أرشيفات التصنيف: لقاءات

العمري في حوار مع مجلة الرائد : لا أرى أي مشروع إسلامي !

حوار مع مجلة الرائد البغدادية …

http://www.alraeed.net/uploads/101/index.html

الرائد :هناك الكثير من المناهج التي ظهرت مؤخراً للتعامل مع القرآن الكريم، منها الخرائط القرآنية، ومدرسة العودة إلى القرآن التي يثقّف لها د.مجدي الهلالي، ما الجديد الذي حمله كتاب البوصلة القرآنية؟؟ وما هي ملامح الاختلاف عن المناهج السابقة الذكر؟

العمري :لم أطلع الحقيقة على ما ذكرت من مناهج على نحو يكفي للمقارنة ، لكن كتاب البوصلة القرآنية يشير إلى وجود هوة هائلة بين الفهم السائد التقليدي للخطاب القرآني وبين الخطاب القرآني كما هو عبر القرآن ، يشير إلى عمق الهوة التي أحدثتها تراكمات الأفهام عبر العصور على النص ، الكتاب يشير أيضا إلى ما أعتقد أنه السبب “التاريخي” في بدء هذه الهوة.

الرائد :الحديث عن (إقرأ) وأولويتها على أطوار الخلق التي مرّ بها الإنسان أمر جميل ورائع، لكن كيف يمكن الانتقال بهذا الحديث من الإطار النظري إلى الإطار العملي لاسيما في ظل عزوفٍ عن القراءة بشكلٍ مخيف؟
العمري :هذا العزوف المخيف عن القراءة –كما تسميه- هو نتيجة نهائية لسلسلة طويلة من أنواع أخرى من العزوف ، عزوف الكتاب عن تقديم ما هو جديد ومبدع ، عزوف من يجب أن يروج لهذه الكتب عن الترويج لها ، عزوف من يملكون منابر الإعلام عن رفع مستوى حديثهم بحيث لا يتقولب المتلقي في قالب شديد السطحية والضيق يجعله أميا من الناحية العملية في فهم أي شيء خارج ما كان يعرفه مسبقا ..إلى آخره ، إلى آخره.
شخصيا لا أشكو من عزوف القراء ولم تكن هذه مشكلتي قط.إن كان لا بد من إشارة بأصبع الاتهام فسيكون لبعض موزعي الكتاب ، الحلقة الأشد جشعا في عملية نشر الكتاب ، والتي يؤدي جشعها غالبا إلى عدم وصول الكتاب للقارئ.

الرائد :بالحديث عن الأجيال الحالية وعزوفها عن القراءة أو ضعف تعاملها مع القرآن الكريم، وتداخل الأمور بالنسبة لها، هل من الممكن تقليل دائرة الاهتمام في مشروع التغيير الإسلامي والانتقال لمفهوم الثلّة أو النخبة لإعادة الحياة لهم ومن ثم الأمة؟
العمري :مشروع التغيير الإسلامي عليه أن يتغير أولا!
عليه أولا أن يكون “مشروعا” حقا ، لأنني شخصيا لم أر أي مشروع حقيقي ، رأيت مشاريع هي في حقيقتها “ردود أفعال عابرة” لم ترق لمستوى الفعل الأصلي (وهذا طبيعي في أي رد فعل آني لكنه يجب أن يمر بالنضوج اللازم في مرحلة ما).
على المشروع الإسلامي أيضا أن يكف عن الشعارات البراقة التي تجذب الجماهير ومن ثم تحبطها عندما تكتشف أن ما يروج حقا هو سراب بقيعة. أدبيات ما يعرف بالمشروع الإسلامي مليئة بشعارات ووعود تسحر ألباب الجماهير وخيالاتها دون أن تحرك فيهم وعيهم أو عقولهم..بل دون أن تحفزهم حقا على العمل..باستثناء العمل العابر الذي هو مجرد رد فعل.
وجد المشروع الإسلامي في العموم ضالته في “جمع الجماهير” –كيفما كان- بدلا من رفع وعي هذه الجماهير..تصور العاملون في هذا المشروع أن جمع الناس حولهم سيوصلهم إلى حيث يريدون حتى لو كانت هذه الجماهير ترزح تحت قيود تخلف وجهل ( على فرض أن العاملين في المشروع أفضل حالا!)..النتائج كانت سيئة جدا كما لا يمكن لأي مراقب إلا أن يرى.
مواجهة وعي الجماهير عملية أصعب وأكثر تعقيدا من جمعهم على شعارات براقة. بل هي صعبة حتى بالنسبة للعاملين في هذا المشروع لأنهم في النهاية يحملون نفس الوعي ونفس الأمراض الحضارية…لكن الطرق الأسهل ليست هي الأصح بالضرورة.
الرائد :طريقة السؤال كمنهج قرآني عزف عنه المسلمون اليوم، كيف نحييه في ظل عقولٍ أسّست وفق مفهوم التلقي؟

العمري :لا يمكن أن نعيد الحياة إلى منهجية التساؤل دون أن نواجه أولا ما عبرت عنه بـ “مفهوم التلقي”. ولعل كلمة “التلقين” تعبر عن مقصدك أكثر . لا بد من ضرب هذه الطريقة “قرآنيا”.لا بد من بيان كونها مخالفة للقرآن ونزع شرعيتها وتأصيل مخالفتها للقرآن.
عندها ، سيكون هناك مجال لنمو بذرة التساؤل.

الرائد :العقيدة قبل السلاح.. كيف نبرمج عقولاً بنيت بطريقة معاكسة على هذا المفهوم؟ بل أن أفكارها في انتشار بحكم سوء الواقع؟
العمري :لا يمكن إعادة البرمجة دون الصدام المباشر مع هذا الفهم المعاكس المعكوس ، والصدام المباشر سيتطلب استجواب كل ما أدى إلى هذا الفهم الخاطئ ، سواء كان هذا أقوال وتفسيرات علماء لنصوص قرآنية وأحاديث نبوية ، أو كان معطيات تاريخية فرضت فهما معينا.
بعبارة أخرى : لكي نعيد برمجة مفهوم معين (كما في مثال العقيدة والسلاح الذي تفضلت به) علينا أن نعيد برمجة تعاملنا مع كل ما ورثناه ، بل بالضبط علينا أن نعيد اكتشاف البرنامج الأمثل لهذا التعامل.البرنامج الأقرب روحا إلى القرآن ومنهجيته.

الرائد :هل إيجاد (مدارس قرآنية) مغلقة على عدد من الدارسين يعيدون برمجة عقولهم بتوافق مع القرآن، ومن ثم ينشرون فهمهم له بين الناس عبر مدارس أخرى أمر يتوافق مع ما تتحدث عنه في البوصلة القرآنية؟
العمري :لا أؤمن بإمكانية وجود مدارس قرآنية “مغلقة”.
أجد أن وضع الكلمتين في جملة واحدة أمر عسير على الفهم. قرآن وانغلاق؟ كيف وهو قد بدأ باقرأ؟ كيف وهو يناقش الكفار وغير المؤمنين به ؟ كيف لمدرسة قرآنية أن تغلق على نفسها ومن ثم تتوهم أنها قرآنية.
لا يمكن برمجة “عقلك” قرآنيا في انبوبة مفرغة من الهواء…الطريقة الأمثل والأكثر ناجحا هي أن تبرمج عقلك على القرآن أثناء تفاعلك مع المجتمع من حولك ومع معطيات التغيير ومع الأفهام المضادة ومع المفاهيم السلبية التي تراكمت على نصوص القرآن.

الرائد : هل تعتقد أن إعادة التعامل مع القرآن مسألة مؤسسيّة أم أنها تحتمل الجهود الشخصيّة؟
العمري :لا يمكن لمؤسسة أن “تعيد التعامل مع القرآن” دون جهد فكري شخصي سابق.
المسألة تبدأ بجهود شخصية ، لمفكرين فدائيين يدخلون في ألغام الفكر التقليدي الذي يعزلنا عن القرآن ، ولكن هذه الجهود ستكون ضائعة ما لم تجد مؤسسة تحملها إلى أفق الانتشار والرواج.
ما يحدث لدينا هو العكس ، جهود فكرية لا تجد مؤسسة تنقلها إلى أفق آخر.
ومؤسسات لا فكر لها ، تعيد انتاج نفس الأفكار المكررة منذ قرون.

الرائد :ألا تعتقد أن بذور الشخصية العمرية قبل الإسلام كان لها دورها في انطلاقة عمر الزعيم المسلم وهو يجعل من الفهم العمري للقرآن أمراً خاصاً بشخصيات تمتلك العمق التاريخي العمري؟
العمري :قبل أن ندخل في علاقة “شخصية عمر قبل الإسلام” بفهمه ، أود أن أذكر أن الفهم العمري للقرآن ، هو الذي مكنه من أن يمتلك ذلك العدد من الموافقات مع القرآن الذي لم يمتلكه أي من الصحابة ، إذن الفهم العمري للقرآن هو الفهم البشري الأقرب للفهم القرآني ، هو الذي جعل من القرآن عقلا له ، عمر جعل من القرآن عقلا له ، نظاما لتشغيل عقله ـ وهذا ما أنتج “الموافقات”أثناء فترة نزول الوحي ، وأنتج ، بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام ،كل ذلك الفهم المثمر الذي حقق كل ما حققه عمر ..
بالنسبة لبذور الشخصية العمرية قبل الإسلام ، هي نفسها بذور أبي جهل ، ولهذا فقد قال عليه الصلاة والسلام “اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين” ، مالذي يجمع بين الأثنين ؟ ثباتهما على ما يؤمنان به ، أبو جهل ثبت على ما يؤمن به حتى اللحظة الأخيرة ، وعمر ثبت على ما آمن به ..ولكن شتان بين نتائج ثبات كل منهما…الأمر ليس بما تملكه من مواهب وقدرات ، بل أين تضع هذه المواهب والقدرات.

الرائد :كيف نصل عملياً لمرحلة الفهم العمري للقرآن؟
العمري :بتبني الفهم القرآني للقرآن.والفهم القرآني للسنة.وليس العكس.وهذا يستوجب التخلي (مبدئيا)عن الفهم السائد للقرآن لأنه في أحيان كثيرة الفهم السائد يخلط الفهم البشري الذي تكون في عصور لاحقة ، بالنص وبفهمنا للنص نفسه.
علينا أن نرجع إلى المنبع الأول للنصوص..ونعيد فهمها منطلقين منها ، وليس من فهم بشري ينتمي لأحتياجات ومتطلبات عصر آخر ولكننا قدسناه لأننا اعتبرنا الفهم الأفضل.

الرائد :هل تجد أن ملامح الاسترداد موجودة في الأمة؟ أم لازال البحث عنها جارٍ؟
العمري :ملامح الاسترداد لا يتم البحث عنها.
بل يجب أن نحفر في الصخر لننحتها.ملامح الاسترداد هي مثل ذلك الكنز في القصة المعروفة ،..الكنز الذي سيكون في وصية أب محتضر ، يقول لأولاده الكسالى أن الكنز في مكان ما في الحقل المهمل ، ولا يحدد المكان ، فيقومون بالبحث والتنقيب عن الكنز في كل شبر من الحقل ، ولا يجدونه ، لكن ما فعلوه في الأرض يعيد لها الحياة ويقتل أدغالها…ثم يفهمون الدرس:ما فعلوه هو الكنز الحقيقي..

الرائد :بعد البوصلة القرآنية كان إسترداد عمر، ثم سيرة خليفة قادم.. ماذا يعد د.أحمد العمري لقرّاءه؟
العمري :بين البوصلة والاسترداد عشر سنوات ! وفيها العناوين التالية : ليلة سقوط بغداد ، الفردوس المستعار والفردوس المستعاد ،سلسلة ضوء في المجرة بست عناوين ، رواية أبي اسمه ابراهيم ، سلسلة كيمياء الصلاة بخمس عناوين ، رواية ألواح ودسر !
سؤالك يعني ضمنا أن الكتب لم تصل للعراق!…هل سنقول أن عزوف القارئ العراقي هو السبب؟! قطعا لا..ليس هذا هو السبب ،رغم كل الظروف السيئة التي مر بها العراق في هذه السنوات العشر.

الرائد:هل هناك كتاب يروقون للدكتور أحمد العمري؟ وما هو آخر كتاب قرأته؟
العمري :بالتأكيد هناك كتاب كثر يروقون لي.آخر كتاب قرأته هو رواية الحفيدة الأمريكية للعراقية المبدعة إنعام كجه جي.
الرائد :كلمة أخيرة من وحي كتاباتك توجهها لقارئ مجلة الرائد العراقيّة؟
العمري :أقول للعراقي الذي أنا منه وهو مني : لقد غسلوا دماغك بمقولتي “أهل الشقاق والنفاق” و”قرن الشيطان”..حتى جعلوك تقتنع بذلك ، وصرت تقول “ميصير لنا چارة “.
آن الأوان أن تقتنع أنك جمجة العرب!
وأنه “أكو چارة “، ولكن ثمنها باهظ جدا ، يتمثل في “فرمتة” كل ما علموك إياه سابقا.

في حوار مع مركز الأصالة:مقبلون على فترة انحسار حقيقي وكبير..

في حوار مع مركز الأصالة للدراسات

 العمري :مقبلون على فترة انحسار حقيقي  وكبير

 

http://www.assala-dz.net/ar/index.php?option=com_content&view=article&id=589:2010-12-13-21-04-26&catid=11:2010-08-15-10-18-09&Itemid=7

 

قام الأستاذ طارق بوحبال من مركز الأصالة للدراسات بالحوار التالي مع الدكتور العمري الذي نشر في الرابط أعلاه…

1-  ماهي طبيعة الأزمة التي تعيشها الأمة الإسلامية بمختلف تياراتها و توجهاتها؟  

 

الأزمة الأساسية التي تعيشها الأمة الإسلامية – في رأيي-هي أنها لا تعيش حقا كأمة.. وجودها –ومنذ قرون!- اقتصر على الوجود البيولوجي دون الوجود الحقيقي الذي تحدده المعايير التي أنشأت هذه الأمة أصلاً.. معايير استخلافها في الأرض وفاعليتها وقيامها بدورها الذي لم يكن للأمة أن تقوم لولا أنه أسند إليها..

 بشكل عام هذه هي الأزمة التي تشترك فيها كل التيارات والتوجهات.. بعض التوجهات تستثمر في ذلك.. بعضها تقاوم ذلك… بعضها لا تلاحظ ذلك.. لكن بشكل عام هذه هي الأزمة الأساسية في رأيي..

على نحو أكثر تفصيلاً.. أعتقد أن الأمة خرجت من دورها لأسباب داخلية تتعلق أولا بتقاطعات تاريخية بين الدين والسياسة، وتجلى  ذلك في فهم خاطئ لنصوص دينية.. فهم كرس التعايش مع الواقع السلبي والصبر عليه ( تحت شعار الرضا بالقضاء والقدر أو طاعة ولي الأمر.. أو أمور أخرى مشابهة).. بالتدريج صارت هناك قيم سلبية لصيقة بالموروث وتبدو كما لو كانت جزءاً أصيلاً منه رغم أنها دخيلة عليه.. لاحقاً تفاعل هذا المرض الداخلي مع عوامل خارجية صارت تُستثمر فيه، و تجد فيه ثغرات يمكن من خلالها اقتناص الأمة وتحقيق المزيد من الاستغلال..

العوامل الخارجية في رأيي لم تكن “عسكرية” فقط.. بل لعل أقلها خطورة كان الجزء العسكري البحت، فهو واضح ويستفزّ كل فطرة أي إنسان طبيعي..

أخطر نوع من العوامل الخارجية هو الذي يتعلق بالفكر.. سواء أكان فكراً واضح التوجه يحاول استبدال قيمنا بالكلية (كما حدث ذلك في النصف الأول من القرن العشرين) أو كان فكراً يحاول أن يضع صبغة إسلامية سطحية لتمرير مفاهيم تمسخ ما في ثوابتنا تماما (كما هو حاصل اليوم).. خطورة هذه العوامل أنها تكرس التبعية والشعور بالنقص وبالتالي تعمل على  تكريس “العوامل الداخلية” بشكل أو بآخر حتى لو نادت بغير ذلك…

البعض يطرح سؤالاً وهو: أيهما أولى في المواجهة؟، وهناك من يروج هنا وهناك بأنه لا جدوى من مواجهة الخطر الخارجي لأن المشكلة هي “فينا”.. وفي رأيي إن مجرد طرح السؤال يعكس رؤية غير واضحة لطبيعة المشكلة..

لديك مريض بمرض عضال وهناك من يحاول قتله بالرصاص.. ليس من المنطقي أبدا أن تتركه يتعرض للفتك بالرصاص بحجة أن الأخطر هو المرض العضال.. الخطران قائمان وليس من المنطقي تجاهل أيٍّ منهما.. كما أنه ليس من المنطقي المساواة في طبيعة كلٍّ منهما..

 

2-   ما السبب في تباين وجهات نظر المفكرين في ذلك، وكذا هذا التخبط وعدم القدرة إما على التزام خط النهوض أو عدم وضوح الرؤية أصلا؟

السبب الرئيسي في هذا التخبط –كما تسميه- هو في عدم وجود تشخيص للمرض الذي أصاب الأمة.. الكثير من الجهود –الفكرية والعملية – تنصبُّ غالباً على معالجة الأعراض وليس الجذور الأساسية للمرض.. وهذا يجعل الجهود مشتتة وضائعة في كثير من الأحيان.. السرطان قد تصاحبه أعراض حمى، لكن معالجة الحمى بمخفضات لن يكون أكثر من معالجة عابرة مؤقتة للعرض دون المرض ولن تؤخر تقدمه..

لذا فإن كثيراً من الرؤى تركّز على الإصلاح والترميم.. رغم أن الأمر قد لا يحتمل ذلك لأنه قد لا يكون هناك جدوى كبيرة من مجرد الترميم.. إذا كانت الأساسات قد أصابها الوهن فلا بد من إعادة البناء ولن ينفع كثيرا طلاء الواجهة..

الكثير من الطروحات الرائجة تمتاز بحسن نية أصحابها ومروجيها لكنها في الحقيقة ليست أكثر من طلاء للواجهة في بيت آيل للسقوط..

3-  كيف لإنسان الأزمة أن يتحول الى إنسان النهضة، عوامل و شروط التحول؟ أم أن الأمر ليس فيه تحول و إنما هو نشوء من الأصل؟

“إنسان الأزمة” هو المرشّح الأهم لكي يكون” إنسان النهضة”.. بل إني لا أعرف ظروفاً أخرى يمكن للنهضة أن تنشأ فيها وفي خضمها إلا من خلال الأزمة.. الأزمة هي الرحم الحقيقي والشرعي لكل الرؤى النهضوية .. لا أتخيل إنسان النهضة خارجاً من مجتمع التخمة والترف و البطر على الإطلاق.. بل أراه مولوداً من مجتمع الأزمة لكن بفكر يخرج من الأزمة..

