حجاب أروى : عن الحجاب في زمن الانحسار

حجاب أروى
عن الحجاب في زمن الانحسار

أحمد خيري العمري

حجاب أروى

قبل خمس سنوات ، قررت ابنتي آمنة أن ترتدي الحجاب ، وكتبت وقتها مقالا بعنوان “حجاب آمنة” ، نال المقال انتشارا كبيرا آنذاك ، وحدثت بعض المعارك في التعليقات من بعض الأخوة الذين عدُّوا قرار ابنتي “إكراها” لأننا غسلنا دماغها عبر نشوئها في بيئة مؤيدة للحجاب (كان يجب أن نتركها في الغابة مثل حي بن يقظان لكي نرى هل ستقودها فطرتها إلى الحجاب أو لا؟! ).
اليوم ترتدي شقيقتها الأصغر “أروى” الحجاب ، وأجد نفسي أكتب عن الأمر على نحو مختلف تماماً…
نعم ، لقد تغير العالم كثيرا في هذه السنوات الخمس ، صحيح أن الكثيرين قد يرون أن الحجاب قد ظل بمنأى عن هذه التغيرات ، لكني لا أرى ذلك أبدا ، الحجاب ، كما كل شيء سيطاله ما حدث ، وقد يعتقد البعض أن التغيير الذي أعنيه هو تغيير إيجابي ، للأسف لا ، حتى لو بدا هذا للبعض ولبعض الوقت ، مآلات الأمور الحالية ستكون سيئة جدا ، وسيكون هناك انحسار كبير لكل ما تعودنا أن يكون مرتبطا بالتدين.. لكنه سوءٌ لا بد من المرور به وانحسارٌ حتمي لكي نخرج من نفق ضيق دخلنا فيه بأنفسنا..
يوم كتبت “حجاب آمنة” كان هناك هجومٌ على الحجاب ، هجوم بدأ واضحا ممنهجا قبلها بأكثر من عقدين من السنوات ، و هجوم يستخدم تأويلا معينا للنصوص ، ومنهجيةً محددة للتعامل معها ، للوصول إلى نتيجة إلغاء الحجاب ، قبلها كان الانتقاد ليبراليا صريحا ، لا يستخدم النصوص الدينية ولا تأويلاتها لأنها ليست مجاله ، أما الهجوم الأحدث الذي بدأ تقريبا منذ عقد التسعينات ، فقد استخدم النص للوصول إلى نتيجة ليبرالية (أزعم شخصيا أن ذلك لم يكن بالصدفة ، وأن حكم إلغاء الحجاب هو الهدف المسبق الكامن في ذهن من وضع الآلية الجديدة ، لا أطعن بنيته هنا ، بل أقول: إن اللاوعي يتحكم في الكثير من المخرجات الذهنية ، وعلى نحو معقد جدا ، لذا فإن التشبع بالمظاهر الغربية وقيمها ، قد يقود اللاوعي إلى استخدام آليات معينة فقط لتبرير الوصول إلى نتيجة ليبرالية بدون تأنيب ضمير.. أي مدعومة بنصوص معينة وفق قراءة محددة ، أقول هذا وأضيف أن الأمر يعمل باتجاهين ، فاللاوعي الذي زيَّن استخدام آليات موصلة لحكم ليبرالي بالنسبة للمتشبع بقيم غربية ، يمكنه أيضا أن يزين لسواه استخدام آليات معاكسة تماما وتوصل لنتيجة مضادة بالنسبة للمتشبع ضد القيم الغربية ، المعيار في الحالتين هو عدم التناقض ، هل هذه الآلية تتناسق مع كل النصوص ويمكن تطبيقها عليها كلها ؟ أم أن هذا سيؤدي إلى تناقضات تهدم البناء كله…)
كان ثمة هجوم على الحجاب كما على أشياء أخرى قبل خمس سنوات ، لكن الحجاب لم يكن في حالة انحسار .. لم نكن عموما في حالة انحسار ، أو أن انحسارنا لم يكن ظاهرا … كتبت في السنة التالية (2010) أننا مقبلون على فترة انحسار كبيرة بسبب تغيرات جوهرية في الوضع الإقليمي والدولي ، وبسبب أداء التيارات الإسلامية أيضا ، بعد عام نشب الربيع العربي وبدا لكل من يتذكر ما قلت أنني كنت مخطئا جدا ، ويوم حقق الإسلاميون انتصارهم الانتخابي الأول في أول ربيع علقت أيضا أن هذا النصر هو مقدمة لفوز العلمانيين القادم ، وبدا ذلك يومها بعيدا جدا عن الواقع بالنسبة للبعض ، ولكن للأسف ها نحن بعد ثلاثة أعوام ونرى ما حدث ، وللأسباب التي ذكرتها بالضبط ، الوضع الدولي والإقليمي مع سوء أداء الإسلاميين ، وللأمانة فإن سوء أداء الإسلاميين قد فاق كل توقعاتي السابقة التي كانت تتوقع الانحسار ، وأضيف هنا أن الأمر لا يتعلق بأداء الإسلاميين فحسب ، بل بفكرهم أيضا ـ المسألة لم تكن قط في تطبيق سيئ لفكرة جيدة ، لا.. لكن الفكر الذي حمله الإسلاميون المعاصرون لعقود هو فكر غير واقعي البتة ، وغير قابل للتطبيق على أرض الواقع ، بل هو في حقيقته شعارات براقة وحماسية أكثر منه فكر يمكن أن يكون أساسا للتطبيق والبناء…
كل التجارب الإسلامية التي حققت نجاحا في ميدان التطبيق فارقت بدرجة أو بأخرى فكر التيار الإسلامي السائد ، أو وجدت لها على الأقل مخرجا شرعيا منه لكي تتمرد عليه (ونالت جزاء ذلك منهم الكثير).. وهو أمر لا يمكن أن يكون مصادفة طبعا.
ما دخل الحجاب بهذا كله ؟ وما دخل حجاب أروى تحديدا بهذا..
الحجاب له علاقة وطيدة بكل شيء ، لأن طريقة تعاملنا مع الحجاب تعكس أيضا طريقة تعاملنا مع كل ما يتعلق بالإسلام ، طريقة ترويجنا له ، وتطبيقنا له ، وتأصيلنا له ، كلها تعكس ما يمكن أن يحدث مع كل الواجبات الشرعية الأخرى…
بعبارة أخرى : تعاملنا (في العموم) في الحجاب بمعزل عن مقاصده ، كما لو كان مجرد (فرض وانتهى) ، والنتائج الكارثية لهذا التعامل المنعزل عن المقصد ، كان في الحجاب كما في الصلاة ، كما في الزكاة ، كما في كل فروض الإسلام التي عاملناها على نحو شكلي ومختزل ، حتى حولناها إلى هياكل متداعية .
كما في الإيمان نفسه…
لماذا حجاب أروى ؟
لا تعي أروى الكثير مما سأقوله هنا ، بالنسبة لها العالم أبسط جدا ، وقرارها( وإن كان قد صدر منها ) إلا أنه كان تحصيلا حاصلا دون تصعيدات ، لقد نشأت في بيئة متحجبة ولم نتركها في الغابة ! لقد قررت الحجاب بناء على “تشكلها” في بيئة اختارها لها والداها… لكني أعي أنها تكبر في عالم معقد ، وأنها يوما ما ستحتاج لفهم ما أقول هنا.
أروى لا تزال في المنزلة بين المنزلتين ، بين الطفولة والأنوثة ، وهي المنزلة التي أعتقد أن كل الإناث يحتفظن بجزء منها ( بل كل الرجال أيضا ! ولكنهم أكثر خبرة بإخفاء هذه المنزلة!)…
لا يزال ثمة وقت كبير أمام أروى كي تعي ما أقول..لكني واثق تماما أن أغلب ما سأقوله قد غرس بطريقة ما فيها…
نعم ..لم نتركها في الغابة..
لقد تركنا في دماغها ما نعتبره نحن حصانة..
ويعتبره البعض غسيلا للدماغ.
لماذا الحجاب ؟
أولا- لأنه (في جانب من جوانبه على الأقل) شيء واضح جدا ، ظاهري جدا ،يمكن تمييزه من أول نظرة ، لذا يمكن التعامل معه بسهولة (حسب التصور السائد) ، عمليا لا يمكن تجاوز أن الحجاب شيء واضح جدا ، ولا يمكن الهرب من أن لهذا تبعات على المتعاملين معه ، سلبا أو إيجابا.
الحجاب بالنسبة للكثيرين هو (رأس حربة) ، سواء كان هؤلاء مع الحجاب أو ضده ، ورأس الحربة تعامل دوما على نحو مختلف وأشد اهتماما ، بالنسبة لمن هو ضد الحجاب ، فهو يركز عليه في هجومه ، وقد يكون الأمر بالنسبة له مجرد مدخل لنقد الإسلام ، وقد لا يكون هناك شيء آخر ، لكن الحجاب ، باعتباره واضح جدا ، يأخذ من هجومه الكثير… بل وقد يعتبره مستفزا له !
وأولئك الذين يؤيدون الحجاب ، قد ينزلقون بسبب وضوحه إلى تصنيف كل نسوة العالم إلى متحجبات وغير متحجبات ، وقد يبنون على ذلك أيضا مواقف…
ثانيا – لأن الحجاب يرتبط بالمرأة ، والمرأة قد تعرضت لظلم كبير بلا شك باسم الإسلام شئنا أم أبينا ، وطبعا سينبري هنا البعض لاتخاذ موقف الدفاع الهجومي للتأكيد على براءة الإسلام من تهمة ظلم المرأة ، ولكن للأسف معظم من لديهم جمل تبدأ بـ “الإسلام كرم المرأة” لديهم جمل أخرى شديدة الاستهانة والاحتقار للمرأة ، وهي الجمل التي تعبر عن حقيقة رأيهم وفهمهم للإسلام.. أما جملة “الإسلام كرم المرأة” فهي ترقيع من باب ذرّ الرماد في العيون …
نعم هناك ظلم كبير للمرأة ، وجزء كبير منه كان بسبب قراءة معينة للنصوص الدينية ، لا أؤمن حقيقة أن الحجاب ظلم ، لكن بما أن الحجاب يرتبط بالمرأة وثمة ظلم عليها ، فلا مفر من الربط بين الاثنين.
ما أرغب فيه هنا هو الفصل بين “الجانب الاجتماعي التطبيقي” من الموضوع ، عن جانب “النصوص الدينية”.. وهو فصل لا بد منه ، لأن الممارسات الاجتماعية للحجاب قد أثرت وشوشت جدا على فهم النصوص وقراءتها..
التصنيف حسب الحجاب :
علينا أن نعترف أننا قد بالغنا جدا في “التصنيف حسب الحجاب” ، وليس هذا تقليلا منه أو من كونه “أمراً شرعياً واجباً” ، ولكن الممارسة الاجتماعية التي تلقفناه بها ، تجاوزت الأمر الشرعي الواجب ، إلى اعتبار الحجاب (عند البعض) يكاد يقارب “شهادة لا إله إلا الله”…لا أقول ذلك مبالغة ، لكنه حقيقة ممارسة عند البعض ، لا يعني ذلك أنهم يكفِّرون غير المتحجبات ، لكن الكثير من المتدينين ، يعتبرون الحجاب بمثابة إعلان رسمي لشهادة أن لا إلا إلا الله ، وهو أمر لا دليل على كونه شرعيا أو كون هذه المقاربة مقبولة أصلا …
أذكر شخصيا عندما كان هدف كل متدين وملتزم في الجامعة مثلا هو أن يدعو غير المتحجبات للحجاب ( يقابلها دعوة الذكور لصلاة الجماعة).. وتستخدم في ذلك الكتيبات وأشرطة المحاضرات ، وعندما يحدث الحجاب لواحدة من المستهدفات ، أو يلاحظ حضور طوعي (بدون تخجيل) لصلاة الجماعة من قبل المستهدف ، فإن الأمر كان يعامل كما لو أن (المهمة قد أنجزت) ، وكان الأمر ينتهي بتبريكات… وغالبا ما يقف عند هذا ، البنات للحجاب والشباب للصلاة… (هذا على الأقل بالنسبة لغير المنتمين لتيار إسلامي سياسي ، أي أنه يخص عموم التيار السائد)
يمكن أن نذكر أمثلة كثيرة تصب في الاحتفال بارتداء ممثلة ما للحجاب ، وتعامل الجميع معها كما لو أنها قد حققت معجزة ، وروايتها لقصة “هدايتها !” في أجواء كرنفالية..
أعرف مثلا امرأة تريد من زوجة ابنها أن تتحجب ، زوجة الابن ملحدة وأم زوجها تريد أن تحجبها!… ربما كانت أم الزوج لا تعرف جزئية الإلحاد ، لكنها تعرف مثلا أن زوجة ابنها لا تصلي ، لا تبذل جهدا في ذلك ، بل تركز على الحجاب ، لأن الناس لا تعرف أن زوجة ابنها لا تصلي ، لا يمكن لهم أن يعرفوا ذلك بسهولة ، لكنهم يعرفون أنها ليست محجبة فحسب ، لذا فهي تركز على وضع قطعة من القماش على رأس كنّتها.

بعبارة أخرى : عومل الأمر كهدف بحد ذاته ، مستقل تقريبا عن أي شيء آخر ، عن أي قيمة محتواة سواء في الحجاب أو في أداء الصلاة (مع الشباب في الجامعة في المثال أعلاه) ، بالتأكيد الأمر مع الحجاب أوضح ، لأنه يكاد يكون هوية معلنة يراها الجميع ، بينما الأمر مع الصلاة أقل وضوحا…
هذا التصنيف السهل لجنس النساء إلى متحجبات / غير متحجبات يحتوي ضمنا على مغالطات كثيرة : أولها- أنه تصنيف يختزل قيم الحجاب إلى قطعة قماش / غطاء للرأس ، والأمر أكبر من هذا بكثير. الخطوة التي تلي هذا خطوة مفقودة عند الغالبية العظمى للأسف.
ثانيها : أنه كما يساوي بين كل من وضعت غطاءً للرأس على شعرها ، فإنه يساوي بين كل من لم تضعه ، وهذا اختزال وتسطيح للطبيعة البشرية على نحو مهين للإنسان ككل بمعزل عن جنسه.
أغلب الكلام الذي يتداوله الدعاة (حتى شديدي اللطف منهم ) يصبّ في اعتبار أن غير المتحجبة هي غير عفيفة ، أو هي أقرب إلى قلة العفاف منها إلى العفة ، إنها سهلة المنال.. (وهو أمر نعلم تماما عدم صحته).. قد يبرر بعضهم هذا الكلام بالحرص على “حثّ” غير المتحجبات على الحجاب ، لكن هذا كله له آثاره السلبية التي تفوق بكثير كل فائدة محتملة ، في حالة وجود فائدة أصلا في مغالطة كهذه.
ثالثا -أنه سهّل استثمار لظاهرة الحجاب من قبل التيار الإسلامي السياسي الذي لم يكن هو المتسبب في انتشار الظاهرة ( لأن الحجاب انتشر أيضا في دول لم يكن فيها تيار إسلامي سياسي ) ، لكن هذا التيار استثمر الظاهرة ملوحا بها في وجه خصومه للإيحاء بأن كل المتحجبات معه (وجمهوره لا يستهان به بكل الأحوال) ، والحقيقة التي ثبتت لاحقا أن المتحجبات يمنحن أصواتهن لطيف مختلف من الأحزاب التي قد لا تكون إسلامية بالضرورة (المتحجبات أحيانا يعطين أصواتهن للعلمانيين والليبراليين وأعرف متحجبة منحت صوتها للشيوعيين!).

لكن على الجانب الآخر من الممارسة الاجتماعية هناك أيضا من تضع الحجاب ، وهناك سلوكها. المتحجبات بمجموعهن جزء فاعل في الموضوع الناتج ، وسلوكهن يؤثر ويتأثر بالتصنيف السابق.
هناك مايلي :
أولا- المتحجبات المتحجبات : الفئة التي التزمت بالحجاب بوصفه وسيلة لتحييد (أنوثة المرأة) عن تفاعلها مع المجتمع ، وليس وسيلة لتحييد المرأة نفسها ، أي أن سلوك هذه الفئة سلوك جاد عموما ، لا يمكن تصوره ملائكيا بالتأكيد ، لكنه يحرص على الأقل على أداء دور إيجابي في المجتمع ، والحجاب هنا هو هوية تعلن عن طبيعة هذا الدور وارتباطه العقائدي بقضية أكبر ، وكذلك يقوم هذا الحجاب بوظيفته في تحييد التأثيرات المشوشة للأنوثة على العمل الاجتماعي المشترك مع الرجال ، وتحييد الأنوثة لا يتم عبر لباس الحجاب فقط ، بل عبر سلوكيات مصاحبة للحجاب ومتسقة معه.

ثانيا – متنكرات بالحجاب: هناك فئة على النقيض من هذا ، ارتدت الحجاب لغرض التستر به والقيام بأعمال لا أخلاقية ، ببساطة هناك من ترتدي الحجاب لتفلت ، سواء كان هذا الفلتان مهنيا مدفوع الثمن أو نتيجة رغبة شخصية (على الفرق بين النوعين) للأسف هذه الفئة موجودة في المجتمعات والطبقات التي ينتشر فيها الحجاب ، الفتاة تحصل على حريتها باعتبار أن المتحجبة ( ما ينحكي عليها ) ، والنتيجة أنها تجلب الكلام للحجاب ولما يمثّله ، وهذه الفئة مسكوت عنها عموما ، ويسطح الأمر أحيانا إلى أن يعتبر مؤامرة مدفوعة الثمن ، أو ترفع المعايير لتدقق أكثر في تفاصيل الحجاب وبقية الملابس … فتوضع خانة جديدة للحجاب( السبورت) كما يقال ، قد تضم هذه الفئة ، وهي مغالطة أخرى للأسف ، فبعض من لديهن هذا السلوك يرتدين “الحجاب” حسب الضوابط تماما ، ولا يمكن أن نجد في لباسهن ما يخرجهن عن الفئة الأولى ، وحده سلوكهن هو ما يفعل.

ثالثا – زوجات الحجاب : هناك فئة تتحجب لأن العريس ( عايز كده ) ، يتقدم للخطبة والمعاينة ، فتعجبه البضاعة ، ولكنه يضع شروطا على المورد بتحديث بعض المواصفات ، ومن ضمنها وضع الحجاب ، لا يمكن الحكم على نية المتحجبة لاحقا بعد هذا ، فقد يحدث ما يجعلها تعامل الحجاب على نحو أكثر جدية ، لكن معاملة الحجاب كديكور من ديكورات منزل الزوجية نادرا ما يأتي بنتائج مهمة.
رابعا– المتذبذبات : هناك الفئة الحائرة ، وهي أكثر انتشارا من كل الفئات الأخرى ، فتيات حائرات بين رغباتهن المختلفة ، فتاة تريد أن تلتزم بلباس شرعي، ولكنها أيضا تريد أن تبدو جميلة ، أن تشعر بجمالها وأنوثتها ، تريد أن تبدو أنيقة ومعاصرة …أغلب الشباب من الذكور لديهم رغبات مشابهة ، ولا مشكلة كبيرة لديهم في المزاوجة بين الأمرين ، فهم ذكور، ولدوا مع حصانة اجتماعية تحميهم من المحاسبة ، أما الإناث فهن محاسبات دوما على كل ما يعتبر عاديا عند الذكور.
الفكرة هنا أن هذه الفئة من الفتيات قد يتحجبن غالبا برغبتهن الداخلية في رضا الله وتنفيذ أوامره ، وجود بعض المخالفات هنا أو هناك لا تغير من هذه الحقيقة ، كلنا بشر ، والذكور يفعلون ذلك وأكثر…تضخيم أخطاء هذه الفئة يعتمد على فكرة هزلية عند الطرفين (المؤيدين للحجاب أو المضادين له ) ، وهي فكرة (كل شيء أو لا شيء)… وهي فكرة مستحيلة التنفيذ بشريا.. والمتحجبات بشر.
خامسا – حجاب العادة : ثمة فئة كبيرة من المتحجبات ، يتحجبن بحكم عادة أن كل النسوة في عوائلهن أو مناطق سكنهن أو طبقتهن متحجبات ، لا يوجد عمق أو حتى محاولة عمق أو فهم في حجاب العادة ، وغالبا يمكن أن يخلع بسبب تغير مكان العمل أو طبيعة الحياة دون كبير مشكلة في الموضوع بالنسبة لهذه الفئة .
سادسا– مسيئات بسبب الحجاب : هذه الفئة أقل حجما من الفئات الأخرى ، وربما تكون ظاهرة حديثة وغير منتشرة في كل البلدان ويمكن رصدها بسهولة في مواقع التواصل الاجتماعي .
هذه الفئة متحجبة ومسيئة ليس بالرغم من حجابها ، بل بسبب حجابها ، هناك فئة من فتيات التيار الإسلامي ( وليس تيار التدين العام ) مسيئة جدا ،ولا أقصد هنا إساءة بالمعنى الذي يفهم عادة والمرتبط بما تفعله الفئة الثانية المتنكرة بحجابها ، بل أقصد السلوك القبيح المتمثل في وقاحة غير معتادة ورفع للكلفة مع الجميع وأسلوب خطاب متجاوز للعمر وللمكانة على نحو فج للغاية ، هؤلاء غالبا نتاج عارض وغير مقصود لتيار نسوي – إسلامي مع تأثيرات حداثية واضحة وقراءات كثيرة دون فهم ومظاهر ثقافية دون أي نتاج حقيقي أو مهم.
الحجاب بالنسبة لهذه الفئة يستخدم كغطاء ، وربما كمبرر لسلوك يتجاوز الاسترجال إلى الوقاحة حتى لو صدرت من رجل ، ولكن مجرد وجود الحجاب الشرعي ، وعدم وجود ما يخدش الشرف في سلوكهن الشخصي ، يمنحهن حصانة من النقد ، بالإضافة إلى أن ألسنتهن وحدها كفيلة بمنح حصانة إضافية خوفا من عواقب النقد.
كل هذه الفئات ترتدي الحجاب ، من الخارج قد تبدو متشابهة ، قد يختلف الحجاب وبقية اللباس من فئة لأخرى ، لكن يبقى غطاء الرأس عاملا مشتركا بين جميع هذه الفئات.
لكن من الداخل : لا شيء مشترك تقريبا كل فئة تسلك مسلكا مختلفا تماما ، وربما فكرتها عن كل شيء في الإسلام (وليس عن الحجاب فقط) مختلف تماما عن الفئة الأخرى.
يمكن أن يقال أن بعض هذه الفئات أقرب إلى النفاق منها إلى الإيمان ، وأن هذا الأمر لم يخلُ منه حتى عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ، وبمعزل عن هذا التصنيف ، فإن علينا أن نميز أن الإسلام حينما انتشر ، لم يصنف الناس على أساس المظهر ، بل على أساس شهادة أن لا إله إلا الله التي لها مظاهر سلوكية متعددة لم تكن الملابس من ضمنها في البداية.
بهذا المعنى ، فإنَّ فَهْمَنا السائد للحجاب (بمعزل عن مقاصده) وتصنيفنا كل نسوة العالم إلى صنفين على أساسه ، قد ساهم أكثر في زيادة نسبة عدد من الفئات أعلاه …
متنكرات الحجاب مثلا ، هل كن سيرتدينه لو لم تكن هذه النظرة موجودة؟
زوجات الحجاب ..هل كان العريس سيطلب الحجاب ديكورا من أثاث الزوجية لو كان يعي عمق الحجاب ، وأنه أكبر بكثير من مجرد غطاء الرأس؟
متحجبات العادة…هل كان الحجاب سيصبح عادة مجتمعية دون أي قيم مرتبطة بها لو أننا لم نتعامل مع الحجاب بهذه السطحية؟
أستطيع أن أفهم التذبذب ، فهو جزء من الصراع الإنساني ، وأن أفهم حتى الفئة الأخيرة التي تعتبر الحجاب غطاء لسلوك وقح (فهي نتاج عارض لأسباب  مختلفة)…لكن الفئات الأخرى أساءت إساءة بالغة لكل قيم الحجاب ، وكانت النظرة التصنيفية المطلقة سببا من دفع هذه الفئات نحو الإساءة ( أو على الأقل مبررا لها في ذلك).
لا يمكن أن نفهم المشكلة القائمة في التعامل مع النصوص المتعلقة بالحجاب دون فهم إشكاليتنا المزمنة في التعامل مع كل الفروض بمعزل عن مقاصدها ، وما ينتج عن هذا من فوضى سلوكية.

