أرشيفات التصنيف: مقالات متنوعة

الطفل رقم “خمسين”

الطفل رقم خمسين

أحمد خيري العمري

أنا الطفل الذي حمل الرقم خمسين في الخبر الذي تتناقلونه منذ ليلة أمس.
ليس لدي الكثير لأقوله لكم…
بل لدي شيء واحد.لكن نسيت ما هو..
حدث كل شيء بسرعة . بعدما خف القصف الذي كان بدء منذ الصباح.كسروا الباب .دخلوا وأخذونا ، جمعونا بسرعة ، فصلونا عن أمي ، كنت انا وأخوتي الثلاثة ، وكانت شقيقي في حضن أمي ، كانت مريضة منذ يومين.
انتزعوها بقوة.صرخت أمي.سمعت بعدها الشبيح يسبها لأمي ويضربها.كان آخر ما سمعته منها هو صراخها.كانت تقول.. أولادي.
لم يكن أبي موجودا معها.لم يكن موجودا في أي مكان نعرفه.أخذوه قبل أسبوع من على الحاجز.
ولم نره من يومها.لم نسمع عنه شيئا.
ليس لدي الكثير لأقوله لكم عمّا حدث أمس..فقط شيء واحد.
ألقوا بنا في سيارة كبيرة فيها أطفال في مثل سني.كانوا يبكون.كان بعضهم رضع.وكان صراخهم عاليا جدا.
كان السائق يسبهم ويكفر.
وقفت السيارة أمام منزل في طرف القرية.عند الساحة التي كنا نلعب “الطابة” فيها”.فتح الباب وقال لنا أنزلوا وهو يسبنا أيضا.كان كل من ينزل منا يتلقى ضربة.وكان يقول مسبات كبيرة.بعضها أعرفها وكانت أمي تحذرني من اقولها.وبعضها لم أفهمها.لكن فهمت إنها مسبات “كبار”.
ليس لدي الكثير لأقوله لكم..
ضربني الشبيح على ظهري عندما نزلت من السيارة.كنت أحمل شقيقتي.وقعت أرضا ووقعت شقيقتي.ضحك الشبيح وقال لي أني سني غبي.
عندما دخلنا المنزل ، كان هناك الكثير من الأطفال.معظمهم كان مقيد اليدين.كان بعضهم يبكي.لكن ليس كثيرا.الرضع فقط كانوا يبكون.
كان هناك شبيحة آخرون.قال واحد منهم أن الحبال خلصت.رد عليه الآخر وقال “هلق نذبح كم واحد منهم ونستعمل مصاريهم”.
ضحكوا جميعا.وبكت أختي بصوت عال.
تركونا قليلا.قالت لي أختي ماذا سيفعلون بنا.كنت أعرف.لكني قلت لها لا أعرف.أظن أنها كانت تعرف أيضا.بكت وقال اريد أمي.بكى أخي الآخر وقال أنه يريد أبي.فكرت أننا ربما سنراه بعد قليل.
ليس لدي الكثير لأقوله لكم.
كل شيء حدث بسرعة.الغرفة مزدحمة والبعض يبكي ويريد أمه.دخل شبيح جديد للغرفة.كانت رائحته نتنة أكثر من الباقين.كبر بالكلام وسبنا وكفر أيضا.كنت أعرفه.كان ابنه معي في المدرسة.وكنا نلعب الطابة أحيانا في الساحة المجاورة.
كان يحمل سكينا في حزامه.أخرجها من مكانها.تعالى صوت البكاء.و تعالى ضحك الشبيحة.
قال هو ، أنه لم يشتم رائحة الدم منذ ثلاثة أيام.وأنه اشتاق له.
رد عليه الآخر وهو يضحك ، “امبارح” ذبحنا الثلاثة الذين خذناهم من  على الحاجز، نسيت؟
رد عليه :نعم ، امبارح يبدو بعيدا ، وكفر أيضا..
تقدم خطوة والسكين بيده ، تراجع الجميع  وتعالى الصراخ ، قال وهو يضحك ، بمن سنبدأ يا حلوين ؟ من سيكون الفطيسة الأولى ؟…توقعت أن يصرخ الجميع.أن يزيد البكاء.لكن العكس حدث.عم الهدوء.كما لو كان الكل يريد “أن يخلص”.
تقدم الشبيح ذو الرائحة النتنة من فتاة شقراء الظفيرة.كانت ترتعد.أمسكها من شعرها.قال لها : كنت أريد أن “…”-مسبة كبيرة ، ولكن ذبحك ليس أقل متعة.
كانت ترتعد ،أخذت تقول “الله يخليك عمو”..”الله يخليلك ولادك”..أما هو فقد قال لها : الله يخليني ؟ بدي أذبحك وأذبحه كمان…
وضع السكين على رقبتها ، وبسرعة جزها ، كانت لم تكمل بعد جملتها ، كانت تقول “الله يخلـ…” ثم إذا به يرفع رأسها بين يديه…
شوح به أمام الجميع.حمله من الظفيرة وهو يقطر دما.كان جسدها على الأرض، والدماء تتدفق منه علينا جميعا.
على صوت البكاء.كانت هناك بنت صارت تبكي وتتشاهد بصوت عال.أمسكها أيضا وقال لها : “وهي مشان الشهادة” وضربها سريعا في حنجرتها..ثم أخرج حنجرتها ورماها علينا..
لكن البنت ذكرتنا بالشهادة، فصرنا نرددها جميعا.تذكرنا ما نسمعه دوما من أن من يقول الشهادة قبل أن يموت يكون في الجنة..فاخذنا نقولها..أنزعج هو وصار يسرع في الذبح ..اختلط البكاء بصوت لاحظته أنه يصدر عنهم وهم يرتعشون بعد الذبح ، باصوات التشهد ، بمسبات الكفر وضحكات الشبيحة..
رأيت سامر ابن خالي بين يدي الشبيح.لم أكن قد انتبهت لوجوده قبلها.كان سامر ساكنا على غير عادته ، لكن عندما ذبحه ، انتفض فجأة وأخذ يركض ، كان رأسه متدليا تقريبا ، لكنه ركض باتجاهي.كما لو كان يريد أن أنقذه.كان الدم يتدفق من رقبته مثل البربيش،وجدت الدم يغطي وجهي ،تراجعت حتى صار الحائط خلفي ،أظنني كنت في الزاوية،لم أعد أرى شيئا لأن الدم صار يغطي عيني،لم أزله.فضلت أن لا أرى…
ليس لدي الكثير لأقوله لكم ، لكني تذكرتكم جميعا في تلك اللحظة..تذكرته ما قاله لي ابن عمتي عبد الرحمن ، الذي التحق بالجيش الحر قبل شهر ، كان عبد الرحمن يدرس في الجامعة ، وكان لديه حاسوب في غرفته ، وكان يسمح لي أحيانا أن العب ببعض الالعاب على حاسوبه ، يوما ما أراني “موقعا” قال أنكم تدخلونه ، نسيت اسمه ، وقال أنكم ، عندما يستشهد واحد منا ، فأنكم تكتبون عنه في هذا الموقع..سألته يومها إن كنتم مرضى أو معوقين أو على كرسي عجلة ، فضحك وقال لي “تقريبا”…
تذكرتكم…
ليس لدي الكثير لأقوله لكم ، ربما كلمة واحدة فقط ، كانت على لساني ونسيتها..
بعدها لم أعد أرى.كنت في الزاوية  واسمع فقط ، كنت واثقا من أن شقيقتي ذبحت.سمعت صوتها وهي تنادي أمي.وتذكرت أمي.
سمعت صوت الشبيح يقول أنه يحتاج إلى سكين آخر لأن هذا السكين لم يعد حادا..
قال له الآخر : أحسن !..يتألموا أكثر عند الذبح..
…لا أذكر الكثير بعدها..نفس الأصوات بقيت تتكرر ..صرت أميز صوت الدم وهو يتدفق..كلما قل صوت البكاء كنت أدرك أن الدور قد أتى علي..
فجأة أدركت أنه قد اقترب مني ، كانت رائحته لا تزال واضحة رغم رائحة الدم..
أمسك برقبتي..
تذكرت ما أريد أن أقوله لكم ، في تلك اللحظة تذكرت.
أريد أن أقول لكم أني أبصق عليكم جميعا.جميعا.كلكم.أنتم يا من تقرأون هذه الكلمات.منذ سنة نذبح وأنتم لم  تفعلوا شيئا لوقف الذبح.أبصق عليكم وعلى كاتب هذه المقالة أيضا.لعله لم يجد شيئا آخرا يفعله.أو شيئا أفضل يكتبه..
أبصق عليكم جمبعا.ولا أعتذر من أي أحد..
وضع  الشبيح القذر السكين على رقبتي..
تشاهدت…
وبصقت عليكم مرة أخرى…

أب عبدو ، يا غريب حمص…

أب عبدو ، يا غريب حمص…

د.أحمد خيري العمري


لا تكتمل الجرائم قط..

فقط صمتنا عنها ، يجعلها تقترب من الكمال…

والصمت قد يكون لأسباب ودوافع كثيرة..

لكنه في النهاية ، وبغض النظر عن دوافعه الأولى ، فإنه يتحول ليصير تواطئاً مع المجرم..

قد يكون السكوت خوفاً من تكرار الجريمة..

لكنه في الحقيقة يقوي المجرم على التكرار..

قد يكون خوفاً من الفضيحة..

لكن الأمر سيتكرر ليصبح ظاهرة ، بعدما كان في البداية حالات معدودة..

قد يكون حرصاً على “الوحدة الوطنية”..

لكنه في هذه الحالة يبنيها على محض أوهام.

لكل جريمة عدة شركاء فيها.

الساكت الخائف أحدهم.

أما المتفلسف المروج للصمت ، فهو يتعدى مرحلة الشيطان الأخرس.. إلى ما بعدها..

******************************

عندما كان الصهاينة يرتكبون مجازرهم في القرى الفلسطينية ، كانوا يتعمدون ترك بعض الناجين الذين رأوا كل شيء..

كان هؤلاء يفرون إلى القرى المجاورة ، طلبا للنجدة .. أو فقط تمسكا بالحياة..

وكانوا  طبعا يروون ما حدث..

وكان هذا أحياناً كفيلاً بجعل سكان القرى المجاورة  يفرون خوفاً من تكرار ما حدث في القرية الأولى.. خاصة أنهم كانوا يتأملون مجيء الجيوش العربية التي ستنهي ما كان يسمى آنذاك “إسرائيل المزعومة!!”…

كانوا يرتكبون مجزرة في قرية واحدة ، ويتركون ناجياً ليروي ما حدث.. فتهرب ثلاث قرى..

******************************

الناجون من مجازر النظام الأسدي ليسوا من هذا القبيل…

لم تكن نجاتهم أمراً متعمّداً كي يرووا الفظائع ويرهبوا الآخرين.. فالفظائع تنتشر بكل الأحوال..

كانت نجاتهم قدراً  وتتزامن مع  إهمال ارتكبه مرتكبو المجزرة ، أو إسراعهم بالخروج .. أو عدم تأكدهم من موت الجميع..

هؤلاء كانت نجاتهم تحدياً للصمت الذي يلف جثامين الضحايا… كانت نجاتهم خنجراً لقطع كمامات الصمت التي تحيط بأفواهنا ، كان بقاؤهم على قيد الحياة ممزِقاً للخيوط التي تخيط الشفاه ، وتخرس الألسنة..

لقد عاشوا لحكمة مختلفة ، لا لكي يهرب الآخرون هذه المرة..

بل كي لا يتكرر الأمر كله.

********************************

أب عبدو الحمصي واحد من هؤلاء.

إنه شخص عادي جداً.. بسيط جداً.. لا يمكن أن تتخيل سبباً واحداً قبل هذا الحدث لكي يكون مادة لمقال أو ضيفاً في لقاء على فضائية..

لكن هذا بالذات ، كونه بسيطاً جداً ، وعادياً جداً ، هو ما يجعله فعلاً أهلاً ليكون مادة المقالات وضيفاً في الفضائيات..

هذا الرجل البسيط ، الحمصي جداً حتى النخاع ، عامل البناء الذي يعمل بأجر يومي نجا من إحدى مجازر  النظام الأسدي في حمص ، في حي كرم الزيتون تحديداً..

ولقد نجا ليروي لنا ، بالتفصيل ما حدث.

********************

أعرف اسمه الحقيقي وهو اسم محمّل بالمعاني، لكنه رفض أن أفصح عنه.

وفضّل أن يكون “أب عبدو الحمصي”..

كما لو كان ممثلاً عن أهل حمص كلهم أجمعين.

“أب عبدو الحمصي” هو.. مثل الآلاف من أهل حمص..

وهو اليوم ، يحدثكم بالنيابة عنهم جميعاً..

وبطريقة ما ، بسبب رمزية حمص ، وارتباطها بتاريخ عميق عريق ، فإنه يتحدث بالنيابة عن أكثر بكثير من أهل حمص فقط..

******************

عمره 42 سنة… مثلي بالضبط. مواليد 1970…

ولدنا ، أنا وهو ، بعد ثلاث سنوات من الهزيمة التي توجت الضياع الرسمي لكل فلسطين ، والتي تم  تسميتها تخفيفا بالنكسة ، كي تستمر الأنظمة التي تسببت فيها بالحكم وبالاستمرار في كل ما أدى إلى الهزيمة..

مرّ جيلنا ، في عموم الوطن العربي ، بظروف متشابهة.. مع استثناءات نادرة…

لكن التشابه بين ما مر به جيلنا في العراق وسوريا كان حتماً أكبر من أي تشابه آخر ، ليس فقط لوجود “تشابهات عضوية” في نسيج المجتمعين (اللذين يمتلكان امتدادات متداخلة كما هو معلوم ) وهي تشابهات تتوضح أكثر عندما يمر النسيح الاجتماعي بأزمة ، أكثر مما تتوضح في أوقات الاستقرار – إن وجدت !..

التشابه كان أيضاً في ابتلاء المجتمعين بنظام عسكري استند على توليفة من الأيدلوجيات الهجينة على النسيج الاجتماعي الأصلي ، وعلى بعضها البعض أيضاً ، وهي التوليفة التي جعلت حزب البعث العربي الاشتراكي مثل حذاء الطنبوري (كله رقع !) (يتشابه في ذلك مع تيارات سياسية وفكرية أخرى كثيرة عموما، فأحذية الطنبوري رائجة جدا بفضل قوة الدعاية المصاحبة لها..).. وقد كان ذلك كله مجيَّراً لصالح هيمنة عشائرية –مناطقية في الحالة العراقية ، و هيمنة طائفية مناطقية في الحالة السورية..

كل هذا يجعل من “أب عبدو الحمصي” ، ومن نجاته من  المجزرة ، بمثابة حدث “شخصي” يخص كل من في جيلي ، بل كل من عاش تحت ظل نظامي “الأخوة الأعداء” في سوريا والعراق ، خاصة أن الوضع الحالي في العراق ، يقترب أكثر من الوضع في سوريا ، من ناحية التحالفات الإقليمية والهيمنة الفئوية..

أب عبدو الحمصي ، لم ينج بنفسه فقط ، بل نجا بنا جميعا.. نجا ليقول إن “الجيل كله” تعرض ويتعرض لمجزرة ما..

نجاته لم تكن صدفة، حاشا لله.

بل لإيصال رسالة ما..

أحاول الآن  صياغة ما تيسر منها..

******************************

لم يكن أب عبدو ناشطاً مهما في الثورة ، لم يكن قد انضم للجيش الحر… كان يكره النظام مثل أغلب السوريين الشرفاء، ويؤيد إسقاطه مثل أغلب الحماصنة… كان قد ساهم في عدة مظاهرات على ما تيسر.. وساهم في مساعدة بعض الناشطين في بعض الفعاليات.. لا أكثر، ولم يطلب منه أحد أكثر… لم يكن من واجبه في تلك المرحلة سوى أن يعبر عن رأيه وتأييده للثورة..

ما الذي حدث؟..

كيف حدثت المجزرة التي نجا منها أب عبدو ؟

************************************

يسكن أب عبدو في حي النازحين ، وهو جزء من حي كرم الزيتون في حمص.

حي النازحين هو حي آخر تتمثل فيه مآسينا المتداخلة ..أنه حي سمي بهذا الاسم أصلا لأن النازحين الفلسطينيين سكنوا فيه أبتداءً..

تعرض الحي إلى قصف عنيف للفترة من 10 إلى 13 /3 ، وكذلك تعرضت أحياء باب الدريب وجب الجندلي وسواها..كان ما يحدث عموما هو أن يقصف الحي لمدة ثلاثة أيام ، على نحو عشوائي ، ثم يتم اقتحامه..

لم هذه الأحياء تحديدا ؟..

لقربها من حي النزهة..الحي الذي تسكنه الفئة التي توصف أنها موالية للنظام.الموالاة هنا تقوم على أساس طائفي محض ، وهذا أمر لا يحتاج أن يبرر أو يفسر.قد يكون النظام قد تمكن من تجييش الطائفة أو تخويفها أو أي شيء آخر..

النتيجة واحدة ، مؤسفة ربما .لكنها واحدة.

نقل أب عبدو أسرته ، زوجته ومعها خمسة أطفال إلى منزل أهلها في حي العشيري من حي كرم الزيتون في 9/3/2012. ..ثم التحق بهم بعد يومين..في 11/3/..

تصور مخطئا أنه وأسرته سيكون أكثر أمانا هناك.

في اليوم التالي تم اقتحام الحي بعد صلاة الفجر.

أعلن في مكبرات الصوت عن عدم الخروج.كان ذلك مفهوما. كل من سيخرج سيقتل فورا.القناصة في كل مكان.

كان لبيت اهل زوجته جار مسيحي ، خرج وطلب من “العناصر” أن يسمحوا له بالخروج إلى بيت أخت زوجته ، في حي النزهة.

سمحوا للزوجة فقط.منعوه هو.

بعد العصر وصلوا لمنزل حيث كان أب عبدو وأسرته.

طلبوا من كل الرجال مغادرة المنزل ومعهم هوياتهم.كان هناك الإيحاء إنهم سيعودون فورا بعد أن يتم التأكد من “الحاسوب”..قال لهم الضابط هكذا بصوت عال.بلهجته المميزة التي تعلن للجميع عن انتمائه.عندما سلم أب عبدو الهوية هويته للضابط ، قال له ، على عادة الحماصنة “يعطيك العافية”..

فكان رد الضابط “إنقبر”..

كان الامر مبيتا.

لكن أب عبدو لم يفهم المعنى في تلك الكلمة.تصورها مجرد إهانة من شخص منزعج او سيء الخلق.

