أرشيفات التصنيف: مقتطفات من الكتب

استرداد عمر من السيرة إلى المسيرة

آن لنا أن نخرج عمر بن الخطاب من خانة كتب السيرة على رفوف المكتبة ، إلى مسيرتنا اليومية ..إلى حياتنا..
آن لنا أن نخرج فهم عمر بن الخطاب للقرآن ، وللسنة النبوية من كتب التاريخ إلى التطبيق العملي..
الفهم العمري للقرآن والسنة ، في مرحلة دقيقة جدا من التاريخ الإسلامي، هوا لذي مد هذا التاريخ أفقيا وعموديا ،أفقيا في فتوحات البلدان ، عموديا في آفاق العدالة والبناء والنهوض…
لا يمكن أن نزعم أن هذا الفهم العمري هو الفهم الوحيد الصحيح للقرآن والسنة..ولكننا نزعم أن هذا الفهم ، الذي ساهم في صنع الحضارة الإسلامية ، هو ما نحتاجه اليوم تحديدا ، من بين كل الأفهام التي قد تكون مناسبة في مراحل تاريخية أخرى..
اليوم ،في هذا الدرك الذي وصلنا له ،في تطلعنا للخروج منه ، نحتاج إلى فهم عمر ،إلى رأس عمر ،إلى رؤية عمر ،للخروج مما نحن فيه نحو مستقبل ناهض…نحو القيام بما خلقنا من أجله..
نحتاج إلى فهم عمر تحديدا ، في هذه المرحلة ، كي نكون ما يجب أن نكونه..
هذا ليس كتابا في السيرة أو التاريخ..
إنه كتاب في المسيرة ، نحو المستقبل

صانع الأنفاق

cover1-01“صانع الأنفاق” هو الكتاب الذي أصدرته دار الفكر بمناسبة اختيار العمري مكرما لها لعام 2010، و يضم الكتاب ما كتبه العمري عن دمشق”في البدء كان الياسمين” بالأضافة الى مقالات عديدة كتبت عن نتاج العمري و شخصه…و فيما يلي ما كتبته الأديبة نور جندلي عن الكتاب ..

حول صانع الأنفاق، وفي البدء كان الياسمين…

 

نُـور الجندلي

 

في البدء كان الياسمين… أتراه كان امتداداً لليلة سقوط بغداد، بشكلٍ أو بآخر؟!

إنها على أية حال تتمة للحكاية، أو الجزء الأجمل فيها، أو ذلك الجزء من الكتاب الذي ننتظرُ فيه قراءة النهايات السّعيدة، وقد كانت نهايته ببداية، وكانت البداية معطرة بالياسمين, مرتدية حلّته البيضاء، وقد اقتبست منه القوة على الصمود، والتعايش مع كلّ الظروف والأحوال.

عندما قرأتُ كلمة المكرم د. أحمد خيري العمري في كتابه ” صانع الأنفاق” انتابتني رغبة حقيقية لأطالب باستقلال تلك الكلمة، وانفرادها في كتاب خاص، إذ أنني اعتبرتها رواية بشكل أو بآخر، تحملُ كلّ ما عودنا عليه قلمه، من صدق وواقعية وجمال، ولذلك فقد أخذتني حروفه سريعاً لأنهي الكتاب في زمن قياسي، وأخرج منه بكثير من الفوائد مما لا يمكنني أن أحصي له عدداً.

من كرم الكاتب هنا أنه قد حوّل تكريمه الخاص إلى تكريم كلّ من سانده ودعمه ووقف إلى جانبه في رحلته من بغداد إلى دمشق، حتى العودة الأخيرة إلى بغداد.

مواقف شتّى كانت تشع إنسانيّة وصدقاً، وكانت ترسمُ في اللاوعي عند القارئ ذلك الأثر المضيء الطيب الذي لا يمكن تجاهله، لأن من يفكر باجتياز أفكاره سيكون كمن يتجاهل الشمس وسطوعها في أجمل أيام العام…

بعد أن أنهيتُ قراءته، كنت أقولُ لنفسي” هذه ليست مجرد ذكريات عابرة، إنها دروسٌ في الحياة، في الصمود، في مقاومة الهموم والأعباء، للنهوض من جديد، إنها رحلة فكر عبر كتاب، تنقلت وتجولت عبر الأزمنة والأمكنة، حتى قدر الله تعالى لها أن تحطّ في المكان الأنسب لها وأن تكون ملهمة لكثيرين في أحلامهم، وفي أهدافهم الرفيعة .. “

وهي في الحقيقة تطبيق واقعي حيّ من حياة صانع النهضة، ذلك التطبيق الذي كان لازماً ليُفجّر ذلك الإبداع الذي بين أيدينا فيما بعد…

يوم تكريم العمري، وفي تلك القاعة التي اكتظت بقرائه، وحينما اعتلى المنصة ووجه تحيّته الخاصة إلى دمشق، ضج المكان بتصفيق حار، ولا أخفي أنني شعرتُ بالغيرة من أجل بغداد، التي أهداها العمري تكريمه، لكنني عرفتُ أنه تكريمٌ آخر لبغداد الجريحة عبر شخص العمري، بغداد التي تستحق بعد رحلة المعاناة والآلام الطويلة ما يضمد جراحاتها، ويعينها في انكسارها، ويحتضن نخيلها مذكراً إياها بأيام كانت فيها حاضرة للعلم والنهضة، وهاهي البداية عن طريق العمري، الذي أهدى بدوره إلى بغداد طاقة كبيرة من الياسمين الدمشقي، وصنع لها أطواقاً من ذلك الزهر البديع، كل طوق يحمل عنوان كتاب، ومع كل طوق ينتشل جزءاً منها من تحت الركام، ليكون بذلك قدوة، ويلهم بقية العراقيين بل، يلهمنا جميعاً أن نهدي بغداد الحضارة كل ما يمكننا تقديمه، من فكر ووعي يرسم ويؤسس لأسباب النصر في الأمة.

في النهاية، أود أن أشكر الأقلام الرائعة التي كتبت عن مؤلفات العمري، وأرفقت ما كتبته بالتحليل والبحث والتمحيص، فجعلت من كتاب التكريم مرجعاً مهماً لكل جيل الكتّاب والمفكرين والباحثين عن درب صحيح يخدمون الأمة عبره… فتشوا في صانع الأنفاق، ستُفتح في دروبكم آفاقاً كثيرة، وستقرؤون ما يلهمكم لتقديم شيء فاعل ومؤثر، فقط امتلكوا أسلحة العمري الذي مازال يرعاها ويحرص عليها، لأنها هي ذاتها أسباب نجاحه… “الصدق في الهدف والإخلاص في كلّ خطوة ” …  

لعل الله تعالى يجعل في ذلك الاجتماع الفكري الرائع نهضة للأمة…

ولا نهضة إلا بالقرآن…

 

الواح و دسر

d8a3d984d988d8a7d8ad-d988d8afd8b3d8b133-copy

 

http://www.quran4nahda.com/?p=930

 

 

من أجواء الرواية “..في الأيام التالية، صرت أترقب مرور السيد نوح، وهو ينظف الشارع، ما إن أراه حتى أهب لمساعدته وأنا أتلفت يميناً وشمالاً خوفاً أن يراني أحد من إخوتي أو من الجيران أو من الخدم – ويخبر أمي وأبي ويصير منعي من الخروج أمراً محتماً.

بعد كل مرة كنت فيها أساعد السيد نوح، كنت أركض لأقيس طولي.. ومرة بعد مرة، كنت أصاب بخيبة الأمل. لم يكن هناك من زيادة. كنت أسأل نفسي: هل أخطأت في المرة الأولى وكانت زيادتي مجرد وهم؟.. هل أخطأت في شيء آخر؟.. صرت أستعيد كل كلمة قالها نوح لعلي أجد فيها الجواب عن أسئلتي، لعلي أفهم لم زاد طولي في المرة الأولى ولم يحدث شيء في المرات التالية.

جاءني الجواب من السيد نوح نفسه، ودون أن أسأله حتى، خرجت ذات ظهيرة عندما مرّ كعادته – وأسرعت ألمّ ما يرميه الجيران والمارة وأنا أتلفت حولي خوفاً من أن يراني أحد.

عندما اقتربت منه، ثبت عيناه علي وقال لي: “نور.. أنت تنظف الشارع وأنت مرتبك، تتلفت خجلاً مما تفعل.. أو خوفاً مما تفعل”.

هززت رأسي موافقاً، كان ذلك واضحاً جداً وما كنت أخفيه أصلاً.

“عليك ألا تخجل مما تفعله. عليك أن تكون فخوراً به، عليك أن تحبه” قال وهو يخترقني بنظراته.

“هل تعرف معنى كلمة شموخ؟” سألني، هززت رأسي بالنفي.

 “أن تكون شامخاً يعني أن يكون رأسك مرفوعاً حتى عندما تنحني للأرض لتزيل عنها أذى الآخرين وإهمالهم”.

سكت كما لو كان يدعني أفكر بما يقول ثم تابع “بالضبط كما يكون النسر شامخاً دوماً حتى وهو يهبط ليلتقط من الأرض طعاماً لصغاره”. سكت أيضاً بينما – كنت أحاول أن أتخيل ما يقصده.

“هل تعرف كيف تظهر حبك لما تفعله حتى وأنت تنحني لتلقط شيئاً مهملاً من على الأرض؟” لم ينتظر ردي. “تذكر كيف تنحني  أمك لتغطيك وأنت نائم؟ إنها تنحني، لكنها تفعل ذلك بحب. عليك أن تفعل ذلك مثلها. أن تفعله بحب..”

أذكر ذلك. أذكر تلك النظرة على وجه أمي، أكثر من مرة أتظاهر بالنوم عندما تأتي لتتأكد من ذلك، ومن بين جفوني أرى تلك النظرة، وأشعر بالحب من قبلتها على خدي بينما تغطيني..

“هل رأيت منظر الفلاحين في الحصاد؟ كيف ينحنون وظهورهم مشدودة وصدورهم مرفوعة، رغم أنهم ينحنون بالمناجل من أجل أن يقطعوا السنابل ؟، إنهم فرحون بالحصاد، فرحون أن تعبهم سيثمر أخيراً، كذلك أنت، يجب أن تمتلك نفس هذه الروحية، عليك أن تفكر أن ما تفعله هو حصاد بطريقة ما.. ولو تأخر”..

قال ذلك ومضى، ورأيت خلفه خيطاً مضيئاً من الكلمات التي قالها.

ثم توقف والتفت، وقال لي: “نور.. تذكر أنك يجب ألا تفعل ذلك لكي يزداد طولك.. بل لكي تكبر.. لأننا لا نكبر إلا عندما نفعل الشيء الصحيح”..

ومضى..

                                   *        *      *

سجلت كلماته في ذاكرتي. حاولت أن أجسم ذلك النسر الشامخ، وتلك الأم المحبة، وذلك الفلاح المشدود.. حاولت أن أكون فخوراً بما أفعله حين أنظف الشارع.. تدربت على ذلك كما لو كنت أتدرب على إيقاع جديد، أتذكر كل كلمة قالها السيد نوح وأنا أتدرب على ما قاله..

لكي أتمكن من ذلك، أخذت أبتعد عن بيتنا، كي أفلت من نظرات الأهل والجيران. كنت خائفاً في البداية رغم ذلك.. وكنت خجلاً أيضاً من أني أفعل ما يفعله الأراذل وعمال التنظيف.

بالتدريج، تخلصت من ذلك. قل اهتمامي بنظرات الآخرين وتعليقاتهم، صرت أقل خجلاً وخوفاً وانزعاجاً، مع الوقت، بدأت أتلمس طريقي نحو ما قال. لم يعد الأمر أني لم أعد خجولاً ولا خائفاً فحسب، بل صرت بالتدريج، أشعر بالفخر، قليلاً في البداية، لكن زاد ذلك بالتدريج.

تسرب لي شعور غريب بالمتعة، بالفرح، وأنا أنظف الشارع، لا أعرف كيف؟ لكنه حدث.. فجأة وجدت نفسي أحلق كالنسر في الأعالي عندما أنحني لألتقط الأذى من الطريق، أفعله كما لو كنت أحصد شيئاً رائعاً، لا أعرفه.. لكني كنت أنتظره منذ زمن طويل..

*   *      *

وكان جزءاً من الحصاد هناك على ذلك الحائط، كنت أجد (الفرق) هناك، في زيادة طفيفة نعم، لكنها كانت هناك، تتراكم بالتدريج..

لقد كنت أكبر، بالضبط كما قال السيد نوح، كان شيئاً ما يضاف إليّ، إلى طولي، كلما قمت بالشيء الصواب من أجل هذا العالم..”

أبي اسمه إبراهيم

 

هذه الرواية الاستثنائية هي عمل أدبي مختلف عن كل ما كتب في قصص الانبياء ، صحيح إنها تتحدث عن قصة سيدنا إبراهيم ، لكنها تتحدث عن ذلك بأسلوب مختلف جدا .. و تتحدث عنه  بالذات عندما كان طفلا..كيف تشكل عقله  و تفكيره المختلف عن تفكير قومه و مسلماتهم..و كيف تمكن من الافلات من ذلك و حرر عقله من خرافاتهم ليكون رأسه مهيئا  و مؤهلا بعد ذلك للوحي الالهي ..

لشراء الرواية عبر الرابط
http://www.furat.com/index.php?page=bookinfo&b_id=17835

 


 

من اجواء الرواية…

 ((… وجدها تنادي تلك الآلهة المزيفة بأعلى صوت ….

ووجد نفسه يُنادي ذلك الإله الواحد ، بلا صوت ، لم يعرف كيف يُناديه ، لكنه عرف أنه لا يحتاج أن يرفع صوته كما تفعل تلك الكاهنة وآلهتها المزيفة ، إلهٌ حقيقي مثل إلهه سيعرف ما يُفكر به ، ولن يحتاج إلى أن يتواصل معه بصوت مسموع ….

….. قال في نفسه : ” أيها الإله الواحد ، الإله الحق ، ساعدني ” .. شعر براحةٍ عجيبة وهو يقول هذا النداء . ” الإله الواحد .. الإله الحق ” .. شعر أن الكاهنة ومعها حاشيتها وآلهتها وكهنة المعبد وتراث الأجداد والأعمدة الفخمة في الهيكل ، كلها كانت تبدو ضعيفةً أمامه ..