نصوص لباس المرأة :
*********************************
} يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59) { الأحزاب
} قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31){ النور
هذان النصان هما النصان الأساسيان للباس المرأة في القرآن ، وقد نزل الأول منهما بعد غزوة الأحزاب ، والثاني بعده ، وقد كانت غزوة الأحزاب في السنة الخامسة للهجرة ، مما يعني أن تفاصيل لباس المرأة لم تحدد إلا في منتصف الفترة المدنية.
وهو أمر له دلالته ، وعادة ما يحاول البعض اعتباره دليلا على تسلسل متأخر في الأهمية.
على العكس من هذا ، أرى الدلالة معاكسة..
فرغم مضي فترة من التربية الأخلاقية والعقائدية ، وبوجوده عليه الصلاة والسلام ، إلا أن الأمر ظل يحتاج إلى قواعد وقوانين واضحة تنظم علاقة الرجل بالمرأة .. أو بعبارة أخرى تنظم طبيعة وجودهما معا في مكان مشترك ولهدف مشترك.
كما لو أن الهدف من تأخر نزول التشريعات والقوانين هو أن نقتنع بالحاجة إلى هذه القوانين حتى لو كان المجتمع في أفضل حالاته البشرية الممكنة ، أي بوجود النبي عليه الصلاة والسلام مشرفا مباشرا على تربية الجيل الأول (مع الإقرار أنه لا يوجد مجتمع فاضل بالمطلق ، وأنه حتى المجتمع الأفضل كان فيه بشر مقصرون ومسيئون ومنافقون).
ماذا تقول لنا النصوص المحددة للباس المرأة قرآنيا ؟ وفي أي سياق؟
السياق الأوضح والأهم هي أنها تأتي في سياق “قل”.
النص القرآني يحمل الرسول الكريم أمانة أن يقول ما ستنقله الآيات من تعليمات.
وهو في الوقت نفسه ، يحملنا نفس الأمانة.
أن نقول …
“قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين”
“قل للمؤمنين”
“قل للمؤمنات”
“قل” تتضمن هنا صيغة أمر شديدة الوضوح.
كان الأمر سيكون بدلالات أقل وضوحا لو كان على صيغة التقرير : مثلا المؤمنات يدنين عليهن من جلابيهن..
أو المؤمنات يضربن بخمرهن على جيوبهن..
لا.. هذا قد يفهم على أنه تقرير ، وتأييد ، ربما بصيغة الاستحباب ، لما تفعله المؤمنات…
لكن النص ، يحدد “قل”.
قل لهم ، أو لهن أن يفعلوا ، أو يفعلن هكذا.
بعبارة أخرى …
الفرق هنا مثل الفرق بين تقرير حقيقة ” الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ” كما جاء في النص القرآني ، وبين أن يقول النص “قل للرجال أن يكونوا قوامين على النساء..الخ”.
الفرق كبير ، وهو واضح.
ونصوص (الحجاب) ربطت الأمر بفعل الأمر للنبي أن يبلغ ما ستقوله الآيات للمؤمنين والمؤمنات ، وضمنا فإن سياق الآيات ربطت المؤمنين والمؤمنات أيضاً في نفس عملية التبليغ والقول… ومن كان مبلَغا في المرحلة الأولى (بفتح اللام) ، صار مبلِغا (بكسرها) في المرحلة الثانية.. ومن سيتم تبليغه في المرحلة الثانية سيقوم بالتبليغ في المرحلة الثالثة ، وهكذا إلى ما لا نهاية في دوائر “قل” التي يكون مركزها عليه الصلاة والسلام ، وتبقى تتعدد الدوائر المحيطة بالمركز ، إلى أن تصل لنا,…وتتجاوزنا…
” قل ” هي مثل “قل هو الله أحد”…تأتي لتحديد ما لن يتغير …
لا أقول هنا أن الحجاب هو مثل التوحيد…ولكن صيغة “قل” التي ورد فيها لباس المرأة صيغة أمر ووجوب شديدة الوضوح.
هل هي مصادفة أن يكون النص الآخر الذي ساهم في تحديد لباس المرأة قد ابتدأ أيضا بـ “قل”؟
لا..
لا شيء بالصدفة في كتاب الله العزيز.
وهل هي صدفة أن يحدد النصان “المؤمنات” و”نساء المؤمنين” وليس “اللواتي آمن معك” أو “نساء الذين آمنوا معك”…
لا ، لا شيء بالصدفة ، وكل ما في النص يشير إلى أن الأمر سيكون مؤبدا ، لن يكون مرتبطا بما هو آني أو عابر..
طالما كان هناك إيمان…
ولا شيء بالصدفة..
******************
مالذي تقوله آية سورة الإحزاب..؟
تقول شيئين في غاية الأهمية..
الأول : يدنين عليهن من جلابيبهن
والثاني : أن يعرفن !
الأول يحدد هيئة عامة للباس المرأة.
والثاني يحدد المقصد.
ما معنى “يدنين عليهن من جلابيبهن”؟
ما معنى الجلباب أصلا ؟ وما معنى يدنين؟
الجلباب من جلب ، والجلب هو سوق الشيء من موضع لآخر.
كيف يمكن لهذا الجذر اللغوي أن يعيننا في فهم معنى الجلباب ، خاصة أن لسان العرب يسجل أن الجلباب سمي على تنوعات عديدة من الثياب : الجِلْبابُ القَمِيصُ ، والجِلْبابُ ثوب أَوسَعُ من الخِمار دون الرِّداءِ تُغَطِّي به المرأَةُ رأْسَها وصَدْرَها ، وقيل هو ثوب واسِع دون المِلْحَفةِ تَلْبَسه المرأَةُ ، وقيل هو المِلْحفةُ
فهو قميص ، وهو ثوب أوسع من الخمار ، وهو ثوب دون الملحفة ، وهو ملحفة …
لا يدل ذلك على اضطراب ، بل يدل على أن الاسم يدل على وظيفة معينة يمكن لأكثر من لباس أن يؤديه.. فمرة يسمى ملحفة ، ومرة يسمى قميص ، ومرة يمكن أن يسمى عباءة أو ملاءة أو مانطو ، ويمكن أن يسمى أسماء أخرى مختلفة بحسب اختلاف الزمان والمكان ، واتفاق الوظيفة المحددة…
ما هي هذه الوظيفة المحددة؟
إنها الوظيفة التي يحددها المعنى اللغوي لكلمة جلباب ، المشتقة من الفعل جلب ، والذي يعني “سوق الشيء من موضع إلى آخر”.
مالذي يعنيه هذا عندما يترجم ليكون جزءا من مواصفات لباس؟
يعني أن هذا اللباس سيكون مسدلا ، لن يغطي جزءا واحدا فقط من الجسم كما هو الحال مع القميص أو الخمار أو السروال ، أو أي تسمية معاصرة أخرى لقطعة ثياب تغطي جزءا واحدا من الجسم.
بعبارة أخرى : هذا الثوب ينتقل من موضع إلى آخر ليغطي كل الجسم.
لماذا الإدناء ؟
لأن أي ثوب بهذه المواصفات ، سيحتوي حتما على فتحات ، أو فراغات ، نتيجة طبيعة الجسم البشري ووجود الذراع والرأس ..
الإدناء هو الأمر بتقريب هذه الفتحات أو الفراغات بحيث تكون مسدلة قدر الإمكان.. مثل غلق الأزار لأكمام طويلة ومفتوحة.
ماذا سيكون الناتج؟
هذا أمر مختلف التوصيف من مكان لآخر ومن وقت لآخر.. وقد أنتجت الحضارة الإسلامية نسخا متعددة تفي كلها بهذا التوصيف على اختلافها في التعبير عن الخصوصيات الثقافية من مجتمع لآخر.

ماذا عن “أن يعرفن”؟
ببساطة : هذا هو المقصد من الحجاب …أن “يعرفن”.
نعم ، أنه يقدم الستر والحشمة والحماية ، ولكنه يقدمها من خلال الهوية أولا .
هذا ما تقوله الآية.. إنها لا تقول أن هذا اللباس سيصرف أنظار الرجال ، أو يطفئ شهواتهم ، أو يغلف المرأة كالجوهرة الثمينة ، أو يبعد عنها الذباب …إلخ ما يتداوله البعض ، النص يقول أن هذا اللباس هو لباس “تعريفي” ، “أن يعرفن فلا يؤذين”..هكذا ..
للوهلة الأولى ، سيبدو “موضوع التعريف” – الهوية – مرتبطا بشكل أساسي بما نسميه سبب النزول ، أي للتفريق بين الحرائر والإماء.. ، ولكن سبب النزول هو مجرد مناسبة للتعرف إلى البُعد الأول لنص قرآني له أبعاد متجددة دوما بتجدد الأزمان والأماكن (ككل نصوص القرآن) ، وجود بُعد جديد لا يلغي بالضرورة الأبعاد الأخرى ولا يناقضها.. وهكذا فإن القراءة الأولى للنص كانت للتفريق بين الحرة والأمة ، وهي قراءة تعاملت مع مجتمع المدينة المحلي في القرن الأول الهجري – حيث النساء إما إماء أو حرائر- لكن لابد من قراءة أخرى تتعامل مع المجتمع العالمي المعاصر ، حيث تتعدد الهويات الإنسانية وتتصارع وتتنافس..
ما كان يقرأ أنه تفريق بين أمة وحرة (والنص لم يقل ذلك إعجازا) لا بد أن يقرأ اليوم على أنه تفريق بين الإيمان ، الإسلام ، وكل ما سواه..
هذا اللباس هو هوية المرأة المسلمة ، ببساطة هويتها ، وهو يتضمن حتما الحشمة والستر ، ولكن ما اختاره النص أن يعبر به كمقصد للباس كان الهوية ، الهوية التعريفية بالمرأة المسلمة ، لا يعني ذلك أنها لن تكون مسلمة لو تخلت عن هذا اللباس ، لكنه يعني أنها مسلمة تخلت عن هويتها ، إما لظرف قاهر ، أو لأنها لم تفهم أهمية الهوية ، ولذلك فقد تصورت أن الأمر زائد عن الحاجة ، مجرد إكسسوار …
أو لأنها ببساطة ، لم ترقَ لأن تكون مسلمة إلى هذه الدرجة التي تعبر عنها بالهوية ، وهذا لا يعني أنها ليست مسلمة طبعا.
مشكلتنا مع توصيف الحجاب بالهوية هي أننا عموما نقلل من أهمية الهوية ، نعتبرها شيئا زائدا ، شيئا إضافيا يمكن التنازل عنه ، لذا فإن مجرد وصف الحجاب بالهوية يثير نوعا من الفوبيا أن يؤدي ذلك لنزعه..
يوم منعت فرنسا الحجاب في المدارس الحكومية • ضمن منعها لكل الرموز الدينية ، ضج البعض بالاعتراض قائلين أنه فريضة وليس رمزا دينيا .. وطبعا لم تنفع هذه الاعتراضات ، والشيء الوحيد الذي نتج هو تقليل أهمية ومعنى الرمز في نفوس الملايين ممن تابعوا المشايخ الكبار• الذين ظلوا يؤكدون أن الحجاب ليس رمزا دينيا !..
بالتأكيد الحجاب رمز ديني ! لقد فرض لأنه رمز ديني ! إن كانت فرنسا ترى ذلك مخالفا لما قامت عليه ثقافتها فهذا شأن آخر ، يمكن للمسلمين هناك إن كانوا حريصين جدا على “الحجاب” أن يؤسسوا مدارسهم الخاصة ، فالقانون حدد المدارس الحكومية فحسب ، يمكن لهم أن يوحدوا كلمتهم المتفرقة بحيث يكون لهم ثقل انتخابي مؤثر مما يجعل الساسة والمشرعين يتوددون لهم ، يمكن للطالبات المسلمات أن يواصلن تعليمهن ، يقلعن غطاء الرأس على باب المدرسة ، ويرتدينه لاحقا عند الخروج ، يثبتن بالتعليم جدارتهن ، ومن ثم يطالبن بحقهن في ارتداء الرمز الذي يعبر عن ثقافتهن وقيمهن (والذي لا يشترط بالضرورة أنه يتعارض مع قيم المواطنة في فرنسا)…
كل هذا يمكن أن يحدث عبر وسائل متعددة ، ولكنه لن يحدث ما لم نقتنع أولا بأهمية الرمز والهوية ( في العموم) في التعبير عن قيمنا وثقافتنا ، ومن ثم نعترف بالحجاب باعتبار أنه قد فرض أصلا لتوضيح أهمية هذه الهوية.
التقليل من أهمية الهوية ، كالتقليل من أهمية القيم التي تعبر عنها الهوية ، وأولئك الذين يقللون من شأن الهوية ، ويحاولون لفت انتباهنا إلى ما هو أهم ، يحملون غالبا هوية أخرى ، ويتمسكون بها ، دون أن يدركوا ذلك.
على سبيل المثال : أغلب ناشطي وناشطات (ضد الحجاب) من كُتَّاب وكاتبات وإعلاميين وإعلاميات يظهرون بمظهر معاصر ، بمعنى أن ملابسهم (معاصرة) ، قريبة من أو مطابقة لخطوط الموضة السائدة ، لا تظهر الواحدة منهن بتسريحة سادت قبل عشرين عاما أو بقميص ظهرت فيه أول مرة قبل عقود ..كذلك الرجال ، ولكن باختلافات أقل ، ولكنها موجودة ، ولا أتحدث هنا أبدا عن أن مظهر الناشطات غير محتشم بالضرورة ، أقصد فقط أنهن يحرصن (ربما بلا وعي مسبق ، وإنما على نحو تلقائي جدا) على الظهور بمظهر يعبر عن المعاصرة والحداثة ، أي عن القيم التي يؤمنَّ بها وينتمين لها ، سيكون غريبا جدا مثلا لو أنهن ارتدين الساري الهندي مثلا ، أو الزي الوطني للكونغو ، ليس انتقاصا من الهند أو الكونغو… بل لأن هذا الزي الوطني يعبر عن قيم حضارية وثقافية لا يؤمن بها هؤلاء الناشطون والناشطات ، بل يؤمنون بقيم أخرى ، يعبر عنها الزي المعاصر السائد الذي يحرصون على ارتدائه ربما دون وعي مسبق ، ولكن على نحو تلقائي جدا..أنه هويتهم ..
الحجاب هو هوية بهذا المعنى أيضا… والحرص عليه طبيعي لأنه يعبر عن قيم يفترض أن تؤمن بها من ترتديه ، وهو يعبر عنها كما يعبر لباس الناشطة المناهضة للحجاب عنها…
لكن هل الهوية مهمة جدا لهذه الدرجة؟!
هذا ما يحاول اللعب عليه الطرف المضاد للحجاب ، يحاولون التقليل من أهمية الهوية ، لأن هذا برأيهم سيقلل من أهمية فرض الحجاب ، سيجعل الفريضة تبدو عبثية ، بلا هدف ولا مقصد ولا حكمة ، ومن هنا سيكون المدخل للطعن في فرضية الحجاب ، سيحاولون حصره في سبب تاريخي زال بزوال الإماء والرق .. وسيبدو القرآن هنا كما لو كان كتابا تاريخيا يمكن للكثير مما فيه أن يكون معرضا لفقدان الصلاحية بنفس المنطق ، ربما لا يهدف كل مضادي الحجاب هذا ، بل ربما يريدون المحافظة على تعليمات أخرى للقرآن ، لكن نفس منهجية التفكير سيكون لها نتائج أخرى حتما ، وإلا سقط الأمر كله في تناقض واضح..
لا يقلل من أهمية الهوية إلا اثنان.
أما أن يكون هذا المقلل من أهمية الهوية جاهلاً بأهميتها ، رغم أن أهميتها اليوم تتعدى البداهة والحس العام إلى تراكم هائل من الدراسات النفسية والاجتماعية التي تثبت أهميتها ، وتثبت أنها مما لا غنى عنها ، متصلة بالإنسان دوما أينما كان ، وإن فقدان هوية ما لا يمكن أن يكون إلا تمهيدا لظهور هوية جديدة مغايرة.
أو أن يكون مدركا لأهمية الهوية في المحافظة على القيم التي تعبر عنها ، ولكنه يقلل منها لأنه يدرك أن هذا التقليل سيفسح المجال لقيم جديدة ، قيم مغايرة…
بعبارة أخرى : لهوية جديدة.
البعض يتعامل مع الهوية على أنها صورة مسطحة ببعد واحد، ثم يقول بعدها أن المهم هو العمق.
والحقيقة أن الهوية هي أحد أبعاد الشكل المجسم الثلاثي الأبعاد… لا يمكن حقا حذف أي بُعد من هذه الأبعاد لأن حذف بُعد واحد سيطيح بالشكل كله..
الهوية هي الوجه ، هل يمكنك حقا أن تتعامل مع إنسان ما وقد نزعتَ وجهه عنه ، هل يمكنك أن تتعامل مع عضلات وجهه وشرايينه وأوردته وأعصابه مباشرة حقا ؟ دون وجهه !..للأسف الجواب بنعم هو مجرد مكابرة ، أنت نفسك لن تعرف نفسك دون وجهك! لا يمكن لأحد أن يميز نفسه من دون وجهه !..
الهوية هي ما نعرف به أنفسنا ، كما يعرفنا من خلالها الآخرون، الهوية هي ما يميزنا عن سوانا ، يعبر عن قيمنا وعن مميزاتنا وعن إيجابيتنا ( وربما عن سلبياتنا بالنسبة للبعض..).
الهوية سطح ؟
نعم ، لكن هذا لا يعني أن الهوية سطحية ، بل هي كسطح الأرض التي تحوي ضمن ما تحوي موارد وكنوز وخيرات.. لا يمكن لنا أن نصل لهذه الكنوز لولا سطح الأرض ، عمليا لا انفصال بين سطح الأرض وباطنها ، بل هما ملتحمان تماما والفصل في أذهاننا فقط.
الهوية هي مثل العَلَم الذي يمثل الدول والشعوب والأمم ، مهما اختلف المعارضون ، فهم يحرصون دوما على احترام العَلَم ، على رمزيته ، رغم أنه مجرد قطعة قماش للوهلة الأولى (مثل الحجاب بالضبط..).لكن لا ..عندما نضع قطعة القماش تحت عدسة المجهر ، ثمة منظومة قيمية كاملة جديرة بالانتباه.
الهوية هيكل لسيارة لا فائدة لمحركها بلا هيكلها….هل تقدم شركة المارسيدس سيارة جديدة لها من غير هيكلها أو العلامة المميزة –اللوغو- لها؟
الهوية هي مثل بطاقة تعريفية تذكرنا بأنفسنا ، مثل رقم تسلسلي يعبر عن كل مرجعيتنا القيمية ، مثل كود – شفرة يعبر عن كل ما نحن عليه ، مثل رقم لجين (مورث) يضم حكاية السلالة كلها…
ببساطة الهرب من الهوية هو هرب من الوجه ومن الجينات ومن الرقم التسلسلي ومن سطح الأرض!
هرب مستحيل .. إلا لو كان من أجل وجه جديد (أو قناع؟!).. أو من أجل عملية زرع جينات جديدة غير مضمونة النتائج والعواقب ، أو من أجل سطح أرض جديدة..
الهرب من الهوية مستحيل ، لكن من الممكن استحداث هوية جديدة ، لذا فالتقليل من شأن الهوية عملية إما غبية..أو مراوغة.
كيف يمكن للباس أن يعبر عن الهوية لهذا الحد : يمكن لأنه ببساطة واضح جدا. إنه مثل علم ترتديه المرأة ، ليس علم بلادها.. لكن علم مرجعيتها القيمية والثقافية …(لا أحد يقلل من أهمية رمزية العلم رغم أنه في النهاية مجرد قطعة قماش مثل الحجاب ، لكن الكل يحرص على إبداء الاحترام للعلم ورمزيته..على العكس من الحجاب).
الهوية هي مثل اللباس الطبي الذي يوضح للمرضى من هو الطبيب ـ لا يمكن التنازل عنها حقا في مكان العمل ..لباس الطبيب الذي يميزه هو جزء منه في مكان عمله أثناء عمله ، أي خلل في هذا سيكون خللا في عمله نفسه… لن يقلل هذا من أهمية الشهادة التي حصل عليها ، لكنه جزءٌ من تطبيق الشهادة على الواقع..
(الذي حدث أننا تعاملنا مع الحجاب ، كمن يحرص على ملابس الطبيب أكثر مما يحرص على شهادته وخبرته…لقد اعتبرنا كل من ارتدى ثوبا أبيض طبيبا …
ولم نسأل عن شهادته!)
كيف يكون الحجاب هذه الهوية؟
بمواصفاته الممتدة من قمة رأس المرأة إلى قدميها ، هو يعبر عن أن هذه المنظومة القيمية والأخلاقية تغمر كل الإنسان ، من رأسه إلى قدميه ، تفي بكل متطلباته ، تقدم له كل ما يحتاج من توازن ، وتغطي كل احتياجاته ، وتؤهل كل أطرافه العاملة لكي تؤكد أن هويته هي هوية عمل وإعمال..
هذا الحجاب هو قالب يضع الإنسان في إطار يغطيه كله لكي يتمكن من التفاعل كله.. إنه إطار يحفظه ويجعله أكثر التصاقا بقيمه كي لا يهدر نفسه في تفاعلات جانبية ثانوية.
يمكن لأي كان أن يقرأ في الحجاب هوية تمييز على أساس الجنس أو الجندر ، ويمكن لآخر أن يقرأ فيها تقاليد (مجتمع ذكوري) …يمكن لآخر أن يقرأ فيها قيم الفصل بين الجنسين في مجتمع سيعتبره بدويا…. كما يمكن لآخر أن يقرأ فيها قيم الفضيلة والحشمة والستر..
لكن النظرة الأوسع ، الأكثر شمولية ، لا يمكن لها إلا أن ترى أن هذا اللباس ، ووجوده كفرض ، لا بد أنه يعني ضمنا – عكس كل الشائع السائد – وجوب مشاركة المرأة ، ووجوب خروجها ، لو أن الأمر كان هامشيا فقط ولغرض قضاء الحاجة مثلا لما تطلب الأمر آيتين قرآنيتين مفصلتين ، بل لربما سيكفي الأمر بحديث نبوي…
لكن تفصيل الآيتين يعني ضمنا وببداهة الحس العام وجوب مشاركة المرأة في عملية البناء الاجتماعي المستدام ، مع تحييد مظاهر أنوثتها أثناء هذه المشاركة ، منعا لتشويش يحدث بنسب عالية في هذه الحالات ومظاهر الأنوثة المقصودة ليست فقط جسمية يخفيها اللباس ، بل هي أيضا سلوكية يخفيها لباس التقوى أيضا (الغنج ، الضحك المقصود به الإثارة بطريقة مفتعلة …ألخ) ( واحدة من كل أربع نساء في أماكن العمل في أمريكا تقول أنها تعرضت للتحرش الجنسي• -ربما كانت نسبنا أعلى لا أدري ولا أقصد المقارنة!- ، دليل المرأة لتجنب التحرش الجنسي في أمريكا•• يتضمن بالضبط هذه الجملة : أخفِ كل ما يشير إلى أنوثتك ! conceal anything indicating that you’re a woman..)•••
نفس النظرة الشمولية لا بد لها أن تلاحظ أن مواصفات اللباس تعبر عن هوية شاملة تغطي كل الإنسان… تعبر عن منظومة قيم حضارية لا بد أن يكون لها هوية تعلن عنها..
لماذا على الهوية التي تعبر عن هذه القيم تكون على المرأة وليس على الرجل؟!
هذا صحيح ، لا يوجد نص مكافئ في القوة يضع عبء الهوية على الرجل ، وموضوع اللحية لا يمكن أن يكون مكافئا : أولا لأنه ورد في نص نبوي وليس قرآني ، مع إيماننا بحجية النص النبوي ـ إلا أن قوة الحجتين لا يمكن أن تكون في موضع المقارنة ، وثانيا لأن النص النبوي في أمر اللحية جاء من باب مخالفة المشركين ، وفي رواية المجوس ، أي أن اللحية كانت موجودة أصلا ، وكان هناك تعديل نبوي عليها للمخالفة والتمايز ، بينما الأمر مع لباس المرأة أكثر تفصيلا وعلى نحو أساسي.
لماذا المرأة وليس الرجل؟
ببساطة توزيع أدوار!
يمكن للنسويات أن ينحن ويندبن هنا ، لكنه توزيع أدوار فحسب ، يمكن الاعتراض على هذا التوزيع فقط في حالة واحدة : لو كان يمكننا أن نعترض على أن المرأة قد أخذت دور الحمل والولادة وليس الرجل.
دعونا نقرّ أن الأمر تكليف للمرأة ، وأنه عبء لا يمكن إنكاره ، وأنها لا بد أن تكون مأجورة عليه على نحو مجزي ، كما أن علينا أن نقرّ أن الخطاب التقليدي الذي يشبه الحجاب بغلاف الجوهرة الثمينة ، أو غلاف “الشوكولاتة!” هو خطاب غبي ومهين للرجل والمرأة على حد سواء ، مثله مثل الخطاب الذي يوحي أن كل غير محجبة هي غير فاضلة ، الأمر أعقد من هذا التبسيط ، بل هو تعبير عن منظومة قيم حضارية متكاملة ، عن هوية تمثل هذه القيم ، واختزالها إلى قيمة سلوكية واحدة جريمة بحق هذه المنظومة.

