلا أن تعتبر “قراءة مجانبة للصواب” كائناً من كان مطلقها ودون الدخول في حسن أو سوء نيته.

إنها قراءة “تبريرية” في أحسن أحوالها.. تبرر العجز والكسل وحالة اللافعل.. تبرر أن الزبد هو الرابي، وهو المهيمن، وهو الذي يكاد يغرقنا ويكسحنا.. وتقول لنا: لا داعي للقلق.. إنه سيذهب جفاء.. بينما يقولون لك ذلك، فإن الآية الكريمة بريئة تماماً من ذلك.. فالآية تقول طبعاً إن الزبد يذهب جفاءً، لكنها لا تقول أبداً: إن ذلك يجب أن يمنعنا من الفعل والعمل بحجة “انتظار” ذهابه، ذلك أن الجزء المتمم للآية الذي لا يمكن أبداً أن نفهم الصورة كاملة إلا به، هو أن ما ينفع الناس يمكث في الأرض، وهذا يعني بوضوح أنه يمكث في باطنها، وأن الناس لن ينتفعوا به إلا إذا استخرجوه منها، أي إذا امتلكوا الوعي والإرادة والفعل اللازم للتدخل.. وهكذا فإن الزبد قد يذهب، بعد أن يكون قد علا، لكن زبداً آخر سيأتي، ويأتي .. ويظل يأتي، ما لم يحدث تدخل يخرج ما ينفع الناس من مكوثه في باطن الأرض.

والذي يحدث الآن أن “الباطل” لم يعلُ فحسب، بل إن هناك تدخلاً واضحاً لاستبقاء الزبد وجعله هو الرابي دائماً وهو المهيمن.. أي إن أهل الحق لا يتدخلون باعتبار أن الزبد يذهب جفاءً، أما أهل الباطل فهم يعملون على إبقائه في القمة.. وهذا يفسر تزايد الزبد و علوه طبعاً..

* * *

أكثر من هذا أن الآية الكريمة نفسها توضح أهمية الفعل الإنساني في إذهاب الزبد وإزالته، فما تشير إليه الآية: {ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله} فلفظة: {مما يوقدون عليه} تشير إلى وجود “فاعل” هو الإنسان الذي سيوقد من أجل تنقية المعادن من الحديد أو النحاس أو الذهب أو الفضة، ابتغاء الحلية أو المتاع كما توضح الآية، وكلها يعلوها “زبد” لن يذهب إلا بالفعل الإنساني الملتحم بالمشروع الإلهي وأوامره.

مفهوم الآية إذن، هو العكس والضد التام مما يرونه فيها، الآية تقول: إن الباطل يعلو (يربو) ولو لفترة من الزمن، ويعني ذلك، أن عليك أن تتصدى لكي تفهم الآخرين أن ليس كل ما يعلو التيار هو صحيح، ذلك أن السيل سيأتي بزبد آخر، وآخر، و آخر، كل ذلك سيكون (رابياً)، كذلك فإن كثيرين سيخدعون به..
أما (الحق) {ما ينفع الناس} فهو يحتاج أيضاً إلى فعل وتدخل، لأنه غالباً ما يكون يحتاج إلى إظهار، في باطن الأرض.. يحتاج إلى استخراج وتنقيب وتمحيص وعمليات تنقية..( علما أن نفس التيار الجبري المعاصر يمتلك مشكلة كبيرة في فهم “النفع” فهو يفهمها بمعناها  البرغماتي الغربي الذي يفهم المنفعة بمعنى فردي و آني، بينما مفهوم النفع القرآني يتجاوز ذلك الى مفهوم الجماعة و على المدى البعيد)

وفي الحالتين، فإن المؤمنين بنظرية الزبد، ممن يقولون:أن لا داعي للقلق، سيجدون أنفسهم وقد جرفهم السيل، قد يعتري بعضهم بعض القلق، لكنهم سيتهامسون أن لا شيء يهم، إنه فقط الزبد.. بينما الآية الكريمة تقول لنا، في الحقيقة، أن نعمل على إذهاب الزبد..كي لا نذهب كزبد..

