أرشيفات التصنيف: مقالات صديقة

سُـنَّة العراق وتحديَّاتٌ لا مفرَّ من مواجهتها -1- سُنَّة العراق ولحظة الحقيقة

سُـنَّة العراق وتحديَّاتٌ لا مفرَّ من مواجهتها -1-

سُنَّة العراق ولحظة الحقيقة

محمد عبد الله الجبوري


حتى عام 2003 م، لم يشعر سُـنَّة العراق أنَّهم أقليَّة، ولم يشعروا كذلك بحاجتهم إلى تأكيد هويَّتهم ناهيك عن البحث عنها.

لكنَّ عالم ما بعد احتلال العراق شهد تغييراتٍ إقليميَّةً كبرى جعلت من سُـنَّة العراق في مهبِّ رياح التغيير.. وصار لا مفرَّ من التعامل مع المتغيِّرات بعقلٍ مختلفٍ ورؤيَّةٍ مختلفةٍ.

رياح التغيير هذه شهدت أولاً وللمرة الأولى في تاريخ العراق الحديث طرحاً طائفيَّاً صريحاً لم يكن من الممكن التصريح به من أيِّ جانبٍ قبلها، وشهدت تقسيم الشعب العراقي على أساسٍ طائفيٍّ وعرقيٍّ في آنٍ واحدٍ، وهو تصنيفٌ بدا كما لو أنه يستهدف تقليل نسبة السُـنَّة بتقسيمهم إلى أكراد وعربٍ.. علماً أنَّ الأكراد (وهم سُـنَّة في غالبيَّتهم العظمى) كان لهم فعلاً قضيةٌ مختلفةٌ منذ البداية.. وهم لا يبدون مستائين من عزلهم عن السُـنَّة العرب على الأقل في هذه المرحلة.. لأسبابٍ معلومةٍ تماماً..

وكان من حتميَّات هذا الطرح (الذي شجَّعه الأمريكان منذ البداية) أن تنشأ المحاصصة التي يشتمها الجميع، ولكنَّهم يستغلونها أيضاً، وبلغت المحاصصة حدوداً هزليَّة (مثل الحرص على أن تكون الفرق الرياضيَّة ممثلةً لجميع مكوِّنات الشعب العراقي بحسب النسب السكَّانية!! الخ)…

وشهدت التغييرات أيضاً بروز ومن ثمَّ خفوت المقاومة العراقيَّة المسلَّحة التي اختلط فيها الحابل بالنابل والخبيث بالطيب (كما يحدث دوماً وفي كلِّ حركات التحرر على الإطلاق ) والتي وجدت نفسها أمام عدوَّين: عدوٍّ محتلٍّ واضحٍ، وعدوٍّ هو “ابن البلد” شئنا أم أبينا، وبينما لا مفرَّ من الاعتراف أنَّ التفجيرات الكبرى في الأماكن المكتظَّة قد بدأتها تنظيماتٌ مرتبطةٌ بالقاعدة ، فإنه لا بدَّ من التذكير أنَّ الاغتيالات المنظَّمة التي استهدفت السُـنَّة قد سبقت هذه التفجيرات (وهو بالضبط الفرق بين العمل المنظَّم الذي تدعمه إيران، والعمل العشوائيّ الذي تمثَّل في القاعدة والذي أدّى لاحقاً إلى ظهور الصحوات).

في النهاية وجد سُـنَّة العراق أنفسهم وحيدين دون أيِّ دعمٍ دوليٍّ أو إقليميٍّ… حتى عندما فازت القائمة العراقيَّة (تحالف علاوي مع الهاشمي وشخصياتٍ سنيَّةٍ أخرى) في انتخابات 2010 والتي دعمها السُـنَّة العرب بشكلٍ واضحٍ، حتى بعد هذا الفوز، فوجئ الجميع بسرقة هذا الفوز لصالح الخاسرين بسلسلةٍ من الألاعيب القانونية وسط صمتٍ عالميٍّ مريبٍ، وهذا يعني أنَّه ليس ثمَّة أمل لسُـنَّة العراق  (وحتى للشيعة المعتدلين  غير المسيَّرين من قبل المراجع الدينيَّة) عبر أيَّة عمليَّةٍ انتخابيَّةٍ ديمقراطيَّةٍ.. بل لا بدَّ من إجراءٍ حاسمٍ وجذريٍّ مهما كان مؤلماً.

أمران لا بدَّ من تثبيتهما هنا في هذا السياق قبل مراجعة التحديَّات التي تواجه “سُنّة العراق”:

أولاً_ ليس هناك أكثريَّةٌ ساحقةٌ في العراق… هناك أكثريَّاتٌ صغيرةٌ، أو أقليَّاتٌ كبيرةٌ،  وهذا أمرٌ يعقِّد المشهد العراقي، ولكنَّه أيضا يمكن أن يشكِّل ضمانةً مستقبليَّةً في وقتٍ لاحقٍ.

العراق، مثل لبنان، يختلف عن سوريا ومصر اللتين فيهما أغلبيَّةٌ ساحقةٌ تتجاوز الـ 70% -80% لفئةٍ معينةٍ.

تعرَّضت نسبة العرب السُـنَّة إلى التقليص بسبب ماكينة الدعاية الشيعيَّة، كما تعرَّضت للتضخيم أحياناً كردِّ فعلٍ لهذا التقليص، فأوصلها الشيعة إلى 20%، وبالغ البعض في ردِّ الفعل فأوصلها إلى الـ 60% والحقيقة المترشِّحة من مجمل القراءات للنسب السكَّانية هي أنَّ نسبة السُـنَّة العرب تقارب الثلث (34%-38%)، وأنَّهم مع الأكراد(السُـنَّة غالباً) يشكِّلون أكثر من النصف، وأنَّ الشيعة رغم تفوقهم العدديِّ على السُـنَّة العرب منفردين، فإنَّ هذا التفوُّق كان ضئيلاً لم يمنحهم “الأغلبيَّة” في أيِّ انتخاباتٍ مروا بها، حتى في انتخابات 2005 م التي قاطعها السُـنَّة العرب.

ثانياً –  علينا أن نفرِّق مبدئيَّاً بين “الشيعة”، وبين “المشروع الشيعيِّ – الإيرانيِّ”. صحيحٌ أنَّه لا يمكن التمييز حالياً بينهما لأنَّه لم يثبت “إحصائيَّاً” حتى الآن وجود أيِّ نبذ مؤثِّرٍ من قبل جماهير الشيعة لهذا المشروع ، إلا أنَّنا علينا أن نذكر دوماً بإمكانية التعايش مع الشيعيِّ كشيعيٍّ، ولكن بصعوبة التعايش مع مشروعٍ يستخدم عقيدة هذا الشيعيِّ ويستغلُّها لتكون موجَّهة ضد السُنَّة مباشرةً (وهو أمرٌ يصعب على أيِّ مشروعٍ شيعيٍّ أن يتجاوزه لأسبابٍ تتعلق بطبيعة نشوء الشيعة وتشكُّل عقيدتهم).

يمكن للشيعيِّ أن يؤمن بما شاء، ممَّا تؤمن أنَّه سيدخله جهنم، ولكن يمكن لك أن تتعايش معه، وأن يكون سلوكك معه جيِّداً، كما يمكن له أن يؤمن أنَّك داخلٌ جهنم، وأن يكون سلوكه معك جيداً، أن لا يخدعك في البيع والشراء، وأن يعاملك كما يعامل الشيعي، كما يمكن لك أن تفعل الشيء ذاته، بالضبط كما تعاملنا جميعاً مع “أهل الكتاب”.. المعضلة هي في اللحظة التي تحوِّل فيها عقيدتك لتكون موجَّهةً ضدَّ هذا الطرف بدلاً من أن تكون موجَّهةً للبناء ولرقيِّ المجتمع وتكوين النموذج الجاذب الذي قد يجعل “الآخرين” يؤمنون بهذه العقيدة…

الأمر إذن ليس في صراع العقائد صراعاً نظريَّاً – فكريَّاً، بل هو في تحوُّل هذه العقائد لتكون مشروعاً على أرض الواقع…

والسُـنَّة العراقيُّون اليوم، يواجهون منفردين تقريباً مشروعاً هو جزءٌ لا يتجزَّأ من المشروع الإيرانيِّ الذي أعلن منذ البداية المبكِّرة للثورة الإيرانيَّة أنَّ تصدير الثورة أهمُّ منتجاته…

مشكلة السُـنَّة العراقيين مزدوجةٌ في هذا الأمر.. فهم لا يواجهون المشروع “الإيرانيَّ”- العابر للأقاليم- منفردين فحسب، دون دعمٍ من أيَّة جهةٍ من أيِّ نوعٍ كان، بل إنَّ المشكلة التي لا تقلُّ أهميَّةً هي في رفض نسبةٍ لا يستهان بها منهم لهذا التوصيف –الطائفيِّ- للقضية، رفضهم للتصديق أنَّ هناك من يؤيِّد هذا المشروع من العراقيين الذين لم يأتوا مع الاحتلال، رفضهم للتصديق أنَّ إيران قد انتصرت في أكثر من معركةٍ، وأنَّها تكاد تنتصر في “الحرب”.

لا يزال السُـنَّة العراقيون في جانبٍ كبيرٍ منهم يعيشون حالةً مَرَضيةً من الإنكار للحقائق الشاخصة على الأرض… لا يصدِّقون ما يحدث… بقي جزءٌ كبيرٌ منهم يردِّد لسنواتٍ أنَّ كلَّ هذه “الفئران” ستهرب إلى إيران فور خروج الأمريكان.

ولقد خرج الأمريكيُّون (على الأقلِّ قلَّت كثافة وجودهم)، ولكنَّ الفئران كان قد كبر حجمها، وصارت جرذاناً ضخمةً مفترسةً، ثم أضحت وحوشاً آكلةً للحوم البشر.. وخروج الأمريكيِّين لم يزدها إلا قوةً.. لأنَّه أعطاها المزيد من الحرية في التعاون مع إيران..

كان هناك حديثٌ دائمٌ عن جبن فئةٍ معيَّنةٍ من العراقيين، الشروگيين، وعن كونهم سيفرُّون من أول طلقةٍ…

حسناً، على فرض صحَّة هذه الفرضيَّة، فهي لم تعد صحيحةً الآن.. لقد ذاق هؤلاء القوة والسلطة والشوكة، مرَّ عقدٌ كاملٌ تقريباً منذ أن منحهم الأمريكيُّون أولاً القوة، ثم دعمتهم إيران… لقد تغيَّروا.. المثل العراقيُّ يقول: “الخير يخيِّر والشر يغيِّر”… وقد تغيَّر هؤلاء لما فيه شوكتهم، ولا بدَّ من الاعتراف أنَّ تغيُّر السُـنَّة لم يكن لصالح الشيء ذاته..

لا بدَّ من مواجهة الحقائق الآن.. بدلاً من الإنكار، بدلاً من التصوُّر أنَّ المشروع الإيرانيَّ -المدعوم من قبل أناسٍ عراقيين شئنا أم أبينا-، سيذوي وينتهي تلقائيَّاً، بدلاً من الدعاء الحارِّ أن يكون هناك “بأسٌ شديدٌ” بين هذا المشروع وبين مشروعٍ آخر، يضرب فيه الظالمون بعضُهم بعضاً، ونخرج من بينهم سالمين كالشعرة من العجين..

لن يحدث هذا.

السُّنن الكونيَّة لا تعمل هكذا.

وسُـنَّة العراق أمام  لحظة الحقيقة…

***********************************

تفكيك السلمية الدينية : د.أحمد قطشة

تفكيك السلمية الدينية

د.احمد قطشة


لا يهدف هذا المقال لدحض فكرة السلمية، أو الحديث عن جدواها في الثورة السورية، فمثل هذا النقاش طويل ومستمر(يمكن مراجعة نقد السلمية كفكرة بكتابات مالكوم إكس أو جورج أوريل على سبيل المثال). لكن نركز هنا على إصرار بعض السلميين المتدينين على ربط هذه الظاهرة مع الدين الإسلامي ومسخ الكثير من أحكامه لصالح تفسيرات عصرية للإسلام تتناسب مع مايريد الإنسان الغربي تحديداً سماعه (لايعني هذا إتهاماً لهم، بل هي من الموافقات ونعتقد أنها مصادفة لا أكثر).

سنقوم هنا باستعراض بعض دفاعات هذا الفريق ومقاربتها لنرى مدى دقتها وصحتها. ولن ندخل هنا أيضاً في تفسيراتهم للدين الإسلامي وأحكامه ومدى ضرورة التزام الفرد المسلم بهذه الأحكام، فهي نقاشات طويلة لامحل لها هنا.
1. الفكرة الرئيسية التي يتم الترويج لها من أنصار هذا الفريق أن مرحلتنا الحالية تقابل المرحلة المكية من الدعوة، وهي الفترة التي لم يؤمر بها الرسول عليه الصلاة والسلام بأي عمل عسكري ضد كفار قريش. وبالتالي هم يسقطون أحكام تلك المرحلة على حالتنا هذه، (يسقطونها فعلياً على حال الأمة ككل في مقابل القوى العظمى)، ومن هنا فإنه علينا ألا نقوم بأي عمل مما يسمونه هم “بالعمل العنفي”، ويدخل في ذلك نوعي الجهاد، جهاد الدفع وجهاد الطلب.
مصدر القياس هنا لديهم هو أن الصحابة في المجتمع المكي كانوا قلة ضعيفة، وبناءً على ذلك فعلينا ألا نقوم حتى بالدفاع عن النفس في مواجهة القتل اليومي الحاصل ( مايزال فريق منهم يرفض فعلياً ذلك وإن كان بعضهم قبل بمبدأ الدفاع عن النفس على مضض).
هناك عدة نقاط يمكن التوقف عندها هنا:

• لايمكن حقيقةً تشبيه هذه المرحلة بأي مرحلة في التاريخ، فالإسقاطات صعبة جداً وهناك تباينات كبيرة بين كل مرحلة، لكن طالما أنهم يريدون تشبيهاً فهناك مرحلة أشبه بما نحن فيه من المرحلة المكية، فالمرحلة المكية تشبه مرحلة ماقبل الثورة.
• إن كان ولابد من إيجاد شبه ما مع مرحلة ما، فالأدق أنها أشبه بمرحلة صلح الحديبية. بالتحديد حالنا أشبه بحال الصحابة (أبو بصير عتبة الثقفي ورفاقه) الذين فروا من مكة بعد الصلح، ولم يقبلهم رسول الله عليه الصلاة والسلام في المدينة بسبب عهده مع قريش، فأبوا أن يعودوا لقريش، ريثما يحصلون على الإذن بالوصول للمدينة. وهكذا نحن اليوم، خرجنا من الظلم والإضطهاد ولم نصل بعد للمدينة، هل هناك شك بشرعية قتال الظالمين في تلك المرحلة؟ مع أن الأفعال التي قام بها أؤلئك النفر هي ماقام به بالضبط الكثير من أفراد الجيش الحر في البداية وواجهوا هجوماً عنيفاً عليهم بحجة السلمية الدينية.
• لو قبلنا جدلاً أن ماقام به النبي عليه الصلاة والسلام كان ثورة، فيمكن بكل تأكيد الخروج بقاعدة عامة من ذلك الفعل، وهي قاعدة عامة في كل الثورات الكبرى التي غيرت وجه البشرية، وأسقطت فرضيات وأنشأت فرضيات جديدة مكانها، أن هناك فترة سابقة على الفعل الثوري، هي فترة التنظير وصنع النظرية الثورية، يمكن القول أنها فترة البناء للإنسان الثوري، ليكون جاهزاً في لحظة الثورة وبعدها لمرحلتي الهدم والبناء. من هنا يمكن القول أن المرحلة المكية كانت مرحلة بناء الإنسان وصنعه، ومن هنا لم تكن هناك أحكام بالقتال لإن هذا الإنسان لم يكن جاهزاً بعد وليس لكونه ضعيف وهذا فارق كبير جداً، فالرسول عندما كان يرى الصحابة يشتكون إليه لم يثبت أنه أجابهم كلا فنحن ضعفاء (في القرآن الكريم يُلام الضعفاء على عدم خروجهم من الأرض)، بل قال لهم اصبروا. فمرحلة التمكين لم تبدأ بعد، لم يكن الصحابة قد نضجوا بعد لتطبيق النظرية الدينية، لم يكن قد اكتمل بناؤهم. من هنا لايمكن القبول بالقول أن عدم ورود أوامر القتال كان بنتيجة ضعف الصحابة، والأدق أنها كانت فترة المرحلة النظرية من الاسلام، مرحلة صنع الفرد المسلم والنظرية الاسلامية لتكون جاهزة لحظة التطبيق في المرحلة المدنية.
• أكثر من هذا فإن أول سيف شهر بالإسلام كان في مكة، ومنذ أيام الإسلام الأولى، ففي المستدرك على الصحيحين عن عروة بن الزبير، قال: كانت نفحة من الشيطان أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد أُخذ، فسمع بذلك الزبير وهو ابن إحدى عشرة سنة، فخرج بالسيف مسلولاً حتى وقف على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (ما شأنك؟)، فقال: أردت أن أضرب من أخذك، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم ولسيفه، وكان أول سيف سل في سبيل الله عز وجل. لم يقل له: كلا فنحن مازلنا ضعفاء، ونحن قلة، ولم ينهه عن فعله، بل دعا له، مما يعني موافقة له على فعله، وفي واقع الأمر أن هذا يدل أن بعض الصحابة كان قد اكتمل البناء فيهم، كعمر وحمزة، حمزة الذي شج رأس أبي جهل، ولم يعاتبه عليه الصلاة والسلام في استعمال القوة حينها.
• القول أن أحكام المرحلة المكية هي السائدة اليوم وليست أحكام المرحلة المدنية فهذا يعني فرض الزمن على النص، وحصر النص الديني بالفترة الزمنية وجعلها متفوقة عليه، في حين أن النص القرآني يسمو على الزمان والمكان و لاينحصر تطبيقه بـأحدهما أو كلاهما. بل والأخطر من ذلك، فإن هذا يعني الانتقائية في التعامل مع النص القرآني، واختيار مايناسب القناعة المسبقة وهذا منهج خاطئ في التعامل مع القرآن الكريم.
• لو فرضنا دقة التشبيه وصحة هذا الاسقاط (أن مرحلتنا هي المكية) فإن المفروض حينها هو الهجرة من الأرض وبناء دولة التمكين وليس مقاومة الحاكم، فلم نعرف أن الصحابة قاموا بحركة مقاومة أو مظاهرات في الفترة المكية (سنناقض هذا لاحقاً).

2. من الأحاديث التي يقوم الربط بين السلمية والدين الإسلامي بها هي قوله عليه الصلاة والسلام (كن كخيري إبن آدم)، والحقيقة أن هذا الحديث يحتاج للتوقف عنده وفهمه، ثم نرى هل ينطبق علينا أم لا.
• ورد الحديث بعدة صيغ جميعها تدل على ذات المعنى، وورد أيضاً بكلمات مختلفة كلها تدل على نفس المعنى، بل وفيها انه حتى إذا دخل بيتك وقاتلك، فإنك تلزم بيتك ولاترد القتل. فهل هذا فعلاً هو المقصود، وهل هو مطلق؟
• إن كل الأحاديث التي ذكرت هذه المقولة، قد جاءت ضمن حديثه عليه الصلاة والسلام عن الفتن بين المسلمين، تلك الفتن التي لايُعرف فيها صاحب حق ولايتبين فيها صحة موقف، بل تكون الأمور ضبابية غائمة، لانعرف رأس الأمر من ذيله، فحينها تكون فتنة لا يدري القاتل فيما يقتل ولا المقتول فيما يُقتل، فهل فعلاً لا يدري الآن القاتل فيما يقتل ولا المقتول فيما يُقتل؟ لو تجاوزنا أن الطرفين مسلمون يتقاتلون.
• من المعروف في الدين الإسلامي عند استنباط الأحكام أنه لا ينظر لحديث واحد ويبنى عليه حكم، بل ينظر لجملة من الآيات والأحاديث، ويجمع التوافق بينها ثم يكون الحكم بناءً على مجموع هذه الآيات والأحاديث، وهذا ينطبق بطبيعة الحال على المسألة هنا.
• من ذلك مارواه عبد الله بن عمرو رضي اللَّه عنهما، عن النبي – صلى اللَّه عليه وسلم، أنه قال: (من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل، فهو شهيد). ومن ذلك أيضاً قوله تعالى {فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} الحجرات: 9 ، ومن ذلك قول عليه الصلاة والسلام (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً قال: كيف أنصره إذا كان ظالماً؟ قال: ترده عن ظلمه) وقوله عليه الصلاة والسلام (المسلم أخو المسلم يسعهما الماء والشجر ويتعاونان على الفتان). بل وجدت إجماعاً من علماء الشريعة على ضرورة دفع القاتل وقتاله في حال استهدف العرض في فتنة أم في غيرها. فكيف يستقيم أن يغلب حديث واحد مجموع الآيات والأحاديث المقابلة له، وهذا ولم يُعدم التوفيق بين هذه النصوص، لنقول أن نصاً نسخ نصاً آخر، وهذا ليس مذهبي.

3. يدفعون أحكام الجهاد وآياته بالقول (عدا القول بالمرحلة المكية) أن هذه الاحكام تحتاج لحاكم ليقوم بها، كما تحتاج لضامن يضمن عدم حيدها عن اهدافها وعدم تجاوزها لضوابطها وهنا يوجد نقاط
• تتعلق أغلب الانتقادات التي يوجهها أنصار هذا التيار للمؤسسة الدينية التقليدية بكونها أضافت قيوداَ على النص القرآني أو النبوي، عبر شروحات وتفاصيل لم ترد في النص الأصلي، وهي بذلك أعاقت النص وقيدت معناه. مايقوم به أنصار السلمية الدينيين هو شيء مشابه لهذا، لا أعني كلامهم عن ضرورة وجود حاكم، أو عن ضرورة الالتزام بالضوابط الشرعية عند تطبيق هذه النصوص، بل مايحدث أنهم يقيدون نصوص الجهاد أو نصوص المرحلة المدنية دوناً عن نصوص المرحلة المكية.
• من ذلك مثلاً ضرورة وجود الحاكم وأخذ إذنه بالقتال، لكن في المرحلة المكية، لو نظرنا لما قام به عمر بن الخطاب أو عبد الله بن مسعود من قراءة القرآن جهراً أو الطواف حول البيت على أنه فعل مقاومة سلمي ( هذه النقطة لم ينتبه لها أحد من السلميين الدينيين ولم يذكروها ضمن هذا السياق، وها أنا أضعها لهم لأثبت قرائتهم المنقوصة للتاريخ*) فإن كلا الصحابيين كانا قد أخذا الإذن من الرسول عليه الصلاة والسلام قبل فعل ذلك.
• طبعاً هم لايقولون كما أشرت أن هذا فعل مقاومة سلمي، وبالتالي لم ينتبهوا لوجود هذا الحاكم في المرحلة المكية. أهمية هذه النقطة تكمن أنه إذا كانت أوامر القتال في المرحلة المدنية (وهي مرحلة القوة) تحتاج لحاكم وآمر، فإن أحكاماً أقل “عنفاً” في المرحلة المكية احتاجت إذناً من رسول الله عليه الصلاة والسلام. وبالتالي فإنه حتى الخروج في مظاهرة يصبح فعلاً بدون إذن من الحاكم، وحتى الكتابة على الحائط يصبح فعلاً غير أخلاقي لكونه لم يحصل على إذن الحاكم، ووفق هذا المنطق تصبح الثورة كلها فعلا يحتاج لاذن خاص من الحاكم الشرعي للثوار (طبعا لن ندخل في كيفية تحديده وشروطه).
• وحتى لو كان ردهم، أن الصحابة إحتاجوا الإذن لعلمهم بعنف ردة فعل قريش، نكون نحن من باب أولى بحاجة لهذا الإذن لعلمنا بعنف النظام وردات فعله.
• من نافلة القول التذكير بأنه لا أحكام فقهية فرضت في المرحلة المكية وبناءً عليه هل علينا التوقف عن احكام الصلاة والصيام حتى تقوم الدولة المدنية.

3-فتح مكة سلمياً؟
إحدى الحجج التي يروجونها أن مكة فتحت سلمياً ولم تكن معركة كبقية المعارك، ما يعني انتصار السلمية في النهاية على “العنف”، وهنا توجد عدة نقاط:

• بدايةً لايمكن تصور الحديث عن فتح مكة، دون قبول المعارك الكبرى التي حدثت قبله، معركة بدر، وأحد والأحزاب. لا يمكن القول أننا نريد من المرحلة المدنية هذه الجزئية، في حين نتغاضى عن بقية المرحلة فقط لإنها لاتعجبنا، أو لإنها لاتنطبق على أفكارنا المسبقة.
• من الحوادث التي حصلت قبل فتح مكة، هناك حادثة مميزة، بين رسول الله عليه الصلاة والسلام وبين أبو بكر الصديق، وفيها أن أبو سفيان لما خرج خائباً من محاولته في تليين الرسول عليه الصلاة والسلام وتليين قلب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وثنيهم عن فتح مكة، أتى (أبو سفيان) على سلمان و صهيب وبلال في نفر، فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها. قال فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره. فقال عليه الصلاة والسلام: ” يا أبا بكر لعلك أغضبتهم؟ لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك” فأتاهم أبو بكر فقال: يا إخوتاه أغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أخي. فهل هذه مقدمات حرب أم مقدمات فتح سلمي؟
• خرج الرسول عليه الصلاة والسلام لفتح مكة في جيش ينوي القتال، كان رمضان، وأمرهم بالفطر ليتمكنوا من القتال، لم تكن النية فتحاً سلمياً.
• نعم كان الرسول يريد حقن الدماء تعظيماً لبيت الله الحرام وليس (سلمية)، ومع ذلك كانت أوامره واضحة، القضاء على أي مقاومة قد تواجه الجيش، من ذلك ماحصل لخالد بن الوليد رضي الله عنه وقتله لرجلان من كفار قريش كانوا مع آخرين في الخندقة وأمطروا قوة خالد بالنوابل مما اضطره للتعامل معهم بالقوة.
• في فتح مكة أيضاً حادثة مشهورة، لايشيرون إليها كثيراً، في مقابل قوله عليه الصلاة والسلام (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن)، الحادثة أنه عليه الصلاة والسلام أمر بقتل ستة أشخاص من مشركي قريش حتى لو تعلقوا بأستار الكعبة يومها، فهل يعقل أن يأمر بقتلهم وهو من أعطى الأمان لكل من دخل البيت الحرام يومها؟ هذا بلاشك يعني أن هناك حدوداً لكل شيء. ولو أخذنا بالنسبة والتناسب بين عدد سكان مكة حينها، وبين هؤلاء الستة، فسنكون أمام نفس النسبة تقريباً بين من يرتكب الفظائع اليوم لعدد السكان، هؤلاء لايمكن التسامح معهم بأي شكل، يجب أن ينالوا القصاص العادل.
• فهل بعد هذا يمكن القول أن مكة فتحت سلمياً؟

يتبين لنا بعد هذه المناقشة لأهم أدلة أنصار هذا الفريق، أنه لارابط حقيقي بين السلمية كنهج استراتيجي لاحياد عنه، وبين النصوص والحجج التي يتم الاستناد عليها لتقوية هذا المعتقد. مع ملاحظة أن كلامي هنا لايعني أن الدين الاسلامي دين عنف، أو يحض على الإرهاب أو قتل الأبرياء، فهذا نقاش مختلف. وإن أراد أنصار السلمية المتابعة بها والاستمرار بالدعوة لها، فهذا شأنهم ومايعتقدون، لكن رجاءً لايغيروا في الدين وفي التاريخ للإقناع الناس بمايريدون.**

*أحدهم أراد أن يستشهد بقصص الأنبياء في معرض دفاعه عن السملية، فاستشهد ذات مرة بنوح عليه السلام في سياق صبره على الكفار ونسي دعائه الشهير في نهاية المطاف (مع التأكيد على نهاية المطاف)، واستشهد بموسى عليه السلام بدعوته لبني اسرائيل بالصبر في سياق أن السلمية لا تصنع المعجزات، ونسي أن اكثر نبي أتى بالمعجزات لقومه كان موسى عليه السلام.