4-  نشأت مختلف الحركات الإسلامية تبعا لتحديات الواقع، بعد كل العجز الملاحظ على أدائها رغم ما حققته من مكاسب هل استنفذت مبرارت وجودها؟ وهل من ضرورة لإيجاد صيغ جديدة في الشكل والمضمون لإحداث التغيير؟ كيف تنظرون لهذه القضية؟

اسمح لي أن أعترض على صيغة السؤال التي تفترض ما لا أوافق عليه ثم تطلب مني الدليل عليه..لا يمكن تقييم الحركات الإسلامية بالجملة على هذا النحو و تقرير ملاحظة “العجز على أدائها” هكذا.. الحركات الإسلامية متفاوتة في الأداء لأسباب كثيرة.. أهمها الظروف المحيطة والتي قد تكون أكبر من هذه الحركات ولا يمكن إلقاء اللوم عليها نتيجة ذلك. هذا مبدئيا.. أما كون هذه الحركات الإسلامية تحتاج إلى صيغ جديدة شكلاً ومضموناً فهذا حتمي ولا يحتاج إلى نقاش ولن يكون ردّ فعل للعجز المفترض..

ما أودّ أن أضيفه هنا هو تصوري أننا مقبلون على فترة انحسار حقيقي وكبير نتيجة لتغيرات جوهرية في الوضع الدولي والإقليمي…الظروف التي سمحت للصحوة الإسلامية بالنشوء والتمدد قبل  ثلاثة أو أربعة عقود من الزمان لم تعد موجودة، وحلت محلها ظروفا في منتهى القسوة على كل ما هو إسلامي (مع استثناءات سطحية مظهرية هدفها التعايش مع هذا الوضع و نزع فتيل الشعور بأن الاسلام هو المستهدف).. لن ننكر هنا أن بعض الحركات الإسلامية أسهمت بدأب في الوصول إلى هذه النقطة لكن هذا كان جزءا من مجمل الظروف التي ساهمت  في ذلك.

هذا الانحسار القادم سيكون تحديا كبيرا على الحركات الإسلامية أن تواجهه بمضمون مختلف جذرياً.. لقد تعودت الحركات الإسلامية في العقود المنصرمة المفاخرة بكثرة العدد خلفها واستثمرت أكثر مما يجب في هذا على حساب “النوع” و”المضمون”… الانحسار القادم سيسحب العدد.. وسيعمل على جعل العدد المتبقي مفرغاً من المضمون أكثر فأكثر.. ومن السذاجة تجاهل الحقائق المتعلقة بذلك..

من الأمثلة على ذلك: الحجاب في الجامعات.. لقد ظل ذلك يُعَدّ “رمزا ما ” من قبل الحركات الإسلامية ومن قبل خصومها على حد سواء.. كان الخصوم يثيرون الزوابع حول تمدُّد التيار الإسلامي داخل الجامعات وخطورته وكانت الحركات تفاخر بالعدد وبكون ذلك يدل على كون الجماهير معها (وكان ذلك حقيقة لفترة ما).. مع الوقت ومع حدوث تغيرات إقليمية وظهور معطيات جديدة لم يعد العدد دليلا إلا على العكس.. فقد ظهر نوع جديد من الحجاب ليس سوى غطاء للرأس لا يخفي المفاتن بل يبرزها مع سلوك لا يمت للحشمة بصلة أحيانا.. وصار ذلك يمثل تيارا متعاظما يُبرز تمدُّد تيار اجتماعي جديد هو في حقيقته “رأس حربة ” الانحسار وأوضح مظاهره.. وإستراتيجيته الأساسية هي المحافظة على قشرة رقيقة من الواجبات الشرعية (مثل غطاء الرأس و الشعائر) والعمل على تفريغها من مضمونها وإبداله بمضمون مناقض تماما.. ومن نافلة القول هنا أن التفاخر بالعدد الذي مورس سابقا كان خاطئاً، وكنت أستغرب كثيراً حشر ذلك في نقاشات من نوع “هل الحجاب فريضة؟”. .ماذا لو لم يكن هناك إمرأة واحدة في العالم ترتدي الحجاب، هل سيغير ذلك من النص القرآني المرتبط بذلك؟

حديثي عن الانحسار القادم لا يجب أن يعدّ نشرا لثقافة يأس.. لكني أعتقد أن التفاؤل الساذج قد يكون أخطر على الشباب من الحقيقة المرة لأن التفاؤل السطحي الساذج  يزوّر لهم الواقع ويسلب منهم الحصانة التي تلزمهم للتفاعل مع معطيات الواقع.. الحديث عن انحسار قادم هو حديث عن “سنن تداول” علينا أن ندرك تغيراتها من أجل أن نغير خططنا لها لا لكي نركن إلى اليأس.. عندما تؤمن بأن الفترة القادمة ستكون فترة انحسار فإنك ستكون مستعدا لها بعدة أفضل و تحاول الحفاظ على قيمك وثوابتك.. أما عندما تكون منتشيا بالنصر القادم –بمعزل عن كل سننه وأسبابه غير المتوفرة-فإن الجزر سيطيح بك بسهولة أكثر..

5-  يلاحظ أنه مر زمان لم تكن فرص الاتصال متاحة بالشكل الحالي، غير أن مستويات التدين والالتزام كانت جد مقبولة وهو ما أنتج صحوة إسلامية لا ينكرها إلا جاحد. إلا أنه و بتوفر الوسائل و تضخمها من انترنت وفضائيات ونشر باستعمال مختلف الوسائط  ظهر نوع من فقدان الاهتمام لدى قطاعات من الشباب وحتى الملتزم منه، و كأن بركات الوعظ و الإرشاد افتقدت. ما هي أسباب ذلك؟

ليست “ثورة الاتصالات” هي المتغير الوحيد الذي دخل الواقع كي يمكن تفسير ذلك بناء عليه.. كما إن التيار الإسلامي أو تيار الوعظ و الإرشاد كما أسميته ليس وحده في الساحة، فهناك جبهة” الفساد والإفساد” أيضا و هي صاحبة خبرة متراكمة في مجال الإعلام كما أنها مدعومة من لاعبين كبيرين: اللاعب الأول هو اللاعب الدولي  الذي له مصلحة كبيرة في نشر مفردات الفساد والإفساد، واللاعب الثاني هو العامل الغرائزي الذي يلعب عليه هذا التيار..

لا شك في وجود تقصير كبير من طرف التيار الإسلامي.. لكن لا يمكنني تخيل وجود حل لهذا التقصير بمعزل عن حلول شاملة وجذرية لكل الأزمات الفكرية التي نعيشها..البعض يعتقد إن إنشاء المزيد من المواقع –بحلة بهية!- و إطلاق المزيد من القنوات الفضائية هو الحل.. شخصيا لا أعتقد أن هذا سيقربنا خطوة واحدة من ذلك فالقنوات الدينية الرئيسية –وهي ثلاث أو أربع لا أكثر- تسد مسد عشرين قناة ما دام المضمون واحدا..

المسألة تتعلق بالمادة المقدمة نفسها والتي أرى أنها  في أغلبها  معالجة للأعراض لا الأمراض كما أسلفت في الأجوبة السابقة.. إذا كانت حبة الدواء غير مجدية فلن يفرق كثيرا لونها الزاهي البراق أو اسم الشركة المنتجة وحجم الدعاية المصاحبة لها.. إنها ببساطة لا تجدي.. وأرجو ألا يُفهم ذلك على أنه تقليل من جهود الدعاة العاملين في بعض هذه القنوات والمواقع.. لكن مودتنا لهم وتقديرنا لجهودهم يجب أن لا تمنعنا من التقييم والنقد.. فكوننا في تيار واحد (شئنا أم أبينا!) يجب أن يجعل نقدنا “ذاتيا”.. أي بمثابة نقد شخص لذاته..

بكل الأحوال: الغلبة الإعلامية حاليا هي لتيار التفاهة، وهو واقع عالمي ولا يختص به الإعلام العربي فقط ، فالمؤسسات الإعلامية الكبرى في العالم تعامل الإعلام بوصفه جزءا من “صناعة التسلية”، وهو أمر له خصوصية أخرى في عالمنا العربي إن هذا التيار متماهٍ حاليا مع التيار الليبرالي لأسباب لا تخفى…

 

6-  تبعاً للسؤال السابق، هناك توفر بشكل كبير للمعلومات وهو ما أنتج مشكلة في التعامل معها بسبب مشكلات موجودة لدينا سلفا منها سوء التنظيم (كيفيات العمل، استغلال الوقت…) فوقعنا فيما يذكر من أن كثرة المعلومات تقتل المعلومات كيف تنظرون إلى هذه القضية؟

كثرة المعلومات لا تعني المعرفة بالضرورة.. وهي قد تشوش فعلاً في غياب منظومة قيمية ومعرفية واضحة المعالم.. كثرة المعلومات قد تتحول إلى غابة من القش ومتاهة من الدهاليز المتداخلة ما لم تكن هناك بوصلة واضحة تحمي الثوابت و تميز ما هو طارئ وعابر مما هو أصيل وثابت..

ثورة الاتصالات والشابكة العالمية مدت جسورا لا يمكن إنكار أهميتها بين الكتاب وقرائهم.. وسيكون من الجحود نكران تأثير ذلك.. صرنا نتواصل متحدّين خطوط الطول والعرض والحدود السياسية والرقابة الأمنية.. وهو أمر كان في عداد المستحيل قبل عقد واحد من الزمان تقريبا.. لكن ذلك يجب أن لا يجعلنا نتجاهل وجود أعراض جانبية لثورة الاتصالات هذه.. فنحن اليوم لدينا عددٌ أكبر من القراء لكن الكثيرين منهم ينتمون إلى نمط جديد أفرزته هذه الثورة: إنه نمط النصف قارئ أو حتى الربع قارئ.. كما أنها أفرزت كُتابا أيضا من نمط “النصف كاتب” و”الربع كاتب”.. والعلاقة بين الاثنين متبادلة جدا وأحيانا مستنزفة للوقت والجهد.لا بد من تقبُّل هذه الأعراض الجانبية طبعا لكن لا بد أيضا من تحديدها لكي لا تبدو أكبر من حجمها..

 

7-  بخصوص الاحتلال الأمريكي للعراق ما هي قراءاتكم لهذا الحدث؟..

قبل أن أقرأ “حدث” احتلال العراق أود أن أعبر عن تحفظي على تسميتك له بالحدث..

مباراة كرة القدم التي جرت أمس “حدث”.. المؤتمر الصحفي الذي عقد قبل يومين هو حدث.. مؤتمر القمة الذي يعقد دوريا هو “حدث”.. أما احتلال العراق فهو ليس كذلك على الإطلاق.. هذا أولا.

ثانياً، لا أفهم أبداً وجود تعدد قراءات لاحتلال العراق.. هناك قراءة واحدة لا غير، تتمثل في رغبة دولة كبرى في الهيمنة والاستحواذ على مقدرات دولة صغيرة  بغض النظر عن أيّ نتائج كارثية.. أي قراءة أخرى تتجاوز هذا سيحتاج صاحبها إلى ضمير جديد..

8-   ألا ترون أن المسلمين يقعون ضحية للمخططات الأجنبية بسهولة ملفتة للنظر، وهو ما لاحظناه في أفغانستان وغيرها في عمليات استدراج وتصفية حسابات؟ أين الخلل؟

لا أعتقد إن الأمر يمكن اختصاره هكذا “بوقوع المسلمين ضحية للمخططات الأجنبية” أو سهولة استدراجهم.. هناك بالتأكيد مؤامرات.. لكن لا يمكن عزو كل شيء لها… هناك أفعال وردود أفعال.. وهناك حراك اجتماعي ينطلق من “عقل جمعي” و”ثقافة سائدة” وليس من السهل اختزال كل شيء بالاستدراج وتصفية الحسابات..

9-  ما هي مسؤوليات العلماء والمفكرين وأصحاب الرأي في العالم الإسلامي عن انخراط الشباب الإسلامي بسهولة ضمن هذه المخططات والمؤامرات؟ ولماذا لا تتوفر جرأة لدى هؤلاء العلماء وغيرهم لتوضيح الرؤية في الوقت المناسب؟

وهذا سؤال آخر يفترض جواباً ويريدني أن أؤيده!.. لا أعتقد أن الأمر بهذه السهولة.. وفي الوقت نفسه في ذاكرتي أكثر من اسم لمفكرين حاولوا التحذير من مغبات التمادي في ردود الفعل لئلا يستغل ذلك من قبل الأعداء.. لكن تحذيراتهم ذهبت كصرخة في واد..

10-                     فشلت محاولات التغيير باستخدام العنف على امتداد الزمان والمكان في العالم الإسلامي، غير أن هذا الخيار يعاود الظهور في كل مرة، ما هو سبب عدم تخلي الجماعات عن العنف؟

يعتمد الأمر على ما تقصده بمفردتي “التغيير” و”العنف”، فإذا كنت تقصد بالأولى “التغيير الفوقي “- أي تغيير نظام الحكم وقمة السلطة فأنت على خطأ طبعا.. لم ينجح سوى العنف في هذا النوع من التغيير السطحي في العالم العربي، لكنه لم يكن على يد الإسلاميين بل على يد سواهم،.. محاولات الإسلاميين في هذا النوع من التغيير أُحبطت ربما لعدم كفاءتهم “المؤامراتية” أو عدم وجود دعم خارجي لهم أو لأي سبب آخر..

أما إذا كنت تقصد بالتغيير “الثورة الشاملة” التي تعيد بناء المجتمع من قاعدته إلى قمته فهذا لم يحدث لا بالعنف ولا بسواه ولا عبر الحركات الإسلامية ولا عبر سواها.. كما أن إلقاء عبء ذلك على حركة سياسية أمر يعني أننا نبالغ في وظيفة هذه الحركات السياسية..

فيما يخص المفردة الثانية.. ماذا تقصد بالعنف…؟..هل هو الاستخدام المفرط للقوة بمعزل عن أية ضوابط شرعية- والذي تتورط فيه دول كما يتورط فيه بعض الإسلاميين وبعض خصومهم أيضا؟..

أم تقصد بالعنف أي استخدام للسلاح حتى لو كان هذا الاستخدام ضمن حزمة الشروط والضوابط الشرعية.. أي ذلك الاستخدام الذي تقره الفطرة الإنسانية أصلاً..؟ .. أم أن هناك من يتصور أن على التيار الإسلامي تبني غاندي زعيماً ومرشداً عاماً له؟

 في الوقت نفسه أرى تعميماً بالغاً فيما قلته عن عدم تخلي الجماعات عن العنف.. فالكثير من الجماعات الإسلامية تخلت عن العنف أو على الأقل قننته واتبعت وسائل أخرى للوصول إلى التغيير (أحيانا استُخدم العنف ضدها عندما كادت أن تصل للسلطة بغير العنف)..

11-                     ما هي أسباب عدم تمكن المسلمين من إيجاد طريق النهوض أو الالتزام به؟ فهم إما انخرطوا فيما هو موجود أو لجؤوا إلى الحلول العنيفة، لماذا يفتقد المسلمون الصبر والنفس الطويل، رغم أن الأدبيات الإسلامية تعج بالدعوة لعدم التعجل والصبر والبناء على المدى البعيد؟

لا أعتقد أن من انخرط في العنف كان هدفه النهضة في الأساس، فكر النهضة بطبيعته -حتى لو برر اللجوء”المقنن” لاستخدام القوة باعتباره جزءاً من سنن التغيير- فإنه من الصعب بالنسبة لمعتنقيه “الانخراط في العنف”.. اللجوء إلى العنف يتم غالباً من قبل الحركات السياسية من أجل التغيير الفوقي-الانقلابي- أو في خضم ردود الأفعال المتبادلة..

لا أعتقد أن المسلمين يفتقدون الصبر.. في الحقيقة أعتقد أن لديهم الكثير منه و لكن بفهم خاطئ لمفهوم الصبر.. لقد صبروا على واقعهم المر كالعلقم ومنذ قرون.. وكان من الأفضل لو أنهم لم يفعلوا!..

أما بخصوص الأدبيات التي تحث على “البناء على المدى البعيد” فهي أدبيات تحاول غرس قيم إيجابية دون أن تجتث القيم السلبية المتراكمة في الموروث.. قيم من نوع “لا تفكر لها مدبر!!”..

وهذا يرجعنا إلى السؤال الأول..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

       

حوار مع مجلة “غدي” اللبنانية..صانع الأنفاق في حوار عن النهضة والتجديد

صالون غدي

الدكتور أحمد خيري العمري

يسرنا في مجلة غدي الشبابية أن نلتقي بكم في صالون غدي،  لنسلط الضوء على تجربتكم ونفيد شبابنا وقراءنا من خبراتكم، فأهلا ً وسهلا بكم

 

 

1 – لو تحدّثون قراءنا عن نشأتكم الأسرية، وهل كان للأسرة دور في صقل شخصيتكم؟

نشأت في أسرة تنتمي للطبقة الوسطى العراقية، والدي رحمه الله كان قاضيا ومؤرخا وله عدة مؤلفات مهمة في تأريخ العراق الحديث. والدتي كانت ولا تزال مولعة بالثقافة والأدب. جدران البيت كانت مكتبات ضخمة، وبعد أن بدأت الحروب التي مررنا بها في العراق كانت والدتي تتندر أننا قد نموت مثل الجاحظ مدفونين بين الكتب إذا ما تعرض المنزل للقصف..

رغم ذلك، فهذه الظروف ليست هي المسؤولة حتما عن شخصيتي، إذ يحدث كثيرا أن ينشأ أشخاص في بيئة مشابهة، ولكن يتجهون اتجاها مختلفا تماما..أعتقد أن الأسرة هي عامل واحد من عوامل متعددة تلعب دورها في تكوين شخصية الإنسان، ومن ضمن ذلك مكونات فطرية نولد بها لكن تفاعل البيئة معها هو ما يوجهها نحو هذه الجهة أو تلك.

2 – يولد الكاتب في ظروف تختلف باختلاف الزمان والمكان، متى برزت لديكم موهبة الكتابة، وهل ساهمت الظروف الأليمة التي حلّت بالعراق في تنمية هذه التجربة؟

 الكتابة برزت مبكرا في الصف الثاني الابتدائي ووجدت دعما وتشجيعا من والدتي أمد الله في عمرها ولولا ذلك التشجيع المبكر لربما اتخذت الأمور منحى آخر.

 الظروف التي مرت بها العراق أسهمت حتما في كل إبداع عراقي في شتى المجالات،.. المبدع  هو مثل المرآة التي تعكس ما يدور في مجتمعه ووطنه.. كل ما نمر به يؤثر بنا سلبا أو إيجابا.. فكيف بمحنة بحجم الهم العراقي؟؟..

3 – اتجهتم في الدراسة الجامعية إلى التخصص العلمي، وتحديداً الطب، فيما برزت مؤلفاتكم في الفكر والأدب، كيف جمعتم هذه الجوانب في قلم واحد؟ وكيف انعكس هذا الدمج على حياتكم العلمية والعملية، ثم أين يُصنّف / يرى الدكتور أحمد العمري نفسه بين هذه الجوانب الثلاث (الطب/العلم، الأدب، الفكر)؟..

في الحقيقة لم أر يوما أي تعارض أو تناقض بين الأمرين.. ربما يمكن للتناقض أن يبدو جلياً لأي مراقب خارجي، لكن عندما تكون في خضم الأمر فالموضوع مختلف جداً.. كان اختيار طب الأسنان شبه حتمي بالنسبة لبيئتي ومحيطي، ولكني لم أشعر يوما أنه يتعارض مع ميولي الفكرية، على العكس أشعر أنه خدمها كثيرا ولو بطريقة غير مباشرة، ليس فقط عبر الحصول السريع على احترام الناس (وهو ما لا يمكنني إنكاره) ولكن أيضا عبر وضعي في المحك مع الناس العاديين، الذين هم التغيير ووسيلته في آن واحد..