… بين نظرية المؤامرة ونظرية “اللا” مؤامرة

 

….  بين نظرية المؤامرة و نظرية اللامؤامرة

د.أحمد خيري العمري – العرب القطرية

 22 شباط 2008

ليسَ هناك من هو أكثر سذاجة من مروجي نظرية المؤامرة، إلا أولئك الذين يروجون أن لا مؤامرة هناك على الإطلاق!
فالفئة الأولى تروج لرؤية مسطحة، لعالم تتحكم فيه عصابة معينة، تلتقي في السر وتخطط في السر وتنفذ في السر، فإذا بالعالم كله رهن خطتها السرية، وإذا بالدول والإمبراطوريات ليست أكثر من “أحجار على رقعة شطرنج” تحركها أيدٍ خفية لا يعرفها أحد.
أما الفئة الثانية، فهي على العكس من الأولى، تتبنى رؤية مسطحة للعالم، الدول والحكومات فيه أشبه بجمعيات خيرية غير ربحية، تؤمن بفكرة العمل التطوعي وتخوض حروبها لتقديم المساعدة للآخرين.
وبين الرؤيتين المسطحتين للعالم هناك، بعيداً عنهما، عالم متعدد الأبعاد، شديد التعقيد، تتداخل فيه المصالح والمؤامرات، كما المثل والشعارات، تتداخل فيه الثقافات والحضارات، تتفاعل أحياناً، تتصارع أحياناً أخرى، تنجر إلى رد فعل هنا، ورد فعل هناك، ولكن ذلك كله يسهم في بناء عالم متعدد الأبعاد، ومختلف الأعماق.. لا تكفي الرؤيتين المسطحتين، على اختلافهما، لسبر أي عمق من أعماقه..
و”نظرية المؤامرة” ليست اختراعاً إسلامياً، على الرغم من أن الليبراليين من أصحابنا، قد أبلوا بلاء حسناً في غسل أدمغتنا من أجل إقناعنا أنها كذلك. لكن الحقيقة أن “نظرية المؤامرة” عموماً، هي ظاهرة إنسانية، وهي رائجة غربياً كما إسلامياً، وربما هي رائجة في العالم كله للأسباب نفسها، مع اختلاف في مستويات الانتشار، من بيئة إلى أخرى.
ومصطلح “نظرية المؤامرة” غربي الأصول تماماً، وهو مترجم حرفياً من “conspiracy theory” الذي استخدم للمرة الأولى أوائل القرن العشرين، ولكن لم يتشكل معناه بالشكل المستخدم (ألازدرائي) إلا في ستينيات القرن العشرين، ودخل في أواخر التسعينيات في قاموس أوكسفورد، ليتأصل ويتقعد بهذا الشكل. جذب المصطلح والمفهوم مفكرين مهمين من مختلف التيارات، قدموا إضافاتٍ مهمةً لفهم الظاهرة: مثل كارل بوبر، نعوم تشومسكي، دانييل بايبس، وغيرهم، وكل هذا يعني وجود الظاهرة في المجتمعات الغربية، لا كجزء من ثقافة شعبية ينظر إليها على أنها سطحية فقط، ولكن كجزء تاريخي من إيديولوجية اليمين الأمريكي، وخصوصاً المحافظين الجدد، الذين أَولى منظِّرُهم ” ليو شتراوس” أهمية كبيرة لنظرية المؤامرة في تماسك نسيج الأمة الأمريكية. ومن نماذج نظريات المؤامرة السائدة شعبياً في الغرب (اغتيال جون كنيدي، الصحون الطائرة التي تتستر عليها المخابرات الأمريكية، موت الأميرة ديانا).. وكلها تسود وتنتشر عبر وسائل الإعلام والصحف الشعبية وتصير مع الوقت جزءاً من قناعات جماهيرية راسخة على الرغم من عدم وجود أي دليل مادي على حدوثها.