كان يقف أمامهم وحده، لكن لأنه معه الإله الواحد، الإله الحق، فقد كان أقوى !! ))

 

(( قال والد إبراهيم بغضب : ” الأمر ليس بهذه البساطة التي تتخيلها ، الآلهة موجودة فينا وفي عاداتنا وفي رؤوسنا .. لقد تربينا على عبادتها، لن يكون الأمر أن يأتي ولدٌ في سنك ويسأل بعض الأسئلة ثم نترك آلهتنا ونطيعه .. عندما تهدم هذه الآلهة وتنسفها، فإن عليك أن تجد بديلاً .. أفهمت ؟!! .. أين هو بديلك الواحد الذي تتحدث عنه .. لا بد أن يكون موجوداً وواضحاً .. لكي تقنع الناس به .. ” …

ظل سؤاله يتردد في رأس إبراهيم .. وظل يفكر ..

كان والده على حق …

ليس الأمر في أن يهدم الآلهة فقط ..

كان عليه أن يعرف المزيد عن الإله الواحد .. الحق )) …

 

(( ظل إبراهيم يتلفت .. بين الاتجاهات ، يبحث عن إشارة ، عن رسالة ، عن طريقٍ يدلُّه إلى الإله الحق ..

….. وفجأة .. التمع ضوءٌ في رأس إبراهيم، حدث معه بالضبط كما سيحدث معكم عندما تبحثون عن زر الضوء الكهربائي وسط الظلام ، تتلمسون الزر في الظلمة ، تتعثرون قليلاً ، ثم تعثرون عليه ، وتضغطونه .. فإذا بالضوء يطرد الظلمة كلها ، دفعةً واحدة .. )) …

 

(( قرر إبراهيم أنه إذا رحل فعليه أن يترك بذرةً ما .. بذرة لرفض الأصنام .. بذرة تكشف ضلال الأجداد وأخطاءهم .. بذرة تكشف للناس أن لديهم في رؤوسهم (عقول) عليهم استخدامها …

فكر أن ليس عليه أن ينتظر البذرة ويراها وهي تنمو وتكبر وتنضج وتُثمر … قد يأتي غيره ليسقيها ، وقد يأتي آخر ليحميها ، قد تكون كل الظروف مواتية لنموها كما كانت الظروف مواتية للبذور التي تركها في الحديقة ..

سيرحل .. نعم سيرحل ..

لكنه قبل أن يرحل عليه أن يترك بذرة في رؤوس أهل مدينته ..

بذرة كبيرة …

بذرة قويــــة ..

بذرةً لا تُنسى …

وربما ستتكفل قوانين الإله الحق بنموها ونضجها .. ))

 

(( اكتشف إبراهيم أن الهدم خطوة مهمة من أجل البناء ..

لا تستطيع أن تبني ، إن لم تهدم .. لا بد أن تهدم ، بذرة (الهدم) هي التي تُمهِّد للبناء ..

ومن أجل أن يمهد للفكرة الجديدة ، للإيمان بالإله الحق ، كان لا بد من أن يهدم الإيمان بالآلهة المزيفة ..

من أجل بذرة الإيمان الجديد ، كان لا بد أن يوجه ضربة للإيمان العتيق … )) 


سلسلة “كيمياء الصلاة “

و هي سلسلة مكونة من خمس عناوين

1- المهمة غير المستحيلة الصلاة بوصفها أداة لأعادة بناء العالم


2- ملكوت الواقع : ممهدات و حوافز قبل الانطلاق


3- عالم جديد  ممكن : الفاتحة كعدسة لاصقة على العين المسلمة


4- فيزياء  المعاني : الهيئات نمط عمارة لبناء الانسان


5- سدرة المنتهى : حجر النهضة منصة الانطلاق


لشراء السلسة عبر هذا الرابط

http://www.furat.com/index.php?page=monthbook

و السلسلة بمجملها تتحدث عن الصلاة كوسيلة لتغيير الذات من اجل تغيير المجتمع ككل.. انها الصلاة من اجل النهضة ..ليس النهضة بمعناها الاجتماعي الشامل فحسب ، بل النهضة بمعناها الفردي الشخصي التي لا يمكن فصلها حقا عن النهضة الشاملة…

من اجواء الجزء الاول..”المهمة غير المستحيلة”

(هناك  أربعة أسباب “شائعة” لتأدية الصلاة.. وربما كانت هناك أسباب أخرى أقل شيوعاً تندرج بدرجة أو بأخرى تحت واحدة من هذه الأسباب..

كل سبب من هذه الأسباب، يخفي وراءه “فكرة” مضمرة، عن الصلاة، وفهماً معيناً للصلاة، ولدورها في المجتمع (أو لعدم وجود هذا الدور على الإطلاق!).. ويؤدي هذا الفهم، إلى أداء هذه الصلاة.. بهذا الشكل، وهي تحمل معها هذا السبب..

فكرة “الصلاة ككفارة ..”

أولها، فكرة أن الصلاة تكفر الذنوب التي تحصل بين أوقات الصلاة، وهي الفكرة التي تستمد من حديث (والصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن من الخطايا ما لم تغش الكبائر ) ·و لا جدال طبعا في صحة الحديث.  و في ارتباطه الموضوعي  ايضا بآية “الحسنات يذهبن السيئات”

لكن هناك طبعاً نقطتان:

أولهما أن لفظة الكبيرة المستثناة من التكفير قد رسخت في أذهان الناس بطريقة معينة ترتكز حول عدد محصور من الكبائر (معروفة طبعاً وتدور حول الزنى والخمر وربما الربا..).. لكن هذا الفهم على الرغم من رواجه ليس صحيحاً تماماً، فالصلاة إلى الصلاة لن تكفر عنك أن حياتك كلها تضيع عبثاً، سدىً، دونما هدف.. حتى دونما محاولة إيجاد هدف.. دوماً نعتقد أن الكبائر هي بالضرورة “فعل” فاحش.. بينما هي أحياناً “لا فعل” على الإطلاق.. ربما أكبر الكبائر (أكبر حتى من الزنى!!) أن لا تفعل شيئاً على الإطلاق في حياتك.. أن تأتي إلى هذه الأرض وتمضي دون أن تترك أثراً إيجابياً واحداً يدل على أنك مررت من هنا.. دون أن تجعل العالم أفضل مما كان يوم جئت إليه.. أو على الأقل حاولت ذلك.. شيء كهذا، لا يمكن مسحها بمجرد أداء الصلاة.. لأنه لا يندرج ضمن صغائر الذنوب..

ثانيها – أن الصلاة إلتى تكفر ما يحدث بين الصلاتين، تكفر ما يحدث سهواً، أي كأي حدث عابر لا تخلو منه تجربة إنسانية، إما أن يكون هذا نمطاً معتاداً للسلوك، وإن نتوقع أن الصلاة نمطاً معتاداً للسلوك، وإن نتوقع أن الصلاة ستقوم بهذا الدور، فهذا يعني نخدع أنفسنا قبل أي أحد آخر.

و الشئ ذاته يخص مفهوم الحسنات و السيئات:من قال ان الاية الكريمة تتحدث عن الاستمرار في اداء السيئات من اجل ان حسنات الصلاة ستمحيها؟ من حدد هذه السيئات و حجمها – من التي يمكن ان تمحوها الصلاة؟

وللأسف، فإن هذا الفهم، الذي يستخدم الصلاة من أجل الاستمرار في الذنوب، هو فهم سائد جداً.. وينتشر للأسف، عن غير قصد، عن طريق بعض الوعاظ على المنابر، عندما يريدون ، عن حسن نية ، أن يروجوا لأداء الصلاة. فيقومون بالترويج دون شعور منهم، للذنوب  التي من المفروض ان الصلاة ستكفر عنها.. و هكذا فأن الحديث عندما يوظف من  أجل عدم التوقف كثيراً عند أخطاء السهو، يختلف تماماً عندما يتحول إلى عكازة للاستمرار في الذنوب..

فكرة “اسقاط الفرض

ثاني هذه الاحتمالات هي فكرة “إسقاط الفرض” الرائجة جداً دونما سند من نص شرعي.. وهي الفكرة التي يقوم على أساسها البعض “بأداء” الصلاة – على أي حال، من أجل “النفاذ” من عقوبة عدم أدائها، وهم يعلمون ضمناً – أنهم سيحاسبون على أمور أخرى تخص الصلاة، وقتها، خشوعها، تمام أركانها، لكنهم، على الأقل يؤدونها، ويسقطون بذلك” عقوبة تركها”..

يكرس هذه الفكرة قراءة “تجزيئية” لنصوص عديدة، من الأحاديث الصحيحة بلا شك، ولكنها تعامل مرة أخرى بمعزل عن الصورة الأكبر التي تضم كل النصوص وتجمعها ببعض.. فحديث “أول ما يحاسب عنه المرء الصلاة” يعامل كما لو أن الصلاة التي سنحاسب عليها  تؤدى بمعزل عن حياتنا  و عن  المجتمع الذي  نعيش فيه ودورنا فيه..

وهكذا فالنظرة التجزيئية الضيقة لهذا الحديث، ولسواه من الأحاديث ستنتج نظرة ضيقة للصلاة وأدائها، تحث على أدائها “الفيزيائي” لمعزل عن نتائجها اللاحقة..

وللأسف، فإسقاط “الفرض” ، الذي يتم بهذا الأداء المجرد – المروج له دون قصد – يكاد يكون الهدف الأغلب للمصلين: انهم على الأقل يسقطون عقوبة ترك الصلاة – لقد اجتازوا الخط الفاصل بين غير المصلين والمصلين، حسب تصورهم، وهذا بحد ذاته هدف بالنسبة إليهم، لأنه سيخفف عنهم عذاب القبر وأهوال جهنم التي يتوعد بها غير المصلين..

وهم قد أسقطوا هذا.. حسب ما يتصورون..

فكرة “إسقاط الفرض” أيضاً تستند إلى فهم معين للفرائض والعبادات، وكون أداءها “الجسماني – الحرفي” هو المطلب النهائي منها، أي إن العبادات تؤدى من أجل أدائها فحسب. وينتهي الأمر عند انتهاء الأداء منها.. ولا يفترض أن يكون هناك شيء آخر وراء ذلك.. وعلى حسب هذا الفهم للعبادات، يتم فهم عشرات الأحاديث والنصوص، فينظر إليها من خلال هذا المنظار ذي البعد الواحد: الذي لا يرى غير السطح من كل شيء.. فأحاديث نبوية شريفة مثل “خير الأعمال الصلاة على وقتها” – أو “أول ما يحاسب به العبد الصلاة”.. إلخ، ستجير فوراً وفق هذه النظرة الفيزيائية الجسمانية لأداء الصلاة – دون محاولة النظر إلى بقية أجزاء الصورة التي ترسمها النصوص بمجموعها..

وعندما تقتصر النظرة إلى هذا “الأداء المباشر” فإن “الأداء المباشر” سيكون هدفاً نهائياً في رؤوس كثيرين، وإن عرفوا ضمناً أن هناك “أموراً” يجب أن تتضمن في هذا الأداء

(مثل التركيز، أو الخشوع)، لكنهم مقتنعون أن مجرد “الأداء” – سيسقط الحساب العسير عن عدم الأداء..

وهكذا فإنهم سيجتازون السؤال الرهيب عن الأدا

ء – ويواجهون بقية الأسئلة.. وسيحلها يومها حلال.. متجاهلين أن “سؤال الصلاة” قد يحتوي على تفاصيل غير متوقعة.. وتخص “ما وراء الصلاة”..”او عمقها”..

فكرة “الصلاة من أجل الراحة النفسية”

ومما لا شك فيه أيضاً، أن الصلاة، كهدف ثالث، يمكن أن تبعث على الراحة النفسية..

أناس كثيرون، سيشعرون بشيء مقلق، يوخز ضمائرهم أو يدق على رؤوسهم، إذا ما فاتتهم صلاة ما، أو إذا ما استيقظوا متأخرين وهرولوا ليلحقوا بعملهم دون أن يؤدوا الصلاة، وسيكون ذلك مزعجاً مثل خشبة صغيرة عالقة بين أسنانك، ليست مؤلمة حقاً – ولكنها مزعجة – ولن تتخلص من إزعاجها إلا بالتخلص منها..

كذلك عدم أداء الصلاة، بالنسبة إلى البعض على الأقل، إنه مزعج لدرجة تجعلهم غير قادرين على مواصلة أعمالهم.. أو المضي إلى النوم..

لذلك فهم يتركون أسرَّتهم، أو ما كانوا يفعلون.. ويصلون..

ثم يعودون.. وقد زالت تلك الخشبة العالقة..

لكن، أليس ذلك نتاجاً طبيعياً للتعود؟ ألن تكون كل “عادة” صعبة عند تركها؟.. ألن يكون ترك عادة تنظيف الأسنان الصباحي صعباً ولو لمرة واحدة؟ وسيظل من أرغم على ذلك منزعجاً يحرك لسانه على أسنانه ذات اليمين وذات الشمال ليتخلص من شعوره ذاك؟..

كل عادة، خاصة إذا كانت قد نقشت على حجر الطفولة، ستؤمن نوعاً من الراحة النفسية عند أدائها، إنها تصير جزءاً من الذات، وسيكون مؤلماً حتماً تركها.. كما أي عادة..

لا أقصد هنا تشبيه الصلاة – ذلك الركن العظيم من أركان الدين – بمحض العادة، ولكني أريد أن أجرد أفكارنا من أوهامها حول الصلاة، فالراحة النفسية التي سيختارها البعض سبباً من أسباب الصلاة، قد تكون (نتيجة) وليست سبباً، نتيجة لتعودنا عليها، ولنشأتنا على ضرورة الصلاة..

فكرة “التواصل معه عز و جل “

ومما لا يمكن نكرانه، أن هناك فئة من المصلين، تستطيع فعلاً، أن تحقق عبر صلاتها تواصلاً ما، معه سبحانه وتعالى، وتلتذ بمناجاته وتجد في الصلاة “كوة” تنسحب إليها من معركة الحياة، وفي هذه الكوة هناك نوعٌ من الأمان والراحة النفسية والتوازن..

هذا لا يمكن إنكاره، لكنها فئة تكاد تكون مهملة إحصائياً..

وحتى لو لم تكن مهملة إحصائياً، فإنه من غير المؤكد، إن الهدف من الصلاة – هو هذا التلذذ الفردي جداً، الشخصي جداً.. هناك حتماً ما هو أهم من ذلك – لكي تكون الصلاة “عماداً” للدين..

وحدّاً فاصلاً بين “الإيمان” و “الكفر”..

لا، ليست “كوة” ننسحب إليها..  لننعم بقليل من السكينة، لا بد أن يكون هناك “شيء” آخر..