الكثير من التخصصات الأكاديمية تكون بعيدة عن هموم الناس وتطلعاتهم وقد  تصب المفكر في قالب من البرج العاجي الذي ينتج لغة متعالية أو فكرا مبالغا في الاغتراب..”الطب” لا يسمح  بهذا…إنه يضعك في موقع قريب من الناس ويحتم عليك الحديث بلغة مفهومة..والظهور كذلك بمظهر يفرض الاحترام.. وكل هذه أسهمت حتما ايجابيا في نتاجي “القلمي”..

4 – (أحمد خيري العمري «صانع الأنفاق»)، كتاب صدر عن دار الفكر – دمشق في سياق تكريمها لكم عن شخصية العام 2010، ماذا يعني هذا التكريم بالنسبة لكم، وماذا عن اسم الكتاب ومضمونه؟

التكريم كان حلقة أخرى من مسلسل الدعم الذي وفره لي الأستاذ عدنان سالم مدير دار الفكر. وهو يعني مسؤولية إضافية علي أن أكون عند مستواها .

العنوان مأخوذ من مقالة الدكتور محمد عباس التي ضمنها الكتاب.. والدكتور يحملني مسؤولية أخرى لا تقل عن مسؤولية التكريم. “صانع الأنفاق” هي عبارته الجميلة التي أعتز بها والتي يصف بها أسلوبي في الكتابة..

5 – هلاَّ عرَّفتم قراءنا باختصار بمضامين بعض مؤلفاتكم لا سيما تلك التي لها صلة بالشباب؟

لا أؤمن بالتصنيف العمري للقراء (لقرائي على الأقل!)، كل ما كتبته يصلح للشباب ولسواهم أيضا، ربما قد تكون بعض العناوين جذابة أكثر من غيرها.. لكن هذا غالبا ما يكون طُعما لكتب أخرى قد يكون حجمها مخيفا للبعض..

“البوصلة القرآنية”: كتابي الأول ومشروعي الأساسي، محاولة للبحث عن خارطة قيمية للنهضة في القرآن الكريم وبمعزل عن الفهم السائد الذي تكوَّنَ جزءٌ كبير منه في عصور الانحطاط..

“الفردوس المستعار”: هو محاولة لوضع تلك الخارطة على عالمنا المعاصر الذي تحتله القيم الأمريكية أكثر  وأخطر مما تحتله الدبابات والبوارج..

“ليلة سقوط بغداد”: هو غوص حميم في جرح السقوط الأليم وأسبابه التاريخية .. إنه نوع من تصفية حسابات شخصية بيني وبين الحدث.. لو لم أكتب هذا الكتاب عن “السقوط”.. لظهرت التجربة في كل ما أكتبه !..

سلسلة “ضوء في المجرة”: هي سلسلة  دعوية من ست أجزاء، كتبت بأسلوب حميم عن أمور تعودنا على تقديمها بأسلوب مختلف.. وهي الطعم الذي تحدثت عنه..

سلسلة “كيمياء الصلاة“: هي محاولة لفهم نهضوي للصلاة باعتبار أنها الدورة التدريبية التي ندخلها كل يوم لنكون أشخاصا أفضل..

“أبي أسمه إبراهيم”: و“ألواح ودسر”: محاولتان روائيتان لتقديم فكر إسلامي..

 5ب -كيف يمكن لشبابنا الموهوبين الخروج من طور التجربة الناشئة إلى الممارسة العملية لصَنعة الكتابة؟

لست متأكدا من كون الكتابة “صنعة” كي يمكنني أن أنصح  الشباب الموهوبين بهذا المجال. بل لعل نصيحتي الأساسية هي ألا يعدوا الكتابة صنعة! الكتابة أشبه بعملية “رهبنة” من نوع خاص لا يمكنك أن تتخلى عنه أو تتركه بمجرد ولوجك إليه..هذا على الأقل عندما تحمل “قضية” على أكتافك و تدخل هذا السلك..

6 – برزت فكرة النهضة بشكل واضح في كتاباتكم، كما كانت شعار موقعكم الإلكتروني (القرآن من أجل النهضة). بماذا تُعرّفون النهضة، وما رؤيتكم الشخصية لها؟ وهل تأثرتم فكرياً بأحد من مفكري العصر؟

لا أكتمك أني بدأت أشعر أن مفردة النهضة في طريقها إلى أن تصبح مثل الشعارات الثورية الرنانة  التي خدعت أجيالاً تلو أجيال وجعلتها الخديعة لاحقاً ترفض حتى المضامين الصحيحة في تلك الشعارات..

هناك سوء استخدام واضح للمفردة، والبعض يخلط بينها وبين التنمية على نحو شديد الفجاجة (وإن كان بحسن نية!). .بعض الدعاة يعتقد أن النهضة هي ناطحة سحاب ومعدل تصنيع مرتفع.. ولا ينتبه إلى أن هذه المظاهر هي مجرد نتائج لنهضة سابقة قد تكون مرت على هذا المجتمع قبل قرنين من الزمان.. وأن هذا المجتمع قد خرج من طور النهضة منذ زمن بعيد إلى طور آخر ليس بالضرورة أن يكون نهضوياً ولسنا ملزمين أصلا بتتبع نتائجه..

النهضة تحتوي على ثلاثة عناصر أساسية:

 العنصر الأول فكري: أعتقد أن له الأولوية على ما سواه والعنصر الثاني سياسي: يتضمن الدعم –على الأقل ، إن لم يكن تبنياً- لفكر النهضة ، والعنصر الثالث رأس مال يستثمر في فكر النهضة برجاء أرباح مؤجلة وذات طابع مختلف..

شخصياً أعتقد أننا لا نزال في طور تكوين العنصر الأول.. ولا يزال الدرب طويلا..

 

تعريف النهضة كما أفهمه هو “قيام” أمة ما بدورها الذي يتحدد من خلاله هويتها ووجودها.. هل دورنا هو أن نكون مستهلكين؟ تابعين؟ هل دورنا هو أن نعيش في بلدان صارت تبدو مجرد “محميات استهلاكية”؟..هل دورنا هو أن نتطور ونتقدم  لنصدر بضائع استهلاكية كانت الحياة تمشي دونها لآلاف السنين دون كبير مشكلة؟..

نعرف جيدا ما هو دورنا في هذه الأرض.

النهضة هي باختصار أن ننهض من واقع السبات لنباشر بما خلقنا من أجله.. وإذا كان هناك أحد يجهل عمَّ أتحدث فليراجع سورة البقرة ، الآية 30.

7 – ما هو تفسيركم لمصطلح (التجديد)، وما مدى حاجة الأمة إليه؟

التجديد كما أفهمه هو: التنقيب في النص الديني لتشخيص ما يعانيه العصر من أمراض وبالتالي بما يمكِن من علاج لهذه الأمراض.. وهو يفرق كثيرا وجذريا عن ما يقدمه أدعياء التجديد الذين يبحثون في جزئيات هنا وهناك  لغرض تمرير الفكر التغريبي…

حاجة الأمة إلى التجديد بقدر حاجة أي منا للأوكسجين..و ليس أقل من ذلك!

8 – كيف تُشخّصون دراستكم لما يسمى بالحضارة الغربية، وما الحلول المتاحة والمرجوة لإنقاذ شبابنا من براثن قيمها السلبية المُفسدة لهم والمشوّهة لقيمنا؟

الحضارة الغربية نتاج معقد جدا لتجارب تاريخية متراكبة وسيكون من الظلم جدا تلخصيها بعجالة. للغرب إيجابياته بلا شك، لكن يداخلني شك كبير في كل من يتحدث عن هذه الإيجابيات دون أن يوضح جذورها ودون أن يذكر سلبياتها التي لا أعتقد شخصيا أنها تقل عن إيجابياته في بعض المجالات..

في النهاية الأمر المهم هو  أن يكون لدينا مقياس قرآني واضح نقيم من خلاله نتاج هذه الحضارة و ثوابتها و أركانها..

بالنسبة للشباب ، لا أزال أؤمن شخصياً بقدرة هذا الدين العظيم على منحهم الحصانة والمناعة اللازمة لجعل علاقة الشباب بالغرب علاقة صحية بالمقياس القرآني للأمور..

لكن ذلك حتما هو مجرد “حصانة”، ما هو أكثر أهمية أن نقدم بديلاً حقيقياً -مستمدا من هذا الدين-  عن النموذج الحضاري الغربي.. الغرب لم يكن قوياً فقط بإطاره النظري، بل لقد قدم نموذجاً عملياً براقاً وجذاباً.. لذا  فالتنظير المضاد فوائده محدودة على المدى البعيد، والأهم هو تقديم تجربة عملية واقعية تضع النظرية على محك التطبيق…

9-يعتبر الانتماء العقدي  والفكري هو العنصر الأهم في تكوين الذات بغض النظر عن الزمان والمكان..لماذا تعلو اليوم أصوات  تقزم هذا الانتماء ليكون جغرافيا مصلحيا فحسب بينما يوسم المنتمي إلى عقيدته بالتعصب و الانغلاق؟

 

لماذا تجتاح العالم أصوات كهذه؟

لأنها تعبر عن “عقيدة” جديدة تعتبر الانتماء المصلحي هو الأصل وهو الأولى بالإيمان والاعتناق..أي أن هذه الأصوات تمارس الشيء ذاته من الترويج لعقيدة ما و لكن بتبني عقيدة أخرى..ولأن “الذات” التي يروجون لها هي “ذات” مختلفة تماما عن معناها المتكون عبر الانتماء إلى عقيدة وثوابت أمة ما..هذه الذات الجديدة لا هوية محلية لها بل هي هوية عولمية الطابع عولمية الثقافة…وهي مجيرة حتما لصالح شركات الملأ العابر للقارات التي تستفيد من هوية كهذه..

10-

 هل هناك علاقة بين مفهوم الهوية و عنصر القوة بإبعادها السياسية والاقتصادية و العسكرية والثقافية ؟

بالتأكيد، هناك علاقة بين ما ذكرت  لكن الأساس هو للعامل الثقافي الذي أراه هو الأهم والمولد لكل العلاقات الأخرى..لقد هزم المسلمون على يد المغول مثلا لأسباب كثيرة،لكن قوة ثقافتهم و علوها آنذاك جعلت المغول يذوبون في الثقافة الإسلامية..بينما ألأمر ليس مماثلا في حالات هزيمة معاصرة لم يكن انكسارنا فيها انكسارا عسكريا فحسب بل كان استلابا للهوية و لكل مكونات الثقافة..كان سقوط بغداد على يد المغول محض سقوط سياسي للقيادات آنذاك،لذا فإن الثقافة الاسلامية –وأعني بها الفكر الجمعي السائد- ما لبثت أن تمكنت من الانتصار رغم فداحة ما منيت به من خسائر..أما سقوطنا اليوم فهو مختلف و لعله يمثل إعلانا عن تدهور ثقافي مروع عن كل ثوابتنا ،وهو التدهور الذي أوصلنا لكل ما وصلنا له..

لا شك إن للقوة العسكرية المباشرة إبهارها و تأثيرها و لكن هذا النوع من التأثير يكون على الأغلب عابرا فيما لو كانت الهوية الثقافية متينة و ممكنة وقادرة على الاستجابة للتحديات..

 

 

11– تصديتم للرد على من يسمون أنفسهم (القرآنيين) أو من تسميهم بـ (اللاقرآنيين)، ما مدى خطرهم على الأمة وشبابها، وما هي الوسائل الأفضل في التعامل معهم؟

اللا قرآنيون هم مجرد نموذج من أدعياء التجديد، ولعلهم ليسوا الأخطر، إذ أن لغتهم البذيئة مع السنة النبوية والحديث الشريف تجعل كل من هو سويّ يعف عن إتباعهم.. لكنهم بالمقابل-و عبر التشكيك بالسنة النبوية- يقدمون ثمارهم الخبيثة لأدعياء تجديد آخرين – ليسوا من اللا قرآنيين- لكنهم يقومون بعملية انتقاء كيفية للحديث بناء على معايير تشي بالمنظومة الغربية التي يتبنونها..

الوسيلة الأفضل ليست فقط في فضحهم والتوعية  بتناقضاتهم بل أيضا في الإصرار على طريق  التجديد الحقيقي-غير الجمود وغير طريق أدعياء التجديد- الذي هو التجديد الملتزم بثوابت الأمة وبضرورة نهضتها وبالذات عدم التناقض والاصطدام مع أي نص ديني ثابت..

 

12– لا شك أن عوامل عدة تساهم في نجاح الإنسان، ما الفرص والظروف التي ساهمت في نجاحكم؟ وماذا تقولون لشباب الأمة اليوم الذي يرزح تحت ظروف قاسية على كل المستويات، وبمَ تعدونهم؟

الرد على هذا السؤال سيعني ضمنا إني أقر بنجاحي، وهو فخ لا أحب الوقوع فيه، إذ أنه سيعني أني قد قدمت ما أبغي تقديمه وحققت أهدافي وهو أمر لا يزال بعيدا تمام البعد..

هذا لا يتناقض طبعا مع إقراري الأكيد بوجود نجاحات مرحلية ونسبية حققتها بتوفيق الله وحمده.

 أؤمن أن الجهد والدأب والتمسك ببوصلة قيمية واضحة هي العوامل الأساسية لأي نجاح.. أؤمن أيضا أن التوفيق الإلهي يتوج الجهد البشري ويمنحه بعدا آخر.. بالنسبة لي تمثل التوفيق في أشكال عديدة من أهمها في أشخاص سهلوا الدرب وعبّدوه، وقدموا الدعم والإسناد المعنوي لكاتب ناشئ من دون سابق معرفة.. دون هؤلاء كان الدرب سيكون أكثر صعوبة بلا شك..

بخصوص الظروف القاسية، أعتقد أن الظروف القاسية أمر طبيعي جدا وجزءٌ لا يتجزأ من “أبجدية الحياة”..،  ولكن المهم هو أن لا تكون هذه الظروف أكبر من قدرتنا على التحمل…

 أكثر من ذلك: أعتقد أن هذه الظروف القاسية هي المبرر والحافز الأساسي الذي يجب استثماره من أجل التغيير.. “الظروف القاسية على كل المستويات” هي البيئة المناسبة والرحم المثالي الذي يمكن من خلاله بذر فكرة التغيير ومشروعه في عقول الناس وأفكارهم.. السؤال هو أي تغيير؟..و لأي اتجاه؟.. هل لتغيير سطحي نكون فيه مجرد عبيد تابعين لروما الجديدة بينما  نجهل عبوديتنا لها ..؟..أم لتغيير عميق نابع من ثوابت الأمة وقيمها…؟

 

مجلة غدي الشابية تشكر لكم تكرمكم بالإجابة على أسئلتنا، ومتمنية لكم دوام التألق والنجاح والتوفيق من الله تعالى.

 

حوار خارج التصنيف…

الدكتور أحمد خيري العمري… حوار خارج التصنيف

( يصدر خلال أيام كتاب “صانع الانفاق” الذي يضم ما كتبه العمري عن دمشق بعنوان cover1-0111“في البدء كان الياسمين” ، و يضم مقالات مختلفة من العراق و سوريا و مصر و الجزائر و فلسطين عن نتاج العمري و بالذات عن التفاعل معه..، كما يضم الحوار المعمق الذي قامت به الاستاذة سهير علي أومري ، و الذي نشرنا جزءا منه و ننشره الان كاملا نزولا عند رغبة القراء..)

حاورته: سهير علي أومري

 

حوار خارج التصنيف مع كاتب خارج التصنيف

الدكتور أحمد خيري العمري… مواجهات عكس التيار على هامش التكريم

حاورته: سهير علي أومري

البوصلة القرآنية… كيمياء الصلاة… الفردوس المستعار والفردوس المستعاد… ليلة سقوط بغداد…. ضوء في المجرة… أبي اسمه إبراهيم… ألواح ودسر… وغيرها…. عناوين ضخمة لفكر جديد يسافر بنا نحو شواطئ لم ترسُ عندها من قبل مراكبنا… يمنحنا تلسكوباً يصحح لنا نظرتنا للماضي وبوصلة تصحح توجهنا للمستقبل وعصا نتكئ عليها لنقف من جديد على أرض واقع جديد أكثر صلابة وأكثر متانة لنعرف أين نضع أقدامنا لننطلق إلى نهضة نرتقبها ونحلم بها… نهضةٌ القرآنُ أساسُها والصلاة عمودها… نهضة حقيقية أرادها الله تعالى لنا… عجزنا قروناً عن تحقيقها بفعل عوامل فكرية عديدة نشأنا عليها وتأصلت فينا وحالت بيننا وبين نهضتنا، وكان لزاماً علينا إن أردنا النهوض أن نتبينها ونستأصلها ونفك قيودها لنمضي إلى حيث كانت أمتنا في فترة مضت وإلى حيث يجب أن تكون اليوم وغداً…. من هنا تأتي أهمية هذه العناوين كما تأتي أهمية نتاج صاحبها على اختلاف أنواعه… إنه المفكر الإسلامي: الدكتور أحمد خيري العمري الذي اختارته دار الفكر ليكون الكاتب الذي تكرمه لعام 2010م

الدكتور أحمد خيري العمري:

 كاتب ومفكر إسلامي من مواليد بغداد عام (1970) من أسرة موصلية عمرية؟ يرجع نسبها إلى الصحابي الجليل: (عمر بن الخطاب رضي الله عنه) درس طب الأسنان في جامعة بغداد وتخرج منها عام (1993)، كان والده قاضياً ومؤرخاً معروفاً وهو (خيري العمري)، بعد سقوط بغداد انتقل مع أسرته ليعيش في دمشق حوالي سنتين ثم ترك عائلته فيها، وسافر إلى واشنطن ليعمل في الملحقية الثقافية لسفارة دولة الامارات العربية المتحدة، أول مؤلفاته كانت البوصلة القرآنية الذي صدر عام 2003م وخلال ست سنوات قدم للبشرية ما يزيد على 16 مؤلفاً مطبوعاً كلها كانت من منشورات دار الفكر في سوريا – دمشق، وله أيضاً العديد من المقالات التي نشرت في:

 صحيفتي العرب القطرية، والقدس العربي، وموقعه الالكتروني الشخصي الذي يستقطب العديد من القراء….

تلازم اسمه مع شعار رفعه عنواناً لموقعه وقضيةً كبرى تدور في فلكها جميع مؤلفاته، وهذا الشعار هو: “القرآن من أجل النهضة”

لقيت مؤلفاته ومقالاته رواجاً كبيراً وأقبل عليها قراء كُثُر، وفي الوقت نفسه دارت حوله انتقادات عديدة ووُجِّهت إليه اتهامات كثيرة تناولت فكره ومنهجه وأسلوبه….