قيل لهم أن يركضوا إلى آخر الشارع ، حيث مدخل حي النزهة…قيل لهم أيضا أن كل من سيتأخر في ذلك سيطلق عليه الرصاص..

ركضوا طبعا.وصلوا إلى حي النزهة.تم تغطية أعينهم بما تيسر من ملابسهم. وتم تقييد أيديهم من الخلف وبقسوة شديدة.ضربوه  بشدة عندما فتح أصابعه  أثناء تقييدها…أدخلوا إلى منور ضيق بين منزلين.منور بطول ثلاثة إلى اربعة أمتار وعرض سبعين إلى ثمانين سنتيمترا ،..كانوا في وضع القرفصاء ، وكانوا يستمرون بإدخال الآخرين ويجبرونهم على الجلوس في نفس الوضع فوق من سبقهم حتى يكاد يختنق هؤلاء.

صار عددهم يزيد عن الاربعين إلى الخمسين رجلا في هذا المكان الضيق.

وكل ذلك وسط كفر مستمر من قبل العناصر.كفر صريح.كفر يعلن عن نفسه وانتمائه.كفر يريد أن يقول : أنا كافر.دون أي لف أو دوران.كفر متحدي وواضح ..

كانت كلمات الكفر تركز على الله جل جلاله، والرسول عليه الصلاة والسلام.كانوا يرددون مرة بعد اخرى  “الله لا يمكنه أن يزيح بشار من الكرسي..”..

طبعا كان السباب والشتائم أمر في منتهى القذارة.أولئك الذين لا عرض و لا شرف لهم يسهل عليهم امتهان أعراض الآخرين..

….

توسلوا جميعا أن يسمحوا لهم بالوقوف….كان من صار تحت الباقين يكاد يختنق…

لم يسمحوا لهم بذلك ، إلا أن بدا بعضهم يقول”مشان بشار..مشان حافظ..”..

استحلفوهم بإلههم ..بمعبودهم..فسمحوا لهم بالوقوف..

قضوا نحو الساعتين في هذا الوضع..

ثم أخرجوهم من المنور…

ليس عندي من تفسير لهذا الاحتجاز غير شيء واحد ،..تمريرهم في فترة من الإذلال المركز ، الذي يجعلهم يتوسلون ببشار أو حافظ ، واستغلال هذا الوقت لجمع أهالي الحي ، ومن ثم إخراجهم لهم وهم بهذه الحالة..

نعم.تم جمع أهالي الحي ، ومن ثم أخرج هؤلاء من محبسهم الضيق.تعالى السباب البذيء والضحك والهتافات الرخيصة.رجال ونساء شاركوا بهذا.يفترض أنهم أبناء وطن واحد ، هم وأب عبدو ومن معه.ولكنهم فعلوا هذا ، بالضبط كما كان يفعل الرومان بأسرى حروبهم ، يمررونهم في شوارع روما وسط صفير وتصفيق الناس..

وهكذا حدث في حي النزهة أيضا…اشترك الجمهور بالبذاءة والسباب.لم يكن من الممكن رؤيتهم بوضوح.فقد كانت الأعين شبه مغطاة.لكن من خلال فتحات الملابس ، التي كان يصادف أنها موجودة امام الأعين ، ومن خلال القماش نفسه ، كان أولئك الرجال ، يرون بشكل غائم ، مواطني حي النزهة وهم يضحكون من آلامهم وإذلالهم..كانت النسوة تقول : هذا القصير ، اضربوه ، الآن هذا الطويل..هذا السمين..كي لا يزعل..

كانت تنتظرهم  سيارة حمل متوسطة ، هيونداي ، وكان عليهم الصعود إليها وهم يسيرون إلى الوراء  وأيديهم مقيدة من الخلف ، ارتفاع السيارة كان لا يقل عن سبعين إلى تسعين سنتمترا ، ولكي يصعد أي شخص بطول طبيعي ، يحتاج إلى أن يكون في مواجهة خلفية السيارة ، وأن يستند بيديه عليها ، لكي يتمكن من الصعود ، إلا إن كان من أبطال الساحة والميدان…

كيف كانوا يصعدون إذن؟

كان عناصر الأمن يساعدونهم ، إن كان يمكن تسمية م يحدث بالمساعدة.كان “المعتقلون” يضعون ظهورهم على سطح السيارة ، ويقوم العناصر بضربهم وركلهم على باطن قدمهم حتى يتم “حشرهم” داخل السيارة، وهكذا تم إصعادهم جميعا ، مكومين واحدا فوق الآخر..بهذا الإسلوب..وسط فرح جماهير الحي بهذا العرض الذي أيقظ غرائزهم (هل كانت نائمة؟)..

اقتيدوا أولا إلى منزل لم ينته بناءه بعد، بيت قال “أب عبدو” ، مما كان يراه من تحت العصابة،أنه  كان بتشطيب ممتاز.تهامسوا بينهم.ثم جمعوهم وأخذوهم مرة ثانية ، بنفس الطريقة ، إلى  بيت آخر ، لم يفهم أب عبدو مالذي حدث.لكن من الواضح تماما ماذا كان الهمس.لم يكن هناك جماهير “صاخبة”أمام هذا البيت.إذن لم يكن في حي موال.كان في بقية حمص.أي في حي حمصي حقا…وكان بتشطيب “ممتاز”..ولقد تهامسوا فيما بينهم ثم أخرجوهم من البيت.

من الواضح أنه بيت في حي مهجر.وأنهم طمعوا فيه بعدما رأوا جودة بنائه..فأخذوهم إلى بيت آخر ، في حي مهجر أيضا ، لم يميزه أب عبدو..

البيت الثاني كان بيتا بسيطا..استطاع أب عبدو أن يرى الأثاث ، كان بيت أقرب إلى البيت العربي…بأثاث بسيط..، أجلسوهم أرضا ، واخذوا يضربونهم بأخمص أسلحتهم متعمدين الضرب على الظهر ، وسط الظهر ..وسط مسبات كفر شنيعة..أحدهم كان يتعمد  الغناء بصوت عال أثناء ذلك.كان يغني باللهجة الحمصية.ثم يكمل بلهجته  ضاحكا وهو يقول : تعتقدون أننا لا نعرف لهجتكم ؟…

تركوا قليلا على الأرض.من كان يتجرأ على رفع الصوت بالدعاء كان يعاقب بالمزيد من الضرب على ظهره.كان احدهم يتمشى على ظهورهم.ويقفز ويتقافز عليهم ، بعضهم كان ظهره أصلا  قد أصيب على ما يبدو بشدة  عندما ضرب بأخمص السلاح، وجاءت هذه القفزات لتزيد من آلامه ، وجاء تعبيره عن ألمه فرصة لتوجيه المزيد من الضربات له..كان أحدهم يبدو  سعيدا بقدرته على إيذائهم ، كان يقول له أنه سيضع قدميه في “…” أمهاتهم و زوجاتهم..وأنهم سيعتدون عليهن.احدهم كان يقول لهم تلك العبارة “التاريخية” التي تتكرر كثيرا من هؤلاء ، وتعود في جذورها إلى أحداث حماة ،وتقال اليوم بتكرار للمغتصبات : يقال ، سنجعلكن تربون أبناءنا !..

وقيل لهم الشيء ذاته ، قيل :زوجاتكم سيربين أبناءنا..سيحملن منا ويربون أبناءنا..

كان هناك حاوية زجاجية كبيرة (بوفيه) في الغرفة ، مما توضع فيه بعض المقتنيات الخزفية والزجاجية، أخذ أحدهم يكسر المحتويات على رؤوسهم…يكسرها بشدة وحقد ، بينما هو يسب كما لو كان قد رضع هذا الحقد منذ طفولته.كما لو أنه تدرب على ما يفعله الآن طيلة حياته.بل كما لو أنه عاش حياته ليصل إلى هذه اللحظة..

نفذت المحتويات التي يمكن تحطيمها على رؤوسهم.لم تنفذ الرؤوس بعد.صار يمسك الرؤوس التي لم تكسر  ويرطمها بالأرض بكل غل…كان هناك من يغني أثناء ذلك.

بعدها جاءوا بأكوام من الملابس.وصاروا يرمونها عليهم.ملابس مختلفة لا بد انها لأهل البيت الذين فروا من بيتهم ولم يخطر ببالهم أنه سيكون مسرحا لهذه المجزرة.

حتى هذه اللحظة ، لم يكن في ذهن أب عبدو تصور عما سيحدث.قال أنه تصور أن إلقاء الملابس كان لغرض الإهانة لا اكثر..كان يعتقد أن الأمر سينتهي عند تصويرهم فقط على انهم من العصابات المسلحة..سألته هنا ، ألم تكن هناك مجازر سابقة؟

قال كلمة بسيطة وموجزة : بلى.كان.لكن لا أحد يتخيل أنها ستحدث له…كلنا نسمع القصص..عندما يأتي دورنا لا نصدقها..

بعد أن القوا الملابس..شم أب عبدو رائحة مميزة..رائحة بنزين..

وفهم !..

فهم أنهم سيحرقونهم..حلاوة الروح جعلته يحاول أن يتحرك.حاول غيره أن يفعل الشيء ذاته.عمت روح ما في المكان رغم كل شيء…عمت حركة كما لو كانت حركة استعداد للشهادة..او للثورة..أو لشيء ما..

لكن صوتا ما ، سمعوه جميعا ، جعلهم يتوقفون عن ذلك..

كان صوت “الاقسام”،أقسام تجهيز الإطلاق.

سمعوه.وعرفوا مالذي سيحدث..

في نفس اللحظة ، وكما لو أن ذلك كان كلمة السر..تعالى صوت الجميع بالتشهد..أشهد أن لا إله إلا الله..وأن محمدا رسول الله..

انطلقت الرصاصات.تعالى التكبير ، كلمة السر في الثورة السورية ، كلمة السر التي أكتشف قوتها الحماصنة ذات مرة فلم يتركوها قط..

جعلهم التكبير كالمجانين ، صاروا يطلقون النار كالمجانين..

ثوان وانتهى كل شيء.

أصيب أب عبدو لكنه لم يستشهد.

ظل ساكنا دون صوت.دون حركة.

سمعهم يستمرون في السب والكفر..بينما هم يفرغون حاوية البنزين على كوم الشهداء..ثوان والنار تلتهم كل شيء..تصور أب عبدو أنه سيحترق حيا..تحرك إلى الزاوية.لم ينتبهوا له ، استمروا في التفرج على المشهد لدقائق ، وهم يضحكون ويطلقون النكات ، احدهم قال : لو ضربناهم أكثر قبل أن نقتلهم…ثم أزعجهم الدخان..فتركوا المكان..

تحرك أب عبدو..كان قادرا على الوقوف..مصاب في رأسه وكتفيه وظهره.ولكن قادرا على الوقوف..

تحرك بحذر..تأكد من أنهم قد غادروا البيت..عاد إلى الحريق ، ..لعله يجد أحد الأحياء..صرخ فيهم ..يا جماعة…هل فيكم من لا يزال حيا ؟…يا جماعة لا إلا إلا الله..هل تسمعونني..

كانوا جميعا أحياء..عند ربهم.لكنهم لم يردوا على سؤال أب عبدو..

أحدهم فقط شخر شخير الموت ، سمعه أب عبدو رغم هسيس النيران وصوت اشتعالها..بدا له صوت الشخير كما لو كان وداعا..

حاول أب عبدو أن يفعل شيئا لعله ينقذ احدا…كانت يداه لا تزال مقيدتين..حاول عبثا أن يطفئ النيران..صرخ بأعلى صوته..استنجد..تكلمت حتى الجدران..ولم يرد عليه أحد..

جلس وهو يشاهدهم يحترقون..جلس وهو يشاهد أفراد أسرته (اولاد حماه) يحترقون وهو عاجز عن فعل شيء..بكى بصمت أولا..ثم بصوت عال..ثم صار بكاءه عاليا ، أعلى من صوت النيران..

لم يترك المكان إلا بعدما أوشك على الاختناق..

بقي بعدها لفترة يعالج مما اصاب رئتيه من دخان..

الدخان الذي يخرج من  حريق جثث الأحباب ، مؤذي جدا..

اسالوا أب عبدو عن ذلك..

***********************

خرج أب عبدو من البيت المحترق..

وجد نفسه في حي خال ولم يميز الشارع.كانت يداه لا تزال مقيدتين.صار يضرب برأسه على الأبواب..لعل أحدا يفتح..وكانت البيوت فارغة..لعل بعض أصحابها كان قد استشهد للتو مع من استشهد..ولعل بعض البيوت كانت تضم بقايا مجزرة كالتي نجا منها للتو..

بقي أب عبدو يمشي في شوارع لم يميزها.كأن المدينة لم تعد المدينة دون سكانها..لعله شعر أنه غريب في حمص..لعل كل المجزرة هدفها هذا..أن يشعر الحمصي الأصيل  ، أنه غريب حمص..ان حمص لم تعد له..

لكن غريب حمص الذي نجا من المجزرة ، تحدى تلك الغربة..وتحدى الهدف من المجزرة..لقد نجا ليقول لنا ما حصل..نجا ليدلنا على المجرمين…ليقول لنا أن ننجو..أن لا نسكت..أن لا نشارك في المجزرة بالتستر عليها..بالصمت..

يا غريب حمص ،..مجزرتك التي نجوت منها هي مجزرتنا بطريقة ما ،..قد تختلف التفاصيل قليلا..لكن الجوهر واحد..قد تختلف طرق نجاتنا ، لكنها بطريقة ما واحدة..قد تختلف حياتنا قبل المجزرة ، قد تختلف شهاداتنا ومنجزاتنا وما جمعناه في دروب حياتنا ، لكن تلك المجزرة تترصدنا جميعا..إما أن نكون من ضحاياها..أو أن نكون من شركاء الصمت فيها..بهذا الداع أو ذاك..

غريب حمص ، يقول لنا كفى..لقد نجا ليقول لنا كفا..

نجا ليقول لنا أن حسن الظن صار سذاجة.ليقول لنا أنه قبل ثوان من المجزرة كان لا يزال يحسن الظن بهم.ويعتقد إن الأمر سينتهي عند مجرد التصوير..

غريب حمص ، تمرد على التاريخ الذي أوصلنا لهذه النقطة..يقول لنا أن هذا لم يعد يجدي..

وأنه لا بد لنا أن نكف عن كل ما أوصلنا لهذا…

***************************

بين أكوام الجثامين المحروقة ، كان هناك ثلاث أو أربع صبية لم يتجاوزوا الثلاثة عشر..، ربما لم يبلغوا سن الحلم بعد ، وربما كانت لهم أحلامهم ، ربما كانت أمهاتهم تحلم لهم بمستقبل ما ، بان يكونوا السند ، بأن يلموا “شيبتهن”..لكن جاء ذلك اليوم ، وجاء الحقد التاريخي مدججا بأسلحته ، ليقتل الحلم ، حتة قبل أن يبلغ الولد سن الحلم…

وكان هناك ثلاثة من “أبناء حما” أب عبدو..أحدهم عنده طفلين وزوجته حامل..والآخران لم يتزوجا بعد…

وكان هناك ثلاث أو أربع “ختايرة” تجاوزوا الستين…لم يتخيل احدهم أنه سيموت هكذا ..

وكان هناك أشخاص مجهولون لم يعرفهم اب عبدو..ولكن يعرفهم رب أب عبدو..قضوا واحترقت جثامينهم…وربما سيبقى أهلوهم ينتظرون عودتهم لفترة طويلة..ربما لسنين قادمة..، سيبقون متعلقين بأمل ما..، سيبقون يهبون عند كل دقة باب..سيكون أمامهم درب طويل ليفهموا ويستوعبوا ماذا حدث..ويصدقوا إنهم عندما أخذوهم ليتأكدوا من الكمبيوتر ، اخذوهم ليقتلوهم جميعا..

وكان هناك ، بين أكوام الجثث ، مكانا خاليا لي ..و لكم ..ولأولادكم من بعدكم ..لأولادنا من بعدنا..

كان هناك مكان مخصص لنا..فيما لو أصررنا على لعب دور الصامت ..لهذا الغرض او ذاك..

*************************************

يا غريب حمص ،أب عبدو الحمصي الأصيل،..طوبى لغربتك..طوبى لجروحك..طوبى لروحك..طوبى لنجاتك..طوبى لإرادة الحياة فيك..إرادة الحياة التي جعلتك تقول..وجعلتنا نسمع..طوبى لصوتك القوي الذي حكى لي كل ما حدث دون ان يهتز..طوبى لكل حمصي لم تزده المأساة إلا صلابة..ولم يزده القتل إلا حرصا على الموت النبيل ، او الحياة بكرامة..

أديت ما عليك..

رسالتك وصلت.

والويل لنا إن لم نعيها…

الويل.الويل.الويل...

في انتظار الحرب….

في انتظار “الحرب”…

(مقطع غير منشور من كتاب “ليلة سقوط بغداد”…)



“إذا مات والدك، ندفنه في الحديقة..”

قالت لي والدتي، بعد صمت قصير..

كنا نتدارس احتياجاتنا واستعداداتنا للحرب.. بالذات استعدادات الطوارئ، طعام الطوارئ، “كمامات” الطوارئ، وقود الطوارئ.. أدوية الطوارئ..

ووصلنا تدريجياً إلى ما كان الأمر سيقودنا إليه.. الموت..

كان والدي قد تدهورت صحته بشكل كبير في السنوات الأخيرة، بحيث إن خروجه من البيت صار أمراً غير وارد على الإطلاق، حتى ولو كان سبب الخروج الذهاب إلى الطبيب مثلاً، ناهيك عن أن يكون الخروج خروجاً حقيقياً من المكان الذي توافرت له بالتراكم وسائل الراحة التي تناسب وضعه الصحي..

وكان موضوع وفاته أمراً محتملاً منذ أكثر من عشرين سنة، أي منذ أن خضع لجراحة دماغية بنسب نجاح ضئيلة، لكن هذه الاحتمالات زادت طبعاً مع الوقت، خاصة أنه كان قد وصل إلى أواخر عقده الثامن..

قالت أمي جملتها بعد صمت قصير.. وتلى جملتها صمت أيضاً.. لكنه صمت مختلف.. كصمت القبور..لا. ليس كصمت القبور.. بل أكثر رهبة.. بالضبط أكثر رعباً.. صمت القبور هو وضعها الطبيعي.. أما صمت تلك الجملة فقد كان يشبه صمت المعتقلين واستسلامهم لحظة الاعتقال..