فلنتذكر هنا أن المزاوجة بين مواصفات الحجاب الشرعي ومواصفات الأناقة المعاصرة يعبر أيضا عن قابلية هذه الهوية على المرونة و التواجد والتفاعل والتأثير في كل العصور والأزمنة باختلاف ظروفها.. مواصفات اللباس جاءت على نحو يمكن أن تطبق في أي ظرف زماني أو مكاني ، ولو كان من عند غير الله لربما وجدنا المواصفات تلتزم بقماش معين أو وصف لا يمكن أن يطبق إلا في الجزيرة العربية.. لكن المواصفات القرآنية للباس كانت معدة لتتجاوز تفاصيل الزمان والمكان على نحو لا يمكن أن يحدث إلا من لدن عزيز حكيم.
لكن ماذا عن “لا يؤذين؟”
نعم ، ثمة أذى كان يلحق بالحرائر من المنافقين ، وكان اللباس يدفع عنهن هذا الأذى…
لكن ، على النطاق الأوسع ، وحسب منظور أكثر شمولا ، وخروجا من مجتمع المدينة البسيط ، فإن أي مساس بالهوية هو أذى أيضا… أي ضياع للهوية يؤدي حتما إلى الأذى..حتى لو لم يشعر من ضيع هويته بهذا الأذى مباشرة.
ماذا يضيف النص القرآني الثاني عن لباس المرأة إلى ما سبق؟
}قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) { النور
النص الثاني يوضح حدود اللباس بوضوح أكثر ، الجلباب في النص الأول ينتقل من مكان لآخر في جسم الإنسان ، لكن هذا النص يحدد هنا أن الرأس سيغطى (أي شعر المرأة)، وأن اللباس سيصل إلى القدم تقريبا.
كيف يوضح النص ذلك ؟
استخدم النص كلمة الخمار في ( فليضربن بخمرهن على جيوبهن).
والخمار هو غطاء الرأس ، كلمة الخمر مثلا ، جاءت من مخامرة العقل (= في الرأس) ، وتخمير الأواني كما جاء في الحديث هو تغطيتها ، والخمار أيضا في لسان العرب هو (العمامة) للرجال ، أي ما يغطي الرجل به رأسه.
النص هنا لم يستخدم كلمة الخمار اعتباطا ، حاشا أن يكون في كلام الله ما هو اعتباطي وبلا هدف ، لو كان هدف النص هو تغطية الجيوب فقط ( الجيب : فتحة القميص أي النحر والصدر والرقبة) – كما قال بعض العباقرة الجدد – فلا يوجد سبب يجعل النص يحدد الخمار ليضرب به على الجيب ، كان يمكن أن يقول النص ، وبكل يسر: ( فليضربن على جيوبهن ) دون أن يحدد الخمار ، وكان الأمر هنا سيكون فعلا دون معنى يفيد بوجوب غطاء الرأس.
الآية عندما تقول :فليضربن بخمرهن على جيوبهن تعني بداهة فليضعن الخمار ويضربن به على جيوبهن أي على فتحة القميص !
والخمار يعني غطاء الرأس ، وكما أن العمامة لا تعني تغطية وجه الرجل ، بل تغطي رأسه ، فإن الخمار في لسان العرب هو ما تغطي به المرأة رأسها ، وليس ثمة معنى في هذا اللسان يحوِّل الخمار ليكون غطاءً للوجه على الإطلاق ، بل هو غطاء للرأس فحسب ، بعبارة أخرى ، وليكون واضحا تماما : هو غطاء للشعر .
الآية تقول بعبارة أخرى : فليضعن غطاءً للشعر على رؤوسهن ، ويضربن به على نحورهن…
هكذا بهذا الوضوح في لسان العرب ، هكذا فهمت أيام نزول الرسالة وهكذا ستفهم دوما لو استخدمنا آلة لسان العرب التي نزل بها القرآن.
الهروب من حقيقة أن القرآن هنا يأمر بتغطية الشعر هروب صعب جدا.
وهو يستلزم في الغالب واحدة من محاولتين :
الأولى : تأويل لغوي متعسف جدا ، يهرب من المدلولات الواضحة المباشرة للخمار والجيوب ، ليصل إلى نتائج مضحكة مثل أن الآية تقصد تغطية الثديين والفرج ، أي أن الحجاب هو بكيني من قطعتين لا أكثر! (باعتبار أن المسلمين كانوا يعيشون في نادي العراة قبل نزول هذه الآية!).
الثانية : الإقرار بأن القرآن أمر بغطاء الرأس وبكل مواصفات اللباس المذكورة ، ولكن ضمن سياق تاريخي لم يعد له لزوم في الوقت الحالي..
فتح باب السياقات التاريخية من أجل آية واحدة فقط ، سيجعل هذا المنهج قابلا للتطبيق على كل ما جاء به القرآن…ولم لا يكون التوحيد مثلا قد عرض من أجل توحيد العرب ؟ ولم لا تكون الجنة والنار وسيلة ثواب وعقاب في سبيل جعل الناس يتصرفون على نحو أفضل في تلك العصور؟ لو فتحنا هذا الباب ، لوصلنا حتما إلى هذه الأماكن.

الفكرة هنا تتعدى مسألة آية واحدة ومدلولاتها ومعانيها ، إلى فكرتنا عن القرآن نفسه ، عقيدتنا عنه ، هل نعتقد فعلا أنه كلام الله عز وجل ؟ وهل نعتقد أن كلام الله سبحانه وتعالى يمكن أن يضم ما قد جاء صدفة ونتيجة سياق تاريخي عابر ؟
بعد أن نرد على هذا السؤال بصدق يمكن أن نقرر : هل فعلا يمكن أن نتجاوز ذكر “غطاء الرأس” الذي جاء في الآية؟ هل يمكن أن نقول أن الحجاب لم يرد واضحا في القرآن ، وهو الذي ورد بكل هذه التفصيلات والإيضاحات؟ هل يمكن حقا أن نغض البصر على كلمة “بخمرهن” ونتعامل معها كما لو أنها ليست موجودة؟
هذا عن الطرف القصي من حدود اللباس ، تغطية الرأس ..
فماذا عن الطرف الثاني ؟
الآية أيضا واضحة : وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ
زينة الأرجل مخفية تحت الجلباب ، اي أن الجلباب نزل ليغطي الأرجل ، والمطلوب ليس فقط إخفاءها عن النظر ، بل عدم إشعار أحد بها ، أي التخلص من السلوك المائع الغنج الذي يرتدي الطويل المسدل ولكنه يتعمد الإثارة…
الآية واضحة في بيان الحدود السفلى للجلباب : القدم إلا قليلا…كما سيتوضح في نصوص الحديث النبوي.. وهو ما يقودنا إلى هذا الأمر.
ماذا عن النصوص النبوية ؟
قناعتي الشخصية هي أن النصوص القرآنية كانت واضحة تماما ( لو دققنا فيها عبر المجهر) في بيان فرض لباس المرأة بتفاصيل واضحة.. هناك (قل) التي تفيد الأمر التبلغي الواضح في الآيتين ، وهناك لام التوكيد في (ليضربن) ، وهناك الخمار والجلباب ، ومعانيها اللغوية التي تفيد غطاء الرأس والإسدال….الخ.
لكن النصوص النبوية هي مثل هامش توضيحي على المتن القرآني ، لا يمكن فصلها حقا ، وأولئك الذين لم يقتنعوا بوضوح الآيات القرآنية في أمر لباس المرأة ، لن يواجهوا أي مشكلة في عدم الاقتناع بالنصوص النبوية من باب أولى ، سواء من باب الدلالة أو من باب التشكيك بحجية الحديث النبوي نفسه ، وهو أمر لم يعد غريبا في عصر مقبل على الإنحسار ( أقرّ هنا بوجود مشاكل في التعامل مع الحديث النبوي ، ولكنها مشاكل لا يمكن حلها بإنكار السنة ونسف الحديث).
علينا أن نحدد هنا أن منكري فرضية الحجاب بحجة عدم وضوح النص القرآني (حسب رأيهم) يضطرون إلى إنكار حجية النص النبوي أيضا ، أو إلى تحجيمه بطريقة ما.
المسألة هنا أن إنكار حجية النص النبوي في موضوع الحجاب ستحتم على هؤلاء إنكار حجيته في مسائل أخرى هي من المسلم بها في العقل المسلم ، وهؤلاء عموما لا ينكرونها ، ولا يريدون فتح جبهتها أصلا…( الصلوات الخمس مثلا ، من قال أنها خمسة لولا السنة ؟ ومن علمنا هيئتها وشكلها لولا السنة النبوية؟).
عدم إنكار السنة النبوية سيجعلهم في تناقض مع منهجهم ، لذا فهم إما أن يجدوا حلا لموضوع الصلاة وما يشابهها ، أو في أن يتعاملوا مع الأحاديث الواردة في السنة النبوية بخصوص الحجاب ليس من منطق إنكار السنة النبوية ، بل من منطق “أنها ليست واضحة بما فيه الكفاية لتفيد الوجوب”.
هذا أمر نسبي جدا ، ما يكون واضحا مقنعا لنا قد لا يكون مقنعا لسوانا ، وكونهم يخادعون أنفسهم (أو كوننا نفعل الشيء ذاته) أمر متعلق بما لا يمكن تحديد معيار له : الصدق.
لذا فإننا نكتفي بعرض النصوص ، ونحيل من ينكر وضوحها إلى نفسه ، هل ينكرها لأنها ليست واضحة حقا بالنسبة له ، أو لأنها تتعارض مع هواه؟…
هل يعتمد على نصوص أخرى أقل وضوحا ودلالة ، ولكنها تتفق مع هواه في أمر آخر ؟
الجواب عن هذه الأسئلة لا يمكن لأحد أن يعرفها غير صاحب الشأن ذاته…
كل ما يمكننا فعله هو أن نوضح قدر الإمكان..
وليست من وظيفة النص الديني – ولا حامل النص- أن يقنع الكل..
حتى الرسل لم يقنعوا الجميع ، بقي هناك من لم يصدقهم.. بقي هناك من ظلَّ كافرا جاحدا برسالتهم..
المهم أن تكون الرسالة واضحة…من قرر أن يُعمي عينه ، فهذا شأنه..

من بين كل نصوص السنة النبوية ، أرى أن ثمة حديثين قاطعي الدلالة..
الأول هو حديث الكاسيات العاريات : صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاَتٌ مَائِلاَتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لاَ يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا •

حديث الكاسيات العاريات روي عن صحابيين هما أبو هريرة وعبد الله بن عمرو ، وبغضّ النظر عن صحته الإسنادية التي لم يشكك فيها أحد ، فإن فكرة أن يتفق صحابيان على اختراع حديث كهذا فيه ما لم يكن في عصرهم ، ولم يكن من المتخيل أصلا ، فكرة سخيفة جدا ولا معنى لها.
الكاسيات العاريات هن نسوة يغطين أجسادهن ، ولكنهن في الوقت نفسه عاريات ..
كيف؟
هناك ثلاث احتمالات واردة ، وكلها موجودة الآن ، ولم تكن كذلك في عصر النبوة.
الأول أن يكون الكساء غلالة شفافة ، أو أن يكون ضيقا جدا على نحو يفصل تفاصيل جسدها ، أو أن يكون قصيرا كاشفا أكثر منه ساترا.
وربما كان كل هذا يندرج في وصف (الكاسيات العاريات) ، والذي يتناغم تماما مع روح الآيات في تحديد مواصفات اللباس ، ولكنه يضيف لذلك ما يجب أن يكون مفهوما بالبداهة والحس المنطقي العام من بين سطور الآيتين القرآنيتين : أن لا يكون اللباس شفافا رقيقا ولا ضيقا…لماذا تضيف السنة النبوية ما يجب أن يكون مفهوما بالبداهة عبر القرآن؟.. لأن هناك من يفتقرون للبداهة والمنطق بطبيعة الحال ، وسيتحججون بافتقارهم للمنطق لكي يصلوا إلى نتائج مثل أن اللباس الشفاف أو الضيق لا ينتهك مواصفات لباس المرأة في القرآن.
الحديث الثاني يتعلق بالحدود السفلية للباس المرأة : عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ، فقالت أم سلمة: فكيف يصنعن النساء بذيولهن قال: يرخين شبرا ، فقالت: إذاً تنكشف أقدامهن . قال: فيرخينه ذراعا لا يزدن عليه•
الحديث يبين الموقف عند ما قد يبدو تعارضا بين “حديث نبوي” و”مواصفات قرآنية” ، الحديث هنا يتحدث عن ظاهرة جر الثوب خيلاء ، وهي ظاهرة عرفت عند عرب الجاهلية ، والنهي المشدد لها مرتبط بالظاهرة ، أما مواصفات لباس المرأة فقد حددت بالقرآن العابر للزمان والمكان ، أي تعديل سيحدث لهذه المواصفات نتيجة ظرف معاصر (كما في الظرف المشار إليه في الحديث ، الخيلاء ومحاربة مظاهره) سيكون ضمن المواصفات التي حددها القرآن ، ودون الخروج عنه.
فلنقل: إن المواصفات الأساسية ستبقى ثابتة ، لكن تحديثات مستمرة ستحدث على اللباس الناتج حسب الظروف التي تتغير زمانيا ومكانيا ، في إشارة أخرى إلى مرونة هذه المواصفات وقدرتها على الصمود والوجود والتأثير في كل مكان.
**************************
أروى تتحجب إذن في عصر تهدد فيه الثوابت بالانحسار.. الحجاب ونزعه من رؤوس البعض (كما يحدث اليوم) هو قمة جبل الجليد الطافية فوق السطح…
لكن قاعدة هذه الجبل العريضة هي الإلحاد.
يبدأ الأمر بالحجاب ، يكون ذلك واضحا جدا لأنه يظهر بوضوح…
لكن الخطر القادم سيكون من الإلحاد…
إنه زمن الانحسار ، وهو أمر ليس سيئا بالمطلق…لقد أسأنا في كل شيء ، من قمة الجبل (الحجاب) إلى قاعدته المتينة (الإيمان) ، وكانت النتيجة أن نرى نزع الحجاب ظاهرا للعيان ، ونرى الإلحاد يزحف..على الفرق الكبير بين الأمرين..
ربما علينا أن نمر بالانحسار ، كي نعيد تأسيس فهمنا لكل شيء من جديد..
من الحجاب الذي هو أكثر من مجرد قماش…
إلى الإيمان الذي عاملناه ليس بطريقة أفضل مما عاملنا الحجاب.
*********************
نعامل كل القضايا ، سواء كانت الحجاب ، أو الإيمان نفسه ، بنفس الأسلوب الذي يختزل ويسطح كل شيء…
ربما الآن هو الوقت الذي علينا أن نفكر بإعادة بناء كل شيء على أسس أقوى..
لأروى..ولجيل الانحسار..
الذي قد يمهد لجيل النهوض.
الجيل الذي سيتخذ من الانحسار درسا ، لكي يعرف كيف يكون المد حقا…

العمري في حوار مع مجلة الرائد : لا أرى أي مشروع إسلامي !

حوار مع مجلة الرائد البغدادية …

http://www.alraeed.net/uploads/101/index.html

الرائد :هناك الكثير من المناهج التي ظهرت مؤخراً للتعامل مع القرآن الكريم، منها الخرائط القرآنية، ومدرسة العودة إلى القرآن التي يثقّف لها د.مجدي الهلالي، ما الجديد الذي حمله كتاب البوصلة القرآنية؟؟ وما هي ملامح الاختلاف عن المناهج السابقة الذكر؟

العمري :لم أطلع الحقيقة على ما ذكرت من مناهج على نحو يكفي للمقارنة ، لكن كتاب البوصلة القرآنية يشير إلى وجود هوة هائلة بين الفهم السائد التقليدي للخطاب القرآني وبين الخطاب القرآني كما هو عبر القرآن ، يشير إلى عمق الهوة التي أحدثتها تراكمات الأفهام عبر العصور على النص ، الكتاب يشير أيضا إلى ما أعتقد أنه السبب “التاريخي” في بدء هذه الهوة.

الرائد :الحديث عن (إقرأ) وأولويتها على أطوار الخلق التي مرّ بها الإنسان أمر جميل ورائع، لكن كيف يمكن الانتقال بهذا الحديث من الإطار النظري إلى الإطار العملي لاسيما في ظل عزوفٍ عن القراءة بشكلٍ مخيف؟
العمري :هذا العزوف المخيف عن القراءة –كما تسميه- هو نتيجة نهائية لسلسلة طويلة من أنواع أخرى من العزوف ، عزوف الكتاب عن تقديم ما هو جديد ومبدع ، عزوف من يجب أن يروج لهذه الكتب عن الترويج لها ، عزوف من يملكون منابر الإعلام عن رفع مستوى حديثهم بحيث لا يتقولب المتلقي في قالب شديد السطحية والضيق يجعله أميا من الناحية العملية في فهم أي شيء خارج ما كان يعرفه مسبقا ..إلى آخره ، إلى آخره.
شخصيا لا أشكو من عزوف القراء ولم تكن هذه مشكلتي قط.إن كان لا بد من إشارة بأصبع الاتهام فسيكون لبعض موزعي الكتاب ، الحلقة الأشد جشعا في عملية نشر الكتاب ، والتي يؤدي جشعها غالبا إلى عدم وصول الكتاب للقارئ.

الرائد :بالحديث عن الأجيال الحالية وعزوفها عن القراءة أو ضعف تعاملها مع القرآن الكريم، وتداخل الأمور بالنسبة لها، هل من الممكن تقليل دائرة الاهتمام في مشروع التغيير الإسلامي والانتقال لمفهوم الثلّة أو النخبة لإعادة الحياة لهم ومن ثم الأمة؟
العمري :مشروع التغيير الإسلامي عليه أن يتغير أولا!
عليه أولا أن يكون “مشروعا” حقا ، لأنني شخصيا لم أر أي مشروع حقيقي ، رأيت مشاريع هي في حقيقتها “ردود أفعال عابرة” لم ترق لمستوى الفعل الأصلي (وهذا طبيعي في أي رد فعل آني لكنه يجب أن يمر بالنضوج اللازم في مرحلة ما).
على المشروع الإسلامي أيضا أن يكف عن الشعارات البراقة التي تجذب الجماهير ومن ثم تحبطها عندما تكتشف أن ما يروج حقا هو سراب بقيعة. أدبيات ما يعرف بالمشروع الإسلامي مليئة بشعارات ووعود تسحر ألباب الجماهير وخيالاتها دون أن تحرك فيهم وعيهم أو عقولهم..بل دون أن تحفزهم حقا على العمل..باستثناء العمل العابر الذي هو مجرد رد فعل.
وجد المشروع الإسلامي في العموم ضالته في “جمع الجماهير” –كيفما كان- بدلا من رفع وعي هذه الجماهير..تصور العاملون في هذا المشروع أن جمع الناس حولهم سيوصلهم إلى حيث يريدون حتى لو كانت هذه الجماهير ترزح تحت قيود تخلف وجهل ( على فرض أن العاملين في المشروع أفضل حالا!)..النتائج كانت سيئة جدا كما لا يمكن لأي مراقب إلا أن يرى.
مواجهة وعي الجماهير عملية أصعب وأكثر تعقيدا من جمعهم على شعارات براقة. بل هي صعبة حتى بالنسبة للعاملين في هذا المشروع لأنهم في النهاية يحملون نفس الوعي ونفس الأمراض الحضارية…لكن الطرق الأسهل ليست هي الأصح بالضرورة.
الرائد :طريقة السؤال كمنهج قرآني عزف عنه المسلمون اليوم، كيف نحييه في ظل عقولٍ أسّست وفق مفهوم التلقي؟

العمري :لا يمكن أن نعيد الحياة إلى منهجية التساؤل دون أن نواجه أولا ما عبرت عنه بـ “مفهوم التلقي”. ولعل كلمة “التلقين” تعبر عن مقصدك أكثر . لا بد من ضرب هذه الطريقة “قرآنيا”.لا بد من بيان كونها مخالفة للقرآن ونزع شرعيتها وتأصيل مخالفتها للقرآن.
عندها ، سيكون هناك مجال لنمو بذرة التساؤل.

الرائد :العقيدة قبل السلاح.. كيف نبرمج عقولاً بنيت بطريقة معاكسة على هذا المفهوم؟ بل أن أفكارها في انتشار بحكم سوء الواقع؟
العمري :لا يمكن إعادة البرمجة دون الصدام المباشر مع هذا الفهم المعاكس المعكوس ، والصدام المباشر سيتطلب استجواب كل ما أدى إلى هذا الفهم الخاطئ ، سواء كان هذا أقوال وتفسيرات علماء لنصوص قرآنية وأحاديث نبوية ، أو كان معطيات تاريخية فرضت فهما معينا.
بعبارة أخرى : لكي نعيد برمجة مفهوم معين (كما في مثال العقيدة والسلاح الذي تفضلت به) علينا أن نعيد برمجة تعاملنا مع كل ما ورثناه ، بل بالضبط علينا أن نعيد اكتشاف البرنامج الأمثل لهذا التعامل.البرنامج الأقرب روحا إلى القرآن ومنهجيته.

الرائد :هل إيجاد (مدارس قرآنية) مغلقة على عدد من الدارسين يعيدون برمجة عقولهم بتوافق مع القرآن، ومن ثم ينشرون فهمهم له بين الناس عبر مدارس أخرى أمر يتوافق مع ما تتحدث عنه في البوصلة القرآنية؟
العمري :لا أؤمن بإمكانية وجود مدارس قرآنية “مغلقة”.
أجد أن وضع الكلمتين في جملة واحدة أمر عسير على الفهم. قرآن وانغلاق؟ كيف وهو قد بدأ باقرأ؟ كيف وهو يناقش الكفار وغير المؤمنين به ؟ كيف لمدرسة قرآنية أن تغلق على نفسها ومن ثم تتوهم أنها قرآنية.
لا يمكن برمجة “عقلك” قرآنيا في انبوبة مفرغة من الهواء…الطريقة الأمثل والأكثر ناجحا هي أن تبرمج عقلك على القرآن أثناء تفاعلك مع المجتمع من حولك ومع معطيات التغيير ومع الأفهام المضادة ومع المفاهيم السلبية التي تراكمت على نصوص القرآن.

الرائد : هل تعتقد أن إعادة التعامل مع القرآن مسألة مؤسسيّة أم أنها تحتمل الجهود الشخصيّة؟
العمري :لا يمكن لمؤسسة أن “تعيد التعامل مع القرآن” دون جهد فكري شخصي سابق.
المسألة تبدأ بجهود شخصية ، لمفكرين فدائيين يدخلون في ألغام الفكر التقليدي الذي يعزلنا عن القرآن ، ولكن هذه الجهود ستكون ضائعة ما لم تجد مؤسسة تحملها إلى أفق الانتشار والرواج.
ما يحدث لدينا هو العكس ، جهود فكرية لا تجد مؤسسة تنقلها إلى أفق آخر.
ومؤسسات لا فكر لها ، تعيد انتاج نفس الأفكار المكررة منذ قرون.

الرائد :ألا تعتقد أن بذور الشخصية العمرية قبل الإسلام كان لها دورها في انطلاقة عمر الزعيم المسلم وهو يجعل من الفهم العمري للقرآن أمراً خاصاً بشخصيات تمتلك العمق التاريخي العمري؟
العمري :قبل أن ندخل في علاقة “شخصية عمر قبل الإسلام” بفهمه ، أود أن أذكر أن الفهم العمري للقرآن ، هو الذي مكنه من أن يمتلك ذلك العدد من الموافقات مع القرآن الذي لم يمتلكه أي من الصحابة ، إذن الفهم العمري للقرآن هو الفهم البشري الأقرب للفهم القرآني ، هو الذي جعل من القرآن عقلا له ، عمر جعل من القرآن عقلا له ، نظاما لتشغيل عقله ـ وهذا ما أنتج “الموافقات”أثناء فترة نزول الوحي ، وأنتج ، بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام ،كل ذلك الفهم المثمر الذي حقق كل ما حققه عمر ..
بالنسبة لبذور الشخصية العمرية قبل الإسلام ، هي نفسها بذور أبي جهل ، ولهذا فقد قال عليه الصلاة والسلام “اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين” ، مالذي يجمع بين الأثنين ؟ ثباتهما على ما يؤمنان به ، أبو جهل ثبت على ما يؤمن به حتى اللحظة الأخيرة ، وعمر ثبت على ما آمن به ..ولكن شتان بين نتائج ثبات كل منهما…الأمر ليس بما تملكه من مواهب وقدرات ، بل أين تضع هذه المواهب والقدرات.

الرائد :كيف نصل عملياً لمرحلة الفهم العمري للقرآن؟
العمري :بتبني الفهم القرآني للقرآن.والفهم القرآني للسنة.وليس العكس.وهذا يستوجب التخلي (مبدئيا)عن الفهم السائد للقرآن لأنه في أحيان كثيرة الفهم السائد يخلط الفهم البشري الذي تكون في عصور لاحقة ، بالنص وبفهمنا للنص نفسه.
علينا أن نرجع إلى المنبع الأول للنصوص..ونعيد فهمها منطلقين منها ، وليس من فهم بشري ينتمي لأحتياجات ومتطلبات عصر آخر ولكننا قدسناه لأننا اعتبرنا الفهم الأفضل.

الرائد :هل تجد أن ملامح الاسترداد موجودة في الأمة؟ أم لازال البحث عنها جارٍ؟
العمري :ملامح الاسترداد لا يتم البحث عنها.
بل يجب أن نحفر في الصخر لننحتها.ملامح الاسترداد هي مثل ذلك الكنز في القصة المعروفة ،..الكنز الذي سيكون في وصية أب محتضر ، يقول لأولاده الكسالى أن الكنز في مكان ما في الحقل المهمل ، ولا يحدد المكان ، فيقومون بالبحث والتنقيب عن الكنز في كل شبر من الحقل ، ولا يجدونه ، لكن ما فعلوه في الأرض يعيد لها الحياة ويقتل أدغالها…ثم يفهمون الدرس:ما فعلوه هو الكنز الحقيقي..

الرائد :بعد البوصلة القرآنية كان إسترداد عمر، ثم سيرة خليفة قادم.. ماذا يعد د.أحمد العمري لقرّاءه؟
العمري :بين البوصلة والاسترداد عشر سنوات ! وفيها العناوين التالية : ليلة سقوط بغداد ، الفردوس المستعار والفردوس المستعاد ،سلسلة ضوء في المجرة بست عناوين ، رواية أبي اسمه ابراهيم ، سلسلة كيمياء الصلاة بخمس عناوين ، رواية ألواح ودسر !
سؤالك يعني ضمنا أن الكتب لم تصل للعراق!…هل سنقول أن عزوف القارئ العراقي هو السبب؟! قطعا لا..ليس هذا هو السبب ،رغم كل الظروف السيئة التي مر بها العراق في هذه السنوات العشر.

الرائد:هل هناك كتاب يروقون للدكتور أحمد العمري؟ وما هو آخر كتاب قرأته؟
العمري :بالتأكيد هناك كتاب كثر يروقون لي.آخر كتاب قرأته هو رواية الحفيدة الأمريكية للعراقية المبدعة إنعام كجه جي.
الرائد :كلمة أخيرة من وحي كتاباتك توجهها لقارئ مجلة الرائد العراقيّة؟
العمري :أقول للعراقي الذي أنا منه وهو مني : لقد غسلوا دماغك بمقولتي “أهل الشقاق والنفاق” و”قرن الشيطان”..حتى جعلوك تقتنع بذلك ، وصرت تقول “ميصير لنا چارة “.
آن الأوان أن تقتنع أنك جمجة العرب!
وأنه “أكو چارة “، ولكن ثمنها باهظ جدا ، يتمثل في “فرمتة” كل ما علموك إياه سابقا.

مع العمري في كتابه (سيرة خليفة قادم: قراءة عقائدية في بيان الولادة)

مع العمري في كتابه [سيرة خليفة قادم: قراءة عقائدية في بيان الولادة]

د.عبد الرحمن ذاكر الهاشمي


لافتة: نشرت هذه الرسالة بعد استئذان الدكتور أحمد خيري العمري، الذي أسعدني عندما أخبرني أن “جزءا من الكتاب كتب أيام كانت مكالماتنا مكثفة”، يوم أن كنا متجاورين في غربتنا في بطن الحوت، أمريكا 

كنت قد اصطحبت معي في رحلة العمرة كتاب [سيرة خليفة قادم] للدكتور أحمد خيري العمري. وكالعادة مع كتب الحبيب العمري، لم يستغرق معي الكتاب بضعة أيام (أو يومين على وجه الدقة)، على الرغم من السفر وإجراءاته والتنقل السريع بين السيارة والحافلة والطائرة وما يحيط بهذا كله من أعمال ورقية ووقوف في طابور الجوازات وتعامل مع مزاج الحكومات وعمالها على حدود الدول البرية والجوية.