مع الصفحات التالية نرصد أبعاداً خفية من شخصية الدكتور أحمد خيري العمري، ونسبر أغواراً عميقة في فكره وأسلوبه، ونتبين حقيقة نظرته للماضي والحاضر والمستقبل متجاوزين خطوطاً حمراء وأسلاكاً شائكة في توجيه كل ما دار حوله من انتقادات وآراء مستعيرين أقلام المنتقدين وألسنتهم بهدف تبصُّر حقائق ومواقف من شأنها أن تكشف اللبس وتزيح عن الأبصار الحجب وتضع حركات الإعراب فوق نهايات الكلمات…

مع العمري نقدم لكم حواراً “خارج التصنيف” مع كاتب ومفكر يصلح أن يكون هو أيضاً ” خارج التصنيف”….

1- بين أعلام كبار كرمتهم دار الفكر على مدى سنوات ماضية كالبوطي والزحيلي والمسيري…. وغيرهم يأتي اسمك هذا العام لتكون أول كاتب تكرمه دار الفكر وهو في أواخر الثلاثينات من العمر، فهلا حدثتنا لو سمحت عن هذا التكريم مبينا ما يعنيه بالنسبة لك؟

لا أوهام لدي حول هذا التكريم… لست بحجم الأسماء التي كرمت من قبل، ولن أكون بحجمها لمجرد أني  لحقتها بالتكريم… إنني أكرم في سياق تكريم الشباب وهذا يضع النقاط فوق حروفها .. في الوقت نفسه، تكريم الأسماء التي ذكرت كان مجرد تحصيل حاصل ضمن حدث ثقافي نظمته دار الفكر، ولا أظن أن التكريم كان الأول لأي منهم، أي إن سجل إنجازاتهم كان فيه ما فيه بحيث أن التكريم كان مجرد “تكريم آخر”..

بالنسبة لي، الأمر مختلف، ليس فقط لأنه تكريمي الرسمي الأول، بل لأنه يأتي كتشجيع ودعم  وإسناد من قبل دار الفكر لي أو لنتاجي بالأحرى.. وهو أمر أتشرف به بل و أنوء بحمله على ظهري..

لا أنفي أيضا أن توقيت التشجيع جاء في وقت كنت بحاجة له جدا..

2- هل يمكن أن توضح لنا ماذا تعني بذلك؟

لم يكن عندي أي علم مسبق بالموضوع، لم أعلم أني مرشح أصلا، أي أنه لم يحدث تسريب للأمر، وفي ليلة العيد، يوم الصعود إلى عرفة، كنت أتهيأ لعيد هو الأصعب، لأنه الأول لي بعيدا عن أسرتي، و جاءت رسالة الأستاذ عدنان سالم بهذا الحمل الثقيل ليكون هدية العيد.. سأكون كاذبا لو أنكرت سعادتي وفخري بهذه الثقة، لكني سأكون كاذبا أيضا لو أنكرت خوفي من توقيت التكريم ومن ثقل الحمل أن أكون في موضع المقارنة مع الأسماء التي كرمت من قبل..

3- قلت الآن إن هذا التكريم هو تكريمك الرسمي الأول هل لك أن توضح لنا ماذا تعني بذلك؟

قصدت أن كل كاتب يأخذ تكريمه أولا من القراء، وهو أمر لا شكوى عندي منه إطلاقا أما التكريم الرسمي فيرتبط بمعطيات أكثر تعقيدا وتتعلق في جزء منها برسالة المؤسسة مانحة التكريم و حساباتها، و قد تتعارض هذه أحيانا مع رسالة الكاتب أو خطه..

لا أنكر سعادتي  بالتكريم الرسمي كما أسلفت، لكن لو كان هذا التكريم قد جاء دون تكريم القراء من قبل، فإني كنت سأشعر أن في الأمر مجاملة ما أو تعويضاً ما..

على العكس من هذا ، أشعر أن هذا التكريم ، يكرّم ضمنا كل القراء الذين سبق لهم ودعموني..

 

4- لماذا دار الفكر بالذات الوحيدة التي حظيت بنشر كتبك؟ وهل بينك وبينهم عقد احتكار أم أن الأمر بالنسبة لك بالخيار؟

أولا ، “ليلة سقوط بغداد” لم ينشر في دار الفكر ، بل في دار نشر أخرى.

ثانيا، دار الفكر لم تحظ بنشر كتبي، بل أنا الذي حظيت بمعاملة استثنائية من قبل” دار الفكر” ..

ثالثا ، لا احتكار بيني وبين دار الفكر، العلاقة بيننا لا تحتمل مصطلحات كهذه أصلا، ولا أظن أن هناك مشكلة بالنسبة للدار لو أني اخترت النشر في دار أخرى .. الأمر يشبه علاقة أب كريم بأحد أبنائه الذين قرر أن يخرج من بيت العائلة دون أن يكون عاقا..

5-  أنت كاتب ومفكر إسلامي: لم تدرس العلوم الشرعية، ولم تتخرج من جامعة إسلامية، ولم تتتلمذ على يد شيخ أو داعية، ولم يكن والدك عالماً ولا شيخ طريقة ولا حتى جدك أو أحدٌ من أفراد عائلتك!!! أليس هذا أمراً غير مألوف بين مفكري عالمنا الإسلامي ودعاتهم!! ماذا تقول في ذلك؟

نعم أنه  أمر نادر جدا، باستثناء أنه حدث مثلا مع واحد من أكثر المفكرين الإسلاميين تأثيرا في القرن المنصرم : “سيد قطب “، وهو نادر جدا رغم أنه حدث أيضا مع رائد فكر النهضة الإسلامي مالك “بن نبي” الذي لم يتلق التعليم الشرعي، وهو نادر أيضا رغم أن “العقاد” الذي أثرى المكتبة الإسلامية بعدد من الكتب لم يقدمه الكثيرون من أصحاب الشهادات الشرعية.

هذا بخصوص الدراسة الشرعية، أما تكملة السؤال عن كون والدي لم يكن عالما شرعيا ولا جدي..الخ ، فهو سؤال مؤسف، الفكر الإسلامي يا سيدتي ليس محلا  للعطارة في السوق القديم، و هو ليس حرفة أو صنعة يعلم الاب أسرارها لابنه.. قد يكون الأمر مختلفا قليلا بالنسبة للعلم الشرعي فهناك بيئة معينة قد يساهم وجود الوالد في تمريرها لابنه ..لكن علينا أن نميز تماما بين “العالم الديني”- أو الشيخ كما يسمى في بعض البلدان- و بين المفكر الإسلامي..

على كل لا أعرف مفكرا إسلاميا كان والده أو جده مفكرا إسلاميا كذلك..و إن كنت تعرفين أحدا فيرجى إبلاغي بذلك..

 

6- وُلدتَ في بغداد ونشأت و كبرت فيها ثم كان سقوط بغداد على يد المحتل الأمريكي، فغادرتها إلى دمشق،  وهناك بُحت بألمك لسقوط بغداد بملحمة أسطورية بعنوان: “ليلة سقوط بغداد” وبعدها توجهت إلى أمريكا لتستقر في أحضانها… دون أن تكلّ أو تمل من تعداد مثالبها ورصد نقاط ضعفها قيماً معاشة وأساليب حياة… الأمر الذي جعل الكثيرين يرون في ما فعلت ازدواجية سلوكية وغير منطقية فما قولك عن هذا الأمر؟

أولا ،لم أغادر بغداد بعد سقوطها، بل بقيت فيها ثلاث سنوات بعد السقوط وغادرتها بعد انفجار العنف الطائفي الذي كان أحد نتائج السقوط و تداعياته، وكتابي “ليلة سقوط بغداد” كتب و صدر أثناء وجودي في بغداد..

ثانيا ، لم “أستقر” في أحضان أمريكا ، بل إني لم أدق مسمارا على الحائط فيها، إنني أعمل في سفارة دولة عربية شقيقة، وجواز سفري لا يزال عراقيا، ولم أحاول الحصول على سواه رغم توفر إمكانية ذلك في أمريكا خصوصا، لكني ببساطة لا أود لأولادي أن يكبروا فيها، و تجربة العمل والدراسة في أمريكا هي تجربة مهمة بالنسبة لي على الصعيد المهني والثقافي، لكنها تجربة محدودة بعقد عمل ودراسة سيأتي أوان انتهائها قريبا..و ربما قبل نشر هذا الحوار!

ثالثا، ما أراه غير منطقي، أن أكتب عن أمريكا، ثم أتهيب من زيارتها عندما تسنح الفرصة، كما لو أني أخشى على نفسي منها، ها أنذا، أكتب من أمريكا بعد أكثر من سنة من زيارتي لها، زادت التجربة رؤيتي نضجا، وثوابتي يقينا..

كلي ثقة أن هؤلاء أنفسهم هم الذين قالوا قبل ذلك إني أنتقد امريكا رغم أني لم أزرها!! أو في قول آخر “لأني” لم أزرها..!!

الحل الوحيد مع هؤلاء هو إلقامهم بحجر اللامبالاة والمزيد من الإنتاج والعمل الدوؤب..

7- واجهتَ القيم الأمريكية بكل جرأة وقوة، ورصدتَ ملامح الشيخوخة في هذه الحضارة، وقرعتَ في أذهاننا ناقوس الخطر محذراً منبهاً مرة معنفاً موبخاً مرات أخرى خشية الانقياد وراء هذه الحضارة أو محاولة تقليدها أو الشعور بالنقص تجاهها، فهل تعرضتَ بسبب هذا الأسلوب لمواجهات ما من أبناء هذه الحضارة أو تهديدات أو ملاحقات أو تعطيل لمصالحك وخاصة أنك تقيم بينهم؟!!

لا، ليس بعد على الأقل.. ونقدي يصب غالبا على جوانب حضارية مختلفة يتحدث فيها أبناء هذه الحضارة أنفسهم سواء كانوا من اليمين أو اليسار..

لكن هل هذا سؤال صحفي أم أنه تحريض بصيغة سؤال؟؟

8- عادة التصنيف عادة متأصلة فينا كبشر عامة وكعرب خاصة، فما إن يلتقِ أحدنا بآخر أو يقرأ لكاتب حتى يضع على جبهته لصاقة يعنون بها اتجاهاته، ويحدد بها انتماءاته، فينظر إليه من خلالها، ويتعامل معه وفقها، فهل يصلح أن تكون كاتباً فوق التصنيف أم يمكن أن تقدم لنا نفسك وفق التصنيف الذي تراه لتوفر على المصنفين جهودهم؟

قبل أن أجيب عن هذا السؤال أستدرك على الصيغة الاعتذارية التي قدمتِ بها، كما لو أن التصنيف تهمة علينا أن نعتذر و نبرر قبل أن نسأل عنها.. أرى أن التصنيف أمر طبيعي جدا، وما هو غير طبيعي هو هذا الاعتذار عنه، ما دمتِ لا تصنفين الناس بناء على لونهم أو أعراقهم، بل على نتاجهم و اختياراتهم، فلا ضير أبدا من التصنيف، بل الضير هو أن نبتعد عن التصنيف..

في الوقت نفسه  لا أعتقد وجود من هو فوق التصنيف، و لكن أؤمن بوجود تصنيفات جديدة وخانات شاغرة لم تملأ بعد، أي إن من قد يبدو أنه خارج التصنيف لفترة ما فإنه سرعان ما يجد تصنيفا ولصاقة ما يضعها على جبهته..

شخصيا أنا سعيد بلصاقتي كمفكر إسلامي، لأنها تعبر فعلا عن نتاجي وخياري، لكني أستدرك أن بعض نتاجي لا يزال خارج التصنيف، و هو شيء مؤقت كما أسلفت..

9- من الشائع في مجتمع التأليف والفكر في عالمنا الإسلامي أن يولد فيها مفكرون يبدؤون صغاراً بمؤلفات صغيرة ثم يكبرون، أما بالنسبة لك فقد ولدت كبيراً بضخامة أول مؤلَّف أبدعه عقلك وفكرك ألا وهو “البوصلة القرآنية” الذي كان ضخماً في المضمون ضخماً في الفكر ضخماً في الكمّ لدرجة أن كثيرين ممن قرؤوه أنكروا أن يكون كاتبه شاباً في مثل سنك، وكانوا مصرين أن عمرياً آخر ربما يكون صاحبه أو أن أحداً ما كتبه لك، فما السر الكامن وراء هذه الولادة غير العادية؟

ليس سرا أن “مجتمع التأليف و الفكر في عالمنا الاسلامي” –كما أسميته- ليس في أفضل أحواله حاليا، وبالتالي فإن كل ما هو شائع فيه لا يعبر بالضرورة عن حالة صحية.

شخصيا لا أؤمن بجدوى “الولادة بالتقسيط” ولا أعتقد أنها تعبر فعلا عن الواقع لكل من يرغب بالتغيير فعلا، و بغض النظر عن ضخامة حجم الكتاب، فإن أهم المفكرين يبدؤون بكتب كبيرة حتى لو لم تكن ضخمة الحجم، و هذا لا يعني أنني أضع نفسي معهم ولكني أؤكد أن ما هو شائع وسائد يخص الكتابات المكررة فحسب، و ليس الكتاب الذين يتركون تأثيرا على المدى البعيد، كما أن علينا أن نتذكر هنا أن كبار الكتاب ربما بدؤوا نتاجهم بعرض أفكارهم في بعض المشاكل الجزئية التي يمكن أن تحلل وتشخص بكتاب “صغير ” حجما كبير مضمونا..

فيما يخص البوصلة، فالكتاب كما وصفته إحدى القارئات المثقفات اللواتي أعتز بهن “جملة واحدة تمتد من أول الكتاب إلى آخره”، وهذا صحيح …. إنه يمثل رؤيتي الأساسية التي لم يكن من الممكن أن أقدمها بالتقسيط أو التجزئة لأن ذلك كان سيفسدها حتما..

البوصلة يتجه بشكل شمولي إلى مشكلة  تاريخية، و أي اختزال في عرض المشكلة وأسبابها سيكون تبسيطا مخلا لها..

فيما يخص ما ذكرت من إنكار البعض كوني الكاتب، فقد مررت بثلاث مراحل من رد الفعل تجاه هذا، أولا: عددت الأمر مزحة، ثانيا: عندما تبين لي لاحقا أنهم جادون انزعجت، اليوم أرى الأمر كما لو كان ثناءً جميلا بحق الكتاب، لقد عبروا عن إعجابهم بالكتاب بطريقة مميزة : أنكروا إمكانية أن يكون كاتبه في الثلاثينات من العمر.. و يعني ذلك ضمنا أنهم معجبون جدا بالكتاب.

10-                      بنظرة سريعة إلى تاريخك ونشأتك هل لك أن تعدد لنا لو سمحت العوامل التي ساعدت على تكوينك الفكري والثقافي مبيناً الأشخاص والمواقف التي كان لها التأثير الأكبر في وصولك إلى ما أنت فيه اليوم؟

نشأت في  أسرة تنتمي للطبقة الوسطى العراقية،كان  لها دور في الحركة الوطنية العراقية في فترة الاحتلال البريطاني، وكان ذلك من الجهتين، أي من أسرة والدي وأسرة والدتي،  كبرت على حكايات ثورة العشرين  وثورة 1941 والحلم القومي لاحقا.. ولعل ولادتي ونشأتي في فترة  انكسار هذا الحلم والإحباطات التي تعرض لها المناضلون القدامى قد فتح وعيي على وجود “تناقضات ” في النضال ضد “الاحتلال” من جهة واستيراد معاييره ومظاهر حياته..

لا يمكنني أن أنكر أن اعتزاز الأسرة باللقب العمري وبانتسابها إلى عمر بن الخطاب قد ترك أثرا كبيرا في داخلي..  كان عمر بن الخطاب بطلا من أبطال طفولتي حتى قبل أن أستطيع فهم واستيعاب دوره الحقيقي، محاولتي الأولى لقراءة عبقرية عمر كانت عندما كنت في الصف الثاني الابتدائي.. لكني تنبهت مبكرا إلى أن اعتزاز بعض الأقارب باللقب وبمكانة عمر بن الخطاب كان اعتزازا أجوف بما أنه لم يكن مصاحبا دوما بالتزام يمنح هذا الاعتزاز المصداقية، و لعل ذلك فتح عيني على اعتزاز الأمة بماض عريق لم تمنحه حقه في الالتزام الجاد بما يتناسب مع هذا التاريخ..

كان والدي رحمه الله قاضيا ومؤرخا معروفا لديه العديد من المؤلفات التأريخية، في الوقت نفسه والدتي كانت محامية أي إنها درست القانون أيضا وكانت قريبة من الكثير من الأحداث في تأريخ العراق المعاصر في فترة الحكم الملكي خاصة، ولا بد أن يكون ذلك قد ترك أثرا كبيرا أيضا، فالتأريخ  والقانون كان لهما  حضور دائمي في كل جلسة عائلية، وقد أسهم ذلك في تكوين رؤية شمولية للأحداث ،فالتاريخ يأخذك من الرؤية الجزئية القاصرة إلى رؤية أوسع، والقانون يمنحك الحس العام بالالتزام وأهميته في حياة الفرد والأمم.. والدتي أيضا لها دقة ملاحظة في التفصيلات الصغيرة وربطها بما هو أكبر، كانت تهتم جدا بتأريخ الحضارات ومنتجاتها الثقافية والفنية المختلفة، وعندما كنا نسافر في الصيف لقضاء الإجازة – على عادة الطبقة الوسطى العراقية في السبعينات – كان المتحف هو محطتنا الأولى (لا السوق !)..

 

من المواقف التي تركت أثرا في ذهني من كثرة ذكرها وتكرارها، أننا أثناء زيارتنا مسجد القصر الأحمر في إسبانيا، و الذي صار كنيسة كما هو معلوم، وكان عمري آنذاك أربع سنوات فقط، كانت والدتي تبكي بهدوء و أخبرتني أن الأذان كان يرفع هنا لكنه تحول الآن إلى كنيسة، يومها أخذت أصرخ بأعلى صوتي “الله أكبر”  كما لو كنت أغيظ الأمر الواقع ، وكان تصميم المسجد يتيح للصوت أن يتضخم بفعل الأصداء المتداخلة، وهكذا ترددت أصوات “الله أكبر” في كنيسة سانتا ماريا، تقول أمي إن الدم جمد في عروقها، لكن نظرات غاضبة حاصرتنا جعلتها تجرني ونخرج مسرعين.. كوفئت بعدها على ما فعلت، وكوفئت أكثر من قبل الأسرة في بغداد، كان يمكن أن يُنسى الأمر كما تنسى الكثير من الأحداث، لكن والدتي كانت حريصة على تذكيري بما فعلت بين الحين والآخر..

اكتشفت والدتي أن لي موهبة للكتابة في عمر مبكر ( السابعة أو الثامنة).. وشجعتني كثيرا، احتفظت بكل شيء أكتبه ( ولا يزال كل ذلك محفوظا في بغداد)..كانت أولى محاولاتي في الكتابة يوميات لطفل فلسطيني في قرية دير ياسين، تنقطع فجأة في يوم المذبحة.