ها أنت تصل باستعدادك للحرب إلى تلك الجملة.. وبدلاً من أن تخطط لتجديد حشيش الحديقة، أو زراعة صف من الزهور، أو جلب فسيلة نخل  جديدة، ها أنت تقرر أنك قد تدفن والدك في الحديقة..!

بدلاً من أن تهيئ حديقة المنزل لتكون ملعباً أفضل لأولادك، ها أنت تخطط لكي تكون مقبرة تضم رفات جدهم، لأن نقله إلى المقبرة سيكون “مخاطرة كبيرة”..

لم أرد.. فقط هززت برأسي موافقاً.. بينما كنت أحاول التذكر في رأسي أين وضعت أدوات الحفر..

وكنت أفكر إن كنت سأجد من سيساعدني في ذلك.. في حالة حدوثه..

الحرب  بعيداً عن كل ما يقال في الأخبار ..تجعلنا في مواجهة احتمالات كهذه.. على الرغم من قسوتها..

*   *   *

بالنسبة إلي، أفتتح عقد الثمانينات من القرن المنصرم بسقوط والدي مشلولاً.. وكنت تقريباً في العاشرة من العمر..

عُدَّ ذلك وقتها نكبة عائلية كبيرة، خاصة لوالدتي، التي امتحنت في إدارة الأمر كله، بين تمريض والدي الذي لم يشف قط، وبين الإشراف على الأسرة التي كانت تضم أعماراً صعبة.. لم يكن والدي قد “شل” بمعنى الحركة بالضبط، وإن كانت حركته قد أعيقت نسبياً، لكن الضرر البالغ كان قد لحق بقدرته على النطق، وهو أمر كان بلا شك أصعب وأشد وطأة على رجل مثل والدي، العضو الدائم في المجالس والمنتديات والندوات الثقافية، وكان الكلام بالنسبة له يعني أكثر من مجرد الكلام، كما أن الضرر لم يقتصر على القدرة اللسانية على النطق، أي على التعبير بالصوت، بل على القدرة على التعبير نفسها، ولهذا فإن والدي الذي كانت له مؤلفات مطبوعة مهمة وأخرى كانت قيد الطباعة وأخرى قيد الكتابة( والذي كان بالمناسبة يتميز بأسلوب سلس وممتع دون أن يسقط في الاسترسال الذي أنا  فريسة مزمنة له!) لم يفقد القدرة على النطق فحسب، بل على الكتابة أيضاً.. وهذا أمر جعله عملياً “رهين المحبسين” .. أو حتى المحابس الثلاثة..

وتجاوز الأمر ذلك كله، مع نوبات الصرع التي صارت تأتيه، نتيجة للتداخل الجراحي الذي أنقذ حياته، وهي نوبات كانت من الحدة أو الخطورة بحيث إنها قيدت حركته المحددة أصلاً، ذلك أن النوبة كانت تأتيه بلا مقدمات، وكانت تطرحه أرضاً، وكثيراً ما كانت تكسر نظارتيه في عينيه، وفي مرة في السنين الأخيرة، تسببت واحدة من النوبات في كسر حوضه..

كان ذلك كله كثير جداً عليه بالدرجة الأولى، وعلى الجميع أيضاً. باختصار عندما تكون في العاشرة، وترى والدك مصروعاً على الأرض، وقد كان قبلها بأشهر فقط شخصاً موفور الصحة بوظيفة مرموقة، فإن عليك أن تجاهد، أن تصارع، مع نفسك، لتنجو من أثر ذلك على نفسك..هذا إن نجوت أصلاً!

*   *   *

بعيداً عن الألم الشخصي للتجربة بأسرها، صرت الآن أفهم مرض والدي بدلالاته الرمزية..

ما كان يمكن لمرض ما أن يعبر عما جرى للمثقفين، بالذات للتيار الذي انتمى له والدي، كما عبَّر عنه المرض الذي أفقده النطق..

كان والدي ابناً مخلصاً للطبقة الوسطى التي أنتجته، وكان والده – الذي كان رئيساً لأركان الجيش العراقي في فترة ما – من أولئك الذين فهموا الوظيفة على أنها تكليف حقيقي، فكان يعيش في المعسكر – وليس في قصر ما – وكان على جميع أولاده وبناته أن ينهضوا مع بوق الصباح كل فجر، كما ينهض الجنود.. ورافقهم ذلك طيلة حياتهم، كما رافقهم الانضباط والجدية..

انتمى والدي لاحقاً إلى تيار سياسي استقطب مثقفي جيله من أبناء الطبقة الوسطى، تيار صريح العلمانية دون أن ينجر إلى الهجوم على الدين، اشتراكي الميول دون أن ينجر إلى  الشيوعية..

كان ببساطة تيار المثقفين “البورجوازيين”، إن شئتم.. ولست بصدد الدفاع عن حزب سياسي انقرض تماماً اليوم، ولا عن البورجوازية وقيمها، لكني أحب أن أشيد هنا بشيء ربما لا يرتبط بالحزب أو بالتيار، بل بالخلفية العامة التي أمكن لهذا التيار أن ينشأ وينمو فيها، وأقصد تلك الخلفية “المدنية” بطبعها، التي جعلت من والدي ومن سواه قادرين على الانتماء إلى فكر معين، لكن دون أن يجعلهم انتماؤهم هذا “يقطع” علاقتهم بالآخرين.. دون أن يجعل التعايش مع الأفكار الأخرى عملية مرفوضة..

كان التعايش صفة “مدنية” بالتأكيد، فالمدن الكبرى وعبر التاريخ تقوم على التعايش، تصبغ سكانها، أو بالأحرى أولئك الذين يتجذرون في تربة المدينة، بصفة التعايش والقبول للآخر، حتى لو كان هذا الآخر يملك عقيدة مخالفة ومناقضة تماماً لما تؤمن به..

المدن تحتضن الجميع، والجميع يتسرب فيهم ذلك بالتدريج..

كان هذا التيار مدنياً بالتعريف، لذلك كانت معارضته السياسية معارضة تنتمي لثقافة المدنية، مقالات في الصحف، اجتماعات، اعتصامات، إضرابات، خطب.. إلخ.

لم يكن من “المفكَّر فيه” أن يقوم هذا التيار بانقلاب عسكري لإقصاء أعدائه، واحتكار السلطة.. لا لعجز عن امتلاك الأدوات، ولكن لأن ذلك سيكون خارج “السياق” المدني.. الذي أنتج التيار أصلاً..

أما التيارات الأخرى التي ازدهرت في “غير المدن”، أو مدن صغيرة لا تمتلك صفة التعايش لأنها لا تملك غير نوع واحد من السكان، ينتمون غالباً لعشيرة واحدة أو طائفة واحدة.. وبالكاد رأوا الآخر وتعرَّفوا عليه لكي يتجاوزوا التعارف إلى التعايش.. التيارات الأخرى، التي وجدت في الريف، وفي وارد الريف، تربتها الخصبة ما كان يمكن لها إلا أن تنحو المنحى الذي اتخذته لاحقاً..

ما كان يمكن لتلك التيارات إلا أن تفعل ما فعلته الدبابة، الإذاعة، البيان رقم واحد.. وربما المشانق..

*   *   *

من أمثلة التعايش التي لا يمكنني شخصياً أن أتجاوزها أن والدي أعد في العهد الجمهوري الأول محضر دفاع عن مناضلة  معروفة كانت تحاكم في محكمة” الشعب” التي كانت تبث على الهواء مباشرة آنذاك، وكانت المتهمة المنتمية لحزب معروف وأخوها أيضاً يحاكمان بتهمة التأمر على السلطة، وهي تهمة لا أشك أنها صحيحة، بفارق أن السلطة كانت تتأمر عليهما أيضاً، و أن الدبابة التي جاءت عبرها السلطة لا تمنح  شرعية لأحد..

كانت “يسرى” – وهذا هو اسمها – تمتلك من الصلابة وقوة الشخصية ما يجعلها تقف أمام المحكمة دون الحاجة إلى محامٍ، ولكنها كانت تحتاج إلى شخص يرتب لها دفاعها بشكل قانوني.. مدعماً بالمواد والقوانين والأرقام.. إلخ..

لم يكن والدي ينتمي إلى ذات الحزب.. وكانت له “رأي” يستصغر هذا الحزب منذ البداية المبكرة، لكن ذلك لم يمنعه من “إعداد” دفاع “يسرى” ..

لم يقل: “إلى جهنم..”، لم يقل: “بأسهم بينهم شديد”، باعتبار أنه لم يكن مع السلطة ولا معهم.. على السطح ستبدو تلك مجرد شهامة، مجرد “حقوقي” شهم أسدى خدمة لأمرأة في حاجة إلى مساعدة، لكن الأمر أعمق من ذلك، إنها القدرة على التعايش مع مختلف الاختلافات الفكرية دون النزوع إلى القطيعة، كان ذلك واضحاً جداً، في حضوره منتديات يحضرها الجميع، وفي علاقات مميزة جمعته بالجميع..

لم يكن التيار الديني ظاهراً في تلك الفترة بطبيعة الحال، لكني أقول عن تجربة: أنه على الرغم من علمنته الصريحة، وعلى الرغم من “بعده” عن التيار الديني، إلا أنه كان يمكن أن “يتعايش”..

بعد كل شيء، كان هو الذي ابتاع تذكرة فلم الرسالة، الذي كان نقطة التحول في حياتي.. وكل الكتب الدينية التي كنت قرأتها مبكراً، قبل أن يسقطه المرض، كان قد ابتاعها، عملياً، هو دون أن يحاول منعي، ودون أن يكون قد حصل كبير تحول في موقفه الشخصي..

لم يكن ذلك عدم اكتراث، أو لا مبالاة، بل كان تلك القدرة المدنية الأصيلة على التعايش..

وهي قدرة فقدتها المدينة، وفقدها المجتمع بالتدريج.. وهو الأمر الذي جعل من والدي ومن أمثاله يفقدون موقعهم بالتدريج.. يصابون بالشلل..

معنوياً، كما أصيبت الطبقة كلها..

وحرفياً، كما أصاب والدي..

*   *   *

تؤرخ يوميات والدي لكل تلك التحولات التي أصابت تلك الطبقة، عبر تغير أسلوبه في الكتابة عن السلطة..

كان والدي قد انكب بدأب على كتابة يومياته، منذ أواخر الأربعينات من القرن الماضي، وكان وقتها لا يزال طالباً في الكلية، ويومياته لتلك الفترة تكشفه لاعباً محترفاً لكرة القدم، بل وحكماً فيها، على العكس من ابنه الذي كان دوماً “خيبة” كبيرة في هذه الأمور، كان والدي يكتب عن السلطة في العهد الملكي كما يشاء في يومياته، كان في الحقيقة يكتب ما يشاء على صفحات الجرائد، لذلك ومن باب أولى كان يكتب ما يشاء في يومياته..

مع العهد الجمهوري الأول لا يمكن أن تلاحظ تغييراً ما في اليوميات، كان لا يزال يكتب كما يشاء، دون خوف من رجل أمن سيأتي ليبحث في أوراقه، لكن التغير الذي حدث أنه لم يعد يكتب كما يشاء في الصحف، بل صار يكتب بأسماء مستعارة.. تارة باسم مستعار ثابت، وتارة بأسماء مستعارة عابرة.. وكان ذلك له دلالة لا تخفى..

في العهد الجمهوري الثاني استمرت يومياته كما هي، لكنه انقطع تماماً عن الكتابة للصحف، على الأقل لم تعد كتاباته تتناول الشأن العام، بل تتناول التاريخ القريب، باعتباره “ميت ودفناه”، وباعتبار أن العهد الجمهوري قد طوى تلك الصفحة إلى الأبد، ولم يعد هناك كبير مشكلة في الخوض في هذا التاريخ، طالما لم تمس الواقع المعاصر..على الأقل هكذا راهن والدي على قلة وعي العسكر الذي تسلموا السلطة ..

ولكن يومياته بما احتوت من “حديث المجالس” وأحياناً نكات عن السلطة ورموزها عدا عن الشائعات المتداولة، يومياته تلك، لم تكن تعكس خوفه المباشر من “زائر فجر” يصادر أوراقه..

مع العهد الجمهوري الثالث، بالذات في السبعينات، تغير كل ذلك، وصارت هناك أسماء مشفرة ترمز لهذا الشخص وذاك، على قمة السلطة وأجهزتها الأمنية، وكانت هناك أيضاً أشياء كتبها، ثم ارتأى أنها أخطر مما يجب، فحذفها بالحبر الغامق حتى أصبح لم يعد ممكنا  قراءتها..وكانت هناك ثغرات واضحة فيما كتب، كما لو أنه يبدأ موضوعاً، ثم يقرر أن زائر الفجر – الذي أصبح متوقعاً أكثر من أي وقت مضى – لن يعجبه هذا.. كثرت الصفحات البيضاء.. كما لو أنه أصبح أقل فأقل إيمانا بجدوى الكتابة.. حتى ولو كانت فقط من أجل التنفيس أو الأرشفة..

كان من الواضح أن الوضع قد سرق منه صوته.. سرق منه قدرته على النطق والكتابة، قبل أن يقعده المرض عنهما..

كان الشلل الذي أصابه استعارة فسلجية للشلل الذي أصاب ذلك التيار المثقف، الذي كان انتماؤه المدني أقوى وأهم صفاته.

*   *   *

وفي حيثيات المرض وأسبابه غير المباشرة تفاصيل أكثر ذات دلالة..

كان والدي، كما هو واضح من يومياته، لا يكترث في اعتراضاته القانونية على ما كان بدأ يصدر من قرارات “مجلس قيادة الثورة”، كان والدي ينتمي لجيل نشأ في ظل ظروف، كانت الانتقادات يمكنها أن تسقط وزارة.. لذلك، كان وهو يحسب أنه يمارس واجبه، ينتقد الثغرات التي كانت تتكشف هنا وهناك، من قوانين كان يصدرها مجلس لا علاقة له، ولو من بعيد، بالقضاء.. كان أكثر من هذا يصحح “الأخطاء اللغوية” التي كانت ترشح من تلك القرارات، التي لم يكن مقرروها يمتلكون علاقة باللغة العربية، إلا بقدر ما يمتلكون علاقة بشعارات القومية التي ادّعوها..

وكان ذلك كله، مع أسباب شخصية أخرى، يغيظ “الوزير” – المزمن كعادة وزراء تلك الحقبة – ولأن غيظ الوزراء لا يشبه غيظ الناس العاديين من أولئك الذين يبتلعون غيظهم ويكتفون بمحاولة إثارة غيظ من أغاظهم.. فقد عمد إلى نقل والدي من ديوان الوزارة إلى محافظة أخرى، وفي محكمة “جنائية” تعد عادة أقل درجة من كل المراكز التي تبوأها في مسيرته المهنية..

لم يكن الأمر فقط اضطراره اليومي إلى الذهاب إلى مركز تلك المحافظة، حيث يبدأ صغار القضاة حياتهم المهنية عادة، ولم يكن الأمر مرتبطاً بالإهانة المباشرة التي لحقت به جراء عملية النقل، ولكن تراكب ذلك مع أول حكم إعدام كان عليه أن يوقعه في حياته المهنية..

ظل يؤجل ذلك.. مرة تلو أخرى.. لا أعرف حقاً إن كان يشك في صواب القرار، أو في استحقاق المتهم له.. أو في شكه في واحدة من الأدلة التي أدت إلى القرار..

كل ذلك، بكل ثقله العام والخاص، شكل تلك الجلطة.. التي لم تكن مجرد نزيفاً دموياً في دماغ والدي..

كانت صراعاً ثقافياً، بالأحرى سياقاً لثقافة قوامها القمع والإقصاء والانتقام، سيطرت على المدينة وجاءت من خارجها، وأبعدت ثقافة المدينة الأصلية.. هجرتها.. وجعلتها تبدو كما لو أنها ثقافة عهد بائد..

واتخذ ذلك كله، شكل تلك الجلطة الدماغية.. التي غيرت حياتنا إلى الأبد..

*   *   *

يمكن طبعاً أن تنصب هنا “مناحة” الاضطهاد التي تعرضت لها عائلتي على أيدي أزلام النظام السابق.. فذلك هو هاجس الجميع  على ما يبدو، حتى أولئك الذين استفادوا وأثروا من النظام في فترة من الفترات..

كان يمكن أن أبرهن خلال هذا السياق على أن طائفة والدي اضطهدت أيضاً في العهد السابق، كما صار هذا ديدن الجميع.. في ذلك التراشق الطائفي المحموم الذي صار ميزة من ميزات عهد ما بعد الاحتلال..

صرت أسمع بعض مناحات الاضطهاد من أشخاص عرفت مدى استفادتهم بالإيفادات إلى خارج القطر، بقطع الأراضي، وأمور حصلوا عليها عبر انتمائهم “للحزب” ..”مع مؤهلات كمؤهلاتي كان يجب أن أصير وزيراً.. لكني ” شيعي “،  ولذلك لم أنل الوزارة” ، الآخر تواضع في قوله واستبدل الوزارة بالسفارة، وقال: إنه كان يمكن أن يصبح سفيراً لولا أنه “شيعي .. ” !!..

وهكذا، صار عدم الحصول على منصب الوزير اضطهاداً في الرؤية الطائفية الضيقة التي تفسر كل الأمور حسب هذا المنظار..

مع والدي، ومع ما تعرض له، كان الأمر أبعد بكثير من الطائفة، كان الأمر أكبر بكثير من ذلك، كانت قيم المدينة في صراعها اليائس ضد قيم “غير المدينة”..

كان الوزير، إن كان الأمر يهم، من طائفة والدي نفسها، وهو أمر لم يؤثر في حسن تعامله معه، كما أن حرم “الوزير” كانت ترتبط بقرابة بعيدة مع والدي.. وكان لوالدي أصدقاء مقربين جداً في الوزارة، ينتمون إلى الطائفة الأخرى، واستمروا بالترقي في المناصب، ولم يمنعهم انتماءهم الطائفي من ذلك.. كل ما في الأمر أنهم كانوا أكثر مرونة مع الثقافة الوافدة..

ولا يمكن لوم واحد منهم أنه لم يصب بجلطة دماغية!..

*   *   *

قالت لي والدتي إذن، في ذلك المساء الشتوي، ونحن نناقش استعداداتنا للحرب: إننا سندفن والدي في الحديقة، فيما لو مات في أثناء الحرب..

كان ذلك مرة أخرى رمزاً معبراً عما آل إليه كل ما كان يمثله والدي.. أن يموت في الحرب، ويدفن خلسة، بالحد الأدنى من المراسيم..

على الأقل، كان ذلك احتمالاً وارداً..

لكنه لم يحدث..