ومع أنني لم أتمكن من استخدام الحاسوب (لأنهم وضعوني عند باب المخرج في الطائرة، مما يمنعني من وضع أي شيء بقربي حتى تقلع الطائرة)، إلا إنني تمكنت من تسجيل ما لدي من خواطر على قصاصات ورقية من هنا أو هناك 

ولهذا، فخواطري القادمة هي ما تمكنت من الاحتفاظ به، فقط، وإلا، فالكتاب يحمل الكثير في ثناياه؛ وكمعظم كتابات العمري، لا يكاد يخلو سطر أو عبارة أو فقرة من اقتباس (مبدع) أو (مستفز) أو (مستنفر).

وكما أذكر دائما، فإن كتابات الدكتور أحمد خيري العمري مما أسميه #السحر الحلال، سحر يشدني إلى عالمه بخفة ورشاقة وهدوء، حتى أجد نفسي (أسير زمانه ومكانه وأفكاره)، ولكنه أسر من نوع مختلف = أسر يحرر النفس من سجن الواقع.

الكتاب [سيرة خليفة قادم] لمن يعرفون أو لا يعرفون كاتبه الدكتور أحمد خيري العمري هو حلقة في سلسلة بدأها الأخ الحبيب والمبدع في رؤيته لمشروع النهضة، أو كما يحب أن يسميه: النهوض والقيام (وهو ما أفضله أنا أيضا).

أقول: إن الكتاب (لمن يتابعون الدكتور العمري من بداياته) يأتي في مكانه الصحيح، حيث يقع في محله المضبوط والمنضبط من الإعراب، فتخرج الجملة تامة سليمة لا لحن فيها أو خلل.

فمنذ أن ولد له أول مولود، وهو كتاب [البوصلة القرآنية: إبحار مختلف بحثا عن الخارطة المفقودة] الذي قدم فيه رؤية زمانية فريدة للمنظومة القرآنية بين رواسب التقليد الجامد ومحاولة نفض الغبار عن الاجتهاد المخنوق؛ ثم أتبعه بعد ذلك بروايته [ليلة سقوط بغداد] التي تجاوزت كونها رواية تسرد سيرة ذاتية عن مواطن عراقي يحكي هموم النفس والأمة ما بعد سقوط النظام البعثي في العراق، فكانت رواية تحكي صراع الهوية ومعركة الحق والباطل؛ وتلا ذلك ترجمة (نفسية ونفيسة) لهذه الرواية متمثلة في سلسلة [ضوء في المجرة]؛ ثم كان من الطبيعي أن يطلع علينا برائعته التي أعتبرها (الدليل العملي لإنسان العولمة)، وهو كتاب [الفردوس المستعار والفردوس المستعاد: ثوابت وأركان من أجل حضارة أخرى] الذي صدّر فيه (العمري) بكل رشاقة وصلابة (في آن واحد) مفهومه للإسلام كمنظومة حياة أصيلة تأخذ بيد المسلم والمسلمة إلى سعادة الدارين، وصولا إلى الفردوس الموعود والمأمول، في مقابل ذلك الفردوس (المصطنع) الذي تقدمه العولمة ممثلة بأمريكا، فكان الكتاب امتدادا عمليا لـ [البوصلة القرآنية] وترجمة واقعية ومفصلة لوقائع [ليلة سقوط بغداد]؛ ثم تلا ذلك ثلاث قراءات مختلفة ومتنوعة للنصوص القرآنية العقلية والشعائرية والدعوية، تمثلت في كل من: [أبي اسمه إبراهيم]، سلسلة [كيمياء الصلاة]، ورواية [ألواح ودسر].

بعد هذا، كان من الطبيعي، وربما من الضروري أيضا، للشخصية (العمرية) أن تظهر في إطار فكري متكامل في مولود جديد، يتبع ما سبقه، ولكنه يجمع ما تفرق فيما سبقه، كذلك المولود الذي يستفيد من تجارب أشقائه الكبار، فيتعلم منهم ويحوي كل ما تفرق في شخصياتهم (على اختلافها وتنوعها)؛ فكان المولود: فكرة، ومثالا، ودليلا عمليا.

كان المولود (كما أراه وأفهمه) كتابا ظهر في توأم كتابين: [استرداد عمر: من السيرة إلى المسيرة] و[سيرة خليفة قادم: قراءة عقائدية في بيان الولادة] وهو الكتاب الذي أتناوله هنا.

أقول: نعم، كان كتاب [سيرة خليفة قادم] أشبه ما يكون بالمولود الناضج، لما تعلمه في (عالم الرحم) وهو (يصنع على عين الله).

هذا هو كتاب [سيرة خليفة قادم].

لطالما قلت غير مرة، وكتبت كثيرا، أن أحمد خيري العمري يكتب ما أفكر فيه بشكل يدهشني. هذا الكتاب بالذات، حمل من (المفاجآت المدهشة) الكثير، حتى إنني كنت في الحافلة، وفي المطار، وفي الطائرة، كثيرا ما أبتسم، وربما ضحكت بصوت مسموع، عندما أقرأ معنى من المعاني التي لطالما أردت أن أسطرها لتكون حاضرة بين يدي طالبيها والباحثين عنها، فإذا بالعمري، كعادته، يفاجئني، ويسعفني، في كثير منها.

ولهذا، رددت في نفسي: من اليوم، لن أتحدث عن المفاهيم التالية في مادتي [فن الحياة] إلا وأشير إلى هذا السِّفر المهم الذي أسعفني فيه الأخ الحبيب والطبيب المبدع والكاتب الناهض، أحمد خيري العمري: من أين أبدأ؛ فقه الوجود والاستخلاف؛ فقه الهوية؛ فقه الوظيفة؛ فقه تسديد الهدف.

كتاب [سيرة خليفة قادم] يستحق بجدارة وصف (تفسير نهضوي للقرآن).

كتاب [سيرة خليفة قادم] هو من تلك الكتب التي لا يمكن قراءتها وأنت في حالة (اضطجاع) مثلا، لأنه يدعو إلى (النهوض والقيام) في كل حرف من حروفه.

وقبل أن أخوض فيما لدي من خواطر وتعليقات وإشارات حول الكتاب، أقول:

من الطبيعي والمفهوم أن تسبب شخصية أحمد خيري العمري وكتاباته قلقا وتوترا، وربما شيئا من الغيظ والحنق، عند أولئك (الحداثيين)، أو أولئك الذين يسمون أنفسهم (القرآنيون)، والذين يسميهم العمري (الــ لا قرآنيون) !!! وكذلك عند أهل (الشعوذة) أو من أسميهم (المشعوذون الجدد) ويسميهم بعض إخواننا (المتدروشون الجدد).

لماذا أقول هذا؟!

إن شخصية العمري وكتاباته التي تستمد روحها من القرآن والسنة النبوية (المحققة)، وتنطلق من فهم (اللغة) من أصولها، وتتأدب مع فهم (السلف) وتحفظ لهم قدرهم، كما تشبه في (حبكتها) روايات الأدباء (من أهل الحداثة ومن قبلهم ومن بعدهم)، وتستمد كثيرا من أصولها (الشخصية) من كتابات أهل الأدب الإسلامي الحركي، مثل مالك بن نبي (الذي يعتبره كثيرون من المنظرين الأوائل للنهضة الإسلامية في القرن العشرين الميلادي)؛ كما تشبه في بعض جوانبها إيقاعات كل من: طه عبدالرحمن، أبو يعرب المرزوقي (الذين يمثلون فلسفة إسلامية من نوع خاص) مثلا.

هذا (الكوكتيل) يجعل من الصعب على البعض، وخصوصا من خصوم العمري، أن يصنفوه تصنيفا (يوهم) النفس براحة أشبه ما تكون بـ (الحيلة الدفاعية) التي (تخادع) نفسها والآخرين بأنها (مسيطرة) على الموقف من خلال (تحجيم الآخر) وتصنيفه !!!

والعمري في هذا المزيج، يستدعي النصوص القرآنية بطريقة تظهر لأهل الأهواء من (القرآنيين) وأهل (الشعوذة) أن التفسير (لعبة يتقنها كل أحد) !!! وهكذا، يفهم القرآنيون والمشعوذون (المتدروشون) الجدد (أو يحلو لهم أن يفهموا) أن ما يفعلونه مبرر بفعل العمري مثلا !!! ولكنهم لا يدركون أن العمري ينطلق من الأصول والثوابت بفهم (سلفي) فيه (تأدب) مع هذه (الأصول)؛ ثم هو يحلق بجناحي (العقل + الوحي) في فضاءات (النهضة + النهوض + القيام).

ومن هنا أقول: شتان بين ما يقوم به العمري في (تأصيله) وبين ما يفعله أهل الأهواء من (القرآنين وأهل الشعوذة) في محاولة قلب الطاولة على كل من سبقهم، حتى لو استدعى ذلك معارضة القرآن نفسه أو السنة ذاتها، وحتى لو دعاهم ذلك إلى تقديم (الأنا = الهوى والنفس الأمارة بالسوء) على سلف الأمة وخير قرونها.

باختصار، إن من الإبداع العمري (ولعل هذا استمداد من الشخصية العمرية الأولى = الفاروق) التمرد المؤدب على غبار التاريخ.

باختصار، وأقتبس هنا مفهوما مهما قدمه العمري في كتابه: شتان بين من ينطلق من المفردة القرآنية (خلف) ليكون (خليفة) وليكون (خلفا) لخير (سلف)، وبين من يفهمها فهما مجردا عن الأصول وفهم السلف ليكون (مخلَّفا) من (الخوالف) !!!

هذا النوع من الكتب، وخصوصا كتب العمري (وكتب غيره من أهل الفكر والإصلاح والنهوض) هي من الكتب التي أعتبرها (حجة) أو (أمانة ثقيلة)، لأنها ليست مجرد (ترف فكري) بل (إلزام وتكليف) للقارئ والقارئة بخطة عمل قائمة على علم. ولهذا، فأنا لا أعجب أن يتهرب منها البعض، ويتجاهلها البعض الآخر، ويهاجمها البعض (الأخير).

والآن، أبدأ معكم خواطري حول الكتاب بترتيب موضوعاته، من الإهداء وحتى الخاتمة، وهي (كما ذكرت مسبقا) ما استوقفني لاعتبارات حكمتها ظروف السفر والتنقل وقلة الأوراق.

أما الإهداء، وكعادته، فقد أبكاني صدق كلمات العمري في رقي إنسانيته، وفي عالمية شخصيته، وفي شمول تدينه، حيث أهدى الكتاب إلى “مسجد الخلفاء” في “بغداد”، وعرج من الإهداء إلى شعوره بالوفاء العملي لبغداد، عاصمة الخلافة، وعاصمة العراق.

وفي المقدمة، ولأولئك الذين يستغربون (أو يستهجنون) شدة العمري وحدته وصدقه غير المعتاد لدى الكثيرين، نقرأ له هذه الكلمات: “وإذا كنت أيضا تعتقد أن الأمور بخير، فلا حاجة لك في هذا الكتاب. لا أنصحك بإضاعة مالك، ووقتك، معي، ومعه. إذا كنت من هؤلاء الذين لا يزالون يعتقدون ذلك، أقول لك: لا تضيّع وقتك هنا. لا أقول هذا لأن الكتاب سيزعجك، فهذا أحيانا مفيد جدا حسب رأيي، وأحيانا يكون هدفي أن أزعج.”

بالضبط، العمري يقدم نفسه على طبق من ذهب؛ وهذا من صميم شخصية العمري لمن لا يعرفونه:
“وأحيانا يكون هدفي أن أزعج.”

ولا يطيل العمري كثيرا في مقدمته قبل أن يضع القارئ والقارئة أمام هوية هذا (الخليفة) وشخصيته، حتى لا تبقى (مجهولة) أو مظنة توهم القارئ والقارئة أن العمري سيتحدث عن سيرة (ذاتية) لأحد (خلفاء (الإسلام) من (التاريخ) مثلا.

وهنا، ومن أول الكتاب، يواجه العمري القارئ والقارئة بالحقيقة: أنت الخليفة، وهذا الكتاب هو سيرتك الذاتية (إذا قبلت بالمهمة)، وهو (الدليل النظري) لهذه المهمة، كما هو (خطة العمل) بخطوطها العريضة.

باختصار: هذا الكتاب يقدم لك (الخريطة الجينية) لـ (الخليفة) القادم.

وفي معرض حديثه عن الخلافة والاستخلاف، صدمتني هذه الكلمات، وأبكتني؛ عندما شبّه برنامج (الاستخلاف) ببرنامج الحاسوب (أو نظام التشغيل) الذي يعيد تنصيب الإنسان من جديد، دون مشكلات أو عطب مما يظهر مع برامج أخرى، فيقول:

“لكن لا، الاستخلاف برنامج مختلف، لا يمكن له أن يتصادم، أو لا يتوافق معك، لأنه إصدار نفس الذي أصدرك شخصيا؛

خالقك.”

ثم ختم العمري مقدمته بذكر ما سيختم به كتابه “الخريطة الجينية للخليفة القادم”؛ فقال:

“لكن خريطة جينية، تشكلت بين “واجعلنا للمتقين إماما” و “سلوا الله الفردوس الأعلى” تقول إن هذا مهما كان صعبا، فهو يستحق على الأقل المحاولة. على الأقل!”

لافتة: على الهامش، كتب العمري تعريفا للخريطة الجينية لمن لا يعرفون المصطلح، فكان مما كتبه عن مشروع الجينوم العالمي:

“ولم يشارك فيه المسلمون للأسف، ربما لأن عليهم المرور بخريطتهم الجينية – خريطة القيم والمفاهيم التي تشكلهم – قبل أن يسهموا حقا بما يساهم في صنع عالم أفضل.”

وعندما ختم المقدمة بتوقيعه واسمه، كان وقع توقيعه عليّ صادما، فبعد هذا التقديم والتأصيل، كان التوقيع باسم “أحمد” كفيلا بأن يهزني من الداخل، فتدمع عيناي لشعوري بمقاربة الاسم لاسم صاحب الرسالة وحامل الخريطة الجينية التي يتحدث عنها (أحمد العمري)، فكان (أحمد المرسل إليه) ينقل عن (أحمد الرسول) صلى الله عليه وسلم.

الفصل الأول: خطوط طول وعرض “قرآنية”

وفي هذا الفصل، يجيب العمري عن السؤال المحوري في حياة الإنسان: لم نحن هنا؟

وهنا، أتوقف لأخبركم لماذا قلت إنه أسعفني بكتابة هذا الكتاب عموما، وهذا الفصل خصوصا!

اعتدت أن أبدأ موضوعاتي ولقاءاتي (تحديدا) مع البالغين والبالغات بسؤال “من أين أبدأ” حيث أحاول توجيه رؤية الإنسان إلى الهدف من الوجود تحت عنوان [فقه الوجود والاستخلاف]، واعتدت أن أسرد قصة ذلك الشاب (من العائلة الحاكمة) والذي جاءني في العيادة النفسية في دبي وهو يعاني من (الفراغ) الذي كان نتيجة الجهل ـ (من أنا ولم أنا).

وفي [سيرة خليفة قادم]، يبدأ العمري الفصل الأول في هذه (السيرة) بمحاولة الإجابة عن (لماذا نحن هنا)؛ ويعتبره سؤالا (عقديا) أو (عقائديا)، ويدلل على هذا في لفتة لغوية مبدعة، حيث يربط “سبب الوجود” بـ “العقيدة” كون هذا هو “عقدة الأمر.”

ويجيب العمري عن سؤال ربما تبادر إلى أذهان من يقرؤون له هذه الكلمات، فيقول:

“وقد يقول قائل: لِمَ إذن لم ينتبه أجدادنا إلى ذلك، وهم الذين حملوا الرسالة، وحققوا أعظم نهضة في تاريخ البشرية؟ لماذا لم يضعوا “الهدف من وجود النوع الإنساني” فيما وصلنا من كتب العقائد؟ ببساطة، لأنهم عاشوا الفكرة حتى النخاع، حتى إنه لم يعد هناك مجال للتصور أن هناك أصلا حاجة لذكرها. بالضبط كما لو لم يتصوروا، وكما لا يتصور أحد اليوم، أنه يحتاج إلى أن يقول: إنه يتنفس؛ ولن يتصور أنه بحاجة إلى ذلك إلا عندما تطرأ مشكلة في تنفسه.”

بالضبط، لا يذكر الأمر إلا عند فقده.

وفي لفتة مبدعة أخرى، يبدأ العمري من سورة (القيامة) المكية، ليلفت الانتباه إلى ارتباط اسم السورة بمعنى (القيام) المطلوب من هذا (الخليفة)؛ فيبدأ بسرد الآيات ليصل إلى المعنى الذي يرمي إليه في الإجابة عن (لماذا نحن هنا)، وهو ما أسميه (السبهللة) أو (السدوية)، وهو ما يشير إليه بالآية “أيحسب الإنسان أن يترك سدى؟”

ثم يعود بعدها بقليل ليربط هذا السؤال بالإجابة الحاسمة في سورة الذاريات “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون.” ويشرع في التفصيل في معنى (العبادة) على مفهومه للمراد الإلهي لها، منقيا (العبادة) ومهذبها مما علق بها من (علمنة) مقصودة أو غير مقصودة، ومبينا أن (العبادة) مفهوم شامل. كما يعرج بالتفاتة رشيقة على ارتباط معنى (الأنانية) بالعبادة بشكل إيجابي، حيث تكون العبادة موجهة لله، ولكن أثرها عائد على النفس، أولا وآخرا.

وعلى هامش “إلا ليعبدون”، وفي معرض تناول العمري لـ “العبادة بمفهومها الواسع” و “العبادة بمفهومها الحقيقي” و “العبادة مشروعا للحياة”، تذكرت ما كتبه أستاذ الرياضيات، والبروفيسور الملحد سابقا والمسلم المبشر بالإسلام حاليا، جفري لانغ، في كتابه [حتى الملائكة تسأل] عن مفهوم (العبادة) وشموليتها. (أنصحكم بقراءته)

ولكون الإجابة وردت في (سورة الذاريات)، يشرع العمري في تناول آيات (الذاريات) بإسقاط نهضوي (أو قيامي) بالغ في الإبداع.

فيبدأ العمري في محاولة مبدعة لربط بداية السورة مع ما سيأتي من سياقات مختلفة ومتنوعة، ليجعلها متسقة في سياق واحد متناغم ومنطقي ضمن سياق النهوض والقيام؛ فيبدأ بذكر الآيات الأربعة الأولى:

“والذاريات ذروا * فالحاملات وقرا * فالجاريات يسرا * فالمقسمات أمرا”

وكي لا أطيل، وحتى أترككم مع شيء من (الإثارة) لمعرفة مراد العمري من استدعاء هذه الآيات والانطلاق منها، اسألوا أنفسكم:
ما هو محلي من الإعراب من هذه المفردات؟ هل أنا من أهل البذرة؟ أم من الذين يحملون الوقر؟ أم من الذين يجرون بيسر؟ أم من أولئك الذين يعلمون أين هم في تقسيم الأمور؟ أم إنني في كل هذه المفردات؟!

يبدأ العمري ببذرة التفاؤل في سياق قصة إبراهيم عليه السلام وبشارة “الغلام العليم” لأبوين تقدما في السن، وقاربا من استحالة احتمالية مجيء هذا الغلام، فيذكر هذا في رمزية لظهور الجيل الجديد القادم الذي طال انتظاره، على الرغم من كل اليأس المحيط بمجيئه.

ثم يستدعي رمز “الغلام العليم” ليستدل به على شرط أساس من شروط جيل النهوض/القيام: العلم، بل وحتى هذا العلم لا بد له من شروط ليبلغ هذا الجيل درجة “العليم”، فيفصل في هذه الشروط.

وفي لفتة مبدعة أيضا، يستدعي العمري مثالا (عصريا) على (علمية الجيل) في أحد جوانبها، فيستدعي (التجربة الكورية الجنوبية) وليلفت النظر فيها إلى “الدين من أجل التعليم.”

وتحت عنوان “التمكين بدلا من التطبيق”، وبعد تمهيد (حكيم) لضرورة التفريق بين (تمكين الشريعة) و (تطبيق الشريعة)؛ يلتفت العمري التفاتة استوقفتني لأنها تمسني شخصيا ودعويا ومهنيا، تلك هي كلماته حول (المدارس) وما تقدمه المدارس من مفهوم (الدين) الذي لا علاقة له بضرورة (التمكين). وكان في كلمات العمري هنا ما يدفعني لمطالبة أهل التربية والتعليم، خصوصا أولئك المعنيين بالمدارس (الإسلامية) أن يجعلوا من هذا الكتاب، أو هذا الفصل، على الأقل، مادة لازمة لأفرادهم من معلمين ومعلمات.

وفي ختام هذا الفصل الأول (الذي يلخصه العمري في الصفحة 55 من الكتاب) يرسم العمري خطي الطول والعرض لمحلنا من الإعراب في هذه الحياة:

البقرة 30: “إني جاعل في الأرض خليفة”
الذاريات 56: “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”

الفصل الثاني: في المنجم المكي “الاستخلاف ثروة خام”

وفي الفصل الثاني: في المنجم المكي: الاستخلاف ثروة “خام” (وهو الفصل الذي يلخصه العمري في الصفحات 150-154)، يأخذنا العمري في رحلة إلى داخل المنجم لنخرج بما يحتاجه الخليفة من مواد (خام) لـ النهوض القيام.

وكعادته، ينطلق بنا في سياحة قرآنية من سورة (ص) إلى (الأعراف) تليها (فاطر) ثم (النحل) ومنها إلى (يونس) وصولا إلى (الأنعام).

وفي كل محطة من هذه المحطات القرآنية، يتوقف بنا العمري لنخرج بكنز من الكنوز أو مادة من المواد الخام.

وهذه المواد، ما هي إلا مفردات مكونة للفكر (الاستخلافي)، مفردات من شأنها أن تنهض بالخليفة أو أن تنحط به وبمشروعه! ومن هنا وجب أن نتوقف عند كل مفردة منها، لنفحصها قبل أن نخرج بها لتفعيلها وتصنيع جيل النهوض والقيام باستخدامها.

ومن هذه المفردات:

التسخير وعلاقته بكل من الخلافة والعبودية، الحكمة وفصل الخطاب، الثورة وعلاقتها بالهدم والبناء، الحكم وعلاقته بمفردات الحق والتجرد أو الابتعاد عن الأهواء، وأخيرا شمولية القراءة القرآنية.

وفي خضم هذه الرحلة (المنجمية) استوقفتني بعض المعاني المهمة في طريق (صناعة جيل النهوض والقيام):

أولا) خطورة الكبر لمجرد شعور الإنسان (أن رآه استغنى) بما أمده الله به من (أدوات مسخرة)، وبالتالي خطورة (الاستدراج) وصولا إلى (الكفر)؛ في حين كان الأصل بـ (التسخير) أن يؤدي بالإنسان إلى (استحقاق العبودية).

ثانيا) خطورة (اختطاف الكتاب) من (أهل الكتاب) أنفسهم! وهو ما يجري من داخل ما يسميه العمري (المؤسسة التقليدية) في كتبه السابقة، كما يجري من بعض من يريدون أن يفهموا القرآن (بأهوائهم) لا (بعقولهم). ومن هنا تأتي ضرورة العلم والتعليم.

ثالثا) في ربط سياقي مبدع، وتحت عنوان “انظر إلى صورتك في المستقبل”، يستدعي العمري نصوص سورة (ص) ليوظفها في الدلالة على صناعة شخصية (الفاروق). فيقول مثلا:

“لا أقول قط: إن الآيات نزلت بسببه، على العكس، أقول: إن الآيات صارت سببا فيما صار له عمر لاحقا.”

وهنا، قلت في نفسي: أين أنتم يا صناع (الدراما) ويا من (تعجلتم) الخروج على الناس بمسلسل (عمر) ؟! كم تمنيت أن تتقنوا هذا الفهم لتبدعوا قصة مستوحاة من سيرة الفاروق فيتم إسقاطها على معاناة شاب من هذا العصر يحاول الخروج من أزمات نفسه (المتمردة) ومجتمعه (الجاهلي) ليجد ضالته في (سيرة عمر)! كم كان هذا أولى بكم من الدخول في معترك (أثر الصورة الإعلامية) على نمط (التفكير والشعور السلوك) عند المتلقين من الجنسين؟!

رابعا) وتحت عنوان “أن تنسى أنك الخليفة!” حاول العمري أن يوصل إلى القراء حجم الخطر من هذا (النسيان) وإمكانية حدوثه على الرغم من ادعاء البعض لصعوبة لك أو استحالته، وعلى الرغم من حالة الإنكار التي تطغى على البعض الآخر! وفي لفتة (نفسية) محترفة، يبدأ بإيراد أمثلة ترتبط بالأبناء، وكأنه يخوف الآباء والأمهات من مستقبل (الأجيال) في حال نسي (ولاة الأمور) أنهم (مستخلفون) فيهم.

فيقول مثلا:

“قد تنسى حبة دواء طفلك، وأنت تعلم خطورة ذلك، بل قد تنساه ينتظر على باب المدرسة، وأنت تعلم عواقب ذلك.”

خامسا) في تفصيله لطبيعة (النسيان) وإمكانه وخطورته، يسوق العمري تحت عنوان “فقدان الذاكرة أم إفقادها” أمثلة على (وظائف صغيرة وتافهة) لكنها “غطت على ذكرى الوظيفة الأصل”؛ فيسوق أمثلة لانشغال الإنسان بما اخترعه إنسان (الغرب) مثلا من (هوايات) تحولت إلى (وظائف) أصبحت (محورية ومركزية) فتسببت بـ (تهميش) الوظيفة الأصلية. ومن هذه الأمثلة: “جمع الطوابع، صيد الفراشات، تنسيق الزهور، تنزيه الكلاب والترفيه عنها” !!!