تفاعل كل ذلك مع ظروف عامة مرّ بها العراق خاصة والأمة عامة ..مما لا مجال لذكره الآن…

11-                      من المعروف أن أبرز القضايا التي جندتَ نفسك لمواجهتها ودحض أخطائها ظاهرة (أدعياء التجديد) -كما تطلق عليهم – فمن هم هؤلاء؟ وماذا تريد منهم؟

لم أجند نفسي لمواجهة هؤلاء ، بل جندت نفسي لقضية أكبر بكثير، وكان هؤلاء بمثابة عقبة  علي اجتيازها لكي أواصل الطريق، أي إن الحديث عنهم هو من باب “ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب!”.. بعبارة أخرى كان من الضروري أن أضع خطا فاصلا بيني وبينهم وأن أحدد أنني لا أنتمي لهم ولمعسكرهم بوضوح، هؤلاء أساؤوا أكبر إساءة للتجديد لأنهم جعلوا الجمهور يسيء الظن بالتجديد ويخلطه بالتفلت، وكان التفلت هو جوهر تجديد هؤلاء، بالذات التفلت من كل الضوابط الشرعية، جوهر تجديدهم ولبه ومحوره كان الإلغاء غالبا.. إنهم يمررون بوضوح شديد ( وأحيانا بصراحة) مشروعا لبيراليا إلى الفكر الإسلامي عبر إلباسه شعارات إسلامية، رغم أن الحجر الأساس في هذا المشروع يتناقض مع ثوابت إسلامية واضحة.. لا يعني هذا أنهم مأجورون بالضرورة فالمشروع الليبرالي أشرب في قلوبهم و عقولهم ولعلهم يتصورون أنهم يحسنون صنعا وأنهم يقدمون للإسلام خدمة عظيمة عبر مشروعهم هذا.. لكن كذلك لا ينبغي أن نبالغ في حسن الظن، فبعض المؤسسات الغربية تدعم بعض هؤلاء بوضوح وتوصيات مؤسسة “راند ” تذكر بعض الأسماء التي ينبغي دعمها بصراحة.. لكن تصوري العام أنهم يتلقون الدعم بعد أن يصلوا مرحلة معينة من الثبات على مبدئهم .. المفاهيم الغربية لم تعد بحاجة إلى  مفكرين – عملاء – بشكل مباشر لأنها مدعومة أصلا بقوة التجربة الغربية وسطوتها الإعلامية.. لكن كان لا بد من توجيه دعم وترويج لبعض هؤلاء المفكرين في مرحلة لاحقة..

 إذا كنت تقصدين بالسؤال عنهم تحديد أسمائهم فهذا أمر لن يحدث، بعض هؤلاء معروف قطعا، ولكن البعض الآخر هو من طالبي الشهرة وسيستفيد من مجرد ذكر اسمه..

12-                      هلا تحدثنا عن منهجك وطريقة تعاملك مع الرأي الآخر؟

يعتمد الأمر على الرأي الآخر !..هناك “رأي آخر” في مسائل يتعدد فيها الصواب، وهو أمر عادي وطبيعي وكل ما ينقل في التراث من أقول للأئمة من قبول للخلاف وتسامح فيه مثل قول الإمام الشافعي“ما ناظرتُ أحدًا قط، إلا أحببتُ أن يوفَّق ويسدّد ويعان” كل ذلك يندرج في أمور فقهية يتعدد فيها الصواب ويتسع فيها مجال الخلاف..

وهناك “رأي آخر” ينتمي بصراحة إلى منظومة فكرية مختلفة ومغايرة تماما ( كأن يكون علمانيا صريحا أو ملحدا) والعلاقة بهذا الرأي واضحة أيضا، وبما أن المشترك قليل أصلا فإن الاحتكاك يكون محدودا لأن أي حوار يتطلب بناء لغة مشتركة..

مشكلتي الحقيقية هي مع رأيين آخرين ، الأول: “رأي آخر” بلا انتماء محدد، وبلا هوية واضحة، يتزلف “قبول الاخر” ويأخذ من كل منظومة فكرية ما يتناقض مع سواها ويتصور أنه بهذا يمتلك إرثا إنسانيا وأصحاب هذا الرأي غالبا حسنو النية ومغرر بهم بشعارات فارغة، الثاني: “رأي آخر” يبطن غير ما يظهر، و يحاول تمرير أفكار مضادة عبر وضع شعارات إسلامية فضفاضة..

وليس سرا أن علاقتي بالرأيين فيها أقل قليلا مما صنع الحداد..

أحب أن أنوه هنا إلى أني لست ممن يعتنقون مبدأ “قبول الآخر” ولي تحفظ شديد على طريقة استخدام المصطلح في بعض الأدبيات الإسلامية، لكني اكتشفت مثلا أني أكثر تقبلا  للآخر بكثير من بعض الذين يتحدثون عن قبول الآخر طول الوقت لكنهم عمليا يرفضون كل آخر يخالفهم، خاصة عندما لا يكون هذا الآخر أشقر  أو من أمة أخرى..

إنني ، على الأقل، لا أتناقض مع نفسي عندما أرفض قبول آخر أراه يتعارض مع ثوابتي ويحاول إلغاءها ، لأنني أصلا لا أدعي قبول الآخر.. أما هم فيسقطون في تناقض ولا أظنهم يخرجون منه..

13-                      ما تعريف التجديد الحقيقي برأيك؟ وما هي سماته وأركانه؟  وهل يحق لأي مسلم أن يجدد ويكون مجدداً؟

يعتمد الأمر على أي تجديد نتحدث، فالتجديد مصطلح واسع ولا يمكن أن نعرّفه إن لم نحدد المجال الذي نوجهه له، التجديد في الفقه مثلا أمر لا يمكن أن يحدث دون دراسة شرعية متخصصة، و دون أن يكون امتدادا لعملية تأصيل واضحة، وشروطه وضوابطه بهذا أعقد من التجديد في مجال الفكر الإسلامي مثلا، والتفريق بين الأمرين مهم جدا، وإن كان يخفى على الكثيرين للأسف مما يحدث خلطا وفوضى تزيد الأمور صعوبة للجميع..

التجديد في الفكر الإسلامي ضوابطه وشروطه أقل تعقيدا، فهو يتطلب الثقافة العامة والرؤية الشمولية أكثر مما يتطلب الدراسة المتخصصة، ولا يعني هذا أنه أسهل منالا من التجديد في الفقه أو علوم الحديث مثلا، لكن شروطه مختلفة..

بكل الأحوال، سواء كان التجديد في الفكر أو الفقه، فإن هناك حدودا مشتركة يجب أن يراعيها، و هو عدم التناقض الداخلي مع مشروع التجديد نفسه، وأن لا يتناقض مع نصوص صحيحة وثابتة..

بالنسبة لي، لا  أفهم أي محاولة تجديدية أو مشروعا تجديديا ما لم يكن مرتبطا بنهضة الأمة وإخراجها مما هي فيه، لا أفهم أي قراءة جديدة للنص القرآني ما لم تكن مرتبطة بهذا، هناك بعض القراءات الجديدة تجعلني أفكر أن الإتيان بما هو جديد بالنسبة لأصحابها هدف بحد ذاته، وليس وسيلة لنهضة الأمة .. ربما لهم وجهة نظر في هذا، لكني لا أفهمها، لا أفهم التجديد إن لم يأت بمعنى يفعّل نهضة هذه الأمة.. ببساطة لا أستطيع التفاعل مع أي شيء آخر وأعد “التجديد من أجل التجديد” في هذا الوقت ترفا بل وربما أكثر..

هل يحق لأي مسلم ؟ لا أظن أن ذلك ممكن في العلوم المتخصصة، في مجال الفكر السؤال ليس “هل يحق؟” بل “هل يستطيع؟”…

14-                      تعقيباً على كلامك أنك لا تقبل أي مشروع تجديدي ما لم يكن مرتبطاً بنهضة الأمة، ألا يتطلب ذلك توحيد النظرة للنهضة التي يسعى إليها المجددون؟ وهل تسمح بتعريف دقيق للنهضة.

سؤال مهم للغاية، خاصة في الوقت الحالي الذي يتعرض فيه مفهوم النهضة للخلط مع مفهوم التنمية رغم الاختلاف الكبير بينهما..

من السهل  “وصف النهضة” بكونها “روحاً تسري في الأمة” مثلا.. ولكن هذا محض توصيف و ليس تعريفاً.. النهضة في رأيي هي عملية “شروع ” في الخروج من الوضع السلبي لأمة ما باتجاه أداء دورها، أي إنها في مرحلة وسطى بين “الصحوة” و”الفاعلية”.. ويشبه ذلك كثيرا الأطوار التي يمر بها أي فرد في حياته اليومية بعد استغراقه في النوم، إنه يستيقظ أولا ، لكنه يبقى مستلقيا لفترة ما قبل أن ينهض، ثم إنه يستجمع طاقته ليترك فراشه وينهض..

قبل أن يذهب لممارسة نشاطه..

النهضة إذن هي رؤية شاملة تتطلب أولا ليس فقط الاعتراف بالسبات الذي مررنا به، بل بتحديد أسباب هذا السبات واقتلاعها من جذورها كي لا تجرنا دوما إلى نفس السبات والجمود في مرحلة لاحقة.. ويتضمن ذلك أيضا وجود رؤية واضحة لدور هذه الأمة ورسالتها وما تريد تقديمه لنفسها وللبشرية..

أقول ذلك وأؤكد أن هذه الرؤية قد تتضمن اقتلاع ما تآلف الناس معه وتعودوه بل وتصوروه أنه جزء من دينهم والدين ونصوصه منه براء .. عملية الاقتلاع هذه ليست سهلة إطلاقا خاصة عندما يتعلق الأمر بمفاهيم سائدة ومكرسة، وتتطلب حتما جهدا علميا وتأصيلا  لهذا الاقتلاع، كما أنها في الوقت نفسه يجب أن تعزل نفسها عن المؤثرات الخارجية ومعايير الأمم الأخرى فيما يجب اقتلاعه وما يجب إبقاؤه.. بل يجب أن يكون احتكامها الوحيد لنصوصها الدينية التي تشكل العمود الفقري لهذه الأمة ونهضتها..

15-                      حسناً ، هذا من ناحية رؤيتك لمعنى النهضة ولكن ما تقصد بأن هناك خلطاً بين النهضة و التنمية؟؟

الخلط موجود فعلا، بنية حسنة غالبا، وربما دون معرفة بوجود فرق بين المفهومين.

مفهوم التنمية يرتكز بشكل أساسي على البعد الاقتصادي، وأهداف التنمية غالبا ما تتعلق بأهداف اقتصادية قد يكون منها ما هو في منتهى النبل مثل حل مشكلة الفقر والقضاء على البطالة، وقد يكون منها ما هو دون ذلك، لكن التنمية بكل الأحوال تركز على هذه الجوانب فحسب وليست في صدد الدخول في البنية التحتية الثقافية للأمة..

مشاكل الأمة متعددة، ومن ضمنها حتما الجانب الاقتصادي والفقر و البطالة ..الخ ، لكن هذه كلها مجرد أعراض لمشاكل أكبر تتعلق بالسبات التاريخي الذي دخلنا فيه، ومعالجة الأعراض دون الجذر الحقيقي للمشكلة يشبه إعطاء حبة مسكن للألم لمريض بالسرطان.. هذا عدا عن حقيقة أن التنمية الاقتصادية بمعزل عن النهضة الشاملة قد تكرس التبعية الاقتصادية لمنظومات حضارية مغايرة بما أن مفاهيم التنمية كلها صادرة عن هذه المنظومات..

16-                      ما تقييمك لجهود الدعاة الجدد الذين ظهروا على الفضائيات بحلل جديدة لم تكن مألوفة بين دعاة القرن الماضي؟ وهل الشكل الجديد الذي ظهروا فيه يُعَدُّ تجديداً نوعياً ناجحاً في جذب جيل الشباب؟

من الظلم الفادح تقييم جهود هؤلاء بالجملة، فلكل منهم جهده الخاص به… وأداؤهم ومستواهم متفاوت جدا….أما أن الوسائل الجديدة تجذب الشباب فهذا صحيح، لكن جذب الشباب ليس هدفا بحد ذاته بل هو وسيلة، وأخشى أن بعض الأساليب المستخدمة بدأت تطغي على المضمون، أو أن المضمون نفسه لم يعد صحيا جدا من ناحية أسلمة المظاهر الغربية ووضع بعض الشعارات الإسلامية عليها..

شخصيا كنت متفاعلا جدا مع أحد هؤلاء الدعاة في مرحلته الأولى حين كان يبدع في مجاله الخاص.. ولكن لم يعد  التفاعل على الوتيرة نفسها منذ فترة للأسف لأسباب كثيرة..

عموما، كنت كتبت ذلك في مقال حول الموضوع، لعل من إيجابيات الدعاة الجدد إنزال مفردة النهضة من البرج العاجي إلى مجتمعات الشباب والجيل الجديد، أما أن مفهوم النهضة الذي يتم تمريره سطحي ويختزل النهضة إلى مجرد تنمية وعمل خيري، فهذا صحيح، ولكن لا يعني أنه غير قابل للتصحيح.

17-                      دارت حولك في مجتمع الفكر والثقافة مجموعة انتقادات فهل تسمح لي بذكرها وتتكرم بالرد عليها؟

·        الانتقاد الأول: أحمد خيري العمري أديب وليس مفكراً.

يعود هذا إلى التصور الشائع إلى أن لغة المفكرين يجب أن تكون غامضة وعصية على الفهم لكي تكون عميقة، والحقيقة أن التعقيد في رأيي غالبا يخفي فقرا في الفكر، وكذلك فالمضمون يقَّنِّعُه البعض بالمفردات الصعبة والأسلوب الغامض لإيهام القارئ العادي أنه إن لم يفهم فإنما يعود ذلك إلى مشكلة فيه هو شخصيا وليس في أسلوب الكاتب..

 للأسف الفكر الإسلامي، ومنذ ما بعد سيد قطب افتقد ضمن أشياء أخرى اللغة الأدبية الحية، فخسر القارئ، ولا أظنه ربح الفكر..

عموما، صفة الأديب تندرج حتما على أعمال مثل سلسلة “ضوء في المجرة ” و”أبي اسمه إبراهيم” و” ألواح ودسر”.. لكن الأمر ليس سواء في البوصلة والفردوس وكيمياء الصلاة..

علما أني لا أؤمن حقيقة بالفصل الكبير بين الاثنين، فالأدب في رأيي يجب أن يحمل فكرا، والفكر يجب أن يصاغ بأسلوب جميل أو واضح على الأقل..

·        الانتقاد الثاني: تعبر عن فكرتك بأساليب عديدة وكثيرة حتى تجعل القارئ يقول: “فهمنا والله فهمنا”.

من قال إني أريد “فهم” القارئ؟” ..

الفهم سهل المنال، لكني أريد أن يتكرس هذا الفهم في وعيه ولا وعيه ويصير جزءا من بديهياته.. هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكن أن يصير من خلالها الفهم وسيلة للتغيير، التكرار وسيلة لتكريس الفهم، وهو للعلم وسيلة مستخدمة في الكتاب الذي كان التغيير معجزة من معجزاته..

·        الانتقاد الثالث: تتقن في كتاباتك ثقافة النواح والعويل من خلال تعداد الأخطاء في الفكر والقناعات والإشارة إليها، ممضياً الوقت في اقتلاع أعشاب الأمة الضارة دون أن تقدم مشروعاً تنويرياً واضحاً يكون كفيلاً بالإصلاح والنهضة…

لست واثقا أن مفردتي “النواح والعويل” يمكن استخدامهما في هذا السياق، لا أفهم على الإطلاق كيف يكون النواح وسيلة لاقتلاع الأعشاب الضارة!..

على العموم من يقول ذلك لا أظنه قرأ لي البوصلة القرآنية أو كيمياء الصلاة.. فمقابل كل نقد لفهم سلبي للنص الديني، هناك فهم إيجابي بديل في البوصلة.. أما الكيمياء فالرؤية بمجملها تعتمد على تقديم مفهوم إيجابي لكل تفصيلة من تفصيلات شعيرة الصلاة..

·        الانتقاد الرابع: محاربتك لمن تسميهم: “أدعياء التجديد” ما هي في حقيقتها إلا محاربة للتجديد نفسه، فأنت كاتبٌ تراثيٌّ تمجّد الماضي وأهله، وتغلق الباب أمام اجتهادات الإصلاح والتنوير.

من الأخير كما يقال: أفضِّل ألف مرة التراث بكل تحفظاتي عليه، على الإصلاح والتنوير إذا كان مجرد شعار براق يمرر التفلت والانحلال.. ( وأتحفظ أصلا على كلمة التنوير واستخدامها السائد حاليا!! )..كذلك يفضل قرائي..

لكني أحاول أن أجد طريقا ثالثا لا يمر بسلبيات ما تراكم من أفهام حول التراث، ويجد طريقه إلى البناء والنهضة، دون أن يمر بعثرات وسلبيات التجارب الأخرى.. وكذلك يأمل قرائي..!

·        الانتقاد الخامس: تتشبث برأيك تشبُّث الشمس في كبد السماء، ومهما كانت حجة المعارضين قوية من الاستحالة بمكان أن تبدي تراجعاً في رأيك أو مواقفك.

في الحقيقة هذا الأمر شائع جدا عند الجميع، وليس عندي فقط، أغلب الكتاب والمفكرين  يتشبثون برأيهم ويتمسكون به ويبحثون عن كل الوسائل من أجل الدفاع عنه.. ولا أدري لم يكون ذلك انتقادا عندما يخصني فحسب؟!..

على أي حال، حدث فعلا أني تراجعت عن استخدامي لأحد الأدلة بعد رسالة وردتني من قارئ شاب، و قد عدلت من الأمر في طبعة جديدة من البوصلة القرآنية وعدلت من أمور أخرى بعضها بسبب النقاش مع القراء وبعضها بسبب النضج الشخصي، و التعديلات في كل الأحوال لا تمس جوهر الفكر أو مضمون الكتاب وحذف الدليل الذي أشرته لا ينقض النتيجة التي بنيتها عليه لأني غالبا لا أعتمد على دليل واحد بل على جمع متسلسل من الأدلة، لكني أورد الأمر هنا للتدليل على أن التشبث بالرأي ليس قاعدة عامة..

في الحقيقة أتشبث برأيي عندما يكون متعلقا بالثوابت التي أرى أنها مستهدفة اليوم وبأكثر من وسيلة و من أكثر من جهة، و لا أرى حقيقة من قوة في الحجج المضادة لهذه الثوابت..

في الحقيقة الشيء الوحيد القوي فيهم بوضوح هو انبهارهم المريض بالغرب..

·        تعقيباً على كلامك لو سمحت:

في تعديلات البوصلة التي ذكرتها والتي منها ما كان تراجعاً عن استخدام لدليل بسبب رسالة وصلتك من أحد القراء الشباب وبعضها بسبب بعض نقاشاتك مع القراء هل أشرت في حاشية الطبعة الجديدة في مواضع التعديل إلى سبب هذا التعديل؟….

لا ، لقد حذفت استخدام حديث شريف فحسب، و لم يؤثر ذلك على الاستدلال لوجود أدلة اخرى..

·        الانتقاد السادس: ترتكز في أسلوبك على العواطف فتستميل قراءك وتجذبهم من حيث لا يشعرون، ويتجلى ذلك في مواضع عديدة منها كتاباتك عن وطنك وأولادك….

·        يمكن إعادة هذه الجملة وحذف الفقرة الأخيرة منها لتكون كما يلي “ويتجلى ذلك في مواضع عديدة منها 5 % من كتاباتك..!”

·        الانتقاد السابع: هل من المنطقي لكاتب أو مفكر جديد في وقتنا الحاضر أن يقدم خلال سبع سنوات ما يزيد على 16 مؤلفاً عدا عن الكم الكبير من المقالات الدورية التي ينشرها في بعض الصحف وعلى موقعه الالكتروني لا بد أن هناك من يساعده، وليس بالضرورة أن تكون هذه المعونة من الإنس!!!