*   *   *

لم يمت والدي خلال الحرب.. بل بعدها ببضعة أشهر فقط.. كما لو أنه كان عليه وعلى كل ما انتمى إليه أن يشاهد بأم عينيه السقوط بتفاصيله..

كما لو أنه كان عليه أن يشهد سقوط “المدينة”، بعدما عانى، ودفع ثمناً باهظاً لهزيمة “المدنية”..

كان بث سقوط بغداد قد استغرق بالبث المباشر بضعة ساعات لا أكثر..

أما حكاية السقوط الحقيقية فقد استغرقت حياة كاملة بالمعاناة المباشرة.

السيرة الذاتية لجرح غير ملتئم

السيرة الذاتية لجرح غير ملتئم

د.أحمد خيري العمري


بعض الجروح ، الزمن يتكفل بها..

وبعضها لا..

يبقى ينزف..ينز قيحا وصديدا..

بعض الجروح ، تكون بطبيعتها غير قابلة للالتئام ..

يمكنك أن تخدر نفسك عنها.لكن الخدر ليس علاجا قط. يمكنك أن تتجاهلها.لكن الإنكار لن يحلها قط..

يمكنك أن تكتب عنها في الفيس بوك..وذلك أضعف الإيمان !

******************

في مثل هذا اليوم ، 24/2 ، قبل ست سنوات بالضبط ، اتخذت قرارا أحاول كثيرا أن أسامح نفسي على اتخاذه..قررت أن أغادر العراق…

..بقيت أقنع نفسي بقراري لبضعة أشهر ، ستة بالضبط ..قبل أن أغادر..

واليوم ، ولأن جرح المغادرة بلغ عمره ست سنوات ، وصار على وشك تعلم الأبجدية..فأني أكشفه على الملأ ..ربما كوسيلة للتطهر ، أو محاولة لست واثقا من نجاحها في التصالح مع الذكرى..أو ربما لأن من غادرت من أجلهم سيأتي يوم ويلومونني على مغادرتي..وأريد أن أسجل موقفا قبل أن يأتي ذلك اليوم..الذي أخشاه لو حصل ، وأخشى أكثر من أن لا يحصل !…

في مثل هذا اليوم ، وكان يوم جمعة أيضا ، قبل ست سنوات..تحديدا بين العصر والمغرب..قررت أنني سأغادر العراق..

سأكتشف لاحقا ، وبالتقسيط غير المريح ، أنه ليس أصعب من قرار الرحيل..

إلا قرار العودة..

من حملتهم ذات يوم دون أن يعوا تماما مالذي يدور، وكنت تقول لنفسك أنك إنما تريد حمايتهم ، صاروا “شركاء” في القرار..

..وهذا كله يجعل قرار العودة أصعب..

رغم كل ما كابدته يوم قررت الرحيل..

***********************************

قبل ذلك بيومين..في 22/2/2006 ..في الساعة الثامنة صباحا تقريبا ، حدثت عملية تفجير المرقدين في سامراء …الاتهامات الجاهزة دوما صوبت كالعادة إلى القاعدة، والتي عادة كانت تحاول  “التفجير” أثناء الاكتظاظ لقتل أكبر عدد ممكن..لكن هذا التفجير كان” نظيفا ” تماما ..لم يقتل فيه شخص واحد، حراس المرقد تم تقييدهم فقط ، والشرطة كانت قد انسحبت قبلها في توقيت مشبوه..

تم تفجير المكان عبر زرع دقيق لمتفجرات في أركان المكان، بدلا من العمليات الانتحارية المعتادة..

حوالي الساعة العاشرة أذيع الخبر..

عند الساعة الواحدة تقريبا ، بدأت عمليات الانتقام ،..اقتيد أناس كانوا قد توجهوا لصلاة الظهر ، اعتقلوا وقيدوا ووجدت جثثهم لاحقا وقد كتب عليها “يا لثارات..” في إشارة لجريمة قتل أخرى من الصعب جدا أن يكون هؤلاء قد تورطوا فيها لأنها حدثت قبل حوالي 1400 سنة..

هوجمت محال تجارية معروفة ومعامل لأشخاص يحتمل أنهم تورطوا بنفس الجريمة-!- ، ونهبت وأحرقت ،..وأخذ أصحابها وموظفوهم ..بعضهم عثر عليه خلال الأيام التالية جثة مجهولة ومقيدة اليدين..

وبعضهم لم يعثر عليه حتى اليوم..

هوجمت مساجد وأحرقت بعد أن نهبت محتوياتها وأعتقل من فيها ليلاقوا نفس المصير…

في الساعة الثالثة مساء، لم أكن قد استوعبت تماما حجم ما يحدث، لم يكن المعتقلين قد ظهروا كجثث مجهولة بعد..قررت أن أذهب للعيادة لأن لدي مواعيد (كم أنظر إلى ذلك الساذج الذي كنته باستغراب اليوم ..) وأخذت معي ابني زين العابدين لأقلع له ضرسا لبنيا كان يقاوم السقوط الطبيعي..

في الطريق بدأت أدركت أن الأمر أكبر مما بدا لي..وبدا أن أجهزة الأمن والشرطة الحكومية منهمكة بشيء ما ، لم أعتقد قط أنه حمايتنا..فكرت في العودة، لكن ذلك كان صعبا جدا ، إذ كنت قد اجتزت حواجز لا أريد العودة لها من نفس الطريق..

كنت لا أزال في الطريق إلى عيادتي في المنصور عندما سمعت جملة في المذياع لا يمكن أن أنساها قط..

كانت واحدة من الإذاعات الخاصة ، دجلة أو سومر ، قد فتحت الاتصالات المباشرة للمواطنين للتعبير عن استنكارهم وتأكيدهم للوحدة الوطنية ، كما هو معتاد.

اتصل أحد المواطنين وقال أنه يبلغ مستشار الأمن القومي موفق الربيعي بعدم ضرورة فتح تحقيق في الموضوع لأنه يعرف أسماء المجرمين ويمكن أن يبلغه بها فورا.

سأله المذيع فورا، وربما تصور أن برنامجه سيحقق سبقا صحفيا على الهواء مباشرة..

قال الرجل: أبو بكر وعمر هم من نفذ الجريمة !..

حاول المذيع أن يلم الموضوع بأي كلام.

كانت تلك هي المرة الأولى التي أسمع فيها كلاما صريحا ، علنيا ، مثل هذا عبر وسائل الإعلام..

أدركت إننا قد مررنا بمنعطف لن يعود شيء فيه كما كان..

كنت فقط أريد أن أصل العيادة لأقلع ضرس ابني..

******************

في المنصور كانت الشوارع خاوية تقريبا، والمحلات تغلق أبوابها، قلعت الضرس سريعا ، وعدت أدراجي إلى البيت..

في اليومين التاليين، حصلت مجازر كانت تحدث فعلا طيلة الأشهر الماضية بنسب أقل، لكن كميتها تضاعفت وتركزت وصارت أوضح في هويتها..

هوجم أشخاص يعرف الجميع عدم تورطهم بأي شيء..أعرف شخصا مسنا اقتادته الغربان السود من منزله،…. وقطعته بالساطور..

قتل المئات ممن كانوا قد غيروا مذهبهم قبل عشر سنوات وأكثر..قتلوا فجأة كما لو أن أسماءهم كانت جاهزة ومعدة للقتل منذ سنوات..وهاهي الفرصة تأتي..

ثلاث أيام ، من الأربعاء إلى الجمعة ..استمرت المجزرة في أعلى وتيرة لها وسط صمت دولي..حتى دون التنديد الذي يحصل تجاه مجازر تحدث اليوم..(كانت إحدى داعيات اللا عنف في سوريا، تشيد في هذه الأثناء في دروسها بما تفعله ميليشيات الغربان السود التابعة لرجل دين معين، فقط لأنها صدقت ما يدعيه “علنا” من حرص على احتواء العنف ، ولأنه ينتمي ضمنا للثورة الإيرانية-السلمية-!- التي طالما تغزلت فيها تلك الداعية..).

لم يكن مستغربا أن لا تعلن الحكومة منع تجول أو أي شيء من هذا القبيل..بل حتى لو أعلنت ، سياراتها ستكون في حصانة من أي مساءلة..وستستمر في ارتكاب المجازر كالمعتاد..

الجمعة ، عند الظهر..

أعلن منع التجول..وتأملنا أن يخف القتل الممنهج قليلا..

ثم جاء اتصال من فاعل خير، أبلغ والدتي بضرورة أن أهرب من البيت..”لأنهم سيعتقلون جميع الشباب..”..

أن تهرب في منع التجول !..وأنت تعودت أن تحترم القانون..كما لو أنك تمنحهم ذريعة لاعتقالك..

بدا لي الأمر مستبعدا..

فكرت والدتي أن أختبئ عند جيراننا المسيحيين (لم يكن دورهم قد بدأ في التصفية)..كنت واثقا من عدم ممانعتهم..لكني لم أشأ توريطهم في شيء..

قررت ببساطة أن لا أفعل شيء.كنت سأعتقل فقط لأني انتمي إلى هذه الطائفة أو لأن لقبي يحمل اسم أحد المتهمين الرئيسيين (أبو بكر وعمر) في التفجير !..دون أن أفعل شيئا محددا..

ذهبت إلى الشرفة المطلة على الشارع مراقبا ما يدور…

كنت باختصار انتظر مجيئهم.

كنت اعرف مالذي يعنيه الاعتقال في هذه الظروف.ولم يكن هناك خيار..(كنت سعيدا وقتها لأني أنجزت الفردوس وكان على وشك الصدور، ولم يكن لدي كتاب غير مكتمل! )..

أثناء الانتظار ، جاء زين ، وأخذ هاتفي الجوال ، وعبث بأزراره قليلا..تصورت أنه يريد لعبة  من ألعاب الجوال..ثم مضى..

مضى الوقت.لم تأت الغربان لبيتنا.واتضح أن الاتصال كان يقصد تحذير شخص معين من شباب المنطقة، لكن فضل”فاعل الخير” تحذير الجميع لأسباب تخص مصدر المعلومة..هرب الشاب المقصود فعلا ونجا من الاعتقال يومها..

لكن ما حدث يومها ، بين العصر والمغرب، وأنا أنتظر مجيئهم على الشرفة، هو ما جعلني أقرر ذلك القرار الصعب..

عندما جاء زين واخذ جوالي ، لم يكن يلعب ..

بل كان يخطط لما سيفعله ، فيما لو قتلت أنا وأمه..وبقي هو وشقيقتيه …

**************

كان زين قد أتم التاسعة قبل أسبوع واحد فقط. وكان يعي تماما ما يدور.كان يعرف يقينا أن الاعتقال يعني الموت المحقق.سبق لي أن اعتقلت في فترة سابقة.لكننا كنا نعيش في مرحلة أخرى.كان زين يعي أن لقبه أو اسم والدته كفيلان بجعله يتيما.وأن اسمه الشخصي قد يؤدي إلى قتله من الجهة الأخرى في العبث الطائفي المتبادل (وأشدد هنا على أن الضحايا في الحالتين كانوا متشابهين، أما المجرمين فلا…)..

قال زين العابدين لأمه، فيما نقلته لي  لاحقا : أنه يفضل أن نموت جميعا على أن يموت واحد منا فقط..

ثم خطر له ذلك الخاطر الفظيع ، انه قد يبقى حيا ،ويقتل الجميع..!..

أو نقتل نحن ويبقى هو مسئولا عن شقيقتيه ( آمنة 7 سنوات ، أروى سنتان آنذاك )..

سأل أمه : ماذا أفعل ؟؟؟

قالت له : تتصل بجدتك (والدتها..)

قال لها فورا : هل لديك رصيد يكفي ؟ أم أن رصيد بابا أكثر؟(يقصد رصيد المكالمات الهاتفية)

عندما جاء ليعبث جوالي كان يريد معرفة رصيدي.كان يعد الترتيبات اللازمة لما بعد مقتلي وأمه…أبلغ والدته أن الرصيد يكفي ولكنه سيقوم أولا بعمل مكالمات فائتة من باب الاحتياط..

وكان في التاسعة فقط..

*******************

يومها أخذت ذلك القرار الذي لم أتمكن قط من التصالح مع نفسي تماما بسببه. قدرت أن الأذى الناتج عن المرور بهذه التجارب سيكون دائميا.وكنت أنانيا ككل الآباء.لم أكن أريد لرأس أبني أن يتعرض لذلك..

كنت أنانيا لنفسي أيضا ، فكرت أني ربما أستحق فرصة أكثر للعيش..المزيد من الوقت للإنجاز..

(كان برايان صديقي الأمريكي يقول لي : عندما يأتون لقتلك ، اخبرهم إنك لم تنجز بعد كتابة خطتك لإصلاح العالم ، وأن عليهم أن يأتوا لاحقا..

فكرة جيدة.لكن غالبا لم يكن هناك وقت للحديث..ربما للتشهد فقط، إن كنت محظوظا..)..

لا أريد أن أبرر.هذا ما حدث بقبحه وسموه ..لم يكن هناك قضية.كنا قد صمدنا أمام الاحتلال لثلاث سنوات وتعاملنا بما يجب وكنا ندرك تماما أننا قد ندفع عواقب ذلك دون ندم..

لكن هذا محض عبث طائفي.أن تقتل لأن أسمك عمر أو اسم زوجتك عائشة أو يكون اسمك حسين..ذلك كان خارج أي منطق..وكنت شخصيا عاجزا عن التعامل بمنطق مماثل مضاد..

**************

يبلغ الجرح اليوم عامه السادس…

لم يندمل قط.لكني أخفيته تحت قناع التجلد والمكابرة الاجتماعية…يكفي أقل من القليل لكي يظهر بقيحه وصديده..وعلى نحو غير مناسب اجتماعيا بالمرة.

أعرف أن هذا النوع من الجروح لا تملك فرصة الالتئام.ربما على التليف فقط.يتليف الجرح ولكن لا يلتئم.وتتعود عليه أكثر..

***************

أمس على الجزيرة..كانت هناك أكوام من الجثث المجهولة مقيدة اليدين ، هذه المرة في سوريا ، الفاعل في الحالتين يمتلك صلة لم يحاول يوما إخفاءها..

نبشت الصور جروحي غير المندملة.دوافع الجريمة سياسية لكنهم يظهرونها بمظهر طائفي بالضبط كما حدث في العراق..

رغم كل ذلك.يمتلك السوريون فرصة أفضل.يمتلكون القضية التي كانت منطلقهم أساسا..لا أتمنى لأحد-بغض النظر عن طائفته- أن يمر بخياري الصعب ..لكنني أرى أن للسوريين فرصا أفضل…يمكنهم أن لا يقوموا بدور الضحية.يمكنهم أن لا ينتظروا دورهم في القتل على الشرفة كما فعلت ذات يوم…وأنهم بهذا قد يتمكنون من الإجهاز على من تسبب بذلك في العراق وسوريا..أو إضعافه على الأقل..

***********

تلك الجثة مجهولة الهوية مقيدة اليدين، على الجزيرة أمس..هربت ذات يوم كي لا أكونها..

..اكتشفت لاحقا ، فخ الهروب..أنك تهرب من  مصير الجثة المجهولة ، لكنك تغزل ببطء مصيرا آخرا يختلف فقط في التفاصيل..

ستموت غريبا في بلاد غريبة..سيصلي عليك ويدفنك غرباء لم يشاركوك طفولتك وسراءك وضراءك..لم يكبروا معك..لم يعرفوك حقا في سموك وسقوطك..لم يعرفوا أصلك وفصلك.لم يكونوا جيران عمرك.. لم تشاركهم جنائزهم وأفراحهم..لا تستطيع أن تعدد أسماء إخوانهم وأولاد عمومتهم وأصهارهم..سيكونون على الأغلب غرباء مثلك..

غرباء في بلاد غريبة..

لا شيء يمكنه أن يغير ذلك…وهذا يجعلك ، مقيد اليدين بطريقة أو بأخرى..

بالضبط مثل المصير الذي هربت يوما ما منه..

في أعياد الآخرين : إن فاتك الزاد….!

في أعياد الآخرين : إن فاتك الزاد….!

د.أحمد خيري العمري

بالنسبة للكثيرين، فأن العيد الوطني لبلادهم لا يعني أكثر من “عطلة رسمية”..ينامون فيها إلى وقت متأخر..يقضون فيه بعض الأعمال المنزلية المتأخرة..أو يقضون وقتهم في اللاشيء..

لن يكون عيدا”حقيقة”،.. ليس مناسبة للفرح على الغالب..”بل مناسبة رسمية” فحسب…

هكذا كان العيد الوطني في بلادي، وفي الكثير من بلداننا العربية..

بل أنني لا أعرف حقيقة ، أيهم كان “العيد” الوطني حقا !..

هل هو ذكرى ذلك الانقلاب الذي أفتتح عهده بالسحل والتمثيل؟ أم الانقلاب الآخر الذي أطاح بمن صار الناس يترحمون عليه لاحقا؟..أم ذلك الانقلاب “الأبيض” الذي جلب بحور الدماء بالتدريج.

كلها كانت مجرد عطل رسمية، لا فائدة فيها غير أنها “عطلة رسمية”.. يترقبها الموظفون ويفرحون لو لحقت بجمعة مثلا ، أو تصادفت  متلاصقة مع ذكرى أخرى بالتقويم الهجري ..لتكون “العطلة” أطول…ويحزنون لو تصادفت يوم الجمعة..هذا هو “العيد الوطني” الذي نشأت عليه.نقطة انتهى!..

وهكذا كنت أتصور الأمر بالنسبة للكثيرين.على الأقل في عالمنا العربي…

*****************

لكني فوجئت بأن الأمر ليس كذلك في كل مكان.

اكتشفت ، متفاجئا ، أن أناسا أيضا ، عرب أيضا ولا ينتمون لعرق آخر ولا يعيشون في كوكب آخر أو حقبة زمنية مختلفة، يترقبون “العيد الوطني” حقا وصدقا، لا من أجل العطلة، بل من أجل الفرح، من أجل أن يفرحوا، يجهزون الزينة والأعلام ، وتمتلئ الأسواق بمستلزماتها..يترقبون ويخططون كما لو كانوا يهيئون حفلا مفاجئا لأبنك أو ابنتك..وتحرص على أن لا يعرف أو تعرف بالهدايا..

يفعلون ذلك تطوعا وحبا وانتماءا.على أيامنا كانت “الفرقة الحزبية” تجبر المواطنين أو الموظفين على التبرع لشراء مستلزمات الاحتفال أو كعكة عيد ميلاد “الرئيس !”..وهنا فوجئت بهم يتسابقون في تعليق الأعلام على واجهات البيوت أو تزيين السيارات بها..