**من ذلك نهي أحدهم للشباب الثاثر أن يتمنى الشهادة في سبيل الله، بحجة أننا نريد شباباً يعيشون في سبيل الله، وهذا كلام حق (لن أقول أريد به باطل، لكن بحسن نية أخطئ قائله فيه). فالحق أن أحداً لايتمنى ولايجب أن يتمنى الموت، لكن تمني الشهادة هو أمر مختلف تماماً، والشهادة قد تدرك بالموت على الفراش كما ورد في حديث أبي مالك الأشعري مرفوعاً، ولعل الأمر إلتبس عليهم وربطوا الشهادة بالقتل في المعركة، فأرادوا التنفير من المعارك بالتنفير من طلب الشهادة.

الردة رؤية إسلامية تأصيلية جديدة : د.يحيى رضا جاد

الردة

رؤية إسلامية تأصيلية جديدة

د. يحيى رضا جاد

باحث مصري مستقل


ملخص البحث

قضية الردة – وعلاقتها بحرية الاعتقاد- من “القضايا القلقة والمعلقة” التي “لم يحسم العقل المسلم المعاصر” رأيه فيها بعدُ. وهي، فوق ذلك، قضية – لخطورتها وأهميتها ومحوريتها في حياة البشر؛ اجتماعياً وسياسياً وقانونياً- تشغل الفلاسفة والمفكرين والسياسيين والفقهاء والقانونيين وعلماء الاجتماع، على امتداد دار الإسلام، بل وفي العالم كله. ومن أجل ذلك كان هذا البحث التأصيلي التجديدي الفكري الفقهي الفلسفي المركز، والمستهدي في ذات الوقت بكتاب الله وسنة رسوله (عليه الصلاة والسلام)؛ إذ التفلسف في ديننا فريضة، والتدين فلسفة.

ومن خلاله اتضح جلياً – ولأول مرة، وهي من الأمور التي تفرد بها البحث- : أن “لا إكراه في الدين” قاعدة شرعية وعقلية كلية قطعية لا يجوز القول بما يضادها أو يصادمها كلياً أو جزئياً، ابتداءً أو إبقاءً؛ فالإكراه لا ينتج ديناً، وإنما ينتج نفاقاً وكذباً وخداعاً، الإكراه سوس ينخر في العقائد؛ إذ القهر على الاقتناع بمبدأ، ابتداءً أو إبقاءً، يدفع البشر إلى النفاق.

وبه كذلك اتضح – ولأول مرة، وهي من الأمور التي تفرد بها البحث- : أن فكرة الردة في عهد الرسول (ص) كانت مقترنةً – اقتراناً ميكانيكياً- بعداوة الإسلام وحربه، فالمرتد على عهد النبي (ص) لم يكن يلزم بيته أو يحرص على سلامة مجتمعه، بل كان ينضم إلى أعداء الإسلام، فالأمر بقتل المرتد نبع من قتاله في صفوف الأعداء، لا من ردته عن الإسلام، ومن ثم : فإنزال العقوبة، بعد إحاطتنا بملابسات فرضها، يجب أن يكون – وفقط- على المرتد المحارب أو الخائن للبلاد. والاختلاف – بمجرده- إنما هو قضاء الله الذي لا يُرد.

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

أرجو أن يكون هذا البحث في موضوع الردة وحرية الاعتقاد – بعد ما بذل فيه من جهدٍ لا يعلمه حقَّ علمِه إلا الله- (كلمةً سواءً) يجتمعُ عليها – أو يتحلقُ حولها أو يحترم ما وصلت إليه من رأي- المختلفون في أمر الردة والعقاب عليها .. بل إني لأرجو فوق ذلك أن يكون (كلمةَ الختام الحاسمة) – وإنْ (غير النهائية)؛ لكونها صادرةً عن اجتهاد- في الجدل الدائر حول موضوع الردة؛ حسماً له – نوعاً ما- أو بالأقل تخفيفاً للاستقطاب الحاد حوله – بدرجةٍ ما- .. خاصةً بعد أن تراشقتْ أطرافه بتهم (الجمود) و(التسيب)، و(الرجعية) و(الكفر)، و(التخلف) و(سوء النية)، و(الإساءة للإسلام) و(الكيد له)، إلى غير ذلك من (التهم الجاهزة المُعلَّبة) .. وضاقتْ بالحياد فيه الأرض بما رحبت، فالكل براء، والكل متهم .. وأعجزَ داءٌ الأمة الدواء، فحضر الشهود إلا شاهد العقل، واستحضرت الحجج إلا حجة الإنصاف؛ إيغالاً في الابتعاد عن عقلنة جدالنا، وتنظيم اختلافاتنا، وترتيب درجات سلم أولوياتنا، وتحسين نياتنا وإراداتنا، على الرغم من أن قصدنا جميعاً طاعة الله ورسوله، وغايتنا المطلوبة واحدة – وهي محاولة الوصول إلى حكم الله-، وطريقتنا المسلوكة واحدة – وهي الاعتماد على الكتاب والسنة ومقرراتهما- .

قبل أن نبدأ [1]

إن الردة التي يتعين البحث في حكمها هي (الردة المحضة)؛ أي مجردُ الخروج من الإسلام, سواء كان ذلك بالتحول إلى غيره من الأديان, أو بالخروج منه إلى غير دين .. أو – بتعبيرٍ أكثرِ دقة- مجردُ الرجوع عن الإسلام صراحةً والتخلي عنه بعد الدخول فيه.

أما الخروج على الإسلام – سواءٌ باللحاق بأعدائه أو أعداء أمته, أو بالتشنيع عليه والكيد له أو لأمته, أو بمحاولةِ تحويل عوام المسلمين عن دينهم من غير طريق المبارزة الفكرية والإقناع والاقتناع العقلي وإنما عن طريق التغرير بهم أو التلبيس والتدليس عليهم؛ باستغلال جهلَهم أو حاجتهم وفاقتهم وسوء أوضاعهم (أي: بالتغرير بعوام المسلمين وإغرائهم على الخروج منه بوسائل غير مشروعة)- فليس من طبيعة الردة, ولا هو من لوازمها الحتمية .. ومن ثم, يتعين الوعيُ بالفرق بينهما والتنبهُ إليه .. مع تأكيدي على أن (الخارج على الإسلام) يستوجب إنزال العقاب به قطعاً؛ لما يمثله من خطر على (مقومات الاجتماع الديني وأصول الإسلام), وعلى (أصول المجتمع), وعلى (الأمن العام)؛ إذ هو (محارب) – سواء كانت الحرابة (فكريةً معنوية) أو (حربية مادية)- لا (محاور) ولا (مسالم) – على ما سيأتي توضيحه وتفصيله إن شاء الله- .

وأكرر ثانيةً وبطريقة أكثر وضوحاً وحسماً وتحديداً: أن قضية البحث الأساسية – والتي يجب أن يتعرض لها كل باحثٍ في موضوع الردة والمرتدين في ضوء نصوص الإسلام ومقاصده- هي (الردة المحضة)؛ بمعنى تغيير الإنسان عقيدته, وما بُني عليها من فكر وتصور وسلوك, ولم يقرن فعله هذا بالخروج على الجماعة أو نظمها, أو إمامتها وقيادتها الشرعية, ولم يقطع الطريق, ولم يرفع السلاح في وجه الجماعة, ولم ينضم إلى أعدائها بأي صفة أو شكل, ولم يقم بخيانة الجماعة .. إنما كل ما كان منه: تغيير في موقفه العقدي, نَجَمَ عن شُبَهٍ وعواملَ شكٍّ في جملة عقيدته أو في بعض أركانها, ولم يقو على دفع ذلك عن قلبه, واستسلم لتلك الشبهات, وانقاد لتأثيرها؛ تاركاً الإسلام ومعلناً موقفه الجديد.

ولنبدأ باسم الله وعلى بركة الله :

أولاً [2]

1- المقدمة الصحيحة التي ينبغي أن ينطلق منها أي بحث في موضوع الردة هي قوله تعالى : ” لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ” [البقرة 256] [3].. إذ الآية – وكذلك أخواتها من المذكورات في الهامش- تقرر قضيةً كلية قاطعة، وحقيقية جلية ساطعة, وهي أن الدين لا يكون ـ ولا يمكن أن يكون ـ بالإكراه [4] ؛ إذ قد جيء بنفي الجنس “لا إكراه” لقصد العموم نصاً, وهذا دليل واضح على إبطال الإكراه على الدين بسائر أنواعه .. فالدين: إيمان واعتقاد يتقبله عقل الإنسان وينشرح له قلبه, وهو التزام وعمل إرادي, والإكراه – بأي شكلٍ وتحتَ أي مسمى كان- ينقض كل هذا ويتناقض معه.

لقد ورد نفي الإكراه في الآية مطلقاً, ولم يقيَّد بمن يراد إدخاله ابتداءً في الإسلام, فوجب أن يدخل فيه المرتد أيضاً؛ لأن المعنى الذي أوجب نفي الإكراه عمن يراد إدخاله في الإسلام ابتداءً : موجودٌ فيمن يراد إبقاؤه أو إعادته بعد ارتداده.

ولقد وقعت كلمة “إكراه” نكرةً في سياق النفيِ, والنفيُ إذا دخل على النكرة أفاد العموم والشمول؛ فوجب نفي كل إكراه في الدين, ووجب أن يدخل فيه إكراه المرتد على الإسلام؛ لأنه من الإكراه في الدين قطعاً [5] , فلا يصح أن يُكرَهَ عليه بمنطوق هذه الآية أصلاً .

2- والدين والإكراه لا يمكن اجتماعهما, فمتى ثبت الإكراه بطل الدين .. الإكراه لا ينتج ديناً, وإنما ينتج نفاقاً وكذباً وخداعاً, وهي كلها صفات باطلة وممقوتة في الشرع, ولا يترتب عليها إلا الخزي في الدنيا والآخرة.

وكما أن الإكراه لا ينشئ ديناً ولا إيماناً, فإنه كذلك لا ينشئ كفراً ولا ردةً, فالمكرَه على الكفر ليس بكافر, والمكره على الردة ليس بمرتد, وكذلك فالمكره على الإيمان ليس بمؤمن, والمكره على الإسلام ليس بمسلم .. ولن يكون أحد مؤمناً مسلماً إلا بالرضا الحقيقي؛ رضيتُ بالله رباً وبالإسلام ديناً, وبمحمد نبياً ورسولاً .

وإذا كان الإكراه باطلاً حتى في التصرفات والمعاملات والحقوق المادية والدنيوية, حيث إنه لا ينشئ زواجاً ولا طلاقاً, ولا بيعاً، ولا بيعةً, فكيف يمكنه أن ينشئ ديناً وعقيدةً وإيماناً وإسلاماً ؟! .. إن الدين هدايةٌ اختيارية للناس, تُعرَض عليهم مؤيَّدةً بالآيات والبينات .. ورسل الله لم يُبعَثوا جبارين ولا مسيطرين, وإنما بُعثوا مبشرين ومنذرين.

3/1- إن “لا إكراه في الدين” هي (إخبار في معنى النهي)؛ فقوله تعالى “لا إكراه” (جملة خبرية) تحكي عن الواقع التكويني الذي يُثبت عدم إمكانية أن يُكره أحدُ ما أحداً آخر على الاعتقاد بدين ما؛ لأن الإيمان مسألة قناعةٍ غير قابلة للإكراه .. وفي الوقت نفسه فإنها تتضمّن (حكماً شرعياً ينهَى عن الإكراه) في مسألة الاعتقاد الديني [6] .

إن “لا إكراه في الدين” هي خبر قبل أن تكون حكماً, أو إن شئت قلتَ: هي حكم معلل بالواقع؛ فالاعتقاد – لكونه اختياراً حراً- يستعصي على الإجبار, ومتى تبين الرشد من الغي, فكل امرئ وما يختار.

أرأيت شعيباً (عليه السلام) وقومه: “قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ” [الأعراف: 88] .. فهذا شعيب يسفه قومه؛ لأنهم يريدون إكراهه هو ومن معه على الخروج من دينه والعودة في ملتهم, ودليله على سفههم أنهم يظنون الإكراه سبيلاً للإيمان.

أرأيت نوحاً (عليه السلام) وقومه: “قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ” [هود: 28] .. فهذا نوح يدرك حقيقة الدين وطبيعته, فيستبعد إكراه المخالف على الدخول في دينه.

3/2- ونلاحظ في الآيتين السابقتين كلتيهما أنهما ختمتا باستفهامٍ استنكاري؛ للدلالة على سخف المخاطب الذي يتجاهل الطبيعة البشرية ويتعامى عن المسلمات.

كما نلاحظ أن كلاً من النبيين الكريمين قد دلل على فساد منطق قومه بالتعجب من أن يكون الإكراه عندهم سبيلاً لحمل إنسان على ترك دين آمن به, أو فكرة اقتنع بها, بغض النظر عن صحة ذلك أو فساده؛ لأن الإكراه ليس من شأنه أن يكون وسيلة لتحقيق هذا الغرض.

4- إذن, فقضية ” لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ” هي قضية كلية محكمة, عامة تامة, سارية على أول الزمان وآخره, سارية على المشرك والكتابي, سارية على الرجال والنساء, سارية قبل الدخول الإسلام, وبعده, أي سارية في الابتداء وفي الإبقاء, فالدين لا يكون بالإكراه ابتداءً, كما لا يكون بالإكراه إبقاءً .. وكما لا يجوز الإكراه على الدين في الابتداء – لأن الإسلام الذي يحصل به فاسد قطعاً .. ولا يُنجِي صاحبه من عقاب الله في الآخرة .. وأنى للإسلام أن يستفيد من هذا الإيمان المغشوش الذي لا يُخلص به صاحبه للجماعة؛ إذ يعيش بينها, بحكم ما نزل به من إكراه وقهر, عضواً فاسداً يضر ولا ينفع, ولا يشتغل إلا بالتجسس عليها لحساب أعدائها؛ فيكون في باطن أمره وحقيقته: علينا لا معنا ؟! – فكذلك لا يجوز الإكراه على الدين في الإبقاء – لذات العلة- .

5- ولو كان للإكراه أن يتدخل في الدين ويُدخل الناس فيه, أو يبقيهم عليه، لكان هو الإكراه الصادر عن الله عز وجل, فهو سبحانه وحده القادر على الإكراه الحقيقي والمُجْدي, الذي يجعل الكافر مؤمناً والمشرك موحداً والكتابي مسلماً, ويجعل جميع الناس مؤمنين مسلمين, ولكنه سبحانه ـ بحكمته ـ أبى ذلك ولم يفعله: ” وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ” [يونس99], ” قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ” [الأنعام149], ” وَلَوْ شَاء اللَّهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ” [الأنعام 107] .

فحكمة الله التي لم تأخذ بالإكراه في الدين , حتى في صورة كونه ممكناً ومجدياً وهادياً, لا يمكن أن تقره حيث لا ينتج سوى الكذب والنفاق وكراهية الإسلام وأهله.

الإكراه سوس ينخر في العقائد؛ إذ القهر على الاقتناع بمبدأ يدفع البشر إلى النفاق؛ لذلك ترك الله أمر الإيمان للإنسان دون إكراه منه تعالى ولا إجبار؛ حتى يذهب الإنسان إلى الإيمان بـ (قلبٍ عاشقٍ)؛ لأن الله تعالى لا يريد (أعناق عبيد) وإنما يريد (قلوب عباد) [7] .

6/1- ومن ثم, فآية ” لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ” غير منسوخة وغير قابلة للنسخ, وغير مخصصة وغير قابلة للتخصيص؛ إذ الإيمان بالدين: (تصديق بالقلب) يبلغ مرتبة اليقين – بعد مروره بمرحلة (الاقتناع العقلي)- .. و(التصديق القلبي) – كما (الاقتناع العقلي)- لا سبيل مطلقاً لتحقيقهما بالإكراه, ولذلك لا يمكن أن يكون الإيمان – ابتداءً أو بقاءً- ثمرة للإكراه بأي حال من الأحوال .. ولهذه الحقيقة التي تنفي إمكانية الإيمان بالإكراه, كان التعبير القرآني “لا إكراه في الدين”؛ وهو تعبير يحمل في أحشائه (نهياً) و (نفياً)؛ (النهي) عن إكراه الإنسان على الإيمان, و(النفي) لإمكانية حصول الإيمان عن طريق الإكراه؛ سواءٌ تعلق هذا الإكراه بالآخر حتى يسلم, أو بالمسلم حتى يستمر على إسلامه.

6/2- “لا إكراه في الدين” لأنه ” قد تبين الرشد (أي: طريق الحق والفلاح والنجاة) من الغي (أي: طريق الباطل والخسران والهلاك)” : تعليل رباني بديع غير قابل – على الإطلاق- للإبطال أو المعارضة بدعوى نسخ أو تخصيص أو تقييد؛ لأنه تعليل عقلي منطقي قطعي يزيد جملة “لا إكراه في الدين” إحكاماً على إحكام, وقطعية على قطعية.

ثانياً

1- عن القلوب والصدور ينبثق الإيمان، لا عن النطع والسياف؛ إذ القلوب هي أداة تلقيه واستقباله، وهي مستقره ومستودعه : تدبر إن شئتَ قول الله تعالى : “من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم” [النحل 106] .. “أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها” [محمد 24] .. “يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم .. لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم” [المائدة 41] .. “ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها .. فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء” [الأنعام 25، 125].

2- من اهتدى فلنفسه، ومن ضل فعليها : تأمل إن شئتَ قول الحق جل في علاه : “قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ” [الأنعام 104] .. “قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما انا عليكم بوكيل” [يونس 108] .. “من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها” [الإسراء 15] .. “وأمرت ان أكون من المسلمين وأن أتلوا القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما انا من المنذرين” [النمل 91- 92].

3- من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ومن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً؛ إذ كل نفس بما كسبت رهينة : تفكر إن شئتَ في قول ربنا العزيز القدوس : “وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” [الكهف 29] .. “إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً” [المزمل 19 والإنسان 29] .. “نذيراً للبشر لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر كل نفس بما كسبت رهينة” [المدثر 36- 38] .. “كلا إنه تذكرة فمن شاء ذكره” [المدثر 54- 55، عبس 11- 12] .. “ذلك اليوم الحق فمن شاء اتخذ إلى ربه مآباً” [النبأ 39] .. “إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم” [التكوير 27- 28].

3- الاختلاف قضاء الله الذي لا يُرد : تفكر إن شئتَ في قول الله تبارك وتعالى : “ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون” [النحل 93] .. “ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكنَّ الله يفعل ما يريد” [البقرة 253] .. “لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون .. يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم تعملون” [المائدة 48، 105] .. “وما كان الناس إلا أمة واحدةً فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون” [يونس 19] .. “ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم” [هود 118- 119] .. “ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة” [الشورى 8].

4- إنما يحكم الله بين المختلفين يوم القيامة؛ إذ الدنيا ليست دار فصل ولا عقاب : انظر إن شئتَ في قول الله تعالى : “وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون” [البقرة 113] .. “لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون .. يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم تعملون” [المائدة 48، 105] .. “قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم” [الأنعام 57- 58] .. “ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون” [النحل 93] .. “لكل أمة جعلنا منسكاص هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر .. وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون” [الحج 67- 69] .. “قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون”  [الزمر 46] .. “ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور” [لقمان 23] .. “إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون [السجدة 25] .. “وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب .. وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم .. الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير” [الشورى 10، 14- 15] .. “إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر إنا إلينا إيابهم ثم إنا علينا حسابهم” [الغاشية 23- 26].

5- الرسول (ص) مبلغ وبشير ونذير، لا مسيطر ولا جبار ولا مُكرِه : تذكر إن شئتَ قول الله جل في علاه : “ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء” [البقرة 272] .. “ما على الرسول إلا البلاغ” [المائدة 99] .. “وإن كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين .. وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين .. إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين .. وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل” [الأنعام 35، 48، 57، 66] .. “وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون .. ولو شاء ربك لأمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين .. قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما انا عليكم بوكيل” [يونس 41، 99، 108] .. “إنما أنت نذير” [هود 12] .. “إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل .. فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين” [النحل 37، 82] .. “وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً” [الإسراء 105] .. “وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً” [الفرقان 56- 57] .. “وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين” [الكهف 56] .. “من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما انا من المنذرين” [النمل 92] .. “إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء” [القصص 56] .. “فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ” [الشورى 48] .. “نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد” [ق 45] .. “فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر” [الغاشية 21- 22] .. “ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظاً وما أنت عليهم بوكيل” [الأنعام 107].

6- الإعراض عن الجاهلين – ويدخل تحت مصطلح “الجاهلين” : المنافقون .. وغير المسلمين المعاندون .. ومن على شاكلتهم ممن يمكن أن يقاس عليهم كالمرتدين- هو الموقف الأمثل تجاههم – لا عقابهم وإكراههم- : تدبر إن شئتَ قول الحق جل وعلا : “وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا .. خذ العفو وامر بالعرف وأعرض عن الجاهلين” [الأعراف 198- 199] .. “فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا” [النجم 29] .. “أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم” [النساء 63] .. “اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين” [الأنعام 106] .. “فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين” [الحجر 94] .. “قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون فأعرض عنهم” [السجدة 29- 30].

7- “فإذا كان الإيمانُ هدايةً .. وإذا كانت القلوبُ هي مستقبلاته ومستودعاته .. وإذا كان الاختلافُ قضاءً .. وإذا كان من يؤمن فإنما يؤمن لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها” .. وإذا كان من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر .. وإذا كان من شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً؛ إذ كل نفس بما كسبت رهينة .. “وإذا كان الرسول (ص) ليس إلا مبلغاً ومبشراً ونذيراً .. وإذا كان الإعراض عن الجاهلين هو الموقف الأمثل تجاههم” [8] .. فإن هذا يقتضي بداهةً : إبعادَ كل صور الإكراه والقسر، ويقضي حتماً بأنه : لا إكراه في الدين ابتداءً ولا إبقاءً، بإطلاق لا يحتمل التقييد، وتعميم لا يحتمل التخصيص .. “لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي” [البقرة 256] .. ” ولو شاء ربك لأمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين” [يونس 99] .. “فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر” [الغاشية 21- 22].

ثالثاً [9]

إن فكرة الردة على عهد النبي (ص) وعهد صدر الإسلام – أي فكرة الردة في (الواقع العملي يومئذ)- كانت مقترنةً – اقتراناً ميكانيكياً- بعداوة الإسلام وحربه؛ فمن آمن بالإسلام كان يعمل لنصرته, ومن ارتد عنه كان يعمل على حربه ويلحق بالمشركين :

أ- عن ابن عباس (رض) قال: “أسري بالنبي (ص) إلى بيت المقدس, ثم جاء من ليلته فحدثهم بمسيره وبعلامة بيت المقدس وبعيرهم. فقال ناس: نحن نصدق محمداً بما يقول ؟! فارتدوا كفاراً, فضرب الله أعناقهم مع أبي جهل (أي أنهم قاتلوا في بدر في صفوف المشركين ضد النبي والمسلمين؛ فقُتل منهم من قُتل) ..” [10] .

ب- وعن ابن عباس (رض) أنه قال: “كان رجل من الأنصار, أسلم ثم ارتد ولحق بالشرك (أي: لحق بأرض المشكرين وانضم إليهم), ثم تندم, فأرسل إلى قومه (أي أنه قد ترك أرض المسلمين؛ أرضَ قومه – الذين هم: الأنصار؛ كما جاء في أول الحديث- ولحق بأرضٍ وقومٍ آخرين .. فهو قد “أرسل إلى قومه” .. وهذا يعني أنه قد تركهم بالكلية, فلما احتاج إليهم أرسل إليهم) - : سلوا رسول الله (ص): هل لي من توبة ؟ فجاء قومه إلى النبي (ص) فقالوا: إن فلاناً قد ندم, وإنه أمرنا أن نسألك: هل له من توبة ؟ فنزلت (كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [آل عمران: 86: 89]. فأرسل إليه فأسلم” [11] .

ج- وعن أنس (رض) أنه قال: “كَانَ مِنَّا رَجُلٌ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ [كان نصرانياً فأسلم], وقَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ, وَكَانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ (ص). [فعاد نصرانياً, فكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له] فَانْطَلَقَ هَارِبًا حَتَّى لَحِقَ بِأَهْل الْكِتَابِ, فَرَفَعُوه (أي: رفعوا من قدره وأعلوا من شأنه؛ لارتداده عن الإسلام وعودته للنصرانية) وَقَالُوا هَذَا كَانَ يَكْتُبُ لِمُحَمَّدٍ, وَأُعْجِبُوا بِهِ. فأماته الله, فدفنوه. فَأَصْبَحَ وقد لفظته  الْأَرْض (أي: طرحته ورمته). [فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه؛ نبشوا عن صاحبنا لما هرب منهم فألقوه]. ثُمَّ عَادُوا فَحَفَرُوا لَهُ [فأعمقوا في الأرض ما استطاعوا], فأصْبَحَ وقد لفظته الأرض. ثم عَادُوا فَحَفَرُوا له فَوَارَوْهُ, فَأَصْبَحَ وقد لفظته الأرض, [فعلموا أنه ليس من الناس (أي: ليس من فعل محمد وأصحابه)], فتَرَكُوه منبوذاً” [12] .

د- قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد، فقال : “انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب ، فخذوه منها”. قال : فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، قلنا لها : أخرجي الكتاب، قالت : ما معي كتاب، فقلنا، لتخرجن الكتاب، أو لنلقين الثياب، قال : فأخرجته من عقاصها، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه : مِن حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس بمكة من المشركين، يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : “يا حاطب، ما هذا ؟” قال : يا رسول الله، لا تعجل علي، إني كنت امرءاً ملصقا في قريش؛ كنت حليفاً، ولم أكن من أنفسها، وكان مَن معك من المهاجرين، مَن لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أتخذ عندهم يداً يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتداداً عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام (وهذا يعني، كما هو واضح بلا خفاء ولا لبس، لكل ذي لب : أن محاربة المسلمين وخيانتهم، على عهد رسول الإسلام وعهد صحابته الكرام، لازم من لوازم الارتداد عن الإسلام بعد الإيمان به؛ وإلا ما سارع حاطب رضي الله عنه بنفي ذلك عن نفسه. فالارتداد عن الإسلام في ذلك العهد كان مقترناً “اقتراناً ميكانيكياً” بعداوة المسلمين ومحاربتهم وخيانتهم كما سبقت الإشارة). فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : “أما إنه قد صدقكم”. فقال عمر : يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال (ص) : “إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعل الله قد اطلع على من شهد بدراً فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم”. فأنزل الله السورة : “يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق – إلى قوله – فقد ضل سواء السبيل” [13] .

إذن, الردة وقتئذ كانت هي (التعبير) عن (التحول الشامل) لدى المرتد عن الولاء للأمة الإسلامية, والقبول بنظامها, واحترام شرائعها, والانتماء إليها ثقافياً وحضارياً, والخضوع لقوانينها ونظمها؛ فتأتي ردته بمثابة (الإعلان) عن (القطيعة التامة) مع كل ما يقوم عليه كيان الأمة .. ففكرة الارتداد كنوعٍ من ممارسة حرية العقيدة لك تكن واردةً وقتئذ .. إن المرتد على عهد النبي (ص) – أي في الواقع العملي- لم يكن يلزم بيته أو يحرص على سلامة مجتمعه, بل كان ينضم إلى أعداء الإسلام – أو ينتهز الفرصة لينضم إليهم- يقاتل معهم؛ فكان أمر النبي (ص) بقتل المرتد: على قتاله مع الأعداء – إذ الردة مقترنة بالحرب والقتال يومئذ- لا على ردته عن الإسلام [14] .. فالعقوبة هي على (الخيانة العظمى) لا على (مجرد الارتداد) .. ومن ثم, وجب علينا أن نُقصِر إنزال العقوبة – بعد إحاطتنا بملابسات فرضها [15] – على المرتد المحارب أو الخائن للبلاد والعباد – على التفصيل السابق والآتي- .