·        من قال أصلا  إني أكتب بمفردي ؟..الكتابة ليست عملا فرديا كما يتخيل البعض إلا بمقدار التنفيذ  الإجرائي فحسب.. لكنها عمل جماعي بطريقة أو بأخرى ..

 شخصيا أكتب ومعي دعم مؤسساتي هائل يجعل من نتاجي الذي يعده البعض غزيرا متواضع الحجم والعدد، أكتب وتدعمني مؤسسة ضخمة لعلها الأعرق والأضخم بين كل المؤسسات، هذه المؤسسة اسمها الحركي “الأمة” .. الأمة التي آن لها أن تنهض والتي أكتب بدافع من حتمية نهوضها، أكتب بدعم من مؤسسة أخرى، أصغر حجما لكن لها امتداد في كل مكان وسيكون لها أكبر الأثر في نهضة هذه الامة ، إنها مؤسسة “الأسرة”، وقد دعمتني أسرتي في أكثر من مرحلة وأكثر من اتجاه  بدعم لا محدود من والدتي، ومن ثم من زوجتي بل ومن أسرتها الكريمة أيضا، بصراحة، “أم زين” لوحدها شركة عامة ذات مسؤولية غير محدودة..

ثم إني دعمت من  مؤسسة عريقة مثل دار الفكر، خاصة في شخص الأستاذ عدنان سالم الذي كان لي ولنتاجي كالأب وأكثر، بل وحتى من قبل “الشباب” في مكتبة الدار وفي المعارض الخارجية، لقد دعموني وروجوا لي ولم يكونوا هم من أخبرني بذلك، فكثيرا ما أستلم بريدا من قارئ جديد يقول إنه أخذ بنصيحة البائع في المعرض الفلاني..

كذلك دعمت من قبل  السيدة الفاضلة “أم بشر “ هدايت سالم التي كانت لي  المرشد والناقد والموجه .. والتي صارت هي وأسرتها بمثابة الأسرة لي ولعائلتي في الشام.. ولا أعتقد حقا أن هناك ما يمكن أن يوفيها حقها.. لقد كان دعمها يتجاوز الثناء والإشادة إلى النقد وبيان الخطأ أحيانا، ولكنه كان يدعم لأنه يقوي البناء ويمدني بالإرشاد والتصحيح الذي يحتاجه كل كاتب، وتزيد حاجته إلى ذلك عندما يكون لا يزال في أول الدرب..

كذلك كان هناك دور القراء الذين تفاعلوا سلبا وإيجابا، لقد أغنوا تجربتي بتفاعلهم معي على نحو جعلهم أحيانا شركاء في الكتابة ..

 كل هؤلاء(مؤسسات و أفراد) كانوا شركاء في عملية الكتابة بطريقة أو بأخرى، ودون أن يدركوا ذلك..

وفقا لكل ما سبق، نتاجي ليس غزيرا على الإطلاق، بل إني استلمت قبل فترة رسالة من قارئ سعودي يلومني على قلة نتاجي ويخبرني بما معناه أنني سأحاسب على ذلك!.

 

16-        لا بد لكل من يتقدم إلى الأمة بفكر جديد أو قديمٍ بقالب جديد أن يواجه بأعاصير من النقد منها ما هو سلبي ومنه ما هو إيجابي فأيهما كان بالنسبة لك أكثر؟

 الإيجابي حتما، كان هناك نقد سلبي بطبيعة الحال، لكن التفاعل الإيجابي خاصة من طرف القراء كان له أكبر الأثر في مسيرتي، ولست واثقا من أني سأكون بنفس الدأب إذا حذفنا دور القراء وتفاعلهم معي من مسيرتي.. تفاعل القراء قال لي ببساطة إن رجع الصدى لن يكون الجواب الذي أحصل عليه من نتاجي.. وكان هذا يعني أن الأمر لن يكون عبثا ضائعا بلا جدوى..

 

17-        وعندما يواجهك النقد السلبي هل يساور الإحباط نفسك، ويدخل اليأس إلى قلبك موحياً إليك ألا فائدة من الفكر والتفكير ومن الإصلاح والتنوير؟

في البداية كنت أحبط جدا، لمدة نصف ساعة تقريبا.

اليوم صرت أحبط  قليلا لمدة تقل عن خمس دقائق!

 

18-        هل لمست في مجتمع النقاد عامة الرغبة الحقيقية في الإصلاح أم الرغبة في الإلغاء؟

لا ينبغي التعميم هنا، ولا يمكن وضع النقاد في سلة واحدة بالجملة، هناك الناقد المتعالي والناقد  المؤدلج والناقد الذي لا يقرأ ما ينقد، والناقد الذي ينقد بصفته “كاتب فاشل” ويريد من الجميع أن يكونوا مثله .. ولكن هناك أيضا الناقد المنصف والناقد المتفاعل والناقد المتابع، من الطبيعي جدا أن يكون هؤلاء هم الأقلية لأن الساحة الثقافية كلها هي انعكاس لوضع متردٍّ .. وسيكون غريبا جدا لو أن النقد والنقاد كانوا في منتهى العدل والإنصاف، بينما الواقع كله في اتجاه آخر..

لكن ما أنبه له هنا هو أن الكتاب الاسلاميين يفتقدون ظاهرة  “التساند” الموجودة عند التيارات الأخرى.. لقد تمكن اليساريون ولاحقا  الليبراليون من فرض أسماء معينة على المشهد الثقافي العربي رغم تفاوت القيمة الأدبية لنتاج هذه الأسماء، وبعض هؤلاء كرس كقامة أدبية عملاقة بقوة هذا التساند والتكاتف بين النقاد والصحفيين.. وصاروا فوق النقد رغم أنهم حتى ليسوا فوق مستوى الشبهات..

الكتاب الإسلاميون –عموما- لا يزالون بعيدا عن هذا ، كما لو أنهم يحرمون الدخول في لعبة كهذه!

19-        هل السبب في ذلك برأيك أن الكتاب الإسلاميين يفتقدون المؤسسة الإسلامية القوية التي تتبناهم وتدعمهم بهدف النهضة الحقيقية للأمة، بينما لأولئك الليبراليين واليساريين مؤسسات قوية حققت لهم هذا الدعم؟

لست واثقا من هذا، صار اليوم هناك مؤسسات إعلامية إسلامية كثيرة، لكني لم أقصد ذلك، بل قصدت ذلك الجهد المبذول من الكتاب والنقاد الليبرالبيين للترويج لكاتب وكتاب يطرح أفكارهم ، بينما لا نرى ذلك عند الإسلاميين، لا يمكن حذف العمل المؤسسي تماما، لكن لا يجب أيضا إغفال روح التساند الفردي، وعدم  الانزلاق إلى “عداوة الكار” تحت شعارات النقد العلمي الأكاديمي والموضوعية.

20-        قلت قبل قليل: سيكون غريبا جدا لو أن النقد والنقاد كانوا في منتهى العدل والإنصاف، بينما الواقع كله في اتجاه آخر..الواقع كله في اتجاه آخر!!!  أهكذا يرى الدكتور أحمد الواقع؟؟!!

نعم ، بالتأكيد… هل هناك من لا يزال يعتقد أن “على الأرض السلام وفي الناس المسرة؟”.. الواقع سيئ جدا .. سيئ بحيث يصعب علينا أن نتخيل ما هو أسوأ، لكن ذلك يجب أن يكون حافزا لنا على  عدم الرضوخ لهذا الواقع ومحاولة إعادة تشكيله بكل الأساليب..

21-        والآن وبعد أن ذكرتُ لك مجموعة الانتقادات التي توجه ضدك وتكلمنا عن النقد هل لك دكتور لو سمحت أن تخبرنا كيف تتعامل مع الانتقادات بشكل مختصر يعيه كل من يتوجه إليك بانتقاد…

لا أستطيع الفصل بين الانتقاد وبين توجه الشخص الذي ينقد… على ما يبدو في ذلك أحيانا من انتقائية في الموقف تجاه النقد..

بعبارة أخرى، قد تصدر جملة النقد أو فحواه من شخص متفاعل مع ما أطرح، ومن منطلق المساءلة والحرص، وبأسلوب يُظهِر ذلك، عندها ينزل النقد بردا وسلاما وأتفاعل معه ربما بأكثر مما يأمل صاحب النقد..

و قد يأتي نقد مشابه، بأسلوب ينضح بالتعالي ويكشف عن توجهات صاحبه الفكرية، ويكون موقفي هنا مختلفا تماما.. ربما بالتجاهل التام أو برد شديد اللهجة..

دعينا لا ننسى هنا أن الكاتب اليوم الذي يستفيد حتما من “النت” ومن الانتشار والتواصل مع قرائه عبره، عليه أن يواجه الجزء السلبي من الظاهرة، وإذا كانت ظاهرة مثقفي المقاهي وثرثرتهم التي يسمونها” نقدا “قد انتهت عمليا لأسباب عديدة، فإن النت يمنح شخصيات مماثلة تملك نفس دوافع مثقفي المقاهي إلى الازدهار والنمو في العالم الافتراضي.

 لدينا اليوم  أشخاص يملكون اتصالا بالنت وجهاز الحاسوب والكثير من الوقت على ما يبدو، ويعتقدون أنهم صاروا كتابا ولديهم “مشاريع” لمجرد أنهم كتبوا شيئا في هذا الموقع أو ذاك.. هؤلاء بالذات يشكلون جزءا من النقد الفارغ الذي يواجهه كتاب اليوم والذي يجب أن يواجه بالتجاهل غالبا، لأن لا هدف من ورائه غير “الشطرنج الفكري” و تمضية الوقت…

بالمناسبة ، كان من السهل جدا أن أقول إني متقبل جدا للنقد وإن صدري رحب دوما، لكني أفضل هذه الصراحة الفجة ، أحيانا أنا متقبل جدا لدرجة صادمة، وأحيانا أنا على العكس، في الحالتين الأمر لا علاقة له بالمزاجية، بل بكون هذا النقد جزءاً من رؤية أشمل..

 

22-         لمن يقرأ أحمد خيري العمري؟ وبفكر من يتأثر ويُعجب من القدماء ومن المعاصرين؟

أقرا كل ما يقع في يدي، على الأقل أمنح  نفسي فرصة الاطلاع على كل ما يقع في يدي..

ليس سرا أني تأثرت بفكر النهضة ممثلا بمالك بن نبي وبالأسلوب الأدبي في طرح الفكر ممثلا بقطب والغزالي إلى حد كبير.. ، أدبيا تأثرت بغسان كنفاني وغادة السمان ورشيد بوجدرة…. من القدامى أحببت ابن القيم كثيرا، أما من الأجانب فتفاعلت مع أسلوب ماركيز وغراهام غرين وأندريه جيد وفرجينيا وولف ومارسيل بروست.

23-        في وقت غزت فيه وسائل الإعلام السمعية والبصرية البيوت هل ترى أن الكتب الورقية لا تزال وسائل ناجحة لجذب أبناء الأمة وجيلها الجديد؟

وسائل الإعلام السمعية والبصرية موجودة في العالم كله ولم تؤثر حقا على الكتب الورقية.. لذلك أرى التباكي على هذا الأمر “حجة” نسوقها لكي نغطي على مشاكل أعمق تخص فشلنا في الوصول إلى القارئ..

24-        من المعروف أن لك موقعاً إليكترونياً خاصاً يجذب عدداً كبيراً من القراء الشباب وتدور في صفحاته العديد من النقاشات والسجالات هل لنا أن نعرف الهدف من إطلاقك هذا الموقع؟ وهل من كلمة توجهها لمتصفحي موقعك خاصة ولقرائك عامةً

هدفي من الموقع توفير أرشيف لمقالاتي بحيث تكون متوفرة للقراء على الشبكة…. الموقع شخصي ويظل محكوما بالثوابت التي أؤمن بها .. ليس من كلمة خاصة أوجهها للقراء أو لزوار الموقع، فكل ما أكتبه هو موجه لهم..

25-        هل كنتَ قبل عشر سنوات تتوقع أن ترى نفسك في مكانك ومكانتك اليوم؟ وهل من تصور تطمح إليه لنفسك بعد عشر سنوات قادمة؟

 بالنسبة للمكان لا طبعا، قبل عشر سنوات كنت مستقرا في بلدي، لم أكن أتوقع أبدا أن أكون في المكان الذي أنا فيه اليوم ..

بعد عشر سنوات، و بالنسبة للمكان أيضا، أتمنى أن أعود إلى نفس المكان الذي كنت فيه قبل عشر سنوات.. وخلال مدة أقل من عشر سنوات بكثير..

بالنسبة للمكانة، لا أعرف إن كنت فكرت بهذا من قبل، أحاول دوما التركيز على ما أنتجه وما أكتبه ، لا على نتائج هذا ..

26-        في روايتي: “أبي اسمه إبراهيم” و “ألواح ودسر” قدمت للتراث الإنساني أدباً يتجاوز أبعاد المكان وحواجز الزمان ليكون قصة ماضٍ وحاضر ومستقبل، وبذلك فإنك من الممكن أن تُعَدَّ رائداً لمدرسة جديدة في الأدب تنتهج هذا الأسلوب الممتع في الكتابة، فما قولك في هذا؟

أقول: الريادة ليست في بالي، و ليس من شأني أن أدلي فيها برأيي، كما أسلفت، ما يهمني حقا هو أن أكتب وأن يكون نتاجي مؤثرا ومساهما في التغيير، ما تبقى مجرد تفاصيل يمكن للمختصين لاحقا أن يحددوها..

27-        تقول: إن ما يهمك حقاً هو أن تكتب وأن يكون نتاجك مؤثراً ومساهماً في التغيير، هل يمكن أن توضح لنا لو سمحت المراحل التي تمر بها الفكرة بالنسبة لديك منذ ولادتها إلى أن تصير صوتاً مدوياً على الورق؟ وهل هناك طقوسٌ معينة تقوم بها قبل وأثناء الكتابة؟

“معلومات الكاتب عن عملية الكتابة هي بقدر معلومات الشجرة عن الهندسة الزراعية!” ، لا أعرف شيئا عن مراحل الفكرة، لكني أظن أنها تولد غالبا بالتفاعل مع الناس وأحيانا من كلمة عابرة يقولها شخص عابر، عمليا أنا في حالة كتابة في رأسي طول الوقت، خميرة الفكرة تكون هناك، ربما كـ”رؤوس أقلام” أو نقاط أساسية وتحويلها  إلى الورق أو إلى شاشة الحاسوب يوضحها وينضجها..

لا طقوس لدي تخص الكتابة، عندما بدأت في مرحلة المراهقة كان هناك التصور المسبق بضرورة الكتابة وقت الليل وسط أجواء حالمة. لا شيء من هذا أستمر بالنسبة لي، كان لدي مساحتي الخاصة في بغداد، لكني كنت أكتب أينما وجدت وقتا لذلك، كنت أعطي مرضاي حقنة المخدر وأكتب بضعة أسطر ريثما يبدأ مفعول المخدر!.. أوراقي كانت معي أينما حللت، وقد نسيت مرة أحد فصول البوصلة عند بائع العصير قرب عيادتي في بغداد، وعدت إليه مرعوبا بعد منتصف الليل..

بعدما غادرت بغداد، قلت المساحة الخاصة، لكني لم أسمح لذلك أن يؤثر على نتاجي، بعض حلقات “القرآن لفجر آخر”  كتبت في المطبخ لأنه لم يكن هناك أية مساحة أخرى خالية!! بعض أجزاء كيمياء الصلاة كتبتها مستلقيا وابنتي أروى تلعب على ظهري..لا مشكلة لدي في وجود صوت مذياع أو تلفاز قريب، فلدي قدرة على الانفصال عن ذلك كله، كما أنفصل عن أي منغصات أو متاعب في العمل والحياة اليومية.. الشرط الوحيد تقريبا هو أن يكون محيط الكتابة في غاية الترتيب !!..لماذا ؟.. ليس لدي أدنى فكرة عن ذلك!

28-        طالما أنك تنتقد فيما تكتب قيم الحياة الأمريكية وتبين مظاهر ضعفها وتداعيها ألا يكون الصدى أوسع والتأثير أكبر فيما لو فكرت أن تكتب باللغة الإنكليزية أو تترجم ما كتبت إلى الإنكليزية؟

بصراحة لا أستطيع أن أخفي استغرابي -بل و صدمتي !- من هذا السؤال كلما طرح علي .

إنني أنتقد قيم الحياة الأمريكية ليس لكي أعظ أمريكا أو الجاليات التي تعيش فيها، فهذا ليس شأني على الإطلاق، وهم لهم الحق في اختيار طريقة حياتهم وموتهم .. إنني ببساطة أنتقد القيم الأمريكية لأنها تتسرب الينا بطرق مختلفة ووسائل مختلفة، بعضها قسري بواسطة إعلام يمارس عملية غسل دماغ جماعية، وبعضها خفي بواسطة عملية أسلمة هذه القيم ووضع شعارات إسلامية عليها.. ليس هناك ما كتبته عن أمريكا إلا ويكون مندرجا في هذا: هل يعتقد أحد أن مقالاتي عن الشذوذ مثلا، كانت بعيدة عما يدور ويخطط له في مجتمعاتنا؟ هل مقالي عن ظاهرة ملك البوب الذي اختصر بموته كل مظاهر الضعف في الحياة الأمريكية، هل هذا يخص الأمريكيين وحدهم أم أنه يخص من يستوردون مظاهر الضعف هذه دون أن يمروا أصلا بمظاهر القوة..

أستغرب أيضا طرح موضوع الكتابة باللغة الإنكليزية، كما لو أن بإمكان أي كاتب أن يضغط على زر ما ليحول لغة الكتابة التي يكتب بها..كل لغة تملك فلسفتها الخاصة وقواعدها تعكس قيما معينة ومنهجية في التفكير قد لا تكون محسوسة للعيان لكنها متضمنة حتما في البنية الثقافية.. هناك بعض الكتاب يملكون القابلية على الإنتاج مزدوج اللغة لكنهم قلة وهذا النتاج يكون غالبا أكاديمي الطابع..

أكتب باللغة التي أفكر بها، وهي لغة القرآن، وهي اللغة التي يتحدث بها أكثر من ثلاثمائة مليون عربي، وإذا كان هناك من مشاكل تخص التواصل مع هؤلاء، فاللغة بالتأكيد لا علاقة لها بذلك..

كذلك أمر الترجمة : هل على الكاتب أن يسعى لترجمة أعماله؟ ألا يفترض أن يكون ذلك عمل شخص آخر أو مؤسسة أخرى؟

 

29-        للتوضيح أقول: إن الدافع الكامن وراء هذا الطلب هو الرغبة الكبيرة في أن تتكشف الحقائق التي تقدمها عن أرض الأحلام إلى كل حالم في مشارق الأرض ومغاربها، وإلى أصحاب هذا الحلم المزيف أنفسهم الذين زينوا كابوس واقعهم بأنغام البوب وأضواء ناطحات السحاب وطعم الماكدونالد وصدروه لنا ليكون حلماً ممتعاً ننام عليه ونصحو عليه…. فمن حقك تحديد شريحتك المخاطبة ومن حقنا أن نتأمل ونتمنى أن تتسع هذه الشريحة وتكبر…. أليس كذلك؟

أكتب بالعربية و للعربية ، أحمل همّ أمتي وثوابتها وأحاصر نفسي بها مثل نقطة داخل دائرة، إن حدث وتسربت كلماتي إلى لغة أخرى أو إلى لغات أخرى فلا بأس (وقد حدث هذا فعلا بالمناسبة) لكن سيظل أبناء وطني وأمتي هم الهدف الأول، “العالمية” وَهْمٌ يتداوله نجوم الغناء و الطرب، وحري بنا أن نترفع عن هذه الأوهام ونركز على المشاكل الحقيقية التي تحول بيننا و بين القارئ،..