يفترض ان تكون “ركنا “..و ليست كوة

لا يمكن إنكار أن “الصلاة” تبعث على الراحة النفسية والتوازن الداخلي. لكن يمكن – بالتأكيد – مجادلة أن ذلك هو الهدف الأصلي منها..

والأمر هنا يتعلق بما هو أكثر من العبادات، بل بالنظرة إلى الدين “ككل” –

فهناك فعلاً نظرة تاريخية، تجعل من الدين وسيلة من وسائل “الراحة” و “السكينة” و “الطمأنينة” بالذات وسيلة تسهل التعايش مع واقع صعب..

ومع كل الاحترام لبعض الأديان التي “وظفت” تاريخياً داخل هذا السياق، فإن هذه الوظيفة لا تنطبق على الدور التاريخي الذي لعبه الإسلام عند ظهوره – فقد كان أي شيء باستثناء “تسهيل التعايش مع الواقع الصعب” – ولو أنه كان كذلك، لبقي المسلمون الأوائل مجرد فئة “صابئة” في مكة، ولما كان أحد سمع بهم، ولما كنت أكتب الآن ما أكتب: أي إن التاريخ كله كان سيسير باتجاه مختلف تماماً..

لا ريب أن “الصلاة” تمد براحة معينة. لكنها راحة تمتزج مع القوة. إنها راحة الشخص القوي الذي أخذ وجبة من الطعام الطبيعي المليء بالفيتامينات والحديد..

وشعر بالراحة المنبعثة من ثقته بنفسه وبقدراته، وليس بالراحة المزيفة التي سيشعرها شخص تناول مخدراً ما أنساه آلامه وأوجاعه وهموم واقعه..

إذا كانت الصلاة تبعث على الراحة، فهي مثل راحة ابن حنبل بمواجهة جلاديه، وابن تيمية ضد سجانيه، وابن رشد بمواجهة خفافيش عصره، وليس مثل راحة شاب عاطل عن العمل يشخر في انتظار الصلاة لكي تساعده الصلاة على تحمل واقع البطالة الذي يعيشه..

فرض و كفى !

وهناك طبعاً الرد الأكثر شيوعاً والأكثر بساطة عندما نسأل عن السبب في الصلاة..

“إنها فرض، وكفى”.. سيكون هذا شائعاً جداً..

وهي فرض بالتأكيد. وليس التشكيك في “فرضية” الصلاة بوارد هنا.. والبحث عن سبب لكون هذه الفريضة بهذه الدرجة من الأهمية، سيكرس أهميتها ويفعلها.. أما عندما تصطدم بهذا الرد “إنها فرض وكفى”.. فأنت تعلم قطعاً أنها صلاة تؤدى من أجل “إسقاط هذا الفرض” وكفى..

كون الصلاة “فرض، وكفى” – يعكس فهماً معيناً يجعل أوامر الشريعة “بلا أسباب”، وإنما هي أوامر وكفى، دونما مقاصد، دونما أهداف.. فقط أوامر علينا أن ننفذها بحرفية “مفرغة” من الفهم..

والنتيجة هي ما نرى.. النتيجة هي كل ما حولنا..)

سلسلة ” ضوء في المجرة ” بعناوينها الستة

سلسلة ” ضوء في المجرة ” بعناوينها الستة

1-    ادرينالين…  http://www.furat.com/index.php?page=bookinfo&b_id=16570

 

2-      الذين لم يولدوا بعد http://www.furat.com/index.php?page=bookinfo&b_id=1656

 

3-      كش ملك          http://www.furat.com/index.php?page=bookinfo&b_id=16567

4-      يوم شهر سنة   http://www.furat.com/index.php?page=bookinfo&b_id=16566

5-      تسعة من عشرة  http://www.furat.com/index.php?page=bookinfo&b_id=16568

6-      غريب في المجرة  http://www.furat.com/index.php?page=bookinfo&b_id=19415

 

 

   و السلسلة عموما دعوية بدم جديد في الدعوة ، بأسلوب حميم يقترب من الهمس و يشعر القارئ ان الكاتب يتحدث عنه هو شخصيا..

ظروف و ملابسات كتابة السلسلة  بحثت في الجزء الاخير منها  “غريب في المجرة” و التي تتحدث عن “الاخوة في الله” و لكل واحدة من اجزاء السلسلة موضوعا محددا تتحدث عنه

و من “أدرينالين ” هذه السطور..

يا صديق ..

في كل مرة أكتب لك فيها، كنت أطمح وأطمع إلى أن تتأثر بما أكتب..

وكل مرة، كان ذروة التأثر الذي أبغيه يتمثل في دموعٍ تهبط من عينيك..

وفي مراتٍ معدودة – ثلاثة على ما أعتقد – حصلت على ما أبغيه، وهبطت الدموع من عينيك..

هذه المرة، أقول لك: لا تبكِ…

لا أريدك أن تبكي، لا أرد أن تهبط الدموع من عينيك..

هذه المرة أبغي تأثراً مختلفاً..

لا أريد تأثراً ينتهي باستعمال المنديل الورقي..

أريدك أن تشعر قليلاً بالغضب، أريد للدم أن يجري ساخناً في عروقك..

أريدك أن تشعر بالغيرة، أريدك أن تحس بالألم والحزن تجاه هذا العالم الذي فقد صوابه..

أريد أن تشعر بأن هذا الدين مثل عرضك، تغار عليه كما تغار على أختك، تصونه كما تصونها، وتحافظ عليه كما تحافظ على شرفها..

لا أريدك أن تبكي؛ عند الشرف، لا تجدي الدموع، إنما أريد الغضب، إنما أريد الغيرة..

لا أريد من شغاف قلبك أن يكون رقيقاً..

ليكن قلبك صخرة؛ ودعني أحفر عليه بإزميل الحروف والكلمات معاني الغيرة والغضب. على الأقل ما يحفر على الصخرة يبقى فيها إلى الأبد…

نعم، ليكن قلبك صخرة، ولكن أشعر بالغضب..

هذه المرة، لا شغل عندي بالغدد الدمعية وإفرازاتها..

إنما أريد الأدرينالين..

*     *     *     *     *

الأدرينالين!!

وما أدراك ما الأدرينالين؟!..

في عروقنا يجري، هورمون يفرز من عدة هورمونات أخرى يفرز عند الغضب، عند القلق، عند الخوف..

وعند الغيرة بالتأكيد..

إنه المسؤول عن تسارع دقات القلب، عن تزايد النبض، عن احمرار الوجه الذي يحصل عند الغضب والخوف، والقلق.. والغيرة..

ذلك الهورمون الذي يفرز من غدة صماء فوق الكلية، يكون بمثابة جهاز لقياس مدى حساسيتك..

إنه يحول انفعالك من الداخل، حيث تكون مجرد إشارات كهربائية على الحبال العصبية، إلى الخارج؛ إلى الجوارح.. فتؤثر على عضلات الوجه، وعلى النبض، وعلى دقات القلب.. وعلى مجرى الدم..

الأدرينالين..

إنه يختصر انفعالاتك.. يحولها إلى سائل مقنن محدد الكمية والحجم..

مع الأدرينالين، لا كذب هناك، لا زيف في الانفعالات..

مع الأدرينالين؛ لا نفاق لا رياء.. كل شيء يختبر بالكيمياء.. لا مجال للتمثيل.. لا مجال لاختلاق الأعذار.. لا مجال للف والدوران..

الأدرينالين.. يسري في عروقك، يزيد عند القلق، عند الغضب، عند الغيرة، وعند الخوف..

وذات يوم، سيكون هذا السائل الذي يفرز من غدة صماء شاهداً عليك.. سيترك صممه ويستجيب للذي خلقه وخلقك.. وسيحسب..

كم لتراً منه يا ترى عند الشهوة؟؟؟ عند حب التملك؟؟ كم لتراً منه في الظلم عند الحرام؟ كم لتراً منه سبح دمك فيه عند العقوق؟ كم مرة من أجل زحام السير؟ من أجل عطل في السيارة؟ من أجل أن أحدهم أخلف في الموعد معك؟ كم مرة من أجل حرارة الجو؟ كم مرة من أجل أن الطعام لم يكن جاهزاً؟ كم مرة لأنه لم يعجبك؟ كم مرة، هكذا، بلا سبب؛ فقط نهضت من نومك وأنت متضايق؟؟

كم مرة من أجل غيرة حرام على ما لا يحل لك؟ كم مرة على المال؟ كم مرة من أجل أن ملابسك لم تكن مكوية كما تريد؟ كم مرة من أجل أن الماء انقطع وأنت تغتسل، أو لأنه صار بارداً جداً؟

كم لتراً منه من أجل الدنيا؟ ( أم أن الكمية كلها كانت كذلك ؟؟!! ) …

وأتساءل: كم مايكرو غراماً منه من أجل الله، وفي الله.. كم مرة أفرز الأدرينالين لأن فلاناً من أصحابك لم يعد يصلي؟ أو لأنه أخذ يزني؟ كم مرة من أجل أن الناس لا يصلون؟ كم مرة من أجل المائلات والمميلات، ومن أجل الشبان الذين حولهن؟

كم مرة من أجل أن الناس لا يبالون، ولا يهتمون، وهم إلى جهنم سائرون؟

كم مرة من أجل حدود الله المنتهكة، وحقوقه المهدورة؟

كم مرة أفرز الأدرينالين غضباً، غيرة، ألماً للــــه؟

أم إن ذلك أصلاً لم يحدث، ولم يخطر في بالك أنه يجب أن يحدث؟

*     *     *     *     *

ولأنه في عروقي دم، وفي دمي أدرينالين، فإني يجب أن أغار..

قل لي، كيف لا أغار، والسماء نفسها تغار، وكل يوم تقول لرب العزة: يا رب اتركني أطبقها عليهم.. فيقول لها: لا…

وكيف لا أغار، وحتى البحر البارد يغار، وكل يوم، كل يوم! يقول لربه: يا رب اتركني أغرقها عليهم.. فيقول له: لا…

وكيف لا أغار، وحتى الأرض التي تسير عليها تغار، وكل يوم تقول لله: يا رب اتركني أخسفها بهم.. فيقول لها: لا..

وكيف لا أغار، والله نفسه، في عليائه يغار.. ولأنه يغار فقد خلق لنا الجنة، حتى يجذبنا إليه، وحتى لا نذهب إلى سواه..

ولأنه يغار أيضاً، فقد خلق النار، حتى يكرهنا فيمن سواه، ويزيد اندفاعنا نحوه..

ولأنه يغار فقد تنزل عفوه ومغفرته ومودته ورحمته.. مهما ابتعدنا عنه سيظل فاتحاً بابه..

ولأنه يغار علينا، فهو الذي يأتي إلينا بدل أن نذهب نحن إليه، وكل يوم ينزل عارضاً رحمته ومغفرته وإجابته للدعوات..

ولأنه يغار علينا فقد أنطق الطبيعة باسمه، وجعلها تشير إليه، وتدل على عظمته وقدرته..

ولأنه يغار علينا فقد أرسل الرسل وأنزل الرسالات، والله ما كان في حاجة لذلك، فكل ذرة من ذرات الكون تدل عليه.. وتُرشد إلى دربه.. وتُسهل الوصول إليه.

ولأنه يغار علينا فقد قدر ولطف وهدانا إلى الطريق إليه، ويسر لنا القرب منه واللجوء إليه، وحبب لنا الرجوع له، بعد الغياب عنه..

ولأنه يغار علينا، فقد حدَّ الحدود، وأنزل الناموس، ووضع الشريعة ميزاناً مستقيماً، لا يزيغ عنها إلا هالك.. لا يزيغ عنها إلا من لا غيرة عنده..

فقل لي: كيف لا أغار والكون كله يغار؟ وخالق هذا الكون أيضاً يغار.

رغم أننا ربما، لا نستحق ذلك..

*     *     *     *     *

فلا تسألني: لماذا أغار؟، بل أسألُ: لماذا لا تغار؟

وإذا لاحظتَ يوماً أن غيرتي قد انتهت، فاعلم أني متُّ، وترحَّم علي.

وإذا استطعت أن تصلي، فصلِّ علي..

وإذا لاحظت يوماً أن غيرتي قد انتهت، فاعلم أني أنا الذي انتهيت، وأن قلبي صار مجرد مضخة، وعروقي محض مجارٍ، يسري فيها دمٌ بارد.. وفورمالين.. ومواد حافظة..

إذا أردت التأكد من موتي، فلا تقِس النبض في عروقي، ليس في ذلك إشارة موتي أو دليل حياتي، ولكن قِس الأدرينالين في دمي..

أقول لك: به فابدأ……

 

البوصلة القرآنية

 

الكتاب الاول  للدكتور العمري ، صدر في أواخر عام 2003..و  كان له صدى واسع  عند صدوره و لفت الانتباه الى مفكر جديد باسلوب جديد  و نمط مختلف في عرض الافكار..يعكف الدكتور العمري على إصدار طبعة جديدة من الكتاب ، منقحة و مزيدة…و منه هذه المقتطفات..

مقدمة ثانية

 

المكان: مكة؛ شعابها بالتحديد.

الزمان: القرن السادس الميلادي. قرن نموذجي للأوضاع السيئة التي تسقط فيها الإنسانية بين عصر وآخر. قرن غارق في ظلمة حالكة. الاستغلال يضرب بأطنابه في العلاقات بين البشر.

والحروب تصبغ وجه العالم بلون الدم. والأديان السماوية لم تعد سماوية بأي شكل من الأشكال، وسقطت بين فكي الإفراط والتفريط، ولم تنتج من مظاهر الوثنية والشرك التي اقتبستها من المدنيات الأخرى..

والمعادلة القديمة إياها: الأغنياء يزدادون غنًى. والفقراء يزدادون فقراً.

والظلم.. الظلم.. الظلم.

المناسبة: فرصة البشرية الأخيرة، لتغيير ذلك كله.

* * *

وذلك الرجل، ينسحب من مجتمعه الجاهلي بكل تقاليده وعاداته ومكرساته، ليدخل الغار، متأملاً في ذلك كله، ومتعبداً دون طقس معين..

وذلك الغار: حفرة في الجبل، مظلمة ورطبة. تعطي لذلك الرجل ما يريده: عزلته السرية وتأملاته الخاصة. في ظلمة الغار يجد العزاء والمواساة للظلمات الأخرى التي يغرق فيها المجتمع.. وفي رطوبته ما ينسي ولو مؤقتاً ذلك الجفاف الذي يطغى على العالم في طبيعة علاقاته وعاداته..