رابعاً

إن الإسلام يذم النفاق أشد الذم, ويحذر من المنافقين أشد التحذير, فكيف يصح لنا أن نصنع بأيدينا, وأن نقيم بين أظهرنا فئة من المنافقين؛ خرج الإسلام من قلوبهم, وأخرس السيف – أو العقاب- ألسنتهم, فيغم علينا أمرهم بعد ذلك, فنحسبهم معنا, وهم – في حقيقتهم- يدٌ علينا, يضمرون للإسلام الشر, ويتربصون به الدوائر ؟!! هذا بالضبط هو ما يؤدي إليه تقرير العقاب على المرتد لمجرد ردته .. وحكمة الله في التشريع تتنزه عن ذلك العبث قطعاً [16] .

خامساً [17]

1- قد يقول قائل : إذا تقرر أن آية “لا إكراه في الدين” محكمة غير منسوخة, وعامة غير مخصوصة, وإذا كان هذا واضحاً وصريحاً بلفظ الآية ومنطوقها, وبألفاظ ومنطوق ومقاصد عشرات الآيات القرآنية الأخرى, وإذا تقرر ما ذكرتَه من فقه الأحاديث الصحيحة المذكورة آنفاً, فلماذا كان للردة حد – كما يُدَّعى في الرأي المشهور- وهذا – كما لا يخفى- إكراه على البقاء في الإسلام, وهو خلاف ما ثبت من إحكام مبدأ “لا إكراه في الدين” ؟!

2/1- والجواب ينطلق من التذكير ببعض (القواعد المنهجية) و(الكليات الأساسية) و(الثوابت الشرعية والعقلية) :

1-    إن الكليات القطعيات لا نسخ فيها [18] .

2-    إن الكليات المحْكمات هن أُم الكتاب وأُس الشريعة, وهي حاكمة على الجزئيات ومقدَّمة عليها؛ أي أنه يجب فهم الجزئي في إطار الكلي.

3-    إن الكليات القطعيات لا تقيد ولا تخصص؛ وإلا لانتفت عنها صفة القطعية [19] .. وإذا ثبت أمر كلي قطعي فلا تؤثر فيه معارضة قضايا الأعيان ولا حكايات الأحوال ولا ما شابه ذلك؛ لأن القاعدة الكلية تستند إلى أدلة قطعية غير محتملة, بينما القضايا الجزئية المتعارضة معها ترِد عليها الاحتمالات والتأويلات – وأحياناً الشكوك-.

4-    الإيمان عبارة عن إذعان النفس, ويستحيل أن يكون الإيمان بالإكراه – كما أوضحنا سابقاً-, وإنما يكون بالبيان والبرهان .

5-    لقد أكد القرآن اختصاص الباري وحده, في الآخرة, بحساب من يكون على خلاف عقيدة الإسلام: “وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ” [المؤمنون 117] .

6-    لقد بين الله سبحانه أن شأن العقائد أن لا تخضع للإكراه من أي نوع كان, حتى ذلك الذي يأتي من زاوية الحرص على المدعو والرغبة في إنقاذه: “وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين” [يوسف 103].

2/2- ونحن نعلم – كما أثبتنا وسنثبت- أن قاعدة “لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ” قطعية الثبوت والدلالة, فضلاً عن كليتها وعموم صيغتها .. كما نعلم بالعقل والتجربة أن الإكراه على الدين لا يجدي نفعاً ولا ينتج إلا ضرراً.

فإذا علمنا هذا وتمسكنا به ولم نحِد عنه, كان بإمكاننا أن نتعامل بشكل سليم مع الأخبار والآثار التي تفيد – في الرأي المشهور- قتل المرتد عن الإسلام, إذا لم يتب ويرجع عن ردته.

إن القول بأن القتل يكون للردة وحدها – لا لشيء معها أو سواها- يتنافى تنافياً واضحاً مع قاعدة “لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ” – إذ قتل آبي الرجوع إلى الإسلام إكراه له عليه- فتعين رد هذا الفهم وعدم التسليم به .. ومن ثم, وجب – إحساناً للتلقي والفهمِ عن الله ورسوله, وبناءً على جميع ما سبق وما سيأتي- أن تُفهَم الأخبار والآثار الدالة على قتل المرتد على أنها :

متعلقةٌ بما يقترن عادة مع الردة من الأفعال (الموجبة للعقوبة) و(الدالة على مفارقة الجماعة).

صحيح أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: “من بدل دينه فاقتلوه” [20] .. ولكنْ صحيحٌ أيضاً أنه قال: “لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني, والنفس بالنفس, والتارك لدينه المفارق للجماعة” [21] ..

وبالجمع بين هذين الحديثين – وجمع الأدلة, وحمل المطلق منها على المقيد, هو من عمل الراسخين في العلم- يظهر واضحاً أن (المبدل لدينه المستوجب للقتل) هو (التارك لدينه المفارق لجماعة المسلمين) ..

و(مفارقة الجماعة) – وهي إضافة من رسول الله (ص) لا يمكن أن تكون دون فائدة أو أثر في موجب الحكم- تعني التمرد والعصيان والمحاربة – مادياً أو أدبياً- وربما الانضمام إلى العدو المحارب .. فالمفارقة أعمال ظاهرة تسعى لهدم مقومات حياة المسلمين [22] ..

ومن ثم, فقتل المرتد – أو عقابه- حكم مختص بمن فاصل جماعة المسلمين, وفارقهم, وأتى بأقوال أو أفعال بقصد السعي في هدم المجتمع المسلم, وتقويض أركانه, والعمل بكل طريق على هدم مقوماته ..

فقتل المرتد هنا ليس مبنياً على ما اعتنقه من اعتقاد جديد, وإنما هو مختص بأفعال إجرامية – مادية أو أدبية- تعمل بقصد هدم المجتمع المسلم, مما يدخل صاحبها في مفهوم (الخيانة العظمى) للدين والوطن [23] .. فمناط العقوبة في الردة ليس هو (الخروج من الإسلام), ولا هو (محض النقض الشخصي للعلاقة الإيمانية بين العبد وربه), وإنما مناطها هو (الخروج على الإسلام) – أي: قصدُ الإساءةِ إليه أو المساسِ بمقامه؛ بالسب أو القذف أو الاستهزاء- و(اقتران الردة بمناهضة فعلية أو قولية) يخشى معها النيل من الأمة الإسلامية أو من مقومات مجتمعها أو من نظام دولتها الممثل والمشخص لها .. مما يُلحِق ضرراً ما أتت العقوبة إلا لدرئه .. فالعقوبة ليست على (مجرد الردة), وإنما هي على (المقترِن بها من صنوف الإجرام والتعدي مادياً أو معنوياً) .

ثم إن قتل المرتد – فيما يبدو لنا- لمجرد ردته متعارض – تعارضاً بيناً لا فكاك منه- مع ما قررته السنة الصحيحة من كون العقوبات, حدوداً وتعزيراتٍ, مكفرات للذنوب – وبهذا يتضح فساد تعليل قتل المرتد بمجرد كفره بعد إسلامه- : إذ قتل المرتد لا يُكفِّر عنه جُرمَه؛ فالله تعالى “لا يغفر أن يشرك به” [النساء 116]؛ فليس من المعقول في دين الإسلام أن يرتد إنسان عن دين الله فيقتل حداً في الدنيا ليُعتَقَ من العذاب الأكبر يوم القيامة .. ومن ثم, وجب أن يكون قتله لمعنى زائدٍ عن مجرد كفره بعد إسلامه.

أما الدليل على أن “ما قررته السنة الصحيحة من كون العقوبات – حدوداً وتعزيراتٍ- مكفرات للذنوب” فهو حديث رسول الله (ص) :

عن عبادة بن الصامت (رضي الله عنه) قال: “كنا عند النبي (ص) في مجلس فقال : بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم, ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصابه من ذلك شيئاً فستره الله عليه, إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه” [24] .

فهذا حديث صحيح صريح في أن العقوبة في الدنيا على ذنب ما تسقط عن مرتكبها عقوبة الآخرة, سواءٌ كانت عقوبة الدنيا حداً أو تعزيراً؛ لأن آية الممتحنة – وكذلك هذا الحديث- اشتملت على: “ولا يعصينك في معروف”؛ والعصيان في المعروف ليس فيه حدٌ في الإسلام, وإنما فيه التعزير .. فثبت المراد بحمد الله.

ثم إنَّا قد وجدنا رسول الله (ص), في عقده لصلح الحديبية مع قريش - تلك المعاهدة السياسية التي سيستمر نفاذها عشر سنين- يوافق على اشتراط قريش عليه ترك كل من ارتد عن الإسلام ذاهباً إليهم دون ملاحقة منه ولا مطالبة :

عن أنس (رض) قال: “.. اشترطوا على النبي (ص): أن من جاء منكم لم نرده عليكم, ومن جاءكم منا رددتموه علينا. فقال الصحابة: يا رسول الله, أنكتب هذا ؟! قال: نعم, إنه من ذهب منا إليهم: فأبعده الله, ومن جاءنا منهم: سيجعل الله له فرجاً ومخرجاً” [25] .

وواضح أن هذا الشرط لا ينص على شكل معين للمجيء؛ وعليه فهو شامل لكل من خرج إلى معسكر قريش بشكل معلن حر أو فراراً وهرباً .. ولو ارتد امرئ عن الإسلام وأراد الخروج إلى قريش فحبسه النبي (ص): لاعتُبر النبي (ص) ناقضاً لهذا الشرط – .. فلو كان هناك حد شرعي يُقتَل أو يُعاقَب بمقتضاه كل من كفر بعد إيمان – لمجرد ذلك- لَمَا وافق رسول الله (ص) أصلاً على هذا الشرط ولَمَا رضي به.

ومن ثم, يجب – فيما يبدو لنا- التمييز والتفريق بين حالات (الخيانة والغدر) – وأشباهها من (المتاجرة بالارتداد) و(إساءة استخدامه) [26] و(التعسف في استعماله)- وبين حالات الردة التي تحركها, وتحكم مسيرتها, وترسم حدودها وغايتها, (قضية الاعتقاد).

إذن, وبناءً على جميع ما سبق, نقول : مَن اقتصر مجال الشك أو الإنكار عندهم على خصوص العقيدة دون فعل أو قول يهدم مقومات المجتمع, فهؤلاء : إن ستروا أمرهم, ففي الستر حماية لهم, حيث يتعاملون مع المجتمع بظاهر أمرهم, والله يتولى المغيب منهم .. وإن ظهر منهم شك أو جحود, وصرحوا بذلك و/أو كتبوا فيه الكتب والدراسات, فليدخل العلماء والمختصون معهم في حوار بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن؛ حوارٍ طويل ليس له أمد معين .. وإذا أرادوا إغلاق باب التحاور بينهم وبين العلماء, مكتفين بما استقروا عليه من اعتقاد جديد, فلا تثريب عليهم .. مع ضرورة ألا يترك العلماء أي شبهة دون دراسة – بل دراسات- تزيلها وتقرر الحقيقة فيها [27] .

القرآن الكريم قاطعٌ في الاقتصار على العقاب الأخروي للردة – إذ العقاب الدنيوي عليها إكراه على الإيمان؛ وقد نفاه القرآن- .. والسنة – بإحسان الفهم لها- مبيِّنةٌ أن الارتداد – دون التورط بأية أمور أخرى تحمل معنى العدوان على الأمة وكيانها أو تهديد مواطنيها ومصالحها- لا عقاب عليه في حياتنا الدنيا, بل العقوبة أخروية فقط؛ لأنها لا تتعلق – في هذه الحالة- إلا بـ (حقٍ من حقوق الله الخالصة له) .. ومن ثم, فهو سبحانه الذي يتولى – وحدَهُ لا غير- استيفاء حقه ذاك يوم القيامة [28] .

3/1/1- ونقصد بـ (الخروج على الإسلام) [29] : الاعتداءَ – المادي [30] أو المعنوي [31] – على الإسلام أو المسلمين بما يهدد أمن وسلامة (الأمةِ) أو (نظامِ دولتها) – اللذين يقومان أول ما يقومان على الرؤية الإسلامية- ويُخِل باستقرارهما الديني أو الاجتماعي أو السياسي .. فمِثلُ هذا (مستوجبٌ للقتل)؛ لأنه (تارك لدينه مفارق لجماعة المسلمين)؛ حمايةً للإسلام وأتباعه من الكائدين لهما والراغبين في تحطيمهما.

3/1/2- ولكن الأمر يختلف – ولا بد له أن يختلف- حينَ الحديثِ عن (مجرد إعلان الاختلاف مع ما أتى به الدين وطرح أفكار مغايرة له) .. أي حينَ الحديثِ عن (الخروج من الإسلام) بمبعث شعور المرتد بعدم الاقتناع بالإسلام والاقتناع بغيره, فيدفعه ذلك إلى الخروج من الإسلام وإعلان ذلك الاختلاف .. فمثل هذا لا يُقتل, ولا يجوز لنا أن نقتله؛ لأنه (صاحب رأي وفكر), علاجُهُ (الحوار وكشف الشبهات وإزالة الغشاوات) لا (النطع والسياف) [32] .. فالردة إذا كانت اختياراً فكريًّا، وصاحبها يعيش في الأمة وينتمي إليها ولا يخرج عليها أو يوالي أعداءها، فإنه يقر على جديد اعتقاده, ويُحاوَر – إن شاء المحاورة- إلى نهاية عمره, ويُدعى إلى الإسلام – بالتي هي أحسن- كما يُدعى الكافر الأصلي سواءً بسواء .

إن ارتداد امرئ ما – مادام لم يقرن ردته بما يقوض أساس الجماعة والمجتمع .. ومادام محترماً لهما ولِمَا يتفرع عنهما من نظم وشرائع- لا يعد خروجاً منه على الأمة ولا نظامها .. ومن ثم, لا يجوز لنا أن نمسه بسوء؛ إذ وضعه – بعد ارتداده- في المجتمع المسلم كوضع غير المسلم فيه .. إذ ما دامت حقوق المواطنة محفوظةً, ومبداً المواطنة متسعاً, للمختلِف عن الجماعة في الدين – أقصدُ غيرَ المسلم في المجتمع الإسلامي- مع كونه خارجاً عن حد الإسلام [33] , فلا يُعَدُّ ارتداد المرء عن دين الجماعة مانعاً إياه من ممارسة حياته بشكل طبيعي داخل المجتمع؛ بجامع التساوي بينهما في المركز القانوني – وهو مفارقتهما لحد الإسلام – .. فما ثبت لفريقٍ يَثبُت للآخَر ولا فرق .

إن جامع ورابط الدولة الإسلامية متسعٌ لمن كفر بعد إيمانه مادامت (الكلمة) – لا (السيف)- هي سلاحه في الخروج عن الإيمان الديني .. إن الردة عن الإسلام إذا لم تشق (الجامع السياسي) للرعية والأمة والدولة الإسلامية – أي إذا لم تسلك سبيل (الخروج والمفارقة السياسية)- فإن صدر الدولة الإسلامية متسع لها؛ لأن (الجامع السياسي) في دولة الإسلام الأولى – على عهد النبي (ص)- قد اتسع لأكثر من دين [34] .

وكذلك كان الحال – على عهد النبي (ص)- مع المنافقين – الذين ارتدوا عن الإسلام بقلوبهم, مع إظهارهم الانخراط في جماعة المسلمين- ؛ فلأنهم قد حافظوا على (جامع الوحدة السياسية للأمة والدولة) – ولم ينضموا علانيةً لأعداء الإسلام-  لم يقاتلهم أو يقتلهم رسول الله (ص) – حتى عندما كانت تظهر فلتات الألسنة التي تفضح النفاق وتنبئ عن كفر لا شك فيه .. وحتى مع معرفته (ص) بأعيان كثير منهم[35] .. وحتى مع فضح القرآن الكريم لتصرفات بعضهم وتعريفه لهم بالوصف لا بالاسم- ؛ لقد ظلوا في إطار الجامع السياسي, فظل النبي (ص) محافظاً على مقتضيات ذلك الجامع, ومنبهاً من هَمَّ فطالب بقتلهم على خطأ ذلك [36] ؛ إذ هم يعيشون في إطار الأمة الإسلامية ومجتمعها ودولتها؛ لم يفارقوا الجماعة – الأمة- ولم يشنوا عليها حرباً ولم ينحازوا إلى عدوها انحيازاً عملياً ومادياً – وإن كانوا قد ارتدوا عن الإسلام بقلوبهم .. وارتدوا عن كامل الولاء والموالاة للأمة والجماعة بطاعتهم للأعداء “في بعض الأمر” [محمد 26] سراً- .. لقد وقفوا عند حدود (الخيار الفكري) ولم يفارقوا الأمة سياسياً مفارقةً بينة .

وما قصدنا إلى إثباته وتبيينه وتوضيحه وتجليته – من خلال المناقشات المطولة السابقة- هو أن الرسول (ص) قد عرف كثيراً من المنافقين, وعرف أنهم مرتدون كفروا بعد إسلامهم [37] , وواجهه رجل بالتجوير, وأنه يقسم قسمة لا يراد بها وجه الله؛ وهذه ردة صحيحة, فلم يقتله ولم يعاقبه .. فصح أنه لا قتل ولا عقاب على مرتد – لمجرد ردته- ؛ إذ لو كان هناك حد شرعي يُقتَل أو يُعاقَب بمقتضاه كل من كفر بعد إيمان لَمَا تردد رسول الله (ص) في تطبيق ذلك الحد وإنفاذه .

3/2- والقول الفصل في ذلك كله – فيما يبدو لنا- هو أن كل ما يتعلق بالقلب والضمير والعقل – أي: (الفكر النظري)- فإن الإسلام – فيما انتهى إليه اجتهادنا- يكفل له الحرية كيفما وقع [38] .. أما ما يتعلق بـ (العمل التطبيقي) و(الممارسة الفعلية) فيجب أن يبقى محكوماً بـ (التشريعات) و(النظم) السائدة في المجتمع – أي (التشريعات) و(النظم) الإسلامية ما دمنا نتحدث عن المجتمع المسلم- ؛ إذ ليس من العدل ولا من الحرية أن يُسمَح للأقلية بأن تنخر في النظم السائدة في المجتمع .. هذا من (حريات التجاوز) التي لا يقرها العدل .. إن الحرية – في التصور الإسلامي- بنتُ الحق؛ فإذا كان من حقك التعبير عن فكرك – ولا يجوز لأحد أن يمنعك من ذلك- فليس من حقك خرق سفينة المجتمع – ولا يجوز لأحد أن يسمح لك بفعل ذلك- .. الحرية تقف عند حد الحق؛ أي تقف من دون ما يمس الآخرين؛ اعتداءً على أيٍّ من حقوقهم, أو انتهاكاً لأيٍّ من الحُرَم والعِصَم التي تمس هذه الحقوق .. ومن ثم, فهي خاضعةٌ للقيود التي تستوجبها السلامة العامة أو الأمن العام أو النظام العام أو الصحة العامة أو الأخلاق أو احترام حقوق الآخرين وسمعتهم وحرياتهم الأساسية .. فالحرية إذن ليست طليقة من كل قيد, وإنما هي مقيدة بحقوق الجماعة وحُرُمها وعِصَمها؛ أمناً ونظاماً وصحةً وأخلاقاً [39] .

وخلاصة هذا كله أن الردة وإن كانت أفحشَ معصيةٍ – أعاذنا الله وإياكم منها- إلا أنها لا تستوجب العقاب ما لم يترتب عليها (إضرارٌ فعلي بأحد) أو (إخلالٌ عملي بنظام)؛ إذ لا يدخل في باب حرية التعبير عن الفكر والاعتقاد أي (ممارسة عملية) ضد الأوضاع التي تقررها الأمة – أو نظامُ الدولة الممثلُ والمشخصُ لها- [40] .

3/3- قد يسأل سائل: لماذا كل هذا الاحتفاء بحرية التعبير عن الفكر والاعتقاد ؟! وما دليلك – فوق ما سبق ذكره- على صحة ما تذهب إليه ؟

فأقول [41] : لا يقع إيمانٌ بحقٍ إلا في مناخٍ من حرية الفكر؛ حتى نستطيع استبانةَ وتفَهُّمَ الحقِّ بمعالمه وأصوله ومقتضياته وما يُبتَنَى عليه .. فنقتنعَ بصحته وسلامته .. فنؤمنَ به ونعتنقه عن رضا ورغبة.

إن التمكين لحرية التعبير عن الفكر والاعتقاد هو الطريق إلى الحق؛ إذ في البيئة الحرة وحدها يزدهر الإيمان .. ومن ثم, لا يمكن قيد حرية التعبير عن الفكر أو الاعتقاد بدعوى حماية الحق؛ إذ ذلك :

  • · تدميرٌ للطريق المؤدية إليه
  • · ومنعٌ لفَتْنِ (أي: إبراز وإظهار وتمييز) الخبيث من الطيب
  • · وحرمانٌ للحق من أتباعٍ يؤمنون به عن بينة وبصيرة, فيَفْدُونه بأرواحهم وما ملكت أيمانهم
  • وتوطئةٌ للإيمان على حرف؛ إن أصاب المؤمنَ خيرٌ اطمأن به, وإن أصابه غير ذلك ولى مدبراً

إذن, حرية التعبير عن الفكر والاعتقاد هي جزء من (البيئة الحرة) التي (أرادها الإسلام) في الحياة الدنيا؛ ليَمِيزَ الخبيث من الطيب؛ فيحيا من حي عن بينة, ويهلك من هلك عن بينة.

وبناءً عليه, فإن من يرى رأياً يعتقد أن فيه خيراً للناس : له حق دعوتهم إليه, بل يكون آثماً إذا كتمه عنهم ولم يبلغه لهم ليبادلوه الرأي فيه, فإن كان خيراً أجابوه إليه, وإن كان شراً دلوه على ما فيه من شر؛ دليلاً بدليل, وإقناعاً بإقناع دون مصادرة ولا عقاب ولا تعذيب ولا إرهاب[42].

وغيرُ سديدٍ تخيُّلُ تعبيرِ المرتد عن أفكاره أمراً مسيئاً إلى الإسلام أو ناشراً للشكوك؛ إذ إتاحةُ الحرية له للتعبير تُنَشِّطُ من المواقف والحركات – مواقف الدفاع عن الإسلام وتجليةِ أنواره, وحركات إزالة ونفي ما التصق أو أُلصِق به- والمراجعات : ما به تزداد (الدورة الدموية الإسلامية) قوةً وحيوية, وما به تُحفَظ (الأوعية الدموية الإسلامية) من الانسداد, وما به يزداد إيمان المؤمن نوراً على نور, وما به يزول ارتياب المرتاب وينمحي شك الشاك [43] و[44] .

لقد بيَّن سبحانه النهج الذي يجب أن نسلكه إزاء الآراء المخالفة؛ ألم تر كيف يذكر الله الدعاوى والأفكار والشبهات – مهما كان فيها من إفك أو كفر أو وقاحة- ثم يقفِّي عليها – بالعبارة أو بالإشارة- بما يدحض باطلها – بالحجة والمنطق- [45] .. لم يأمر الله تعالى في أي حالة منها بقطع ألسنة القائلين ولا بإيداعهم السجون ولا بإطاحة رؤوسهم ولا بإنزال العقاب والعذاب بهم .. لم يأمر بأي من ذلك, وإنما فند الزيغ بالبرهان, وبعث عليه جنوداً من (حجج الحق) يتعقب بها (فلول باطله)؛ فمحى آية الليل وجعل آية النهار مبصرة [46] .

إن التعددية في الإسلام إذن ليست خياراً سياسياً أو إنسانياً فحسب, بل هي فوق ذلك وقبله سنةٌ من سنن الله في الخلق والفكر والاجتماع الإنساني [47] .. ثم إن الإسلاميين أنفسَهُم سيكونون هم الخاسرين – قبل غيرهم- إذا تم تقييد حرية التعبير عن الفكر والاعتقاد .. ومن مصلحتهم – قبل غيرهم كذلك- فتحُ أوسع أبواب الحرية أمام الجميع؛ إذ بالحرية سيكسبون الملايين, ولن يخسروا بحرية الفكر المخالف للإسلام إلا أفراداً قلائل قد يكون التخلص منهم مكسباً كبيراً – “من ذهب منا إليهم: فأبعده الله” [48] – فمن خلال الحرية تتحقق مصلحة الإسلام .. إن الإسلام دائماً يطلب البرهان – (هاتوا برهانكم) [البقرة 111] .. (هل عندكم من علم) [الأنعام 148] – أما الشرك والمشركون فهم من يقف مع مصادرة الفكر ويرفض الجدال والحوار والمناقشة – (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون) [فصلت 26] – .. إن الآراء الفكرية المخالفة لا تعالَج إلا بالدراسة الموضوعية, لا بتكميم الأفواه وكبت الحريات .. والذين يريدون تكميم أفواه خصومهم ليس من حقهم الشكوى إذا كمم خصومُهم أفواهَهُم !!

ثُمَّ إنَّ الحوار الموضوعي الجاد الصبور مع الجيل المستلَب حضارياً – من ضحايا التغريب الفكري والثقافي .. والذي رشحت على إيمان بعض أفراده بقع من الزندقة والشك والإلحاد – هو الطريق الوحيد لإطْلاعهم : على حقيقة الإسلام التي جهلوها, فتصوروه, أو صُوِّر لهم, خرافاتٍ وأساطيراً .. وعلى حقيقة تراث أمتنا الذي صُوِّر لهم أكفان موتى تعوق الحركة والتقدم والانعتاق .. وعلى ما يتميز به إسلامنا : من (عقلانية مؤمنة) تجعل التفكير والتفلسف فريضةً إلهية, ومن إيمان مؤسَّسٍ على معارف عالمي الغيب والشهادة؛ آياتِ الله في كتابه المسطور – القرآن الكريم- وكتابه المنظور – الكون الفسيح- .. ونحن إذا كنا نرفض – باسم الإسلام – كل ألوان الإكراه التي تخلع المسلم عن الإيمان الإسلامي, فإننا نرفض كذلك – وعلى ذات المستوى .. وباسم الإسلام أيضاً- كل ألوان الإكراه التي تتغيا إعادة إنسان ما إلى هذا الإيمان؛ فالإكراه على الباطل قبيح ومدان, والإكراه على الحق لا يجدي في تحصيله فتيلاً؛ لأن الإكراه لا يؤسِّسُ إيماناً, ولا يثمر سوى النفاق الذي هو أخطر وأضر من الكفر البواح .

3/4- ومما يزيد اجتهادنا هذا – في مسألة حد الردة وفي مسألة حرية التعبير عن الفكر والاعتقاد- قوةً ورجاحةً, أننا رأينا أفراداً من المسلمين, جهروا في وقت ما بـ (عقائد وأفكار وانتماءات) مخالفة للإسلام, وأخرج بعضهم كتباً ودراسات في هذا الشأن, ثم شاء الله تعالى لهم أن يعودوا عوداً قوياً إلى حظيرة الإسلام, وأن يصبح بعضهم من أفضل المناضلين عنه عن فهم وبصيرة؛ حيث تسلحوا بمقولات الضالين وأحاطوا بها وقت ضلالهم, فلما هداهم الله للرجوع إلى الحق, كانوا من أعظم المنافحين والمدافعين عنه, والداعين له .. ولو أنه استُعجِل عليهم بالقتل لما كان في ذلك أية مصلحة, بل لكان فيه ضرر من وجوه كثيرة .. فالأناة والرفق إذن فيهما كل خير .

4- مما سبق جميعه يتضح أنه في جميع الأحوال تبقى قاعدة “لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ” أصلاً سالماً مسلَّماً, لا يمكن نسخه ولا نقضه، ولا القبول بأي شيء ينفيه أو يقيده أو يخصصه، كلياً أو جزئياً.