نظرية المؤامرة تقوم بإعطاء الأولوية للمؤامرة في فهم التاريخ ومساراته، بالذات في انكساراته وهزائمه، ما دام الطرف الذي يتحدث يشير إلى مؤامرة فعلها الآخر بحقه. وفي تاريخنا الإسلامي تنتصب “شواهد” لهذه النظرية، في ثالوث تاريخي شهير شكل جزءاً من الوعي والفهم الشعبيين للتاريخ وللواقع، هذا الثالوث هو (ابن سبأ – العلقمي – يهود الدونمة)، وفي الحالات الثلاث على اختلاف تفاصيلها الزمنية والمكانية، فإن هناك تضخيماً لدور أفراد أو فئات محددة، مقابل اختزال واضح لأسباب حقيقية كامنة للفتنة أو الانهيار.
فابن سبأ مثلاً، وبعد التسليم بوجوده التاريخي، هو في النهاية “فرد” لا يمكن أن يكون قد تسبب في إحداث كل ما حدث، خاصة أننا نتحدث عن مجتمع الجيل الأول الذي تميز بأفراده المميزين من الصحابة الكرام، لكن كانت هناك تناقضات داخل المجتمع الإسلامي نفسه، بعضها نتجت بسبب توسع الدولة وزيادة الثروة واحتكار بعض الزيادة من قبل بعض الفئات، وبعضها نتجت بسبب أخطاء أو تجاوزات هي في النهاية جزء من الطبيعة البشرية، وبعضها كان لبقايا رواسب عشائرية وصراعات قديمة، كل هذا تجمع ليكون تناقضاً بنيوياً داخل المجتمع الإسلامي المتوسع، ما لبث أن توسع التناقض ليصير تمزقاً، يمكن تسميته بالفتنة، ولا كبير مشكلة في الإقرار بأن بعض الأقليات التي تضررت مع صعود المجتمع الإسلامي، قد تمكنت من استغلال هذه الفتنة، وحتى في تسريع نتائجها بشكل أو بآخر، لكن هذا لن يلغي أن النتائج كانت ستحدث بكل الأحوال.فالمؤامرة نادراً ما تغير مسار التاريخ. لكن التاريخ يتغير عبر نار هادئة قد لا يلاحظها أحد لفترة طويلة، إلى أن يحدث “الغليان” فجأة، فيفسر الأمر بهذا السبب أو ذاك..
مؤامرة ابن العلقمي لا تشكل فرقاً عن هذا، فالمؤامرة هنا تنسب لفرد معين، يمثل طائفة بعينها هنا، مسؤولية انهيار دولة الخلافة العباسية، عبر تعاونه (أي تعاون الطائفة) مع المغول، وهو التعاون الذي لم ينكره مؤرخو الطائفة المعنية أنفسهم بل قام بعضهم بتأصيله وشرعنته، لكن ذلك التعاون لن يكفي لتفسير ما حدث (بعد كل شيء، ما دام ابن العلقمي فاسداً وخائناً لهذه الدرجة، فما الذي جعله أصلاً بمنصب وزير الخليفة غير سلطة فاسدة مثله؟!) فالتعاون جاء في مرحلة أخيرة وقبل سقوط العاصمة بقليل، أي إن المغول كانوا قد توغلوا في عمق الدولة ووصلوا إلى مشارفها، وحدث خلال ذلك تعاون من أمراء وولاة آخرين، لم يدخلوا في الوعي التاريخي الشعبي كما فعل ابن العلقمي، لأنهم لم يدخلوا في النسق اللازم لإنتاج نظرية المؤامرة (بعبارة أخرى: لم يكونوا من طائفة أو أقلية أخرى) والتركيز على هذا الفرد نيابة عن الطائفة في تفسير انهيار الدولة يلغي السنن الإلهية التي تتحكم بصعود وانهيار المجتمعات، ويجعلنا نغض النظر عن حقيقة أن الدولة العباسية كانت – في تلك الفترة على الأقل- قد أوغلت في فساد وانحدار وتفكك جعلها عرضة للسقوط، كما أنه يغفل طبيعة القوة الشابة الجديدة (المغول)، الذين كانوا في أوج قوتهم، ولم يلحقهم ما كان لحق المسلمين من ترف وضعف..