 شخصيا أعتقد أني سأموت همّاً لو شهد أي من كتبي رواجاً بأية لغة أكثر من رواجه بلغته الأصلية.

30-        هل ترى في جيل ألفيتنا الثالثة جيل “الأكشن والكول والتشات” بقية من سمات نرتكز عليها في نهضة نرتقبها ونحلم بها؟

جيلي سمي يوما بجيل الديسكو، والجيل الذي قبلي سمي بجيل الهيبيز والميني جوب، والجيل الذي قبله سمي بجيل الخنافس والروك أند رول.. لكن ذلك لم يمنع أن كل هذه الأجيال أنتجت أفرادا في منتهى الوعي والالتزام والنضج، وبعضهم كانوا مناضلين وشهداء..كما أن التداخل بين بعض هذه الأجيال وبين ما أطلق عليه أيضا اسم جيل الصحوة واضح جدا.. لذا لا أفضل التعميم على جيل بأسره خاصة أن هذا التعميم يقطع جسورا مهمة للتواصل والتأثير…

لا أنكر طبعا أن الأمور آخذة بالتدهور لكن هذه مسؤوليتنا نحن كمثقفين أولا وأخيرا..

فيما يخص “سمات ” الجيل الحالي أظن أن هذه السمات لا تقل ولا تزيد عن أي جيل آخر من الأجيال السابقة..

31-        تقول: إن سمات جيلنا لا تقل ولا تزيد عن أي جيل آخر من الأجيال السابقة.. هل أفهم من كلامك أن التطور التقني والتكنولوجي ليس له أية تأثيرات إيجابية على وعي الجيل وازدياد معارفه وقدرته على الإلمام بالتجربة الحضارية للأمم بحيث يكون له قدم سبق تميزه عن الجيل الذي سبقه وتعينه على القيام بمهمة النهضة على نحو أيسر وأسهل؟

التطور التقني و التكنولوجي أنتج “ثورة معلومات”.. وثورة المعلومات بالتعريف تيسر الوصول إلى كم هائل من المعلومات، لكن علينا أن نميز الفرق الجوهري بين المعلومات من جهة وبين المعرفة والوعي من جهة أخرى، كما نميز الفرق بين الحقائق والحقيقة، فتراكم المعلومات لا يزيد الوعي أو العلم، إنه يزيد من استهلاك خلايا الذاكرة فحسب..!

الوعي والمعرفة يكون بمثابة بوصلة تلم وتشد هذه المعلومات وتنظمها في إطار الرؤية المتكاملة التي تأخذ فيها المعلومات حجمها الحقيقي..

 بل في الحقيقة إني أعتقد أن زيادة حجم المعلومات لمن لا يملك البوصلة قد يكون مشوشا جدا ..

بعبارة أخرى: التطور التقني والتكنولوجي أنتج أشخاصا يمكنهم حل الكلمات المتقاطعة في الجريدة بسهولة أكبر، المشكلة أنهم غير قادرين على معرفة “كلمة السر ” أو الصورة الأكبر..

 

32-        سأطرح عليك لو سمحت مفردات وأريد أن تقابلها بمفرادت أخرى أو عبارات مختصرة:

-        النهضة: البديل الوحيد عن الانقراض

-        القرآن: البوصلة

-        أمريكا: روما صارت في كل مكان

-        العولمة: المنتصر يأخذ كل شئ.

-        بغداد: جرح مفتوح أحمله معي أينما ذهبت.

-        دمشق: الملجأ.

-        إبراهيم عليه السلام:  المسلم الأول

-        الصلاة: عماد النهضة

-        عام 2009م: ألواح ودسر

-        المستقبل: تكليف.

-        التاريخ:مثل الجينات، نحمله معنا شئنا أم أبينا

-        مالك بن نبي: إرث ضيعته النخبة

-        غوانتنامو: ليست الأنظمة العربية وحدها تنتهك حقوق الإنسان!

-        فلسطين: كل مشاكل الأمة في نموذج واحد.

-        التطرف: الوجه الآخر من التمييع

-        الإرهاب: طباخ السم يتذوقه، و العالم كله يتجرعه.

-        المذاهب الأربعة: السعة بثوابت

-        أدعياء التجديد: خيول طروادة!

33-        دكتور في ختام هذا اللقاء اسمح لي بهذا السؤال:

جاء في بداية سلسلة كيمياء الصلاة قولك: “أضع نتاج الأشهر المضيئة تلك في قنينة زجاجية وأرمي بها في بحر الظلمات.. وكلي ثقة أنها ستعين بطريقة ما في الوصول إلى بر النور….” وبالفعل تم الإرسال كما تم الاستلام من هيئات وجهات ربما لم تتوقعها،  فهل من رسالة أو رسائل جديدة  تشحذ لها قلمك وتجند لأجلها دواتك وتستعد لإرسالها في بحر تراثنا الفكري والإنساني؟

بالتأكيد ، كما لو أن بإمكاني أصلا أن أتوقف عن الكتابة !..نسأل الله التيسير والتسديد والتوفيق..

 

لقاء على هامش توقيع “الواح و دسر”

لقاء على هامش توقيع “ألواح و دسر”

أجرى الحوار : الاستاذ وحيد تاجا. نشر في موقع دار الفكر..

اليوم .. كان موعد زوار ” دار الفكر ” مع الدكتور أحمد خيري العمري ليوقع على كتابه الجديد الصادر عن الدار والذي حمل عنوان لافتا (ألواح ودسر (..

في لمحة سريعة عن كتابه الجديد “الواح و دسر” سألنا  الدكتور احمد خيري العمري عن هذه الرواية و قال :

 - ربما يصعب جداَ على أي كاتب أن يتحدث عن كتاب كتبه أو رواية ألفها، بل ربما الأمر أيسر ليس على الناقد المختص فحسب بل حتى على القارئ  العادي أما شهادة الكاتب  في كتابه فتكون مجروحة والجرح هنا سلبي  وايجابي ، فالشهادة السلبية قد تكون من باب التواضع الزائد ، والشهادة الايجابية قد تكون نتيجة أوهام “العظمة الزائفة” التي قد تعتري بعض الكتاب…..

وقد قيل في الأمر أن  الكاتب لا يعرف عن كتابه أكثر مما تعرف الشجرة عن الهندسة الزراعية ، لكل ذلك أجدني مضطراً للقول بأن كل  ما سأقوله عن” ألواح ودسر” هو من أن الرواية  باب من أبواب  “المحاولة” ونجاح هذه المحاولة أو فشلها لن يقرره إلا الناقد الوحيد الذي يمتلك المصداقية  و هذا الناقد  هو الزمن وهو الذي سيقول كلمته بعدما نكون قد رحلنا جميعاَ للأسف. 

-”الواح و دسر” محاولة لماذا بالضبط؟

ألواح ودسر  محاولة لكسر الهوة الوهمية بين القصص القرآنية وبين واقعنا اليومي المعاش وهذه المحاولة قد تأخذ شكل الرواية العجائبية أو الفنتازيا أو حتى الكوميديا السوداء في جانب  من جوانبها، وهي تتعمد عن سبق إصرار وترصد كسر حواجز الزمان والمكان لأن هذا بحد ذاته هدف لها ، فإخراج القصص القرآنية من قوالب “الحدوتةالتاريخية إلى اللحظة اليومية أي إلى مفهوم” الآن وهنا” ،هو الذي يمنحها استمرارية تأثيرها بل و استمراية إعجازها..

في الرواية الكثير من الرموز والإشارات ربما كشفها قبل قراءة الرواية قد يفسد على القارئ متعة الكشف عنها ولكنني أؤكد أن هذه الرموز لها امتداد قوي في “العقل الجمعيلشعوبنا أو حتى في “اللاوعي الجمعي”،  فهذا الوعي واللاوعي قد تشكل عبر القرون وتفاعل مع القرآن الكريم وقصصه. ..

 

استخدام هذه الرموز الكامنة بل واستثمارها قد يكون مفتاحاَ من مفاتيح التغييرالذي لا أنكر أني أنشده..

 -هل هو أدب توجيهي إذن؟

لست مهتما بالتصنيف ولست منزعجا فيما  لو صنفت الرواية في هذا التصنيف آنيا ، ما يهمني هو أن يتفاعل القراء مع الرواية وأن يكون التفاعل ممتعا لحظة القراءة ومفيدا عند الانتهاء منها.

- ولكن ماذا عن  التواصل الحميم بين المؤلف وقرائه من خلال التوقيع على كتابه ؟

- التواصل مع القراء عملية معقدة وخطرة وهي قد تؤثر سلبا كما إيجابا .

تأثيرها الايجابي يتركز في أن الكاتب يعي- مع تواصل القراء- أنه على الأقل (لا يحرث  في البحر ) و أن هناك من ينصت له ، ويمنحه نوعا من العزاء والمواساة عن  الهوة الموجودة بين العالم كما هو والعالم كما يجب أن يكون، و بين الحقيقة و الامر الواقع…

أما التأثير السلبي فهو السقوط في فخ الإنقياد للقراء والكتابة “حسب الطلب”.. بالتأكيد ما يرغبه القراء مهم جدا بالنسبة لأي كاتب لكن عليه دوما أي يفرز ما هو زائد وما هو ضروري وان يجعل بوصلته الداخلية هي الأساس ، ثناء الجمهور مهم ومغذي و لا يمكن لأحد أن يقول أنه لا يحب ثناء القراء ،لكن هناك حدودا لهذا..فالثناء يجب أن يكون ناتجا عرضيا و ليس هدفا أساسيا ،   على الكاتب أحيانا أن يصدم جمهوره وأن يبث تغييرا في وعيهم عبر عملية قد تكون مؤلمة جداً..  بينما السقوط في فخ إعجاب القراء و طلب ثنائهم  قد يمنعه من ذلك خوفا من فقدانهم  ، مسؤولية الكاتب هي أن يوازن بين هذا كله وأن يجعل إعجاب القراء وسيلة لنشر الأفكار و الترويج لها  لا غاية بحد ذاته ..

-كيف تقيم تجربتك الشخصية مع القراء ؟

بالنسبة لتجربتي الشخصية فقد كنت محظوظا فعلا بتفاعل مميز من قراء مميزين وكان لهم فضل كبير في إنماء تجربتي وتقويتها ..لا أنكر أبدا أن بعض القراء و القارئات قد أغنوا تجربتي بملاحظاتهم الدقيقة و ساهموا أحيانا في الترشيد و التصويب..بعض القراء كتبوا لي من سجون الاحتلال ، و آخرون كتبوا لي من أقاصي الارض ، بعض من تواصل معي كان في العقد الثامن ، و آخرون كانوا في العقد الثاني فقط ، و كل هؤلاء أضافوا لتجربتي رصيدا ما كان ليضاف لولا تواصلهم معي..

 

ولدى لقائنا مع بعض الزوار والقراء الذين اخذوا توقيع الدكتور العمري على كتبه حدثتنا ميداء شهابي بأنها قارئة لمجموعة من كتب الدكتور احمد خيري العمري وهو كشخص احترمه واحترم أفكاره التي يقدمها ويهمني جدا  أن أقابله مقابلة شخصية والحصول على توقيعه.

 أما الطالبة في كلية طب الأسنان آلاء المرعي أضافت على أنه هذا اللقاء له طابع معنوي رائع،  من الجميل جدا أن تزيد من طبيعة  هذه العلاقة الحميمة مع الكاتب نفسه ومما يقدمه من خلال لقائه  ويبقيك على تواصل فكري مع الكاتب.

 

أما الطبيب أحمد السيد أفادنا أن هذا اللقاء فرصة للقارئ لطرح بعض التساؤلات التي تكون في مخيلته عن  الكتاب على الكاتب  نفسه وبالتالي هذا يؤثر إيجابا على القارئ ويعطيه دافعا للقراءة أكثر.

 

حوار مع موقع رسالتي : طموح النسر و دأب النملة !

حوار مع الأديب الطبيب أحمد خيري العمري

بقلم : ريما محمد أنيس الحكيم





رسالتي - السلام عليكم دكتور أحمد ..

و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته…

رسالتي - هل لك أولاً أن تُحدثنا عن نفسك، من أنت ؟

أنا طبيب أسنان عراقي من مواليد عام 1970 ، أنتمي لأسرة موصلية الأصل ، لكنها استقرت في بغداد منذ أوائل القرن العشرين. نشأت في بيت تحتل المكتبة والكتب جزءاً أساسياً فيه. كانت الكتب عملياً، في كل مكان. والدي رحمه الله كان قاضياً لكنه كان مهتماً بالتاريخ، ولديه كتب مهمة في تاريخ العراق المعاصر، على الرغم من أن مجال كتابته ، يختلف عن المجال الذي كنت أكتب فيه، إلا أن ما علق في ذاكرتي من انكبابه على الكتابة لا بد وأن ترك أثراً ما، أصيب والدي بالشلل وهو في ذروة عطائه، و كنت في العاشرة من عمري.. وظل يتواصل معنا عبر الكتابة إلى أن توفي بعد ثلاث وعشرين عاماً من الصراع مع المرض، ولا بد أن يكون لذلك أثر في داخلي.

عدا هذا، نشأت في أسرة ترى المستقبل الجيد لأبنائها إما الطب أو الهندسة، على عادة الكثير من الأسر في مجتمعاتنا العربية، موضوع الكتابة لم يؤخذ بشكل جدي من قبل أسرتي، وطالما أنه لم يؤثر على دراستي، فلم يكن هناك أي اعتراض منهم على (أكوام) الكتب التي كنت أقرأها، وقد مرت الأسرة، بعد مرض والدي ، بضائقة مالية، وكان لا بد لبعض الأشياء أن تحذف، لكن ليس الكتب. فقد كانت والدتي لا ترد لي طلباً طالما تعلّق بالكتب، وليس بثياب جديدة مثلاً!.

رسالتي - متى أتيت من العراق ؟؟ و لماذا غادرته ؟

الذي دفعني للخروج من العراق، هو ما دفع الملايين غيري: الاحتلال وتداعياته الأمنية بالطبع. خرجت من بغداد في تموز عام 2006.

رسالتي - ما هو رأيك بالشام ؟

لن أخفي حبي الشديد للشام. ربما كلمة حب هنا قاصرة.. أنا “منحاز” للشام وللشوام أيضاً. انحياز يضم الحب طبعاً، ولكنه يضم أيضاً أشياء أخرى.

هناك أولاً دَيْن، في رقبتي، ورقبة كل العراقيين الشرفاء ، للشام ولكل سورية، إذ إنها الوحيدة التي فتحت حدودها وأبوابها من بين كل دول الجوار العراقي ، وقد تحملت جراء ذلك الكثير، وتحمل أهلها الكثير من الأعباء جراء ذلك، ورغم ذلك، فقد تحملوه بأناة وطول بال.

إضافة إلى ذلك (الدَين العام)، فهناك دَين شخصي في رقبتي تجاه الشام، ولا يمكن أن أخفي ذلك أو أنكره، فالشام هي التي قبلتني وطبعت لي وأخذتني إلى كل مكان واستقبلتني مجالسها بحفاوة بالغة، كما تكون لي فيها صداقات مضيئة، وتكونت لي أيضاً جذور بأسرع مما توقعت، حتى أني، قضيت فترة عابرة في إحدى دول الخليج، لكني كنت في حالة شوق شديد للشام..

لا يمكن أن أتحدث عن الشام دون أن أتحدث عن “دار الفكر ” مثلاً.. و لا أريد هنا أن أقول ما يمكن أن يعتبر مجرد مجاملة من كاتب لناشره ، فعلاقتي بالأستاذ عدنان سالم أكبر من ذلك بكثير.. كذلك لا يمكن أن أتحدث عن الشام دون أن اذكر دور السيدة “أم بشر”- هدايت سالم – التي كانت أكثر من أم بالنسبة لي.. قدمت النقد و النصح والإرشاد و الدعم و الإسناد ..كانت أفضل ما يمكن لكاتب أن يحصل عليه في بداية طريقه..

عدا عن الدين الشخصي والعام، هناك ما لا يمكن أن يتجاوز من اللطف والذوق الشاميين، الذي يميز حضارة الياسمين، ربما لم يعد (الياسمين) موجوداً كما كان في البيوت الشامية القديمة – لكنه سكن ألسنة الشوام وجعل ذلك اللطف علامة مميزة لهم.

باختصار، الشام (مروحنة) جداً، حسب التعبير الشامي، إنها مدينة فيها حميمية من نوع خاص، وهذا يجعل انحيازي لها، أمراً حتمياً..

رسالتي - تتنوع كتبك في أنماط مختلفة بين الفكر والأدب والرواية، كيف تفسر ذلك؟..

هذا صحيح.. الفكرة عندي هي الأساس، و هي فكرة “النهضة” تحديداً ، لكني أحاول تقديمها بشكل مختلف لإيصالها لقارئ مختلف. كان (البوصلة القرآنية) يمثل بحثاً عن أسس عقلية للنهضة تتشكل عبر القرآن، وكان هذا البحث يفارق في بعض النقاط الرؤية التقليدية السائدة، هذه الفكرة أو على الأجل جزء منها عرضت بشكل روائي، ولقارئ يمكن أن يكون أصغر سناً في (أبي اسمه إبراهيم)، في (الفردوس المستعار) المنطلقات القرآنية تتعارض مع القيم الوافدة، (سلسلة ضوء في المجرة) محاولة لتقديم الدعوة بأسلوب أدبي مختلف، وسلسلة (كيمياء الصلاة) تجمع بين فكر النهضة و فقه الشعائر كما مرًّ..

أما (ليلة سقوط بغداد)، فهي بمثابة سيرة ذاتية تجاه تجربة السقوط ، الاحتلال..

رسالتي - فلنبدأ مع السلسلة الرائعة ( ضوء في المجرة ) .. ما هي ملامح الدعوة التي أوردتَها في سلسلة ( ضوء في المجرة ) ؟

كانت (ضوء في المجرة) بمثابة دورة تدريبية لي على نمط كتابة مختلف. ربما ليس في السلسلة فكر كالذي في البوصلة القرآنية – كتابي الأول – ولكن فيه بالتأكيد أسلوب مختلف في عرض الأفكار. أفكار السلسلة عموماً مقاربة للموجود في موضوعات الدعوة والوعظ، لكني كنت أشعر، ومنذ زمن بعيد، أن تكرار النمط الواحد في الوعظ، قد جعله يكّف عن التأثير في الكثير من الناس، خصوصاً الناس (غير الملتزمين) الذين يجب أن يكون الخطاب موجهاً لهم!.. لذلك حرصت، في السلسلة، على تقديم نمط مختلف في الأسلوب، نمط شخصي وحميم، يقدم الفكرة نفسها، ولكن من مدخل آخر..