ولم يكن هذا الرجل بدعاً من هؤلاء الرجال المنسحبين..

ففي كل مكان من أرجاء المعمورة كان هناك رجال يأبى رصيد فطرتهم الانخراط فيما انخرطت فيه مجتمعاتهم، فينسحبون إلى الخلاء، في غار أو صومعة أو كهف أو دير، ينسجون لحياتهم نسيجاً خاصاً من الزهد والتعبد والابتعاد عن المجتمع.

وكان كل منهم يستحيل كوكباً منفصلاً، يدور في مداره الخاص بعيداً عن المجتمع، عن الواقع، وعن الزمن..

وحتى تلك اللحظة، كان يبدو لظاهر العيان أن ذلك الرجل المتعبد في غار حراء مرشح ليكون واحداً من هؤلاء الرجال المنسحبين الذين تصير حياتهم فيما بعد مداراً خاصاً لا علاقة لها بما حولها..

حتى تلك اللحظة: بدا ذلك الرجل أنَّهُ سيكون واحداً من تلك الأقلية المستنكرة، مثل الأحناف أو بعض النصارى من العرب، ممن لا يصل استنكارهم إلى درجة التمرد، وبالذات لا يصل لدرجة محاولة تغيير الأوضاع..

* * *

حتى تلك اللحظة، كان كل شيء يسير بشكل يسُرُّ الشيطان، لأنه يحقق قسمهُ العتيق {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأَُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ *} [ص: 38/82] .

كانت الأديان قد فقدت محتواها الإنساني والروحي معاً. وصارت مجرد طقوس وشعائر لا تغني شيئاً فضلاً عن انحرافاتها الوثنية.

وهؤلاء الزهاد المنسحبون: لا صوت لهم ولا دعوة. مجرد أناس على هامش المجتمع.. والمجتمعات البشرية تسير في خطاها المحتومة نحو هاويتها، لاهيةً عن مصيرها، بحروبها وعبثها وشهواتها.

.. كانت السماء صامتة – مكفهرة.

.. وكانت الصحراء خرساء كما لو كانت تخفي في أعماقها سراً دفيناً.

* * *

كل ذلك كان قبل لحظات، وكان يمكن أن يستمر دهوراً أخرى.

لكن حدث – خلال لحظة – ما غير ذلك كله..

لم يعد ذلك الانسحاب هروباً وعزلة: بل صار انفتاحاً نحو العالم كله.

الغار، من ظلمته انبعث نور غطى وجه العالم أجمع.

.. وذلك الرجل الذي كان مرشحاً ليصير واحداً من أولئك الزهاد المنفصلين عن المجتمع والواقع والتأريخ.. ذلك الرجل صار أمة.

عندما جاءت تلك اللحظة.

اللحظة – الذروة.

* * *

من الصعب أن نطبق نظرية بحذافيرها على تلك اللحظة. من الصعب أن نجد مصطلحاً محدداً، يتلبس تلك الذروة أو يتقمصها..

كل تلك كلمات. تناور وتدور حول المعاني. تصف ولا تصف. تنجح وتخفق.

كل ما نستطيع قوله هو أن أساساً جديداً للعلاقات قد بدأ.. العلاقات بين الإنسان والمجتمع.. الإنسان والكون.. الإنسان وخالقه..

بالضبط: إن وعياً جديداً قد بذرت بذرته في تلك اللحظة .

ولادة للوعي الإنساني؟ ربما!

* * *

كل ذلك عندما جاء المَلَك للغار، وقال لذلك الرجل تلك الكلمة الهائلة الرهيبة: {اقْرَأْ}.

* * *

بعد صمت طويل – دام حوالي ستة قرون. جاءت كلمة السماء: {اقْرَأْ}.

{اقْرَأْ} إنها أول كلمة اختارها الله ليعرف نفسه إلى نبيه. بل إلى آخر أنبيائه.. وهي لا تشبه أبداً الكلمات الأخرى التي قيلت للأنبياء الآخرين.

ففي كل الرسالات السابقة كان الخطاب الإلهي يعتمد على إعجازٍ (حسي)؛ عصا تسعى، يد بيضاء، طير يعود إلى الحياة..

في كل الرسالات السابقة كان الله يخاطب في الإنسان حواسه.

لكنه في هذه المرة، ربما لأنها المرة الأخيرة ، اختار – عز وجل – طريقة أخرى. مضموناً آخر، وصيغةً أخرى..

إنه يخاطب أول ما يخاطب العقل الإنساني هذه المرة. دونما اعتماد على الحواس الإنسانية. إنه يؤسس للغة جديدة في العلاقة بين الله والإنسان؛ لغة تعتمد على العقل ، بعدما ثبت للبشر فشل اللغات الأخرى في العلاقة بينهم وبين الله.

لذلك تأتي {اقْرَأْ} صيغةً ورمزاً لعلاقة جديدة. بطاقة مختلفة لتعريف مختلف يقدم بها الله وحيه الإلهي. وأي كلمة، تلك هي {اقْرَأْ}.

* * *

{اقْرَأْ} كلمة السر – الذي لم يعد سراً بل صار جهراً في العقيدة الجديدة، دونما إبهار أو أساطير أو معجزات تشبه القصص الخرافية..

.. وبينما تنام شعوب على خيالات كلمة السر التي تفتح مغارات الكنوز، فإن كلمة السر هذه قيلت في الغار ثلاث مرات لرجل أُمِّي، ولأمته من بعده، ففتحت أبواب العلم وآفاق المعرفة، وجُنيت كنوزٌ وكنوز للإنسانية عبر القرون التي سادت فيها حضارة {اقْرَأْ}.

ولا يدر ي أحد على وجه التحديد في أي مرحلة من مراحل العلم سنكون اليوم لو لم تُقَل تلك الكلمة – السر..

لكن الذي حد ث أن تلك الكلمة التي قيلت في الغار همساً، صارت شعاراً لحضارة، ومنهاجاً لحياة، وأول ما أنزل من كتاب سيتخذ من الفعل ذاته {اقْرَأْ} اسماً يتلى ويتعبد به في تصور وعقول أتباعه..

* * *

وكلمة {اقْرَأْ} لم تكن أول كلمة أنزلت من الوحي فحسب.

بل كانت أول فعل أمر أصدره الله إلى رسوله الأخير، وإلى أمته من بعده، بطبيعة الحال. أي إنها كانت ببساطة شديدة. ودونما تشنجات فقهية – أول فرض فُرِضَ على محمد (ص) .

القراءة: أول فرض فُرِض في الإسلام، قبل الصلاة والصوم والزكاة والحج.

وبعبارة أخرى: كانت كلمة (اقرأ) الشاملة هي المدخل الذي فُرِضَتْ عبره كل الفرائض الأخرى..

وبعبارة أوضح وأدق: كان العلم – بمعناه الشمولي والواسع- هو الإطار الذي من خلاله أخذت كل الفرائض الإسلامية موقعها الذي حددته الشريعة فيما بعد.

والحديث عن علاقة الإسلام بالعلم بات حديثاً مكرراً استهلكت فيه المعاني ونفدت، وهو حديث يرتكز على الاستشهاد بعدد من الآيات القرآنية التي تشيد بالعلم والعلماء، وعلى كثرة تكرار لفظة علم ومشتقاتها (البالغة حوالي 439 مرة) في القرآن الكريم – ليستنتج أن الإسلام (حث) على العلم، وأن هذا الحث هو التغيير المنطقي للطفرة العلمية التي أنجزتها الحضارة الإسلامية..

للوهلة الأولى، تبدو مقدمات الاستشهاد ونتائجه صحيحة. لكن عندما يفكر المرء أن الوحي الإلهي بدأ بـ {اقْرَأْ} فإنه يقر أن الأمر أكثر من مجرد حث، وأن الطفرة العلمية الإسلامية أكثر من مجرد استجابة لهذا الحث.

عندما يبتدئ الوحي بـ {اقْرَأْ} فالأمر أكثر من الاستحباب وأكثر حتى من الوجوب . إنه يقع في منطقة خارج التقسيمات الاصطلاحية التقليدية – ويقع في منطقة عميقة جداً في البناء الإسلامي: في الأساس، في الأركان ، في القاعدة.

وهذا ما كان واضحاً، دونما تنظير فكري – بل واقعاً يومياً معاشاً لأفراد الجيل الأول، وهو الذي شكل الدفعة العلمية الكبرى التي أنجزتها الحضارة الإسلامية..

أما أن نتصور أن (الحث) والأوامر الإسلامية بطلب العلم، قد حققت ذلك الثواب، وتلك الطفرة – فهو أمر أقرب إلى السذاجة منه إلى النظر والتحقيق العلمي.

لقد كان الإسلام لغة جديدة.. روحاً جديدة.. مضموناً جديداً بصياغة جديدة للعلاقات الإنسانية بعضها مع بعضٍ ومع الله..

وكانت المفردة الأولى التي تكونت في هذه اللغة الجديدة، بالأبجدية الجديدة، هي كلمة {اقْرَأْ}.

* * *

لكن الرجل الذي أنزلت عليه {اقْرَأْ} كان أُمياً.

وقد ظل علماؤنا لفترة طويلة يفسرون ذلك أنه من أدلة النبوة وأوجه الإعجاز – في مواجهة المشككين بصدق نبوة محمد (عليه الصلاة والسلام)..

لكن الانطلاق من أرضية التصديق يمنح ذلك التناقض الظاهري بين {اقْرَأْ} وبين أُمِّية النبي أفقاً واسعاً للتأمل وفضاءً رحباً للتحليق.

إنه يحرر القراءة من أسوارها الأبجدية وحدودها اللغوية – على سعتها – ليطلقها في عالم المعاني شديدة الثراء والخصوبة.

إنه يحرر القراءة من المفاهيم الجامدة للتلقين الغبي إلى قراءة ما هو غير مكتوب في بطون الكتب، إنه دعوة لقراءة كتاب الكون المفتوح، المتمثل في كل ذرة من ذرات الخليقة.. والمتجسد في كل حبة رمل، ونسمة هواء، وثمرة شجر.

إنه دعوة للقراءة في كتاب النفس الإنسانية: في كل نزعة خير ونزوة شر، وعاطفة حب تسمو بها النفس، نحو الجمال والسمو، أو تهوي بها نحو الرذيلة والانحدار.

والمتأمل في اللفظ المجرد {اقْرَأْ} في اللغة العربية يجد في ثراء المعاني المرتبطة به زوايا جديدة للنظر نحو الأمر الأول، بل الفرض الأول الذي نزل في الغار.

فمشتقات {اقْرَأْ} ترد بمعاني: الحمل. الجمع، من المجموع. الفقه. المدة الزمنية. وكل واحدة من هذه المعاني تمنح {اقْرَأْ} بعداً جديداً يوضح رؤيتنا لما حدث في الغار يومها.

فالقراءة – بمعنىً ما – هي (حمل أيضاً)، وهو حمل ينتج من اللقاء الخصيب بين العقل الإنساني والواقع الإنساني، ذلك اللقاء الذي ينتج بذرة الوعي وجنين الأمل.. في حمل قد يدوم عقوداً أو قروناً.. أو يجهض..

وهي ترتبط بالجمع – قراءة شمولية متوازنة تنظر إلى العالم كله برؤية تكاملية غير تجزيئية..

وهي عين الفقه – الفهم – الذي يغوص عميقاً بحثاً عن الجذور، والذي يبحث عن الأسباب لا عن الظواهر، ويشخص الأمراض ولا يحدد الأعراض فقط.. ومرتبطة بالفترة الزمنية – لأنها ليست مطلقة، خارج الزمان والمكان، وذات صلاحية غير منتهية بل – وبسبب ارتباطها بالواقع ومتغيراته – تحتاج إلى عين بشرية جديدة وعقل بشري جديد باستمرار، ليقرأ من جديد.

وهكذا فـ {اقْرَأْ} هي دعوة لقراءة الكون بأجمعه.. الخليقة بأجمعها، والتاريخ، والنفس البشرية..

إنها دعوة استقراء واستنباط وتبحر عميق في العلاقة الحتمية بين الأسباب والمسببات، وهي ذات الدعوة التي تمخضت فيها بعد بما يسمى اليوم بالمنهج التجريبي في العلوم – والتي كانت من أهم ركائز الانطلاقة الإسلامية في الحركة العلمية. والتي تعتمد على الملاحظة والاستنتاج، لكنها بدأت حقاً في الواقع اليومي المعاش، من {اقْرَأْ} التي بدأت بملاحظة الظواهر البسيطة المحيطة بالفرد البسيط ولا تنتهي حتى بالكون العميق.

إنها فتح لأبواب العقل نحو الجهات الأربع: شمال وجنوب، شرق وغرب. تتخطى الأبعاد الثلاثة بل وحتى البعد الرابع: الزمن.

الكلمة الأولى: {اقْرَأْ} في العمق. في العمق جداً. مثل حقنة في العضلة للوعي الإنساني، للعقل الإنساني، بل للنوع الإنساني كله.

* * *

ولو تابعنا الحديث الذي روته السيدة عائشة، والذي أورده البخاري في صحيحه لوجدنا نصاً شديد الخصوبة، يحدثنا فيه رسول الله (ص) نفسه عن تجربته الهائلة الأولى مع الوحي.. والذي يتضح من متابعة الحديث، أن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام كان يعي – وإن كان بغموض – منذ اللحظة الأولى ضخامة الكلمة التي أنزلت عليه. كان يعلم أنها تتجاوز حدود القراءة الاعتيادية إلى أفق غير منظور، فهو ينكر الطلب «ما أنا بقارئ» – ثلاثاً – وهو يرجع بها، ويرجف بها فؤاده، ويقول: «لقد خشيت على نفسي»، وقَبْلَها يطلب: «زملوني زملوني» فزملوه حتى «ذهب عنه الروع».

كل ذلك يؤكد بشكل قاطع أنه عليه أفضل الصلاة والسلام كان يدرك منذ اللحظات الأولى لرسالته أهمية ما جرى له، وأهمية ما نزل به الوحي. ولم ينقل عنه أبداً أنه استشكل أمر القراءة، وهو الأُمِّي – وهذا يعني أنه كان يعي أن أمر القراءة يتجاوز الشكل الحرفي – الأبجدي – إلى معنى الوعي والاستقراء كله، ثم أكد له ورقة بن نوفل ما كان يدور في وعيه: «هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى». ولم تكن سوى ثلاث آيات، لكن ورقة وجد فيها الناموس، ووجدها سحيقة القدم، عميقة الجذر، تتصل بموسى – بعمق التاريخ. ثم قال منبهاً: « ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك » ولعل محمداً كان يعلم الجواب – أو يخالجه – إذ سأل: أَوَ مُخرجيَّ هم؟ لضخامة الكلمة – الناموس التي ألقيت عليه، فيجيبه ورقة ما يجيبه، وضمن الجواب (نعم).