سادساً

1- إن اجتهادنا هذا في مسألة الردة ليس إنكاراً للأحاديث النبوية الصحيحة – معاذ الله-, وإنما هو فهم لها في إطار نصوص الإسلام الأخرى ومقاصده وثوابته .. فاجتهادنا فهم للجزئي في إطار الكلي, وللظني في ضوء القطعي, وضمٌّ للنصوص بعضها مع بعض في رؤية شمولية مستوعِبة.

2- إن اجتهادنا هذا لا يعني أن يفعل المسلم – المؤمن بالإسلام- ما يشاء دون أن يحاسب على أفعاله؛ لوضوح الفارق بين (الإكراه على الدين) – وهو أمر لا يجوز كما سبق البيان وكما سيأتي- و (الإكراه على مطلوب الدين من إقامة وحفظ مصالح الأمة التي أمر بها وأرشد إليها) – وهو أمر واجب [49] - .. فنحن لا نُكره أحداً على دينٍ لا يريد الانتساب إليه, وإنما نُكره من آمن بالدين على مطلوب الدين منه, ونُكره من رضي بالانتماء إلى مجتمع والعيش فيه على متطلبات الالتزام بحقوق الناس وحقوق أغلبية أفراده؛ إقامةً للعدل والأمن, رضي من رضي, وكره من كره.

3- ولا يسبقن إلى ذهنِ أحدٍ القولُ بأن من مطلوب الإسلام قتل الخارج عنه – استناداً إلى “من بدل دينه فاقتلوه”- , فوجب عدم تمكين المرتد عنه من الردة .. لا يسبقن إلى ذهن أحد ذلك؛ لأني أنازع أصلاً أن يكون من مطلوب الإسلام قتل الخارج عنه .. كيف يكون ذلك من مطلوبه وهو القائل “لا إكراه في الدين” .. وإنما يجب فهم الحديث المذكور في ضوء تلك الآية – وأخواتها- وبقية الأحاديث التي ذكرناها آنفاً .. وإلا فأنت هنا تحتج علي بمحل النزاع, وهذا (دور) يصيب بـ (الدوار) ! .. فتأمل.

هل تريد أن نلغي, أو نكبل بالأغلال, دلالات آيات الإسلام وثوابته ومقاصده وأحاديث النبي (صلى الله عليه وسلم) بسبب حديث “من بدل دينه ..” ؟! إن العقل والمنطق والفقه الرشيد يقضي بأن تبقى دلالات تلك الآيات والأحاديث على إطلاقها, بينما ذلك الحديث هو الذي ينبغي أن يُقَيد, خاصةً وأن له خصوصيةً واضحةً – كما سبق البيان-.

سابعاً

1- قد يقول قائل: هل معنى كلامك هذا أن المرتد عن الإسلام – ردة مجردة- لن يلحقه من الله عذاب ؟!

فأقول: لقد توعد الله المرتد – ردة مجردة- في الآخرة بما يستحقه من العذاب – مما استفاضت في بيانه آيات القرآن- .. ولكني أشم من اعتراضك عليَّ أن المرتد -عندك- يجب قتله لمجرد ردته؛ لكفره.

وهذا – عندي- هو عين الخطأ .. صحيح أن الكفر حرام يقيناً – بل هو أكبر الكبائر- .. لكن هل يوجب ذلك قتل الكافر – لمجرد كفره- في الدنيا عقاباً له ؟! اللهم لا؛ إذ الكفر بنفسه ليس مبيحاً للدم [50] , وإنما المبيح للدم هو محاربة المسلمين, والعدوان عليهم وعلى مقومات حياتهم ومجتمعهم, ومحاولة فتنتهم عن دينهم [51] .

ولو جاز أن يأمرنا الإسلام بقتل من ينسلخ منه بعد الدخول فيه, لوجب أن يكون أوجب كذلك قتل من يرفض ابتداءً الدخول في الإسلام؛ لاتحاد العلة, وهي الكفر .. وذلك غير صحيح لما سبق أن بيناه.

كما أن التفرقة بين (الكفر الأصلي) و(الكفر الطارئ) غير صحيحة؛ لما فيها من تكلف شديد بيناه في ثنايا بحثنا هذا.

والحق أن معصية الكفر تختلف عن سائر المعاصي في أنها تقع عدواناً على حق الله الخالص؛ لأن إيمان الناس بالله والتزامهم بدينه هو (من حقوق الله الخالصة) التي (لا يتعلق بها حق لأحد من البشر)؛ فوجب ألا يكون عليها عقاب دنيوي .. بخلاف بقية المعاصي التي (تقع عدواناً على حق الجماعة والمجتمع, وتلحق الأذى بهم), فوجب – لذلك- أن توقع عليها عقوبات دنيوية .. فالأمر مختلف بالنسبة لإيمان الناس أو كفرهم بالله تعالى .. ومن ثم, فهو سبحانه الذي يتولى – وحدَهُ لا غير- استيفاء حقه ذاك يوم القيامة [52] .

2/1- وكيف يعقل أن يأمرنا الله – كما يزعم المخالف- بقتل من يرتكس في الكفر بعد إيمانه, والله هو الغني؛ لا يزيد في ملكه أن يعبده الناس, ولا ينقص من ملكه أن يكفروا به “إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن الله لغني حميد” [إبراهيم: 8] ؟!!

إن الله لم يحرم أحداً من خلقه من عطاء ربوبيته, فوسع ملكُهُ البرَّ والفاجر, والمؤمن والكافر, وكان – سبحانه- قادراً على أن يعطل الأسباب فلا تستجيب لمن كفر, وكان قادراً على أن يزهق روحه, بل على ألا يخلقه ابتداءً .. فكيف نضيق بمن لم يضق به ربه في ملكه, وكيف نزهق حياة من منحه ربه الحياة بدعوى أنه لا يؤمن به, وكأننا أغير على الله من الله !! [53]

2/2- “فبعزتك لأغوينهم أجمعين” [ص 82] ؛ لقد أقسم إبليس بـ (العزة الإلهية) ولم يقسم بغيرها؛ لأن هذه العزة هي التي اقتضت استغناء الله عن خلقه؛ فمن شاء فليؤمن, ومن شاء فليكفر؛ فلن يضروا الله شيئاً؛ لأنه العزيزُ عن خلقه, الغنيُّ عنهم .. ومن ثم, لا يمكن ولا يتأتى أن يقهر الله أحداً على الإيمان به ابتداءً ولا بقاءً.

2/3- وبناءً عليه, فالعملُ بمبدأ : “من رفض (الاقتناع)؛ فعلاجه (الاقتلاع)” أمرٌ مصادم للإسلام – لا شك في ذلك- ؛ إذ الحق سبحانه وتعالى يريد ممن يأتيه أن يأتيه (محباً مختاراً) لا (مجبراً مقهوراً)؛ لأن المجيء قهراً وإن كان يثبت لله (القدرة) فإنه لا يثبت له (المحبوبية) و(استحقاق العبادة) .. وقد أريناك – فيما سبق- أن رسل الله جميعاً قد جاءوا لـ (ينقلوا عن الله) لا لـ (يكرهوا الناس على الإيمان بالله والإذعان له).

ثامناً [54]

1- قد يقول قائل: إن المرتد, وإن اقتصر على تغيير اعتقاده, فإنه مظنة العداوة والخروج والقتال – مادياً أو معنوياً- , فتنزل (المظنة) منزلة (الوقوع الحقيقي).

فأقول: إن (المظنة) غير كافية فقهاً ولا شرعاً ولا عقلاً لأن تكون سبباً لإزهاق النفس على سبيل الحد أو العقاب؛ إذ لابد من الدليل القاطع, أو الواضح الذي لا شبهة فيه .. أما (مجرد الظن) فإنه لا يجوز؛ لأنه لا يغني من الحق شيئاً.

2- صحيح أن الردة كثيراً ما تكون ثمرة تحول شامل لدى الإنسان عن الولاء للأمة, والقبول بنظامها, واحترام شرائعها, والانتماء إليها ثقافياً وحضارياً .. ولكن ذلك لا ينفي, ولا يمنع, وجود الردة المجردة نتيجة تغير الموقف الاعتقادي من غير أن تصحبه أفعال إجرامية مادية أو معنوية .. ومن ثم, يجب التعامل مع كل حالة بحسبها .. فتأمل.

3- وقد يقول قائل : اجتهادك هذا في مسألة الردة منقوض بأثر معاذ : عن أبي موسى الأشعري (رضى الله عنه) قال : “أقبلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني والآخر عن يساري، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستاك، فكلاهما سأل، فقال :  “يا أبا موسى، أو : يا عبد الله بن قيس”. قال : قلت : والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل، فكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته قلصت، فقال : “لن، أو : لا نستعمل على عملنا من أراده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى، أو يا عبد الله بن قيس، إلى اليمن”. ثم أتبعه معاذ بن جبل، فلما قدم عليه ألقى له وسادة، قال : انزل، وإذا رجل عنده موثق  قال : ما هذا ؟ قال : كان يهودياً فأسلم ثم تهود، قال : اجلس، قال : لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله، ثلاث مرات” [55] .

فأقول :

أ- لقد قلنا مراراً : “إن الردة على عهد رسول الله وصحابته كانت مقترنة اقتراناً ميكانيكياً بالعداوة للإسلام ومحاربته؛ بحيث إن أي مرتد عن الإسلام كان ينضم فعلياً للمحاربين للإسلام”. وهؤلاء – أقصد المرتدين على عهد النبي وصحابته- إن تم القبض عليهم قبل انضمامهم لأعداء الإسلام ومحاربيه قٌتلوا، وإن فروا فليس إليهم من سبيل.

وأثر معاذ إنما يُنزل على الحالة الأولى : أي أنهم قد استطاعوا القبض عليه قبل انضمامه للأعداء والمحاربين. وإلا فهو اجتهاد مرجوح منه (رضي الله عنه) لا نوافقه عليه.

والأَوْلَى، بل المتعين، تنزيله على الحالة الأولى؛ لأنها – كما سبق الإيضاح- هي التي شُرع فيها ولأجلها القتل؛ أي حالة المرتد المحارب؛ حملاً لقول الصحابي على أحسن محامله؛ أي حملاً له على مقتضى الأدلة الشرعية في الباب، وفهماً لرأيه في ضوئها وعلى هدي منها. وإلا فهو غير ملزم لنا.

ب- ولندع جانباً ما في “أ”، مع ما فيه من حجة نيرة بحمد الله، فنقول – تنزلاً- : قول سيدنا معاذ بن جبل (رضي الله عنه) : “قضاء الله ورسوله”، إن حُمل على أنه يفيد قتل المرتد لمجرد ردته، يَحتمل أموراً :

- إما أن هذا هو ما فهمه سيدنا معاذ (رضي الله عنه) من كتاب الله وسنة رسوله. وهو – بذلك- اجتهاد منه غير ملزم لنا؛ لأنه لا يوحى إليه، وإنما رأيه – كسائر المجتهدين- دائر بين الأجر والأجرين . ثم إني لم أجد له حجة تعضد رأيه، بل وجدتُّ – من القرآن والسنة والمعقول- ما يضاده وينقضه، مما سبق بسطه في هذا البحث. فضلاً عما وجدناه من حجج غير منقوضة تُرَجح – في ظني- رأيي على ما عداه من آراء !

- وإما أنه قد سمعه من رسول الله (صلى الله عليه وسلم). وههنا سؤالٌ يطرح نفسه : أين هو نص هذا الحديث الذي يُؤمر فيه بقتل تارك الإسلام لمجرد ذلك ؟! وهل نصه، إن وُجد، يسمح بأن يُستنبط منه ما ذهب إليه من حملوا أثر معاذ على ما حملوه عليه ؟!

فإن قيل : الحديث هو “من بدل دينه فاقتلوه”.

قلنا : فهمكم لهذا الحديث غير صحيح، وقد أوضحتُ فهمه الصحيح – في نظري- في بحثي هذا، فارجع البصر كرة أخرى إن شئت.

وإن قيل : بل غير هذا الحديث ؟

قلنا : أين هو هذا الحديث المزعوم ؟ لا يوجد قط ! وهل يمكن أن يُستنبط منه ما يخالف ما سبق بسطه من أدلة ؟!

ج- لنفرض – جدلاً وتنزلاً- أن أثر معاذ هذا صريح في قتل المرتد لمجرد ردته[56] ، فهل يجوز إعماله أو الأخذ به ؟ الصواب – في نظري- أنه لا يجوز؛ لمضادته ونقضه لما سبق بسطه من أدلة القرآن والسنة والمعقول، فحديث آحاد كهذا لا يقوى على أن يقف في وجه هذه الكثرة المتكاثرة من الحجج العقلية والشرعية، ومن ثم : كان مردوداً بلا مرية.

تاسعاً [57]

وفي ختام هذا البحث أؤكد – وبشدة- على أنه لا يهدف إلى الدعوة إلى ترك الإسلام والعياذ بالله – ولا ينبغي أن يُفهَمَ منه ذلك؛ كما قد يتبادر إلى ذهن بعض القُصَّر- ؛ فثمة بون شاسع بين (تقريرِ أمر) و(الدعوةِ إليه)؛ فإباحةُ الشرع للطلاق مثلاً لا تعني دعوته إليه, كما أن منح الشارعِ المرأةَ حق الخلع لا يعني دعوة الزوجات إلى الانفصال عن أزواجهن.

والله تعالى أعلى وأعلم

المصادر والمراجع

1-    الإسلام عقيدة وشريعة, شيخ الأزهر العلامة/ محمود شلتوت, ط 1980م, دار الشروق – القاهرة.

2-    الإسلام والتعددية, أستاذنا وشيخنا الجليل فيلسوف المشروع الحضاري الإسلامي وفقيه الفلاسفة د/ محمد عمارة, ط 1, 1997م, دار الرشاد – القاهرة.

3-    الإسلام وحرية الفكر, جمال البنا [58] , ط 1, 2008م, دار الشروق – القاهرة.

4-    التحرير والتنوير, العلامة الجليل/ محمد الطاهر بن عاشور, الجزء الثالث, ط 1984م, الدار التونسية للنشر – تونس.

5-    تعقيب على بحث: حد الردة في الفكر الإسلامي المعاصر – قراءة نقدية في ضوء النص القرآني, أستاذنا الجليل الفقيه المجتهد وعلامة الفقه الجنائي د/ عوض محمد عوض, مجلة المسلم المعاصر, العدد (98), السنة (25), رجب – رمضان 1421هـ = أكتوبر – ديسمبر 2000م .

6-    التفسير الماركسي للإسلام, د/ محمد عمارة, ط 2, 2002م, دار الشروق- القاهرة.

7-    تفنيد دعوى حد الردة, جمال البنا, ط 1, 2008م, دار الشروق – القاهرة.

8-    جريمة الردة وعقوبة المرتد في ضوء القرآن والسنة, أستاذنا وشيخنا الجليل فقيه المشروع الحضاري الإسلامي العلامة الفقيه المجتهد الإمام د/ يوسف القرضاوي, ط 1, 2001م, مؤسسة الرسالة – بيروت.

9-    الجنايات – وعقوباتها في الإسلام- وحقوق الإنسان, الفقيه المجتهد العلامة د/ محمد بلتاجي, ط 1, 2003م, دار السلام- القاهرة.

10-                       الحرية الدينية في الإسلام, الفقيه الجليل د/ عبد المتعال الصعيدي, ط 2001م, دار المعارف – القاهرة.

11-                       حرية الفكر في الإسلام, د/ عبد المتعال الصعيدي, ص (79, 80), ط 2001م, دار المعارف – القاهرة.

12-                       الحرية في الإسلام: الردة بين حرية العقيدة والخروج على الجماعة, عاصم حفني, بحث مقدم إلى مؤتمر: اتجاهات التجديد والإصلاح في الفكر الإسلامي الحديث – مكتبة الإسكندرية – يناير 2009م.

13-                       حصاد قلم, أحد أعلام الدين العلامة الإمام د/ محمد عبد الله دراز, ط 1, 2004م, دار القلم – القاهرة.

14-                       الحق في التعبير, أستاذنا الجليل العلامة د/ محمد سليم العوا, ط 2, 2003م, دار الشروق – القاهرة.

15-                       حقوق الإنسان: بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة, حكيم الدعوة الإسلامية الشيخ الكبير/ محمد الغزالي, ط 5, 2002م, دار الدعوة – الإسكندرية.

16-                       الحوار الإسلامي العلماني, أستاذنا وشيخنا الجليل أبن خلدون العصر المستشار/ طارق البشري, ط 3, 2006م, دار الشروق – القاهرة.

17-                       خَطْبٌ جلل, د/ محمد عباس, مقال منشور على موقعه على الإنترنت: www.mohamadabbas.net

18-                       الردة : الخروج (من) أم الخروج (على) ؟, د. كمال المصري, مقال منشور على موقع (إسلام أون لاين) في فبراير 2002م.

19-                       الردة والحرية الدينية والفكرية, يحيى رضا جاد, مخطوط سينشر قريباً إن شاء الله في مكتبة وهبة بالقاهرة. وهو بحث موسع وكبير استللتُ منه المقال الذي قرأه القارئ الكريم الآن.

20-                       عقوبة الارتداد عن الدين: بين الأدلة الشرعية وشبهات المنكرين, العالم اللغوي الكبير د/ عبد العظيم المطعني, ط 1, 1993م, مكتبة وهبة – القاهرة.

21-                       فقه السنة, الشيخ الجليل/ السيد سابق, 3/200- 209, ط 2, 1999م, دار الفتح للإعلام العربي – القاهرة.

22-                       في أصول النظام الجنائي الإسلامي, د/ محمد سليم العوا, ط 1, يناير 2006م, مكتبة نهضة مصر – القاهرة.

23-                       في فقه الاجتهاد والتجديد – دراسة تأصيلية تطبيقية, يحيى رضا جاد, تقديم أستاذنا الجليل د/ محمد عمارة, ط 1, 2010م, دار السلام – الأزهر/القاهرة.

24-                       ضوابط التأويل الإسلامي لنصوص القرآن والسنة, يحيى جاد, قيد النشر إن شاء الله.

25-                       قتل المرتد إذا لم يتب, د/ عبد الله قادري الأهدل, بحث منشور على موقع (مكتبة صيد الفوائد) على شبكة الإنترنت.

26-                       الكليات الأساسية للشريعة الإسلامية, أستاذنا وشيخنا الجليل شاطبي العصر د/ أحمد الريسوني, ط 2007م, إصدارات اللجنة العلمية لحركة التوحيد والإصلاح, الرباط – المغرب.

27-                       لا إكراه في الدين: إشكالية الردة والمرتدين من صدر الإسلام إلى اليوم, أستاذنا الجليل العلامة د/ طه جابر العلواني, ط 2, نوفمبر 2006م, المعهد العالمي للفكر الإسلامي – مكتبة الشروق الدولية – القاهرة.

28-                       مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة, جمع وتحقيق د/ محمد حميد الله الحيدر آبادي, ص (39- 47), ط 1969م, دار الإرشاد – بيروت.

29-                       المحلى, الإمام ابن حزم, 11/201- 227, ط دار التراث – القاهرة.

30-                       من فيض الرحمن, إمام الدعاة بالقرآن الشيخ الرباني الجليل/ محمد متولي الشعراوي, ط 2009م, أخبار اليوم- القاهرة.

31-                       الموافقات, الإمام الشاطبي, تحقيق/ عبد الله دراز, دار المعرفة – بيروت.

32-                       موسوعة الفقه الإسلامي وأدلته, د/ وهبة الزحيلي, 7/5576- 5588, ط 4 المعدلة, 2004م, دار الفكر – دمشق.

33-                       هذا ديننا, محمد الغزالي, ط 5, 2001م, دار الشروق – القاهرة.

34-                       يوسف القرضاوي – فيلسوف الفقهاء وفقيه المشروع الحضاري الإسلامي, يحيى جاد, قيد النشر إن شاء الله.

35-                       بالإضافة إلى ما استطعنا الرجوع إليه من أمهات كتب أصول الفقه والتفسير وفقه الحديث والفقه الإسلامي ومذاهبه – قديماُ وحديثاً-, وكلها معروف مشتهِر, فلا نطيل بذكرها اكتفاءً بالإشارة والتنبيه.



[1] تعقيب على بحث حد الردة في الفكر الإسلامي المعاصر – قراءة نقدية في ضوء النص القرآني, د/ عوض محمد عوض, ص (207- 208). ولا إكراه في الدين: إشكالية الردة والمرتدين من صدر الإسلام إلى اليوم, د/ طه العلواني, ص (88, 15).

[2] الكليات الأساسية للشريعة الإسلامية, د/ أحمد الريسوني, (ص 109- 110). التحرير والتنوير, محمد الطاهر بن عاشور, 3/26 (تحت تفسير آية “لا إكراه في الدين”). والحرية الدينية في الإسلام, د/ عبد المتعال الصعيدي, (ص 145, 28, 36, 143, 144- 145). وتعقيب عفى بحث حد الردة, د/ عوض محمد عوض, (ص 209- 210). ومن فيض الرحمن, محمد متولي الشعراوي, (ص 241, 247, 248). والتفسير الماركسي للإسلام,  د/ محمد عمارة, (ص 22).

[3] وفي معنى تلك الآية أخوات لها كثيرات: “وَلَوْ شَـاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُـوا مُؤْمِنِينَ“[يونس: 99] .. “قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ“[يونس: 108] .. “فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ” [الرعد: 40] .. “وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ” [المؤمنون: 117] .. “وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ” [الكهف: 29] .. “مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ” [النمل: 92] .. “مَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ” [الزمر: 41] .. “إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ” [التكوير: 27- 28] .. إلخ.

[4] الإكراه: هو أن تحمل الغيرَ على فعلٍ لا يرى خيراً في أن يفعله.

[5] بَيِّن قطعاً أن العقاب الدنيوي على عدم الإيمان – ابتداءً أو استمراراً- إكراهٌ عليه.

[6] نفي الإكراه في معنى النهي، والمراد نفي أسباب الإكراه في حكم الإسلام، أي لا تكرهوا أحداً على اتباع الإسلام قسراً، وجيء بنفي الجنس لقصد العموم نصّاً، وهي دليل على إبطال الإكراه بسائر أنواعه؛ لأنّ أمر الإيمان يجري على الاستدلال والتمكين من النظر والاختيار.

[7] واعلم, إن رأيت إكراهاً على مبدأ أو إرهاباً على رأي, أن صاحب هذا المبدأ غير مقتنع به, وأن المبدأ ذاته مؤسَّسٌ على غير حجة, و إلا ففيم الإكراه والقهر نشراً له وحفاظاً عليه – أي حفاظاً على استمرار الناس على الإيمان به- ؟!

[8] قارن بـ : الإسلام وحرية الفكر، جمال البنا، (ص 42- 43). وتفنيد دعوى حد الردة، جمال البنا، (ص 43).

ونحن وإن كنا قد استفدنا ونستفيد من بعض ما كتبه ويكتبه جمال البنا – إذ نحن نتلقف الحكمة من أي وعاء خرجت- إلا أننا لا نوافقه على كثير من آرائه وتوجهاته .. كما نلحظ، وبشدة، افتقاده للمنهج العلمي في البحث، وللمنهجية العلمية في الاجتهاد. وقد وقفنا أثناء قراءتنا وبحثنا وتحليلنا لما كتب – فيما وقعت يدنا عليه من كتبه- على كثير مما يشهد على صحة قولنا هذا، لكننا قررنا الاكتفاء بالتنبيه؛ حتى لا نطيل بذكر ذلك، خاصةً وأن المقام لا يسمح به ولا يتطلبه.

[9] حرية الفكر في الإسلام, د/ عبد المتعال الصعيدي, (ص 79). والحرية الدينية, د/ الصعيدي, (ص 154). ولا إكراه في الدين, العلواني, (ص 10, 102, 175- 176). والإسلام وحرية الفكر, جمال البنا, (ص 53, 49, 48, 50- 51).

[10] حديث صحيح. رواه أحمد – في آخر مسند أهل البيت من مسنده- وأبو يعلى (2720) بسند صحيح

[11] حديث صحيح. رواه النسائي (4068) بسند صحيح.

[12] حديث صحيح. رواه البخاري (3617) ومسلم (2781) وأحمد (12846). والسياق للأخيرين, وما بين المعقوفتين فهو للبخاري.

[13] حديث صحيح. رواه البخاري (4274 و 3007) ومسلم (2494). وهو حديث جليل يستوجب أن يُفرد له بحث برأسه لتدبره واستنباط دقيق وعظيم ما فيه من فقه وتوجيه. وقد نفعل فيما بعدُ إن شاء الله.

[14] ولذات السبب, لم يقم النبي (ص) بقتل المنافقين رغم كونهم قد ارتدوا بعد إيمانهم .. إنهم لم يقاتلوا المسلمين, بل كانوا أحياناً يقاتلون بجانبهم, أو يخلدون إلى الأرض أحياناً أُخَرْ .. ولم يكن عدم قتلهم للجهل بكفرهم ونفاقهم؛ إذ النبي (ص) كان يعلم نفاق كثير منهم بناءً على ما ثبت واستعلن من مواقفهم وأقوالهم وأفعالهم – لا بناءً على الظن والتخمين- كما سبق البيان.

[15] لقد كان رسول الله (ص) يعالج – نحن نكرر- وقتئذ جريمةً مركبةً؛ اختلط فيها السياسي بالقانوني بالاجتماعي؛ حيث كان رجوع المرء عن الإسلام – وقتئذ- نتيجةً طبيعيةً لتغير موقفه من الأمة والجماعة والمجتمع والنظم والدولة؛ أي تغير الانتماء والولاء تغيراً تاماً.

[16] تعقيب على بحث حد الردة, عوض, (ص 213).

[17] الكليات الأساسية, الريسوني, ص (113- 114, 115, 116). ولا إكراه في الدين, العلواني, (ص 93, 94, 155, 159, 175, 190, 149, 150, 160, 111, 112, 113, 115- 116). وفي أصول النظام الجنائي الإسلامي, د/ محمد سليم العوا, (ص 183 – هامش). والجنايات – وعقوباتها في الإسلام- وحقوق الإنسان, د/ محمد بلتاجي, (ص 19, 20, 21, 24- 26). والتفسير الماركسي للإسلام, عمارة, (ص 28- 29) . وجريمة الردة وعقوبة المرتد, د/ يوسف القرضاوي, (ص 35- 36) . والحرية في الإسلام, عاصم حفني, (ص 12, 16). والردة : الخروج (من) أم الخروج (على) ؟, د/ كمال المصري, مقال منشور على موقع إسلام أون لاين (وقد استفدنا من هذا المقال بعض كلمات وعبارات لا غير. ولكن كاتبه – شكر الله له جهده- لم يُحكم التفريق بين الخروج من الإسلام والخروج عليه. وأحمد الله أني قد استوفيت بيان ذلك وتوضيحه وتجليته في بحثي هذا بما لا تجده في مكان آخر. فضلٌ من الله ونعمة). وحرية الفكر في الإسلام, الصعيدي, (ص 80). والحرية الدينية, الصعيدي, (ص 69, 83, 143, 129, 130- 131, 133, 78- 79). والإسلام والتعددية, د/ محمد عمارة, (ص 12- 13). والمحلى لابن حزم, 11/ 201- 227. والحوار الإسلامي العلماني, المستشار/ طارق البشري, (ص 98, 100, 102). و تفنيد دعوى حد الردة, جمال البنا, (ص 91, 48).

[18] لتوضيح ذلك وتفصيله, انظر: الكليات الأساسية, الريسوني, (ص 106- 116). الموافقات للشاطبي, (3/ 339, 365, 366).

[19] لتوضيح ذلك وتفصيله, انظر: الكليات الأساسية, الريسوني, ص (106- 116). الموافقات للشاطبي, (3/ 289).

[20] رواه البخاري (6922) والنسائي (4060) والترمذي (1458) عن عكرمة عن ابن عباس . ورواه النسائي (4065) عن أنس عن ابن عباس .