ومن أقوى ما قرأت في هذا المعنى، قول العمري:

“هل يمكن لأي أحد أن يتذكر أنه الخليفة في الأرض، إذا كان تقليم أظافره يحتل مرتبة متقدمة في اهتماماته؟ بدلا من تقليم (الأرض) وتشذيبها؟”

سادسا) وفي تقديمه (وصفة وقائية) قبل أن تكون (علاجية) لمشكلة (النسيان)، يسوق العمري أصلا قرآنيا آخر، فيقدمه تحت عنوان “الذكر، كي تستعيد ذاكرتك.”

وهنا، توقفت لأتساءل، ولأكرر تساؤلا رددته كثيرا في لقاءات وحلقات وملتقيات ومجالس واجتماعات، خصوصا مع من ينتمون إلى (مشروع النهضة) من (الشباب): كيف حال شبابنا (من الجنسين) مع الذِّكر؟ أين هم من الورد اليومي من القرآن؟ أين هم من ركعة الوتر مثلا؟ هل بلغ بنا الأمر من (الملل الديني) أو (الكسل الوعظي) أن نكون إلى متابعة (سينما هوليود) أو (موسيقى بيتهوفن) أو (مقطوعات الرحابنة) أقرب منا إلى (كتاب الله) ؟!

هل (يذكر) شباب (النهضة) مهمتهم الأصيلة والحقيقية في (الخلافة) عندما تكون (معظم) لقاءاتهم في مطاعم ومقاهي وفنادق (العولمة الرأسمالية) مثلا؟! هل (يذكرون) أنه ليس من (الخلافة) في شيء أن يكونوا ترسا في عجلة (الرأسمالية) التي تسحق الإنسان شرقا وغربا؟! في حين يلهث البعض منهم ليكونوا (عبيدا) في الشركات (العولمية) دون أن يطرف لهم جفن أو أن يتفكروا فيما إذا كان هذا (العمل) من باب الاضطرار اللحظي الذي ربما كان خطوة في طريق (التمكين) أو إذا كان (مصيرا) اختاروه لأنفسهم عندما (نسوا الخلافة) !!!

أمر مؤسف ويثير الشفقة على نفوسنا، والله.

ولكني أكرر ما قدمه العمري هنا: “الذكر، كي تستعيد ذاكرتك”

سابعا) لعل آخر ما استوقفني ووجدت أنني (مدفوع) للتعليق عليه والإشارة إليه في هذا الفصل، هو ما كتبه العمري تحت عنوان “سورة الأنعام: نعمة أن تكتشف أنك إنسان.” ولعل هذا المعنى من المعاني التي تؤلمني عندما أسير في الشارع وأرى كثيرا من (البشر) من حولي، وقد صدق فيهم قول الله “كالأنعام بل هم أضل سبيلا”، وصدق في وصفهم ذلك الأثر المنسوب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه “الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا.” كثير ممن حولنا اليوم، لا يبلغون حتى مرتبة الإنسانية، فلا يحيون حياة طيبة، إن هي إلا معيشة (بهيمية)؛ ولعل العمري حينما يسيح في عالم (الأنعام) يخرج لنا معنى (الإنسان) الذي أراده الله لنا.

الفصل الثالث: اللقاء في المدينة

في الفصل الثالث، ينتقل بنا العمري إلى محطة جديدة في [سيرة خليفة قادم]، فيصل بنا إلى “اللقاء في المدينة” حيث ينتقل بنا من سورة (البقرة) إلى سورة (النور) ليستخرج من السورتين أدوات (استخلاف) ومفاهيم (خلافة) ربما لم يقف عليها كثير ممن (يحفظون) السورتين !!!

وهنا، يتحدث العمري عن (الاستخلاف) كونه (فرض عين) وليس (فرض كفاية) كما يحلو للبعض أن يتوهموا. كما يربط مفهوم (الاستخلاف) بمفهوم (الرعاية) الذي طالته يد (الاختزال) أيضا.

هنا يتناول العمري متلازمة (آمنوا وعملوا الصالحات) بشكل تفصيلي متميز، فيواصل ما تناوله من قبل حول (مفهوم العبادة الشامل والحقيقي) ليحذر من (العلمانية) التي تفصل (الإيمان) عن (العمل) من جهة، والتي تفصل (في زوايا أخرى) بين مفهوم (الصلاح) بمعناه الشامل، و(العمل الصالح) بالمعنى الوعظي التقليدي الذي يختزله في (الشعائر والعبادات المنصوصة) !!!

وللتفصيل في (الإيمان والعمل الصالح)، ولتشخيص المشكلة وعلاجها، يضع العمري تفاصيل حياتنا اليومية (كما يقول) تحت “النور”، مشيرا إلى (سورة النور) وما تحويه من “تفاصيل الحياة اليومية”.

وهنا، استوقفني حديث العمري الماتع عن (سورة النور) ليذكرني بما أردده دائما في الحلقات التعليمية والتدريبية، خصوصا تلك التي تتناول (التربية): [ألف باء التربية] + [بلوغ لا مراهقة]؛ حيث أطالب القائمين على التربية والتعليم في البيوت والمساجد والمراكز (الإسلامية) والمدارس والجامعات بتعليم أطفالنا ويافعينا وشبابنا من الجنسين (سورة النور)؛ لما تحويه من دليل إرشادي عملي وقائي علاجي لمعظم المشكلات (التربوية) التي تهدد (محضن الخليفة القادم). وكم استغربت من مراكز تحفيظ القرآن التي لا تعنى بهذه السورة (النور) بقدر عنايتها بقصار السور والأجزاء الأخيرة ليحفظها (أطفال الجيل) !!!

ولن أطيل كثيرا هنا، لأنني لا أريد أن أحرمكم متعة قراءة ما ينسجه العمري تحت (النور) وما يبدع في تصويره من إسقاطات على واقع (الخلافة والخليفة).

ومن سورة (النور) إلى كل من سورتي (العصر) و(التين) حيث يبحر العمري في كل مفردة من مفردات السور ليصيغها صياغة (صناعية) لما يمكن أن يكون (أدوات الاستخلاف). فنراه يبدع في الحديث عما يلي:

“الاستخلاف يتدفق من النور”، “الإيمان شرط الفاعلية”، “فجأة، النور”، “الزجاجة الحامية”، “زيتونة قرآنية”، “مشروعك مصدر للطاقة” (ولا عزاء لأهل الشعوذة من أهل العلاج بالطاقة !!!)، “الوعد المشروط”، “عن عصر الإيمان والعمل الصالح”، “التين: قانون الريادة”، “زيتونة مضيئة، للعمل المستمر”، “طور سينين”، “البلد الأمين”، “الأمن والأمان: السبب والنتيجة”، عناوين براقة لأسفل سافلين.”

وأود أن أتوقف عند آخر عنوان من هذه العناوين “عناوين براقة لأسفل سافلين”، حيث تناول العمري أمرا ملحوظا لدى البعض وغائبا عن أذهان الكثيرين، وهي تلك الحيلة النفسية الدفاعية التي تستخدمها بعض (بل كثير من) النفوس (مخادعة ذواتها) لتقنع بما هي فيه من (سوء وذل وهوان)؛ فنرى هذا عند كثير من مرضى الجهل والفراغ الذين سرعان ما يصبحون ضحايا (الإلحاد النفسي) والقلق الفكري، وكذلك الأمر في (سوء الخلق) المقنع بـ (الأدب والحداثة) والجهل المقنع بـ (الثقافة) والضعف المقنع بـ (التحرر والليبرالية) والعبثية المقنعة بـ (العلمية) وغير ذلك من “عناوين براقة لأسفل سافلين.”

يقول العمري:

“معظم البشر اختاروا أن يكونوا في أسفل سافلين، لكنهم وضعوا لافتات تشير إلى هذا الموقع باعتباره “أعلى عليين”. صنع بعضهم فلسفات وأيديولوجيات تكرس ذلك، وتعتبر أن “أسفل سافلين” هو الوضع الطبيعي للبشر، بل هو الوضع الأمثل لهم! على هذا، سيكون “التقويم الأحسن” الذي اختاره لنا من خلقنا جميعا تقويما عفا عليه الزمن، وانتهى تاريخ صلاحيته.”

لله درك يا أحمد؛ إبداع.

الفصل الرابع: الإيمان منصة انطلاق، سداسية الأركان

أستطيع القول إن هذا الفصل هو مكمل لمادة [الفردوس المستعار والفردوس المستعاد: ثوابت وأركان من أجل حضارة أخرى]، حيث تناول العمري هناك “أركان الإسلام” كثوابت وأركان للحضارة التي يرقبها ويتمناها إنسان العصر. هنا، يكمل العمري حديثه في تناول مبدع لـ “أركان الإيمان.”

هذا الفصل (كما أراه) هو درس في العقيدة بامتياز؛ درس لا بد لكل مدرسي التربية الإسلامية أو مادة (الدين) في المدارس، ولا بد لكل معلمي (أصول الدين) في كليات الشريعة، ولغيرهم من العاملين في المراكز (الإسلامية) وحلقات تحفيظ القرآن، لا بد لكل هؤلاء من قراءته ومن هضم مادته، ليضيفوها إلى مادة (أصول الإيمان) أو (أصول العقيدة) التي تعلمناها في صغرنا عند شيوخنا (جزاهم الله عنا خيرا) والتي لا زلنا ننصح بتعلمها.

المختلف هنا، والذي يضيفه العمري في هذا الفصل، هو تثبيت هذه (الأركان) ليصبح من الممكن بعد (تثبيتها) أن (ينطلق) منها (الخليفة) إلى فضاءات العلم والعمل والبناء والنهوض والقيام.

وكما دعوت الأصناف السابقة لدراسة هذا الفصل، فأنا أدعو أهل (التنمية البشرية)، وأولئك الذين يدعون إلى (التنمية بالإيمان)، أدعوهم إلى قراءة هذا الفصل بـ (إيمان) قبل أن يتجهوا للبحث عن (الحكمة) في مستنقعات (الآخر).

وكما فعل العمري مع مفردات السور القرآنية، نراه يفعل الفعل ذاته، بإبداع متجدد، مع مفردات (الإيمان وأركانه)، فنقرأ ما يلي (أعلم أنني سأطيل في ذكر العناوين الفرعية، ولكنها مهمة فعلا، وكل عنوان يحمل معه مشروع خليفة قادم):

“الذين آمنوا وفعلوا”، “فسلجة التصديق: دماغك عندما يصدق”، “امتداد ذلك في موضوع التصديق”، “لا صدق ولا صلى”، “دوائر الإسلام والإيمان المتداخلة”، “الإيمان بصفته دافعا”، “دوافعنا تحت المجهر”، “حوافزنا تتحول من الخارج إلى الداخل”، “حسن الظن من سوء الفطن أحيانا”، “عملية نقل الدافع”، “عن الجلد الإيجابي للذات”، “إن آمنت أنك (سدى) لمت نفسك، وصولا إلى احتقارها”، “الإيمان: نحو استقطاب الطاقة” وهنا يتساءل: “لكن من أين تأتي الطاقة؟”، “من أعراض الإيمان: حمى الهوس بالقضية”، “التصدق، التعريف، الاستقطاب”، “أركان الإيمان الستة، من منظور ثلاثي الأبعاد”، “الإيمان بالله، أبعاده الثلاثة”، “الملائكة بثلاثة أبعاد: اعمل وروح القدس معك”، “الإيمان بالكتب: لا بد من كتيب الاستعمال”، “العقل المستقل عن المرجعية مجرد وهم”، “حياتك قاعة امتحان، امتحان من النوع المفتوح”، “الإيمان بالرسل: عن أشخاص يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق”، “البعث، لأنك لست عبثا”، “آليات تحويل (اليوم الآخر) إلى مجرد يوم آخر”، “الإيمان باليوم الآخر: أن يصبح يومك الحالي مختلفا”، “الإيمان بالقدر: الرضا بالقدر طريقا للتغيير”، “عن القدر خيره وشره”، “القدر قرآنيا”، “القدر في قطرة ماء.”

في هذا الفصل، يمارس العمري دورا (عرفته فيه من قبل)، ولكنه هنا، يمارسه بـ (اقتدار المؤمن) الذي يؤصل لـ (مادته) تأصيلا قرآنيا بامتياز؛ في هذا الفصل، يقوم العمري بدور (فقيه النفس) أو (عالم النفس المؤمن).

وكما نصحت، ولم أزل أنصح، بعض مراجعي العيادة النفسية بقراءة [كيمياء الصلاة]؛ فلا عجب أنني سأنصحهم (أكثر) بقراءة هذا الفصل من هذا الكتاب، خصوصا أولئك الذين يعانون بعض مظاهر الخوف والوسواس والقلق والاكتئاب.

في هذا الفصل، يقوم العمري باللعب على حبال النفس وطريقة تفاعلها مع الأشياء من حولها وفي داخلها؛ فيفصل فيما نعرفه بـ (مثلث الفكرة، الشعور، السلوك) بطريقة لم أقرأها كثيرا عند غيره ممن سبقوه، حتى من أهل الاختصاص، أو أولئك الذين يحاولون (أسلمة) علم النفس.

نقرأ، مثلا، في “فسلجة التصديق: دماغك عندما يصدق” توصيفا متميزا لحالة (التصديق) التي تخلو من (الإيمان) وما ينتج عنها من (فصام) معرفي-سلوكي، بل وما يمكن أن تؤدي إليه من (وسواس) أو (قلق).

وعندما تناول “لا صدق ولا صلى” أبدع العمري في تحليل (الانفصام المعرفي-السلوكي) المنتشر بين صفوف المسلمين، وأبدع أكثر (كما أرى) في الإفادة من آيات سورة (القيامة) وإسقاطها على حال المسلمين.

وتحت عنوان “دوافعنا تحت المجهر”، تناول مفهوم (الدوافع) في مقاربة إسلامية لما ينتشر في مدارس (علم النفس الغربي)؛ إلا إنه أعمل النقد فيما أسميه (بهيمية العيش) السائدة، حيث طغت على الأجيال السابقة، والأجيال اللاحقة، مفاهيم النجاح بمعناه (الدنيء أو البهيمي) بعيدا عن (الاستخلاف) المطلوب والمرجو. كما تناول بإسهاب ما أسميه (تسديد الهدف).

وفي حديثه عن “حوافزنا تتحول من الخارج إلى الداخل” عالج العمري مشكلة الإفراط والتفريط بين (اعتزال الآخرين إلى حد عدم الاكتراث بهم) وبين (الاعتماد المرضي) على آراء الآخرين وتقييمهم.

ومن أروع ما قام به العمري في هذ الفصل، دور (المعالج النفسي) من جهة، والعالم بحقيقة النفس وما يزكيها في سلم الإيمان من جهة أخرى؛ فعرض لحالة من أشد الحالات إشكالا عند (المؤمنين)؛ تلك هي حالة (جلد الذات)…

لكنه هنا، فاجأ القراء بعنوانه “عن الجلد الإيجابي للذات” !!!

هنا، يصطدم العمري مع الطرح التقليدي لمفهوم “تقدير الذات”، والذي ربما أوقع الإنسان في (وهم الثقة) أو (وهم التقدير) أو (وهم الإنجاز) من جهة، لكنه، من جهة أخرى، ربما يودي بإنسانية الإنسان إلى (أسفل سافلين) إذا مارس على النفس (الجلد) المرتبط بعدم الوصول إلى إنجازات (لا علاقة لها بمهمة الاستخلاف) !!!

في مقابل هذا، يعود العمري ليذكر قراءه بما بدأ به الكتاب “لماذا نحن هنا”، ولكنه يذكره الآن في معرض آخر، لِعلّة أخرى، لمهمة أكثر (عمقا وشدة)؛ فيفاجئ العمري قراءه، كما يفاجئ (طلاب الخلافة) بضرورة (جلد الذات) إذا لم تقم النفس بدورها في (الخلافة). وهنا، يبدع العمري حديثا نفسيا رائعا عن (النفس اللوامة).

ولكن، أليس في هذا (ظلم للنفس)؟ ألا يؤدي هذا إلى “النظرة المتدنية للذات = Low Self Esteem” ؟!

أترككم هنا لتدخلوا (عيادة العمري) بأنفسكم، لتقدروها كما هي، أو كما يجب أن تكون.

ومن هنا، نفهم كيف يكون من المنطقي أن يتلو هذا عنوان آخر، وهو ” إن آمنت أنك (سدى) لمت نفسك، وصولا إلى احتقارها.”

وأما عن “الإيمان: نحو استقطاب الطاقة”، فلقد استمتعت حد النشوة في هذا الجزء من الفصل الرابع، خصوصا في حديثه عن (الطاقة) ومصدر الطاقة وعلاقة الطاقة بالإيمان؛ وتمنيت أن يُقرأ هذا (السّفر) على أهل الشعوذة الذين يتاجرون بالمفردتين معا (الطاقة والإيمان) حتى كادوا أن يفسدوا على الناس إيمانهم وطاقاتهم !!! بل إن العمري في هذا الجزء يتناول أثر (الإيمان) على طاقة الإنسان (أي إنسان) تناولا متميزا، ربما يغيب حتى عن أهل الشعوذة أنفسهم!

كلمات أضحكتني: تحت عنوان “الملائكة بثلاثة أبعاد: اعمل وروح القدس معك”، وفي معرض حديثه عن الصورة الذهنية للملائكة في تراث الأيقونات والصور عند أهل الكتاب (!!!) والتي رسختها فيما بعد سينما هوليوود؛ كتب العمري:

“لا علاقة للملائكة طبعا بنجوم هوليوود؛ ربما الشياطين علاقتهم بهم أكبر.”

لكن، وبعد هذه الطرفة الافتتاحية، تتجدد وصلة العمري الإبداعية في توظيف (الإيمان بالملائكة) في (مشروع النهوض والقيام)، فيفصل في علاقة الملائكة بالوحي وصلتهم بالإنسان (من آدم وحتى الخليفة القادم) في أسلوب أصيل ومبدع، وعملي.

وكما كان لأهل الشعوذة نصيب (كما رأيت)، فإن لمدعي (العقلانية) نصيبا كذلك، ونجد هذا تحت عنوان: “العقل المستقل عن المرجعية مجرد وهم.”

اعتدت أن ألعب لعبة (قرآنية) مع إخواني في الله، تعلمناها في صغرنا بطريقة (طفولية)، لكننا عندما كبرنا صرنا نستخدمها بطريقة (ناضجة). واللعبة هي أن يسأل أحدنا سؤالا، بشرط أن يستخرج (اللاعبون) الإجابة من القرآن، وحبذا أن تكون الإجابة محفوظة أو معلوما (موضعها) في القرآن على الأقل؛ فإن لم يكن، سمحنا لهم أن يفتحوا (المصحف) ليستخرجوا الإجابة.

واللعبة، مع كونها ممتعة ومسلية، إلا إنها تختبر علاقتنا نحن (مدعي النهضة) بالقرآن ومادته، وإلى أي درجة (نتذكر الذكر) ونحسن استدعاء نصوصه وتدبرها وتطبيقها في حياتنا اليومية.

هذا باختصار ما أعادني إليه العمري تحت عنوان: “حياتك قاعة امتحان، امتحان من النوع المفتوح.”

وتحت عنوان “الإيمان بالرسل: عن أشخاص يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق” أعمل العمري مبضعه في أورام الغلو والصنمية والتقديس، ثم عالج موطن الداء بشرح لطيف لمفهوم (العصمة).

كعادته، متمرد بأدب.

كما استوقفني جدا عنوانان متتاليان:
“آليات تحويل (اليوم الآخر) إلى مجرد يوم آخر”، “الإيمان باليوم الآخر: أن يصبح يومك الحالي مختلفا.”

وهنا، تناول العمري تحت العنوان الأول ثلاث آليات من شأنها أن تمسخ اليوم الآخر وتشوهه وتطفئ تلك الشعلة التي بها يتقد (الخليفة) فتبدأ رحلة الحياة بكل ما فيها من تحديات ومحفزات ومعوقات ومبشرات. وهذه الآليات سيتم تفصيلها لاحقا في الفصل السادس عند الحديث عن “كيف قتل الخليفة.”

وهنا، استوقفتني (حكمة) من حكم هذا الكتاب:

“أي قراءة للقرآن الكريم تقود إلى نتيجة تقعدك عن العمل، هي قراءة باطلة حتما”

ولاختبار صدق (الإيمان باليوم الآخر)، يعرض العمري سؤالا على نفوس القراء، سؤالا من شأنه أن يصدق النفس أو يكذبها:

ومفهوم السؤال: هل يصنع هذا الإيمان من يومي يوما (مختلفا = إيجابيا) ؟!

ثم يستدرك على ما سيفهمه البعض (خطأ) على أنه (عمل صالح) لمجرد كونه (صلاة أو صياما)، فيشرع في تفنيد هذا الفهم المغلوط لأركان (التصديق) المجردة من (الإيمان)، فيقول:

“هذا هو الفرق بين أن تؤمن باليوم الآخر، وأن تصدق به فحسب”

وعن الإيمان بالقدر، كتب العمري تحت أربعة عناوين:

“الإيمان بالقدر: الرضا بالقدر طريقا للتغيير”، “عن القدر خيره وشره”، “القدر قرآنيا”، “القدر في قطرة ماء.”

وقد تناول (الإيمان بالقدر) بشكل إيجابي متفرد في واقعيته وعمليته. إلا إنه سيعود ليفصل في هذا بشكل أدق وأعمق في الفصل السادس عند الحديث عن “كيف قتل الخليفة.”

ثم يلخص العمري الفصل الرابع في الصفحات 295-297.

الفصل الخامس: “والعمل الصالح يرفعه”

بعد تناول (الإيمان)، ولمتابعة الحديث عن متلازمة (الإيمان والعمل الصالح)، كان من الطبيعي للعمري أن يفرد للعمل الصالح فصلا خاصا به، خصوصا إذا أراد العمري أن يغوص في أعماق مفردة (الصلاح) ليخرج منها جوهرها وينفض عنها ما علق من شوائب ربما تسببت في نفي (الصلاح) عن كثير مما نظنه (عملا صالحا).

وللقيام بهذه المهمة، مهمة (إصلاح العمل الصالح)، يختار العمري أن يدخل (سورة الكهف) ليخرج منها (معالم العمل الصالح).

والسؤال: لماذا (سورة الكهف) دون غيرها من سور القرآن؟ الجواب تقرؤونه هناك 

ثم يشرع العمري في رسم معالم (العمل الصالح) أو (شروطه)، فيظهر لنا منها ما يلي (باختصار، والتفصيل في الكتاب، لأن الأوراق لدي لم تعد تكفي):

منطلق إيماني (لا هوائي)، الجماعة (أو الجماعية كما سماها العمري)، التجدد والمرونة، الإنتاجية (الباقيات الصالحات)، الثورة الإيمانية قد تعني هدم الهدم أو تخريب الخراب، التخلية (وعزل افساد والمفسدين) قبل التحلية، الإيمان أولا وآخرا.

الفصل السادس: “كيف قتل الخليفة”

إذا تجاوز العمري في كل ما فات نقد خصومه أو (حنقهم)، فإنني أعتقد (ولا أظن فقط) أن هذا الفصل سيكون القشة التي ستقصم (صبر خصومه)، هذا لو صبروا على ما فات أصلا !!!

في هذا الفصل، يشن العمري (نقدا) كان قد ألمح إليه في غير موضع من كتبه السابقة، كما ذكر شيئا منه في الفصل الرابع، ولكنه اليوم، في هذا الكتاب، وفي هذا الفصل تحديدا، يفرد لهذا النقد (أو لهذه الحرب) صفحات طويلة، ربما لأنه شعر أنه آن الأوان أن يبادر شخص من (داخل) المنظومة الدينية بعملية (نقد ذاتي) لما سكت عنه كثيرون لقرون مضت (وهذا ما أشار إليه العمري عند حديثه عن العقل الجمعي المنحاز)، بل ربما تسبب هذا السكوت في الترويج المضاد (لما ينبغي نقده) حتى أصبح هو الأصل على الساحة (الإسلامية) !!!

في هذا الفصل، يشرع العمري في تفكيك (مسرح الجريمة وأدواتها) التي أودت بـ (الخليفة) إلى ما وصل إليه حاله الآن، فيخلص العمري في (تحقيقه) إلى ثلاثة مفاهيم سلبية لا بد من اجتثاثها، لأنه يرى أنها هي (القاتل المجهول):

أولا) الدنيا مكان الفتح ومزرعة الآخرة، أم المزبلة النتنة.

وهنا، انتقد العمري الموروثات السالبة التي خلفها مفهوم (مختزل) لما عرفناه فيما بعد بـ “أدب الزهد، والرقائق، وأعمال القلوب”، وما تسبب به هذا من توريث (ذم الدنيا) للأجيال المتعاقبة؛ وشدد انتقاده (الذي استغرق قرابة ثلاثين صفحة) نحو شخصية وكتاب ومدرسة؛ يعتبرهم عامة المسلمين من أنصع صفحات تاريخ الإسلام.

وهنا موطن الهجمة الشرسة التي سيتلقاها العمري من خصومه، وربما من بعض (معجبيه) !!!

لماذا ؟!

لأن تلك الشخصية هي أبو حامد الغزالي، وذلك الكتاب هو [إحياء علوم الدين]، وتلك المدرسة هي (الصوفية-الأشعرية) !!!

فلقد استدعى العمري ما يقرب من اثنتي عشرة صفحة من الكتاب، ومن فصل “ذم الدنيا” تحديدا، ليبرهن على ما سيفصل فيه القول لاحقا حول ما أشاعته بعض المدارس من (زهد متخلف) لا علاقة له بـ (الخلافة) !!!

والذي أضحكني هنا، هو أن جرأة العمري وكلماته ذكرتني بما جرى معي قبل رمضان الفائت، حيث كنت أصور حلقات [ألف باء الحياة] إعدادا لبثها في رمضان؛ وفي حلقة من الحلقات، ضربت مثلا لعقلية (التواكل الشرعي) بما جاء عند بعض علمائنا، وذكرت أبا حامد الغزالي وكتابه [إحياء علوم الدين] مع التنبيه على أننا نحفظ للغزالي قدره ومقامه في علوم شتى؛ ومع هذا، وفي وقت الفاصل الإعلاني، دخل علينا (المخرج) وهو يتساءل بلغة تجمع بين الاستنكار والاستغراب والمطالبة بشيء من التفسير المقنع بالاعتذار لجمهور القناة من (المسلمين المتدينين) الذين ربما سيكون لهم ردة فعل سالبة على ما ذكرت. وبعد الفاصل، كررت مقالتي، ودعمتها باستشهاد نصي من الكتاب، لكنني مع هذا، أعدت التأكيد على حبنا وتقديرنا لمقام الغزالي ومكانته، إلا إن هذا لا يلغي حقيقة نقدنا لما نرى أنه مظنة النقد.