قد يعتقد البعض أن الأمر يتعلق بالعيش الرغيد فحسب.أو بالأمان والعيش الرغيد.كنت اعتقد ذلك أنا أيضا.ثم اكتشفت بعدا ثالثا في المسألة ، رفاهة العيش مهمة.والأمان كذلك.لكن “الكرامة” أهم بكثير.وهي موجودة هنا.يشعر بها المواطن والوافد على حد سواء.المواطن بالذات يشعر أن البلد بلده.بينما المواطن في العراق أو سوريا أو مصر لم يكن يشعر بذلك.كان يشعر أن بلده ليس له.بل هو دوما للغير.

هذا الشعور لا وجود له هنا، ولعله يتحد مع العيش الرغيد،والأمان، ليصنع ذلك الانتماء الواضح في فرحة العيد الوطني..

*******************

في مناسبة كهذه، والمدينة التي أسكنها ترتدي أحلى وأبهى زينة (وهي ترتدي دوما زينة جميلة ، لكن ليس مثل اليوم..)..لا يمكن إلا أن تضطرب وترتبك مشاعري ومشاعر كل من غادر وطنه وهو ببساطة “آيل للسقوط”…

أمام فرحهم الحقيقي الذي لا يلبسه زيف ، أجدني ومشاعري واقعا بمزيج من الحزن والفرح والحسرة والغبطة والتعاسة والبؤس واليأس والأمل..

وعدم الفهم.عدم الفهم.عدم الفهم.

بالضبط مثل عدم الفهم الذي سيكون عند طفل يتيم مدعو في حفل ميلاد بهيج.  قد لا يشعر بأي شيء سلبي ضد الطفل المحتفى به. لكنه لن يستوعب لماذا هذا الطفل لديه “أب” وهو لا. ببساطة لا يمكن أن يشارك المحتفلين فرحتهم.قد يشارك في الألعاب كيفما كان، وقد ينزوي بعيدا لكي يمسح دمعته.أو لكي يتركها تسقط. قد لا تدمع عيناه في يقظته.فقط عندما يدس وجهه في الوسادة..كما سأفعل أنا الليلة…

تنفجر الألعاب النارية في السماء لتنيرها ، بينما تنفجر أحزانك مثل كيس قيح ودمامل..حتى الألعاب النارية لدي ذكريات سيئة معها، إذ فزع منها أولادي عندما تعرفوا عليها لأول مرة بعد خروجنا من العراق ، وكان إطلاقها بمناسبة فوز إيطاليا على فرنسا في نهائي كأس العالم (طبعا لم نكن في إيطاليا ، ولكن في دولة عربية مجاورة، وكان هذا هو حال الشباب قبل موسم ربيعهم العربي بعد خمس سنوات)…وتصور أولادي أن الحرب قد طاردتنا ، وكان من الصعب جدا عليهم استيعاب أن هذه الأصوات يمكن أن تعبر عن الفرح…

تنفجر الألعاب النارية في سماء الفرح واللهفة ..فينفجر معها بركان أحزانك على ذلك البلد البعيد الذي تحب..والذي تتمنى لو أن شوارعه أنيرت فقط، لا سماءه ، لو عاد “النور” إلى أعمدة الكهرباء فيه ، لا طموح عندك لكي “تنور” سماءه بالفرح بدلا من القذائف والصواريخ. فقط تريد أن تضيء شوارعه “العامة !”-..بالكهرباء ، كما العالم والخلق، بل كما كنا قبل أن يغزونا الروم ومعهم الفرس..

بل كما كانت شوارع بغداد ، حتى قبل أن يغزوها المغول فبل حوالي عشر قرون !..

تنفجر الألعاب النارية مثل كومة من الريش المضيء الملون لتعبر عن فرح إنساني بوطن وفر الكرامة والأمن والعيش الرغيد لمواطنيه ..

وتنفجر في أحشائي أنا حزمة ديناميت منسية..من تلافبف الذاكرة وأوشامها المستعصية على الاستئصال..

***********

تزامن كل ذلك مع حادثتين، جعل الألعاب النارية تبدو في عيني أكثر توهجا، وفرح الناس بعيدهم أكثر بريقا …

وجعل السكين في أعماقي أكثر حدة، ومشاعري أكثر اضطرابا..

فقبل أن يأتي “العيد الوطني” بأيام ، وبينما البيوت تبدأ بوضع الأعلام الضخمة على واجهاتها في فعل انتماء ومحبة ، جاءني من بغداد خبر لم أتوقعه قط، مهما كانت بغداد “سريالية” فيما يحدث فيها من فظائع وعجائب،فأني لم أمكن أتخيل أن يصل الإجرام والانحطاط  لهذا الحد..كما لم يتخيل أحد..رغم كل ما سمعناه سابقا.

خالتي إمراة مسنة تبلغ من العمر الخامسة والثمانين.غير متزوجة.عاشت معي،هي وخالتي الأخرى، لسنوات في دمشق ثم اضطرت للعودة إلى العراق عندما غادرت عائلتي سوريا (لصعوبة الحصول على التأشيرة حيث أقيم حاليا)..ولأن الوضع في بيتها الأصلي غير آمن، فقد اختارت أن تقيم في منزلنا ، برعاية عائلة ائتمناها على رعاية المنزل مقابل السكن فيه. وكانت الرعاية “الجديدة” للخالات التي تقدمها العائلة مقابل مبلغ، وكانت العائلة ولا تزال تقوم بواجب الرعاية على أكمل وجه ممكن.

إلى هنا والقصة عادية.الحياة صعبة في بغداد، لكن “الخالات” لديهن من يرعاهن.. وهو ما يعزلهن عن الكثير من الصعوبات في الأحوال الروتينية..

لكن ما حدث كان استثنائيا جدا.

اقتحم البيت عليهن شخص ما ، وقام بتعذيب خالتي (أكرر: عمرها 85 عاما)..تعذيب حقيقي ، تعذيب من ذاك الذي يحدث من قبل الشبيحة وعناصر الأمن في الأنظمة القمعية..أستخدم مفكا في التعذيب ،وضع يدها على الطاولة وادخل المفك فيها وثقب يدها مرتين..ضربها ضربا مبرحا مستخدما آلة حادة.الصور التي التقطت لها يمكن أن تستخدم ببساطة في  ملفات انتهاكات حقوق الإنسان.وقد تكون مروعة أكثر مما يجب لنشرها..

كل هذا من أجل ماذا بالضبط؟ لا أعرف.المبلغ الذي سرقه كان تافها.وكان يمكن له أن يسرق المزيد.بل كان يمكن له أن يسرق كل ما يريد سرقته، دون أن يفعل كل ذلك.كان يمكن أن يهددها، أن يقيدها،أن يفعل شيئا مما نراه في الأفلام (المعتدلة)..

لكنه “عذبها” ، لم يراع حرمة عمرها أو أي شي..وكان الأمر بلا سبب.

ليس هذا فقط..

لقد كان معه طفل في العاشرة أو الثانية عشر.

تخيلوا مجرما يصطحب ابنه معه ليعلمه على الإجرام.وأي إجرام.تعذيب إمراة مسنة دون سبب واضح.

كم تغيرنا.كم تغيرت المدينة التي أحببت .كم تغيرت حتى صارت مرتعا للوحوش والغيلان(الوحوش والغيلان لا تفعل ذلك بالمناسبة !)…كم تغيرت حتى صارت تنتج هذا النوع من الإجرام.

بكل ما مررنا به، لم نسمع عن شيء كهذا ، في عز الاغتيالات والاختطافات الطائفية كان لا يزال ثمة “حرمة” للنساء..وبالذات للنسوة الكبيرات في السن. كنت شخصيا احتمي بخالتي ذاتها كي أتخطي حواجز الشرطة (التي لا يعرف حاميها من حراميها من ميليشاتها) الفاصلة بين منزلي وعيادتي..كانوا عموما لا يستوقفون سيارة فيها “عائلة”..وربما سيختطفون قائد السيارة نفسها لو كان بلا عائلته..ليصبح بعد أيام “جثة مجهولة الهوية”..لكن عندما تكون معه عائلته ، فالسيارة غالبا لا يتم إيقافها..

في كل سجل العنف الطائفي “المتبادل” في ذاكرتي لم أجد حادثة تم فيها التعرض لنسوة..طبعا لا يشمل الأمر الانفجارات التي تحدث في الأماكن العامة فلا تفرق بين كبير أو صغير أو رجل أو إمراة أو سني أو شيعي أو مسيحي..لكن هذه الانفجارات كنا نعدها مثل “القضاء والقدر”!..مثل الزلازل والكوارث الطبيعية..الاختطاف والتعذيب ومن ثم المشرحة هو ما روع العراقيين فعلا…

ما يجعلني أقف مشدوها أمام التفاصيل ، هو واقعة مشابهة حدثت قبل عشرين عاما بالضبط…وهي فترة لا تذكر في تاريخ المجتمعات..

قبل عشرين عاما ، اقتحم “حرامي” آخر ، منزل خالاتي ، مستغلا “عدم وجود رجل” وكثرة المداخل والمنافذ للبيوت البغدادية القديمة.

وجدته خالتي في البيت ، وبدلا من أن يغمى عليها أو تتوسل به أن يرحمها ، مسكته من يده، وقادته إلى الباب وهي تشتمه وتؤنبه ، فتحت الباب، دفعته خارجا.أغلقتها.انتهى الموضوع.

كان يمكن له بكل بساطة أن يدفعها دفعة بسيطة ليلقيها أرضا وينتهي الأمر.أو أن يكممها ويجبرها على أن تدله على ما غلى ثمنه وخف حمله.

لكنه لم يفعل.

يومها كانت “القيم” تمنع حتى “الحرامي” أن يفعل ذلك بإمراة..ربما سولت له نفسه السرقة، لكنه عندما صار وجها لوجه أمام إمراة في عمر والدته أو جدته..خاف من أن يمسها..

كان ذلك قبل عقدين.

مالذي جرى!..

الحصار أولا,وقد استنزف “البنية التحتية” القيمية للمجتمع، حينما صار راتب الموظف يكفي لشراء “طبقة بيض” واحدة فحسب.ونتجت طبقة طفيلية جديدة أثرت من الحصار عبر التهريب والاحتكار وكل ما حرم الله..

ثم جاء “الاحتلالان” بعد الحصار ، لينتج طبقة أخرى أثرت ثراء فاحشا بين ليلة وضحاها عبر السطو على المصارف ومؤسسات الدولة ، وإذا بهؤلاء يصبحون “لوردات” المرحلة القادمة، ويتحولون من  مجرد “حرامية صغار” وهواة ، إلى رؤساء لعصابات مافيا منظمة ، استغلت بوضوح حل الأجهزة الأمنية وفتح باب التطوع في الجديد منها لتدس عناصرها فيها..بل أن بعضهم وجد لديه الطموح السياسي ليتوج مشواره بالترشيح للبرلمان ، ولأن الأصوات يمكن شراؤها عند الفقر (وعندما لا تكون قد أزحت الطاغية بنفسك، أي لم تدفع ثمن حريتك بنفسك!) فقد وصلوا فعلا للبرلمان..ولغير البرلمان..

وهكذا فقد كنا  نعيش في “زنزانة” …ثم جاء “الاحتلالان” لنصبح نعيش في غابة داخل زنزانة !

كيف يمكن للقيم أن تصمد؟..

كيف يمكن لخالتي أن لا تتعرض لما تعرضت له؟

********

في اليوم التالي أطلعت على التقرير الذي أعدته مؤسسة ميرسر العالمية عن أفضل وأسوء المدن للعيش في العالم.

يقول لك التقرير، كما لو كان بلعب بالسكين في جرحك غير المندمل ، أن بغداد هي الأسوأ على الإطلاق.

بغداد هي أسوء مدينة للعيش في العالم.

كيف تهرب من هذا التقرير. بغداد التي تحاول غرسها في وجدان أولادك، بغداد التي جعلتهم يحفظون الأغاني عنها ، وعن كونها “بيتي وصلاتي ووطني، مولدي وعرسي وكفني”..بغداد التي تحاول أن تجعلها في أبهى صورة أمامهم ، والتي تقول لهم دوما أننا سنرجع إليها ، وأن كل ذلك سيزول..

بغداد، حبيبتي ، أسوء مدينة في العالم !..وبلهجة باردة، مثل لهجة كمبيوتر محايد ينقل لك خبر إصابتك بالسرطان..

كل هذا وأمامي يمتد شريط الضوء البهي المحتفل.. حيث يفرح المواطنون حقا بأوطانهم …

حيث يشعرون بأنهم يملكونها…

ولا يفكرون، ولو مجرد تفكير بالحصول على “جواز آخر” أو جنسية أخرى..

لم يفعلون ذلك؟ ووطنهم يحفظ لهم كرامتهم..

أما نحن ، فيسألنا أصدقاؤنا العراقيون من حاملي الجوازات الاخرى “ماذا ستفعلون بشان الجواز؟”..لأنه صار من الطبيعي جدا، أن يفعل”العراقي” شيئا حيال ذلك..

حيال الحصول على جواز سفر آخر.

*******************

على الطريق بين مدينتين بهيتين ، مضاءتين دوما، مضاءتين أكثر بسبب “العيد الوطني”..أحمل كل ذلك على ظهري..

بغداد المدينة الأجمل في نظري.عندما أقول عن مكان ما ، أنه جميل ، أقول ،وسط دهشة من حولي أحيانا ، “مثل بغداد”…ثم أردف “أيام زمان”..عندما أقول عن مدينة العين مثلا أنها جميلة ، أقول تشبه بغداد، عندما كنت أتكلم عن الكورت هاوس-أرلنغتون ، في ولاية فرجينيا ، كنت أقول أنها جميلة مثل شارع 14 رمضان في بغداد…

اليوم، يقول لي التقرير البارد المهين بحقائقه ومعاييره ، أن بغداد هي الأسوأ بغض النظر عن مشاعري ومشاعر الملايين من أمثالي وذاكرتي وذاكرتهم..

الأسوأ !…

..على الطريق الخارجي بين المدينتين اللتين تحتلان مركزا متقدما في التقرير..وجدتني أتذكر أغنية وطنية قديمة حفظناها صغارا وضيعناها كبارا..أغنية في أواخر سبعينات القرن الماضي..لحنها أحد الرحابنة على ما أذكر(إلياس؟)، وكتبها شاعر مبدع مجهول..

“لغد أبهى ،لغد أجمل..لغد أزهى للمستقبل ..سوف أغني ، سوف أغني..

يا ضوء العين..دربك من أين؟..هذا دربي يملك قلبي..

لو سرنا في الدرب سويا نحن الاثنين..نحن الاثنين…

لغد أجمل..

قل تعشقني، قل تهواني ، لكن قل تعشق إيماني..

بغد نبصر فيه الدنيا ، بالمستقبل.

لغد أبهى لغد أجمل، لغد أزهى المستقبل..سوف أغني..

كان أولادي نياما في السيارة لحسن الحظ.وكنت أنشد الكلمات وأنا أختنق بها.تحول لحنها إلى لحن جنائزي على حنجرتي .أحلام السبعينات كانت منطقية. ما هو “غير منطقي” أن يتحول الواقع ليصير كابوسا هكذا.من كان يصدق.من كان يصدق أن بغداد ، ستصبح الأسوء.من كان يصدق أن الدنيا ستدور هذا الدورة الواسعة وستجعل أغنية كهذه تصبح حزينة ومبكية.

كنت أنشد الكلمات كالسكارى.كنت ثملا بأحزان عراقية مقطرة وخالصة…

لغد أبهى ..لغد أجمل !..

************

على حافة الخليج المضيء بألوان قوس قزح نارية ، أصرخ في العراقيين..أولئك الذين لا يزالون يعيشون في المدينة”الأسوأ”..والذين ابتعدوا عنها وحملوها معهم ، حملوها معهم كما كانت في ذاكرتهم ، والذين نسوها وضغطوا على زر “إمسح ”  ليقضي على كل ملفات الذاكرة (أو هكذا يتوهمون)..

أصرخ فيها جميعا..،وقد فرقتهم القارات ،صرخة أعرف أنها لن تجدي نفعا في تضميد جراح غربتهم..

أيها العراقي..

ما كان أبوك امرأ سوء.ولا كانت أمك بغيا..

ولكن تآمرت عليك الدنيا كلها…وجعلتك في النهاية ، تطلب جوازا آخرا…

وجعلت بغدادك ، عاصمة الخلافة ، تصبح الأسوأ…

***************

وعلى حافة الخليج المضيء فرحا بألوان قوس قزح، لا يمكنني إلا أن أكون كما علمتني أمي العظيمة بغداد، يوم قالت لي في أمثالها الشعبية العريقة “إن فاتك الزاد ، كول للأكّال هني ” ( أي أن فاتك الزاد ، قل لمن لم يفته وأكل: هنيئا..)..

ولقد فاتنا الزاد.فاتنا بحماقات طغاتنا واستبدادهم.وفاتنا برضوخنا لهم.وفاتنا بالمؤامرات الداخلية والخارجية.

المهم أنه فات.وهذه حقيقة لا مفر من الإقرار بها.

ولكن آخرين ، إخوة لنا في الدم والدين، لم يفتهم زادهم..بحكمة من قادهم لذلك الزاد، وحفظ لهم حقهم وكرامتهم فيه..

ولا تقول إلا ما علمته أمك العظيمة العريقة : هنيئا لهم..

هنيئا لهم زادهم.وكرامتهم..ووطنهم..


ملحوظة : حدثت الواقعة التي تعرضت لها خالتي عام 2011 وقد تمكنت بسببها من الحصول على استثناء لها ولخالتي الأخرى.وهما معي الآن.وبخير.

“يابسة وتمن”..وذكريات لا تيبس أبدا….

“يابسة وتمن”..وذكريات لا تيبس أبدا….                    

    د.أحمد خيري العمري                              

 

قيل لنا إن أول مطعم عراقي سيفتتح في العاصمة التي نعيش فيها..ولم يبد ذلك خبرا كبيرا..فهناك مدن قريبة فيها جالية عراقية أكبر وفيها مطاعم مزدهرة تقدم الطعام العراقي…وقد زرناها على ما تيسر عدة مرات.

لكن في أول جمعة تلي الافتتاح، وجدنا أنفسنا نفتعل سببا للذهاب ، تشجيعا للمطعم وأهله، أو فضولا، أو رغبة في معرفة من سيكون هناك.