[21] رواه البخاري (6878) ومسلم (1676) والنسائي (4016), واللفظ للأخيرين, وهو أصح ألفاظ هذا الحديث, وتفصيل ذلك لا يتسع له المقام.

[22] مادة (ف ر ق) في اللغة العربية, قد وجدنا معناها كالآتي :

(فَرِقَ): جَزِع واشتد خوفه.

و(الفَرِقُ) و(الفَرُق) من الرجال: شديدُ الفزع جبلةً.

و(فارقه) مفارقةً وفِراقاً: باعده وقطع ما بينه وبينه.

و(أفرقَ) الرجلُ غنمه: أضلها وأضاعها.

و(أفرقَ) فلاناً: جعله يخاف أو يجزع.

وأما مادة (ف ر ق) في القرآن الكريم, فقد وردت كالآتي :

(يفرَقون): يخافون [التوبة 61].

(فِراق): الفُرقة [الكهف 78].

(فِراق): الانقطاع التام – وهو في الآية: الموت- [القيامة 28].

(فارقوهن): اتركوهن وطلقوهن [الطلاق 2].

[ انظر: المعجم الوسيط, مجمع اللغة العربية, 2/710- 711. ومعجم ألفاظ القرآن الكريم, مجمع اللغة العربية, 2/848- 850 ].

وبناءً على ذلك : يتضح تماماً أن وصفَ (مفارقةِ الجماعة): وصفٌ (تأسيسيٌ مُنشئ) منفصل عن – ومضاف إلى- (ترك الدين) .. لا وصفٌ (كاشف) لـ (مجرد ترك الدين) – كما قال بعض كبار العلماء قديماً وحديثاً- .. إذ ليس كلُّ تاركٍ للدين مفارقاً للجماعة, كما أنه ليس كلُّ مفارقٍ للجماعة تاركاً للدين.

[23] ورعاية الوطن من مقاصد الإسلام .. وإنما قلتُ: “رعاية”؛ لأنها (حفظ) و(تنمية)؛ أي (حفظ) بـ (السلب) و(الإيجاب), لا بـ (السلب) فقط .. وتفصيل ذلك لا يتسع له المقام.

[24] أخرجه البخاري (18, 6784).

[25] أخرجه مسلم (1784).

[26] ومن أمثلة إساءة استخدامه – كما يحدث في مصر في بعض الأحيان- : اعتناقُ المسيحي للإسلام بغرض طلاق امرأته – إذ المسيحية الأرثوذكسية تمنع الطلاق كما يقول بطاركتها- ثم الارتدادُ من فوره إلى مسيحيته بعد انقضاء وطره !! .. بيِّنٌ أنَّ هذا (تلاعبٌ بالأديان) يجب أن يُعاقب فاعله أشد العقاب .. أليس في هذا إهانةٌ لدين الإسلام واحتيالٌ على أحكام المسيحية وتلاعب بها ؟! وكأن الإسلام عنده – والعياذ بالله- (منديلُ حمَّام) يَرمِي به بعد أن يقضي منه حاجته !! ما أجدرَ أن ينَكَّل بالفاعل .. والله إنه بذلك لجدير !!

[27] أما سياسة (تسميم الآبار) و(الدس في الخفاء) التي تتبعها الحملات التبشيرية – باستهدافها لعوام المسلمين من خلف ظهر دولهم؛ بنشر كتب التشكيك في الإسلام وعقائده وأحكامه بينهم- فإن ثبت على أحد أنه منهم أو ملتحق بهم أو متعاون معهم؛ فإن جزاءه القتل – أو العقاب- لا محالة؛ إذ هو يسعى لفتنة المسلمين عن دينهم – باستغفال دولهم؛ المنوط بها حفظ دين وتدين أفرادها؛ إذ لا يوجد فردٌ إلا ويسعى قدر طاقته للحفاظ على دينه وتدينه- . والفارق بَيِّن – لا يحتاج إلى إيضاح- بَيْنَ (فتحِ المجال للمساجلات والمناظرات والمواجهات والمبارزات الفكرية العلنية؛ ليؤمن بعدها من شاء الإيمان أو يكفر ويرتد من شاء الكفر والارتداد) و(محاولةِ تحويل عوام المسلمين عن دينهم؛ عن طريق التغرير بهم أو التلبيس والتدليس عليهم؛ باستغلال جهلَهم أو حاجتهم وفاقتهم وسوء أوضاعهم).

[28] سيأتي لذلك مزيد بيان تحت فقرة : سادساً .

[29] وقد ذكرنا المقصود به مِن قَبْلُ في إحكام وحصر, فانظره – غيرَ مأمور- تحت فقرة (قبل أن نبدأ) أولَ هذه الدراسة عن الردة.

[30] بالخروج على الأمة : إما بالبغي عليها والحرابة لها, وإما بالانضمام إلى صفوف الأعداء المحاربين لها .. أي: مفارقة الجماعة ومحاربة الأمة وخيانة الدولة – لا مجرد الإلحاد في الدين أو الرجوع عن الإسلام بعد الإيمان به.

[31] لقد أصاب البعضَ غبشٌ في الرؤية حول مسألة (الاعتداء المعنوي على الإسلام) .. ولإزالة هذا الغبش نقول: إن الإسلام مقومٌ من مقومات المجتمع المسلم, و(التعدي المعنوي) على الإسلام في مثل هذا المجتمع – بالسب والقذف والاستهزاء .. وهو ما يمكن تسميته بـ (الحرابة الفكرية)- هو (هدم) لمقوم من مقوماته و(إيذاء) لمشاعر المؤمنين به .. ومقومات أي مجتمع في الدنيا (ثوابتٌ) لا يبيح (حرية هدمها)؛ وليس هذا ضِيقًا بالحرية، وإنما لأن العدوان عليها – أي على تلك المقومات الثوابت- هو عدوان على حرية الآخرين. إن الإسلام يحترم حرية الفكر لكل فرد من الناس مادامت محكومةً بحسن النية وشرف الوجهة.

[32] إن مناط الثواب والعقاب في الإسلام هو العقل والإرادة والحرية؛ إذ العقل هو مناط التكليف .. والاستطاعةُ شرطٌ فيه .. وركن الاستطاعة يقتضي (حرية الإنسان في اختيار فعله)؛ ليترتب عليه مسئوليته عنه.

[33] مفهوم أهل الذمة الفقهي مساوٍ – في جوهره- لمبدأ المواطنة القانوني .. وتفصيل ذلك لا يتسع له المقام.

[34] وقد جاء في صحيفة المدينة – ذلك الاتفاق الذي وقعه النبي (ص) مع اليهود- : “يهود أمة مع المؤمنين .. لليهود دينهم, وللمسلمين دينهم .. وعلى اليهود نفقتهم, وعلى المسلمين نفقتهم .. وبينهم النصرة على من حارب أهل هذه الصحيفة .. وبينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم .. وما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله”. [انظر : مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة, جمع وتحقيق د/ محمد حميد الله الحيدر آبادي, ص (39- 47). وقد حقق أستاذنا العلامة/ عبد الله بن يوسف الجديع ثبوت نصوص صحيفة المدينة هذه في جزء لم يُنشَر بعد].

[35] لقد أمر الله رسوله بجهاد الكفار والمنافقين “يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم” [التوبة 73] ؛ فكيف يأمر الله رسوله بجهاد المنافقين وهو لا يعلم أعيانهم – كما يدعي البعض- ؟!

ولقد قال الله تعالى فيهم: “هم العدو فاحذرهم” [المنافقون 4]؛ فكيف ينص جل شأنه على ذلك ويحذر منهم كل هذا التحذير, ثم يقال بعد كل هذا أن النبي (ص) لا يعرفهم بأعيانهم ؟!

وكيف يخفى أمرهم على النبي (ص) وقد قال تعالى مخاطباً رسوله: “ولتعرفنهم في لحن القول” [محمد 30] ؟!

وكيف يخفى نفاق المنافقين على النبي (ص) وهم يعيشون بينه ويجالسونه؛ فتبدوا عليهم أمارات النفاق وإن حاولوا إخفاءها؛ لأن ما تنطوي عليه القلوب ظاهر لا محالة – ولو بعد حين- على الوجوه وفي الحركات والسكنات :

ومهما يكن عند امرئ من خليقةٍ                 وإن خالها تخفى على الناس تُعلَم

* وقد يدور في ذهن البعض – إذا ما سَلَّم بما سبق- تساؤل : كيف يأمر الله رسوله بجهاد المنافقين والغلظة عليهم وأنت تدعي أن المنافق – في الإسلام- لا يُتعرَّض له بسوء مادام محافظاً على مقتضيات الجامع السياسي؟! فأقول: لقد أمر الله بجهاد الكفار, فهل هذا يعني أن نرفع راية الجهاد والإغلاظ في وجه كل كافر مسالماً كان أم غير مسالم, أم أن الصواب – الذي يقتضيه فهم النصوص الجزئية في ضوء مقاصد الإسلام وثوابته وكلياته- أن تُرفَعَ في وجه كل كافر محارب لا غير؟ .. وكذلك الشأن في المنافقين؛ فإنما يُجاهَد منهم ويُغلَّظ عليه: مَن اشتد كيده للمسلمين أو اشتدت وطأته عليهم وأذاه لهم – أي “أولوا الطول منهم” [التوبة 86] – .. فجهادنا ليس موجهاً لكل المنافقين, وإنما لـ “طائفةٍ منهم” [التوبة 83] .. ثم إن كيفية المجاهدة والإغلاظ لم تعينها الآية؛ لتترك لنا فسحةً نستطيع من خلالها أن نتعامل مع من أمامنا – من الكفار المحاربين والمنافقين العتاة- بحسب حاله؛ تارةً بالعقاب, وتارةً بإظهار الحجة, وتارةً بتجنب الرفق بهم, وتارةً بالانتهار .. إلخ .. ولذلك وجدنا القرآن الكريم يأمر النبي (ص) بمنع (عتاة المنافقين) لا (كل المنافقين) – انظر: [التوبة 81- 84]؛ إذ لفظ الآيات وسياقها يدلان بما لا مجال للشك أو المجادلة فيه على أن المقصود بما سيأتي فيها من أحكام هم المخلفون الذين فرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله, والذين كرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم, والذين حاولوا تثبيط المجاهدين بقولهم “لا تنفروا في الحر” .. فهم إذن ليسوا منافقين عاديين, وإنما من عتاة المنافقين- من الغزو معه طيلة حياتهم .. ويمنعه من الصلاة عليهم والدعاء لهم بعد مماتهم.

* وقد يعترض البعض أيضاً على ما نذهب إليه بقوله تعالى: “لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً. ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلاً” [الأحزاب 60- 61] .. فها هو الله تعالى يتوعد المنافقين ويغري بقتلهم, فأين هذا مما تدعيه؟! فأقول: لئن لم ينتهوا عن ماذا؟ هذا هو مربط الفرس في فهم هذه الآيات .. والسياق التي وردت فيه يدل – بوضوح وبغير تكلف- على أن معناها : لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة عن إيذاء الله ورسوله والمؤمنين والمؤمنات لنغرينك بهم – راجع: [الأحزاب 57- 61] – .. ومن ثم, فلا حجة لك فيها؛ إذ إغراء النبي (ص) بقتلهم لم يكن على نفاقهم, وإنما على أذاهم وإيذائهم.

* والمقصود الذي نرمي إليه من وراء تلك المناقشة المطولة هو إثبات أن المنافق وإن كان مرتداً يقيناً فإنَّا لا نقتله ولا نقاتله ما دام مستمراً في مسالمته لنا – حتى وإن أفلت منه ما يدل على ارتداده وعدم إيمانه-  .. فإنزال العقوبة بالمنافق إنما يدور على إظهاره العداء والقتال لا على مجرد ظهور ما يدل على كفره رغم إظهاره الإسلام .. فإذا كان ذلك كذلك, فإن المرتد الصريح عن الإسلام يجب أن يُعَامَل معاملة المنافق؛ أي أن يُسمَح له بما يُسمَح للمنافق؛ أي أن يعيش مواطناً غير منقوص الأهلية أو الحرية في دار الإسلام.

[36] عن جابر (رض) قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وكان من المهاجرين رجل لعاب، فكسع أنصارياً، فغضب الأنصاري غضباً شديداً حتى تداعوا، وقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما بال دعوى أهل الجاهلية؟ ثم قال: ما شأنهم. فأخبر بكسعة المهاجري الأنصاري، فقال النبي (ص): دعوها فإنها منتنة. وقال عبد الله بن أبي سلول: أقد تداعوا علينا، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق؟ .. فقال (ص): دعه, لا يتحدث الناس أن محمداً كان يقتل أصحابه. [ رواه البخاري (3330, 4622) ومسلم (2584) ] .

وعن عبد الله بن مسعود (رض) قال: لما قسم النبي (ص) قسمة حنين، قال رجل من الأنصار: ما أراد بها وجه الله، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فتغير وجهه ثم قال: رحمة الله على موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر. [ رواه البخاري (4080) ] .

فها نحن – في كلا الحديثين- أمام منافق – ثبت نفاقه بما لا يدع مجالاً للشك- ومع ذلك اعتبره النبي (ص) من أصحابه؛ لأنه قد حافظ على الوحدة السياسية للأمة والدولة, وشارك في معاركها, وكان له – كغيره- نصيب من غنائمها .. واستعاذ (ص) بالله من أن تتسامع الأمم أن محمداً يقتل من حافظ على الوحدة السياسية للأمة – حتى ولو كان قد فارق الإيمان الديني بالنفاق- .

[37] انظر: [ التوبة 65- 66, 74- 80 ] – [ محمد 25- 28 ] .

[38] إذا أتى المسلم أو صرَّح بما يخرجه من دائرة الإسلام, نبهناه إلى ذلك – ولا يقوم بهذا إلا الراسخون في العلم- فإن أصر عليه وتمسك به – بعد توضيحنا له ما بمواقفه من مناقضةٍ قطعية للإسلام وأصوله وثوابته- أصبح مرتداً عن الإسلام؛ نعامله معاملةَ المسلم لغير المسلم, دون منعٍ أو مصادرةٍ لرأيه أو فكره – مع ضرورةِ ألا نترك شبهةً إلا ونفندها ونرد عليها بما يثبت زيفها وبطلانها- على التفصيل الذي أوضحناه وسنوضحه إن شاء الله.

[39] الحرية في الإسلام, إذن, (حريةٌ منضبطةٌ)؛ والأرض باتساعها وطولها وعرضها لها نهاية ولها حدود؛ غير أن مساحة الوسع في مربع الأرض يكاد يجعلها بلا حدود .. وكذلك الحرية في الإسلام – على ما أوضحناها وفصلناها- .

[40] فإذا ارتد مرتد فلن نمسه بسوء إلا أن يقف منا موقف الخصم؛ يتمنى لنا الشر ويتربص بنا الدوائر .. ولن نشتبك معه إلا إذا وصل إلى مرحلة التخلي والتعري عن الشرف والعدالة في السلوك والسياسة – أي: في واقع الممارسة الفعلية- .

[41] حقوق الإنسان, محمد الغزالي, (ص 60, 58). والإسلام وحرية الفكر, جمال البنا, (ص 107- 108, 72, 73, 110- 111, 96). وتفنيد دعوى حد الردة, جمال البنا, (ص 96). والحرية الدينية في الإسلام, الصعيدي, (ص 13). وحصاد قلم, د/ محمد عبد الله دراز, (ص 59). والتفسير الماركسي للإسلام, عمارة, (ص 9- 10, 11, 119- 120). والجنايات وعقوباتها, بلتاجي, (ص 23). والكليات الأساسية, الريسوني, (ص 116).

[42] ثم إن العقل الدؤوبَ المكافحَ الباحثَ عن الحقائق والمتحري لها لن يؤوب من سياحاته القريبة والبعيدة إلا بما يدعم الإيمان – في العاجل أو الآجل-  أو بما يحترم المؤمنين – على أقل تقدير- .

[43] وقد حدث في مصر – عام 1937م- أن ارتد الأستاذ إسماعيل أدهم عن الإسلام مصدراً كتابه ” لماذا أنا ملحد ؟!”؛ عارضاً فيه مبررات ردته ومدافعاً عما انتهى إليه من إلحاد .. فكتب العلامة محمد فريد وجدي ” لماذا أنا مسلم ؟”؛ مفنداً فيه دعاوى إسماعيل أدهم, ومجلياً مزايا الإيمان والإسلام .. فكان سجالاً حضارياً فريداً تحققت فيه الحرية الفكرية كاملةً, وفي نفس الوقت, لم يضار الرجل – كما يدعو البعض الآن- ولم يُحِق بالإسلام ضرر – كما يتخيل البعض حدوث ذلك- ؛ إذ بقيت مصر إسلامية حتى الآن, وظل الناس على إيمانهم إلى اليوم !!

[44] إن حفظ وتثبيت إيمان المؤمن إنما يكون بـ (المناعة) لا (المنع)؛ أي برفع (قدراته المناعية ومستوى وعيه الثقافي والإسلامي) لا بـ (منع الآخر من التعبير).

ثم إن منعه من طرح أفكاره في النور والعلن كثيراً ما يحفزه على نشرها وإشاعتها خفية وفي الظلام, وكثيراً ما يُكسبه من التعاطف والأهمية ما ليس هو أهلاً له شخصأ أو فكراً, وكثيراً ما يحوله في ظن بعض الناس من “مشوش فكرياً” إلى “شهيد للفكر والحرية” !

[45] انظر: البقرة 116 – آل عمران 181 – النساء 153 – المائدة 64, 73 – النحل 101 – سبأ 43 -  يس 18 – الفرقان 5 .. إلخ.

[46] قد يُدعَّى : “إن التعبير العلني والصريح عن معتقدات مخالفة لمعتقدات الإسلام قد يفسر بأنه إعلان حرب على قيم الدين، وبالتالي يتم تصنيف التعبير الحر عن المعتقد المخالف بأنه تأمر وخيانة وخروج على الجماعة، وهو وضع يستحق القتل”. اهـ

وتفنيداً لذلك نقول – فوق ما سبق بيانه وما سيأتي- :

هذا غير مُسلَّم؛ لأن مجرد إعلان معتقدات تخالف معتقدات غالبية أفراد مجتمع من المجتمعات يدخل تحت بند “حرية الرأي والفكر والبحث والعلمي”، وإلا وجب لزاماً أن نمنع دعاة الإسلام في البلاد غير الإسلامية من ذكر المعتقدات الإسلامية صراحة (وهي قطعاً مضادة في جزء كبير منها لمعتقدات وفلسفات ورؤى الأديان والمجتمعات الأخرى غير الإسلامية)، وهذا باطل، وما لزم منه باطل فهو باطل؛ إذ المعيار ههنا هو : أن ما هو حق لنفسك هو كذلك حقٌ لغيرك؛ بمقتضى “العدل الإسلامي” الذي هو القيمة القطب في الإسلام .. “حِب لأخيك ما تحب لنفسك” .. وما كان حقاً لك تُطالبُ به غيرَك في تعامله معك : كان واجباً عليك يُطالبك به غيرُك في تعاملك معه .. هذا صريح العدل !

ثم إن الله تعالى يقول : “ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن” [النحل 125] .. فكيف ندعو .. بل وكيف نجادل .. بل ومع مَن نجادل .. بل وفي أي شيء نتجادل : لو كان مجرد “التعبير العلني والصريح” عن المعتقدات غير الإسلامية بمثابة إعلان حرب على الدين يستوجب قتل فاعله ؟!!

ثم إن هذا يستلزم، فوق ذلك، تحريم وإحراق جميع كتب “علم مقارنة الأديان” التي انشأته الحضارة الإسلامية إنشاءً، أليس لُبُّه، بل كله : “تعبير علني وصريح ومُحكم” لكل الشبهات المثارة حول الإسلام عقيدةً وشريعة، ثم مناقشتها وتفنيدها ؟!

أما إعلان الحرب على دين الأغلبية وقيمها في أي مجتمع من المجتمعات فإنما يكون بـ : سب هذه القيم أو الاستهزاء بها والسخرية منها (لا مجرد طرحها على منضدة “المداولة العقلية والفكرية والفلسفية”) .. وهذا ما لا نقبله بإطلاق تجاه كافة المعتقدات : إسلاميةً وغيرَ إسلامية؛ لأنه مصادِم لقواطع القرآن؛ يقول تعالى : “ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير عِلم” [الأنعام 108]. ثم إنه، فوق ذلك، مُحَرَّم بالنظر إلى مآلات الأفعال؛ فمآل السب والقذف والاستهزاء : هو زرع البغضاء بين الساب والمسبوب، ونشر بذور الأحقاد، وريُّ حقول الانتقام، ثم : تبادل هذا السب والقذف، ثم : التخطيط للفتك بالغير ابتغاء إسكات لسانه إلى الأبد. وهذا كله مضادٌ لـ “مقصد التعارف” الذي نص عليه الإسلام : “وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا” [الحجرات 13].

بل إن مقصد التعارف ذاته يقتضي أن نفتح الباب للتعبير العلني والصريح عن الأفكار والمعتقدات – كل الأفكار والمعتقدات- ، وإلا فكيف يتم تنفيذ وتفعيل هذا المقصد الرباني على أكمل وجه وأتمه، “مقصد التعارف العقلي والفكري بين البشر” الذي هو أحد أوجه “مقصد التعارف العام الشامل” ؟!

[47] التصور الإسلامي للوجود قائم على حقيقتين أساسيتين :

(الأولى) : وحدانية الخالق : فالله وحده هو الواحد، وما عداه متعدد، هو واحد في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله، وهو الخالق وحده، والمحيي والمميت وحده، وهو المعبود وحده، فلا يستحق العبادة غيره، ولا الاستعانة سواه : “إياك نعبد وإياك نستعين” [الفاتحة 5]، “قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد” [الإخلاص 1- 3].

(والثانية) : تعددية الخلق : وهي تعددية في الخلق والعرق واللسان والدين والثقافة والسياسة والفقه :

* فهناك تعدد في نظام المخلوقات : فالله وحده هو المنفرد بالوحدانية، وكل ما عداه فهو متعدد يقوم على الازدواج والزوجية والتنوع والتعدد : “ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون” [الذاريات 49]، “ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءً فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك” [فاطر 27- 28].

* وهناك تعدد في الأجناس والعناصر والأعراق : “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا” [الحجرات 13]؛ خلقناكم من ذكر وأنثى، كلكم أبناء آدم وحواء، وكلكم أبناء رجل وامرأة، وجعلناكم شعوباً وقبائل : هذا عربي، وذا تركي، وذاك هندي، هذا أوربي، وذا فارسي، لتعارفوا، لتتفاهموا، لتتعاونوا، لا لتتناكروا أو تتصادموا أو تتعادوا.

* وهناك تعدد في الألسنة : “ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين” [الروم 22]، فهذا يتكلم بالعربية، وآخر بالفارسية، وثالث بالتركية، ورابع بالإنجليزية، وخامس بالفرنسية، وسادس بالصينية أو اليابانية. فهناك لغات شتى وألسنة شتى يتحدث بها الناس، وهي آية من آيات الله لا يجوز لأحد أن يضِيق بها أو أن يضيِّق عليها أو أن يتعصب ضدها أو أن يفرض بالقوة على أهل لسان ترك لسانهم.

و”اختلاف الألسنة” فوق ذلك، يعني، ضمن ما يعني، اختلاف العقول والأفكار والمناهج والفلسفات؛ فاللسان ترجمان الفكر ووسيلة إعلامه الرسمية.

* وهناك تعددية دينية : فاختلاف الدين بين الناس، وتعدد الأديان، حقيقة واقعة لا مجال لإنكارها أو محوها في نظر الإسلام، فقد أرادت مشيئة الله تعالى أن يكون هذا النوع الإنساني مخلوقاً مختاراً، فقد منحه الله العقل والإرادة، فلابد أن تختلف مواقفهم واختياراتهم، هذا ما شاءه الله لهم، ولو شاء غيره لجعلهم ملائكة أو كالملائكة مفطورين على طاعة الله تعالى. قال تعالى : “ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم” [هود 18- 19]؛ أي وللاختلاف خلقهم. فهذا الاختلاف واقع بمقتضى خلق الله : “هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير” [التغابن 2].

لقد خلق الله من خلقه خلقاً مفطورين على عبادته : “لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون” [التحريم 6]، “يسبحون الليل والنهار لا يفترون” [الأنبياء 20]، وهؤلاء هم الملائكة.

وخلق من خلقه خلقاً آخر ميزه بالإرادة والاختيار، هو الذي يقرر مصير نفسه : “فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها” [يونس 108]، “من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها” [فصلت 46]، “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” [الكهف 29]، “لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً” [الفرقان 62]، وهذا هو الإنسان، لم يشأ الله أن يجبره على دين واحد، ولا على الإيمان به، بل ترك له الحرية، وأعطاه الأدوات التي يفكر بها، وبعث له الرسل، وأنزل له الكتب، ثم ترك له حرية الاختيار؛ لأن الله خلق الناس متغايرين في الفكر والإرادة، فلا بد أن يتغايروا في الدين الذي يختارونه ابتداءً وبقاءً : “ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين” [يونس 99]؛ وهذا استفهام إنكاري معناه أنه لا يجوز أن يُكره الناس على شيء ولو كان هو الإيمان. ولهذا يجب أن يسع أهل الأديان بعضهم بعضاً، ولا يُجبر أناس على دين ابتداءً أو إبقاءً : “لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي” [البقرة 256]. ثم إن الاضطهاد والإيذاء من أجل تغيير الدين اعتبره القرآن “فتنة”، بل واعتبره فتنة “أشد من القتل”، و”أكبر من القتل”، وأمر بالقتال لمنعها : “وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله” [البقرة 193].

ولقد جمع القرآن بين أمرين يظنهما كثير من الناس متناقضين لا يجتمعان : الاعتزاز بالدين إلى أقصى حد، والسماحة في التعامل مع المخالف في الدين إلى أقصى حد كذلك : “ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين” [فصلت 33]، “لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين” [الكافرون 2- 6]، ففي آية “فصلت” اعتزاز بالإسلام ومباهاة به وبالانتماء له وبالعمل له وبه، وفي آيات “الكافرون” تكرار وتوكيد مقصود لتثبيت النبي والمؤمنين على دينهم، والتشبث به، والاعتزاز به إلى آخر مدى، ثم يختم هذه الآيات بسماحة عجيبة، وحسم صارم معاً : “لكم دينكم ولي دين”؛ أي : لا خلط بين الأديان، لا خلط بين الحق والباطل، لك شأنك ولي شأني، وأي : أن الحياة تتسع لي ولكم وإن اختلفت أدياننا، لكنَّ المشركين المتعصبين قالوا له بلسان الحال : لا، لنا ديننا وليس لك دينك ! وهذا هو التعصب بعينه، أن تثبت نفسك، وتنفي من عداك.

نعم، “إن الدين عند الله الإسلام” [آل عمران 19]. نعم، يجب على المسلم أن يعتقد أن الإسلام وحده هو الحق. ولكنَّ هذا لا يمنع أن هناك أدياناً غير الإسلام يؤمن بها أصحابها – وإن كانت في نظره باطلة-، حتى دين المشركين الوثنيين، فقد قال الله على لسان رسوله مخاطباً المشركين : “لكم دينكم ولي دين”؛ فسماه ديناً. وخاطب أهل الكتاب : “يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق” [النساء 171]، “لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا” [المائدة 77]؛ فسماه ديناً كذلك. وقال تعالى : “أفغير دين الله يبغون” [آل عمران 83]؛ فدل بمفهومه على أن هناك أدياناً غيرَ دين الله تُبتغى. وقال تعالى : “ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه” [آل عمران 85]؛ فدل كذلك على أن هناك أدياناً أخرى تبتغى، وأن بطلانها، وعدم قبولها عند الله، لا يمنع من أن يُطلق عليها اسم “الدين”. وقال تعالى : “هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون” [التوبة 33]؛ فدل على أن هناك نوعين من الأديان : “دين الحق” و”أديان الباطل”، ودل كذلك على ان بطلانها – أياً كانت- لا يمنع من إطلاق اسم “الدين” عليها.