وأعود إلى العمري، الذي آنسني بما كتبه، وإن كان خاض في الأمر بعمق لم أكن أتصوره من (داخل المنظومة الإسلامية). فقد تناول العمري مدرسة الغزالي وكتابه وثناء كثير من المتقدمين والمتأخرين لهما، ثم شرع في تفنيد (ذم الدنيا) ليفرق بينها وبين (الحياة الدنيا)، وليستدعي النصوص القرآنية الدالة على أن (الدنيا) شيء، و(الحياة الدنيا) شيء آخر.

ثانيا) القضاء والقدر: مشروب الطاقة الذي استعمل ليكون مخدّرا.

وإذا كان العمري قد أفرد المدرسة (الصوفية-الأشعرية) بالنقد في المفهوم السابق، فإنه هنا لا يكاد يبرح موضعا إلا وغرز فيه مبضعا أو سيفا أو رمحا. فنراه ينتقد الرؤية (التقليدية السائدة) لمفهوم (القضاء والقدر) عند كثير من (أهل السنة والجماعة) وغيرهم من (القدرية والجبرية)؛ بل يصرح بنقد رمز مهم من رموز التصوف والزهد، واسم بارز حتى عند العوام، ذلك هو (ابن عطاء الله السكندري) رحمه الله، وكتابه [التنوير في إسقاط التدبير]، ثم يعرج في لفتة (ملعوبة) ليشير إلى رموز معاصرة ممن سوقوا له في شروحهم لـ (الحكم العطائية)، فذكر منهم: محمد سعيد رمضان البوطي (رحمه الله) وعلي جمعة (مفتي الانقلاب) !!!

وكما فعل في المفهوم السابق (ذم الدنيا)، يعيد العمري الكرة هنا، فيبدأ بتفكيك مفهوم الجبر والاختيار أو التسيير والتخيير، كما يقوم ببحث متميز في مفردة (المشيئة) في كتاب الله جل في علاه، ليخلص منها لرأيه حول (مشيئة الله وعلاقتها بمشيئة العبد).

ثالثا) ولي الأمر: عن أكاذيب صدقناها.

واستكمالا لما سبق، ومتابعة لما يمكن أن يخلفه كل من (ذم الدنيا) والرضا السالب بـ (القضاء والقدر)، وفي معرض (النقد الذاتي) لمدرسة من مدارس الإسلام ومذاهبه، وتلبية لما يحتاجه (الجيل) في حقبة (الثورات العربية)، يتوقف بنا العمري عند مفهوم لا يكاد يقل خطورة عما سبق، ذلك هو مفهوم (الطاعة لولي الأمر)؛ المفهوم الذي استخدمته (المؤسسة التقليدية) استخداما سلبيا وسالبا في طريق صناعة (الخليفة). فيتقدم العمري لتناول المفهوم تناولا موجبا وإيجابيا، من شأنه أن يظهر مفهوم (ولي الأمر) في مظهر لا إفراط فيه ولا تفريط.

وكما فعل مع المفهومين السابقين، يسعى العمري هنا في تفكيك مفردات: ولي الأمر، الإمام، الحاكم، الشرعية، المرجعية، الاستبداد، الطاعة، التنازع أو المنازعة، الشورى، وغيرها من مفردات في ثنايا هذا الجزء.

وينهي العمري هذا الفصل بكلمات:

“ألم تعرف من قبل أنه كان هناك خليفة في داخلك؟
بالضبط.
كانت هذه هي الجريمة بالضبط.
أنك لا تعرف أنك الخليفة.
لقد قتلوك، قتلوه، عندما قتلوا مفاهيم الاستخلاف في داخل رأسك.”

[سيرة خليفة قادم]

وهنا، وقبل نهاية الكتاب، يأخذ العمري بيد القارئ والقارئة ليضع بينهما [سيرة خليفة قادم]؛ ولكنه يبدأ بإثارة تساؤل ربما بدأ يضطرب في أذهان القراء “أين هي سيرة الخليفة القادم التي كنا ننتظر قراءتها ؟!” ليجيبهم عن مراده من تسمية الكتاب: [سيرة خليفة قادم] ويعلن أن هذا (الخليفة) قد يكون “أي أحد، أي فرد، وليس فردا واحدا بعينه؛ والفرق بين الاثنين كبير.”

ثم يشرع في عملية “استئصال وتأصيل”: استئصال الفهم السرطاني العالق على نصوص ديننا، وتأصيل الفهم الإيجابي.

وهنا، يبدأ العمري في تفكيك مفردة (خلف) وما يتعلق بها، فبقول:

“الفعل هو “خلف”
ومن الفعل خلف
يُشتق “الخليفة”
ويُشتق أيضا
“المُخلَّف””

ثم يقول:

“لا خيار ثالثا هناك
خليفة
أو مخلَّف
والخيار حتما لك
لك وحدك”

ثم ينهي الكتاب بملحق: “الخريطة الجينية للخليفة القادم”

وهذه، أتركها لكم لتقرؤوها على مهل، لأنها تلخص الكتاب كله.

وأنهي بما أنهى به العمري

“ماذا سيحدث الآن؟
لا أدري
القرار متروك لكم
لكل واحد منا”

ولا يمكن أن أنهي أنا (عبدالرحمن) هذه الصفحات دون أن أقول بدوري:

لقد قمت بدورك يا أحمد
وأنا أشهد لك أمام الله
كما أشهده أيضا، أني أحبك في الله

أخوك المقصر/ عبدالرحمن
الأربعاء 29/1/2014

استرداد عمر من السيرة إلى المسيرة

آن لنا أن نخرج عمر بن الخطاب من خانة كتب السيرة على رفوف المكتبة ، إلى مسيرتنا اليومية ..إلى حياتنا..
آن لنا أن نخرج فهم عمر بن الخطاب للقرآن ، وللسنة النبوية من كتب التاريخ إلى التطبيق العملي..
الفهم العمري للقرآن والسنة ، في مرحلة دقيقة جدا من التاريخ الإسلامي، هوا لذي مد هذا التاريخ أفقيا وعموديا ،أفقيا في فتوحات البلدان ، عموديا في آفاق العدالة والبناء والنهوض…
لا يمكن أن نزعم أن هذا الفهم العمري هو الفهم الوحيد الصحيح للقرآن والسنة..ولكننا نزعم أن هذا الفهم ، الذي ساهم في صنع الحضارة الإسلامية ، هو ما نحتاجه اليوم تحديدا ، من بين كل الأفهام التي قد تكون مناسبة في مراحل تاريخية أخرى..
اليوم ،في هذا الدرك الذي وصلنا له ،في تطلعنا للخروج منه ، نحتاج إلى فهم عمر ،إلى رأس عمر ،إلى رؤية عمر ،للخروج مما نحن فيه نحو مستقبل ناهض…نحو القيام بما خلقنا من أجله..
نحتاج إلى فهم عمر تحديدا ، في هذه المرحلة ، كي نكون ما يجب أن نكونه..
هذا ليس كتابا في السيرة أو التاريخ..
إنه كتاب في المسيرة ، نحو المستقبل

الهويَّة السُّـنِّية… صراعٌ من أجل البقاء

الهويَّة السُّـنِّية… صراعٌ من أجل البقاء


لم يكن سهلاً قط، بالنسبة للسُّـنَّة العرب في العراق الحديث عن “هويَّةٍ سُـنَّيةٍ” خاصَّةٍ بهم تميِّزهم عن سواهم من المكوِّنات الأخرى للشعب العراقيّ، فقد كان هذا الحديث بمثابة إقرارٍ ضمنيٍّ بما أصرَّ السُّـنَّة العرب (ولا يزال بعضهم) على رفضه وتجاهله..

لكنَّ السُّـنَّة العراقيين الآن، ونخصُّ بالذكر الآن العرب منهم، أمام مرحلةٍ لم يعد مجدياً الرفض فيها، لأنَّ هويَّتهم ووجودهم صارا مهدَّدين أكثر من أيِّ وقتٍ مضى، لم يعد أمام السُّـنَّة العرب خيارٌ، إمَّا أن يكون لديهم هويَّةٌ سُـنِّيَّةٌ واضحةٌ معلنةٌ، أو أن يرضخوا لمشروعٍ يستهدف على الأقلِّ تذويبهم في المشروع الإيرانيِّ الجاثم على العراق، وهو المشروع الذي لا مفرَّ من الإقرار باستغلاله  نسبة لا بأس بها من الشعب العراقيِّ( حتى الآن).

السُّـنَّة العرب هم أوَّل من رفض هذا الحديث عن الهويَّة السُّـنِّية، فمنذ أن بدأ الحديث الطائفيّ والمحاصصة صراحةً بعد الاحتلال، والسُّـنَّة العرب يحاولون عبثاً النأي بأنفسهم عن التصريح بهويَّةٍ طائفيَّةٍ، وبينما سارع  بعض الساسة الشيعة في استغلال ظروف ما بعد الاحتلال لإعلان “البيت الشيعيِّ”، كان هؤلاء يحاولون الحديث عن عراقٍ موحَّدٍ يضمُّ الجميع..(فهم الأمر من قبل الطرف الآخر أنه رغبة في عودة حكم البعث والسيطرة على كل العراق كما كان سابقا وهو أمر لا يمكن استبعاده كليا من ذهنية البعض. )

جزءٌ من هذا الرفض كان يعود لرواسب الفكر البعثيِّ القوميِّ الوطنيِّ الذي لم يكن من الممكن الحديث معه عن طائفةٍ، ناهيك عن الحديث عن هويَّةٍ طائفيَّةٍ، الأجيال التي نشأت على حكم البعث منذ أواخر الستينات من القرن الماضي تعلَّمت أن ذكر أنك سُنِّيٌّ أو شيعيٌّ “عيبٌ” باعتبار أنَّه “ماكو فرق”..

كان ذلك عهداً انقضى.. ونعرف كيف انقضى.. تلك الأحلام الجميلة والمفعمة بالأناشيد الوطنيَّة لا يمكن لها أن تغيِّر واقعاً كابوسيَّاً جاثماً على صدور العراقيين الآن…

إن كنت لا تريد الحديث عن هويَّتك (كي لا تفرِّق ولكي تحافظ على هويَّةٍ وطنيَّةٍ موحَّدةٍ) فهذا شأنك وخيارك.. لا تتوقَّع أن يتَّخذ الآخرون الموقف نفسه مجاملةً لك.

وهذا ما حدث.. نأى السُّـنَّة العرب عن الحديث عن هويَّةٍ طائفيَّةٍ صريحةٍ مراعاةً للوحدة الوطنيَّة  التي اتَّضح أنَّها مثل الغول والعنقاء والخلِّ الوفيِّ (على الأقلِّ فيما يتعلَّق بشكلها في الدول العربيَّة القديمة).. بينما انهمكت النخبة السياسية التابعة للمشروع الإيراني في العراق في تثبيت ما فهمته من “هوية التشيع حسب مشروعها الإيراني” والإعلان عنها والترويج لها والتشبُّث بها، وهو ما  كان له أثرٌ كبيرٌ لاحقاً على معطيات الأمور، فمن لا يبرز هويَّته يبدو كمن لا وجود له، على العكس من المبرزين لها الذين  سيظهرون حتما بحجم أكبر بسبب الفراغ الذي أحدثه إحجام الآخرين عن إبراز هويَّتهم..

المشكلة  هنا ليس في كون الهوية الشيعية قدمت بحيث تُبرِز حجم المكون وقوَّته فحسب ، بل أن طريقة “الهوية الشيعية” قدمت على نحو يجعل من الشيعي  يشعر بأن هويته ترتكز على عدائه للسنة..

جوهر الهويَّة الشيعيَّة(كما قدمت عبر المشروع الإيراني) يرتكز على أمرين  تاريخين لا يمكن التخلي عنهما:

أوَّلاً- المطالبة بالحقِّ المغتصب (الخلافة حسب الفهم الشيعي للموضوع).

ثانياً- المطالبة بثارات الحسين..

لا حديث عن هويَّةٍ شيعيَّةٍ في المشروع الإيراني(المسيطر والسائد حاليا) دون هذين الأمرين ..

 لن يبقى شيءٌ من التاريخ الشيعيِّ-حسب المشروع الإيراني- إن تمَّ السكوت عن هذين المعتقدين القائمين على الصدام مع السُّـنَّة (باعتبارهم اغتصبوا الخلافة بزعم الشيعة، وباعتبارهم قتلوا الحسين – كذباً وافتراءً)…

وفي الحالتين، فإنَّ السُّـنَّة بكلِّ أطيافهم سيجدون أنفسهم في مواجهة هذه الهويَّة الشيعيَّة المزعومة ، المختطفة من قبل مشروع سياسي إيراني.

ماذا يعني إظهار الهويَّة الشيعيَّة أمام السنة؟

يعني أن تجد نفسك كسني  محاصراً طيلة الوقت باللطم على الحسين وفق أنغامٍ تتَّهمك بين لحنٍ وآخر بقتله.. يعني أن تجد المطالبة بالثأر للحسين على الجدران في المؤسسات الحكوميَّة وعلى البيوت وعلى السيارات وفي الشوارع.. أن تجد ابنتك تكتب على رأس ورقة الإملاء “يا لثارات الحسين” لأنَّ كلَّ زميلاتها يفعلن ذلك…

في كلِّ خطوةٍ ستجد  نفسك متَّهماً في جريمةٍ تؤمن أنَّها لم تحدث أصلاً(خطف الخلافة)، بينما تم إقناع شركاء الوطن أنَّها السبب في وجودهم على هذه الكرة الأرضيَّة..

لا جدوى من الإنكار.. لا جدوى من الحديث عن هويَّةٍ وطنيَّةٍ واحدةٍ في هذا السيل الجارف من الهويَّة التي لا تراك إلا عدوَّاً لها، بل ترى في الانتقام منك السبب الذي خلق الله البشريَّة من أجله…

بالضدِّ تتميَّز الأشياء، وبالتمايز يكون التعريف، وهذه الهويَّة الشيعيَّة (المدعومة بلا شكٍّ من الحكومة الإيرانيَّة وأجنحتها ولكن أيضاً التي تختطف الكثير من الشيعة العاديين غير المسيَّسين) هذه الهويَّة لا تنفكُّ تضع السُّـنَّة العرب في العراق في موضعٍ لم يكونوا يريدونه أصلاً، لكنَّه حدث.

لم يعد الحديث عن الهويَّة السُّـنِّية خياراً، صار معركة صراعٍ من أجل البقاء، إمَّا أن تتمسَّك بسنيَّتك وتظهرها، أو تذوب في ذلك التيار الجارف، رغم مفارقته لكلِّ ما هو عقلانيٌّ وحضاريٌّ وأخلاقيٌّ…

هذه الهويَّة (الشيعية حسب المشروع الإيراني)لا تقتصر على من هو سُنِّي متديِّن، بل هي تشمل كلَّ سُنِّي ولو كان علمانيَّاً أو ملحداً، كلُّ من ينتمي لأسرةٍ أو عشيرةٍ سُـنِّية الأصل سيجد نفسه معرَّضاً للإقصاء والتهميش (وفي مراحل أخرى للقتل أو الاعتقال)، وهكذا فقد اعتُبر الملحد سنيَّاً، واعتُبر العلمانيُّ سنيَّاً، واعتُبر الليبراليُّ سنيَّاً فقط لأنَّهم ينتمون للقبٍ سُنِّيٍّ، حتى لو لم يشكل شيئاً في أوَّلويَّاتهم وعقيدتهم.. لقد عوقبوا (جماعيَّاً) على اغتصاب الخلافة وقتل الحسين..  (ولا يمكن لك أن تحيِّد نفسك بترك التسنُّن ومظاهره، لكن سينفعك حتماً أن تتشيَّع وتظهر التشيُّع، هذا هو طريق النجاة الوحيد من تهمة قتل الحسين واغتصاب الخلافة…)

بهذا المعنى، فالحديث عن الهويَّة السُّـنَّيَّة له ثلاثة مستوياتٍ لا بدَّ من توضيحها:

المستوى الأول:

الهويَّة السُّـنِّية بمعناها العامِّ جداً، والذي يشمل العلمانيين والليبراليين – وحتى القوميين الذين هم الأشدُّ عداءً لهذا الحديث-  شاؤوا الآن أم أبوا، هي هويَّة الانتماء التاريخيِّ للأمَّة الإسلاميَّة وحضارتها.. (بكلِّ ما في هذا التاريخ من منجزاتٍ، وما فيه أيضاً من أخطاء..) الهويَّة الشيعيَّة  (كما يقدمها المشروع الإيراني) ترفض هذا التاريخ جملةً وتفصيلاً، وتُصِرُّ على اعتباره مجرَّد غلطةٍ ناتجةٍ عن اغتصاب الخلافة، ولا تقدِّم أيَّ تاريخٍ بديلٍ بالمقابل بل تقترح مستقبلا قائما على الانتقام من هذا التاريخ..

هذه الهويَّة الأوسع لا تشمل التديُّن السُّنيَّ أو مظاهره أو شعائره (القليلة أصلاً بالمقارنة مع الكم الهائل من الشعائر ومظاهرها عند الشيعة)، بل تشمل الإيمان بالأمَّة الإسلاميَّة بمعناها التاريخيِّ، بقدرة هذه الأمَّة على العطاء والإبداع، وبتاريخٍ مجيدٍ بين تاريخ الأمم، هذه الهويَّة التي تتصادم مع هويَّة اللطم والعويل على التاريخ، يمكن أن يجد العلمانيُّون والليبراليُّون والقوميُّون أنفسهم فيها.. ويجب إبرازها بوجه هويَّةٍ تريد إلغاء التاريخ لصالح جهةٍ معيَّنةٍ كان تاريخها سلسلةً من الفشل المتكرِّر.. إنَّها هويَّة الرشيد، والمأمون، وبيت الحكمة، والمستنصريَّة، والأندلس، وكلِّ المنجزات العلميَّة التي تحقَّقت في العهود الإسلاميَّة اللاحقة التي يرفضها الشيعة جملةً وتفصيلاً.. إنَّها هويَّة العدالة الاجتماعيَّة التي تحقَّقت في عهود الخلافة الراشدة ومستوى العدالة الذي بقي يُعَدُّ قياسيَّاً بالنسبة لتجارب حضاريَّةٍ أخرى..(وهي الهوية السنية التي يرفضها الفكر القاعدي أيضا بطبيعة الحال)

المستوى الثاني من الهويَّة السُّـنِّية: هي هويَّة أهل السُّـنَّة بالمعنى العريض، والتي تشمل اليوم بعض الفرق التي ليست على وفاقٍ فيما بينها، ولكنَّها بالتأكيد تقف جميعاً بعيداً عن المشروع الشيعيِّ-الإيراني- بمسافةٍ ليست واحدةً، لكن كافية تماما لكي يكون ثمة ما هو “جبهة مشتركة”…

تشمل هذه الهويَّة ما يمكن أن نسمِّيه السُّـنَّة المتديِّنين، بغضِّ النظر عن تصنيفهم في هذا التديُّن (سلفيّ أو صوفيّ، مع وجود تصنيفاتٍ فرعيةٍ لكلِّ تصنيفٍ).. أي سُنِّي متديِّن، مهما كان فهمه بسيطاً أو سطحيَّاً، لا يمكن إلا أن يجد نفسه على صدامٍ مع هويَّةٍ إيرانية تعُدُّ أبا بكرٍ وعمر “صنمَي قريشٍ”.. بالنسبة له لم يبلغ الإسلام مداه وعزَّه ومجده، ولم يصل إلى مشارق الأرض ومغاربها إلاَّ عبر هذين الرجلين ومن اتَّبعهما.. فكيف يمكن له إلاَّ أن يجد في الهويَّة الشيعيَّة (كما تقدم في المشروع الإيراني) تهديداً له؟ وكيف يمكن له إلاَّ أن يتمسَّك بهذه الهويةَّ “السُّـنِّية العامَّة”، ويظهرها، عبر التمسُّك بما يمثّله أبو بكر وعمر ومنجزاتهما وسيرتهما، وكلُّ ما حقَّقاه وحُسِب رصيداً للإسلام.. ليس هناك في مواجهة الهويَّة الشيعيَّة إلا إظهار “التمسُّك” بكلِّ مَنْ يعدُّ الشيعةُ سبَّه ولعنه جزءاً من هويَّتهم: أبي بكر، عمر، عائشة…

المستوى الثالث من الهويَّة السُّـنِّية: هو الأقلُّ انتشاراً حاليَّاً، ولكنَّه أيضاً الأكثر وعداً بتحقيق ما هو أكثر من مجرَّد ردِّ الفعل الذي يتمثَّل في المستويين الأولين.

هذا المستوى يستند على وجود مشروعٍ سُنِّيٍّ حقيقيٍّ، مشروعٍ إسلاميٍّ يجد في الإسلام رؤيةً حضاريَّةً يمكن استلهامها في البناء والعمران

هذا المستوى يتجاوز العراق وسُـنَّة العراق حتماً.. فهو أكبر من أن يكون مختصَّاً بقطرٍ أو بلدٍ معيَّنٍ، بل هو مسؤوليَّةٌ جماعيَّةٌ.. لكنَّ قُرب العراق وسُنَّته من المشروع الإيراني يجعلهم الأكثر تحسُّساً للحاجة إلى هذا المشروع السنيِّ البديل..

المستوى الأولى من الهويَّة السُّـنِّية يستند إلى التاريخ وعمقه، فيجد فيه كلُّ من هو غير إسلاميّ امتداده وجذوره، حتى لو أسكنها لاحقاً في تربةٍ مغايرةٍ لثوابت هذا التاريخ ومقدَّساته..

المستوى الثاني يخصُّ التديُّن في أبسط وأنقى مظاهره، والذي يجد فيه كلُّ ملتزمٍ بأدنى التزامٍ دينيٍّ نفسه بعيداً عن مظاهر الغلوِّ والشرك والباطنيَّة التي جعلت من الإسلام ديناً باطنيَّاً كلُّ النصوص الدينيَّة فيه تعني عكس ما يبدو من ظواهرها..

والمستوى الثالث هو المتَّجه إلى المستقبل… هو الذي يبادر بالفعل والبناء سواءٌ أكان هناك مشروعٌ شيعيٌّ أم لم يكن.. هو الذي يعُدُّ القرآن والسُّـنَّة منصَّة انطلاقه نحو مستقبلٍ أفضل، بالضبط كما كان بالنسبة لأبي بكرٍ وعمر..الهوية السنية ، ليست موجهة ضد “الشيعي” بالتأكيد ، إذ يمكن للسني أن يسرد  كل تفاصيل عقيدته دون أن يتقاطع فيها مع الشيعة ، كونك “سنيا” لا يعني بالضرورة أنك ضد الشيعي ، بل يعني اختلافك وتمايزك عنه ، وهو أمر لا بد من تأصيله في الوعي العام إن كنا نريد يوما أن نكون جميعا مواطنين متساويين أمام القانون والدولة ، لا يمكن القفز إلى المساواة بحرق هذه المرحلة المهمة ، مرحلة  تأكيد واحترام الاختلافات ، يمكن لكل طرف أن يؤمن أنه يحتكر الصواب له وحده ، لكن لا شأن له بمصيره الآخروي في هذه الدنيا..وهو أمر سيجعل الهوية السنية في مواجهة حادة أيضا مع فكر القاعدة الذي يرفض هذه الطروحات..

الحديث عن الهوية السنية ليس مساهمة في تفتيت المجتمع (المفتت أصلا) كما يحلو للبعض أن يهول ،  بل هي  تأكيد على إمكانية تعدد الهويات واختلافها ضمن صيغة وإطار يمكن الاتفاق عليها ضمنا..

وقبل ذلك ، وفي مواجهة المشروع الإيراني : هي صراع من أجل البقاء…

سُـنَّة العراق وتحديَّاتٌ لا مفرَّ من مواجهتها -1- سُنَّة العراق ولحظة الحقيقة

سُـنَّة العراق وتحديَّاتٌ لا مفرَّ من مواجهتها -1-

سُنَّة العراق ولحظة الحقيقة

محمد عبد الله الجبوري


حتى عام 2003 م، لم يشعر سُـنَّة العراق أنَّهم أقليَّة، ولم يشعروا كذلك بحاجتهم إلى تأكيد هويَّتهم ناهيك عن البحث عنها.

لكنَّ عالم ما بعد احتلال العراق شهد تغييراتٍ إقليميَّةً كبرى جعلت من سُـنَّة العراق في مهبِّ رياح التغيير.. وصار لا مفرَّ من التعامل مع المتغيِّرات بعقلٍ مختلفٍ ورؤيَّةٍ مختلفةٍ.

رياح التغيير هذه شهدت أولاً وللمرة الأولى في تاريخ العراق الحديث طرحاً طائفيَّاً صريحاً لم يكن من الممكن التصريح به من أيِّ جانبٍ قبلها، وشهدت تقسيم الشعب العراقي على أساسٍ طائفيٍّ وعرقيٍّ في آنٍ واحدٍ، وهو تصنيفٌ بدا كما لو أنه يستهدف تقليل نسبة السُـنَّة بتقسيمهم إلى أكراد وعربٍ.. علماً أنَّ الأكراد (وهم سُـنَّة في غالبيَّتهم العظمى) كان لهم فعلاً قضيةٌ مختلفةٌ منذ البداية.. وهم لا يبدون مستائين من عزلهم عن السُـنَّة العرب على الأقل في هذه المرحلة.. لأسبابٍ معلومةٍ تماماً..