قابلتني “الذكريات” في اللحظة التي دخلت فيها المطعم، كنت لم أفق بعد من صدمة “الحصول على موقف للسيارة” عندما سمعت صوتا يقول بدهشة : أحمد ؟..معقول..؟

كانت زميلة لي في الجامعة،لا أريد أن أحسب لكم السنوات التي مضت منذ آخر مرة رأيتها ورأتني فيها ، ولا هي تريد ذلك حتما، ولا أنكر سعادتي ودهشتي لأنها عرفتني على الفور رغم  تضاعف حجمي خلال هذه الفترة( تضاعف فعلا، إلا بضعة كيلوات!)أما هي فقد بقيت على حالها ..تفاجئت أيضا بأنها تزوجت صديقا حميما لي في أيام الثانوية ، لم أره هو الاخر منذ سنوات الثانوية ، ولقد نزل وزنه للأسف!..مرا معا على ما  يبدو  بالدورة التي صرنا  نعرفها بـ”دورة العراقي في الطبيعة” منذ الحصار..الخروج من العراق إلى الأردن للذهاب إلى : اليمن أو  ليبيا..ومن ثم الذهاب إلى كندا ، للحصول على جواز، بعدها العودة إلى الخليج لكي يتربى الأولاد في بيئة عربية وإسلامية (على أساس!)..لكنهم غالبا ما  يضعون أولادهم في مدارس أجنبية .فلا يكون للابتعاد عن كندا أي معنى تقريبا…

هبطت درجات السلالم إلى حيث صالة العوائل..ولم أعرف إن كل درجة تأخذني إلى المزيد من الذكريات، بحلوها وبمرها  ..بطيبها وعلقمها..بالدموع في سرائها وضرائها..

قائمة الطعام  أثارت ذاكرتي أكثر مما أسالت لعابي..الناس تذهب إلى المطاعم من هذا النوع لتأكل الكباب العراقي أو السمك المسكوف أو القوزي..أي الأطباق الرئيسية التي تقدم للضيوف مثلا في المناسبات…لكن قائمة الطعام ضمت إضافة إلى ذلك قائمة الطعام  “البيتية”..الطعام الذي تطبخه أمك بصورة روتينية والذي قد تتأفف أحيانا من تكراره( ثم ياتي وقت عليك تتمنى لو تشم ريحه فقط)….

خطفني طبق “اليابسة والتمن”..من بين كل أطباق الـ (ما لذ وطاب) ، طلبت “اليابسة والتمن”.. وهو طبق رز مع  مرقة الفاصولياء البيضاء لا أكثر..(بلا لحم ! وهذا يعد عيبا في تقاليد الأكل العراقية!) وسعره أقل من ربع سعر كل الأطباق الرئيسية..بل حتى أقل من طبق المقبلات، وأكثر قليلا من سعر قنينة الماء..لم أختره لسعره صدقوني!.ولا حتى لموازنة القائمة والأطباق الأخرى..لكن لا أظن إن هناك طبقا آخرا يمكن أن ينبش الذاكرة مثل “اليابسة والتمن”..ليس الفاصوليا التي تطبخ في المنزل، بل اليابسة والتمن..”أكل السوق”…أكل البسطاء الذين يأخذون طعامهم معهم في “السفرطاس” ( لا أعرف كيف تترجم هذه)..أكل الجنود في المطاعم القريبة من كراجات السيارات ، وطلبة المحافظات الذين يدرسون بعيدا عن طبخ أمهاتهم..ويضطرون غالبا للتقتير على أنفسهم..وشراء ما يشبع بأرخص ثمن.

أن تطلب اليابسة والتمن في مطعم كهذا هو كأن تطلب الفلافل في مطعم راقي في دمشق  أو الكشري في هيلتون القاهرة أو الهمبرغر في مطعم خمس نجوم في عاصمة غربية..

يمكن أن تأكل الفاصولياء في البيت دوما…لكن أكل المطاعم في هذه الأكلات دوما أطيب لسبب مجهول،يعلله البعض بأن أكل البيت أنظف مما هو في المطاعم، وإن لوساخة المطاعم طعم مميز !…

تلك اليابسة والتمن ، أقسم لكم، أعادت لي حوارات سمعتها بالصدفة، من الطاولة المجاورة في كافتيريا الكلية قبل عشرين عاما، بين طلبة محافظات يتأففون من تكرار اليابسة كل يوم..طلبة لا أعرفهم وكانوا على الأغلب من مرحلة أخرى وربما كانوا من طلبة الطب الذين أعتادوا على المجيء إلى كافتيريا الأسنان (لأن بنات الأسنان أحلى)!

أكاد أسمع حسنين، في مناسبة أخرى، وهو طالب محافظات من الحلة، ينعى حظه، لأنه عندما ذهب إلى بيت جمال ليتناول الغذاء معه، وجد إن والدة جمال، طبخت في هذا اليوم بالذات، يابسة وتمن..بدلا مما تشهاه وحلم به من البرياني أو الدولمة !

نبشت اليابسة والتمن كل ذكرياتي، و سأصدقكم، لم “تيبس” دموعي لحظة واحدة، كل الجو كان عراقيا أكثر مما كنت مهيئا له، بحسنات العراقيين وسيئاتهم، بنزقهم وسموهم..بأعصابهم الفائرة،وقلوبهم الطيبة..

كنت طيلة الوقت، أمدح الطعام، وأمسح دموعي، وأذكر زميلتي الأمريكية التي طالما استهزأت بها لأنها قالت مرة عن طعام أحبته “هذا طعام يستحق أن يموت المرء من أجله”

***************** 

قال شاعر يوناني مرة…

لا سفن هناك تجليك عن نفسك…..

وغنى سعدون جابر : اللي مضيع ذهب ، بسوق الذهب يلقاه،.. واللي مفارق محب ،يمكن سنة وينساه ..بس اللي مضيع وطن…وين الوطن يلقاه؟

لذلك لا شيء عندي مهم لأضيفه..غير إني اكتشفت إن الوطن يطلع لنا حتى في المرقة (حرفيا)..

تشتهى طبقا معينا فإذا بالوطن مخزونا في “مونته”…يطاردك في نومك فينبش لك أشخاصا توهمت إنك نسيتهم، ويأخذك إلى قاعة امتحانات مررت بها قبل عقدين، ولا تزال تمتحن فيها بين الحين والآخر  في أحلامك..

يطاردك في شريط الأخبار…في ذلك الإحساس المزمن المرير الذي يتملك العراقيين بإنهم “أهم عزيز قوم ذل على الكرة الأرضية”..(والتعبير ليس لي بل للشاعرة ريم قيس كبة)…

يطاردك في كلمة عراقية قديمة تخرج فجأة على لسانك من دهاليز ذاكرتك وقد كان يستعملها معك راحلون أعزاء من أهلك.. ولم تستخدمها مرة في حياتك. لكن هاهي تظهر فجأة دون سابق إنذار..فتجد أبنك يهز رأسه أمامك ..إنه لا يفهمها..رغما عن رائحة أهلك التي تفوح من تلك الكلمات “البغدادية”القديمة..

يطاردك في كل رقم تراه على الشاشة لعدد القتلى الذين سقطوا عبثا..في دوامة عنف لا تزال تشعر بتأنيب ضمير لأنك تركت غيرك يكون حصادا لها….

يطاردك أكثر وأكثر وآنت ترى الشعوب الشقيقة تثور وتحصل على حريتها….

***********

لا سفن هناك تجليك عن نفسك..

ولا حتى جواز سفر جديد لدولة من العالم الأول!..

ستبقى أسيرا دوما “لأستكان” الشاي العراقي…الذي لا يشبه أي من تلك السوائل الأخرى التي يسمونها شاي تجاوزا في بقية  البلدان! ..

و لن يكون فك أسرك عملية يسيرة!..

***********************

بخصوص الشاي : كان رائعا أيضا ، رائحة الهيل تكاد تنبش أطنانا أخرى من الذكريات..طبعا لا يمكن لشاي “البيت” ان يضاهي شاي السوق..

اللهم إلا شاي “العمة ناهدة”..عمة زوجتي..

 

ملحوظة 1 : لست بصدد الدعاية للمطعم. فالطعام كان ممتازا لكن التكييف كان سيئا..فليفرح أولئك الذين يقولون إني “ثورجي” تحت التكييف..

ملحوظة 2 : على ذكر الشاي، أرجو ممن لا يزال في العراق ، ويمكنه الذهاب إلى  المنصور،تقاطع الرواد ، أن يوصل سلامي لبائع الشاي “أبو أياد”، الذي كنت أهبط من العيادة ومعي كوبي أحيانا لأملئه منه ،إن كان لا يزال هناك..كشكه كان في مدخل عمارة ميسلون، التي كانت فيها عيادة الدكتور علاء بشير..أمام محلات “بابيت”..وأمام صيدلية ميسون أحمد، وسلامي لها أيضا وللدكتور عماد.

ما الذي حدث لمفهوم العدالة االاجتماعية في الإسلام؟

مالذي حدث لمفهوم العدالة الاجتماعية في الاسلام؟

د.أحمد خيري العمري – العرب القطرية

28-7-2008

سمير أمين مفكر ماركسي رصين ومعروف، وهو من الفئة القليلة من المثقفين الماركسيين اليساريين الذين لم يتخلوا عن مبادئهم – عقب انهيار المنظومة الاشتراكية – ولم يتحول، كما فعل الكثيرون، من ماركسيي الأمس، من الوعظ عن الصراع الطبقي و دكتاتورية البروليتاريا  إلى التبشير بالليبرالية، وباقتصاد السوق وبجنة أمريكة الموعودة.

بعض ماركسيي الأمس تحول من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين بمنتهى السهولة، وبعضهم لم يفعل ذلك لكنه آثر الصمت وربما بكاء الأحلام القديمة. سمير أمين ليس من هؤلاء ولا من أولئك. إنه لا يزال مؤمناً بعقيدته ولا يزال يبشر بما يسميه “العولمة الاشتراكية” – وبحق الطبقات المسحوقة من كل الشعوب في نضالها ضد الطبقة الرأسمالية و “الامبريالية العالمية”، و ضد عملائها من “الكومبرادورية المحلية”!.. وهي ألفاظ صارت شبه مفقودة في الخطاب المعاصر. وهذا كله يحسب لسمير أمين لا عليه. هذا بالإضافة إلى أنه كاتب متميز فعلاً وأبحاثه عن العولمة، مثلاً، في غاية النضج والرصانة. ويمكن اعتبارها مراجعَ علمية بين أكوام الكتب التي أضيفت إلى هذا الموضوع.

لكن هذه الرصانة فارقت أمين في دراسته الأخيرة المعنونة “الإسلام السياسي في خدمة الإمبريالية” المنشورة في الـmonthly review  (ديسمبر 2007) – والتي أعيد نشرها مختصرة في الرأي الآخر اللندنية (عدد آذار 2008) وترجمت كاملة إلى العربية في بعض مواقع الشبكة.

ومضمون الدراسة واضح من عنوانها المثير! وطبعاً من المتوقع من مفكر ماركسي (و من أصول غير مسلمة ، ان كان هذا مهما هنا)  مثل أمين أن لا يحمل أي تعاطف مع “الإسلام السياسي “، لكن دراسته تتجاوز هذا إلى ما هو أبعد بكثير، ليس بالتعميم فحسب، ولكن أيضاً بنظرية المؤامرة التي يستخدمها الإسلاميون عادة ضد مناهضيهم (وبمهارة أكبر!) – فبالنسبة إلى أمين، فإن الإسلام السياسي “ليس ضد الإمبريالية“، بل هو حليفها الثمين أيضاً (!) وليس هذا فقط بل “الإسلام السياسي هو من فعل الإمبريالية الكامل مدعوماً بالطبع من قوى الرجعية الظلامية ومن الطبقات الكومبرادورية التابعة لها..”، بل إن أمين ينوه، إلى أن “البناء النظري الذي منح الشرعية للإسلام السياسي (التي يرجعها أمين للمودودي) كانت قد صيغت، بحسب أمين، “بالكامل على يد المستشرقين الإنكليز في خدمة صاحب الجلالة البريطاني!” وهكذا فإن أمين لا يكتفي بالتعميم، بل يذكر أسماء حركات الإسلام السياسي التي يتهمها أنها كانت صنيعة مباشرة للإمبريالية العالمية، وبضمنها، وبكل بساطة، حركة حماس التي يقول عنها ” إن إسرائيل دعمتها لإضعاف التيارات الديمقراطية والعلمانية في المقاومة الفلسطينية! ” وخلال كل ذلك، يختزل أمين قوة الشارع الإسلامي إلى أنه “الصورة المعكوسة لضعف اليسار المنظم”!! أي إنه لا يجد تفسيراً – حتى ولو من وجهة نظره الماركسية – لتنامي الظاهرة الدينية وتعدد امتداداتها، غير ضعف ” رفاق النضال في اليسار المنظم!”..

 لا أكتب هذا كله للدفاع عن الإسلام السياسي، فهذا التيار، له كبواته وسقطاته، كما أن له منجزاته ونجاحاته، لكن هذا لا يخص الإسلام السياسي فقط، بل يخص التيارات كلها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار..

الذي استوقفني في كل هذا هو شيئين اثنين: أولهما أنه بتجاوز التحيز الموجود في رؤية أمين، فإنه يمكن فعلاً ملاحظة تراجع حاد لخطاب “العدالة الاجتماعية” الذي استخدمه سابقاً الإسلام السياسي، حتى المصطلح نفسه، الذي كان عنواناً شهيراً لواحدة من أهم مؤلفات سيد قطب وأبكرها، اختفى تقريباً من الأدبيات الأحدث، ناهيك عن الاختفاء التام لمصطلح “اشتراكية الإسلام” – الذي كان عنواناً شهيراً أيضاً لواحد من مؤلفات  أهم مفكري الإسلام السياسي. والأمر لا يقتصر طبعاً على اختفاء المصطلحات من الخطاب السائد.، بل على تراجع الاهتمام بموضوع العدالة الاجتماعية بتداعياته كلها، لصالح موضوع الهوية وصراع الحضارات، والمشاركة الديمقراطية..الخ.

ثاني ما يجب الانتباه إليه هنا، هو أن أمين، حسناً فعل إذ صبَّ اتهاماته على “الإسلام السياسي” فحسب، لأن الإسلام أكير من أن يختزل بحزب او بحركة سياسية مهما حاولَ البعض اختصاره بذلك. فهناك إسلام “اجتماعي” شديد التجذر في الممارسات والوجدان الاجتماعيين، وهناك أيضاً “إسلام فكري وثقافي”، وهو ما يهمني أن أميزه هنا، ذلك أن “المفكر الإسلامي” ليس مضطراً أن يكون تابعاً للسياسي المسلم، وهو ليس مضطراً أيضاً لأن يصطدم به، لكن حسابات الإسلام السياسي قد تختلف عن حسابات الإسلام الفكري، السياسي المسلم قد يضطر، بحكم طبيعة السياسة، أن يسايس، أن يساير، أن يكون له أهداف مرحلية تختلف عن الهدف النهائي – وسيجد له حزمة من الأغطية الشرعية فيما يفعل، سواء اختلفنا أو اتفقنا معه في مصداقيتها – لكن ما وجه الاضطرار بالنسبة إلى المفكر المسلم؟.. إن مرجعيته الوحيدة يجب أن تظل للإسلام ولفكره ولرؤيته وليس لحزب أو تيار سياسي قد يغير من تكتيكه لهذا الظرف أو ذاك. لن ينتج هذا بالضرورة صداماً، بل قد ينتج “ترشيداً” على المدى البعيد.. فالسياسي المسلم قد يضطر، بسبب من قواعد اللعبة السياسية، أن يتحالف مع طبقة “رجال الأعمال”، لكن هذا لا يعني أبداً أن “إسلام رجال الأعمال” أو ما يسمى بالتدين الجديد المنتشر في الطبقات الأرستقراطية ونواديها الاجتماعية والمدعوم (فضائياً) يجب أن يكون هذا النموذج الوحيد – لا أحد يمكن له أن يسلب حق هذه الطبقة في تدينها وحتى في  امتلاك مظاهر  مميزة لهذا التدين ، لكن هذا يجب أن لا يؤثر على مفهوم العدالة الاجتماعية في الإسلام، المفهوم الذي هو أبعد وأعمق من مجرد “عمل خيري” و “جمع تبرعات” وصدقات وإحسان – بل هو مرتبط بمفهوم أكثر شمولية للعدالة يرتكز على منع احتكار تداول الثروة عند فئة محددة من الملأ، والتحكم بآليات تمنع تزايد الفجوة بين طبقات المجتمع، والتركيز على كون “الماء والكلأ والنار” – أي مصادر الطاقة والثروات الطبيعية في مجتمع ما – هي ملك للمجتمع ككل وليس من حق أحد، أو فئة الاستئثار بأرباحها، كما أن مفهوم الزكاة نفسه – ومنع الاحتكار – يعكسان “آلية تدخل” تشكل عتلة توازن ضد تدخل “الملأ” المستمر من أجل الاستحواذ على المزيد من الثروة ( في الوقت الذي يعد ذلك التدخل اليوم تحديا لقيم العولمة و قرارات الملأ العالمي و صندوق النقد الدولي).

مفهوم العدالة الاجتماعية إذن جزء أصيل من ثوابت إسلامية لا يمكن المساس بها في جوهرها، واختزالها إلى محض تكافل اجتماعي، أو حتى مجرد “أمن اجتماعي” – لا يجب أن يكون أكثر من تكتيك سياسي عابر، تمليها شروط لعبة سياسية على أمل أن تكون المشاركة، سبيلاً لتحسين الشروط نفسها.. وتساهم في بناء العدالة المنشودة..

إن الظرف العالمي كله قد جرَّ الإسلامين (السياسي، والثقافي) إلى التأكيد على “الهوية” الإسلامية في مواجهة التحديات الحضارية التي تستهدفها، ولكن العدالة الاجتماعية بالذات يجب أن لا يضحى بها على “مذبح الهوية” – بل على العكس، يجب التوكيد على أن ما يقع خلف هذه الهوية من قيم جوهرية، تشكل العدالة الاجتماعية أحد أهم أركانها وأبرزها..

في خضم التحالفات العابرة هنا وهناك، علينا جميعاً أن نتذكر أن “لب التغيير” الحقيقي، والنهضة المنشودة، لن تكون في نوادي النخب وتجمعات رجال الأعمال، بل عند تلك الطبقات الأدنى التي هي مادة التغيير الحقيقي، وهدفه.

ثقافة تمجيد الفقر: “الأخلاق” عكس “المقاصد”!

ثقافة تمجيد الفقر: “الأخلاق” عكس “المقاصد”!