كيف لا، واختلاف الناس واقع – كما ذكرنا- بمشيئة الله : “هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن” [التغابن 2]، “ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة” [هود 118]. ومادام من مشيئة الله التي لا تنفصل عن حكمته، فلا يُعقل ان يقاوم الإنسان مشيئة الله؛ لأن مشيئة الله هي النافذة والغالبة، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. ولهذا سيستريح المؤمن حين يوقن أن هذا هو ما يشاؤه الله، هل سنعدل على الله خلقه أو كونه، وقد خلقه هكذا ؟! وهو الذي أحسن كل شيء خلقه ؟! أم أن المسلم سينظم الكون بأفضل مما نظمه الله عز وجل ؟!

كيف لا، والناس إذا اختلفوا – آمنوا أو كفروا، اهتدوا أو ضلوا، صلحوا أو فسدوا-، ليس حسابهم في هذه الدار، وإنما هناك دار أخرى للحساب والجزاء، يتولى الله فيها ذلك بنفسه : “وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون” [الحج 68- 69]، “فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير” [الشورى 15]، “إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد” [الحج 17]، “وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون” [البقرة 113].

كيف لا، والإسلام يكرم الإنسان من حيث هو إنسان، أي من حيث آدميته : “ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً” [الإسراء 70]؛ فهذا الإنسان مكرم عند الله بغض النظر عن لون عينيه أو بشرته، أو نعومة شعره أو جعودته، أو عرقه أو طبقته أو حتى دينه؛ فالآية مطلقة، وقد جاء في الصحيحين أن النبي (ص) مرت به جنازة، فقام لها واقفاً، فقالوا : يا رسول الله إنها جنازة يهودي – متعجبين من قيامه لها وهي ليست لمسلم- فقال (ص) : “أليست نفساً” [أخرجه البخاري (1312) ومسلم (961)]؛ فالنفس البشرية – من حيث هي نفس- مكرمة ومحترمة في الإسلام. كما رأيناه (ص) ينهى عن التمثيل بجثث المشركين في الحرب : “لا تَغُلُّوا ولا تَغْدروا ولا تمثلوا” [أخرجه مسلم (1731)]، على الرغم من كونهم مشركين، وأنهم معادون مقاتلون، فهو (ص) لا يجيز الانتقام منهم بتشويه جثثهم بعد موتهم، فلا يجوز أن يعاقب الإنسان بعد موته.

* وهناك تعددية ثقافية : والتعددية الدينية السابقة يترتب عليها تعددية ثقافية، فما دام الناس يتعددون دينياً فلابد أن يتعددوا ثقافياً.

والتعدد الثقافي منه ما يتصل بالحياة ومفاهيمها، ومنه ما يتصل بالتصورات الفلسفية، ومنه ما يتصل بآدابها وفنونها، ومنه ما يتصل بتقاليدها وعادات الناس فيها : في الملبس والمأكل والمشرب والمسكن. والإسلام يقدر هذا الاختلاف ولا يضيق به؛ كيف ذلك وهو الذي اتسع صدره ووجهت أصوله لقبول أس التعدد الثقافي، بل أس أمر الإنسان كله، وهو التعدد الديني.

* وهناك التعددية السياسية : التي هي نتاج طبيعي للتعددية الثقافية والفكرية. والإسلام لا يضيق بتعدد الأحزاب والجماعات السياسية، ولو كانت معارضة للنظام الحاكم، بل هذا ما جاء به الإسلام من قديم : تَرْكُ الناس ليعبروا عن آرائهم؛ فليس رئيس الدولة المسلمة إماماً معصوماً، وليس رجالها وأعضاء حكومتها كهنةً مقدسين، بل هم بشر يصيبون ويخطئون، ويحسنون ويسيئون، ويطيعون الله ويعصون، وعلى الناس أن يعينوهم إذا أحسنوا، ويقوموهم إذا أساؤوا، ويرفضوا طاعتهم إذا أمروا بمعصية، يقول (ص) : “السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمعَ ولا طاعة” [أخرجه البخاري (7144) ومسلم (1839)].

وإذا انتفت العصمة والقداسة فكل الناس بشر، والقيادة الرشيدة والمجتمع الراشد إنما يزدهران بتداول الرأي والحوار وتبادل وجهات النظر؛ لما وراء ذلك من جلب لمصالح لا تخفى، ودرء لمفاسد لا تنحصر.

وأما ما ننكره في ميدان السياسة فهو ما ننكره في ميدان الفقه : التقليد الغبي، والعصبية العمياء، وإضفاء القداسة على بعض الزعامات كأنهم أنبياء، فهذا هو منبع الوبال والخبال.

* وهناك تعددية في الفقه : إذ الاختلاف في فهم الاحكام الشرعية، وفي الاستنباط من النصوص، وفي الاجتهاد في ضوئها وعلى هدي منها، ضرورة لابد منها ولا مفر، أوجبتها :

أ- طبيعة الدين : لأن الله تعالى جعل نصوص الدين منها ما هو قطعي في ثبوته أو في دلالته، أو فيهما معاً، ومنها ما هو ظني في ثبوته أو دلالته، أو فيهما معاً. وفي الظني تختلف الأفهام والاجتهادات لا محالة.

ب- وطبيعة اللغة : لأن الدين قائم على نصوص لغوية، واللغة فيها الحقيقة والمجاز، والصريح والكناية، والمجمل والمفصل، والظاهر والمؤول، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، وهذه كلها مجالات واسعة لاختلاف العقول والآراء كما هو بيِّن في علوم أصول الفقه والفقه والتفسير وشروح الحديث.

ج- وطبيعة البشر : لأن البشر منهم من يميل إلى التشديد، ومنهم من يميل إلى التيسير، ومنهم من يميل إلى الظواهر، ومنهم من يميل إلى المقاصد، ومنهم من يُفتح عليه في الاستنباط، ومنهم من لا يوفق إلى ذلك.

د- وطبيعة الكون والحياة : لأن الكون كله قائم على ظاهرة التنوع، أو اختلاف الألوان كما يسميها القرآن الكريم. والإنسان جزء من الكون، فلابد أن يخضع لسننه العامة. خاصةً وأن القرآن الكريم قد أشار إلى “اختلاف الألسنة”، وهو ما يعني، ضمن ما يعني، اختلاف العقول والأفكار والمناهج؛ فاللسان – كما ذكرنا من قبل- ترجمان الفكر ووسيلة إعلامه الرسمية.

* وهكذا رأينا الإسلام يقر التعددية بكل ألوانها وصورها، ويعلم المسلمين أن الحياة تتسع للمخالف، ولابد أن يُربَّى الناس – كل الناس، مسلمين وغير مسلمين- على هذه الحقيقة، أن يسع بعضهم بعضاً، ويقبل بعضهم بعضاً، وتتسع صدورهم لمخالفيهم في العقيدة أو الثقافة أو الفكر أو السياسة أو الفقه أو اللسان أو اللون أو العرق.

ولذلك رأينا الإسلام يأمر بدعوة المخالفين في أس الأمر كله، العقيدة الدينية، بطريق الحوار، بل بأحسن طرق الحوار، وأرق الأساليب التي تقرب بين المتباعدين، وهو ما سماه القرآن “الجدال بالتي هي أحسن” : “ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون” [العنكبوت 46]. وهذا كله مع المخالفين في العقيدة، فكيف بالمخالفين فيما دونها، وكلُّ شيء دونها ؟!

ومن ثم، كان الإيمان بالتعددية مستلزماً للحوار والسماحة بدلاً من القطيعة والتعصب، وللرفق والرحمة بدلاً من العنف والنقمة، وللائتلاف والتضامن بدلاً من التخالف والتدابر والتشاحن.

ولذا كان من المهم التعايش بين الحضارات، والتلاقح بين الثقافات، وتفاعل بعضها مع بعض، واقتباس بعضها من بعض – اقتباساً رشيداً يأخذ النافع ويُعرض عن الضار-، دون انكماش ولا استعلاء.

* إذاً، وبناءً على ما تقدم، وجب ويجب على المسلم أن يؤمن بجواز وقوع التعددية الدينية – ابتداءً وإبقاءً.

للتوسع، انظر وقارن بـ : الحرية الدينية والتعددية في نظر الإسلام، د/ يوسف القرضاوي، (ص 13- 14، 57- 59، 62- 66، 68- 72، 73، 75، 84). وخطابنا الإسلامي، القرضاوي، (ص 106- 108). والصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد، القرضاوي، (ص 224- 225، 118- 119). والصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم، القرضاوي، (ص 42- 49). وكيف نتعامل مع التراث، القرضاوي، (ص 197- 198). وفقه الوسطية، القرضاوي، (ص 226- 227). والإسلام والتعددية – الاختلاف والتنوع في إطار الوحدة، د/ محمد عمارة، الكتاب كله. والإسلام وحقوق الإنسان، عمارة، (ص 19). ومعالم المنهج الإسلامي، عمارة، (ص 79, 80, 90- 93). ومفهوم حرية التعبير عن الرأي في الإسلام، د/ إسماعيل الحسني، ص (19).

[48] جزء من حديث للنبي (ص) مر علينا قبل قليل. أخرجه مسلم (1784).

[49] يقول تعالى : “إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أي يقولوا سمعنا وأطعنا وأؤلئك هم المفلحون” [النور 51] .. “وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم” [الأحزاب 36] .. “وتعاونوا على البر والتقوى (ومنه إلزام الناس بمطلوب الدين من إقامة وحفظ مصالح الأمة التي أمر بها وأرشد إليها) ولاتعاونوا على الإثم والعدوان (ومنه عدم معاقبة كل من استهتر بمطلوب الدين من إقامة وحفظ مصالح الأمة التي أمر بها وأرشد إليها)” [المائدة 2].

وبناءً عليه :

أ- فليس من الإسلام حرية الانسلاخ من أحكام شريعته مادام الشخص لا يزال مدعياً للإسلام وزاعماً الانتماء له. وهذا يستوجب إلزامه – أو عقابه- قانونياً.

ب- وليس من الإسلام حرية تحريف الإسلام مادام الشخص لا يزال مدعياً للإسلام وزاعماً الانتماء له. وهذا يستوجب شيئين تجاه صنفين من الناس :

(الأول) : الإجابةَ عن ما قد يشوش عليه من شبهات, ودفعَ ما يحيطه من شكوك, إن كان مجرد حامل معلن لها, سائل عنها بحثاً عن إجابة مقنعة تدحضها, تقر بها عينه, ويطمئن إليها قلبه, ويستريح بها باله, ويتعافى بها فكره, وإن امتد ذلك إلى آخر عمره. وهذا نعامله معاملة المسلم للمسلم إلى أن يصرح بتركه للإسلام, أو إلى أن يأتي بما ينقض إسلامه قولاً أو فعلاً.

(والثاني) : إعلامَه بالحق, وإبطالَ باطله, فإن أصر على ما يدعيه من تحريف مصادم لثوابت وقواطع الإسلام, ناسباً إياه إلى الإسلام, أو مدعياً أن الإسلام يسمح به أو يرشد إليه, أصبح مرتداً عن الإسلام, نعامله – كما سبق البيان والتفصيل- معاملة المسلم لغير المسلم, بعد إثبات وإعلان ردته تلك عن طريق القضاء, مع حقه الكامل في أن يقول بعد ذلك ما يشاء – في نطاق آداب الحوار وقواعد المناظرة- , مبادلين إياه الحجة بالحجة, وداحضين أية مزاعم يحاول أن يروجها في دنيا الفكر, بلا إرهاب ولا ترويع ولا تضييق ولا تكميم للأفواه – كما سبق البيان غيرُ مرة-.

ولنا في القرآن الكريم أسوة حسنة : فهو يطرح الفكر المضاد من موقع الثقة بفكره، لأنه يملك من (العناصر الحيوية المتحركة) ما يدحض به هذا الفكر المضاد. وهكذا الأمر يجب أن يكون مع أي فكر يطرح نفسه لقيادة الحياة – والإسلام في المقدمة من ذلك- ، فإن إحساسه بالقوة – المنبثقة عن الأساس العقلي المتين- يجعله في بُعد عن التفكير في اضطهاد الفكر المضاد؛ لأن التفكير في الاضطهاد إنما ينبعث من موقع (الضعف) و(الخوف من الغير)، لا من موقع (الإحساس بقوة الذات) و(الثقة في الإمكانيات الهائلة الكامنة).

[50] وتفصيل ذلك – مع مناقشة المخالفين- لا يتسع له المقام هنا, فنكتفي بالإشارة الواردة في المتن.

[51] الإسلام عقيدة وشريعة, شيخ الأزهر/ محمود شلتوت, (ص 252).

[52] تعقيب على بحث حد الردة, عوض, (ص 211- 212). ولا إكراه في الدين, العلواني, (ص 160).

[53] تعقيب على بحث حد الردة, عوض, (ص 212).

[54] لا إكراه في الدين, العلواني, (ص 150, 175).

[55] أخرجه البخاري 6923 ومسلم 1733

[56] وهو غير صريح في ذلك كما سبق البيان.

[57] الحرية في الإسلام, عاصم حفني, ص (2).

[58] نحن وإن كنا قد استفدنا ونستفيد من بعض ما كتبه ويكتبه جمال البنا – إذ نحن نتلقف الحكمة من أي وعاء خرجت- إلا أننا لا نوافقه على كثير من آرائه وتوجهاته .. كما نلحظ, وبشدة, افتقاده للمنهج العلمي في البحث, وللمنهجية العلمية في الاجتهاد .. وقد وقفنا أثناء قراءتنا وبحثنا وتحليلنا لما كتب – فيما وقعت يدنا عليه من كتبه- على كثير مما يشهد على صحة قولنا هذا, لكننا قررنا الاكتفاء بالتنبيه؛ حتى لا نطيل بذكر ذلك, خاصةً وأن المقام لا يسمح به ولا يتطلبه.

ثورة الشباب فى جيش طالوت (2)

ثورة الشباب فى جيش طالوت (2)

كتبه : د/ أحمد خليل خيرالله

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله “صلى الله عليه وسلم”

أزعم أننا لن نحرك العالم حتى نحرك الشباب ، هذا ما أعتقده فى خلجات نفسى ، أمة أخرجت للناس كافة ، وقود نهضتها هو الشباب .

دائماً ما كنت أقف عند الترتيب المعجز لقصص سورة الكهف ودائماً ما كنت أستشعر هالة الإنبهار من الفتح الإيمانى العمرانى الحضارى لذى القرنين ولكن الحكيم الخبير جل وعلا لم يبدأ به السورة ولكنها بداية كل أمة فى رحلتها الحضارية لصناعة ذى القرنين، البداية بالفتية وتأمل هذه الشهادة ويالها من شهادة ( إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ) “الكهف:13″ .

نقل العلامة محب الدين الخطيب “رحمه الله” فى مجلته التراثية الهائلة ” الزهراء ” عن المستر فورد ” نعم هنرى فورد وبالتقدم السلفية وانفتاحها المنضبط فى زمنه فى العشرينات ” قال: ( أشد فقر يمكن أن يلحق بالأمة هو الفقر بالرجال ، فالأمم تستطيع أن تعالج الفقر فى جميع الأمور الآخرى ، أما إذا أُصيبت بقحط فى الرجال الذين يقودون الأمة فذلك من أدهى المصائب ) .

فماذا لو كان الفقر فى الشباب؟

ذكرنا فى المقال السابق داود المنتظر وانتهينا إلى سؤال عن سر تغيبه واختفاءه من ساحة الإنجاز الحضارى فى ركب أمته ، ولعل الله أن يمن علينا ونجد الإجابة ..

يُلخص الخبير الإستراتيجى الدكتور جاسم سلطان “حفظه الله” مشكلات شباب الأمة ويحصرها فى ثلاث مشكلات رئيسية ، أما الأولى فهى ( لا أقدر ) ، وأما الثانية فهى ( بماذا أقوم ؟ ) ، وأما الثالثة فهى ( فما الفائدة ؟ )  ، ولعل القارىء الكريم سمعها من نفسه أو من غيره حين يسأل عن سر غيابه فتجد الإجابة الأولى هى المقدمة ( لا أقدر ) فإذا قدر بعد أن تم تدمير المشكلة الأولى برزت الثانية ( بماذا أقوم؟ ) وربما تبعتها الثالثة فى حوار واحد وحتى لو قمت ( فما الفائدة ؟ ) والله المستعان على الإنسان والأوطان .

قال رسول الله “صلى الله عليه وسلم” عن هذه الآية الفذة الجامعة عمن يعمل مثقال ذرة خيراً يرى ومن يعمل مثقال ذرة شراً يرى )  “البخارى 458″

ولعل الحلول الثلاثة للمشكلات الثلاث فى هذه الآية الفذة الجامعة .

الأولى ( لا أقدر ) : أقول لك فرق بين عدم القدرة وعدم الإرادة لأن الخلط الواضح بينهم مشكلة داخل مشكلة فالبعض يقول أنه لا يقدر ولكن الواقع الأمر أنه لا يريد ، وقد قال الله تعالى :

(وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً) “التوبة:46″  فلو كانت رغبتهم الداخلية مشتعلة لوُفقوا إلى الأمر بإذن الله تعالى هذا أولاً  ، أما ثانياً: فأقول لك ألا تقدر على ذرة إذا ؟ إذا قلت : نعم ، أقول لك: إذا فسترى  الخير بها ، وإذا قلت: لا ، أقول لك: فأنت تقدر على ذرة الشر….

 والآية تقول لك (وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ)الزلزلة:8″ ، فقط حوِّل بوصلة قدرتك إلى ذرة الخير والله يبارك ، ولعل اسم الله الشكور يكون هو الاسم الذى يحتاج كل من واجه هذه المشكلة الأولى إلى تدبره ، فهو يعطى جل وعلا الكثير من الثواب على القليل من العمل ، ويقبل القليل من الشكر على الكثير من النعم سبحانه فى علاه ، فهذه الآية تقول لنا ” لا تنظر إلى صغر الطاعة ولكن أنظر إلى العظيم الشكور الذى أطعته “ فاستعن بالله ولا تعجز ، وقد قال العلامة المفسر السعدى “رحمه الله” : ( رحم الله من أعان الإسلام ولو بشطر كلمة ) .

 

الثانية (بماذا أقوم؟ ) : أجيبك بنفس الآية ، قم بالذرة ، ولعل هذه الذرة تكون جالوتك المنتظر.

 

الثالثة ( ما الفائدة؟ ) : أجيبك بنص قطعى الدلالة ، الفائدة ( خيراً يره ) .

فى بعض الأحيان يُدخلنا عجزنا وكسلنا فى ” المعادلة الرديئة ” كما يسميها الدكتور عبد الكريم بكار ” حفظه الله” وهى : ( ما هو ممكن لا نريده وما نريده ليس ممكن ) إذاً ما الحل ؟ أوقف العمل .

وهذا يذكرنى بقول أحد الشعراء حين سأل عن توقفه عن كتابة شعره المتميز فأجاب : ( ما يأتينى لا أريده وما أريده لا يأتينى ) فتوقف ، ويالها من حيلة نفسية متكررة متأصلة فى نفس الأفراد والجماعات .

الممكن ( عدم الشرب من النهر ) وما تريده ( سرعة قتل جالوت ) ، ولكنه ليس ممكن الآن ، إذاً الحل إما الشرب من النهر أو ربما ترك الجيش من غير شرب .

ما هو مكن قم بدورك فى دعوتك أنر المساحة التى تحتك ، جوَّد عملك مع الأطفال الذين يحفظون القرآن على يديك ، جوَّد خطبتك ، بر أمك ، أقتل عاداتك السيئة ، هذا ما هو ممكن ، ولكن الإجابة الاعتيادية : طموحى فوق ذلك ” تغيير الأمة ونهضتها ” ( وهذا جيد فى ظاهره ) إذاً الحل أجازة مفتوحة ، لذا قال الدكتور بكار “حفظه الله” : ( المشكلة ليست فى المستحيل الذى نتمناه ولكن فى الممكن الذى ضيعناه ) . ، وكم من ممكن قد ضاع أمام أمواج هذه الحيلة النفسية والعمل فى الممكن درب الأنبياء والمسلم طموحه لا يقف إلا عند الفردوس الأعلى .

ولأن الشباب دائماً هم مرمى هدف كل فكر ، وهم أرض كل صراع ، كان على داود زماننا أن يتأهل تأهيل يليق بالمعركة وأن يكون له همة تليق بالمهمة ، فداود زماننا لا يعرف سكون اللغوب أبداً .

هذا التأهيل يتمحور حول :

 

أولاً : فهم شمولى للإسلام وبصيرة وإحاطة لدقاق المنهج السلفى لمواجهة الواقع .

 

ثانياً: فقهاً راسخاً يجيب على تساؤلات العصر وقضاياه ، وعقلية أصولية ضبطت بقواعد الفقه وأصوله .

ثالثاً: فهماً عميقاً للواقع ومعايشة لقضاياه وإندماجاً مع جميع أفراده ، جزء منه يضيف ويشارك لا ينعزل وينقد من بعيد ، بل منغمس فى واقعه ومجتمعه .

 

رابعاً: ربانية صافية وتزكية شافية وربط الأرض بالسماء فى كل أفعاله وأقواله ودقائق سكناته وحركاته .

 

فخليط المواجه يتلخص فى أربعة نقاط تبيناً لا حصراً :( فهم شمولى للإسلام عميق للمنهج السلفى – فقهاً راسخاً – فهماً عميقاً للواقع – ربانية صافية ) .

 

والطريقة العملية الفعالة لفهم هذه النقاط الأربع هى أقتحام حياة أى شخصية مجددة تأثرت بهذا المنهج وأثرت ، وستجد هذه النقاط الأربع تطل برأسها فى كل مواقفه بدايةً من الصحابة الكرام “رضوان الله عليم” مروراً بأحمد بن حنبل وابن تيمية إلى محب الدين الخطيب ومحمود شاكر والالبانى “رحمهم الله” .

 

كل واحد منهم كان داود زمانه أحدث الفارق وترك الأثر وخسر العالم بموته الكثير .

 

وداود “عليه السلام” النموذج القرآنى الواضح لإحداث هذا الفارق فى هذه القصة الفارقة من تاريخ بنى إسرائيل ، فى سورة من أهم سور القرآن الكريم ” سورة البقرة ” ، ويكفى فى فضلها كما يذكر أبوحامد الغزالى “رحمه الله” : ( أن من حفظها من صحابة رسول الله “صلى الله عليه وسلم” عدُّه من العلماء ) .

 

وكم شغلنى حين نادى رسول الله “صلى الله عليه وسلم” يوم حنين بعد أن أنفض عنه الجيش إلا قليل فأمر العباس أن ينادى ” يا أهل سورة البقرة ” ؟!

لعله “صلى الله عليه وسلم” كان يبحث عن داود ؟ لا أدرى …..

ولكن حتماً من أحدث الفرق من الصحابة حين عاد كان داودى النفسية والمواحهة والفكر .

قال عبد الله بن مسعود ” رضى الله عنه” بعد العودة إلى المواجهة ( فما أخذوا معنا حلبة شاه )

كم شغلنى السياق القرآنى ، وكم بهرنى الوضع المعجز لقصة طالت وجالوت بين بقية معجزات سورة البقرة المدنية رغم جو القصة المكى وتعجبت للجو المكى فى وسط سوره مدينة .

ولكن بطل تعجبى حين وجدت صحابة رسول الله “صلى الله عليه وسلم” خاصة الشباب منهم يرتبطون نفسياً بهذه القصة إرتباطاً وثيقاً عجيباً وفى أشد الظروف وأحلكها فى أرض المعركة .

روى البخارى عن البراء بن عازب “رضى الله عنه” قال: كنا أصحاب محمد “صلى الله عليه وسلم” نتحدث ” تأمل نتحدث وكأنه رأى عام” أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ولم يجاوز معه إلا مؤمن بضعة عشر وثلاث مئة )   “البخارى 3958″

 

الله أكبر يا للقرآن وأثره فى قيادة النفوس ، يتملكها يهديها للتى هى أقوم ، الشباب كان يحتاج إلى هذه القصة فى المدينة كما نحتاج نحن إليها فى المدينة ……!!

وهذا عن أثر القصة العامة ، فماذ عن أثر بطلها داود “عليه السلام” خاصة زيد “رضى الله عنه” لما برز جالوت الترجمة كانت النتيجة تعلم العبرية ، وغيرها من اللغات ومعاذ ومعوذ بن عفراء لما برز جالوت أبى جهل كانت النتيجة ( كليهما قتله) ، نقلة إستراتيجية من شبات داخل جيش بدر ، والمواقف واحدة والأسماء مختلفة ، لم يكتئبوا ولم يتوقفوا بل جنبوا مشاعرهم ونظروا إلى كل شدة وفتنة و بلاء وكأنها دورة تدريبية مجانية للمواجهة الجالوتية وانتظروا الفرقة الجالوتية وعاشوا بنفسية فراش الموت فاختلف الأداء الداودى فى الصحابة عن الأداء الداودى فى زمننا …..

 

فيكتور هوجو له تشبيه مؤلم واقعى يصف فيه الموت ( يرى أن موت الشخص المسن يشبه سفينة وصلت إلى الشاطىء ، بينما موت الشاب أشبه بسفينة ضربتها الرياح وسط البحر وحطمتها ، كما أن موت الشباب يشبه إلى حد كبير حسب وصفه رواية مثيرة انتهت فى منتصفها ) .

تعجبت حين علمت أن الشيخ سعيد عبد العظيم “حفظه الله” ولا نزكى على الله أحد ( ذهب إلى 55 مسجداً فى العشر الأواخر من شهر رمضان وكان يلقى كلمة فى كل مسجد ) رغم مرض الشيخ شفاه الله وعافاه ، فتكلمت مع الشيخ “حفظه الله” عن جنب واستحياء من بعيد ولم اذكر له بالطبع حادثة العشرالأواخر ولكن كلمته على علو الهمة فقال لى: ( أن الموت يأتى بغتة ونهاية الرواية بيد الله وهو لا يعرفها ولكن ما يحاول أن يفعله أن يكون بطل كل صفحة فى رواية حياته ) ، فعظم عندى كلامه أن حل لى ما أُشكل من كلام هوجو…. ولله الحمد.

فعن ثابت البنانى أنه قال: ( ما أكثر أحد من ذكر الموت إلا ورؤى ذلك فى عمله ) .

آآآآه لشاب مات قبل أن يموت ،آآآآه لشاب لم تخسر دعوته بموته شىء ، الموت يركض خلفنا ولا بد من عمل – قال تعالى : (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ) “الجمعة:8″ .

حتى نعيش حياة داود لابد أن نحيا كل يوم وكأنه الأخير ( وأن الإنسان الذى يحيا كل يوم كأنه الأخير لا يهتز أبداً ، ولا يفتر أبداً ، ولا يتزين أبداً ) .

أخى داود ( إستعن بالله ولا تعجز ) ولا تحقرن نفسك ولا تجهل قدر نفسك فأنت عبد لله الواحد القهار، وحفيد أبى بكر وعمر وأبو عبيدة وعمر المختار .

إن الإنسان كل إنسان بلا إستثناء إنما هو ثلاثة أشخاص فى صورة واحدة كما يقول “ويندل هولمز” : ( الإنسان كما خلقه الله – الإنسان كما يراه الناس – الإنسان كما يري هو نفسه ) .

قال ” صلى الله عليه وسلم” يوم حنين : ( أنا النبى لا كذب أنا بن عبد المطلب) .

وقال تعالى عن أمته “صلى الله عليه وسلم” : ( كنتم خير أمة أُخرجت للناس ) .

أخى داود من لجالوت إن لم يكن أنت ؟!!

حتى لو لم يرك الناس أهلاً للقضاء على جالوت فلا تحرم نفسك من تراها كذلك .

أخى داود : إبحث عن قضية أكبر منك ثم هب حياتك لأجلها .

إبن هدفك يبنيك هدفك .

وأفضل طريقة للتخطيط للمستقبل إصلاح قرارات اليوم .

 

أخى داود ختام قصتك مع جالوت : ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين ) يارب نريد أن نكمل من هذا المعين .