رسالتي - ( غريب في المجرة ) آخر كتب سلسلة ( ضوء في المجرة ) يدل على أن صديقك الذي ذكرته في هذه الرسائل حقيقي وموجود، وأن السلسلة بالفعل كانت موجهة إليه..

لكننا حين نقرأها نشعر بأنها موجهة إلينا، وهذا ما سمعته من كثير ممن تناقشت معهم حولها، فقد قال لي أغلبهم ما معناه: شعرت بأن الكلام موجه إلي، ما هو السر في تأثيرها هذا برأيك ؟؟ خصوصاً وأن ناشر هذه السلسة قد أوحى بذلك عندما كتب على الغلاف الخلفي لها: [ إنها رسائل مكتوبة من أجل إنسان واحد فقط، لكنه إنسان حقيقي: قد يكون أي واحد منا، بكل خفاياه وخباياه وخطاياه ورغباته وخيره وشره ]؟؟

هذا صحيح.. السلسلة كتبت أصلاً لشخص واحد. لم يكن (صديقي) عندما بدأت الكتابة، لكن صداقتنا تشكلت بالتدريج وعبر الكتابة والتفاعل معها. هذا (الشخص) كان يمثل الكثيرين طبعاً، كان ممثلا عن “الجيل ” بأسره كما كتبت في إهداء “غريب في المجرة”.. كنت واعياً بذلك منذ البدء ، ليس فقط لأن المشترك الإنساني أوسع مما نتخيل خاصة أمام قضايا كالتي نوقشت من خلال السلسلة ، و لكن لأن هذا الصديق كان يمثل بالذات النمط الذي في ذهني “للقارئ ” الذي أتوقع أن تغييره سيسهم في تغيير المجتمع : إنه ذلك القارئ الذي ، بسبب من السياسات التعليمية ، حاز على شهادة جامعية ، ولكنه لم يحصل على “الثقافة” بمعناها العميق ..أي أنه حاز أدوات معينة يمكن أن تسهل تفاعله مع الفكر الذي أريد توصيله. هذه الفئة واسعة جداً و هي مهمة جداً في الوقت ذاته.. وكان صديقي ، الحائز على شهادتين جامعيتين ، نموذجاً جيداً لهذه الفئة..

كنت واعياً أيضاً، أن ما كنت أكتبه، سيجد طريقه للنشر، وسيخرج من نطاق الرسائل الشخصية، إلى نطاق أُسميه و بلا حرج نطاق “الأدب الدعوي” ، لكني لم أكن أدرك أن ذلك سيحدث بالسرعة التي حدث بها لظروف لا مجال للخوض فيها الآن . خاصة أن الرسائل كلها – كتبت في الفترة ما بين كتابة البوصلة القرآنية، وخروجها من المطبعة، وكنت واضحاً تماماً في أن ما يكتب الآن، سيكون-لاحقاً- في متناول الجميع، وقد أشرت لذلك أيضاً، تحريرياً، في (غريب في المجرة)، الجزء الأخير من السلسلة..

رسالتي - يقول الناشر في مقدمة سلسلة ( ضوء في المجرة ) :

[ الكلمة تخيف .. وبعض الكلمات ترعب ..

والكلمة مسؤولية …. والمسؤولية لها ما وراءها ..

وحين تصدر الكلمة، وتكون أحياناً كالقنبلة التي تُحدث الانفجار، حين ذلك لا يمكن أن ترجع أو تُسترجع.

على أن أجزاء هذه السلسلة ليست قنابل، ولا تُحدث الأذى، ولكنها أجراس قوية وضعيفة تُوقظ النائمين، وتُنبه الغافلين، وتهدي الحيارى ].

كيف تقوم هذه السلسة بهذه المسؤولية التي تحدث عنها الناشر في كلماته الرائعة تلك ؟؟

إن كانت السلسلة فعلا قد نجحت بذلك ، فهو أمر يعود ، و بعد توفيق الله عز و جل إلى اتباع نمط حميم في الكتابة..انه الحديث الهامس الذي يشبه البوح الحميم .. لا أنكر أن الصراخ العالي قد يجدي أحياناً .. لكن الهمس الحميم قد يجدي أيضاً..

رسالتي - وهل أثّر ذلك على أسلوبك في الكتابة؟..

بالتأكيد. لقد كنت أؤمن دوماً – على الأقل منذ أن كنت في الخامسة عشر- أن الكلمة المكتوبة يمكن لها أن تغير الإنسان. في تلك السلسلة بذلت جهدي في أن أكتب ما يسهم في التغيير. (تقنية) الكتابة كانت منصبة على ذلك، وقد تركت أثراً في كل أسلوبي لاحقاً. هناك شيء من هذا التوجه في البوصلة القرآنية التي سبقت ضوء في المجرة.. لكن التفاعل الإنساني المباشر في هذه السلسلة كرّس هذا الأسلوب وعمقه، وقد ظهر أثر ذلك في كل ما كتبته لاحقاً..

رسالتي - هل من فرق بين هذا النمط من الكتابة و بين الكتابة العادية ؟

الكتابة لشخص واحد عملية أكثر صعوبة، وحساسية، هناك تفاعل مباشر، ورد فعل منتظر من شخص بعينه قد لا يكون مهتماً بالأمر، أو قد لا يكون هناك رد فعل أصلاً، بينما الأمر مختلف في الكتابة العادية لأن رد الفعل قد يأتي من أشخاص مهتمين و دفعهم اهتمامهم إلى اقتناء الكتاب و ربما لن يكون هناك رد فعل وسيقنع الكاتب نفسه أنه يكتب للأجيال !! هنا، في ضوء المجرة، حاولت أن أتجاوز ذلك، لا أريد أن أكتب للأجيال اللاحقة الافتراضية التي لن أتمكن من معرفة رأيها بما أكتب.. أريد أن أكتب لشخص من لحم ودم..

رسالتي - لكن بطريقة ما، بدا أنك أيضاً تكتب للجميع و للأجيال أيضا ؟!..

بالضبط.. يبدو أن الكتابة للأجيال تمر بشخص من لحم ودم!

رسالتي - رواية ( أبي اسمه إبراهيم ) رواية للناشئة كما كُتب عليها، وعندما قرأتها وجدت أنها تصلح للأعمار كافة، بل إن جيلنا الجديد بكل أعماره يحتاج أفكارها، أنت تروي فيها قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام كما وردت في القرآن، ولكن بأسلوب قصصي مشوق، لكنك مع ذلك حمَّلتها الكثير من الإسقاطات على الواقع والاستنتاجات والعبر التي تفيدنا في مشروع نهضتنا، هل لك أن تحدثنا عنها، وعن ردود فعل النقاد عنها؟؟

“أبي اسمه إبراهيم ” كما أسلفت محاولة لعرض بعض الأفكار العميقة بأسلوب روائي.. ردود الأفعال دوماً متباينة، وقد تعودت ذلك تماماً، هناك من أحبها جداً لدرجة أنه اعتبرها أهم أعمالي! وهناك من اعتبرها هبوطاً في مستواي!. ربما لا أشعر أن تعبير (الناشئة) مناسب جداً لأبي اسمه إبراهيم، لكنه تصنيف لا بد منه.

هناك حقيقة أحب أن أذكّر بها هنا، وهي أن (الكتابة خارج التصنيف) – وهي الكتابة التي أنتجها عموماً، تلقى اهتماماً من القراء أكثر من النقاد، فالنقاد عموماً يحتاجون إلى قوالب .. لكي يمارسوا نقدهم ومقارناتهم ومقارباتهم. هذا من ناحية، من ناحية أخرى، ومع كل الاحترام فإن الناقد الحقيقي الوحيد المهم هو الزمن، وهو الذي سيثبت ما الذي يمكن أن يصمد من الأعمال وما الذي لن يلتفت إليه أحد بعد مرور ثلاثين عاماً. الأمر المؤسف أننا ، غالباً ، لن نكون موجودين عندما يقول هذا الناقد كلمته!..

أمر آخر أحب أن أشير إليه، وهو أن الكتاب الإسلاميين لا يتكاتفون فيما بينهم في الترويج لعمل ما.. على العكس من اليساريين والليبراليين الذين لديهم (مافيا) إعلامية فرضت أسماءً معينة على الذوق الأدبي دون كبير استحقاق أو تميز. أما الإسلاميون، فهم في شغل شاغل عن هذا: والاسم الذي لا يكون مكرّساً أصلاً، نادراً ما يلاقي الاهتمام الذي يستحقه..و هو أمر أرى أن مواقع الشبكة بدأت تكسره و تغيره..

رسالتي - هل من عمل جديد بهذا الإطار ، أقصد إطار يشبه أبي اسمه إبراهيم؟!..

نعم. هناك رواية جديدة، خارج التصنيف مجدداً، وربما أسلوبها الفني أكثر جرأة، فقد كان هناك محاذير عديدة في أبي اسمه إبراهيم، بما أننا نتحدث عن نبي ، ربما بسبب مفهوم شائع وغير مرتبط بنص ديني، إن عصمة النبي تلزمه بأن لا يمزح حتى في طفولته وقبل أن يكون نبياً، كان هذا الأمر أشبه بحقل ألغام في أبي اسمه إبراهيم، أما في الرواية الجديدة، فالأمر مختلف،كل ما أستطيع أن أقوله الآن إنها قصة معاصرة لسفينة نوح..

رسالتي - أجمل الكلمات التي وردت في كتاب ( البوصلة القرآنية ) ما كتبته في الإهداء :

(( إهداء .. إلى جيلٍ آخر .. قادمٍ لا محالة ))

ما هي الرسالة التي أردت إيصالها لهذا الجيل في هذا الكتاب ؟

باختصار شديد: لا نهضة إلا بالقرآن ! ، لكن الكتاب استغرق 600 صفحة في تكريس ذلك !

رسالتي - ورد في كتاب البوصلة القرآنية في ص 13 :

(( .. عندما نجد أن الخطوط العريضة التي غرسها الخطاب القرآني في فترة التكوين الأولى، والتي كانت بمثابة حجر الأساس واللبنة الأولى لكل ما تلاها من فرائض وشرائع، عندما نجد أن هذه الخطوط العريضة مفقودة بل معدومة في التفكير الديني التقليدي والشائع والمسيطر. فإن الأمر لا يعود عادياً ولا بديهياً ولا حتى منطقياً.

هذا الكتاب هو بحث عن هذه الخطوط القرآنية والثوابت المفقودة، وفي كيفية فقدانها، في الظروف والملابسات التي أدت إلى فقدانها، وأتت بخطوط أخرى مختلفة، بل ومضادة للخطوط القرآنية.

هذه الخطوط المضادة المحتمية بالمؤسسة الدينية التقليدية هي بمثابة أسلاك شائكة، من الصعب تجاوزها واختراقها. والتحدث في هذه الأمور هو أشبه بالتجول في حقل ألغام معرض للانفجار في أي وقت … ))

كلماتك هذه في مقدمة الكتاب، كلمات مهمة وخطيرة، إنها تتحدث عن المؤسسة الدينية التقليدية، التي تعلم الناس أن الكلام عنها بأي انتقاد محرم شرعاً حتى لو كان الأمر صحيحاً، وكلماتك تشكل أمراً بدأ البعض بالحديث عنه ولكن بخجل وتوجس من ردة الفعل التي ستكون ضدهم، ما وجهة نظرك حول هذا الموضوع الشائك، أو كما أسميته أنت بـ ( الأسلاك الشائكة ) ؟؟

الأسلاك الشائكة وحقول الألغام لا بد من المرور بها أحياناً إذا كانت تحجزنا عن الوصول إلى ما يجب الوصول إليه – وليس لأحداث فرقعة عابرة.. هذا بشكل عام ، لكني أحب أن أوضح أن منطلقي في نقد الفكر الديني التقليدي لا علاقة له به إطلاقاً بالنقد الذي بدأ ينتشر الآن، والذي ينتقد الفكر الديني التقليدي من أجل تمرير المشروع التغريبي. منطلقي في النقد مختلف تماماً، إنه نابع من القرآن الكريم ومقاصد السنة، إنه نقد (داخلي) إن شئت..

نقدي للمؤسسة هو ليس نقد للمشايخ ، كما تستسهل الآن بعض وسائل الإعلام وتتصيد الأخطاء والهفوات، إنه نقد لفكر أرى أنه لا يرتبط بالإسلام وبنصوصه الثابتة، بقدر ما ارتبط بتجربة تاريخية أرى أننا في حل من الالتزام بنتائجها.

لذا فإني لا أقصد بالمؤسسة الدينية التقليدية، أكثر من رؤية تقليدية سائدة… ينبغي تصحيحها دوما بناءاً على معطيات القرآن و السنة..

في هذا الإطار، فإن البوصلة القرآنية، لم يُفهَم تماماً كما هو، أو كما قصدته من قبل البعض ، إلا بعد صدور (الفردوس المستعار)، الذي كان نقداً لأسس مشروع التغريب .. أي إن النقد لم يعد منصباً على الرؤية التقليدية فحسب، بل توازى مع نقد التغريب..

وللإنصاف، فإن بعض المشايخ، قد تقبل البوصلة القرآنية، رغم شدّة لهجته ، وهي لهجة ستكون مفهومة إن وضعناها في إطار أن البوصلة هو كتابي الأول، أي أني بدأته في عمر مبكر نسبياً..

رسالتي - هل نفهم من هذا أنك قد تجري تعديلات على البوصلة القرآنية؟..

نعم، على اللهجة خاصة، أما مجمل أفكار البوصلة القرآنية وبنيتها فلا تزال كما هي.. علماً أني لا أجد غضاضة من التراجع عن الخطأ حتى لو كان في بنية الكتاب..

رسالتي - من أواخر كتبك سلسلة ( كيمياء الصلاة ) الذي تتحدث فيه عن كل خفايا الصلاة وكل خطوة من خطواتها منذ انتشار الأذان في الآفاق حتى التسليم، إنك تتحدث عن كل أمر بشكل مختلف يجعل قارئه يحلق في سماء الصلاة، ويتشرب هذه الأفكار ويتمثلها.. كيف استطعت أن تكتب بهذه الطريقة التي أدت إلى نجاح هذه السلسلة ؟؟

كُتبَ عن الصلاة أشياء وعظيمة ورائعة. ومن منطلقات مختلفة، وكلها مفيدة في سياقها. لكني كنت أشعر أن مكتبة الصلاة (أو فقه العبادات و الشعائر ) ينقصها المنطلق النهضوي، كما أني كنت أشعر أن مكتبة النهضة (أو الفكر النهضوي) يحتاج إلى بعد شعائري عملي.. كنت أشعر أن فكر النهضة قد أغرق في التنظير بشكل جعله نخبوياً جداً وبعيداً عن (الناس) بشكل عام.. لذلك رأيت أن ربط إقامة الصلاة، بمنظومة النهضة، بمنظومة إقامة المجتمع، يمكن أن يكون تلك الحلقة المفقودة، التي يتسلل من خلالها فكر النهضة إلى الناس. هذا ما حاولته على الأقل، وأرجو من الله أن يكون قد وفقني إلى ذلك..

رسالتي - سمعنا أنك بصدد تسجيل (كيمياء الصلاة) ككتاب صوتي مسموع، ما الذي دفعك إلى هذا؟..

بصراحة، لا أزال منحازاً للكتاب الورقي التقليدي. لكني منحازٌ أكثر إلى أفكاري التي أسطرها في هذا الكتاب. لذلك أتقبل كل ما هو جديد من شأنه أن يروّج للفكرة أكثر. والكتاب الصوتي لا يزال نادراً في عالمنا العربي، بينما بدأ يشكل – جنباً إلى جنب مع الكتاب الإلكتروني – منافساً خطيراً للكتاب الورقي في العالم الغربي، الفكرة طرحها عليّ وبإصرار الصديق العزيز غياث هواري، الذي كان معي منذ ما قبل طبع البوصلة القرآنية، وقد بدأنا التسجيل فعلاً مع شركة الأستاذ إبراهيم هواري وبالتنسيق مع دار الفكر. النسخة الصوتية من (كيمياء الصلاة) لن تكون مماثلة تماماً للكتاب الورقي، بل ستقدم فكرة مركزة عن كل جزء من أجزاء السلسلة، أي إنها ستكون بمثابة نسخة صوتية داعمة للكتاب الورقي..

رسالتي - هل هذه خطوة نحو الإعلام المرئي؟ وهل هناك خطوة أخرى في هذا المجال؟..

في الحقيقة هناك برنامج أعمل عليه منذ سنتين، والآن و قد دخل تنفيذه في مراحله شبه الأخيرة ، صار يمكن الحديث عنه، وهو مختلف تماماً عن كل البرامج الدعوية المعتادة، وهو فكرة وإخراج وإنتاج المهندس طلال القدسي – البرنامج يسلط الضوء على آيات قرآنية في أجواء خارج التصنيف أيضاًً، النص كتبته أنا، وقدَّم الأستاذ طلال أدوات بصرية وسمعية شديدة الإتقان ، أغنت النص الأصلي وقدّمت عملاً فنياً بحق، مختلفاً تماماً عن كل المتوقع والسائد…

رسالتي - ما هو عنوان هذا البرنامج؟..

للأسف أعتذر عن ذكر اسم العمل، لأسباب تتعلق بالشركة المنتجة..

رسالتي - ما هي الخطوات التي سرت عليها حتى وصلت إلى هذا النجاح / ما شاء الله / هذا النجاح الذي جعلني أسمع المدح لكلماتك وكتبك من كل أتحدث معه حولها، هل لك أن تفيدنا ببعض النصائح ؟

بصورة عامة، هناك عنصران أساسيان لكل نجاح: طموح النسر، ودأب النملة.. التوفيق الإلهي يتوج الجهد البشري الذي يجمع بين الأمرين و يوصله إلى مقاصده. و قد يكون من عوامل هذا التوفيق وجود عائلة مساندة تؤمن بالقضية و تضحي من أجلها…

أخص بالذكر هنا زوجتي، التي كانت بمثابة بوصلة شخصية لي في كل خطواتي ، و التي لم أنتج شيئاً مهماً على الإطلاق قبل اقتراني بها.

لكني أعتقد أيضا أن الإقرار بالنجاح هو بحد ذاته عاملٌ مثبط ؛ لذا فلا بد أن يكون الإقرار بالنجاح محصوراً بباب الحمد و الثناء على الله عز وجل ، واعتبار هذا النجاح نجاحاً مرحلياً ونسبياً لا أكثر ولا أقل. لا أعتقد أن هناك ناجحاً حقيقياً يعتقد أنه قد حاز النجاح الذي يريده..

رسالتي - كلمة أخيرة سيدي الكريم للداعية بشكل خاص، وللإنسان بشكل عام..

لا، ليس من كلمة أخيرة، لا للإنسان و لا للداعية، بل كلمة أولى، هي (اقرأ) !..

رسالتي - أشكر لك هذا اللقاء المفيد، وأرجو أن يستفيد منه كل من يقرأ كلماته ..

أشكر لكِ هذه الفرصة و بارك الله فيك و في موقعكم …

http://www.risalaty.net/article1.php?tq=242&re=80&tn=98&br=245&tr=242&rt=242&rf=90&try=&tt=240&rt=242&rf=90&ft=104&tm=242