د.أحمد خيري العمري- مجلة العمران -أونتاريو- كندا

19-5-  2008

 

                                                                    

                                                          

 

تمتلئ الأدبيات الإسلامية -خاصة أدبيات الأخلاق والزهد- بمفاهيم صارت جزءاً من العقل الجمعي للمسلمين، خاصة عامتهم وعوامهم، على الرغم من كون هذه “المفاهيم” لا تعدو كونها آراء ومواقف ووجهات نظر لبعض العلماء والزهاد، ضمن سياق اجتماعي وتاريخي معين، ويمكن فهمها -وحتى التعاطف معها- ضمن سياقها وظروف نشأتها، ولكن الإشكالية تنشأ عند إخراج هذه المفاهيم من سياقها المحيط بها، ووضعها في “خانة المطلق” من المفاهيم، وهو الحاصل حالياً للأسف.

 أتحدث عن ثقافة لا أجد مناصاً من تسميتها بثقافة ” تمجيد الفقر“، وهي تملأ كتب الأخلاق والزهد، وتتسرب من الكتب إلى المنابر ومن المنابر إلى مفاهيم الناس وعقولهم ورؤيتهم للحياة، ويحدث ذلك منذ قرون حتى صارت هذه المفاهيم محصنة داخل اللاوعي والوعي الجمعيين، وصارت تشكل جزءاً من بديهيات الرؤية الإسلامية، على الرغم من أنها لا تعدو أن تكون -كما ذكرنا- مفاهيم نتجت ضمن سياق تاريخي معين.

بذور هذه الثقافة بدأت أولاً في زهد معتدل وليس بعيداً عن النص الديني، وحتى هذا الزهد كان ضمن سياقه التاريخي أقرب ما يكون إلى الموقف السياسي – الاجتماعي، المعارض لسلطة سياسية بالغت – من جهتها – في الترف وأفحشت فيه، وحاولت شراء ذمم كل من يعارضها عبر العطايا والهبات، وهكذا يمكن فهم طبيعة “زهد” أئمة من أمثال الحسن البصري، حيث لا يمكن فصل زهده عن مواقفه السياسية المعارضة عموماً، ويمكن اعتبار زهده هنا، نوعاً من المعارضة الاجتماعية لنمط حياة مبالغ في الترف كان يتم بتكريسه عبر السلطة. لكن هذا “الزهد” كان معتدلاً تماماً، ولا يمكن أن نجد فيه أثراً لتمجيد “الفقر” كما سنلاحظ لاحقاً. بل يمكن اعتبار رسالته الشهيرة إلى الخليفة “عمر بن عبد العزيز” نموذجاً واضحاً على زهد في الدنيا هو في حقيقته “بيان للمعارضة” كان أكبر من مجرد رؤية سياسية، بل امتزج مع الجانب الاجتماعي بوضوح.

والذي حدث بالتدريج أن هذا المفهوم انفصل تماماً عن سياقه ودوره الإيجابي ضمن هذا السياق، وتحول ليصير بمثابة “رؤية مطلقة للعالم” متقوياً بمهابة وسطوة أسماء الأئمة والعلماء الذين أسهموا فيه (الذين لا نقلل من احترامهم بكل الأحوال) ومتداخلاً مع ازدياد تعقيد الظروف الاجتماعية والسياسية، ويمكن أن نقارن بين زهد الحسن البصري، الذي كان الاعتدال جوهره، وكان خالياً تماماً من “تمجيد الفقر” وبين ما تراكم لاحقاً عبر القرون التالية من تمجيد للفقر وتغنٍ بفضائله المطلقة!

ينبغي هنا أن نوضح أمرين: الأمر الأول أن النصوص الدينية بريئة تماماً من هذه الثقافة، بل مناقضة لها. لا نقول ذلك كموقف دفاعي ولكن انطلاقاً من النص القرآني الذي يجب أن يكون المدخلَ لفهم ما سواه، فالنص القرآني يحدد أن {الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ} [البقرة: 2/268] فهل يمكن أن تكون دعوة الشيطان إيجابية؟.. كل النصوص القرآنية الأخرى التي يرد فيها “الفقر” أو “الفقراء” لا تخرج عن كونها تحض على مساعدتهم، أو أنها تتحدث عن فقر الإنسانية المطلق إلى الله – وهو أمر يخرج عن موضوعنا تماماً، أما الأحاديث النبوية، فتقسم إلى قسمين: قسم صحيح وثابت، ولن نجد هنا أي تناقض مع النص القرآني، مثل استعاذته عليه الصلاة والسلام من الفقر في الدعاء المعروف (متفق عليه) وكون الحج والعمرة ينفيان الفقر (النَّسائي) وهل يمكن أن يتعوذ عليه الصلاة والسلام بالله تعالى إلا إذا كان شراً مما يستعاذ منه؟ وهل يمكن أن يمسح الحج الفقرَ إلا إذا كان أمراً مما يجب مسحه؟..

على الجانب الآخر، نرى كمّاً هائلاً من الأحاديث الضعيفة – وحتى الموضوعة – التي تمجّد الفقر وتروج له، وتناقض ما صح من أحاديث، وما ثبت من مقاصد، وللأسف فقد حدث التساهل مع هذه الأحاديث أحياناً، لأنها اعتبرت من أحاديث فضائل الأعمال، التي يتساهل في الضعيف منها، وأحياناً للسبب ذاته التي تم اختراعها من أجله: تمجيد الفقر باعتبار أن هذا التمجيد سيسهل التعايش مع واقع صعب. ولهذا سنرى امتلاء سلسلة الأحاديث الضعيفة بأحاديث من هذا النوع: (الفقر أزين على خد المؤمن من العذار على خد الفرس) و(تحفة المؤمن في الدنيا الفقر). و(الفقر شين عند الناس وزين عند الله يوم القيامة). وغيرها مما لا يصح ولا يعقل من المفاهيم.. وقد تراكم ذلك حتى وصل ذروته عند الإمام الغزالي الذي نجده قد “أرشف” لتمجيد الفقر، وكتب في فضل الفقر وفي مدحه في “الإحياء”.. حيث اعتبر أن الفقر هو من “المنجيات” واحتوى على عبارات مثل “إذا رأيتم الفقير فقولوا: مرحباً بشعار الصالحين” و”الفقر بركة والغنى شؤم” وينقل الإمام الغزالي أن الجنيد وبعض الخواص والأكثرون ذهبوا إلى تفضيل الفقر فقال ابن عطاء: الغني الشاكر القائم بحقه أفضل من الفقير الصابر. ويقال: إن الجنيد دعا على ابن عطاء لمخالفته إياه في هذا فأصابته محنة، إلى أن يصل بحسم (لم  يسترب من قرأ الأخبار والآثار في تفضيل الفقر)-!!-.

إن ثقافة” تمجيد الفقر” هذه التي خلفت لنا إرثاً طويلاً (وحياً) من مبالغات كهذه، لا يمكن أن تعزل عن سياقها الذي أنشأها، فالإمام الغزالي وغيره، لم يكونوا هنا (سبباً) بقدر ما كانوا مرآة عرضت لحال مجتمع فضل التعايش مع الأمر الواقع، والقبول بالانحطاط، وكرس لذلك نصوصاً دينية تساعده على تقبل الأمر، بدلاً من العمل على تغيير الواقع وتجاوزه..كما إن انتشار ذلك في الماضي والحاضر لا يمكن إلا أن يصب في صالح التحالف التاريخي-الموجود في كل زمان ومكان- بين رأس المال والسلطة..وجود ثقافة شعبية تتقبل  الفقر بل وتمجده سيكون بمثابة حزام أمني يقدم الحماية لتحالف الاستبداد والاستغلال الذي سيطر على سدة الحكم والقيادة لقرون متعاقبة..وحتى في عالمنا المعاصر..هذا التحالف لن يضره دعم الجمعيات الخيرية و توزيع الصدقات طالما إن ذلك سيعمد على تجفيف الغضب والنقمة-في حال وجودها- وفي الوقت نفسه لن يكون هناك مساس ببنية الاستغلال وثقافته ..وهذا يجعلنا نفهم سر العلاقة العميقة بين هذا التحالف وبين نشر ثقافة كهذه ودعم رموزها و مؤلفاتها وأفكارها..

الذي لا شك فيه أن ثقافة كهذه تنتج أخلاقاً سلبية أو محايدة، ترى في العالم مكاناً لا يستحق الالتفات إليه، ولا حتى من أجل الإصلاح.. وهي الأخلاق المناقضة تماماً للثقافة الأولى التي أنتجت جيلاً كان مشبعاً بروح “فتح العالم” بدلاً من الزهد فيه.. وكان من الواضح مع سيادة ثقافة “تمجيد الفقر” أن ذلك يعكس تخلي المسلمين تدريجياً عن دورهم الريادي في قيادة العالم..

وهذه الثقافة ليست تراثاً عابراً مر وانقضى، إنها ليست في بطون الكتب والمراجع فحسب، بل قائمة في عقل جمعي لا يزال يتغذى منها عبر المنابر ودروس الوعظ التي قد لا يلتفت خطباؤها كثيراً لسلبية هذا النوع من الأخلاق بل قد يعتبرونها أيضاً من فضائل الأعمال..

والذي لا أشك فيه أن عمر بن الخطاب لو اطلع على هذه الثقافة ولو رأى مروجيها لتعامل معهم بدرته الشهيرة.. ولقال لهم كما قال لسواهم :أمتّم علينا ديننا..!

نظرية الزبد:اعتقد ثم أستدل !

نظرية الزبد:اعتقد ثم أستدل !

د.أحمد خيري العمري- العرب القطرية  كانون الأول 2007/بتعديل على المقدمة

قديما قيل عن أصحاب البدع أنهم يتبعون منهج “الاعتقاد ثم الاستدلال”..أي أن لديهم فكرة  آو عقيدة مسبقة، و هم يحاولون تأصيلها عبر البحث عن دليل يسندها عبر إسقاطها عليه..قد يبدو الدليل متماسكا للوهلة الأولى..لكن التفحص العميق لهذا الدليل يكشف عكس ذلك..

مبتدعة اليوم من أدعياء التجديد و سواهم يتبعون نفس المنهج، بمهارات متفاوتة، بعضهم يختار قضايا  فقهية شائكة و  يستدل عليها بدليل من “المتشابه” فيثير زوبعة من النقد الذي يجعل تقبل فكرته صعبا..

البعض الآخر يختار قضايا أقل إثارة للزوابع،  بعيدة عن الفقه الذي يجد دوما من يتصدى له،و تمكنوا بذلك  من التسلل إلى أذهان الناس تدريجيا..حتى  و إن  كانت القضية المطروحة أكثر خطورة على المدى البعيد لارتباطها ببعد عقائدي..

من الأمثلة الواضحة على ذلك القراءة السائدة حاليا لآية الزبد:{فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} [الرعد/ 17]  و هي  التي يسميها البعض “نظرية الزبد” وهي قراءة تمرر عقيدة “الداروينية الاجتماعية” بامتداداتها   ذات الجذور العميقة في الفكر الغربي المادي..

و الداروينية الاجتماعية اتجاه فكري يربط بين نظرية داروين في علم الأحياء و العلوم الاجتماعية، داروين نفسه لا علاقة له بها من قريب أو بعيد،لكن هربرت سبنسر (صاحب الفكرة الأساسية ) حاول أن يجد في نظرية داروين دليلا يستند عليه في الربط بين عالم الأحياء و بين القيم الأخلاقية، فكما هو الحال مع الطبيعة التي “تقصي” الكائنات الضعيفة و تقضي عليها لصالح الكائنات الأقوى، فكذلك الأمر مع كل شيء في الحياة الإنسانية: من حق الشعوب و الدول القوية أن تستأثر بالثروات و تستعمر أو تسير الشعوب الضعيفة،و من حق الطبقات الأقوى أن تفعل الشيء ذاته بالطبقات الأدنى..

انتشرت هذه النظرية في عهد صعود الفكرة الاستعمارية والامبريالية كما إنها احتضنت و بقوة من قبل “النخب” في المجتمعين البريطاني و الأمريكي (  صعود و نجاح رجل رأسمالي مثل كارينجي صار حقيقة علمية و أخلاقية كما قال له سبنسر شخصيا!)..كما أن “الداروينية الاجتماعية” ساهمت في دعم نظرية “دعه يعمل،دعه يمر”  laissez fair التي تهدف إلى استقلال الصناعة عن الدولة بإلغاء الضرائب و التعرفة الكمركية، و التي تجد و منذ سبعينات القرن الماضي رواجا مع رواج  اقتصاد السوق المفتوح.. و هذا يعني إن النظرية رغم انحسارها في بعض الجوانب، إلا أنها لا تزال فاعلة في جوانب أخرى، كما أنها صارت جزءا من اللاوعي الجمعي الغربي خاصة بارتباطها بمبدأ البرغماتية..

كيف يرتبط كل ذلك بآية سورة الرعد؟..، كما أسلفنا،  منهج (اعتقد ثم استدل) يفعل ذلك و أكثر..فبعض من تأثر بالفكر المادي و حتمياته التاريخية( لا فرق في ذلك بين شقيه الغربي أو الشرقي) يبحث عن دليل لأسلمة الفكر الذي تأثر به حتى لو كان ذلك بشكل غير متعمد..

مفتاح كل ذلك هو الإيمان بأن كل ما يسود و يظهر هو  بالضرورة أفضل هو  مما سبقه ما دام قد انتصر فعلا، مسألة صلاحيته مرتبطة  بهزيمته و حلول  بديل آخر عنه  بمعزل عن أي ثوابت أخلاقية او عقائدية..بل أن مروجي هذه القراءة يحولونها عمليا إلى عقيدة جبر معاصرة، إذ إنها تروج للاستسلام للوقائع والأحداث والمتغيرات،..إنهم يرون عدم التصدي (و لو بكلمة أو مقالة ) لكل ما يمكن أن يكون مخالفا للعقيدة و ثوابت الشريعة، و لم التصدي أصلا ما دام الزبد سيذهب من تلقاء نفسه كما يزعمون..؟

عقيدة الجبر المعاصرة تتنكر خلف النص القرآني لسورة الرعد، لترسخ فكرة أن كل شيء مخالف للمشروع الإلهي، سيذوب ويختفي ويذهب مع الزبد، أما ما ينفع الناس (أي إنه موافق للمشروع الإلهي) فهو سيمكث في الأرض .. ونحن مطمئنين إلى النتيجتين طبعاً لكن المشكلة في هذه القراءة أنها توحي أن ذلك يحدث “بشكل تلقائي”.. دون تدخل من أحد .. وهذا يرسخ حتماً فكرة “أن لا داعي لعمل أي شيء”، لا داعي حتى للقلق أحياناً، نظرية الزبد كفيلة بكل شيء.. وما علينا سوى أن ننتظر.. حتى لو لم نرَ أي تغيير ضمن حياتنا.. لا بأس.. نظرية الزبد تحتاج بعض الوقت.

* * *

يستوي أمام نظرية الزبد كل أنواع التحديات المخالفة للمشروع الإلهي: الأيدلوجيات والأفكار الحديثة وأنماط الحياة كما الجيوش والقوة العسكرية ونتائجها، كل “الباطل” بالنسبة لهم خاضع لنظرية أنه سيذهب تلقائياً..( أو إنه ليس باطلا ما دام لم يذهب..و هو الأخطر..)

إذا قلنا مثلاً: إن الحروب الظالمة تصبغ وجه العالم، وإن الملايين يشردون كل عام، وأن “الرق الجديد” يضم شعوباً كاملة بدأت تفقد حريتها دون أن تدري ذلك، قالوا: لا داعي للقلق، هذا كله مجرد زبد سيزول بينما يسير التاريخ إلى الأمام، وإذا قلنا لهم: إن الفساد الخلقي بدأ يتسلل ليدمر بنية الأسرة والمجتمع سواء، اعترفنا بذلك أو أنكرناه، وإذا ذكرناهم أن تيارات التجديد الديني المزعوم صارت تستخدم النص الديني من أجل إلغاء النص وقتل مقاصده.. وأن وسائل الإعلام بمخالبها الأخطبوطية صارت تقوم بعملية إعادة تشكيل العقول بحيث تنتج تسطيحاً للعقل وتتفيهاً للفكر وتحويلاً للإنسان إلى” إنسان ذي بعد واحد..”

على الرغم من كل ذلك سيقولون: لا بأس، كل ذلك زبد.. كل ذلك سيزول.. كما يذهب الزبد، لا داعي للقلق، فقط اتركوا السيل يأخذ مجراه.

وكل ما نراه هو أن الزبد يربو أكثر وأكثر، ويتكاثر، مثل دغل شيطاني يمنع نمو أي نبات مثمر.. ويقول أصحابنا، و على وجوههم ابتسامة الواثق من النصر: لا شيء يهم، إنه فقط زبد.

مشكلة هذه الرؤية أنها تعتبر أن “المشروع الإلهي” هو مشروع يقصي الإنسان من الفعل ومن البناء، وأن الأحداث تسير وحدها، دون أن يكون في إمكان الإنسان، المكلف أصلاً بالبناء والاستخلاف، أي شيء سوى مراقبة ما يدور، والتنظير له باعتبار الزبد وذهابه.. إلخ.

والحق أن المشروع الإلهي في أصله قائم على استخلاف الإنسان واستخلاف إرادته الحرة على هذه الأرض، والإنسان الذي سيحترف انتظار أن يذهب الزبد لن يكون جزءاً من هذا المشروع.. بل إنه سيكون برؤيته هذه، وربما بحسن نية، ودون قصد، جزءاً من مشروع آخر، ما دام يعوق التفاعل الإنساني، ويحوله إلى محض انتظار سلبي..

* * *

ولأن هذه الرؤية تتحصن خلف نص قرآني مقدس، نؤمن نحن أن الباطل لا يأتيه من أمامه أو من خلفه، فإننا نؤمن أيضاً أن القراءة الإنسانية للنص المقدس، هي قراءة يمكن أن يأتيها الباطل من مختلف الاتجاهات، وإذا كانت قراءة النص تؤدي إلى اتخاذ موقف السلب والانتظار – مخالفة موقع “الفعل الإنساني” الذي هو أصل التكليف بالاستخلاف – فإنها لا يمكن إلا أن تعتبر “قراءة مجانبة للصواب” كائناً من كان مطلقها ودون الدخول في حسن أو سوء نيته.