 

إذاً البداية من القرآن … ( تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ) “البقرة:252″ .

 

 

قال الشيخ محمد إسماعيل “حفظه الله” كلمات تكتب بماء العين: ( هذا العصر هو عصر الشباب فهم الحاضر والمستقبل لذا من حقهم أن يثوروا وأن يفرضوا التغيير لا أن يقترحوه طالما فى نطاق الأدب )….

 

أخى داود : هل ترانا نكون أهلاً لحسن ظن الشيخ “حفظه الله” ؟!!

الإجابة: تملكها أنت أخى داود ……. والله المستعان.                       

ثورة الشباب في جيش طالوت (1) : بقلم أحمد خليل خير الله

ثورة الشباب فى جيش طالوت (1)

كتبه : د/ أحمد خليل خيرالله

 

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله “صلى الله عليه وسلم”

حتماً هو لا يرانى ولكننى أراه ، أشعر به حقاً أتلمس الهواء الخارج من فيه ساخناً ممتلئاً بحروف صامتة تحتاج إلى لم شتاتها  فى كلمات  أراه فى كل موقف يتشكل على عين طالوت والإختبارات الطالوتية لا تحتاج إلى كثير شرح أو توضيح .

(إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ) “البقرة:249″  ليته قال لا يشرب أو حتى لا يقترب من النهر ولكن وهج الإختبار فى التذوق ، ومن ذاق عرف ومن عرف إغترف حتى يرتوى ولكنها ليست مجرد معرفة إنها أصوات ألسنة القطرات تصدع بأعلى صوت على لسان وشفاة كل جندى تقول له (إلتهم المزيد) ولكن القوة فى الاغتيال المبكر لحديث النفس بل لخواطرها بل لهواجسها …..

إختبار لأودت نتيجته بالأكثرية ( شَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُم ْ) “البقرة:249″ ولكن داود “عليه السلام” كان من القليل ولله الفضل والمنة .

لعل تمارين الصمت والإتباع قد ظهر أثرها ، لعل تمارين الجندية التى إنطلقت من أول القصة وقد كان عنوانها ( جوارح تتبع وقلوب تُصنع ) تمارين الجندية تؤثر فى القلوب قبل الأبدان والجوارح

أزعم أن مدرسة ( كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ ) “النساء 77 ” كانت من أكبر المحاضن التربوية التى صُنع فيها صحابة رسول الله “صلى الله عليه وسلم” ورضوان الله عليهم .

( كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ ) “النساء 77 “  والنبي “صلى الله عليه وسلم ” يؤذى والنخبة تُهاجر إلى الحبشة وبلال يُعذب وسمية تقتل أشد قتلة والقدور تغلى بالقلوب والكل يتبع وينفذ التعليمات وسبحان الله كما قيل : ( الدوافع التى نحاول كبتها هى التى تصنع عضلات أقوى ) وسرت هذه القاعدة على داود “عليه السلام” فى صمته فى تأمله لكل موقف وإحسانه فى أداء ما عليه فى حراسته لثغره ، وقلبه يصنع والمنتجات القلبية ظهرت فى سوق المعركة بل وتميزت ، ولعل أولها كان إنكار الذات وإنكار الذات ليس بالأقوال البراقة المنمقة الفصيحة ( أنا أسووْكم  ، أنا أقلكم علماً ، أنا أكثركم ذنوباً ) إنكار الذات منتج قلبى بحت ، أن يتيقن كل فرد منا من داخله بحاجته لإخوانه وأنه صفراً من غيرهم ، أن لا تعلن رضاك بدورك فقط بل تتميز فيه حتى لو كان فى غيابات الجيش .    

ويا لخالد بن الوليد فى رائعته التاريخية حين لبى أمر أمير المؤمنين الفاروق “رضى الله عنه”  بلا أدنى حظ للنفس ، أرى بدنه المتبع المجند ولا أرى قلبه الذى يصنع ليكون فى معركته الجالوتية ، يا له من قلب إنتصر على نفسه فى أكثر من معركة قبل أن ينتصر على غيره فى الميدان وكما يقول الراشد: ( انتصارات القلوب هى مفتاح انتصارات الميادين ) ، لذا لا تتعجب حين نطقت القلوب المنتصرة حين صرخت (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) “البقرة:249″

تأمل (وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) …… منتج قلبى آخر.

ولا تتعجب حين نطقت (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) “البقرة:250″

ثم ماذا ؟

ثم اللحظة التاريخية ، التحول الإستراتيجى فى حياة بنى إسرائيل

الخبر بإختصار ” داود الشاب ينهى المعركة ويقتل جالوت “.

ولعل هذه لغة الصحافة ولكن لغة الإيمان تختلف ” داود القلب ينهى المعركة بإذن الله ويضع منهجاً لقتل كل جالوت “

وبدأت أمجاد بنى إسرائيل

نقطة ومن أول السطر…

أترك أرض المعركة وأترك بنى إسرائيل وأنتقل بك عبر الزمان والمكان على الهواء مباشرة إلى زماننا الحالى إلى عالمنا العربى الغالى إلى ما نحن فيه من أحداث ولعل داود هو أنت أو هى لا أدرى دعنى من الأسماء واتركنى مع المعانى .

داود الذى سيحدث الفارق الذى سيحول الدفة ويحدد الوجهة ويحيى الأمل باقتدار.

 صُنع قلباً قبل أن يصنع جسداً ، أحسن الجندية تألق فى الإعداد عاش لهدف حتى فى وسط أرض الجهاد و المعارك والدماء، وهل يصنع الأبطال إلا هناك .

 لم يكن صفراً ولكنه كان رقماً ، علم منذ البداية أنه إن لم يكن له هدف فسيكون جزءاً من أهداف الآخرين وإن لم يخطط للنجاح فقد خطط  للفشل دون أن يدرى .

فهم المعادلة ، قال تعالى (مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً ً ) “الإسراء:18″ هذا صنف أراد العاجلة وسعى نحوها وانظر إلى داود الذى نريد (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا) “الإسراء:19″ وضوح في الهدف ثم إنطلاق فى الإجتهاد فى السعى (سَعَى لَهَا سَعْيَهَا) وكأني أرى حرف السين درجات سلم كل درجة خطوة فى خطة طويلة المدى نحو هدف عظيم ولكن تأمل الضابط (وَهُوَ مُؤْمِنٌ) دور العقيدة الأصيل المتأهل (فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً) “الإسراء:19″ فهم هذا القانون (أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) “الملك:22″ مكباً وقع لأنه بلا هدف ولكن صاحب الطريق المستقيم نظر إلى العقبات وكأنها حواجز فى سباق  فزادته حماسة وعمل .

 لم يكن خامل العمل ولكنه كان متفاعل التحرك ، لم يترك لحظات حياته تمر هملاً فشارك فى مشروع بجهده أو بماله أو فكره فى مشروع أو كان فى حد ذاته مشروعاً  ألم يكن عمر “رضى الله عنه”  مشروعاً  أحيا الله به الأمة ألم يكن ابن تيمية مشروعاً ( أحد دوائر المعارف حين ترجمت للدوله العباسيه (600 سنة و67 خليفة ذكرتها فى 25 صفحة وحين ترجمت لإبن تيمية ترجمت له فى 40 صفحة ) وذكربعض الباحثين أنه قد صنف عن ابن تيمية ومصنفاته أكثر من 300 كتاب بين رسالة ماجيستير ورسالة دكتوراة.

داود الذى يريد أن يبنى هدفه فبناه هدفه ، يقول المفضال عبد الكريم بكار : ( إن لم يكن لك هدف فليكن هدفك إيجاد هدف ) .

أخى داود لعلك لا ترانى ولكنى أراك…..

لعلنى أراك فى جامعتك بين الجنود حتى برز جالوت وكانت نتيجة المعركة الأول على الدفعة .

لعلنى أراك فى نقابتك بين الجنود حتى برز جالوت وكانت نتيجة المعركةنقيب الأطباء

لعلنى أراك خلف شاشتك بين الجنود حتى برز جالوت وكانت نتيجة المعركةموقع ينفع الملايين  .

لعلنى أراك بين أوراقه حتى برز جالوت وكانت نتيجة المعركة إجتهاد فقهى غيَّر مسار الأمة إلى الأمام.

العالم ينتظر داود المسلم بمشروع يخدم البشرية بتحول إستراتيجى يكون إعلاناً رسمياً لعودة الأمة من جديد .

هل الذى ابتكر جوجل أو الفيس بوك أو نوكيا أو هارى بوتر أو نوبل فى الفيزياء لم يقدم لأمته إنتصار إستراتيجى جالوتى .

أخى داود ….

أمتك تنتظر منك هذه النقلة ” ثورة الشباب “

الثورة الإيمانية العمرانية الأخلاقية فى ميدان الحياة والعلم والإعلام والإقتصاد والإدارة والطب والسياسة وكل العلوم فى حراسة الدين وسياسة الدنيا بالدين .

كم من جالوت يبرز ؟ وكم من داود غائب؟

ولكن لماذا يتغيب؟ … فهذا ما ستكون الإجابة عليه فى المقال القادم بإذن الله .

العز بن عبد السلام يعود في القرن الحادي والعشرين ..

العز بن عبد السلام يعود في القرن الحادي والعشرين إلى دمشق


بقلم أمير أوغلو


وقف العز بن عبد السلام السوري يوم الجمعة في العشرين من أيار مايو عام 2011 ليعلن من على منبر مسجد الحسن في دمشق، أن الإسلام الحقيقي لم يمت، وأن علماء الأمة الذين لا يخافون في الله لومة لائم لم ينتهوا، وأن البطش والإرهاب الأمني السوري لن يجعل خوف العلماء من النظام أشد من خوفهم من الله تعالى.

وقف الشيخ العلامة، شيخ قراء سوريا، بقية السلف الصالح في دمشق، الشيخ كريّم راجح ليقول: “إنني مستقيل من الخطابة” كلمات أربع أعتقد أنها ستسقط النظام البالي المتآكل المنهار من داخله. كلمات ستدخل تاريخ سوريا الحديث، وستؤسس بإذن الله وعونه لعودة الإسلام الحقيقي ليقود الناس في الشارع، الإسلام الذي لا يعرف الذل لغير الله عز وجل، ولا يعرف العبودية لحاكم ولا لظالم ولا لمتجبر مهما بلغ عنفوان بطشه وقمعه وسفكه، الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ليخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، الإسلام الذي كان أول شعاراته أحد أحد.

لقد لوحق الشيخ منذ بداية الأحداث وضُيق عليه وهناك أخبار عن قتل أحد أحفاده، وكان الأمن يتفنن في مضايقته حتى إنهم أجبروه منذ أسابيع أن تكون الخطبة خمس دقائق فقط، وصبر الشيخ وصبّر الناس درءاً للفتنة وخوفا من أن يساهم في سفك دماء هؤلاء الشباب الذين يسمعون له ويطيعون، ولكن ما حصل اليوم لم يعد ليُحتمل في نظر الشيخ، فعلى أبواب ومداخل مسجده الذي يصلي فيه عادة ما يزيد عن خمسة آلاف مصلٍ، وقف الأمن يفحص هويات المصلين ويمنع من يقل عمره عن أربعين سنة من الدخول. هل يذكركم هذا الموقف بموقف آخر لنظام مشابه؟ عندما رأى الشيخ هذا المنظر صعد المنبر ليقول للناس:

“ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم”.

النظام وأركان النظام ورئيس النظام لن يفهموا هذه الآيات لأنهم لا يفقهون، ولن يهتموا بكلام الله عز وجل لأن خشية الله عز وجل خرجت من قلوبهم منذ زمن بعيد هذا إن كانت دخلت قلوبهم أصلاً، ولا يهمهم ماذا سيحصل لهم في الآخرة طالما أنهم ملكوا الدنيا وملكوا البلد وأموالها وأراضيها وأهلها يفعلون بها مايشاؤون، فالآخرة بعيدة عن قلوبهم بعد الشيطان من الجنة. ولكننا نبشرهم بقوله تعالى “لهم في الدنيا خزي” وسيُرينا الله خزيهم في الدنيا قبل الآخرة إنه لا يخلف الميعاد.

علماء السلطة سيبررون لهم وسيردوا على الشيخ وسيعطوننا دروساً في الخضوع والخنوع ودرء الفتنة، والصبر على ظلم الحكام وجورهم وسيستخرجون كل ما في جعبتهم من آيات وأحاديث يلوون أعناقها لتخضع لهوى حاكم أصبحت هوايته تصيد المتظاهرين يوم الجمعة، (اليوم فقط سبع وثمانون قتيلاً، إن صحت الروايات عن مشفى إدلب الذي وصله خمسون قتيلاً).

أبواق النظام سيكذبون الفيديو وسيقولون إنه مفبرك في إسرائيل أو لبنان، رجال المخابرات سيحاولون إجبار الشيخ على التراجع عن استقالته بالترغيب والترهيب كما فعلوا مع مفتي درعا.

وزير الأوقاف سيتلوى كالأفعى أمام الشيخ الجليل ليؤكد له أن الرئيس لم يعلم بهذا وأن الأمر لا يعدوا اجتهادات خاطئة من بعض أفراد الأمن الذين سيعاقبون على تصرفاتهم، كما عوقب أشباههم من قتلة الشعب والأطفال والنساء في درعا. أما المفتى فسيقسم أغلظ الأيمان أن ما حصل هو مؤامرة إسرائيلية أمريكية تريد إضعاف الشعور القومي في سوريا.

عندما سئل الشيخ في المساء، خلال مقابلة على الهاتف، فيما إذا ربط بين ما حصل وبين ما يحصل على أبواب الأقصى؟ قال: لقد ذكرني بعض الشباب بهذا عندما عدت إلى المنزل ولو تذكرته وأنا في المسجد لقلته من فوق المنبر!

هنيئا للشيخ جرأته وشجاعته وخوفه من الله، وبانتظار الشيخ التالي والتالي والتالي ليلحقوا (ولا نقول ليقودوا لأنهم لم بعد لهم الحق في أن يقودوا فقد تأخروا سبعين يوماً) بقطار ثورة الحق والعدل والكرامة والحرية ضد أبئس نظام قمعي ديكتاتوري على وجه هذه الأرض.

أما الباقون فليهيؤا إجاباتهم أمام محكمة العدل الإلهية.

أمير أوغلو

حنانيك أيضا يا د. خالد بقلم يحيى جاد

وحنانيك أيضاً يا د/ خالد !

يحيى جاد

باحث مصري إسلامي مستقل

تعقيباً على مقال “حنانيك يا أستاذ صبحي” للدكتور خالد منتصر

المقال المُعَقَّبُ عليه :  حنانيك يا أستاذ صبحي – خالد منتصر – 19/ 4/ 2011م – المصري اليوم

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=294082

********************

د/ خالد منتصر

السلام عليكم ورحمة الله

دون الدخول في مقدمات لا لزوم لها، أقول – باختصار واقتضاب شديدين، إذ الإسهاب والتوسع يحول الملاحظات إلى بحث مطول- :

* أولاً : سيادتك  – يا د/ خالد- تعرف – من خلال ما سبق بيننا من مراسلات- أني لست منتمياً لأي حزب أو تنظيم أو جماعة. ومن ثم فتعقيبي ليس دفاعاً عن رؤية فلان، ولا انتقاداً لرؤية علان، وإنما هو بيان لرأيي فيما يتعلق بموضوع مقالكم أمس؛ مشاركةً مني في الشان الفكري والثقافي العام !

* ثانياً : سيادتك قلتَ : ” أنتم لا تريدون إدخال عامل الزمن والمواءمات والمستجدات فى فهم النصوص”.

وأقول : إدخال عامل الزمن لإحسان تنزيل النص غير إدخال عامل الزمن لتفريغ النص من محتواه، أو للتملص من النص ! (وسيأتي لذلك مزيد بيان في نهاية : خامساً)

* ثالثاً : سيادتك قلتَ : “الفاروق عمر منع سهم المؤلفة قلوبهم وألغاه”.

وأقول : هذا غير دقيق ولا صحيح، فالفاروق لم يمنعه ولم يلغه، وإنما “أوقف تنفيذه”؛ لأنه لم يجد – في ظنه وتقديره واجتهاده- “محلاً” ينزل/ينطبق النص عليه ! وبينهما كبيرُ فارق !

لقد نظر الفاروق عمر (رض) في حال من كان يعطيهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في حياته من سهم المؤلفة قلوبهم، فوجدهم – خاصةً بعد أن جرت في مسرح الجزيرة العربية مياه كثيرة بعد وفاة حبيبنا المصطفى- لا يستحقون الاندراج تحت هذا البند، بند المؤلفة قلوبهم. بمعنى أن عمراً “كيَّف” حالهم على أنهم “ليسوا من المؤلفة قلوبهم”، ومن ثم، أوقف صرف الأموال إليهم.

* رابعاً : سيادتك قلتَ : “النص مبدأ عام يمنحنا إشارات للفهم”.

وهذا – على إطلاقه- غير دقيق، إذ النصوص منها ما هو قطعي الدلالة، ومنها ما هو ظنِّيُّها. مثلاً، إذا قلتُ : “كتب د/ خالد منتصر”، و”كتب د/ خالد منتصر مقالاً سياسياً في المصري اليوم صباح أمس”. الجملة الأولى ظنية الدلالة على المراد منها؛ إذ يحتمل فهمها أوجهاً كثيرةً، بينما الثانية قطعية الدلالة على المراد منها، لا تحتمل إلا وجهاً واحداً للفهم، وإلا بطلت دلالة اللغة رأساً !.

وفي القرآن الكريم المجيد – كما في السنة النبوية المطهرة- من هذا ومن ذاك، فلا يجوز الخلط بينهما بقصد نفي قطعية دلالة الثاني منهما.

وقطعي الدلالة هذا صادرٌ عمن لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء .. صادرٌ عمن يعرف ما كان وما هو كائن وما سيكون .. صادرٌ عن إله حكيم قدير يعرف ما هو أصلح لخلقه .. صادرٌ عن رب العالمين (قديمهم وحديثهم) .. رب الناس (قديمهم وحديثهم) .. ملك الناس (قديمهم وحديثهم) .. إله الناس (قديمهم وحديثم) .. ومن ثم، فقطعي الدلالة هذا واجب التطبيق في كل زمان ومكان، إذا وُجد محله الذي ينزل/ يطبق عليه !

بالمناسبة : النصوص قطعية الدلالة يدخلها الاجتهاد, ولكنه يدخلها في أمور دون أمور, وبيان ذلك كالآتي :

أ‌-        لا مدخل للاجتهاد في “فهم” النصوص قطعية الدلالة؛ وإلا ما كانت قطعية الدلالة رأساً !

ب‌-    هناك مدخل للاجتهاد في “صياغة مضمون ومعاني”هذه النصوص “صياغةً قانونية”؛ تحول “النص القرآني أو النبوي” إلى “نص قانوني” مكون من مواد.

ت‌-    هناك مدخل للاجتهاد في “تنزيل” حكم هذه النصوص على الواقع. و”التنزيل” شيء, و”تغيير” الحكم الذي نطقت به النصوص شيء آخر, الجهة منفكة بتعبير المناطقة !

* خامساً : سيادتك قلتَ : “تدرج القرآن فى أحكامه هو احترام لعامل الزمن، ودراسة أسباب النزول هو احترام لعامل الزمن”.

وأقول : الصحيح أن تسمى “مناسبات النزول” لا “أسباب النزول”؛ لأن آيات القرآن ليس لها أسباب تنزل من أجلها؛ إذ هذا يستلزم أنه لولا وقوع هذه الأسباب ما نزلت هذه الآيات أصلاً، وفيه ما فيه ! وإنما الصواب أن يقال “مناسبات النزول”؛ لأن نزول هذه الآيات – المقدر أزلاً في علم الله- كان في “مناسبة” كذا وكذا؛ لا “من أجل” هذا الكذا؛ إذ مناسبة نزول النص (والمسماة خطأ في تراثنا : سبب نزول النص) ليس هو المقصد منه، إنه مجرد نقطة تماس الأزلي مع العابر، مجرد مدخل، مجرد اختراق دخل من خلاله النص إلى الواقع.

المناسبة تعني الملاءمة والموافقة، إذاً : مناسبة النزول أو الورود تعني : الظروف التي وافق حدوثَها نزولُ النص وورودُه، وهذا يعني أنَّ ورودَ ومواكبةَ النَّص لهذه الظروف مقصودٌ قصدًا تعليميًّا وتربويًّا، لا قصداً تشريعياً، بمعنى أنه ليس لتلك الظروف أي أثرٍ في ورود النص ونزوله في تلك الفترة من التاريخ بذاتها، كما ليس لها أيّ دور في تحديد مصير ذلك النَّصِّ وجودًا وعدمًا، فالنَّصُّ الشَّرْعِيّ قطعي الدلالة، كتاباً وسنة، حاكمٌ ومتعالٍ على الظروف والأمكنة والبيئة، لأنه يخاطب الحاضر والمستقبل (أليس الإسلام ديناً عالمياً شاملاً ؟!)، ولأنه صادر عمن لا يعزب عنه شيء في القديم ولا في الحديث ولا في المستقبل. ولذلك لم يشأ النص أن يتضمن الإشارة المباشرة إلى تفاصيل تلك الظروف، ولا ربط مضامينه بها البتة.

ومن ثم, لا يجوز عندي قط استخدامُ كلمة “سبب النزول”، لأن السبب هو : ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم (وهذا فيه ما فيه من الناحية العقدية). ومناسبات النزول إنما هي مجرد نماذج ودلائل وأمارات، مجرد أدوات معينة ومساعدة على حسن فهم النص الشرعي، وإدراك مراميه ومغازيه وأبعاده، وليس تغييره أو أقصاؤه بدعوى تغير عامل الزمن !

وأقول أيضاً : تدرُّج القرآن العظيم في أحكامه إنما هو تدرجٌ في التحريم – مراعاةً للبيئة الجاهلية؛ بحل مشكلاتها وفق سنة التدرج في معالجة الأمور، وهي سنة كونية وشرعية (وليس هذا محل تجلية هذا الأمر)- ؛ فالقرآن يحرم شيئاً، ثم يزيد من مساحة تحريمه، ثم يحرمه بإطلاق وتعميم (الخمر نموذجاً)، فتأمل سيدي الكريم !

والتدرج في التحريم (مراعاةً لبيئة الجاهلية) شيء، وتغيير قطعي الدلالة من الأحكام، أو التحايل عليه، أو محاولة إقصائه أو التملص منه بطريقة “شيك” (بدعوى مراعاة عامل الزمن) شيء آخر تماماً ! .. إنه الفارق بين “تدرج تحريم شيء” و”محاولة تغيير حكم هذا الشيء”؛ فالأول ليس فيه “تغييراً” لحكم الله قطعي الدلالة اللازم في كل زمان ومكان، والثاني فيه “استدراك وتعديل على الله” – وفيه ما فيه- !

* سادساً : الحدود التي يدعو الإخوان إلى تطبيقها تستلزم قبل ذلك تمهيدَ الأرض؛ بإرساء قواعد العدل في المجتمع، وإشاعة كافة القيم الأخلاقية الإسلامية، وضمان حد أدنى كريم من العيش، ثم يُطبق بعد ذلك القانون الجنائي الإسلامي على كل من ارتكب جريمة تستوجب حداً شرعياً مقدراً من قبل الله.

ولذلك لم يُنزل الله التشريعات الحدية أول ورود النبي (ص) المدينة، لم تنزل تلك التشريعات إلا بعد بنى الرسول (ص) دولة الإسلام في المدينة، وأرسى قواعد العدل ودعائم الحرية والكرامة، وضمن العيش الكريم للناس فيها.

ربنا – جل في علاه- لم يأمر رسوله المصطفى (صلى الله عليه وسلم) بتطبيق الحدود فور وصوله المدينة المنورة، لأن تطبيقها يستلزم تهيئة وتنقية تربة المجتمع قبل ذلك، ومن ثم، تأخر نزولها وتشريعها قرآناً حتى بنى الرسول الكريم ما بنى، وأرسى ما أرسى. ومن ثم، يكون تطبيق الحدود – في مثل هذا الجو البهيج والمنضبط- “عدلاً” لا شِيَة فيه، وإلا انقلب الأمر ظلماً بيناً ! ما أحكمه من إله، وما أعدله من شرع، وما أرحمه من نبي !

ثم، لماذا تركيز الإسلاميين على مسألة الحدود، وكأنْ ليس الإسلامُ إلا هي، وكأن ليس في الإسلام إلا هي ؟! إن الحدود مجرد أربعة أوامر قرآنية من ضمن أكثر من ألف نص قرآني ونبوي صريح في كافة شئون الحياة؛ من ثمل ما يتصل بـ : الشئون الشخصية (كالزواج والطلاق والحضانة والميراث)، والتجارية (كالبيع والتأجير والشراكة والاستثمار)، والجنائية (كالقصاص والديات والسرقة والزنا والحرابة)، والإعلامية (كحرمة الترويج للإشاعات، ووجوب إعلان الحقائق، وضرورة احترام المخالف في الرأي، وإفساح المجال له)، والاقتصادية (كالربا والاحتكار والعدالة الاجتماعية)، والسياسية (كالأثرة والاستبداد والسلم والحرب والثورات والمعاهدات) والعسكرية، والتربوية، والإدارية، والعلمية، والروحية (من عبادات وأذكار واستغفار وتوبة) .. وكلها – وغيرها كثير- تشريعات ليس أحدها أحق بأن يُنادى بتطبيقه من الآخر، وليس أحدها بأحق بالتنفيذ من الآخر، وليس أحدها بأحق من أن يُتحدث عنه وحوله إعلامياً من الآخر، بل كلها واجبة الإشاعة والإذاعة والتطبيق والنفاذ – وفق سنة التدرج الكونية والشرعية- ، بل إن من هذه النصوص ما هو أولى – في ظل ظروفنا الحالية- بالإشاعة والإذاعة والتطبيق والنفاذ، فإن تطبيق الحدود هو قمة الهرم الذي لمَّا يُبنى على سليمِ قواعدَ بعدُ !

ثامناً : سيادتك قلتَ مستنكراً : “سنظل نفكر بطريقة عقاب النشال الذي يسرق مجرد محفظة متخمة بالأموال في الأتوبيس بحد قطع اليد لأن المسروق من حرز، ولا نقطع يد الهاكرز الذي يسرق بنكاً ويكسر كلمة السر لأنه ليس في حرز ولم تذكره كتب الفقه القديمة”.

وأقول : صدقتَ سيدي، استنكاركم في محله. وأزيدكم بياناً لمسألة الحرز هذه : ما يعتبر حرزاً وما لا يعتبر، يختلف تحديده باختلاف العرف في الزمان والمكان، فالأمر يُقضى فيه تبعاً لعرف الناس في الزمان والمكان الذي ترتكب فيه السرقة. وما ورد في “كتب الفقه القديمة” إنما يُسترشد به لا غير، فهي ليست القانون الواجب الاتباع في هذا الأمر، وإنما هي سوابق منبثقة عن عرف الناس آنذاك، ومن ثم، فهي غير ملزمة لنا في عصرنا هذا. فالقول قولنا، فما يعده عرف جمهور الناس سرقةً (ومنه موضوع هاكرز الأموال الذي ذكره د/ خالد في مقاله)، وجب تطبيق الحد فيه، بشروطه، وما ليس كذلك، ففي العقوبات التعزيرية سعة ومتكأ.

وهذا دليل – من ادلة لا حصر لها- على مرونة الشريعة الإسلامية، وواقعيتها، ومراعاتها – المنضبطة- لتغير الزمان والمكان والإمكان والحال والعرف.

تاسعاً : هذا بعض ما جال بخاطري بخصوص مقالكم، باختصار واقتضاب، وعلى عجل !