* * *

وعندما نزل وحي السماء: {اقْرَأْ} بعد ذلك الصمت الطويل لم يحدث شيء.

لم تنطفئ الشمس. لم ينشق القمر. لم تتعطل قوانين الفيزياء ولا لحظة واحدة. لم تسقط الشهب والنجوم. لم يتصدع إيوان كسرى ولا عرش قيصر.

… لم يحدث شيء على الإطلاق .

ولم يسمع أحد خارج الغار هذه الكلمة الهمسة التي جاء بها الملَك إلى محمد، ولو أنه لم ينقل الخبر لما عرف أحد.

.. لم يحدث شيء غير طبيعي بتاتاً، فقط كلمات قيلت في أذن النبي وقلبه في غار مظلم في شعاب مكة.

ظل الحال على ما هو عليه: الشمس تشرق وتغيب في مواعيدها، والكون كله سائر على الخطة المحكمة المرسومة له بإتقان، دون أن يتأثر بما حدث.

.. هذه المرة – وهي المرة الأخيرة بالمناسبة – لن يكون هناك أي داع لتحدي قوانين الفيزياء.. الأكثر من ذلك أن هذه الرسالة ستكون في حقيقتها صلحاً مع هذه القوانين لا تحدياً.

هذه المرة سيكون التغيير في الداخل، في العقل، في القلب، في الوعي، سيكون التغيير في الإنسان وهو الذي سيفعل الباقي .

ماذا كان سيفيد لو انشق القمر، أو تصدع إيوان كسرى، أو انطفأت الشمس؟

المهم أن ينشأ وعي جديد لمفاهيم جديدة ليكوِّن مجتمعاً آخرَ هو الذي يصدع إيوان كسرى، أو عرش قيصر.

لذلك نقول بفخر: لم يحدث شيء بتاتاً.

وكان ذلك منسجماً أشد الانسجام مع فحوى ومضمون الكلمة الأولى:

{اقْرَأْ} .

* * *

كانت تلك هي الولادة الجديدة للوعي الإنساني وللعقل الإنساني، التي حدثت في غار حراء.

أما المخاض – مخاض الوعي – فسيستمر فترة طويلة تمتد حتى الـ 23 عاماً التي كونت عمر الدعوة ويتجاوزها.

وعبر القرون سيعاني المخاضَ كثيرون، أولئك يجددون الوعي المسلم والفكر المسلم، بل يبعثون للأمة دينها (كما جاء في الحديث الصحيح..) إنهم يمنحون للقراءة أبعادها المتجددة المتفاعلة مع إرهاصات الواقع وتراكمات الخبرة الإنسانية.

من جاهلية مشركي مكة إلى نظام العولمة المهيمنة، يظل جوهر المخاض واحداً. إنها {اقْرَأْ} حتى وإن غفلنا عنها لقرون، تخفت أحياناً، ويكون صوت الضجيج أعلى من همسة الغار، لكنها هناك موجودة، في الأعماق، وإذا أنصتنا قليلاً لنبض الوعي، فستكون همسة الغار أعلى من كل الأصوات، أقوى من كل الأصوات.. أبلغ من كل الأصوات.

* * *

بالرغم من سعة الأفق الذي انطلقت فيه تلك الكلمة {اقْرَأْ} إلا أنها مع ذلك مبنية على قواعد وأسس متينة، والأهم من ذلك: ثابتة.

ولعلنا هنا يجب أن نسجل أن الثبات ليس عيباً نخجل منه ونتجاهله – كما هو المعتاد اليوم في عصر يفخر بأنه عصر المتغيرات السريعة. نعم! هناك متغيرات، ولكن هناك أيضاً ثوابت. ونحن لا نخجل إذ نقر: في ديننا ثوابت. في حضارتنا ثوابت، وفي مفاهيمنا ثوابت.

ولذلك فقراءتنا أيضاً مستندة إلى ثوابت. وهذه الثوابت قاعدة لرؤية وأساس لنظر، إنها العصب البصري الذي يغذي العين التي تقرأ، والبصيرة التي تستوعب. وهذه الثوابت لا تمارس دوراً انتقائياً سلطوياً فوقياً، على موضوع القراءة أو النظر.

فالعالم كله، الخليقة كلها، بكل تفاصيلها وكل تدرجاتها، تظل ميداناً مفتوحاً لـ {اقْرَأْ}.

لكن الانطلاق نحو ذلك يظل محكوماً بالقواعد القرآنية.. بالرؤية القرآنية .. بالمقاصد الثابتة للشريعة التي تتوجه نحو ما هو ثابت – وهي مقاصد مستقاة من القرآن نفسه.. فـ {اقْرَأْ} تتكامل وتتحد بالقرآن، وعبر القرآن تتوضح زوايا الرؤية ويصير القرآن نفسه، قراءة للعالم والخليقة والكون ككل.

* * *

حسب أحدث الإحصاءات: 40% من المسلمين ممن فوق سن الـ 15 عاماً هم أُمِّيون. أي إن هناك اليوم أكثر من ربع مليار مسلم بالغ ويعاني من الأُمية. والأُمية هنا هي الأُمية الأبجدية – والتي هي أُمية فك الخط. الـ 60% من البالغين الذين يفكون الخط هم في أغلب الأحوال – لا يفكون أكثر من الخط، و{اقْرَأْ} بالنسبة إليهم ليست أكثر من أحرف أبجدية، لا تعني أكثر من الأصوات التي تترجمها، ونسبة الأُمية هذه مصحوبة بأرقام أخرى مفزعة توثق أوضاع التخلف والتردي التي يعيش فيها مسلمو اليوم.. ولعلنا لا نحتاج إلى أرقام وإحصائيات لنعرف أننا متخلفون. لعل نظرة واحدة حولنا تكفي لاستيعاب ذلك.

إننا متخلفون. نعرف هذا ونقر به. ولكن اعترافنا هذا لا يلغي تخلفنا، ولا يوضح أسبابه، ولا يقلل من حجم المسؤولية الملقاة على عاتقنا، مسؤولية المفارقة المتولدة من أننا ندين بدينٍ كان أول ما أنزل منه: {اقْرَأْ}.

* * *

لكن أكثر جوانب المأساة بروزاً هي موقف حملة القرآن والدعاة، من أول كلمة أنزلها عز وجل على الرسول الكريم.

فرغم انتشار الصحوة الإسلامية  في مظاهر كثيرة ، فإن هناك قصوراً واضحاً في علاقتها مع {اقْرَأْ} وهو القصور الذي ينعكس على علاقاتها بالمجتمع والواقع والتاريخ والمستقبل، بل على علاقتها مع نفسها كظاهرة صحوة، وعلى علاقتها بالإسلام، ككل.

ذلك أن مفهوم {اقْرَأْ} ظل مفهوماً ثانوياً ومرتبطاً بالقراءة التقليدية الجاهزة للمجلدات والكتب التي سطرها الأولون فحسب. وكانت هذه القراءة – إلا فيما ندر – تلقيناً تقليدياً، لا حواراً بين الأجيال وبين الواقع الحاضر – والماضي، بل كانت قراءة تحاول إقسار الماضي على الحاضر ولو بالقوة. وتفرض فهما معينا  على ظروف القرن الخامس عشر.. وكان ذلك تحجيراً لواسع. وتقزيماً لمارد. واغتيالاً لروح الإبداع. لصحوة الأمل في النفوس.

ومن هذا الخلل الكبير لفهم {اقْرَأْ} نتجت ظواهر فكرية مؤسفة في الصحوة – الأمل. بالرغم من أن هذا الخلل نفسه نتج عن مجموعة ظروف وملابسات تاريخية واجتماعية قديمة، تعود إلى عصر الانحطاط، لكن النتيجة النهائية للفهم الجامد لكلمة {اقْرَأْ} كانت استمراراً لتكريس قيم ومفاهيم عصر الانحطاط بل تحويلها إلى بديهيات، مسلمات لا غنى عنها.

* * *

الآيات الثلاث نفسها التي أنزلت أول مرة في الغار، كانت تحمل إشارة إلى خلق الإنسان من علق. والعلق مضغة الدم، وهي طور من الأطوار الجنينية التي يمر بها الإنسان، وقد ذُكِرَتْ هذه الأطوار بتفصيل أكبر في آيات أخرى من سور مختلفة. لكن موقعها هنا بعد {اقْرَأْ} مباشرة، وقبل {اقْرَأْ} مباشرة، يثير الانتباه والتأمل، للوهلة الأولى – على الأقل.

لكن لا عجب، فالعلقة دور من أدوار التطور التي يمر بها الإنسان – إلى أن يصير إنساناً، بالضبط كما تمر بقية المخلوقات بأدوار وأطوار تختلف أو تتشابه مع الأطوار الإنسانية بحسب موقعها من خارطة الخليقة: القطة والكلب والفيل والنملة وحتى الديناصور، مروا جميعاً بأطوار معينة – مثلما مر الإنسان.

لكن تطور الإنسان لا ينتهي بانتهاء هذه الأدوار الجنينية، كما ينتهي تطور بقية الحيوانات. إنه لا يكتمل إنساناً إلا بخطوة أخرى.. بطور آخر.. وبينما يمر الإنسان بتلك الأطوار السابقة بالرغم عنه – كما تمر الحيوانات الأخرى بها. فإن هذا الطور الأخير لا يمر إلا بإرادته ووعيه، إنه يختاره أو لا يختاره. يكمل درب التطور، أو يظل حيث هو.

وهذا الطور، بل هذه الحرية في الاختيار، وتسليم الوعي والإرادة لهذه المسؤولية هو أول ما يميز الإنسان عن بقية المخلوقات.

وهذا الطور هو الوعي ذاته. إنه {اقْرَأْ} التي تحاصر الإنسان – العلقة في الآيات الثلاث الأولى التي أنزلت في الغار.

{اقْرَأْ} هي الطور الإنساني الأخير الذي به يكتمل تطور الإنسان – ويتميز من بقية المخلوقات.

إنها الحلقة المفقودة التي طال البحث عنها – في تطور الإنسان – وهي موجودة لا في الحفريات وعظام الجماجم القديمة، وبحوث الأنثروبولوجيا. إنها موجود في وعيه. في عقله. في قراره بأن يكون إنساناً.. والذي لا بد أن يمر بـ {اقْرَأْ}.

{اقْرَأْ} هي تلك الطفرة النوعية التي يختار الإنسان أن يقفزها ليتخطى الحواجز والعقبات التي تعوقه عن إنسانيته. عن وعي المعاني العميقة الكامنة في كل ذرة من ذرات الكون، وكل حركة من حركات التاريخ، عن أن يكون كما أراده الله أن يكون: خليفة على الأرض ..

يقف الإنسان – بعد أن أكمل تطوره الطبيعي الخارج عن إرادته – ليقرر هل يكمل، ويستجيب لهمسة الغار، ويصعد ذلك السلم المضيء الملون – سلم التطور الإنساني الحقيقي. سلم {اقْرَأْ} ،وكل درجة من درجات السلم يصعدها تغوص به إلى عمق الحقيقة والوعي والإرادة، وتزيده اقتراباً من دوره ومسؤوليته الحقيقيين.

أو أنه يقف – مكتفياً بتطوره الجنيني – فيقف على حافة السلم، قدر الطحالب والدواب.

* * *

.. و {اقْرَأْ} تمثلت في منجزات حضارية مختلفة ومتنوعة – كانت في حقيقتها جوهر الحضارة التي ارتكزت على همسة الغار.

فمرة تمثلت في فقه متجدد – قائد – يتجدد مع تطورات المجتمع والظروف. ومرة تمثلت في عدالة اجتماعية شملت كل مواطنيها في البلدان المفتوحة أيضاً.

وتمثلت في صراع متأجج بين قوى متناحرة، ومتنافرة: الأولى التزمت بـ {اقْرَأْ} المتجددة الفهم (دون ان يعزلها تجددها عن ثوابتها ) للمقاصد، والثانية حاولت إلزام قراءة واحدة على الواقع والمجتمع، ورغم اختلاف الشعارات، وتبدلها بين الحين والآخر.. فإن {اقْرَأْ} كانت دوماً هناك في العمق ..

وعندما اختفت {اقْرَأْ} صارت مجرد كلمة دون المعاني والآفاق والمقاصد، صار الصراع يمثل – رؤى جامدة ومتوارثة: دون ذلك الفهم، دون ذلك التجدد، دون تلك المقاصد أي باختصار: دون ذلك الإسلام – الحقيقي.

* * *

في البدء كانت {اقْرَأْ}

لا. ليس في البدء فقط. إنها في البداية والنهاية وفيما بينهما.

إنها الأمر الأول – الفرض الأول غير القابل للاستئناف أو النسخ . والذي لا يكسب فعاليته وحيويته إلا باستمراره على كل الأوامر التالية – بل كل الأمور التالية – والتي لا تكتسب – هي الأخرى – فعاليتها إلا بالتعامل مع الأمر الأول: {اقْرَأْ}.

لذلك فإن {اقْرَأْ} ليست مجرد بداية تاريخية لنزول الوحي. إنها البداية والنهاية، وما بينهما. إنها جوهر الحكاية بأكملها. الحكاية التي لمّا تنتهِ.

 

أولاً – العنصر الأول: التساؤل

للوهلة الأولى سيبدو غريباً جداً أن نتصور أن ديناً ما يبدأ بطرح التساؤلات، فقد تعودنا جميعاً أن تكون الفلسفة هي صاحبة الأسئلة، وأن يكون الدين هو صاحب الأجوبة. الفلسفة للأرق والتفكير والدين للنوم المطمئن الهادئ.

لكن ذلك ينسجم أساساً مع نظرة تقليدية للدين، قد لا تتفق مع الطبيعة التأريخية للإسلام. نعم! هذه النظرة قد تتفق مع أديان (سماوية أو غيرها) ركزت على جانب واحد (روحي مثلاً) واستهدفت (راحة) معينة لأتباعها سواءً في الدنيا أو الآخرة.

لكن هذه النظرة لا تشبه في شيء الواقع التاريخي للإسلام بوصفه حركة حضارة عميقة، استطاعت أن تهز أركان التاريخ الإنساني وتعيد تشكيله وتحديد مساره.