إنها قراءة “تبريرية” في أحسن أحوالها.. تبرر العجز والكسل وحالة اللافعل.. تبرر أن الزبد هو الرابي، وهو المهيمن، وهو الذي يكاد يغرقنا ويكسحنا.. وتقول لنا: لا داعي للقلق.. إنه سيذهب جفاء.. بينما يقولون لك ذلك، فإن الآية الكريمة بريئة تماماً من ذلك.. فالآية تقول طبعاً إن الزبد يذهب جفاءً، لكنها لا تقول أبداً: إن ذلك يجب أن يمنعنا من الفعل والعمل بحجة “انتظار” ذهابه، ذلك أن الجزء المتمم للآية الذي لا يمكن أبداً أن نفهم الصورة كاملة إلا به، هو أن ما ينفع الناس يمكث في الأرض، وهذا يعني بوضوح أنه يمكث في باطنها، وأن الناس لن ينتفعوا به إلا إذا استخرجوه منها، أي إذا امتلكوا الوعي والإرادة والفعل اللازم للتدخل.. وهكذا فإن الزبد قد يذهب، بعد أن يكون قد علا، لكن زبداً آخر سيأتي، ويأتي .. ويظل يأتي، ما لم يحدث تدخل يخرج ما ينفع الناس من مكوثه في باطن الأرض.

والذي يحدث الآن أن “الباطل” لم يعلُ فحسب، بل إن هناك تدخلاً واضحاً لاستبقاء الزبد وجعله هو الرابي دائماً وهو المهيمن.. أي إن أهل الحق لا يتدخلون باعتبار أن الزبد يذهب جفاءً، أما أهل الباطل فهم يعملون على إبقائه في القمة.. وهذا يفسر تزايد الزبد و علوه طبعاً..

* * *

أكثر من هذا أن الآية الكريمة نفسها توضح أهمية الفعل الإنساني في إذهاب الزبد وإزالته، فما تشير إليه الآية: {ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله} فلفظة: {مما يوقدون عليه} تشير إلى وجود “فاعل” هو الإنسان الذي سيوقد من أجل تنقية المعادن من الحديد أو النحاس أو الذهب أو الفضة، ابتغاء الحلية أو المتاع كما توضح الآية، وكلها يعلوها “زبد” لن يذهب إلا بالفعل الإنساني الملتحم بالمشروع الإلهي وأوامره.

مفهوم الآية إذن، هو العكس والضد التام مما يرونه فيها، الآية تقول: إن الباطل يعلو (يربو) ولو لفترة من الزمن، ويعني ذلك، أن عليك أن تتصدى لكي تفهم الآخرين أن ليس كل ما يعلو التيار هو صحيح، ذلك أن السيل سيأتي بزبد آخر، وآخر، و آخر، كل ذلك سيكون (رابياً)، كذلك فإن كثيرين سيخدعون به..
أما (الحق) {ما ينفع الناس} فهو يحتاج أيضاً إلى فعل وتدخل، لأنه غالباً ما يكون يحتاج إلى إظهار، في باطن الأرض.. يحتاج إلى استخراج وتنقيب وتمحيص وعمليات تنقية..( علما أن نفس التيار الجبري المعاصر يمتلك مشكلة كبيرة في فهم “النفع” فهو يفهمها بمعناها  البرغماتي الغربي الذي يفهم المنفعة بمعنى فردي و آني، بينما مفهوم النفع القرآني يتجاوز ذلك الى مفهوم الجماعة و على المدى البعيد)

وفي الحالتين، فإن المؤمنين بنظرية الزبد، ممن يقولون:أن لا داعي للقلق، سيجدون أنفسهم وقد جرفهم السيل، قد يعتري بعضهم بعض القلق، لكنهم سيتهامسون أن لا شيء يهم، إنه فقط الزبد.. بينما الآية الكريمة تقول لنا، في الحقيقة، أن نعمل على إذهاب الزبد..كي لا نذهب كزبد..

… بين نظرية المؤامرة ونظرية “اللا” مؤامرة

 

….  بين نظرية المؤامرة و نظرية اللامؤامرة

د.أحمد خيري العمري – العرب القطرية

 22 شباط 2008

ليسَ هناك من هو أكثر سذاجة من مروجي نظرية المؤامرة، إلا أولئك الذين يروجون أن لا مؤامرة هناك على الإطلاق!
فالفئة الأولى تروج لرؤية مسطحة، لعالم تتحكم فيه عصابة معينة، تلتقي في السر وتخطط في السر وتنفذ في السر، فإذا بالعالم كله رهن خطتها السرية، وإذا بالدول والإمبراطوريات ليست أكثر من “أحجار على رقعة شطرنج” تحركها أيدٍ خفية لا يعرفها أحد.
أما الفئة الثانية، فهي على العكس من الأولى، تتبنى رؤية مسطحة للعالم، الدول والحكومات فيه أشبه بجمعيات خيرية غير ربحية، تؤمن بفكرة العمل التطوعي وتخوض حروبها لتقديم المساعدة للآخرين.
وبين الرؤيتين المسطحتين للعالم هناك، بعيداً عنهما، عالم متعدد الأبعاد، شديد التعقيد، تتداخل فيه المصالح والمؤامرات، كما المثل والشعارات، تتداخل فيه الثقافات والحضارات، تتفاعل أحياناً، تتصارع أحياناً أخرى، تنجر إلى رد فعل هنا، ورد فعل هناك، ولكن ذلك كله يسهم في بناء عالم متعدد الأبعاد، ومختلف الأعماق.. لا تكفي الرؤيتين المسطحتين، على اختلافهما، لسبر أي عمق من أعماقه..
و”نظرية المؤامرة” ليست اختراعاً إسلامياً، على الرغم من أن الليبراليين من أصحابنا، قد أبلوا بلاء حسناً في غسل أدمغتنا من أجل إقناعنا أنها كذلك. لكن الحقيقة أن “نظرية المؤامرة” عموماً، هي ظاهرة إنسانية، وهي رائجة غربياً كما إسلامياً، وربما هي رائجة في العالم كله للأسباب نفسها، مع اختلاف في مستويات الانتشار، من بيئة إلى أخرى.
ومصطلح “نظرية المؤامرة” غربي الأصول تماماً، وهو مترجم حرفياً من “conspiracy theory” الذي استخدم للمرة الأولى أوائل القرن العشرين، ولكن لم يتشكل معناه بالشكل المستخدم (ألازدرائي) إلا في ستينيات القرن العشرين، ودخل في أواخر التسعينيات في قاموس أوكسفورد، ليتأصل ويتقعد بهذا الشكل. جذب المصطلح والمفهوم مفكرين مهمين من مختلف التيارات، قدموا إضافاتٍ مهمةً لفهم الظاهرة: مثل كارل بوبر، نعوم تشومسكي، دانييل بايبس، وغيرهم، وكل هذا يعني وجود الظاهرة في المجتمعات الغربية، لا كجزء من ثقافة شعبية ينظر إليها على أنها سطحية فقط، ولكن كجزء تاريخي من إيديولوجية اليمين الأمريكي، وخصوصاً المحافظين الجدد، الذين أَولى منظِّرُهم ” ليو شتراوس” أهمية كبيرة لنظرية المؤامرة في تماسك نسيج الأمة الأمريكية. ومن نماذج نظريات المؤامرة السائدة شعبياً في الغرب (اغتيال جون كنيدي، الصحون الطائرة التي تتستر عليها المخابرات الأمريكية، موت الأميرة ديانا).. وكلها تسود وتنتشر عبر وسائل الإعلام والصحف الشعبية وتصير مع الوقت جزءاً من قناعات جماهيرية راسخة على الرغم من عدم وجود أي دليل مادي على حدوثها.
نظرية المؤامرة تقوم بإعطاء الأولوية للمؤامرة في فهم التاريخ ومساراته، بالذات في انكساراته وهزائمه، ما دام الطرف الذي يتحدث يشير إلى مؤامرة فعلها الآخر بحقه. وفي تاريخنا الإسلامي تنتصب “شواهد” لهذه النظرية، في ثالوث تاريخي شهير شكل جزءاً من الوعي والفهم الشعبيين للتاريخ وللواقع، هذا الثالوث هو (ابن سبأ – العلقمي – يهود الدونمة)، وفي الحالات الثلاث على اختلاف تفاصيلها الزمنية والمكانية، فإن هناك تضخيماً لدور أفراد أو فئات محددة، مقابل اختزال واضح لأسباب حقيقية كامنة للفتنة أو الانهيار.
فابن سبأ مثلاً، وبعد التسليم بوجوده التاريخي، هو في النهاية “فرد” لا يمكن أن يكون قد تسبب في إحداث كل ما حدث، خاصة أننا نتحدث عن مجتمع الجيل الأول الذي تميز بأفراده المميزين من الصحابة الكرام، لكن كانت هناك تناقضات داخل المجتمع الإسلامي نفسه، بعضها نتجت بسبب توسع الدولة وزيادة الثروة واحتكار بعض الزيادة من قبل بعض الفئات، وبعضها نتجت بسبب أخطاء أو تجاوزات هي في النهاية جزء من الطبيعة البشرية، وبعضها كان لبقايا رواسب عشائرية وصراعات قديمة، كل هذا تجمع ليكون تناقضاً بنيوياً داخل المجتمع الإسلامي المتوسع، ما لبث أن توسع التناقض ليصير تمزقاً، يمكن تسميته بالفتنة، ولا كبير مشكلة في الإقرار بأن بعض الأقليات التي تضررت مع صعود المجتمع الإسلامي، قد تمكنت من استغلال هذه الفتنة، وحتى في تسريع نتائجها بشكل أو بآخر، لكن هذا لن يلغي أن النتائج كانت ستحدث بكل الأحوال.فالمؤامرة نادراً ما تغير مسار التاريخ. لكن التاريخ يتغير عبر نار هادئة قد لا يلاحظها أحد لفترة طويلة، إلى أن يحدث “الغليان” فجأة، فيفسر الأمر بهذا السبب أو ذاك..
مؤامرة ابن العلقمي لا تشكل فرقاً عن هذا، فالمؤامرة هنا تنسب لفرد معين، يمثل طائفة بعينها هنا، مسؤولية انهيار دولة الخلافة العباسية، عبر تعاونه (أي تعاون الطائفة) مع المغول، وهو التعاون الذي لم ينكره مؤرخو الطائفة المعنية أنفسهم بل قام بعضهم بتأصيله وشرعنته، لكن ذلك التعاون لن يكفي لتفسير ما حدث (بعد كل شيء، ما دام ابن العلقمي فاسداً وخائناً لهذه الدرجة، فما الذي جعله أصلاً بمنصب وزير الخليفة غير سلطة فاسدة مثله؟!) فالتعاون جاء في مرحلة أخيرة وقبل سقوط العاصمة بقليل، أي إن المغول كانوا قد توغلوا في عمق الدولة ووصلوا إلى مشارفها، وحدث خلال ذلك تعاون من أمراء وولاة آخرين، لم يدخلوا في الوعي التاريخي الشعبي كما فعل ابن العلقمي، لأنهم لم يدخلوا في النسق اللازم لإنتاج نظرية المؤامرة (بعبارة أخرى: لم يكونوا من طائفة أو أقلية أخرى) والتركيز على هذا الفرد نيابة عن الطائفة في تفسير انهيار الدولة يلغي السنن الإلهية التي تتحكم بصعود وانهيار المجتمعات، ويجعلنا نغض النظر عن حقيقة أن الدولة العباسية كانت – في تلك الفترة على الأقل- قد أوغلت في فساد وانحدار وتفكك جعلها عرضة للسقوط، كما أنه يغفل طبيعة القوة الشابة الجديدة (المغول)، الذين كانوا في أوج قوتهم، ولم يلحقهم ما كان لحق المسلمين من ترف وضعف..
الشيء ذاته تقريباً هو الذي يطبق على يهود الدونمة وسقوط الدولة العثمانية، فالتركيز على مؤامرة اليهود هنا سيوحي أن الدولة العثمانية كانت ستستمر في الحياة لولا مؤامرة اليهود، وهذا يجعلنا نغض النظر عن حقيقة تردي أوضاعها وشيخوخة هياكلها وابتعادها عن العلم وسننه وهي حقائق جعلت سقوط الدولة العثمانية محتماً، سواء حدثت هذه المؤامرة أو تلك..
وكما هو واضح من هذه الأمثلة، تعطي هذه النظرية الأولوية للمؤامرة لفهم أحداث التاريخ. وتغفل بذلك الأسباب الموضوعية المعقدة المتداخلة الكامنة في بنية الحراك الاجتماعي التي قد تدفعه إلى الأعلى، أو تجعله راكداً معرضاً للسقوط، أو قد تدفعه إلى السقوط،..
 ما دور الأعداء هنا؟.. بالتأكيد لهم دورهم، إنه دور “العدو” – بالتعريف – الذي سيستغل مظاهر الضعف عندما تبرز، ويستثمرها لصالحه: فإذا بالتمزقات الاجتماعية الناتجة عن تناقضات في هيكلية المجتمع، تصبح ثغرات يتسلل منها العدو ليجهز على المجتمع وكيانه، لكن هذا لا يمكن أن يحدث إلا إذا كانت هناك الثغرات ابتداء.. وسواء دخل هذا العدو عبر هذه المؤامرة وتفاصيلها، أو عبر مؤامرة أخرى، فإن “عدواً” ما يجب أن يتسلل، كتحصيل حاصل لطبيعة الأشياء ومسارها..
لكن لماذا أصلاً تنتشر نظرية المؤامرة بهذا الشكل العالمي عابر الأزمان والقارات؟
.. أسباب انتشارها هي الأسباب نفسها التي تبدو أنها ستكون سبب عدم انتشارها. فالرؤية التي تقدمها لعالم مسطح ترجع كل الأمور السيئة إلى سبب واحد هو العدو، هي التي تجعل عموم الناس يميلون إلى تصديقها، ذلك أن العالم هكذا سيبدو أكثر أمناً وبساطة عندما يفسر السوء أنه قد جاء من جهة واحدة فقط هي مصدر كل الشرور والمصائب، فهذا سيجعل الناس مقتنعين أنهم على صواب، أو أن تاريخهم كان على صواب، وأن الشرور والكوارث لا تأتي إلا من عدو خارجي متربص، وأن الذات سليمة تماماً، لا تحتاج إلى مراجعة أو نقد أو حتى تقويم.
نظرية المؤامرة تمرر رسالة يريد الناس أن تصلهم: رسالة تقول لهم: إن الحق دوماً على “عدو” ما، وكفى الله المؤمنين شر مواجهة أخطائهم. ولأن الحق على العدو دوماً، والخطأ خطؤه، فلا شيء هناك يمكن عمله، أو كان يمكن عمله، غير بعض اليقظة تجاه هذا العدو..
كما إن نظرية المؤامرة -خاصة فيما يتعلق بموت المشاهير- تمنح نوعا من الأمان المزيف للمؤمن بها، فوفاة شخصية مهمة نتيجة حادث عرضي (مثل حادث سير ) سيجعل الإنسان العادي يشعر بالخوف أكثر، بينما يشعر بنوع من الأمان عندما يؤمن أن هذا الحادث إنما تعرضت له هذه الشخصية نتيجة لشهرتها و مكانتها، اما هو ففي مأمن من ذلك لأنه مجرد إنسان عادي..
من أسباب قوة هذه النظرية، وضعفها في آن، أنها غير قابلة للبرهنة حتماً، فأدلتها مخفية بالتعريف، فما دامت هناك مؤامرة فلا بد أن كل شيء أخفي تماماً، وما دامت غير قابلة للبرهنة، فهي في الوقت نفسه غير قابلة للدحض، لأن لا دليل عليها يمكن مناقشته بطريقة علمية، فهي لا تقوم إلا على”فرضية”، تجد أرضها الخصبة في الميل الإنساني للتصديق بهذه الفرضية…(و هذا يجعل استغلال الشركات الاحتكارية و تطويعها وسائل الإعلام لغسل أدمغة البشر في خانة أخرى غير خانة نظرية المؤامرة،بل هي حقيقة علمية تدرس في وسائل التسويق و الإدارة و تجاهل هذه الحقيقة عبث لا طائل من ورائه)
هذا عن نظرية المؤامرة وسدها لحاجات نفسية على الرغم من بعدها عن الواقع وتعقيداته. فماذا عن أولئك الذين لا يرون المؤامرة أصلاً؟.. هؤلاء هم النسخة المعاكسة من أولئك. إذا كان أصحاب نظرية المؤامرة لا يرون غير العدو، فإن هؤلاء لا يرون العدو أصلاً. وهذا أحياناً يكون أسوأ. إنهم لا يدركون طبيعة العالم الذي نعيش فيه، القائم على التدافع أحياناً، وعلى الصدام أحياناً وعلى الصراع في أحيان أخرى كثيرة. ولأنهم يرفضون فكرة المؤامرة بشكل مسبق فإنهم ينجرون إلى فكرة عدم وجود عدو، وربما إلى الترويج له ولشعاراته وإن كان ذلك ليس نيتهم أصلاً.
وبالنسبة للفئة الأولى، فإن الفئة الثانية ستتحول فوراً إلى جزء من نظرية المؤامرة نفسها، باعتبارهم متآمرين ومتعاونين مع العدو بالطريقة نفسها. وهذا كله يجعلنا ندور في حلقة مفرغة. فالحقيقة تظل أكثر تعقيداً، وعلى سبيل المثال فإن بعض “أدعياء التجديد الديني” يصنفون حسب نظرية المؤامرة باعتبارهم جزءاً من المؤامرة الماسونية نفسها، والفكرة هنا أن النظرية ستعتبر أن نتاجهم قد أعد مسبقاً في أقبية المخابرات ودُفِعَ لهم نقداً على الفور، لكن الحقيقة على الأغلب ليست بهذه البساطة، فنتاج هؤلاء وطروحاتهم وأفكارهم قد تستثمر وتدعم وتروج من قبل العدو، (وليس تقرير مؤسسة راند وملاحظات برجينسكي بعيدة عن هذا) لكن ذلك يكون غالباً بعد أن أنتج هذا الفكر وطرح، أي إن هذا الفكر يكون قد طرح نتيجة لتناقضات موجودة داخل بنية الفكر التقليدي، تفاعلت مع عقدة النقص المستحكمة تجاه الغرب لتنتج فكراً يمكن للعدو استخدامه.. وربما قد يدعم منتجه لاحقاً..أي إن هذا الفكر كان سينتج بكل الأحوال : بدعم غربي أو دونه..
هذا العالم لا يمكن لأي من النظريتين أن تقدم فهماً متوازناً له، كما لا يمكن للعالم أن يرسم باللون الأسود والأبيض فقط..
بالمناسبة:  عدم إيمانك بنظرية المؤامرة، لن يبطل المؤامرة في حال وجودها !
و بالمناسبة أيضا :هذا المقال ليس جزءاً من مؤامرة ما، ضد النظريتين!..