والله الموفق، وهو أعلى وأعلم

مع تحياتي

يحيى جاد

مغرب يوم 19/ 4/ 2011م

**********************

قائمة سريعة بعدد من المصادر والمراجع

كيف نتعامل مع القرآن – شيخ مشايخنا/ محمد الغزالي

سقوط الغلو العلماني – أستاذنا د/ محمد عمارة

ضوابط التعامل مع النص الشرعي – د/ قطب مصطفى سانو

النظام الجنائي الإسلامي – أستاذنا د/ محمد سليم العوا

الحداثة – د/ طه عبد الرحمن

سبب النزول : الحجاب نموذجاً – مقال لـ د/ أحمد خيري العمري

في فقه الاجتهاد والتجديد – يحيى رضا جاد

وعدد من كتب : حسن حنفي (وخاصة سلسلته : من العقيدة إلى الثورة) .. ومحمد عابد الجابري .. ومحمد سعيد العشماوي .. وغيرهم من العلمانيين والحداثيين.

بين فقه الجندية وفن الأدوار…: بقلم أحمد خليل خير الله

 

بين فقه الجندية وفن الأدوار                    كتبه :أحمد خليل خير الله

 

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

كان هذا السؤال دائما ما يطرُق باب كل خلية في رأسي حين أُبحر نحو هذه القصة وأعايش مشاهدها وأستشعر نفسيات أبطالها , أسمع أصواتهم , وأتأمل وجوههم متفحصاً وباحثأً عن مزيد من المعاني من خلال لغة جسدهم وانفعالاتهم ولكن السؤال يظل يطرق ويطرق

لماذا لم يتكلم ؟؟   لماذا لم يكن بطلاً لكل مشهد (رغم أنه الأحق بذلك من وجهة نظري) ؟؟

 لماذا لم يشارك بالرأي والتوجيه ؟؟

بل والتنظير ووضع الإستراتيجيات والمنهجيات وضبط البوصلة التي يفتقدها بنوإسرائيل ؟

كل هذه الأسئلة كان محور إثارتها شخص واحد هو نبي الله داوود عليه السلام …..

بنو إسرائيل يطلبون القتال بل يبحثون عن قائد عسكري يُحسن إستثمار هذه الملكات والمهارات والطاقات والحماسات { ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}

فكرى يطاردني يعكر على صفو متعتي بالقصة يقول لي بصوت متسارع  :- ( أُخرج عليهم يا داوود وقل لهم :- أُقدر حماستكم ومهارتكم وأسأل الله أن يبارك في هذه الطاقات ولكن عالم الأفكار لم يكتمل بعد رغم سماعي لقولكم )

{وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا}ولكنه لم يتكلم عليه السلام .

وحدث الحادث {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}

المشاهد تتوالى والأحداث تتسارع

{وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} ترى بماذا سيجيبون ؟!

فتأتي الإجابة :- {قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ}

فكرى يطاردني مرة أخرى بنفس السؤال المتسارع ؟ لماذا لم يخرج عليهم داوود عليه السلام حتى ولو

 لم يُنبأ ويقوم بحل هذه المحنة المفاهيمية , ما هذا الذي يقوله بنو إسرائيل !؟ ما علاقة الحرب بالمال ؟!

أخرج يا داوود وتكلم قم بدورك .

 إصبر يا عقلي واترك الآيات تتوالى … إنتظر قليلا !!

والحمد لله جاءت الإجابة من داوود عليه السلام :- {قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}

تحرك الجيش واقتربت المعركة ويالها من موجات نفسية تحتاج إلى ربان يبحر بسفينته فوقها {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ}

جاء دور داوود الخطيب عابد بنى إسرائيل الكفاءة الدعوية المنتظرة التي يتنبأ لها الجميع بالقيادة والسؤدد والمستقبل الدعوى البراق ليقول لهم :- جاء دور الإختبار اثبتوا, تهيئوا, أحسنوا تفلحوا,

ولكنه لم يتكلم {فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} الله المستعان ….. تساقط البعض.

{فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ}

محنة مفاهيمية أخرى ولكني لن أتكلم انتم تعرفون ماذا سأقول

ثم……………….

{قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}

قطعا كان داوود مع من قال هذا القول المنجى بإذن الله .

المشهد الأخير…………..

{وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ, فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ}

الله أكبر ها هو داوود عليه السلام قد ظهر بعد اثنتين وعشرين سطراً من كتاب الله.

القصة عن بنى إسرائيل والعبرة تكون لنا

 

 

فقه الجندية وفن الأدوار

نصف سطر أزعم أنه يهدم جدار كل سؤال بناه عقلي في عدم ظهور داوود عليه السلام طوال هذه القصة, لأنه يعلم فقه الجندية فمن لم يحسن الجندية لن يحسن القيادة ومن لم يفهم دوره فقد جنى على أدوار آخرين.

داوود عليه السلام كان يعمل ويتربى ويؤدى ويعمل, كان قائدا ولكن في مكانه في دوره ولكن القشرة الخارجية لعمله جندية, ما أسهل إطلاق الصيحات بل والتشغيب بل يتفنن البعض في أن يتحول إلى “مشروع فتنة

فيحرق الأخضر واليابس رغم وجود طالوت في كل موقف وأدائه العالي المجرب.

*لو فكرنا بتفكيرك هذا لما خرجت كفاءة دعوية واحدة ولصنعنا من القادة طواغيت في أبراج عاجية لا نفهم لغة الجماهير ولا تحسنها . (لعل هذا ما تفكر به الآن)

أجيبك وأتفق معك تماما فيما تقول ولكن لو تدخلنا في كل شئ مع إهمال ما تحت أيدينا من أعمال كلفنا بها من قبل القادة لأضعنا كل ثغرة ولصرنا كترس الساعة الصغير الذي قرر أن يكون في خدمة عقرب وحقر دوره لأنه لا يراه أحد فترك مكانه فتوقف العقرب وخربت الساعة.

إذاً وضح لي ماذا تقصد ؟      

 أقول لك :- * لا نجعل التفكير في الأمل المنشود يضيع منا الواقع الموجود (بل نفكر ونعمل بجد )

*(لا نجعل أحلام الغد وأمنياته تضيع منا الحاضر وإنجازاته)

* (بل نحلم ونتمنى ونعمل في الحاضر وننجز ونستعين بالله ولا نعجز)

* نشارك طالوت ونفكر معه وندعوا له وفى نفس الوقت نهيئ أنفسنا لقتل جالوت الغاشم……

* من لقتل جالوت إن لم يكن نحن حتى لو لم نظهر في المشهد طوال القصة ؟

فقه الجندية وفن الأدوار

فقه الجندية : يعنى أنه إن لم أجد لنفسي دورا أقوم به ساسعى لأصنع لنفسي دورا كنعيم بن مسعود رضي الله عنه في الأحزاب فأخذل ما استطعت , أو كأبي بصير في الحديبية فأرجح كفة أهل الإسلام

فقه الجندية : يعنى أن أكون على أتم الاستعداد على تلبية أعذب نداء (يا خيل الله اركبي)

حتى لو كنت مع عروس في أحلى اللحظات كحنظلة رضي الله عنه .

فقه الجندية : أن أثق في القيادة لا أقدسها وأن أدعوا لها بالسداد والتوفيق لا بالعصمة وأطيع في المعروف كالصحابة مع عمرو بن العاص رضي الله عنه في ذات السلاسل .

فقه الجندية : أن أتقن عملي وأؤدي من غير تشغيب أو سفسطة لعدم وجود المعطيات التي يمتلكها القيادة وليس مطلوبا من القيادة)على الدوام) أن تفصح لى عن كل صغيرة وكبيرة مثل موقف الصحابة يوم الحديبية (بالطبع مع وجود الوحي الأمر يختلف ولكن قصدي في المنهجية) .

فقه الجندية : أن أقدر عملي ولا أحقره حتى ولو كان صغيرا لأني لا أنظر إلى صغير العمل ولكن أنظر إلى العظيم ربى الذي أعمل له جل وعلا .

فقه الجندية : كلمة قالها نابليون جيش من الأرانب يقوده أسد خير من جيش من الأسود يقوده أرنب, نقول لنابليون شكرا على كلمتك ولكن عندنا في الإسلام جيش من الأسود يقوده أسد خير عندنا من كل جيش والأمثلة من المعارك الإسلامية كثير وتكفى حروب الردة في الإستدلال.

فقه الجندية : يتلخص في هذا الحديث الشريف قال صلى الله عليه وسلم”طوبى لعبد آخذٌ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة (مؤخرة الجيش) كان في الساقةرواه البخاري

أما فن الأدوار:

فيعنى جيش كبير يقوده قائد عظيم كخالد بن الوليد رضي الله عنه ربما كان فيه جندي عظيم اسمه معاذ بن جبل أو حلقة علم فيها عالم عظيم كمعاذ بن جبل فيها طالب عظيم اسمه خالد بن الوليد رضي الله عنه

فن الأدوار:

 يعنى أبو هريرة رضي الله عنه يحفظ وأبو بكر رضي الله عنه يقود وزيد بن ثابت رضي الله عنه يتعلم اللغات وعبد الله بن مسعود يقرأ القران ويعلمه وأبى بن كعب رضي الله عنه يعلم العلم

والأدوار واضحة, والكل رضي الله عنهم ورضوا عنه

 داوود جندي وطالوت قائد والنتيجة جيش ناجح {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ}

فقه الأدوار يعنى أن يجيد الكل دوره إما :

1- مفكر: يجيد التفكير والتحليل وعرض الرؤى .

2- مخطط : يأخذ وينتقي من هذه الأفكار ما يخدم الأهداف .

3- قائد : يجيد التعامل مع البشر والتواصل معهم والتأثير فيهم .

4- مروج : يحسن عرض الفكرة والدعاية لها .

5- منفذ : جندي مقاتل يؤدى ما عليه وينفذ بإتقان .

6- مراقب فقيه : يحفظ اللوائح والقوانين ويعدل الخلل ويوجه .

7- محب متربي : على هذه الأدوار الست يفهمها ويراها مجسمة في قدوات ليتيقن أحداها أو بعضها أو كلها بقدر توفيق الله وعونه واجتهاده هو .

سلمان رضي الله عنه رغم أنه حديث عهد بإسلام يقترح فكرة إستراتيجية يسخر لها الجيش .

والنبي صلى الله عليه وسلم ينصت لها بل وينفذها ويصبح الخندق (خندق سلمان) .

جنود مؤدون مبدعون وقائد ينصت ويحتوى ويحترم من تحته .

فقه الجندية وفن الأدوار

أن يقترح الخباب بن المنذر رضي الله عنه في بدر تغيير موقع الجيش والقيادة توافق دون تردد لوجاهة الإقتراح

(القيادة الشورية هي السبيل الأمثل لتعليم فقه الجندية وفقه الجندية هو السبيل الأمثل للقيادة الشورية)

الأمة تحتاج إلى طالوت وإلى داوود .

داوود الجندي من أحسن الجندية وقام بالدور .

وتحتاج إلى طالوت القائد الذي يسمع وينصت ويكون قويا أمينا لقيادة أمة .

لذا لابد من التنبه المستمر من فيروسات التدمير لمنظومة (داوود طالوت) في القيادة والجندية فهي أخطاء يقع فيها كل طرف

أولاً :- من جهة الجنود :-

1- سوء الادب في التعبير عن الراي مع التحدث من غير علم او معطيات .

2- التسرع المتهور والحماس العشوائي .

3- النفاق المقنع بداعي الأدب أو أن القيادة تعرف كل شيء عن أي شيء فينتج عنه السكوت عن الحق . 4- روتينية المهام حين تؤدى من غير روح .

ثانياً :- أما من جهة القيادة :-

1- عدم الإنصات او الإنصات الإنتقائي .

2- إحتكار الرأي .

3-الحرص على تربية النسخ لا القادة وأزعم أن القائد الذي لا يخرج قادة ليس بقائد .

4- مرض (الشخصنة) وهي ان يبنى النظام على مزاجية القائد لا فاعلية النظام وحلها أن يبنى النظام على المنهجية لا على المزاجية وما يحدث في غياب القائد مؤشر لاستمرار المرض او الشفاء منه .

أخي طالوت … القيادة ليست هي تأثيرك وأنت موجود بين أفراد فريقك . بل هي ما يفعلهأافراد فريقك في غيابك “  ولعلنا نطلق على هذه القاعدة ( أم القواعد القيادية )

أما المشترك فهو :-

1- عدم التجرد واتباع حظ النفس ( الاجندة الخاصة ) .

2-   الخلافات الشخصية التي إن لم تحتوى تتحول بطول العهد إلى خلافات منهجية فكرية

ولعل قاعدة “وامرهم شورى بينهم ” هي العلاج الأنجع  لهذه الامراض

أدعوا نفسي بمثل ما أدعوا به شباب أمتي

(مضى زمن الأقوال ولا صوت يعلوا على صوت الأفعال)

أخى داوود كفى كلاماً فالعامل متكلم ولو سكت

أخي داوود كن مشروعاً أو فكر في مشروع أو شارك في مشروع أو كن بعضها

 أحسن جنديتك وقم بدورك

أخى داوود لا تخذل طالوت ( لو خضت البحر لخضناه معك) سعد بن معاذ رضي الله عنه يوم بدر

أخي طالوت أفهم داوود واغتنم كل ذرة من طاقته

والله لأنسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد (أبو بكر الصديق رضي الله عنه)

أخي داوود كن أنت الإنجاز الذي تريد أن تراه في دعوتك

أخي طالوت كلنا ثقة بك فاعمل بإذن الله

(واعلم أن القائد لا يستحق لقب قائد ما لم يكن مستعداً لأن يكون وحده أحيانا )

ولكننا لن نتركك بإذن الله ………..

قال تعالى على لسان عيسى {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}

نحن أنصار الله بإذن الله  .

داوود……. هل تراك تقتل جالوت وتكون عوناً لطالوت؟؟

وكم من جالوت قادم

طالوت……. هل تراك تؤهلنا  وتصبر علينا وتنصت لنا ؟!

وكم من طالوت عالم              

فنحن بين قادم…. وعالم والله المستعان

 

توقيع : (داوود منتظر)

الشيخ يوسف القرضاوي ..أراك فيهم وأراهم فيك: د.شيماء الصراف

الشيخ يوسف القرضاوي

أراك فيهم وأراهم فيك

 

شيماء الصراف

 

هم؛ أحرار النفس . العدل هو البوصلة، زهرة عباد الشمس يدورون معها أينما استدارت، لا يعترفون ولا يعرفون غيرها .

لم يؤاثرو السلامة بإطباق الفم.

لم يعرفو الشيخوخة، موت الروح المتجلّي في انكسار العينين.

في عصر واحد؛ القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي

أبو حنيفة النعمان من العراق يمتنع عن تولّي عمل للسلطة، لا يقف عند هذا بل يحرِّض الناس للخروج مع زيد بن علي الثائر في المدينة، لعدالة ما يدعو اليه، ويصف خروجه بخروج جدّه (الرسول الكريم) يوم بدر. يدعم ثورته بالمال، فهو كما يقول : تاجر ليس بمقدوره حمل السلاح، يُضرب بالسياط حتى ينتفخ وجهه ولا شيئ يثنيه . وفي العصر العباسي اصطفّ أبو حنيفة إلى جانب العلويين أيضاً في ثورتهما : محمد ذو النفس الزكيّة وأخيه إبراهيم بن عبد الله بن الحسن . رفض تولّي القضاء للسلطة، هذه المرّة أيضاً ضُرب بالسياط  ومات في السجن ويُقال إنه مات مسموماً . هو الذي يقول للخليفة المنصور العباسي دون خوف ووجل : أنه تولـّى السلطة دون انتخاب له من الناس، وتعيين الحاكم يكون باجتماع الناس عليه ومشورتهم .

جعفر الصادق في المدينة يختار المقاومة والعصيان المدني مقتصراً عليهما ومكرّساً نفسه لهما تماماً، متّبعاً مافعله أبوه محمد الباقر من قبل ؛ التوعية وخلق اساس التعاون والتضامن وصولاً إلى ثورة منظّمة تشمل الناس كبيرهم وصغيرهم . يفتي الإمام ان ليس فقط المتعاون مع سلطة ظالمة شريك لها في ظلمها بل الراضي والساكت عن الحالة شريك في الظلم أيضاً. لقد نهى عن تولّي أبسط الأعمال للحكّام حتى لو كانت ” بناء أو كراية الأنهر”. جعفر الصادق كان مسموع الكلمة، محل التفاف الناس، تقديرهم واحترامهم  ليس لأنه حفيد الرسول الكريم (ص) ولكن لعلمه وورعه وزهده، فهو التطبيق والمثال الحي لقول الرسول الكريم لأهله وعشيرته : أن لايأتوه الناس بالأفعال ويأتونه هم بالأنساب .

في المدينة أيضاً ينحى الإمام مالك بن أنس منحىّ آخر تماماً؛ عدم الإنقطاع عن السلطان، إنه ينصح، يعض ، يأمر بالمعروف فيجد فيه مطيعاً، متقبّلاً، منفِّذاً، يمضي الوقت وتحدث المواجهة فهناك حدود لايمكن تجاوزها، المساس بسلطة الحاكم ، يقابلها اختيار مالك بين الحق والباطل. ولا مجال للتردّد ؛ يقف الإمام مالك بجانب محمد بن عبد الله ذو النفس الزكيّة في ثورته على الخليفة المنصور العبّاسي ويفتي الناس بأنّ بيعتهم للمنصور باطلة لأنها تحصّلت  بالإكراه ، يُضرب الإمام مائة سوط ، تُمد يداه حين ضربه فتنخلع كتفاه . في رواية أنه أفتى ان طلاق المُكرَه باطل ، فمن يُكره على تطليق زوجته فطلاقه باطل.فتوى استُعملت  كتورية لإبطال البيعة للمنصور العباسي، فكل أمر أستُحصل جبراً وبالإكراه باطل . حُلق الإمام وطِيف به على بعيرفي المدينة بعد ضربه، كان ينادي : يُعرِّف بنفسه وبفتواه .

 

***

أراك في الإمام عبد العزيز بن عبد السلام (ت 660 -1262 م) . من على منبر المسجد في دمشق أنكر على السلطان فعله ونال منه (سبّه) لإعطائه قلاع الصَفَد والشقيف (انظر معجم البلدان لياقوت الحموي) للفرنجة طوعاً واختياراً، عُزل وحُبس وحين أطلقته السلطة رحل إلى مصر، عيّنه سلطانها قاضياً، ولم يُهادن أحداً ولم يتوقّف عن تغيير المُنكر بلسانه ويده ، هذه المرّة عزل نفسه بنفسه عن القضاء ، وأقام في بيته يفتي ويُدرِّس. حين بلغ السلطان خبر موته قال:” لم يستقر مُلْكي إلاّ الساعة، لأنه (ابن عبد السلام) لو أمر الناس فيَّ بما أراد لبادروا إلى امتثال أمره” .

أراك في الإمام ابن تيميّة  (ت728 – 1328 م) . هذا الرجل ناضل ضدّ آفات المجتمع من الداخل كما ناضل ضد ما يعرض للأمّة  من بلاء من الخارج .

 في حملتين وفي سن الكهولة، خرج الإمام حاملاً سيفه يُقاتل التتار الهاجمين.

حارب ابن تيميّة الحشيشة بشراسة ؛ هاجم المتصوّفة الذين يدّعون أنّ تعاطيها هو تقرّب من الله وأنها تحرّك الإرادة الساكنة إلى أشرف الأفعال، وحكم انهم، باعتبار تنظيرهم لها، أشد خطراً ممن يقول ان الحشيشة حلال والذين اعتبرهم مرتدِّين وكفرة. شخّص الإمام بدقّة خطر الحشيشة في مرحلة كان التتار يخرِّبون المجتمعات يقتلون ابناءها وينهبون خيراتها، كان على الجميع التكاتف ضدّهم وهو أمر لم يكن بمقدور متعاطي الحشيشة لفعلها التخريبي في جسمه وذهنه. قال الإمام عبارته الشهيرة :” … فإنها خرجت وخرج معها سيف التتار”، وأيضاً :” وإنما حدثت في الناس بحدوث التتار” . لم يكن غرضه أن يؤرِّخ لانتشار الحشيشة إنما أراد ابن تيميّة أنْ يقرن خطرها بخطر التتار، أراد ، بمقارنتها بسيفهم أن يثبّت في اللّاوعي تأثيرها المُدمِّر ، فسيف التتار يحصد الأرواح والحشيشة تخرّب الأبدان والعقول . مات ابن تيميّة سجيناً في قلعة دمشق .

 

***

أذكر قولين :

الأول للإمام جعفر الصادق : ” ما ضعف بدن عمّا قويت عليه النيّة” .

الثاني للإمام أبو حنيفة النعمان :” هي موتة واحدة” . قالها الإمام حين حلف والي الأمويين على العراق بضربه بالسياط إلى أن يموت إنْ هو استمرّعلى رفضه تولّي القضاء .

 

***

الشيخ يوسف القرضاوي

كتبت هذه المقالة القصيرة معنْونة بإسمك؛ وراءك وبجانبك يصطف الكثيرون، مع ذلك فأنت الطليعة والمثال الحي على شجاعة النفس وقوّة العزيمة والمثابرة .

 

المراجع : أخبار أبو حنيفة وأصحابه، القاضي الصيمري – البداية والنهاية ،ابن كثير – ترتيب المدارك وتقريب المسالك، القاضي عياض – زهر العريش في تحريم الحشيش، بدر الدين الزركشي-  شذرات الذهب ،ابن عماد الحنبلي – الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ،اسد حيدر – صِفة الصَفْوة، ابن الجوزي – فوات الوفيات،ابن شاكر الكتبي – المعارف، ابن قتيبة – مجموع الفتاوى الكبرى، ابن تيميّة – مناقب الإمام الأعظم، ابن البزاز الكردري – النجوم الزاهرة، ابن تغري بردي – وفيات الأعيان، ابن خلكان .

 

 

 

 

 

 

 

 

سايكولوجيا المستبدين …القذافي نموذجا

سيكولوجية المستبدين …. القذافي نموذجاً

بقلم :عبد اللطيف حمزة

 


تبدو الحاجة ملحة اليوم لدراسة سيكولوجية المستبدين والطغاة وخصائصهم النفسية وأنماط سلوكهم الاجتماعي والسياسي بعد أن كان هناك إسهامات كبيرة تتحدث عن الاستبداد والمستبدين بداية من مبدعها الأول الكواكبي رحمه الله مرورا بكتابات الجابري ودراسات كل من عبد الغفار مكاوي في – جذور الاستبداد – وإمام عبد الفتاح إمام في- الطاغية -ثم عمقا وتحليلا مع مصطفى حجازي في سيكولوجية الإنسان المقهور والمهدور والتي كانت من أبدع الدراسات النفسية في عالمنا العربي .

السادية ، النرجسية ، الديداسكالوجينيا ، البارانويا ،جنون العظمة …. وغيرها من المصطلحات التي نُعت بها نظام القذافي والتي يمكن أن ننعت بها كثيرا من الأنظمة الديكتاتورية في العالم ، إلا أننا لا نكون مغالين إذا حفرنا في موروثنا المعرفي لنحصل على مصطلح سيكولوجي جديد يرتبط بثقافتنا ولغتنا ويكون أكثر تحريضا واستفزازا للشعوب التي تعاني من الاستبداد وهو ما نسميه ( نظرية التأله عند المستبد العربي ) .
إذ يرى المستبد العربي نفسه أنه الإله الضار النافع بيده الأمر وإليه المصير وقد يكون كما عبر عنه الدكتور حجازي : المستبد الذي لا شريك له عملياً، ولعلنا هنا نفهم لماذا يعادون الديمقراطية الحقيقية التي تحمل من معانيها المشاركة مع الشعب، وهو المعنى الذي يقدح في وحدانية المستبد عندئذ ، وكما لله من صفات الجمال والجلال التي يتجلى بها على عباده يحاول المستبد سرقة هذا المعنى فيتجلى على أعوانه وأنصاره بصفات الرحمة والعطاء مما يدعوهم لمزيد من الخضوع والفناء في شخص المستبد على حين يتجلى على معارضيه بصفات الجبار القهار المنتقم المعز المذل المحي المميت .

ليس عبثاً أن يبوب الكواكبي في طبائع الاستبداد باباً سماه : الاستبداد والمجد ، ثم نرى القذافي خطيبا في قومه قائلا : أنا المجد . ثم يقول الكواكبي : المستبد هو متمجد وليس له مجد أبداً، التمجد لا يكاد يكون له أثر في الأمم القديمة إلا في دعوى الإلوهية .
مما يؤكد توافق الكواكبي وهو فيلسوف دراسة الاستبداد مع نظرية التأله عند المستبد العربي في قوله : المستبد في لحظة جلوسه على عرشه ووضع تاجه الموروث على رأسه يرى نفسه كان إنسانا فصار إلها .
والمستبد يحب أن يكون القائد الأوحد لا يشاركه في صفاته مواطن من رعيته ولهذا يقول الكواكبي : وربما عدََّ المستبدون كلمة لا اله إلا الله شتما لهم ولهذا كانوا أبدا من أنصار الشرك وأعداء العلم .
لقد ساهم الجابري رحمه الله في دراسته العقل العربي وبين كيف انتقلت أخلاق الطاعة الكسروية إلينا ثم لتسحب هذه المفاهيم لتشمل مفاهيمنا الدينية ثم لتؤصل تلك المفاهيم بأحاديث ومرويات من قبيل اسمع وأطع وان تأمر عليك عبد حبشي ولو جلد ظهرك والتي يعارضها جوهر التوحيد والإسلام
ونظرية التأله تلك ليست مقطوعة الجذور إذن عن الكواكبي والجابري والحجازي وإنما هي محاولة للتوظيف والتوصيف معا كبديل عن مصطلحات قد لا تفي بالحقيقة الكامنة في نفوس المستبدين والطغاة ومن منا ينسى قول فرعون لقومه : أنا ربكم الأعلى .
ونظرية التأله هذه تتصف بالشمولية لأنه كما للإله الحق سبحانه وتعالى ملائكة يسمعون ويطيعون ، يحاول المستبد المتأله أن يكون له من شياطين الإنس والجن في الأرض من يسمع له ويطيع ويسبح بحمده وتقرب إليه القرابين ومنهم من يتقمص دور ملك الموت عنده فيحكم على فلان بالموت شنقاً أو رمياً بالرصاص
وجدير بنا أن نصف المستبد على لسان الدكتور حجازي : وهو ( المستبد ) ضمن عصبية يمارس المركزية المفرطة من خلال تقديم ذاته على انه القائد الضرورة الذي بدونه ينهار الكون وتقوم الحروب الأهلية . وهنا نتذكر جيدا كلمات القذافي : أنا المجد أنا التاريخ أنا قائد أممي وبدوني ستقع الحروب بين القبائل وبين الشرق والغرب وتتحول ليبيا إلى نار .
نحن إذن أمام ثورة معرفية فجرها الكواكبي وختمها مصطفى حجازي وكان القذافي التطبيق العملي لها قولا وعملا
إن القذافي يفتح لنا أفقا بعيدا لكثير من الدراسات السيكولوجية حول المستبدين والطغاة ونحن وإن أطلقنا عليه المستبد المتأله من خلال نظرية التأله فهذا لإيماننا أننا نعيش زمن المعرفة وقناعتنا أن المعرفة ستنتصر على القوة في يوم ما وبالتالي فنحن نعيش الفصل الأخير من حياة المستبدين وقصص الطغاة مما يعني سقوط الآلهة المزيفة ، وسيعلو الحق والخير والجمال وعندئذ نفهم معنى قوله تعالى : سبح اسم ربك الأعلى .
ومن صفات المستبد المتأله أنَّه يعيش لآخر لحظاته مكابراً معانداً مثنيا على نفسه ذاما لغيره فهو بطل السلم والحرب في حين أنَّ الخارجين عليه حفنة من الجراثيم والجرذان
ومن يدري لعلها مشيئة الله الحق العدل أن يصرف قلوب هؤلاء عن الهداية والاعتراف في آخر ساعاتهم ليلقوا وجه ربهم بخاتمة تليق بما صنعوه بحق شعوبهم وأوطانهم .
وبعد كل هذا ما نهاية القذافي ؟ ، بمعنى هل يمكن للمستبد المتأله أن تكون نهايته طبيعية ؟؟؟؟