إن نظرة (النوم المطمئن الهادئ) التي يورثها الدين لا يمكن أن تنسجم مع الإسلام الذي أعلن قيامة العقل، وكان نهضة واستفاقة لعرب الجزيرة، وسكان العالم على كافة المستويات، حتى لو تبنى هذه النظرة قطاعات واسعة من المجتمعات الإسلامية كيفت قناعاتها مع هذه الرؤية (التقاعدية) للدين: رؤية الموظفين المتقاعدين الذين يريدون الجامع، بديلاً لا بأس به عوضاً عن المقاهي.

هذه الرؤية التقاعدية لا عيب فيها سوى أن لا أثر للإسلام فيها. الإسلام كان ثورة الحيوية والنشاط في العقل الإنساني وقسره على أداء (ترنيمة النوم) لن يكون إلا خروجاً عن المفاهيم الأصلية التي عمل من خلالها الخطاب القرآني.

ورغم هذا الخروج فإن دور الترنيمة هو الأكثر سواداً وانتشاراً، فعبر عصور الانحطاط استطاعت المؤسسات الاجتماعية التقليدية أن تؤسس لهذا المفهوم وتدعمه عبر شواهد وتأويلات محرفة، جعلت من هذه الرؤية للدين هي الرؤية الأصلية وكل ما سواه فتنة، وخروج ومروق عنه، وبالطبع فإن هذه المؤسسات كانت تعلم جيداً أن لا تعايش لها مع المفهوم الحيوي للإسلام وللخطاب القرآني، إذ سيكون ذلك جزءاً من تعايش أضداد مستحيل، لذلك فضلت عبر القرون وبحنكة متقنة مكتسبة من التجارب التاريخية أن تتعايش مع مفهوم سلبي ومخدر للإسلام عموماً.

وبصورة عامة قد يكون وصف الدين (كترنيمة نوم) ينطبق على بعض الأديان المطبوعة بطابع المجتمعات التي أنزلت فيها، كما في حال الأديان السماوية السابقة، أو التي تكونت فيها الأديان والمذاهب الأرضية، كما أنه قد ينطبق أكثر مع حالة التاريخ بصورة عامة، إذ كان الإنسان يحتاج إلى تكيف وتخدير، أكثر مما يحتاج إلى علاج جذري إلى أن صار بإمكان الإنسانية أن تتحمل مسؤولية أفعالها وتسأل وتنهض وتقوم.

* * *

السؤال!

إن السؤال – بصورة مجردة – قديم جداً، قدم النفس الإنسانية ذاتها. ومن الصعب جداً تقصي البوادر الأولى للأسئلة الأولى التي دارت في الذهن الإنساني البدائي. لكننا متيقّنون أن هناك أسئلة دارت بطريقة ما، حتى قبل اختراع الأبجدية الأولى وأدوات وإشارات الاستفهام.

ففي كهوف العصر الحجري، كان الإنسان البدائي، ولا بد أنه كان يعاني من (تساؤلات) عامة، تخص كل ما يواجهه من ظواهر الطبيعة الغامضة لديه: البرق. والرعد. والبرد. والنار. والزلزال. كلها كانت تبعث فيه مشاعر الخوف والرهبة.. والتساؤل. حتى دون أن يطيق التعبير عن ذلك التساؤل. ومع تقدم التجربة الإنسانية صارت الأسئلة أكثر وضوحاً وتحديداً، وبينما وجدت الظواهر الطبيعية تفسيرات – خرافية غالباً – فإن أسئلة أكبر صارت تلح على الذهن البشري وتثقل عليه، أسئلة تتعلق بالوجود ككل: أسئلة من نوع: لماذا؟ من أين؟ إلى أين؟

ومن الطبيعي جداً، أن يحاول الإنسان أن يتكيف مع هذه الأسئلة بأجوبة تناسب ذهنيته البدائية، بالاعتماد على الخرافة أساساً.

وبين الحين والآخر: كانت هذه الأسئلة يجاب عنها بطريقة مختلفة، بالاعتماد على الوحي الديني، والذي كان – بشكل أو بآخر – يحاول صياغة أجوبة تناسب الذهنية الإنسانية المعاصرة للوحي الديني. ولكن بشكل عام كانت معظم الأجوبة تدور حول محور واحد: كن مؤمناً بالله ولا تشرك به، وكن طيباً مع جارك، يرضى الله عنك ويدخلك الجنة. وكان هذا المحور يتجه أيضاً نحو الاطمئنان والهدوء بطريقة أو بأخرى.

لكن تعامل الخطاب القرآني مع موضوع الأسئلة كان مختلفاً وبشكل جذري. فبينما كانت الأديان السابقة تحاول عبر الأجوبة المنزلة تحديد دور التساؤل وإنهاءه ، فقد عمد الخطاب القرآني إلى استثمار هذا التساؤل وتأصيله في طريقة التفكير الإسلامية، بل إلى إعادة تأسيسه، ليكون المرتكز الأول والنقطة الأولى في تكوين العقل المسلم الناشئ.

التساؤل؟ – كيف يمكن لدين سماوي أن يجعل السؤال، بدلاً عن الجواب المنتظر، نقطة ارتكازه الأولى؟

ممكن جداً بشرط واحد: إنه لن يقوم بدور حبة (الفاليوم) وحقنة (المورفين) المنتظرة! إنه سيكون هناك ليعرض الجروح المتعفنة للشمس والهواء بدلاً من اللفائف والضمادات، إنه سيواجه الآلام ليجتثها – بقدرة الفرد – من جذورها بدلاً من المزيد من المسكنات.

وبدلاً عن (الأجوبة المسكتة) ستكون هناك أسئلة مثيرة للجدل. أسئلة مثيرة للعقل. محفزة للحيوية والنشاط. أسئلة تدعو للوثوب والانفتاح نحو كل الجهات. وتلبس في الوقت نفسه رداء العقيدة الدينية. لماذا نستغرب ذلك، ونستبعده من دين كان أول ما أنزل فيه: كلمة: {اقْرَأْ}؟

* * *

لعله من الصعب تحديد وضعية خاصة للمجتمع الجاهلي في الجزيرة العربية في الفترة التي بدأ فيها نزول الوحي على محمد (ص) في أواخر القرن السادس الميلادي؟

فقد كانت الجزيرة تعج بمتناقضات وتراكمات تجعل من الصعب تصنيفها كمجتمع متجانس واضح الملامح، وإن كانت المراكز الحضرية الكبيرة فيها مثل (مكة والطائف ويثرب) تمتلك مقومات اجتماعية أكثر وضوحاً وبروزاً.. لكن حتى هذه المراكز – وأكثر ما نعرف من أخبارها مكة – كانت تعكس بدرجة أو بأخرى تناقضات الجزيرة وتعقداتها.

لقد كانت وضعية مكة مثلاً شديدة التعقيد والتشابك. فقريش المؤلفة من اثنتي عشرة قبيلة متنافسة أصلاً، صارت لكل قبيلة منها بطون متنافسة هي الأخرى، وكان هذا التنافس المادي يثير التناحرات داخل المجتمع المكي – وكان يزيد من حدة التعقيد علاقات النسب والمصاهرة المتعددة، التي كانت كثيراً ما تشتت أبناء الأب الواحد إلى علاقات خؤولة مختلفة متناحرة هي الأخرى.

وزاد من حدة التنافس أكثر الركود الاقتصادي العام الذي كان سائداً في الجزيرة، بسبب قلة مواردها – الزراعية والحيوانية. فما دام محور التنافس اقتصادياً، فإن هذا التنافس يزداد حدة وشراسة في ظل فقر الجزيرة العام وقلة مواردها.

وزاد من صعوبة هذه الأوضاع ارتباط مورد مكة الرئيسي – التجارة – بالطرق الخارجية المعرضة لغزوات قبائل البدو والأعراب في البادية، في ظل غياب سلطة مركزية تحافظ على أمن الطرق.

وكان لا بد لهذه الأوضاع أن تنعكس في مجموعة من القوانين والأعراف، تحاول موازنة هذه التناقضات وتخفف من حدتها.. لذلك نشأت الأحلاف والتكتلات القبلية، ونشأ عرف (الأشهر الحرم) والإيلاف وغيرها من المعاهدات الاقتصادية، التي عكست هذه الأوضاع المعقدة، وحاولت تجاوزها. بل إن عدم وجود (صنم) أو (وثن) مركزي، تدين له العرب في الجزيرة العربية بالعبادة، حتى مع إيمانهم بأوثان أخرى، يعكس حالة التشرذم والتفرقة التي عانت منها جزيرة العرب. فلكل قبيلة وثنها المفضل وإلهها المركزي، مع إيمانها بأوثان أخرى، لكن هذه الأوثان المركزية لم تكن مفضلة دوماً، فكثيراً ما كانت القبائل تغير وثنها المركزي بآخر، لهذا السبب أو ذاك[(2)].

وكان لا بد – في ظل ظروف كهذه – أن تعكس العلاقات الاقتصادية في مجتمع كهذا طبيعة الظلم والاستغلال، فالقبيلة الأقوى تستأثر بالمغانم الأكبر، والبطن الأقوى من القبيلة يستأثر بالحصة الأكبر، وسادة القبيلة من البطن الأكبر – يستأثرون بالحصة الأولى والأكبر.

وكان لا بد، أيضاً، أن يسيطر الربا والعلاقات الربوية على العمليات الاقتصادية من بيع وشراء ودين ومتاجرة، لذلك تعددت أنواع الربا واختلفت، وإن كانت تصب في قناة واحدة: تركز المال في أيدي فئة معينة من (الملأ) – علية القوم من سادة القبائل وأغنيائها.

وكان بعد ذلك كله، أن تبرز أنواع من عمليات البيع تعكس تركز المال واحتكاره في أيدي هذه الفئة، وتعكس في جهة أخرى الطابع الراكد لدورة رؤوس الأموال، والتحايل من أجل البيع وتدوير رأس المال بأي شكل. فهناك مثلاً (بيع الحصاة) وهو بيع يتم بأن يرمي المشتري الحصاة على البضائع فعلى أيها وقعت يأخذها بسعر ثابت لأي كانت. أو (بيع الملامسة) الذي كان يشترط فيه أن (يلمس) المشتري البضاعة دون أن يراها.. وغيرها من أنواع البيع التي تدل على تعقد الحياة الاقتصادية وترديها في آن واحد.

وكان على مجتمع يحمل هذه التناقضات ويتعايش معها أن يصل إلى نقطة محددة، ينهار فيها بناؤه الكلي وكيانه الكامل، أو يعيد النظر في مقومات، وأركان نهوضه من جديد.

وعند مفترق الطرق الحاد ذلك، كان لا بد لأركان مجتمع هش ومتشابك، أن تتزلزل من أساساتها، بالتساؤل .

* * *

إبراهيم: أبو الأنبياء وأبو التساؤلات

طرح الخطاب القرآني تساؤله الأول بصيغة شديدة الخصوبة. وشديدة الإيحاء. وبالتالي التأثير.

لقد اعتمد الخطاب القرآني على أنموذج تاريخي عريق ليدخل من خلاله التساؤل إلى عقيدة أولئك الذين أخذوه بقوة من شباب مكة في الجيل الأول.

وكان هذا النموذج الذي يمثله القرآن لتحرير العنصر الأول من عناصر التفكير الإسلامي هو نبي الله إبراهيم الخليل، عليه السلام.

هناك ثلاثة أمور ينبغي تسجيلها على اختيار إبراهيم دون غيره.

الأمر الأول: أن العرب تنسب نفسها جميعاً إلى إبراهيم عبر ابنه إسماعيل، الذي شارك أباه في بناء الكعبة – محج العرب عبر التاريخ – والنسب عند العرب بالغ الأهمية حتى إنهم كانوا يعدون من لا نسب له ليس عربياً.. لذلك اعتمد الخطاب القرآني جدهم الأكبر لتوصيل مفهوم العقيدة الجديدة – القديمة (العقيدة الحنيفية الأصيلة).

الأمر الثاني: أن إبراهيم بالذات يحتل المكانة المميزة عند أهل الكتاب نفسها سواء كانوا نصارى أو يهود. والذين كان لهم وجود وتأثير في الجزيرة بأشكال متعددة ومختلفة. سواء عبر وجودهم وإمكانياتهم المادية – التجارية المختلفة، – مثل اليهود – أو عبر وجود كيانات ودول كبرى تدين بالنصرانية، وتجاور الجزيرة (الروم – الحبشة). فاختيار إبراهيم كان يمنح صلة وصل عميقة الجذور لا بالنسب العربي فحسب، بل بالعلاقات بين الأمم، وبالذات بأمم أهل الكتاب التي كانت تعدُّ نفسها – عن حق – أرقى من بقية الشعوب الأمية – والتي كان العرب من ضمنها.

الأمر الثالث: أن الصورة التي يطرح من خلالها إبراهيم هي صورة أصيلة، ولا وجود لها في التوراة أو في الكتابات الإنجيلية. وذلك بالتأكيد يزيدها رسوخاً وعمقاً، ضمن نسيج الخطاب القرآني المتميز عن التوراة إلى صبا إبراهيم وبواكير وعيه، ليعرفنا على جذور القصة غير المحكية في التوراة. وقبل أن نسترسل علينا أن نؤكد أن هذه القصة لا تأخذ أهميتها الحقيقية، إلا عبر فهم المكانة المميزة التي احتلها إبراهيم في الخطاب القرآني، فهو الذي قال فيه الخطاب المنزل: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ *} [النحل: 16/120] ، {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ *} [الأنبياء: 21/51] ، {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ} [الممتحنة: 60/4] ، {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة: 2/124] ، {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة: 2/130] ، {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ *} [آل عمران: 3/95]

من هذه الحقيقة المميزة للوضع الإبراهيمي في السياق القرآني، يمكن أن نفهم كيف بنى الخطاب القرآني عنصر التفكير الأول عليه.

كيف صار إبراهيم – أبو الأنبياء وأبو العرب وصاحب الملة الحنيفية – نبياً؟

ما التربة التي صارت خصبة معدة لاستقبال حكمة النبوة ومسؤولية الرسالة؟

ما العوامل النفسية – السلوكية التي جعلته مهيّأً ليكون الأب الروحي للأديان السماوية الثلاثة؟

يجيبنا الخطاب القرآني عن هذه التساؤلات بطريقة موجزة وموحية، كالعادة.

ليلة أشرق فيها العقل ..

{} [الأنعام: 6/74-79] .