الشيء ذاته تقريباً هو الذي يطبق على يهود الدونمة وسقوط الدولة العثمانية، فالتركيز على مؤامرة اليهود هنا سيوحي أن الدولة العثمانية كانت ستستمر في الحياة لولا مؤامرة اليهود، وهذا يجعلنا نغض النظر عن حقيقة تردي أوضاعها وشيخوخة هياكلها وابتعادها عن العلم وسننه وهي حقائق جعلت سقوط الدولة العثمانية محتماً، سواء حدثت هذه المؤامرة أو تلك..
وكما هو واضح من هذه الأمثلة، تعطي هذه النظرية الأولوية للمؤامرة لفهم أحداث التاريخ. وتغفل بذلك الأسباب الموضوعية المعقدة المتداخلة الكامنة في بنية الحراك الاجتماعي التي قد تدفعه إلى الأعلى، أو تجعله راكداً معرضاً للسقوط، أو قد تدفعه إلى السقوط،..
 ما دور الأعداء هنا؟.. بالتأكيد لهم دورهم، إنه دور “العدو” – بالتعريف – الذي سيستغل مظاهر الضعف عندما تبرز، ويستثمرها لصالحه: فإذا بالتمزقات الاجتماعية الناتجة عن تناقضات في هيكلية المجتمع، تصبح ثغرات يتسلل منها العدو ليجهز على المجتمع وكيانه، لكن هذا لا يمكن أن يحدث إلا إذا كانت هناك الثغرات ابتداء.. وسواء دخل هذا العدو عبر هذه المؤامرة وتفاصيلها، أو عبر مؤامرة أخرى، فإن “عدواً” ما يجب أن يتسلل، كتحصيل حاصل لطبيعة الأشياء ومسارها..
لكن لماذا أصلاً تنتشر نظرية المؤامرة بهذا الشكل العالمي عابر الأزمان والقارات؟
.. أسباب انتشارها هي الأسباب نفسها التي تبدو أنها ستكون سبب عدم انتشارها. فالرؤية التي تقدمها لعالم مسطح ترجع كل الأمور السيئة إلى سبب واحد هو العدو، هي التي تجعل عموم الناس يميلون إلى تصديقها، ذلك أن العالم هكذا سيبدو أكثر أمناً وبساطة عندما يفسر السوء أنه قد جاء من جهة واحدة فقط هي مصدر كل الشرور والمصائب، فهذا سيجعل الناس مقتنعين أنهم على صواب، أو أن تاريخهم كان على صواب، وأن الشرور والكوارث لا تأتي إلا من عدو خارجي متربص، وأن الذات سليمة تماماً، لا تحتاج إلى مراجعة أو نقد أو حتى تقويم.
نظرية المؤامرة تمرر رسالة يريد الناس أن تصلهم: رسالة تقول لهم: إن الحق دوماً على “عدو” ما، وكفى الله المؤمنين شر مواجهة أخطائهم. ولأن الحق على العدو دوماً، والخطأ خطؤه، فلا شيء هناك يمكن عمله، أو كان يمكن عمله، غير بعض اليقظة تجاه هذا العدو..
كما إن نظرية المؤامرة -خاصة فيما يتعلق بموت المشاهير- تمنح نوعا من الأمان المزيف للمؤمن بها، فوفاة شخصية مهمة نتيجة حادث عرضي (مثل حادث سير ) سيجعل الإنسان العادي يشعر بالخوف أكثر، بينما يشعر بنوع من الأمان عندما يؤمن أن هذا الحادث إنما تعرضت له هذه الشخصية نتيجة لشهرتها و مكانتها، اما هو ففي مأمن من ذلك لأنه مجرد إنسان عادي..