وكان من حتميَّات هذا الطرح (الذي شجَّعه الأمريكان منذ البداية) أن تنشأ المحاصصة التي يشتمها الجميع، ولكنَّهم يستغلونها أيضاً، وبلغت المحاصصة حدوداً هزليَّة (مثل الحرص على أن تكون الفرق الرياضيَّة ممثلةً لجميع مكوِّنات الشعب العراقي بحسب النسب السكَّانية!! الخ)…

وشهدت التغييرات أيضاً بروز ومن ثمَّ خفوت المقاومة العراقيَّة المسلَّحة التي اختلط فيها الحابل بالنابل والخبيث بالطيب (كما يحدث دوماً وفي كلِّ حركات التحرر على الإطلاق ) والتي وجدت نفسها أمام عدوَّين: عدوٍّ محتلٍّ واضحٍ، وعدوٍّ هو “ابن البلد” شئنا أم أبينا، وبينما لا مفرَّ من الاعتراف أنَّ التفجيرات الكبرى في الأماكن المكتظَّة قد بدأتها تنظيماتٌ مرتبطةٌ بالقاعدة ، فإنه لا بدَّ من التذكير أنَّ الاغتيالات المنظَّمة التي استهدفت السُـنَّة قد سبقت هذه التفجيرات (وهو بالضبط الفرق بين العمل المنظَّم الذي تدعمه إيران، والعمل العشوائيّ الذي تمثَّل في القاعدة والذي أدّى لاحقاً إلى ظهور الصحوات).

في النهاية وجد سُـنَّة العراق أنفسهم وحيدين دون أيِّ دعمٍ دوليٍّ أو إقليميٍّ… حتى عندما فازت القائمة العراقيَّة (تحالف علاوي مع الهاشمي وشخصياتٍ سنيَّةٍ أخرى) في انتخابات 2010 والتي دعمها السُـنَّة العرب بشكلٍ واضحٍ، حتى بعد هذا الفوز، فوجئ الجميع بسرقة هذا الفوز لصالح الخاسرين بسلسلةٍ من الألاعيب القانونية وسط صمتٍ عالميٍّ مريبٍ، وهذا يعني أنَّه ليس ثمَّة أمل لسُـنَّة العراق  (وحتى للشيعة المعتدلين  غير المسيَّرين من قبل المراجع الدينيَّة) عبر أيَّة عمليَّةٍ انتخابيَّةٍ ديمقراطيَّةٍ.. بل لا بدَّ من إجراءٍ حاسمٍ وجذريٍّ مهما كان مؤلماً.

أمران لا بدَّ من تثبيتهما هنا في هذا السياق قبل مراجعة التحديَّات التي تواجه “سُنّة العراق”:

أولاً_ ليس هناك أكثريَّةٌ ساحقةٌ في العراق… هناك أكثريَّاتٌ صغيرةٌ، أو أقليَّاتٌ كبيرةٌ،  وهذا أمرٌ يعقِّد المشهد العراقي، ولكنَّه أيضا يمكن أن يشكِّل ضمانةً مستقبليَّةً في وقتٍ لاحقٍ.

العراق، مثل لبنان، يختلف عن سوريا ومصر اللتين فيهما أغلبيَّةٌ ساحقةٌ تتجاوز الـ 70% -80% لفئةٍ معينةٍ.

تعرَّضت نسبة العرب السُـنَّة إلى التقليص بسبب ماكينة الدعاية الشيعيَّة، كما تعرَّضت للتضخيم أحياناً كردِّ فعلٍ لهذا التقليص، فأوصلها الشيعة إلى 20%، وبالغ البعض في ردِّ الفعل فأوصلها إلى الـ 60% والحقيقة المترشِّحة من مجمل القراءات للنسب السكَّانية هي أنَّ نسبة السُـنَّة العرب تقارب الثلث (34%-38%)، وأنَّهم مع الأكراد(السُـنَّة غالباً) يشكِّلون أكثر من النصف، وأنَّ الشيعة رغم تفوقهم العدديِّ على السُـنَّة العرب منفردين، فإنَّ هذا التفوُّق كان ضئيلاً لم يمنحهم “الأغلبيَّة” في أيِّ انتخاباتٍ مروا بها، حتى في انتخابات 2005 م التي قاطعها السُـنَّة العرب.

ثانياً –  علينا أن نفرِّق مبدئيَّاً بين “الشيعة”، وبين “المشروع الشيعيِّ – الإيرانيِّ”. صحيحٌ أنَّه لا يمكن التمييز حالياً بينهما لأنَّه لم يثبت “إحصائيَّاً” حتى الآن وجود أيِّ نبذ مؤثِّرٍ من قبل جماهير الشيعة لهذا المشروع ، إلا أنَّنا علينا أن نذكر دوماً بإمكانية التعايش مع الشيعيِّ كشيعيٍّ، ولكن بصعوبة التعايش مع مشروعٍ يستخدم عقيدة هذا الشيعيِّ ويستغلُّها لتكون موجَّهة ضد السُنَّة مباشرةً (وهو أمرٌ يصعب على أيِّ مشروعٍ شيعيٍّ أن يتجاوزه لأسبابٍ تتعلق بطبيعة نشوء الشيعة وتشكُّل عقيدتهم).

يمكن للشيعيِّ أن يؤمن بما شاء، ممَّا تؤمن أنَّه سيدخله جهنم، ولكن يمكن لك أن تتعايش معه، وأن يكون سلوكك معه جيِّداً، كما يمكن له أن يؤمن أنَّك داخلٌ جهنم، وأن يكون سلوكه معك جيداً، أن لا يخدعك في البيع والشراء، وأن يعاملك كما يعامل الشيعي، كما يمكن لك أن تفعل الشيء ذاته، بالضبط كما تعاملنا جميعاً مع “أهل الكتاب”.. المعضلة هي في اللحظة التي تحوِّل فيها عقيدتك لتكون موجَّهةً ضدَّ هذا الطرف بدلاً من أن تكون موجَّهةً للبناء ولرقيِّ المجتمع وتكوين النموذج الجاذب الذي قد يجعل “الآخرين” يؤمنون بهذه العقيدة…

الأمر إذن ليس في صراع العقائد صراعاً نظريَّاً – فكريَّاً، بل هو في تحوُّل هذه العقائد لتكون مشروعاً على أرض الواقع…

والسُـنَّة العراقيُّون اليوم، يواجهون منفردين تقريباً مشروعاً هو جزءٌ لا يتجزَّأ من المشروع الإيرانيِّ الذي أعلن منذ البداية المبكِّرة للثورة الإيرانيَّة أنَّ تصدير الثورة أهمُّ منتجاته…

مشكلة السُـنَّة العراقيين مزدوجةٌ في هذا الأمر.. فهم لا يواجهون المشروع “الإيرانيَّ”- العابر للأقاليم- منفردين فحسب، دون دعمٍ من أيَّة جهةٍ من أيِّ نوعٍ كان، بل إنَّ المشكلة التي لا تقلُّ أهميَّةً هي في رفض نسبةٍ لا يستهان بها منهم لهذا التوصيف –الطائفيِّ- للقضية، رفضهم للتصديق أنَّ هناك من يؤيِّد هذا المشروع من العراقيين الذين لم يأتوا مع الاحتلال، رفضهم للتصديق أنَّ إيران قد انتصرت في أكثر من معركةٍ، وأنَّها تكاد تنتصر في “الحرب”.

لا يزال السُـنَّة العراقيون في جانبٍ كبيرٍ منهم يعيشون حالةً مَرَضيةً من الإنكار للحقائق الشاخصة على الأرض… لا يصدِّقون ما يحدث… بقي جزءٌ كبيرٌ منهم يردِّد لسنواتٍ أنَّ كلَّ هذه “الفئران” ستهرب إلى إيران فور خروج الأمريكان.

ولقد خرج الأمريكيُّون (على الأقلِّ قلَّت كثافة وجودهم)، ولكنَّ الفئران كان قد كبر حجمها، وصارت جرذاناً ضخمةً مفترسةً، ثم أضحت وحوشاً آكلةً للحوم البشر.. وخروج الأمريكيِّين لم يزدها إلا قوةً.. لأنَّه أعطاها المزيد من الحرية في التعاون مع إيران..

كان هناك حديثٌ دائمٌ عن جبن فئةٍ معيَّنةٍ من العراقيين، الشروگيين، وعن كونهم سيفرُّون من أول طلقةٍ…

حسناً، على فرض صحَّة هذه الفرضيَّة، فهي لم تعد صحيحةً الآن.. لقد ذاق هؤلاء القوة والسلطة والشوكة، مرَّ عقدٌ كاملٌ تقريباً منذ أن منحهم الأمريكيُّون أولاً القوة، ثم دعمتهم إيران… لقد تغيَّروا.. المثل العراقيُّ يقول: “الخير يخيِّر والشر يغيِّر”… وقد تغيَّر هؤلاء لما فيه شوكتهم، ولا بدَّ من الاعتراف أنَّ تغيُّر السُـنَّة لم يكن لصالح الشيء ذاته..

لا بدَّ من مواجهة الحقائق الآن.. بدلاً من الإنكار، بدلاً من التصوُّر أنَّ المشروع الإيرانيَّ -المدعوم من قبل أناسٍ عراقيين شئنا أم أبينا-، سيذوي وينتهي تلقائيَّاً، بدلاً من الدعاء الحارِّ أن يكون هناك “بأسٌ شديدٌ” بين هذا المشروع وبين مشروعٍ آخر، يضرب فيه الظالمون بعضُهم بعضاً، ونخرج من بينهم سالمين كالشعرة من العجين..

لن يحدث هذا.

السُّنن الكونيَّة لا تعمل هكذا.

وسُـنَّة العراق أمام  لحظة الحقيقة…

***********************************

مدنية على منهاج النبوة!

مدنية على منهاج النبوة!


د.أحمد خيري العمري

نجد أنفسنا أحيانا في حروب “مصطلحات” دونكيشوتية ، ننجر لها بالتدريج.

حروب المصطلحات هذه تأخذنا أحيانا من مضامينها الأكثر أهمية إلى مجرد مسميات ، ثم نتوهم في غمرة الحرب ، أن صراعنا حول هذه المصطلحات، وتثبيتها أو الغائها ، سيعوض عن “حقيقتها” ، عن مفهومها، عن البحث في تطبيقاتها وآلياتها ..

مصطلح المدنية هو من هذه المصطلحات بالتأكيد ، والصراع حوله واضح ، والاتهامات متبادلة ومستعرة، وقد صرحت احدى التيارات بأن من منجزاتها “عدم ذكر هذا المصطلح” في مسودة الدستور!..

لكن ما حقيقة هذا المصطلح؟ وكيف تم جرنا إلى “مسماه” وغفلنا عن “المضمون”؟  هل يحدث ذلك مع كل المصطلحات المتداولة والمتحارب عليها ، أننا نتشبث بها أو نتشبث ضدها..دون أن نحاول فهم محتواها ومعانيها وبالتالي محاولة “تطبيقها”.
مصطلح “الدولة المدنية” مصطلح محايد مبدئيا..يتعلق مبدئيا بالمدنية (التي لا يقول أي إسلامي أنه ضدها). وهو مصطلح غير مترجم من أي لغة اخرى ، أي لا يوجد  في العالم  ولا في تاريخ  شيء اسمه “دولة مدنية” مباشرة.لا يوجد في قاموس ومعجم المصطلحات المتعارف عليها مسمى كهذا. ولكن هذا لا يعني عدم وجود معناه، لكن ما هو معناه؟…

يشير بعض الباحثين إلى أن هذا المصطلح قد ولد في خضم الربيع العربي ، استخدم في شعارات مبكرة (في ميدان التحرير في القاهرة على الأغلب) ومن ثم  أنتشر بواسطة الإعلام واستخدم بكثافة من قبل الجميع: الناشطين، السياسيين ،وحتى رجل الشارع العادي الذي صار يريد-أو لا يريد- دولة مدنية.

ما هي هذه الدولة المدنية التي يطالب بها ناشطون دون أن تكون هناك نظرية واضحة للدولة المدنية ودون أن يكون هناك ما قد كتب فيها ، بل دون أن يكون هناك  هذا المصطلح قبل “الربيع العربي”.

هل الدولة المدنية هي النموذج المضاد لدولة يتحكم فيها العسكر؟

هذا وارد طبعا.وهو أمر لا خلاف عليه.إذ يجتمع كل الثوار –بمختلف توجهاتهم-على ضرورة الغاء حكم العسكر وبطريقة ما كل حكم سيطر بواسطة العسكر حتى لو كان رأسه مدنيا دون بزة عسكرية.

ما حدث لاحقا ، وخلال فترة وجيزة من ظهور المصطلح (المحايد في مظهره) هو محاولة الليبراليين والعلمانيين “تجيير”  واختطاف المصطلح لصالحهم وجره ليكون معبرا عنهم ويكونون “الممثلين الرسميين” الصالحين للحديث عنه (وهذا يكسبهم قيمة إضافية، فما دام رجل الشارع صار يتحدث عن “الدولة المدنية”  فهذه فرصة للعلمانيين والليبراليين للظهور بصفتهم ممثلين لهذا المواطن، خاصة أن سمعتهم عند هذا المواطن في أسوء حالاتها)

هكذا ظهرت شعارات “نريد دولة مدنية لا دينية ولا عسكرية” ،وهي شعارات تلخص جهود العلمانيين والليبراليين في جعل الدولة المدنية بديلا عن “الدولة الدينية” ، علما أن لا أحد من الاسلاميين يقول أنه يريد “دولة دينية” ، فكل هذه المصطلحات ولدت في سياقات غربية يتنفسها العلمانيون والليبراليون كما يتنفس غيرهم الاوكسجين.

“عندما يطرح هذا الشعار (مدنية ضد عسكرية ودينية) فهذا يعني تنصل العلمانيين والليبراليين من “علمانية” العسكرتاريا (وهذا طبيعي فكل الأنظمة التي قامت عليها الثورات هي علمانية أصلا ولكنها علمانية جاءت عن طريق العسكر ولم تتح فرصة لتداول السلطة) وهو يعني ايضا أنهم ضد “الخيار الديني” للدولة.

لماذا لا يقولون “ديمقراطية” إذن؟

ببساطة لأن الديمقراطية قد تجلب الإسلاميين.قد يكون خيار الشعب هو الإسلام.لذا فهم يريدون ديمقراطية مشروطة بعدم وجود الخيار الإسلامي.ما المصطلح الذي سيركبون عليه لتمرير حزمة شروطهم هذه (تداول سلطة دون وجود إسلاميين) . ليكن دولة مدنية.مصطلح نظيف. سمعته جيدة ولم تستهلك شعاراته.

لم لا يكونون صريحين ويقولون :علمانية؟

لأنهم يعلمون أن ذلك سيكون مقتلهم وخسارتهم.رجل الشارع العادي الذي يصرح أنه يريد “دولة مدنية” قد يتراجع عن هذا إن قيل له مثلا أن الدولة المدنية = الدولة العلمانية.

ربما هو لا يريد دولة دينية , لكن العلمانية تمثل قطيعة مع ما يريده هذا الرجل ايضا.وهو يرفضها أيضا.

(حدث ذلك فعلا في احدى البرامج الحوارية، إذ ختم أحد المشاركين بقوله :نريد دولة علمانية !، فقاطعته المذيعة فورا : نسميها دولة مدنية أحسن!!!)

لا يجد المثقفون الليبراليون والعلمانيون اذن أي غضاضة في الاعتراف بأن استخدام المصطلح كبديل عن “العلمانية” كان لتمريره على “الناس”  (وهم يصرحون بذلك علنا أحيانا لأنهم يستغفلون الجماهير التي يريدون منها أن تدعمهم..).يصرح جورج طرابيشي بذلك بوضوح.كذلك لؤي حسين على نحو مفصل[1]. ويستفيض عمرو حمزاوي[2] في الأمر حيث يقول أن فصل الدين عن الدولة ركيزة من ركائز بناء الدولة المدنية، بينما يقول في مرة أخرى أن الدولة المدنية لا تعني ذلك، على طريقة الجميع حاليا في قول الشيء ونقيضه .ويتفضل علينا بالقول أن الدولة المدنية ستضمن حق ممارسة الشعائر (عكس العلمانية الشاملة التي ستقيد ذلك!) ويمضي الجميع في الحديث عن أن المادة رقم كذا من الدستور “تتعارض مع مدنية الدولة”  على أساس أن “مدنية الدولة”- وهي مفهوم لا يزال في مرحلة الرضاعة إن كان قد ولد أصلا- صار قدس الأقداس الذي لا يمس.

سيبدو جميع نشطاء الدولة المدنية  كما لو أنهم قد كذبوا الكذبة وصدقوها أكثر مما يجب.هم يتحدثون عن مصطلح “مخترع” ما أنزل الله به من سلطان ولا جاء به التاريخ ببرهان، ولا ذكر في معاجمهم أو التجربة الغربية التي هي مرجعهم، رغم ذلك فهم يحولونه إلى “اليوتوبيا” المنشودة التي من الواجب تثبيتها في كل فقرة من أي إعلان.

(ولعل أقرب ما يمكن فهمه من اختيار المصطلح تحديدا  ليكون “حصان طروادة” بالنسبة لهم هو مصطلح “القانون المدني” –وهو القانون الذي يرجع في إطاره العام إلى القانون الروماني!!- وأيضا مصطلح “الزواج المدني” الذي لا علاقة له بكنيسة أو بعقد شرعي)

حسنا.

هم كذبوا الكذبة وصدقوها لتمرير العلمانية على الناس أمام صناديق الاقتراع.

بعض الإسلاميين قد صدقوا الكذبة أيضا أكثر مما يجب.

بعضهم انجر إلى الدفاع عن مدنية الدولة والتأكيد على عدم تعارضها مع الإسلام (باعتبار أن مفهوم المدنية واضح تماما ولا غبار عليه ، أو باعتبار أن الإسلام كما يفهمونه قابل للصب وإعادة التشكيل مع أي مفهوم حتى لو كان مفهوما لا وجود له!)..والبعض وجد –محقا- أنه من الأنسب إضافة شرط “المرجعية الإسلامية” على “الدولة المدنية” وهو بذلك قد أفسد على الليبراليين والعلمانيين خطتهم الالتفافية في المصطلح.

البعض أختار إلى أن يحرج العلمانيين ، فقبل بالمدنية ، لكن أي مدنية بالضبط؟؟

الطريف في الأمر أن هناك من غلاة العلمانيين(جاد الكريم الجباعي) من يقول أن المصطلح أوجده “الاخوان المسلمين” أنفسهم بعد انقلاب 1952 بمواجهة “عسكرة الدولة” (لا يقدم أي إشارة مرجعية موثقة لهذا ، ويبدو أن الاخوان نسوا أنهم أصحاب الدعوة لو صح ذلك![3]).

بكل الأحوال، ورغم أهمية تحديد المصطلحات.ورغم أهمية تثبيت هوية الأمة ومرجعية الدولة التي لا تقبل النقاش، إلا أنه من المهم أيضا الإشارة إلى أن الصراع حول المصطلحات والتسميات يجب أن لا يأخذنا أبعد مما يجب عن أهمية المضمون وأهمية تطبيق المضمون.

بعبارة أخرى : التنازل عن بعض “الأسماء” ولو مرحليا ، دون التنازل عن مضمونها، قد يساهم في تحقيق المراد على نحو أسلم.ولنا في صلح الحديبية خير مثال على ذلك.

..على سبيل المثال..

ينشغل الكثيرون بالدولة الإسلامية ،وبدولة الخلافة المنشودة. تحديدا بقيام هذه الدولة وإعلان ذلك..يعبرون عن الحنين لها ، وبالتصور الذي لا يخلو من سذاجة ورومانسية بأن كل مشاكلنا ستحل عندما يحدث ذلك.

لكن من قال حقيقة أن دولة الخلافة الإسلامية يجب أن يكون اسمها “دولة الخلافة الإسلامية”؟  من قال أن منصب رئيس هذه الدولة يجب أن يكون اسمه “الخليفة”؟   عمر بن الخطاب مثلا لم يجد بدا من أن يغير لقبه إلى “أمير المؤمنين” دون أن يعني ذلك أنه تنازل عن منصب “خليفة خليفة رسول الله” ودون أن يعني  ذلك أنه قد كف عن أن يكون “الخليفة في الأرض”.

مفهوم الاستخلاف في الأرض أوسع بكثير من أن يكون مجرد نظام حكم.إنه طريقة حياة . نمط في رؤية العالم والقيام بدور في بنائه.وهذا لا يحدث فجأة.ولا ينبت كالكمأ دون جذور.إنه عملية إعادة تكوين جديدة.هل من الضروري أن يقال عن الخليفة في الأرض أنه خليفة؟ من الضروري أن يقوم بدوره أولا.سواء من خلال الفرد أو المجتمع.أما التسميات فهي  محض تحصيل حاصل.

ولن تكون دولة الخلافة دولة خلافة فعلا بمجرد إعلان أنها كذلك.

عليها قبل ذلك أن “تكون” دولة خلافة حقا..

الرسول عليه الصلاة والسلام قال “ثم تكون خلافة على منهاج النبوة” ولم يقل تعلن “خلافة على منهاج النبوة..

فلنتذكر هنا أن دولة الخلافة الحقيقية لا تعيش عالة على غيرها.لا تكون إن كانت تستورد طعامها ودواءها سلاحها ووسائل اتصالها وكل معارفها ممن تعتبرهم “دار حرب”,..ولا تكون إن لم يكن فيها عدالة اجتماعية وكان الناس فيها ، كل منهم ، يقوم بدوره كخليفة في الأرض…من موقعه.

الدرب إلى ذلك طويل ووعر حتما.

لكن حرق المراحل على أمل اختصار الطريق الطويل، قد يقود إلى حرق المشروع برمته.

تفسير القرآن بين عصر الحضارة وعصر الانهيار

تفسير القرآن بين عصر الحضارة وعصر الانهيار

“التساؤل الإبراهيمي نموذجاً”

د.أحمد خيري العمري على الرغم من إيماننا المطلق بتعالي النص القرآني عن تغيرات الزمان والمكان، إلا أننا نؤمن ولا بد، بأن بشرية القراءة لهذا النص (أو التفسير) ليست منزهة عن تغيرات الزمان والمكان، وأن التفاعل الإنساني مع هذا النص محكوم بشروط تحدد نتائجه وتتحكم بمنطلقاته ومعطياته.. وهي شروط مرتبطة ببوتقة التفاعل وبيئته العامة.. وليس المقصود هنا ببوتقة التفاعل وبيئته تفاصيله الصغيرة، بل الاتجاه المجتمعي العام الذي يتحكم بآليات التفكير واتجاهاته، وبالتالي يتحكم بالتفاعل مع هذا النص.. وبطريقة قراءته.. وهكذا فإن النص القرآني نفسه قد يفسر، في مرحلة معينة ما، مرحلة نهضة وازدهار ونمو حضاري واجتماعي، فإذا بالقراءة الناتجة تتسق مع ما في هذه المرحلة من نهضة ونمو وعقلانية قرآنية، وقد يفسر النص نفسه في مرحلة لاحقة، مرحلة انحدار وجمود وصولاً إلى انحطاط على كافة المستويات، فينتج قراءة تعكس الواقع المتردي الجامد، قراءة قد تصل إلى رفض القراءة الأولى باعتبارها تهمة لا بد أن ترد، وقد تصل إلى الخرافة الممجوجة في بعض الأحيان.. ليس أدلَّ من هذا وجود نص واحد، وقراءات مختلفة بحسب طبيعة المحيط الثقافي، من الآيات الكريمة التي تتحدث عن التجربة الإبراهيمية، أولاً في سورة الأنعام: {فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (*) فَلَمّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضّالِّينَ (*) فَلَمّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي هَذا أَكْبَرُ فَلَمّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ (*) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 6/76-79] وثانياً في سورة البقرة: {وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّه

عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 2/260]..

يمكن تمييز خطين تفسيريين في القراءة لهذه الآيات:

التفسير الأول: يتمثل في قراءة أنتجت في عصر ازدهار الحضارة العربية الإسلامية، ممثلة على الأقل في قراءة ابن إسحاق (المتوفى 151هـ) وابن جرير الطبري (المتوفى 224هـ)..

والتفسير الثاني: يتمثل في قراءة أنتجت في عصر تآكل الحضارة العربية الإسلامية وانهيارها ونشوء الدويلات المختلفة، وممثلة في (علماء أجلاء لهم كل الاحترام، لكن الاحترام لن يلغي حقيقة أن قراءاتهم أنتجت في عصر انهيار وتأثرت ولا بد بذلك) هذا الخط ممثلاً في (القرطبي المتوفى 671هـ)، وابن كثير (المتوفى 774هـ).. أي بعد حدوث ما حدث من قواصم للدولة العربية الإسلامية من الصليبيين والمغول وانهيار الدولة المركزية ونشوء الدويلات.. خمس أو ست قرون تفصل بين القراءتين، وهي قرون حدث فيها ما حدث وكان لا بد لذلك أن يؤثر على المناخ الثقافي الفكري الذي يتعامل مع النص..