هذا الحوار الذي دار بين إبراهيم وأبيه أولاً، وبين إبراهيم والكون ثانياً، وبين إبراهيم ونفسه ثالثاً، لم يكن مجرد حوار عادي دار ذات ليلة بين أب وابنه، بل كان أعمق من ذلك وخارجاً عن المقاييس الزمنية والتاريخية. إنه حوار في عمق الوعي الإنساني والتجربة البشرية بأسرها ، حوار شكل منعطفاً مهماً في تاريخ الفكر الإنساني، واكتملت انعطافته بظهور الأديان السماوية المرتبطة بشكل أو بآخر إلى إبراهيم.. ينطلق إبراهيم في هذا الحوار التاريخي من الشك بالمسلمات التقليدية في مجتمعه[(3)]، ثم عندما يجن الليل عليه، يبدأ بالبحث المباشر عن إله هذا الكون.

والثالوث الذي تقلب إبراهيم بينه تلك الليلة حتى الصباح، لم يكن ثالوثاً اعتباطياً، فالزهرة والقمر والشمس هي من العبادات شديدة الانتشار عند الأقوام السامية عموماً (إن لم يكن عند غيرها أيضاً). على اختلاف في تقديم القمر على الشمس عند الساميين الغربيين والعرب الجنوبيين، والعكس عند العرب الشماليين. وقد ظلت هذه العبادة قائمة حتى ظهور الإسلام: ومن أسماء العرب المعروفة: عبد شمس، ومن القبائل المعروفة التي تعبدت للشمس بنو تميم. وكذلك بنو إد: ضبة، وعدي، وعطل، وثور. ويقال: إن اللات – الصنم المعروف الذي تعبد له المشركون والوارد ذكره في القرآن – كان رمزاً للشمس، والمعروف أن قريشاً كانت تصلي صلاة للشمس عند الضحى. والقمر أيضاً كان معبوداً معروفاً عند الجاهليين خاصة عند السبئيين[(4)]، إذ هو إلههم الأكبر – واتخذوا الثور رمزاً مقدساً له، كما تدل على ذلك النصوص الثمودية وغيرها. وبالرغم من أن الزهرة – وتسمى عثتر – كانت أكثر كوكب تعبد له العرب، إلا أنهم تعبدوا لكواكب أخرى مثل: الدبران، العيوق، والشعرى (التي ورد ذكرها في القرآن) والثريا، والمرزم.. إلخ[(5)].

إن الكواكب والنجوم والأصنام لم تنفرد بعبادتها الأقوام السامية فحسب، بل شاعت عبادتها في كل أنحاء الأرض عبر التاريخ. مع اختلافات متنوعة في التفاصيل لكن الحيرة الإبراهيمية والحوار الإبراهيمي يخرج بهذا عن إطاره الفردي – ليكتسب أبعاداً حضارية – إنسانية عميقة موغلة في القدم: إنه بحواره مع أبيه يمثل تمرد جيل جديد على الأفكار التقليدية والمسلمات الاجتماعية البالية. والأب هنا هو رمز لكل السلطات والمؤسسات الاجتماعية التي تكرس بقاء التقاليد والمسلمات والأعراف، وتوفر لها الحماية والاستمرارية.

وحوار إبراهيم مع الكون يمثل نضوج العقل الإنساني، ومحاولته فك أسرار الخليقة بالاعتماد على العقل.

إنه يمثل الحيرة والشك الموجودين أمام الحياة والموت والوجود ككل، وهو يمثل بالوقت نفسه – محاولة الاعتماد على العقل، للخروج من هذه الحيرة، وهذا الشك ، وذلك برفض كل المسلمات والبديهيات التقليدية. والبدء من جديد، من نقطة جديدة.. نحو هدف جديد، وبأساليب مختلفة وغير تقليدية.

تلك الليلة التي قضاها إبراهيم متقلباً حائراً على فراش التساؤلات المزدحمة كانت ليلة طويلة جداً، ولم تنته عندما أشرقت الشمس. إذ إنه ظل حائراً يبحث فيها عن ربه.. لكنها انتهت عندما أشرق العقل في داخله . عندما وجد الإجابة عن تساؤلاته فيه. عندما وجد أن الجسر نحو الخلاص موجود في أعماقه، فقط عليه أن يخطو نحوه الخطوة الأولى، متحرراً من كل الأحكام التقليدية والنظرة المسبقة والتقاليد البالية – المسيطرة فقط لأنها تنتمي للأولين.

تلك الخطوة بدأت بالشك بهذه المسلمات في عقل إبراهيم. بدأت بالتساؤلات المزلزلة التي اقتلعت فكرة الأصنام والأوثان من عقل إبراهيم.

إنه  التساؤل الذي سرى مثل التيار الكهربائي، ليمنح الحياة والروح إلى العقل الأول ، عقل الإنسان الذي سيصير أباً روحياً – بل وجسدياً إلى حد كبير – لثلاث أمم وثلاثة أديان سماوية.. إنه العقل الذي كون تلك التربة الخصبة المهيأة لاستقبال الوحي الإلهي.

لقد كانت الشرارة الأولى التي مهدت لنزول الكلمة الإلهية، هي شرارة احتكاك العقل بالواقع، ومعطياته بعيداً عن الأحكام المسبقة والنظرة التقليدية. إنه العقل الذي سبق الوحي، بل ومهد له وعبد له الطريق، إنه العقل الذي مثل البوتقة التي انصهر فيها الوحي الإلهي وتفاعل وتكامل معها. هل كان يمكن للوحي أن يتنزل على عقل خامل لا شك فيه ولا تساؤلات، هل كان يمكن أن ينمو الإيمان في عقل لم يعرف الشك، ولم يتقلب بحثاً عن يقين، ولم يشك بالمسلمات، ولم يلحد بالشرك الغبي المتوارث؟ لا طبعاً. الإيمان الابراهيمي بدأ من الشك بمسلمات قومه، واليقين يبدأ من السؤال . والوحي الإلهي لم ينزل إلا على عقل متسائل ، إذ لا يكتمل الإيمان إلا هناك.

هذا المحور شديد الأهمية هو الذي ركز عليه الخطاب القرآني، فإبراهيم – بنص الخطاب – هو أول المسلمين. والإسلام – هو ملة إبراهيم الحنيف الذي لم يكن من المشركين، والرسالة الجديدة هي تتمة لرسالة إبراهيم الأولى والأصلية.

وعندما تكون رسالة إبراهيم قد بدأت من تخوم التساؤلات، ولم ينزل الوحي إلا بعد خوضه لتلك التجربة المثمرة: تجربة الشك والتساؤلات، فإن هذه البداية، تطبع – بطريقة ما – الرسالة الإسلامية ككل، باعتبارها الوريث الشرعي للرسالة الإبراهيمية .

الإسلام إذن بدأ  من التساؤل المطلق أمام الحقائق الكونية. من رفض القبول المسبق الغبي الخالي من التمحيص والبحث.

ولذلك يعلق الخطاب القرآني على رحلة التساؤل التي خاضها إبراهيم، لتكون التربة الصالحة لنزول الوحي {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ *} [الأنعام: 6/83] – الحجة هي العقل ، عقل إبراهيم المنفرد السابق على نزول الوحي، هو الحجة الأولى، وتأمل ارتباط هذه الحجة بالحكمة، والعلم في اختيار هاتين الصفتين دون غيرهما، لوصفه عز وجل، فالحكمة والعلم مرتبطتان، بل وناتجتان عن العقل – الحجة التي أقامها الله على البشرية، وإبراهيم على نفسه أولاً، وعلى قومه ثانياً..

 لشراء الكتاب عبر الرابط 

 

http://www.furat.com/index.php?page=bookinfo&b_id=12759

الفردوس المستعار و الفردوس المستعاد

يعتبر هذا  الكتاب من أكثر كتب الدكتور العمري رواجا ، و يناقش الكتاب القيم الامريكية الوافدة و  تناغمها او تناقضها مع قيمنا و ثوابتنا…يحدد الدكتور العمري خمس ثوابت اساسية تميز الحضارة الامريكية و يعرضها امام خمسة ثوابت هي اركان الاسلام الخمسة…

يمكن شراء الكتاب عبر الرابط :

http://www.furat.com/index.php?page=bookinfo&b_id=17409

 

من اجوائه  هذا الاهداء الخاص جدا…

 

 

الفردوس المستعار و الفردوس المستعاد

اهدي هذا  الكتاب إلى القناص الامريكي الذي قتل – بــدم بـارد- الخالة منى عبد الهادي العبيـدي وزوجها الدكتور أحمد الراوي.. وخمس وعشرين شخصا آخرين من المدنيين تصادف انهم مرّوا من أمام مكمنه على مشارف مدينة الرمادي ظهيرة يوم الرابع عشر من تموز 2004.. بدلا من رصاصات مماثلة كالتي اطلقها عليهم اهدي هذا الكتاب اليه..و الى كل زملائه الاخرين.. اهديه اليه، ، وإلى دقته في التصويب : رصاصة واحدة فقط على رأس زوجها.. – وتسليه باطلاقه بضعة عشر رصاصة عليها.. اهديه الى القيم التي دفعت به الى هنا و إلى رأسه الفارغ إلا من نظرته المحددة سلفاً لكل الامور. وإلى حضارة الرجل الابيض التي جاء لينوب عنها.. والى ثقافة البوب كورن التي جاء لينشرها.. اهديه إليه، عندما يعود إلى بلاده، سواء بكفن او على عكازة او عكازتين.. او سالماً يمشي على قدميه.. واهديه إليه، عندما يحتضن زوجته، واولاده، ويجلس بينهم بينما يحكي بطولاته مع اولئك المتوحشين الذيــن هــم نـحن…، ورسالته التي اداها في جرنا الى درب الحضارة.. لقد ادى قسطه للعلى في حوار الحضارات- الذي يتحدثون عنه- كانت تلك الرصاصات المنفلقة هي سطوره التي اداها بشكل عملي.. ابلغ وأكثر تأثيراً من كل الاقوال.. هذا الكتاب هو ردي عليه، وهو سطوري أنا في ذلك الحوار. و كما كان هو دقيقا في التصويب ، آمل ان اكون اكثر دقة..

د.احمد خيري العمري “

 

و منه أيضا

الوصايا العشرة- بنسختها الامريكية

تعرفون الوصايا العشرة؟.

بالتأكيد. إنها أول ما نزل من التوراة، على تلك الألواح الحجرية.

وهي الوصايا التي شكلت، اللب الأساسي للشريعة الموسوية..

وإمتدت تاثيراتها، بشكل أو بآخر، للديانة المسيحية..

هذه الوصايا العشرة، المؤكدة على عدم عبادة الأوثان، وترك السرقة، والقتل، والزنا، والكذب.. إلخ، تصير، بالتدريج، بالنسبة لمعتنقيها، أعرافاً لا تناقش، تصير بديهيات لا جدال فيها، حتى بالنسبة لأولئك الذين ينتهكونها بين الحين والآخر- إنهم يفعلون ذلك وهم يعلمون أن يفعلون ما هو خطأ وخارج عن حدود تلك الوصايا العشر.

حسناً. مفهوم وواضح وهو لا يخص الوصايا العشر التوراتية فحسب، بل يشمل أي تعليمات وأوامر دينية في أي ديانة يمكن تخيلها على الإطلاق..

لكن ما دخل الوصايا العشر فيما كنا نقوله؟.

الوصايا العشر، لا تخص التجارب الدينية والشرائع السماوية فحسب. بل هي تخص التجارب الحضارية أيضاً. تخص المجتمعات وأعرافها وتقاليدها، أوامرها ونواهيها، حتى لو كانت منفصلة عن الأديان السماوية. لكل حضارة وصاياها العشرة الخاصة بها، تتمثل في الأعراف السائدة.

تتمثل في مفهومها لما هو خطأ وما هو صواب، وتشكل إطاراً عاماً للقيم الأخلاقية لما يجب وما لا يجب فعله، الناس ضمن هذه الحضارة ترضع هذه القيم دون أن تشعر غالباً، وينشئون عليها، يكبرون عليها وقد سارت في الحليب الذي يجري في دمائهم..

ولكل حضارة “وصاياها العشرة” الخاصة بها.

غني عن القول أن العدد لا يفترض أن يكون “عشرة”، لكنها وسيلة للتعبير عن قدسية هذه الوصايا- وأهميتها بالنسبة للحضارة المعنية.

ما رأيكم إذن، ما دام الإعصار قد وصلنا، أن نتفحص “الوصايا العشرة” للحضارة صاحبة الإعصار، حضارة الفردوس المستعار .. الحضارة الأمريكية؟؟

           ***************

لن أفتري شيئاً، لن أذهب الى إحصاءات الإغتصاب والجريمة والولادات غير الشرعية ونسب الشذوذ الجنسي، التي تعودنا أن نذهب إليها كلما شعرنا بالضيق ورغبنا أن (نعير) الغرب.

كل ذلك لا أزال أراه خراج الموضوع، لا أزال أراه مجرد تفاعلات ثانوية ونتائج نهائية لتفاعل أكبر..

لن أجلب شيئاً مني، ولا حتى من أشخاص ناقمين وناقدين لمنظومة الحياة هناك – من داخلها..

لن أذهب لليسار الأمريكي وأجلب شهادته (المطعون بها من جهة اليمين).

وأقول متباهياً متفاخراً، شهد شاهد من أهلها” كما يفعل بعضنا.

لا، بل “الوصايا العشر” التي هي الأمثال والحكم التي تشكل أفقهم الأخلاقي. وفضائهم المعرفي.

دعونا نرى “الوصايا العشر للحضارة الأمريكية”..

 

أولاً: لا تستطيع أن تجادل النجاح             1- You can not argue with success.

ثانياً: عش ودع غيرك يعيش                                        live and let live  2-

ثالثاً: الوقت يطير عندما تمرح              3- Time flies when you are having fun

رابعاً: تسوق حتى الموت!                                     4- Shop till you drop 

خامساً: فقط إعملها !                                                         5- Just do it

سادساً: لا ربح بلا عناء                                            6- No pain, no gain

سابعاً: لا تطيل الصبر على حقوقك                                7- Enough is enough

ثامناً: الوقت مال                                                      8- Time is money

تاسعاً: وجدت القواعد لتخرق                        9- Rules are made to be broken

عاشراً- الله يساعد من يساعدون أنفسهم 10- God helps those who help themselves

 

إنها امثال سائدة كما تلاحظون، ولا مجال للإفتراء أو التزييف. وهي تسير على ألسنة الأفراد العاديين هناك، كما تشكل الإطار العام لأفكارهم وأخلاقهم وأهدافهم- إنها المظهر (العامي) للقيم السلوكية التي تحدثت عنها..