من أسباب قوة هذه النظرية، وضعفها في آن، أنها غير قابلة للبرهنة حتماً، فأدلتها مخفية بالتعريف، فما دامت هناك مؤامرة فلا بد أن كل شيء أخفي تماماً، وما دامت غير قابلة للبرهنة، فهي في الوقت نفسه غير قابلة للدحض، لأن لا دليل عليها يمكن مناقشته بطريقة علمية، فهي لا تقوم إلا على”فرضية”، تجد أرضها الخصبة في الميل الإنساني للتصديق بهذه الفرضية…(و هذا يجعل استغلال الشركات الاحتكارية و تطويعها وسائل الإعلام لغسل أدمغة البشر في خانة أخرى غير خانة نظرية المؤامرة،بل هي حقيقة علمية تدرس في وسائل التسويق و الإدارة و تجاهل هذه الحقيقة عبث لا طائل من ورائه)
هذا عن نظرية المؤامرة وسدها لحاجات نفسية على الرغم من بعدها عن الواقع وتعقيداته. فماذا عن أولئك الذين لا يرون المؤامرة أصلاً؟.. هؤلاء هم النسخة المعاكسة من أولئك. إذا كان أصحاب نظرية المؤامرة لا يرون غير العدو، فإن هؤلاء لا يرون العدو أصلاً. وهذا أحياناً يكون أسوأ. إنهم لا يدركون طبيعة العالم الذي نعيش فيه، القائم على التدافع أحياناً، وعلى الصدام أحياناً وعلى الصراع في أحيان أخرى كثيرة. ولأنهم يرفضون فكرة المؤامرة بشكل مسبق فإنهم ينجرون إلى فكرة عدم وجود عدو، وربما إلى الترويج له ولشعاراته وإن كان ذلك ليس نيتهم أصلاً.
وبالنسبة للفئة الأولى، فإن الفئة الثانية ستتحول فوراً إلى جزء من نظرية المؤامرة نفسها، باعتبارهم متآمرين ومتعاونين مع العدو بالطريقة نفسها. وهذا كله يجعلنا ندور في حلقة مفرغة. فالحقيقة تظل أكثر تعقيداً، وعلى سبيل المثال فإن بعض “أدعياء التجديد الديني” يصنفون حسب نظرية المؤامرة باعتبارهم جزءاً من المؤامرة الماسونية نفسها، والفكرة هنا أن النظرية ستعتبر أن نتاجهم قد أعد مسبقاً في أقبية المخابرات ودُفِعَ لهم نقداً على الفور، لكن الحقيقة على الأغلب ليست بهذه البساطة، فنتاج هؤلاء وطروحاتهم وأفكارهم قد تستثمر وتدعم وتروج من قبل العدو، (وليس تقرير مؤسسة راند وملاحظات برجينسكي بعيدة عن هذا) لكن ذلك يكون غالباً بعد أن أنتج هذا الفكر وطرح، أي إن هذا الفكر يكون قد طرح نتيجة لتناقضات موجودة داخل بنية الفكر التقليدي، تفاعلت مع عقدة النقص المستحكمة تجاه الغرب لتنتج فكراً يمكن للعدو استخدامه.. وربما قد يدعم منتجه لاحقاً..أي إن هذا الفكر كان سينتج بكل الأحوال : بدعم غربي أو دونه..
هذا العالم لا يمكن لأي من النظريتين أن تقدم فهماً متوازناً له، كما لا يمكن للعالم أن يرسم باللون الأسود والأبيض فقط..
بالمناسبة:  عدم إيمانك بنظرية المؤامرة، لن يبطل المؤامرة في حال وجودها !
و بالمناسبة أيضا :هذا المقال ليس جزءاً من مؤامرة ما، ضد النظريتين!..