فلنرَ كيف اختلفت القراءتان بشكل مباشر، خاصة وأن موضع الخلاف الأساسي كان في سورة الأنعام، هو هل كان إبراهيم في موضع (النظر)، أي البحث في الكون عن الإله الحق، أو كان في موضع (المناظرة) مع قومه، حيث كان يؤدي ما يؤديه كي يستدرجهم إلى الإيمان بالله عز وجل؟

التفسير الأول يحسم الأمر بشكل واضح باتجاه “النظر”، أي إن إبراهيم عليه السلام كان يبحث فعلاً عن الحق والحقيقة، وذلك قبل مرحلة النبوة والوحي.. ينقل ابن كثير عن ابن إسحاق (توفي 151هـ) اختياره النظر على المناظرة، بينما يستفيض الطبري في شرح ذلك.. حيث قال في تفسير: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْل رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي} تفسيراً مسنداً لابن عباس جاء فيه: (فَعَبَدَهُ – الكوكب- حَتَّى غَابَ, فَلَمَّا غَابَ قَالَ: لَا أُحِبّ الْآفِلِينَ ; فَلَمَّا رَأَى الْقَمَر بَازِغًا قَالَ : هَذَا رَبِّي! فَعَبَدَهُ حَتَّى غَابَ ; فَلَمَّا غَابَ قَالَ: لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَن مِنْ الْقَوْم الضَّالِّينَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّمْس بَازِغَة قَالَ: هَذَا رَبِّي, هَذَا أَكْبَر! فَعَبَدَهَا حَتَّى غَابَتْ; فَلَمَّا غَابَتْ قَالَ: يَا قَوْم إِنِّي بَرِيء مِمَّا تُشْرِكُونَ) ورد على الأقوال التي تعارض ذلك بعد أن استعرضها قائلاً: (وَفِي خَبَر اللَّه تَعَالَى عَنْ قِيل إِبْرَاهِيم حِين أَفَلَ الْقَمَر: {لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَن مِنْ الْقَوْم الضَّالِّينَ} الدَّلِيل عَلَى خَطَأ هَذِهِ الْأَقْوَال الَّتِي قَالَهَا هَؤُلَاءِ الْقَوْم، وَأَنَّ الصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ : الْإِقْرَار بِخَبَرِ اللَّه تَعَالَى الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ عَنْهُ وَالْإِعْرَاض عَمَّا عَدَاهُ…)

التفسير الثاني: يحسم الأمر بشكل لا لبس فيه، نحو “المناظرة”، بل إنه يرد بشدة على التفسير الأول باعتبار أن النظر هنا تهمة يجب دفعها، وأنها تمس مقام النبوة.. حيث يستفيض ابن كثير والقرطبي في ذلك.. ويذكر ابن كثير: (والحق أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان في هذا المقام مناظراً لقومه مبيناً لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام… وكيف يجوز أن يكون إبراهيم ناظراً في هذا المقام وهو الذي قال الله في حقه: {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين * إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون} الآيات.. كيف يكون إبراهيم الخليل الذي جعله الله أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يكن من المشركين ناظراً في هذا المقام بل هو أولى الناس بالفطرة السليمة السجية المستقيمة بعد رسول الله r بلا شك ولا ريب ومما يؤيد أنه كان في هذا المقام مناظراً لقومه فيما كانوا فيه من الشرك لا ناظراً قوله تعالى..) أما القرطبي فينقل: قال قوم: هذا لا يصح؛ وقالوا: غير جائز أن يكون لله تعالى رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو لله تعالى موحد وبه عارف، ومن كل معبود سواه بريء. قالوا: وكيف يصح أن يتوهم هذا على من عصمه الله وآتاه رشده من قبل، وأراه ملكوته ليكون من الموقنين، ولا يجوز أن يوصف بالخلو عن المعرفة، بل عرف الرب أول النظر. قال الزجاج: هذا الجواب عندي خطأ وغلط ممن قال؛ وقد أخبر الله تعالى عن إبراهيم أنه قال: {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} [إبراهيم:35] وقال جل وعز: {إذ جاء ربه بقلب سليم} [الصافات:84] أي لم يشرك به قط.

ومن الواضح من خلال الخطين أن سؤال النظر والمناظرة كان موجوداً في المرحلتين. لكن الفرق أنه كان محسوماً تماماً باتجاه (النظر) في قراءة الخط الأول، وكان محسوماً بالعكس، في الاتجاه الآخر في قراءة الخط الثاني..

الاختلاف ذاته ينتج مرة أخرى في آية سورة البقرة: {لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260]..

فقراءة الخط الأول، على الأقل الطبري، أنتجت تفسيراً تعامل مع النص القرآني دون محاولة للهروب إلى الأمام أو إلى الخلف، بل يقرر الطبري – بعقلانية وواقعية – بعد أن عرض لمجموعة من الأقوال، أن يقول بعد أن عرض مختلف الأقوال: (وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِتَأْوِيلِ الْآيَة مَا صَحَّ بِهِ الْخَبَر عَنْ رَسُول اللَّه r أَنَّهُ قَالَ, وَهُوَ قَوْله: “نَحْنُ أَحَقّ بِالشَّكِّ مِنْ إبْرَاهِيم, قَالَ: رَبّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى , قَالَ: أَوَلَمْ تُؤْمِن؟” وَأنْ تَكُون مَسْأَلَته رَبّه مَا سَأَلَهُ أَنْ يُرِيه مِنْ إحْيَاء الْمَوْتَى لِعَارِضٍ مِنْ الشَّيْطَان عَرَضَ فِي قَلْبه”.

أما قراءة الخط الثاني، فهي ترفض قراءة الطبري تماماً، وتعتبر أن هذا لا يجوز على الأنبياء صلوات الله عليهم مثل هذا الشك فإنه كفر، والأنبياء متفقون على الإيمان بالبعث. وقد أخبر الله تعالى أن أنبياءه وأولياءه ليس للشيطان عليهم سبيل فقال: {إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ} [الحجر: 15/42]، وقال اللعين: {إلا عبادك منهم المخلصين} وإذا لم يكن له عليهم سلطنة فكيف يشككهم..

وإنما سأل أن يشاهد كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفريقها وإيصال الأعصاب والجلود بعد تمزيقها، فأراد أن يترقى من علم اليقين إلى   عين اليقين.. القرطبي.. انتهى..

أما ابن كثير فمضى في تأويل حديث البخاري، الذي اعتمده الطبري: (فيه نفي للشك عنهما يقول: إذا لم أشك أنا في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى فإبراهيم أولى بألا يشك، وقال ذلك على سبيل التواضع والهضم من النفس)..

قد يتبادر إلى الذهن أن الأمر مجرد مسألة خلافية، وهي قد تكون كذلك فعلاً، لكن هناك مياه كثيرة مرت تحت الجسر خلال القرون الستة الفاصلة بين القراءتين، وهي المياه التي بررت هذا الاختلاف..

فبغداد، حاضرة الحضارة العباسية، التي أنتجت قراءة الطبري، كانت عاصمة النهضة والنماء، وكان التيار العقلاني فيها شديد الرسوخ والوضوح، لذلك فإن حسم (الطبري) هو نتيجة طبيعية لهذه البيئة، على العكس من القراءة الأخرى، التي نتجت في عصر أفول هذه الحضارة، والجمود على موجوداتها، فعكست هذا الأفول والجمود، وأبرزت الخوف الكامن في نمط التفكير من كل ما يتصور أنه يمس هذه الموجودات..

ولم يكن الطبري، أو ابن إسحاق، وهما الأقرب لعصر النبوة، أقل حرصاً على مقام النبوة، لكن مقام النبوة، عندما يكون المناخ نهضوياً ومرتفعاً، يكون مناخ الاقتداء بهذا المقام هو الأساس، والاقتداء يتطلب الإيمان بإنسانية هذا المقام في الدرجة الأولى، وهو اقتداء لن يخدشه أن إبراهيم بحث عن الحق قبل الوحي، بل سيعززه ويعزز مكانة العقل في الإسلام ككل، كما أنه مقام لن يخدشه حقيقة أن سيدنا إبراهيم كان إنساناً قد يكون وقع له ما يقع على البشر..

أمران مهمان يجب ألا ننساهما هنا:

الأول: سيكون من الخطأ وضع التراكم الفقهي والتفسيري كله في سلة واحدة، فما نتج في عصر النهضة الإسلامية الأولى مختلف تماماً عما نتج في عصور أخرى، خاصة إذا كان هذا النتاج الأخير مكرساً لما ترسخ في المجتمع من جمود وتقليد، لذا فإن الحديث عن “القطيعة” أو عن “التواصل”  مع “التراث” لا ينبغي أن يكون بمعزل عن البيئة التي أنتجت هذا التراث، هل كانت بيئة النهضة والحضارة والنمو؟.. أو كانت بيئة النكوص والجمود؟..

الثاني: لا يعني هذا أبداً أن كل ما أنتج في قرون الجمود جامداً.. فهناك قراءة استطاعت أن تخرج من إطارها الحضاري وكانت تقصد النهضة والبناء، ابن تيمية وابن خلدون والعز بن عبد السلام والشاطبي، كلهم أمثلة على قراءات أنجزت في عصر لا يمكن اعتباره مقارباً لعصر النهضة الأولى، ولكنها كانت تنزع إلى غير ما هو سائد في المجتمع، ولذلك نرى أن هذه القراءات لم تكرس ولم ترسخ في أذهان عموم الناس.. لم تدخل في صلب ما هو “مؤسس” في أذهان الناس..

اللافت هنا أن السائد والمهيمن حتى الآن، والذي يجري تداوله، هو قراءة الخط الثاني، بحسم تام أحياناً، وحتى دون أن يذكر وجود تفسير آخر، وهو أمر لا يجب أن يكون مستغرباً.. فعصرنا الحالي بالتأكيد هو أقرب إلى القرن السابع الهجري، عصر الانهيار والدويلات، من عصر الطبري، عصر النهضة والبزوغ و الحضارة..

تفكيك السلمية الدينية : د.أحمد قطشة

تفكيك السلمية الدينية

د.احمد قطشة


لا يهدف هذا المقال لدحض فكرة السلمية، أو الحديث عن جدواها في الثورة السورية، فمثل هذا النقاش طويل ومستمر(يمكن مراجعة نقد السلمية كفكرة بكتابات مالكوم إكس أو جورج أوريل على سبيل المثال). لكن نركز هنا على إصرار بعض السلميين المتدينين على ربط هذه الظاهرة مع الدين الإسلامي ومسخ الكثير من أحكامه لصالح تفسيرات عصرية للإسلام تتناسب مع مايريد الإنسان الغربي تحديداً سماعه (لايعني هذا إتهاماً لهم، بل هي من الموافقات ونعتقد أنها مصادفة لا أكثر).

سنقوم هنا باستعراض بعض دفاعات هذا الفريق ومقاربتها لنرى مدى دقتها وصحتها. ولن ندخل هنا أيضاً في تفسيراتهم للدين الإسلامي وأحكامه ومدى ضرورة التزام الفرد المسلم بهذه الأحكام، فهي نقاشات طويلة لامحل لها هنا.
1. الفكرة الرئيسية التي يتم الترويج لها من أنصار هذا الفريق أن مرحلتنا الحالية تقابل المرحلة المكية من الدعوة، وهي الفترة التي لم يؤمر بها الرسول عليه الصلاة والسلام بأي عمل عسكري ضد كفار قريش. وبالتالي هم يسقطون أحكام تلك المرحلة على حالتنا هذه، (يسقطونها فعلياً على حال الأمة ككل في مقابل القوى العظمى)، ومن هنا فإنه علينا ألا نقوم بأي عمل مما يسمونه هم “بالعمل العنفي”، ويدخل في ذلك نوعي الجهاد، جهاد الدفع وجهاد الطلب.
مصدر القياس هنا لديهم هو أن الصحابة في المجتمع المكي كانوا قلة ضعيفة، وبناءً على ذلك فعلينا ألا نقوم حتى بالدفاع عن النفس في مواجهة القتل اليومي الحاصل ( مايزال فريق منهم يرفض فعلياً ذلك وإن كان بعضهم قبل بمبدأ الدفاع عن النفس على مضض).
هناك عدة نقاط يمكن التوقف عندها هنا:

• لايمكن حقيقةً تشبيه هذه المرحلة بأي مرحلة في التاريخ، فالإسقاطات صعبة جداً وهناك تباينات كبيرة بين كل مرحلة، لكن طالما أنهم يريدون تشبيهاً فهناك مرحلة أشبه بما نحن فيه من المرحلة المكية، فالمرحلة المكية تشبه مرحلة ماقبل الثورة.
• إن كان ولابد من إيجاد شبه ما مع مرحلة ما، فالأدق أنها أشبه بمرحلة صلح الحديبية. بالتحديد حالنا أشبه بحال الصحابة (أبو بصير عتبة الثقفي ورفاقه) الذين فروا من مكة بعد الصلح، ولم يقبلهم رسول الله عليه الصلاة والسلام في المدينة بسبب عهده مع قريش، فأبوا أن يعودوا لقريش، ريثما يحصلون على الإذن بالوصول للمدينة. وهكذا نحن اليوم، خرجنا من الظلم والإضطهاد ولم نصل بعد للمدينة، هل هناك شك بشرعية قتال الظالمين في تلك المرحلة؟ مع أن الأفعال التي قام بها أؤلئك النفر هي ماقام به بالضبط الكثير من أفراد الجيش الحر في البداية وواجهوا هجوماً عنيفاً عليهم بحجة السلمية الدينية.
• لو قبلنا جدلاً أن ماقام به النبي عليه الصلاة والسلام كان ثورة، فيمكن بكل تأكيد الخروج بقاعدة عامة من ذلك الفعل، وهي قاعدة عامة في كل الثورات الكبرى التي غيرت وجه البشرية، وأسقطت فرضيات وأنشأت فرضيات جديدة مكانها، أن هناك فترة سابقة على الفعل الثوري، هي فترة التنظير وصنع النظرية الثورية، يمكن القول أنها فترة البناء للإنسان الثوري، ليكون جاهزاً في لحظة الثورة وبعدها لمرحلتي الهدم والبناء. من هنا يمكن القول أن المرحلة المكية كانت مرحلة بناء الإنسان وصنعه، ومن هنا لم تكن هناك أحكام بالقتال لإن هذا الإنسان لم يكن جاهزاً بعد وليس لكونه ضعيف وهذا فارق كبير جداً، فالرسول عندما كان يرى الصحابة يشتكون إليه لم يثبت أنه أجابهم كلا فنحن ضعفاء (في القرآن الكريم يُلام الضعفاء على عدم خروجهم من الأرض)، بل قال لهم اصبروا. فمرحلة التمكين لم تبدأ بعد، لم يكن الصحابة قد نضجوا بعد لتطبيق النظرية الدينية، لم يكن قد اكتمل بناؤهم. من هنا لايمكن القبول بالقول أن عدم ورود أوامر القتال كان بنتيجة ضعف الصحابة، والأدق أنها كانت فترة المرحلة النظرية من الاسلام، مرحلة صنع الفرد المسلم والنظرية الاسلامية لتكون جاهزة لحظة التطبيق في المرحلة المدنية.
• أكثر من هذا فإن أول سيف شهر بالإسلام كان في مكة، ومنذ أيام الإسلام الأولى، ففي المستدرك على الصحيحين عن عروة بن الزبير، قال: كانت نفحة من الشيطان أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد أُخذ، فسمع بذلك الزبير وهو ابن إحدى عشرة سنة، فخرج بالسيف مسلولاً حتى وقف على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (ما شأنك؟)، فقال: أردت أن أضرب من أخذك، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم ولسيفه، وكان أول سيف سل في سبيل الله عز وجل. لم يقل له: كلا فنحن مازلنا ضعفاء، ونحن قلة، ولم ينهه عن فعله، بل دعا له، مما يعني موافقة له على فعله، وفي واقع الأمر أن هذا يدل أن بعض الصحابة كان قد اكتمل البناء فيهم، كعمر وحمزة، حمزة الذي شج رأس أبي جهل، ولم يعاتبه عليه الصلاة والسلام في استعمال القوة حينها.
• القول أن أحكام المرحلة المكية هي السائدة اليوم وليست أحكام المرحلة المدنية فهذا يعني فرض الزمن على النص، وحصر النص الديني بالفترة الزمنية وجعلها متفوقة عليه، في حين أن النص القرآني يسمو على الزمان والمكان و لاينحصر تطبيقه بـأحدهما أو كلاهما. بل والأخطر من ذلك، فإن هذا يعني الانتقائية في التعامل مع النص القرآني، واختيار مايناسب القناعة المسبقة وهذا منهج خاطئ في التعامل مع القرآن الكريم.
• لو فرضنا دقة التشبيه وصحة هذا الاسقاط (أن مرحلتنا هي المكية) فإن المفروض حينها هو الهجرة من الأرض وبناء دولة التمكين وليس مقاومة الحاكم، فلم نعرف أن الصحابة قاموا بحركة مقاومة أو مظاهرات في الفترة المكية (سنناقض هذا لاحقاً).

2. من الأحاديث التي يقوم الربط بين السلمية والدين الإسلامي بها هي قوله عليه الصلاة والسلام (كن كخيري إبن آدم)، والحقيقة أن هذا الحديث يحتاج للتوقف عنده وفهمه، ثم نرى هل ينطبق علينا أم لا.
• ورد الحديث بعدة صيغ جميعها تدل على ذات المعنى، وورد أيضاً بكلمات مختلفة كلها تدل على نفس المعنى، بل وفيها انه حتى إذا دخل بيتك وقاتلك، فإنك تلزم بيتك ولاترد القتل. فهل هذا فعلاً هو المقصود، وهل هو مطلق؟
• إن كل الأحاديث التي ذكرت هذه المقولة، قد جاءت ضمن حديثه عليه الصلاة والسلام عن الفتن بين المسلمين، تلك الفتن التي لايُعرف فيها صاحب حق ولايتبين فيها صحة موقف، بل تكون الأمور ضبابية غائمة، لانعرف رأس الأمر من ذيله، فحينها تكون فتنة لا يدري القاتل فيما يقتل ولا المقتول فيما يُقتل، فهل فعلاً لا يدري الآن القاتل فيما يقتل ولا المقتول فيما يُقتل؟ لو تجاوزنا أن الطرفين مسلمون يتقاتلون.
• من المعروف في الدين الإسلامي عند استنباط الأحكام أنه لا ينظر لحديث واحد ويبنى عليه حكم، بل ينظر لجملة من الآيات والأحاديث، ويجمع التوافق بينها ثم يكون الحكم بناءً على مجموع هذه الآيات والأحاديث، وهذا ينطبق بطبيعة الحال على المسألة هنا.
• من ذلك مارواه عبد الله بن عمرو رضي اللَّه عنهما، عن النبي – صلى اللَّه عليه وسلم، أنه قال: (من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل، فهو شهيد). ومن ذلك أيضاً قوله تعالى {فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} الحجرات: 9 ، ومن ذلك قول عليه الصلاة والسلام (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً قال: كيف أنصره إذا كان ظالماً؟ قال: ترده عن ظلمه) وقوله عليه الصلاة والسلام (المسلم أخو المسلم يسعهما الماء والشجر ويتعاونان على الفتان). بل وجدت إجماعاً من علماء الشريعة على ضرورة دفع القاتل وقتاله في حال استهدف العرض في فتنة أم في غيرها. فكيف يستقيم أن يغلب حديث واحد مجموع الآيات والأحاديث المقابلة له، وهذا ولم يُعدم التوفيق بين هذه النصوص، لنقول أن نصاً نسخ نصاً آخر، وهذا ليس مذهبي.

3. يدفعون أحكام الجهاد وآياته بالقول (عدا القول بالمرحلة المكية) أن هذه الاحكام تحتاج لحاكم ليقوم بها، كما تحتاج لضامن يضمن عدم حيدها عن اهدافها وعدم تجاوزها لضوابطها وهنا يوجد نقاط
• تتعلق أغلب الانتقادات التي يوجهها أنصار هذا التيار للمؤسسة الدينية التقليدية بكونها أضافت قيوداَ على النص القرآني أو النبوي، عبر شروحات وتفاصيل لم ترد في النص الأصلي، وهي بذلك أعاقت النص وقيدت معناه. مايقوم به أنصار السلمية الدينيين هو شيء مشابه لهذا، لا أعني كلامهم عن ضرورة وجود حاكم، أو عن ضرورة الالتزام بالضوابط الشرعية عند تطبيق هذه النصوص، بل مايحدث أنهم يقيدون نصوص الجهاد أو نصوص المرحلة المدنية دوناً عن نصوص المرحلة المكية.
• من ذلك مثلاً ضرورة وجود الحاكم وأخذ إذنه بالقتال، لكن في المرحلة المكية، لو نظرنا لما قام به عمر بن الخطاب أو عبد الله بن مسعود من قراءة القرآن جهراً أو الطواف حول البيت على أنه فعل مقاومة سلمي ( هذه النقطة لم ينتبه لها أحد من السلميين الدينيين ولم يذكروها ضمن هذا السياق، وها أنا أضعها لهم لأثبت قرائتهم المنقوصة للتاريخ*) فإن كلا الصحابيين كانا قد أخذا الإذن من الرسول عليه الصلاة والسلام قبل فعل ذلك.
• طبعاً هم لايقولون كما أشرت أن هذا فعل مقاومة سلمي، وبالتالي لم ينتبهوا لوجود هذا الحاكم في المرحلة المكية. أهمية هذه النقطة تكمن أنه إذا كانت أوامر القتال في المرحلة المدنية (وهي مرحلة القوة) تحتاج لحاكم وآمر، فإن أحكاماً أقل “عنفاً” في المرحلة المكية احتاجت إذناً من رسول الله عليه الصلاة والسلام. وبالتالي فإنه حتى الخروج في مظاهرة يصبح فعلاً بدون إذن من الحاكم، وحتى الكتابة على الحائط يصبح فعلاً غير أخلاقي لكونه لم يحصل على إذن الحاكم، ووفق هذا المنطق تصبح الثورة كلها فعلا يحتاج لاذن خاص من الحاكم الشرعي للثوار (طبعا لن ندخل في كيفية تحديده وشروطه).
• وحتى لو كان ردهم، أن الصحابة إحتاجوا الإذن لعلمهم بعنف ردة فعل قريش، نكون نحن من باب أولى بحاجة لهذا الإذن لعلمنا بعنف النظام وردات فعله.
• من نافلة القول التذكير بأنه لا أحكام فقهية فرضت في المرحلة المكية وبناءً عليه هل علينا التوقف عن احكام الصلاة والصيام حتى تقوم الدولة المدنية.

3-فتح مكة سلمياً؟
إحدى الحجج التي يروجونها أن مكة فتحت سلمياً ولم تكن معركة كبقية المعارك، ما يعني انتصار السلمية في النهاية على “العنف”، وهنا توجد عدة نقاط:

• بدايةً لايمكن تصور الحديث عن فتح مكة، دون قبول المعارك الكبرى التي حدثت قبله، معركة بدر، وأحد والأحزاب. لا يمكن القول أننا نريد من المرحلة المدنية هذه الجزئية، في حين نتغاضى عن بقية المرحلة فقط لإنها لاتعجبنا، أو لإنها لاتنطبق على أفكارنا المسبقة.
• من الحوادث التي حصلت قبل فتح مكة، هناك حادثة مميزة، بين رسول الله عليه الصلاة والسلام وبين أبو بكر الصديق، وفيها أن أبو سفيان لما خرج خائباً من محاولته في تليين الرسول عليه الصلاة والسلام وتليين قلب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وثنيهم عن فتح مكة، أتى (أبو سفيان) على سلمان و صهيب وبلال في نفر، فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها. قال فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره. فقال عليه الصلاة والسلام: ” يا أبا بكر لعلك أغضبتهم؟ لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك” فأتاهم أبو بكر فقال: يا إخوتاه أغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أخي. فهل هذه مقدمات حرب أم مقدمات فتح سلمي؟
• خرج الرسول عليه الصلاة والسلام لفتح مكة في جيش ينوي القتال، كان رمضان، وأمرهم بالفطر ليتمكنوا من القتال، لم تكن النية فتحاً سلمياً.
• نعم كان الرسول يريد حقن الدماء تعظيماً لبيت الله الحرام وليس (سلمية)، ومع ذلك كانت أوامره واضحة، القضاء على أي مقاومة قد تواجه الجيش، من ذلك ماحصل لخالد بن الوليد رضي الله عنه وقتله لرجلان من كفار قريش كانوا مع آخرين في الخندقة وأمطروا قوة خالد بالنوابل مما اضطره للتعامل معهم بالقوة.
• في فتح مكة أيضاً حادثة مشهورة، لايشيرون إليها كثيراً، في مقابل قوله عليه الصلاة والسلام (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن)، الحادثة أنه عليه الصلاة والسلام أمر بقتل ستة أشخاص من مشركي قريش حتى لو تعلقوا بأستار الكعبة يومها، فهل يعقل أن يأمر بقتلهم وهو من أعطى الأمان لكل من دخل البيت الحرام يومها؟ هذا بلاشك يعني أن هناك حدوداً لكل شيء. ولو أخذنا بالنسبة والتناسب بين عدد سكان مكة حينها، وبين هؤلاء الستة، فسنكون أمام نفس النسبة تقريباً بين من يرتكب الفظائع اليوم لعدد السكان، هؤلاء لايمكن التسامح معهم بأي شكل، يجب أن ينالوا القصاص العادل.
• فهل بعد هذا يمكن القول أن مكة فتحت سلمياً؟

يتبين لنا بعد هذه المناقشة لأهم أدلة أنصار هذا الفريق، أنه لارابط حقيقي بين السلمية كنهج استراتيجي لاحياد عنه، وبين النصوص والحجج التي يتم الاستناد عليها لتقوية هذا المعتقد. مع ملاحظة أن كلامي هنا لايعني أن الدين الاسلامي دين عنف، أو يحض على الإرهاب أو قتل الأبرياء، فهذا نقاش مختلف. وإن أراد أنصار السلمية المتابعة بها والاستمرار بالدعوة لها، فهذا شأنهم ومايعتقدون، لكن رجاءً لايغيروا في الدين وفي التاريخ للإقناع الناس بمايريدون.**

*أحدهم أراد أن يستشهد بقصص الأنبياء في معرض دفاعه عن السملية، فاستشهد ذات مرة بنوح عليه السلام في سياق صبره على الكفار ونسي دعائه الشهير في نهاية المطاف (مع التأكيد على نهاية المطاف)، واستشهد بموسى عليه السلام بدعوته لبني اسرائيل بالصبر في سياق أن السلمية لا تصنع المعجزات، ونسي أن اكثر نبي أتى بالمعجزات لقومه كان موسى عليه السلام.

**من ذلك نهي أحدهم للشباب الثاثر أن يتمنى الشهادة في سبيل الله، بحجة أننا نريد شباباً يعيشون في سبيل الله، وهذا كلام حق (لن أقول أريد به باطل، لكن بحسن نية أخطئ قائله فيه). فالحق أن أحداً لايتمنى ولايجب أن يتمنى الموت، لكن تمني الشهادة هو أمر مختلف تماماً، والشهادة قد تدرك بالموت على الفراش كما ورد في حديث أبي مالك الأشعري مرفوعاً، ولعل الأمر إلتبس عليهم وربطوا الشهادة بالقتل في المعركة، فأرادوا التنفير من المعارك بالتنفير من طلب الشهادة.

القرآن من أجل الانبعاث بالأمة..القرآن من أجل ما أنزل من أجله