هذه المثال، هي ذلك الجزء البارز على السطح من القيم المحركة، والأمريكيون من حقهم أن يفخروا بها، فهي موروثهم الحضاري الحقيقي، ولو تتبعنا المقال- والكتاب- الذي يتحدث عن هذه الوصايا العشرة، لرأينا أن كل (وصية) من هذه الوصايا، تشكل قيمة يفخر بها الأمريكيون ويعدونها عرفاً لا جدال في قدسيته وهيبته. ولا جدال كذلك في كونها شكل جوانب أساسية من جوانب “الشخصية الأمريكية”..

فالوصية الأولة، مثلاً، تشير الى أهمية النجاح في الثقافة الأمريكية وكونها القيمة التي تهيمن على كل القيم الأخرى، فالنجاح هو لب الحلم الأمريكي، والفشل، بهذا المفهوم، هو الخطيئة الأكبر، والإنتهاك المعيب لعرف وتعليمات الحضارة الأمريكية.

والوصية الثانية تمثل رغبة الأمريكيين في التمتع بخصوصية حياتهم- دون أن يتدخل أحد فيها بالنصح أو الأرشاد أو التوجيه- وبالمقابل تشدد الوصية على حق الآخرين في ذلك أيضاً، بالتمتع بخصوصياتهم دون أن يتدخل أحد فيها..

وبينما تشدد الوصية الثالثة على أهمية إستمتاع الأمريكيين بأوقاتهم فإن الوصية الرابعة تشير الى واحدة من أهم هذه المتع: “التسوق” والتي يؤكد كاتب المقال أنها واحدة من أهم مواضيع الحوار عندهم، وينصح بأنك لو أردت أن تكسب أعجاب شخص (أمريكي) فأقنعه بإنك متسوق ذكي (smart shopper)!

تشير الوصية الخامسة على كون الحضارة الأمريكية هي حضارة (فعل) لا حضارة تأمل وطول تفكير. إنها حضارة تؤمن بالعمل لا بالتنظير اووضع أطر فلسفية وفكرية له..

وتؤكد الوصية السادسة على أهمية بذل الجهد من أجل الحصول على الربح.

وتقول الوصية السابعة أن (ما يكفي يكفي) ما دام الأمر يتعلق بحقوقك وكرامتك الشخصية..

وتجمع الوصية الثامنة بين الوقت والمال للإستدلال على أهميتها معاً، وتصرخ الوصية التاسعة في وجهك بأن القوانين لا أهمية لها، والأجدر بك أن تفكر في تحطيمها وإبتكار قوانين أخرى سيحطمها لاحقاً شخص آخر..

وأخيراً، تقول لك الوصية العاشرة، بأن تساعد نفسك أولاً- بالنجاح- فالله لا يساعد إلا أولئك الذين يساعدون أنفسهم..

إنتهى!

             ******************

هل سننبهر بذلك كله؟. هل ستسقط أفواهنا من الدهشة وقد عثرنا على وصفة النجاح الأمريكية؟.

هل سنحفظ هذه الوصايا ؟ نقولها مراراً وتكراراً مع أنفسنا حتى تصير جزءاً من دواخلنا لعلنا نحقق الحلم الأمريكي الدفين- سواء أنكرنا أو لا..؟

هل ستمس هذه الوصايا أوتاراً عميقة فينا؟ .. هل سنلاحظ أنها تنادينا أيضاً؟ أو تنادي على الأقل جزءاً فينا؟.. وتمثل فعلاً بعض القيم التي نؤمن بها (عملياً) حتى لو لم نصرح بإمتلاكها نظرياً..؟

أن بعض هذه الوصايا، هي، من الآن، أمثلة سائرة على ألسنتنا، وقيم تحتل أجزاءاً من عقولنا..

وقبل ان يسرع أحد ليقول أنها قيم إنسانية عامة لا تخص حضارة بعينها، وقبل أن تأخذ (الجلالة) آخراً ليقول أنها موجودة في الفطرة، إذكر إن وجود هذه الوصايا كأمثال وكقيم عندنا، لم يأت إلا عبر الإعلام الأخطبوطي الذي أعاد تشكيل مفاهيمنا وقيمنا (شاء من شاء وأبى من ابى..).

نعم، إنه الإعلام والتنويم المغناطسيي الذي يمارسه علينا، هو الذي يجعلنا نقول بين الحين والآخر (Time is money) أو ((Just do it..) ..

لا فطرة. ولا إنسانية.

 

                   *************************

لعل أحداً آخر سيلاحظ أن هذه الوصايا العشرة للحضارة الغازية لا تناقض أياً من مفاهيمها ومبادئنا .. حتى لو كانت لا تحتوي عليها بشكل مباشر.

ولعل أحداً سيجد الحل النهائي (لنا ولهم)- بجمع وصاياهم (بإعتبارها تمثل قيم النجاح والمعاصرة) مع وصايانا (بإعتبارها تمثل قيم الروح والآخرة والأشياء المماثلة)..

وكفى الله المؤمنين التفكير.

                       *****************

ولعل واحداً آخراً من عباقرة الشيوخ والدعاة، سيمضي أكثر من هذا كله، ليلاحظ أن قائمة الوصايا العشرة هي “إسلامية جداً” – رغم إن اصحابها  لا يعرفون ذلك!-، ولا أحد يعرف ذلك طبعاً سواه هو، وكيف انها تمثل قيم الاسلام الحقيقي التي اضعناها نحن، ووجدوها هم، وبنوا عليها حضارتهم التي انتصرت علينا ..

سيتباكى بعدها قليلاً على حالنا. و سيأمل ان تدعونا دموعه الغالية إلى ان نهب للأخذ باسباب القوة الممثلة في قيمنا التي ( لطشوها ) ووضعوها في وصاياهم العشرة.

                     ************

بل اني اراهم، شيوخاً ودعاة، مفكرين ووعاظ منابر، وقد وحدَّهم الحلم الامريكي على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم، مختلفي الاشكال، بلحى متنوعة الاطول، او بلا لحى على الاطلاق، بوجوه لامعة صقيلة، مبتسمة، او مكفهرة، اراهم وهم يتسابقون، ويجهدون عقولهم في ايجاد روابط بين تلك الوصايا، وبين موروثاتنا من النصوص الدينية المقدسة..

سيقولون، تعليقا على الوصية الاولى المرتبطة بالنجاح، كيف ان المؤمن القوي احب الى الله من المؤمن الضعيف، وكيف ان اليد العليا خير من اليد السفلى،.. سيقولون ايضاً، عن الوصية الثانية، ان المؤمن لين هيّن، كيَّس فطن سهل التعامل مع الآخرين، يتبسم في وجوه الناس كصدقة، وسيقولون حتماً، عن الوصية الثالثة، المتعلقة بالمرح، “ان لبدنك عليك حقاً”، وان الرسول صلى الله عليه وسلم قد سابق زوجته عائشة مرتين، مرة سبقها ومرة سبقته ” وهذه بتلك” –وانه كان يداعب اطفال الصحابة وعجائز النساء..، وربما سيأتي في بالهم فيما يتعلق بالوصية الرابعة عن ” التسوق حتى الموت” ..ان يؤكدوا ان الاسلام ليس ضد الرفاهية، وان الرسول صلى الله عليه وسلم كان يمتلك بردة جميلة خضراء زاهية اللون وان فلاناً او سواه من الصحابة كان قد ترك كذا وكيت من الاموال كأرث لأولاده..، ولعل اذهانهم ستذهب إلى الربط بين ” فقط اعملها ” كمثل سائر يستخدم في اعلانات Nike التجارية، وبين “إذا عزمت فتوكل على الله”، او”اعقلها وتوكل“.. اراهم كذلك سيربطون بين تقديس الوقت عندنا وكيف ان الله سبحانه وتعالى قد قسم به، وبين Time is  money في الوصايا العشر.

                                           *********

ولعلهم سيفرحون بالصلة التي يعتبرونها واضحة بين تلك الوصية العاشرة التي تؤكد ان الله يساعد من يساعد نفسه، مع الآية القرآنية الكريمة ” ما يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم..”

نعم. سيقولون ذلك واكثر. وستتهدج اصواتهم من التأثر بالخطب العظيم، وكيف ان خارطة الكنز قد كانت عندنا ولم ننتبه لها واخذها هؤلاء وبنوا عليها بنيان حضارتهم- ولذلك وكذلك ورغما عن وبما ان وبسبب من كل ذلك علينا ان نستعيد تلك ( الوصايا) – بما انها بالاصل وصايانا- من اجل ان نبني نهضتنا الجديدة..

حسناً. كل ذلك سيحدث. وفي الحقيقة انه يحدث الان فعلاً بطريقة أو بأخرى..

وبينما اشد بيدي على ايديهم مهنئاً على براعتهم في التوفيق التلفيقي، فأني اؤكد مرة اخرى ان ذلك الهذر كله خارج الموضوع.

(.. واتساءل هنا، ان كان الامر يحدث بنية التلفيق المسبقة ام انه اكبر واعمق من هذا كله، وانهم حقاً منهزمون لهذهِ الدرجة..).

                   ***********************

اتأمل في تلك الوصايا العشرة، لحضارة الفردوس المستعار،من  زاوية اخرى، غير زاوية الهزيمة، غير زاوية الانكسار عند الاعصار بل من زاوية التفحص بنية اعادة البناء..

.. وتبدو لي هذهِ الوصايا العشر، بعيدةً جداً، عن ما حاول دعاتنا وشيوخنا الايحاء به.

            ******************

اتأمل في الوصية الاولى، في كل كلمة منها، فلا ارى ذلك المؤمن القوي الذي هو احب الى الله من المؤمن الضعيف. بل ارى رؤية اخرى للنجاح، رؤية مناقضة ومضادة مع كل ما جاء به الاسلام من مفاهيم. النجاح في هذهِ الوصايا هو بمقاييس خاصة، تتلاءم وتنسجم مع نفسها، ومع بقية الوصايا بالتأكيد، ومع طريقة الحياة هناك، ومع لب وفحوى حضارة الفردوس المستعار.

انه النجاح المادي طبعاً. النجاح الذي يجلب المزيد من المادة، التي تجلب المزيد من السلع، والاشياء التي يكبر حجمها بالتدريج، ويدل ذلك على المزيد من النجاح: كلما كبر البيت، وكبر مرآب السيارات الملحق، وكبرت السيارة، وكبرت صالة الضيوف، وكبر جهاز التلفاز حتى يكاد يملأها، فأن ذلك يدل على ذلك النوع من النجاح الذي تقول الوصية الاولى ” انه لا يناقش”.

انه النجاح المادي وحسب. وهذهِ الوصية تعبر عن ذلك بأقصى ما تستطيعه الكلمات.

النجاح المادي ولا شيء بعده. ماذا لدينا سواه حقاً، لقد دخل الامر في ادمغتنا نحن ايضاً، وانا اذ اذكر الان بالأمر، فأنكم قد تذكرتم وستقولون نعم، ” النجاح في الآخرة” مهم ايضاً..، ويمكن لنا ان ندعي، لو شئنا، ان الوصية الاولى قد تعني ذلك ايضاً..

ويكمن لنا ان نطفيء النور بينما نحن نقضم التفاحة..

لكن ذلك لن يغير حقيقة كونها منخورة بالدود..

ولن يغير ايضاً ان كل تلك الوصايا، مصممة حسب مقاييس ومواصفات الوصية الاولى: النجاح مادة.

          ********************

.. اتأمل ايضاً في عدم امكانية الجدل مع النجاح.

ان ذلك يعني، انك عندما تحققه، فأنك ستحوز احترام الكل مهما كانت الوسيلة التي حققته بها..

(ان ذلك لا يجادل)

      **********************

واتأمل ايضاً، دون ان اقف عند كل وصية تحديداً، فألاحظ ان قائمة الوصايا العشرة تخلو تماماً من كل ذكر للعدالة الاجتماعية او التكافل الاجتماعي.. او حتى قيم العائلة.. هناك ذكر للتسوق، ولكن ليس هناك ذكر للعائلة!

       *********************

.. ناهيك عن قيم العفة طبعاً.. ( عمَّ اتحدث؟).

  **********************

وسألاحظ ان الله موجود في الوصية الاخيرة تحديداً. سيقول واضع ومصمم الوصايا ان ذلك مقصود. سيقول لنا بصراحة ان الله موجود فعلاً في سلم اولويات الحضارة الامريكية، لكنه موجود في نهايتها، انه بعد قيم النجاح والمال والتفاصيل الاخرى المتعلقة بهما. وسيقول لنا ان هناك فعلاً من الامريكيين من يقدم ( الله) اكثر في سلم الاولويات . ولكنه سيطمئننا إلى ان هؤلاء اقلية.. وبالتالي لن يؤثروا كثيراً في النتيجة النهائية .

 **********************

احب ان اشير هنا، إلى ان كل ذلك شأن الامريكيين وحدهم. من حقهم ان يضعوا اولوياتهم بالشكل الذي يرونه مناسباً لهم، ومن شأنهم وحدهم ان يكون الله في المرتبة الاولى من سلم قيمهم او الاخيرة، او ان لايكون اساساً في أي مرتبة على الاطلاق.(فهو عز و جل الغني عن العالمين)…

الامر هو، ان من حقنا نحن، ان نعترض على (قيمهم) عندما تعرض علينا بالقوة،او بغير القوة  اي عندما تسوق على انها وحدها القيم وسواها الهباء..

واشير ايضاً، إلى ان الامر اعمق من مجرد (تغيير في ترتيب الاولويات)، او توفيق تلفيقي نمارسه من اجل ارضاء ضمائرنا المنهكة – انها منظوتي قيم مختلفتين من الجذر، من الاساس،  وتشابه بعض التفاصيل الثانوية هنا او هناك لن يغير من هذهِ الحقيقة قط.. (حتى لو اوهمنا انفسنا بغير ذلك.. )

             *****************

.. وكما هو واضح، بل وبديهي فأن هذهِ الوصايا العشرة، لم تنشأ من فراغ- بل انها ولدت في ظروف وملابسات ومصادفات جعلتها بهذهِ الصيغة وبهذا الشكل وهذا الترتيب المحدد للاولويات.. وفي الحقيقة، لا يمكن لأي حضارة- عبر التاريخ- ان تكون قصة نشوئها واضحة، وتكون قصة النشوء هذهِ (محددِة) لقيم واولويات هذهِ الحضارة، كما حدث مع حضارة الفردوس المستعار..